Qur'an&Sunnahالقرآن

Fakhr al-Din al-Razi - Mafatih al-Ghayb (Le Grand Commentaire)

Fakhr al-Din Muhammad ibn Umar al-Razi · AR

Section V20/P013–V20/P014Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb (s. V20/P013–V20/P014)
Orijinal Metin (AR)

والجواب عنه من وجوه : الأول : أن الجماد قد يوصف بكونه ميتا قال تعالى : { يخرج الحى من الميت } ( الروم : 19 ) . والثاني : أن القوم لما وصفوا تلك الأصنام بالإلهية والمعبودية قيل لهم ؛ ليس الأمر كذلك ، بل هي أموات ولا يعرفون شيئا ، فنزلت هذه العبارات على وفق معتقدهم . والثالث : أن يكون المراد بقوله : { والذين يدعون من دون الله } الملائكة ، وكان ناس من الكفار يعبدونهم فقال الله إنهم أموات لا بد لهم من الموت غير أحياء ، أي غير باقية حياتهم : { وما يشعرون أيان يبعثون } أي لا علم لهم بوقت بعثهم والله أعلم . ! 7 < { إلاهكم إلاه واحد فالذين لا يؤمنون بالا خرة قلوبهم منكرة وهم مستكبرون لا جرم أن الله يعلم ما يسرون وما يعلنون إنه لا يحب المستكبرين } > 7 < النحل : ( 22 - 23 ) إلهكم إله واحد . . . . . > > / اعلم أنه تعالى لما زيف فيما تقدم طريقة عبدة الأوثان والأصنام وبين فساد مذهبهم بالدلائل القاهرة قال : { إلاهكم إلاه واحد } ثم ذكر الله تعالى ما لأجله أصر الكفار على القول بالشرك وإنكار التوحيد فقال : { فالذين لا يؤمنون بالاخرة قلوبهم منكرة وهم مستكبرون } والمعنى أن الذين يؤمنون بالآخرة ويرغبون في الفوز بالثواب الدائم ويخافون الوقوع في العقاب الدائم إذا سمعوا الدلائل والترغيب والترهيب ، خافوا العقاب فتأملوا وتفكروا فيما يسمعونه ، فلا جرم ينتفعون بسماع الدلائل ، ويرجعون من الباطل إلى الحق ، أما الذين لا يؤمنون بالآخرة وينكرونها فإنهم لا يرغبون في حصول الثواب ولا يرهبون من الوقوع في العقاب فيبقون منكرين لكل كلام يخالف قولهم ويستكبرون عن الرجوع إلى قول غيرهم ، فلا جرم يبقون مصرين على ما كانوا عليه من الجهل والضلال . ثم قال تعالى : { لا جرم أن الله يعلم ما يسرون وما يعلنون } والمعنى أنه تعالى يعلم أن إصرارهم على هذه المذاهب الفاسدة ليس لأجل شبهة تصوروهاأو إشكال تخيلوه ، بل ذلك لأجل التقليد والنفرة عن الرجوع إلى الحق والشغف بنصرة مذاهب الأسلاف والتكبر والنخوة . فلهذا قال : { إنه لا يحب المستكبرين } وهذا الوعيد يتناول كل المتكبرين . ! 7 < { وإذا قيل لهم ماذآ أنزل ربكم قالوا أساطير الا ولين ليحملوا أوزارهم كاملة يوم القيامة ومن أوزار الذين يضلونهم بغير علم ألا سآء ما يزرون } > 7 < النحل : ( 24 - 25 ) وإذا قيل لهم . . . . . > > اعلم أنه تعالى لما بالغ في تقرير دلائل التوحيد وأورد الدلائل القاهرة في إبطال مذاهب عبدة الأصنام ، ذكر بعد ذلك شبهات منكري النبوة مع الجواب عنها . فالشبهة الأولى : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما احتج على صحة نبوة نفسه بكون القرآن معجزة طعنوا في القرآن وقالوا : إنه أساطير الأولين ، وليس هو من جنس المعجزات ، وفي الآية مسائل : / المسألة الأولى : اختلفوا في أن ذلك السائل من كان ؟ قيل هو كلام بعضهم لبعض ، وقيل هو قول المسلمين لهم ، وقيل : هو قول المقتسمين الذين اقتسموا مداخل مكة ينفرون عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سألهم وفود الحاج عما أنزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم . المسألة الثانية : لقائل أن يقول : كيف يكون تنزيل ربهم أساطير الأولين ؟ .

Français Tercümesi (Ehl-i Sünnet)

والجواب عنه من وجوه : الأول : أن الجماد قد يوصف بكونه ميتا قال تعالى : { يخرج الحى من الميت } ( الروم : 19 ) . والثاني : أن القوم لما وصفوا تلك الأصنام بالإلهية والمعبودية قيل لهم ؛ ليس الأمر كذلك ، بل هي أموات ولا يعرفون شيئا ، فنزلت هذه العبارات على وفق معتقدهم . والثالث : أن يكون المراد بقوله : { والذين يدعون من دون الله } الملائكة ، وكان ناس من الكفار يعبدونهم فقال الله إنهم أموات لا بد لهم من الموت غير أحياء ، أي غير باقية حياتهم : { وما يشعرون أيان يبعثون } أي لا علم لهم بوقت بعثهم والله أعلم . ! 7 < { إلاهكم إلاه واحد فالذين لا يؤمنون بالا خرة قلوبهم منكرة وهم مستكبرون لا جرم أن الله يعلم ما يسرون وما يعلنون إنه لا يحب المستكبرين } > 7 < النحل : ( 22 - 23 ) إلهكم إله واحد . . . . . > > / اعلم أنه تعالى لما زيف فيما تقدم طريقة عبدة الأوثان والأصنام وبين فساد مذهبهم بالدلائل القاهرة قال : { إلاهكم إلاه واحد } ثم ذكر الله تعالى ما لأجله أصر الكفار على القول بالشرك وإنكار التوحيد فقال : { فالذين لا يؤمنون بالاخرة قلوبهم منكرة وهم مستكبرون } والمعنى أن الذين يؤمنون بالآخرة ويرغبون في الفوز بالثواب الدائم ويخافون الوقوع في العقاب الدائم إذا سمعوا الدلائل والترغيب والترهيب ، خافوا العقاب فتأملوا وتفكروا فيما يسمعونه ، فلا جرم ينتفعون بسماع الدلائل ، ويرجعون من الباطل إلى الحق ، أما الذين لا يؤمنون بالآخرة وينكرونها فإنهم لا يرغبون في حصول الثواب ولا يرهبون من الوقوع في العقاب فيبقون منكرين لكل كلام يخالف قولهم ويستكبرون عن الرجوع إلى قول غيرهم ، فلا جرم يبقون مصرين على ما كانوا عليه من الجهل والضلال . ثم قال تعالى : { لا جرم أن الله يعلم ما يسرون وما يعلنون } والمعنى أنه تعالى يعلم أن إصرارهم على هذه المذاهب الفاسدة ليس لأجل شبهة تصوروهاأو إشكال تخيلوه ، بل ذلك لأجل التقليد والنفرة عن الرجوع إلى الحق والشغف بنصرة مذاهب الأسلاف والتكبر والنخوة . فلهذا قال : { إنه لا يحب المستكبرين } وهذا الوعيد يتناول كل المتكبرين . ! 7 < { وإذا قيل لهم ماذآ أنزل ربكم قالوا أساطير الا ولين ليحملوا أوزارهم كاملة يوم القيامة ومن أوزار الذين يضلونهم بغير علم ألا سآء ما يزرون } > 7 < النحل : ( 24 - 25 ) وإذا قيل لهم . . . . . > > اعلم أنه تعالى لما بالغ في تقرير دلائل التوحيد وأورد الدلائل القاهرة في إبطال مذاهب عبدة الأصنام ، ذكر بعد ذلك شبهات منكري النبوة مع الجواب عنها . فالشبهة الأولى : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما احتج على صحة نبوة نفسه بكون القرآن معجزة طعنوا في القرآن وقالوا : إنه أساطير الأولين ، وليس هو من جنس المعجزات ، وفي الآية مسائل : / المسألة الأولى : اختلفوا في أن ذلك السائل من كان ؟ قيل هو كلام بعضهم لبعض ، وقيل هو قول المسلمين لهم ، وقيل : هو قول المقتسمين الذين اقتسموا مداخل مكة ينفرون عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سألهم وفود الحاج عما أنزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم . المسألة الثانية : لقائل أن يقول : كيف يكون تنزيل ربهم أساطير الأولين ؟ .

Section V20/P014–V20/P015Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb (s. V20/P014–V20/P015)
Orijinal Metin (AR)

وجوابه من وجوه : الأول : أنه مذكور على سبيل السخرية كقوله تعالى عنهم : { إن رسولكم الذى أرسل إليكم } ( الشعراء : 27 ) ، وقوله : { وقالوا يأيها الذى نزل عليه الذكر إنك لمجنون } ( الحجر : 6 ) وقوله : { يأيه الساحر ادع لنا ربك } ( الزخرف : 49 ) . الثاني : أن يكون التقدير هذا الذي تذكرون أنه منزل من ربكم هو أساطير الأولين . الثالث : يحتمل أن يكون المراد أن هذا القرآن بتقدير أن يكون مما أنزله الله لكنه أساطير الأولين ليس فيه شيء من العلوم والفصاحة والدقائق والحقائق . واعلم أنه تعالى لما حكى شبههم قال : { ليحملوا أوزارهم كاملة يوم القيامة } اللام في ليحملوا لام العاقبة ، وذلك أنهم لم يصفوا القرآن بكونه أساطير الأولين لأجل أن يحملوا الأوزار ، ولكن لما كانت عاقبتهم ذلك حسن ذكر هذه اللام كقوله : { ءال فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا إن } ( القصص : 8 ) وقوله : { كاملة } معناه : أنه تعالى لا يخفف من عقابهم شيئا ، بل يوصل ذلك العقاب بكليته إليهم ، وأقول : هذا يدل على أنه تعالى قد يسقط بعض العقاب عن المؤمنين ، إذ لو كان هذا المعنى حاصلا في حق الكل ، لم يكن لتخصيص هؤلاء الكفار بهذا التكميل معنى ، وقوله : { ومن أوزار الذين يضلونهم } معناه : ويحصل للرؤساء مثل أوزار الأتباع ، والسبب فيه ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( أيما داع دعا إلى الهدى فاتبع كان له مثل أجر من اتبعه لا ينقص من أجورهم شيء وأيما داع دعا إلى ضلالة فاتبع كان عليه مثل وزر من اتبعه لا ينقص من آثامهم شيء ) . واعلم أنه ليس المراد منه أنه تعالى يوصل العقاب الذي يستحقه الأتباع إلى الرؤساء ، وذلك لأن هذا لا يليق بعدل الله تعالى ، والدليل عليه قوله تعالى : { وأن ليس للإنسان إلا ما سعى } ( النجم : 39 ) وقوله : { ولا تزر وازرة وزر أخرى } ( الإسراء : 15 ) بل المعنى : أن الرئيس إذا وضع سنة قبيحة عظم عقابه ، حتى أن ذلك العقاب يكون مساويا لكل ما يستحقه كل واحد من الأتباع ، قال الواحدي : ولفظه : { من } في قوله , { ومن أوزار الذين يضلونهم } ليست للتبعيض ، لأنها لو كانت للتبعيض لخف عن الأتباع بعض أوزارهم ، وذلك غير جائز ، لقوله عليه السلام : ( من غير أن ينقص من أوزارهم شيء ) . ولكنها للجنس / أي ليحملوا من جنس أوزار الأتباع . وقوله : { بغير علم } يعني أن هؤلاء الرؤساء إنما يقدمون على هذا الإضلال جهلا منهم بما يستحقونه من العذاب الشديد على ذلك الإضلال ثم إنه تعالى ختم الكلام بقوله : { ألا ساء ما يزرون } والمقصود المبالغة في الزجر . / فإن قيل : إنه تعالى لما حكى عن القوم هذه الشبهة لم يجب عليها ، بل اقتصر على محض الوعيد ؛ فما السبب فيه ؟ .

Français Tercümesi (Ehl-i Sünnet)

وجوابه من وجوه : الأول : أنه مذكور على سبيل السخرية كقوله تعالى عنهم : { إن رسولكم الذى أرسل إليكم } ( الشعراء : 27 ) ، وقوله : { وقالوا يأيها الذى نزل عليه الذكر إنك لمجنون } ( الحجر : 6 ) وقوله : { يأيه الساحر ادع لنا ربك } ( الزخرف : 49 ) . الثاني : أن يكون التقدير هذا الذي تذكرون أنه منزل من ربكم هو أساطير الأولين . الثالث : يحتمل أن يكون المراد أن هذا القرآن بتقدير أن يكون مما أنزله الله لكنه أساطير الأولين ليس فيه شيء من العلوم والفصاحة والدقائق والحقائق . واعلم أنه تعالى لما حكى شبههم قال : { ليحملوا أوزارهم كاملة يوم القيامة } اللام في ليحملوا لام العاقبة ، وذلك أنهم لم يصفوا القرآن بكونه أساطير الأولين لأجل أن يحملوا الأوزار ، ولكن لما كانت عاقبتهم ذلك حسن ذكر هذه اللام كقوله : { ءال فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا إن } ( القصص : 8 ) وقوله : { كاملة } معناه : أنه تعالى لا يخفف من عقابهم شيئا ، بل يوصل ذلك العقاب بكليته إليهم ، وأقول : هذا يدل على أنه تعالى قد يسقط بعض العقاب عن المؤمنين ، إذ لو كان هذا المعنى حاصلا في حق الكل ، لم يكن لتخصيص هؤلاء الكفار بهذا التكميل معنى ، وقوله : { ومن أوزار الذين يضلونهم } معناه : ويحصل للرؤساء مثل أوزار الأتباع ، والسبب فيه ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( أيما داع دعا إلى الهدى فاتبع كان له مثل أجر من اتبعه لا ينقص من أجورهم شيء وأيما داع دعا إلى ضلالة فاتبع كان عليه مثل وزر من اتبعه لا ينقص من آثامهم شيء ) . واعلم أنه ليس المراد منه أنه تعالى يوصل العقاب الذي يستحقه الأتباع إلى الرؤساء ، وذلك لأن هذا لا يليق بعدل الله تعالى ، والدليل عليه قوله تعالى : { وأن ليس للإنسان إلا ما سعى } ( النجم : 39 ) وقوله : { ولا تزر وازرة وزر أخرى } ( الإسراء : 15 ) بل المعنى : أن الرئيس إذا وضع سنة قبيحة عظم عقابه ، حتى أن ذلك العقاب يكون مساويا لكل ما يستحقه كل واحد من الأتباع ، قال الواحدي : ولفظه : { من } في قوله , { ومن أوزار الذين يضلونهم } ليست للتبعيض ، لأنها لو كانت للتبعيض لخف عن الأتباع بعض أوزارهم ، وذلك غير جائز ، لقوله عليه السلام : ( من غير أن ينقص من أوزارهم شيء ) . ولكنها للجنس / أي ليحملوا من جنس أوزار الأتباع . وقوله : { بغير علم } يعني أن هؤلاء الرؤساء إنما يقدمون على هذا الإضلال جهلا منهم بما يستحقونه من العذاب الشديد على ذلك الإضلال ثم إنه تعالى ختم الكلام بقوله : { ألا ساء ما يزرون } والمقصود المبالغة في الزجر . / فإن قيل : إنه تعالى لما حكى عن القوم هذه الشبهة لم يجب عليها ، بل اقتصر على محض الوعيد ؛ فما السبب فيه ؟ .

Section V20/P015–V20/P017Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb (s. V20/P015–V20/P017)
Orijinal Metin (AR)

قلنا : السبب فيه أنه تعالى بين كون القرآن معجزا بطريقين : الأول : أنه صلى الله عليه وسلم تحداهم بكل القرآن ، وتارة بعشر سور ، وتارة بسورة واحدة ، وتارة بحديث واحد ، وعجزوا عن المعارضة ، وذلك يدل على كونه معجزا . الثاني : أنه تعالى حكى هذه الشبهة بعينها في آية أخرى وهو قوله : { اكتتبها فهى تملى عليه بكرة وأصيلا } ( الفرقان : 5 ) وأبطلها بقوله : { قل أنزله الذى يعلم السر فى السماوات والارض } ( الفرقان : 6 ) ومعناه أن القرآن مشتمل على الأخبار عن الغيوب ، وذلك لا يتأتى إلا ممن يكون عالما بأسرار السموات والأرض ، فلما ثبت كون القرآن معجزا بهذين الطريقين ، وتكرر شرح هذين الطريقين مرارا كثيرة لا جرم اقتصر في هذه الآية على مجرد الوعيد ولم يذكر ما يجري مجرى الجواب عن هذه الشبهة ، والله أعلم . ! 7 < { قد مكر الذين من قبلهم فأتى الله بنيانهم من القواعد فخر عليهم السقف من فوقهم وأتاهم العذاب من حيث لا يشعرون ثم يوم القيامة يخزيهم ويقول أين شركآئى الذين كنتم تشاقون فيهم قال الذين أوتوا العلم إن الخزى اليوم والسوء على الكافرين الذين تتوفاهم الملائكة ظالمى أنفسهم فألقوا السلم ما كنا نعمل من سوء بلى إن الله عليم بما كنتم تعملون } > 7 < النحل : ( 26 - 28 ) قد مكر الذين . . . . . > > اعلم أن المقصود من الآية المبالغة في وصف وعيد أولئك الكفار ، وفي المراد بالذين من قبلهم قولان : القول الأول : وهو قول الأكثر من المفسرين أن المراد منه نمروذ بن كنعان بنى صرحا / عظيما ببابل طوله خمسة آلاف ذراع . وقيل فرسخان ، ورام منه الصعود إلى السماء ليقاتل أهلها ، فالمراد بالمكر ههنا بناء الصرح لمقاتلة أهل السماء . والقول الثاني : وهو الأصح ، أن هذا عام في جميع المبطلين الذين يحاولون إلحاق الضرر والمكر بالمحقين . أما قوله تعالى : { فأتى الله بنيانهم من القواعد } ففيه مسألتان : المسألة الأولى : أن الإتيان والحركة على الله محال ، فالمراد أنهم لما كفروا أتاهم الله بزلازل قلع بها بنيانهم من القواعد والأساس . المسألة الثانية : في قوله : { فأتى الله بنيانهم من القواعد } قولان : القول الأول : أن هذا محض التمثيل ، والمعنى أنهم رتبوا منصوبات ليمكروا بها أنبياء الله تعالى فجعل الله تعالى حالهم في تلك المنصوبات مثل حال قوم بنوا بنيانا وعمدوه بالأساطين فانهدم ذلك البناء ، وضعفت تلك الأساطين ، فسقط السقف عليهم . ونظيره قولهم : من حفر بئرا لأخيه أوقعه الله فيه . والقول الثاني : أن المراد منه ما دل عليه الظاهر ، وهو أنه تعالى أسقط عليهم السقف وأماتهم تحته ، والأول أقرب إلى المعنى . أما قوله تعالى : { فخر عليهم السقف من فوقهم } ففيه سؤال : وهو أن السقف لا يخر إلا من فوقهم ، فما معنى هذا الكلام .

Français Tercümesi (Ehl-i Sünnet)

قلنا : السبب فيه أنه تعالى بين كون القرآن معجزا بطريقين : الأول : أنه صلى الله عليه وسلم تحداهم بكل القرآن ، وتارة بعشر سور ، وتارة بسورة واحدة ، وتارة بحديث واحد ، وعجزوا عن المعارضة ، وذلك يدل على كونه معجزا . الثاني : أنه تعالى حكى هذه الشبهة بعينها في آية أخرى وهو قوله : { اكتتبها فهى تملى عليه بكرة وأصيلا } ( الفرقان : 5 ) وأبطلها بقوله : { قل أنزله الذى يعلم السر فى السماوات والارض } ( الفرقان : 6 ) ومعناه أن القرآن مشتمل على الأخبار عن الغيوب ، وذلك لا يتأتى إلا ممن يكون عالما بأسرار السموات والأرض ، فلما ثبت كون القرآن معجزا بهذين الطريقين ، وتكرر شرح هذين الطريقين مرارا كثيرة لا جرم اقتصر في هذه الآية على مجرد الوعيد ولم يذكر ما يجري مجرى الجواب عن هذه الشبهة ، والله أعلم . ! 7 < { قد مكر الذين من قبلهم فأتى الله بنيانهم من القواعد فخر عليهم السقف من فوقهم وأتاهم العذاب من حيث لا يشعرون ثم يوم القيامة يخزيهم ويقول أين شركآئى الذين كنتم تشاقون فيهم قال الذين أوتوا العلم إن الخزى اليوم والسوء على الكافرين الذين تتوفاهم الملائكة ظالمى أنفسهم فألقوا السلم ما كنا نعمل من سوء بلى إن الله عليم بما كنتم تعملون } > 7 < النحل : ( 26 - 28 ) قد مكر الذين . . . . . > > اعلم أن المقصود من الآية المبالغة في وصف وعيد أولئك الكفار ، وفي المراد بالذين من قبلهم قولان : القول الأول : وهو قول الأكثر من المفسرين أن المراد منه نمروذ بن كنعان بنى صرحا / عظيما ببابل طوله خمسة آلاف ذراع . وقيل فرسخان ، ورام منه الصعود إلى السماء ليقاتل أهلها ، فالمراد بالمكر ههنا بناء الصرح لمقاتلة أهل السماء . والقول الثاني : وهو الأصح ، أن هذا عام في جميع المبطلين الذين يحاولون إلحاق الضرر والمكر بالمحقين . أما قوله تعالى : { فأتى الله بنيانهم من القواعد } ففيه مسألتان : المسألة الأولى : أن الإتيان والحركة على الله محال ، فالمراد أنهم لما كفروا أتاهم الله بزلازل قلع بها بنيانهم من القواعد والأساس . المسألة الثانية : في قوله : { فأتى الله بنيانهم من القواعد } قولان : القول الأول : أن هذا محض التمثيل ، والمعنى أنهم رتبوا منصوبات ليمكروا بها أنبياء الله تعالى فجعل الله تعالى حالهم في تلك المنصوبات مثل حال قوم بنوا بنيانا وعمدوه بالأساطين فانهدم ذلك البناء ، وضعفت تلك الأساطين ، فسقط السقف عليهم . ونظيره قولهم : من حفر بئرا لأخيه أوقعه الله فيه . والقول الثاني : أن المراد منه ما دل عليه الظاهر ، وهو أنه تعالى أسقط عليهم السقف وأماتهم تحته ، والأول أقرب إلى المعنى . أما قوله تعالى : { فخر عليهم السقف من فوقهم } ففيه سؤال : وهو أن السقف لا يخر إلا من فوقهم ، فما معنى هذا الكلام .

Section V20/P017–V20/P018Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb (s. V20/P017–V20/P018)
Orijinal Metin (AR)

وجوابه من وجهين : الأول : أن يكون المقصود بالتأكيد . والثاني : ربما خر السقف ، ولا يكون تحته أحد ، فلما قال : { فخر عليهم السقف من فوقهم } دل هذا الكلام على أنهم كانوا تحته ، وحينئذ يفيد هذا الكلام أن الأبنية قد تهدمت وهم ماتوا تحتها . وقوله : { وأتاهم العذاب من حيث لا يشعرون } إن حملنا هذا الكلام على محض التمثيل فالأمر ظاهر . والمعنى : أنهم اعتمدوا على منصوباتهم . ثم تولد البلاء منها بأعيانها ، وإن حملناه على الظاهر فالمعنى أنه نزل ذلك السقف عليهم بغتة ، لأنه إذا كان كذلك كان أعظم في الزجر لمن سلك مثل سبيلهم ، ثم بين تعالى أن عذابهم لا يكون مقصورا على هذا القدر ، بل الله تعالى يخزيهم يوم القيامة ، والخزي هو العذاب مع الهوان ، وفسر تعالى ذلك الهوان بأنه تعالى يقول لهم : { أين شركآئى الذين كنتم تشاقون فيهم } وفيه أبحاث : البحث الأول : قال الزجاج : قوله : { أين شركائى } معناه : أين شركائي في زعمكم واعتقادكم . ونظيره قوله تعالى : { أين شركاؤهم الذين كنتم تزعمون } ( الأنعام : 22 ) وقال أيضا : { وقال شركاؤهم ما كنتم إيانا تعبدون } ( يونس : 28 ) وإنما حسنت هذه الإضافة لأنه يكفي في حسن الإضافة أدنى سبب ، وهذا كما يقال لمن يحمل خشبة خذ طرفك وآخذ طرفي ، فأضيف الطرف إليه . البحث الثاني : قوله : { تشاقون فيهم } أي تعادون وتخاصمون المؤمنين في شأنهم ، وقيل : المشاقة عبارة عن كون أحد الخصمين في شق وكون الآخر في الشق الآخر . البحث الثالث : قرأ نافع : { تشاقون } بكسر النون على الإضافة ، والباقون بفتح النون على الجمع . ثم قال تعالى : { قال الذين أوتوا العلم إن الخزى اليوم والسوء على الكافرين } وفيه بحثان : البحث الأول : { قال الذين أوتوا العلم } قال ابن عباس : يريد الملائكة ، وقال آخرون هم المؤمنون يقولون حين يرون خزي الكفار يوم القيامة إن الخزي اليوم والسوء على الكافرين ، والفائدة فيه أن الكفار كانوا ينكرون على المؤمنين في الدنيا فإذا ذكر المؤمن هذا الكلام يوم القيامة في معرض إهانة الكافر كان وقع هذا الكلام على الكافر وتأثيره في إيذائه أكمل وحصول الشماتة به أقوى . البحث الثاني : المرجئة احتجوا بهذه الآية على أن العذاب مختص بالكافر قالوا لأن قوله تعالى : { إن الخزى اليوم والسوء على الكافرين } يدل على أن ماهية الخزي والسوء في يوم القيامة مختصة بالكافر ، وذلك ينفي حصول هذه الماهية في حق غيرهم ، وتأكد هذا بقول موسى عليه السلام : { إنا قد أوحى إلينا أن العذاب على من كذب وتولى } ( طه : 48 ) ثم أنه تعالى وصف عذاب هؤلاء الكفار من وجه آخر فقال : { الذين تتوفاهم الملائكة ظالمى أنفسهم } قرأ حمزة : { ننزل الملائكة } بالياء لأن الملائكة ذكور ، والباقون بالتاء للفظ . ثم قال : { فألقوا السلم ما كنا نعمل من سوء } وفيه قولان : القول الأول : أنه تعالى حكى عنهم إلقاء السلم عند القرب من الموت ، قال ابن عباس : أسلموا وأقروا لله بالعبودية عند الموت . وقوله : { ما كنا نعمل من سوء } أي قالوا ما كنا نعمل من سوءا والمراد من هذا السوء الشرك ، فقالت الملائكة ردا عليهم وتكذيبا : بلى إن الله عليم بما كنتم تعملون من التكذيب والشرك ، ومعنى بلى ردا لقولهم : { ما كنا نعمل من سوء } وفيه قولان : القول الأول : أنه تعالى حكى عنهم إلقاء السلم عند القرب من الموت .

Français Tercümesi (Ehl-i Sünnet)

وجوابه من وجهين : الأول : أن يكون المقصود بالتأكيد . والثاني : ربما خر السقف ، ولا يكون تحته أحد ، فلما قال : { فخر عليهم السقف من فوقهم } دل هذا الكلام على أنهم كانوا تحته ، وحينئذ يفيد هذا الكلام أن الأبنية قد تهدمت وهم ماتوا تحتها . وقوله : { وأتاهم العذاب من حيث لا يشعرون } إن حملنا هذا الكلام على محض التمثيل فالأمر ظاهر . والمعنى : أنهم اعتمدوا على منصوباتهم . ثم تولد البلاء منها بأعيانها ، وإن حملناه على الظاهر فالمعنى أنه نزل ذلك السقف عليهم بغتة ، لأنه إذا كان كذلك كان أعظم في الزجر لمن سلك مثل سبيلهم ، ثم بين تعالى أن عذابهم لا يكون مقصورا على هذا القدر ، بل الله تعالى يخزيهم يوم القيامة ، والخزي هو العذاب مع الهوان ، وفسر تعالى ذلك الهوان بأنه تعالى يقول لهم : { أين شركآئى الذين كنتم تشاقون فيهم } وفيه أبحاث : البحث الأول : قال الزجاج : قوله : { أين شركائى } معناه : أين شركائي في زعمكم واعتقادكم . ونظيره قوله تعالى : { أين شركاؤهم الذين كنتم تزعمون } ( الأنعام : 22 ) وقال أيضا : { وقال شركاؤهم ما كنتم إيانا تعبدون } ( يونس : 28 ) وإنما حسنت هذه الإضافة لأنه يكفي في حسن الإضافة أدنى سبب ، وهذا كما يقال لمن يحمل خشبة خذ طرفك وآخذ طرفي ، فأضيف الطرف إليه . البحث الثاني : قوله : { تشاقون فيهم } أي تعادون وتخاصمون المؤمنين في شأنهم ، وقيل : المشاقة عبارة عن كون أحد الخصمين في شق وكون الآخر في الشق الآخر . البحث الثالث : قرأ نافع : { تشاقون } بكسر النون على الإضافة ، والباقون بفتح النون على الجمع . ثم قال تعالى : { قال الذين أوتوا العلم إن الخزى اليوم والسوء على الكافرين } وفيه بحثان : البحث الأول : { قال الذين أوتوا العلم } قال ابن عباس : يريد الملائكة ، وقال آخرون هم المؤمنون يقولون حين يرون خزي الكفار يوم القيامة إن الخزي اليوم والسوء على الكافرين ، والفائدة فيه أن الكفار كانوا ينكرون على المؤمنين في الدنيا فإذا ذكر المؤمن هذا الكلام يوم القيامة في معرض إهانة الكافر كان وقع هذا الكلام على الكافر وتأثيره في إيذائه أكمل وحصول الشماتة به أقوى . البحث الثاني : المرجئة احتجوا بهذه الآية على أن العذاب مختص بالكافر قالوا لأن قوله تعالى : { إن الخزى اليوم والسوء على الكافرين } يدل على أن ماهية الخزي والسوء في يوم القيامة مختصة بالكافر ، وذلك ينفي حصول هذه الماهية في حق غيرهم ، وتأكد هذا بقول موسى عليه السلام : { إنا قد أوحى إلينا أن العذاب على من كذب وتولى } ( طه : 48 ) ثم أنه تعالى وصف عذاب هؤلاء الكفار من وجه آخر فقال : { الذين تتوفاهم الملائكة ظالمى أنفسهم } قرأ حمزة : { ننزل الملائكة } بالياء لأن الملائكة ذكور ، والباقون بالتاء للفظ . ثم قال : { فألقوا السلم ما كنا نعمل من سوء } وفيه قولان : القول الأول : أنه تعالى حكى عنهم إلقاء السلم عند القرب من الموت ، قال ابن عباس : أسلموا وأقروا لله بالعبودية عند الموت . وقوله : { ما كنا نعمل من سوء } أي قالوا ما كنا نعمل من سوءا والمراد من هذا السوء الشرك ، فقالت الملائكة ردا عليهم وتكذيبا : بلى إن الله عليم بما كنتم تعملون من التكذيب والشرك ، ومعنى بلى ردا لقولهم : { ما كنا نعمل من سوء } وفيه قولان : القول الأول : أنه تعالى حكى عنهم إلقاء السلم عند القرب من الموت .

Section V20/P018–V20/P019Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb (s. V20/P018–V20/P019)
Orijinal Metin (AR)

والقول الثاني : أنه تم الكلام عند قوله : { ظالمى أنفسهم } ثم عاد الكلام إلى حكاية كلام المشركين يوم القيامة ، والمعنى : أنهم يوم القيامة ألقوا السلم وقالوا ما كنا نعمل في الدنيا من سوء ، ثم ههنا اختلفوا ، فالذين جوزوا الكذب على أهل القيامة ، قالوا : هذا القول منهم على سبيل الكذب / وإنما أقدموا على هذا الكذب لغاية الخوف ، والذين قالوا إن الكذب لا يجوز عليهم قالوا : معنى الآية ، ما كنا نعمل من سوء عند أنفسنا أو في اعتقادنا ، وأما بيان أن الكذب على أهل القيامة هل يجوز أم لا ؟ فقد ذكرناه في سورة الأنعام في تفسير قوله تعالى : { ثم لم تكن فتنتهم إلا أن قالوا والله ربنا ما كنا مشركين } ( الأنعام : 23 ) واعلم أنه تعالى لما حكى عنهم أنهم قالوا : ما كنا نعمل من سوء قال بلى إن الله عليم بما كنتم تعملون ، ولا يبعد أن يكون قائل هذا القول هو الله تعالى أو بعض الملائكة ردا عليهم وتكذيبا لهم ، ومعنى بلى الرد لقولهم : { ما كنا نعمل من سوء } وقوله : { إن الله عليم بما كنتم تعملون } يعني أنه عالم بما كنتم عليه في الدنيا فلا ينفعكم هذا الكذب فإنه يجازيكم على الكفر الذي علمه منكم . ثم صرح بذكر العقاب فقال : ! 7 < { فادخلوا أبواب جهنم خالدين فيها فلبئس مثوى المتكبرين } > 7 < النحل : ( 29 ) فادخلوا أبواب جهنم . . . . . > > وهذا يدل على تفاوت منازلهم في العقاب ، فيكون عقاب بعضم أعظم من عقاب بعض ، وإنما صرح تعالى بذكر الخلود ليكون الغم والحزن أعظم . ثم قال : { فلبئس مثوى المتكبرين } على قبول التوحيد وسائر ما أتت به الأنبياء ، وتفسير التكبر قد مر في هذا الكتاب غير مرة . والله أعلم . ! 7 < { وقيل للذين اتقوا ماذا أنزل ربكم قالوا خيرا للذين أحسنوا فى هاذه الدنيا حسنة ولدار الا خرة خير ولنعم دار المتقين جنات عدن يدخلونها تجرى من تحتها الأنهار لهم فيها ما يشآءون كذلك يجزى الله المتقين الذين تتوفاهم الملائكة طيبين يقولون سلام عليكم ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون } > 7 < النحل : ( 30 - 32 ) وقيل للذين اتقوا . . . . . > > اعلم أنه تعالى لما بين أحوال الأقوام الذين إذا قيل لهم ماذا أنزل ربكم ؟ قالوا : أساطير الأولين . وذكر أنهم يحملون أوزارهم ومن أوزار أتباعهم ، وذكر أن الملائكة تتوفاهم ظالمي أنفسهم ، وذكر أنهم في الآخرة يلقون السلم ، وذكر أنه تعالى يقول لهم ادخلوا أبواب جهنم ، أتبعه بذكر وصف المؤمنين الذين إذا قيل لهم ماذا أنزل ربكم ؟ قالوا خيرا ، وذكر ما أعده لهم في الدنيا والآخرة من منازل الخيرات ودرجات السعادات ليكون وعد هؤلاء مذكورا مع وعيد أولئك وفي الآية مسائل :

Français Tercümesi (Ehl-i Sünnet)

والقول الثاني : أنه تم الكلام عند قوله : { ظالمى أنفسهم } ثم عاد الكلام إلى حكاية كلام المشركين يوم القيامة ، والمعنى : أنهم يوم القيامة ألقوا السلم وقالوا ما كنا نعمل في الدنيا من سوء ، ثم ههنا اختلفوا ، فالذين جوزوا الكذب على أهل القيامة ، قالوا : هذا القول منهم على سبيل الكذب / وإنما أقدموا على هذا الكذب لغاية الخوف ، والذين قالوا إن الكذب لا يجوز عليهم قالوا : معنى الآية ، ما كنا نعمل من سوء عند أنفسنا أو في اعتقادنا ، وأما بيان أن الكذب على أهل القيامة هل يجوز أم لا ؟ فقد ذكرناه في سورة الأنعام في تفسير قوله تعالى : { ثم لم تكن فتنتهم إلا أن قالوا والله ربنا ما كنا مشركين } ( الأنعام : 23 ) واعلم أنه تعالى لما حكى عنهم أنهم قالوا : ما كنا نعمل من سوء قال بلى إن الله عليم بما كنتم تعملون ، ولا يبعد أن يكون قائل هذا القول هو الله تعالى أو بعض الملائكة ردا عليهم وتكذيبا لهم ، ومعنى بلى الرد لقولهم : { ما كنا نعمل من سوء } وقوله : { إن الله عليم بما كنتم تعملون } يعني أنه عالم بما كنتم عليه في الدنيا فلا ينفعكم هذا الكذب فإنه يجازيكم على الكفر الذي علمه منكم . ثم صرح بذكر العقاب فقال : ! 7 < { فادخلوا أبواب جهنم خالدين فيها فلبئس مثوى المتكبرين } > 7 < النحل : ( 29 ) فادخلوا أبواب جهنم . . . . . > > وهذا يدل على تفاوت منازلهم في العقاب ، فيكون عقاب بعضم أعظم من عقاب بعض ، وإنما صرح تعالى بذكر الخلود ليكون الغم والحزن أعظم . ثم قال : { فلبئس مثوى المتكبرين } على قبول التوحيد وسائر ما أتت به الأنبياء ، وتفسير التكبر قد مر في هذا الكتاب غير مرة . والله أعلم . ! 7 < { وقيل للذين اتقوا ماذا أنزل ربكم قالوا خيرا للذين أحسنوا فى هاذه الدنيا حسنة ولدار الا خرة خير ولنعم دار المتقين جنات عدن يدخلونها تجرى من تحتها الأنهار لهم فيها ما يشآءون كذلك يجزى الله المتقين الذين تتوفاهم الملائكة طيبين يقولون سلام عليكم ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون } > 7 < النحل : ( 30 - 32 ) وقيل للذين اتقوا . . . . . > > اعلم أنه تعالى لما بين أحوال الأقوام الذين إذا قيل لهم ماذا أنزل ربكم ؟ قالوا : أساطير الأولين . وذكر أنهم يحملون أوزارهم ومن أوزار أتباعهم ، وذكر أن الملائكة تتوفاهم ظالمي أنفسهم ، وذكر أنهم في الآخرة يلقون السلم ، وذكر أنه تعالى يقول لهم ادخلوا أبواب جهنم ، أتبعه بذكر وصف المؤمنين الذين إذا قيل لهم ماذا أنزل ربكم ؟ قالوا خيرا ، وذكر ما أعده لهم في الدنيا والآخرة من منازل الخيرات ودرجات السعادات ليكون وعد هؤلاء مذكورا مع وعيد أولئك وفي الآية مسائل :

Section V20/P019Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb (s. V20/P019)
Orijinal Metin (AR)

المسألة الأولى : قال القاضي : يدخل تحت التقوى أن يكون تاركا لكل المحرمات فاعلا لكل الواجبات ، ومن جمع بين هذين الأمرين فهو مؤمن كامل الإيمان ، وقال أصحابنا : يريد الذين اتقوا الشرك وأيقنوا أنه لا إله إلا الله محمد رسول الله ، وأقول : هذا أولى مما قاله القاضي ، لأنا بينا أنه يكفي في صدق قوله فلان قاتل أو ضارب كونه آتيا بقتل واحد وضرب واحد ، ولا يتوقف صدق هذا الكلام على كونه آتيا بجميع أنواع القتل وجميع أنواع الضرب ، فعلى هذا قوله : { وقيل للذين اتقوا } يتناول كل من أتى بنوع واحد من أنواع التقوى إلا أنا أجمعنا على أنه لا بد من التقوى عن الكفر والشرك فوجب أن لا يزيد على هذا القيد لأنه لما كان تقييد المطلق خلاف الأصل ، كان تقييد المقيد أكثر مخالفة ، وأيضا فلأنه تعالى إنما ذكر هؤلاء في مقابلة أولئك الذين كفروا وأشركوا ، فوجب أن يكون المراد من اتقى عن ذلك الكفر والشرك . والله أعلم . المسألة الثانية : لقائل أن يقول : إنه قال في الآية الأولى ، قالوا أساطير الأولين ، وفي هذه الآية قالوا خيرا ، فلم رفع الأول ونصب هذا ؟ . أجاب صاحب ( الكشاف ) عنه بأن قال : المقصود منه الفصل بين جواب المقر وجواب الجاحد يعني أن هؤلاء لما سئلوا لم يتلعثموا ، وأطبقوا الجواب على السؤال بينا مكشوفا مفعولا للإنزال فقالوا خيرا أي أنزل خيرا ، وأولئك عدلوا بالجواب عن السؤال فقالوا هو أساطير الأولين وليس من الإنزال في شيء . المسألة الثالثة : قال المفسرون هذا كان في أيام الموسم ، يأتي الرجل مكة فيسأل المشركين عن محمد وأمره فيقولون إنه ساحر وكاهن وكذاب ، فيأتي المؤمنين ويسألهم عن محمد وما أنزل الله عليه فيقولون خيرا ، والمعنى : أنزل خيرا . ويحتمل أن يكون المراد الذي قالوه من الجواب موصوف بأنه خير ، وقولهم خير جامع لكونه حقا وصوابا ، ولكونهم معترفين بصحته ولزومه فهو بالضد من قول الذين لا يؤمنون بالآخرة ، أن ذلك أساطير الأولين على وجه التكذيب . / المسألة الرابعة : قوله : { للذين أحسنوا } وما بعده بدل من قوله : { خيرا } وهو حكاية لقول الذين اتقوا ، أي قالوا هذا القول ، ويجوز أيضا أن يكون قوله : { للذين أحسنوا } إخبارا عن الله ، والتقدير : إن المتقين لما قيل لهم : { ماذا أنزل ربكم قالوا خيرا } ثم إنه تعالى أكد قولهم وقال : { للذين أحسنوا فى هاذه الدنيا حسنة } وفي المراد بقوله : { للذين أحسنوا } قولان ، أما الذين يقولون : إن أهل لا إله إلا الله يخرجون من النار فإنهم يحملونه على قول لا إله إلا الله مع الإعتقاد الحق ، وأما المعتزلة الذين يقولون : إن فساق أهل الصلاة لا يخرجون من النار يحلوم قوله : { أحسنوا } على من أتى بالإيمان وجميع الواجبات واحترز عن كل المحرمات . وأما قوله : { فى هاذه الدنيا } ففيه قولان : القول الأول : أنه متعلق بقوله : { أحسنوا } والتقدير : للذين اتقوا بعمل الحسنة في الدنيا فلهم في الآخرة حسنة ، وتلك الحسنة هي الثواب العظيم ، وقيل : تلك الحسنة هو أن ثوابها يضاعف بعشر مرات وبسبعمائة وإلى ما لا نهاية له .

Français Tercümesi (Ehl-i Sünnet)

المسألة الأولى : قال القاضي : يدخل تحت التقوى أن يكون تاركا لكل المحرمات فاعلا لكل الواجبات ، ومن جمع بين هذين الأمرين فهو مؤمن كامل الإيمان ، وقال أصحابنا : يريد الذين اتقوا الشرك وأيقنوا أنه لا إله إلا الله محمد رسول الله ، وأقول : هذا أولى مما قاله القاضي ، لأنا بينا أنه يكفي في صدق قوله فلان قاتل أو ضارب كونه آتيا بقتل واحد وضرب واحد ، ولا يتوقف صدق هذا الكلام على كونه آتيا بجميع أنواع القتل وجميع أنواع الضرب ، فعلى هذا قوله : { وقيل للذين اتقوا } يتناول كل من أتى بنوع واحد من أنواع التقوى إلا أنا أجمعنا على أنه لا بد من التقوى عن الكفر والشرك فوجب أن لا يزيد على هذا القيد لأنه لما كان تقييد المطلق خلاف الأصل ، كان تقييد المقيد أكثر مخالفة ، وأيضا فلأنه تعالى إنما ذكر هؤلاء في مقابلة أولئك الذين كفروا وأشركوا ، فوجب أن يكون المراد من اتقى عن ذلك الكفر والشرك . والله أعلم . المسألة الثانية : لقائل أن يقول : إنه قال في الآية الأولى ، قالوا أساطير الأولين ، وفي هذه الآية قالوا خيرا ، فلم رفع الأول ونصب هذا ؟ . أجاب صاحب ( الكشاف ) عنه بأن قال : المقصود منه الفصل بين جواب المقر وجواب الجاحد يعني أن هؤلاء لما سئلوا لم يتلعثموا ، وأطبقوا الجواب على السؤال بينا مكشوفا مفعولا للإنزال فقالوا خيرا أي أنزل خيرا ، وأولئك عدلوا بالجواب عن السؤال فقالوا هو أساطير الأولين وليس من الإنزال في شيء . المسألة الثالثة : قال المفسرون هذا كان في أيام الموسم ، يأتي الرجل مكة فيسأل المشركين عن محمد وأمره فيقولون إنه ساحر وكاهن وكذاب ، فيأتي المؤمنين ويسألهم عن محمد وما أنزل الله عليه فيقولون خيرا ، والمعنى : أنزل خيرا . ويحتمل أن يكون المراد الذي قالوه من الجواب موصوف بأنه خير ، وقولهم خير جامع لكونه حقا وصوابا ، ولكونهم معترفين بصحته ولزومه فهو بالضد من قول الذين لا يؤمنون بالآخرة ، أن ذلك أساطير الأولين على وجه التكذيب . / المسألة الرابعة : قوله : { للذين أحسنوا } وما بعده بدل من قوله : { خيرا } وهو حكاية لقول الذين اتقوا ، أي قالوا هذا القول ، ويجوز أيضا أن يكون قوله : { للذين أحسنوا } إخبارا عن الله ، والتقدير : إن المتقين لما قيل لهم : { ماذا أنزل ربكم قالوا خيرا } ثم إنه تعالى أكد قولهم وقال : { للذين أحسنوا فى هاذه الدنيا حسنة } وفي المراد بقوله : { للذين أحسنوا } قولان ، أما الذين يقولون : إن أهل لا إله إلا الله يخرجون من النار فإنهم يحملونه على قول لا إله إلا الله مع الإعتقاد الحق ، وأما المعتزلة الذين يقولون : إن فساق أهل الصلاة لا يخرجون من النار يحلوم قوله : { أحسنوا } على من أتى بالإيمان وجميع الواجبات واحترز عن كل المحرمات . وأما قوله : { فى هاذه الدنيا } ففيه قولان : القول الأول : أنه متعلق بقوله : { أحسنوا } والتقدير : للذين اتقوا بعمل الحسنة في الدنيا فلهم في الآخرة حسنة ، وتلك الحسنة هي الثواب العظيم ، وقيل : تلك الحسنة هو أن ثوابها يضاعف بعشر مرات وبسبعمائة وإلى ما لا نهاية له .

Section V20/P019–V20/P020Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb (s. V20/P019–V20/P020)
Orijinal Metin (AR)

والقول الثاني : أن قوله : { فى هاذه الدنيا } متعلق بقوله : { حسنة } والتقدير : للذين أحسنوا أن تحصل لهم الحسنة في الدنيا ، وهذا القول أولى ، لأنه قال بعده : { ولدار الاخرة خير } وعلى هذا التقدير ففي تفسير هذه الحسنة الحاصلة في الدنيا وجوه : الأول : يحتمل أن يكون المراد ما يستحقونه من المدح والتعظيم والثناء والرفعة ، وجميع ذلك جزاء على ما عملوه . والثاني : يحتمل أن يكون المراد به الظفر على أعداء الدين بالحجة وبالغلبة لهم ، وباستغنام أموالهم وفتح بلادهم ، كما جرى ببدر وعند فتح مكة ، وقد أجلوهم عنها وأخرجوهم إلى الهجرة ، وإخلاء الوطن ، ومفارقة الأهل والولد وكل ذلك مما يعظم موقعه . والثالث : يحتمل أن يكون المراد أنهم لما أحسنوا بمعنى أنهم أتوا بالطاعات فتح الله عليهم أبواب المكاشفات والمشاهدات والألطاف كقوله تعالى : { والذين اهتدوا زادهم هدى } ( محمد : 17 ) . وأما قوله : { ولدار الاخرة خير } فقد بينا في سورة الأنعام في قوله : { وللدار الاخرة خير للذين يتقون } ( الأنعام : 32 ) بالدلائل القطعية العقلية حصول هذا الخير ، ثم قال : { ولنعم دار المتقين } أي لنعم دار المتقين دار الآخرة ، فحذفت لسبق ذكرها ، هذا إذا لم تجعل هذه الآية متصلة بما بعدها ، فإن وصلتها بما بعدها قلت : ولنعم دار المتقين جنات عدن فترفع جنات على أنها اسم لنعم ، كما تقول : نعم الدار دار ينزلها زيد . وأما قوله : { جنات عدن } ففيه مسائل : المسألة الأولى : اعلم أنها إن كانت موصولة بما قبلها ، فقد ذكرنا وجه ارتفاعها ، وأما إن كانت مقطوعة ، فقال الزجاج : جنات عدن مرفوعة بإضمار ( هي ) كأنك لما قلت ولنعم دار المتقين / قيل : أي دار هي هذه الممدوحة فقلت : هي جنات عدن ، وإن شئت قلت : جنات عدن رفع بالإبتداء ، ويدخلونها خبره ، وإن شئت قلت : نعم دار المتقين خبره ، والتقدير : جنات عدن نعم دار المتقين . المسألة الثانية : قوله : { جنات } يدل على القصور والبساتين وقوله : { عدن } يدل على الدوام ، وقوله : { تجرى من تحتها الانهار } يدل على أنه حصل هناك أبنية يرتفعون عليها وتكون الأنهار جارية من تحتهم ، ثم إنه تعالى قال : { لهم فيها ما يشآءون } وفيه بحثان : الأول : أن هذه الكلمة تدل على حصول كل الخيرات والسعادات ، وهذا أبلغ من قوله : { فيها ما تشتهيه الانفس وتلذ الاعين } ( الزخرف : 71 ) لأن هذين القسمين داخلان في قوله : { لهم فيها ما } مع أقسام أخرى . الثاني : قوله : { لهم فيها ما } يعني هذه الحالة لا تحصل إلا في الجنة ، لأن قوله : { لهم فيها ما } يفيد الحصر ، وذلك يدل على أن الإنسان لا يجد كل ما يريده في الدنيا .

Français Tercümesi (Ehl-i Sünnet)

والقول الثاني : أن قوله : { فى هاذه الدنيا } متعلق بقوله : { حسنة } والتقدير : للذين أحسنوا أن تحصل لهم الحسنة في الدنيا ، وهذا القول أولى ، لأنه قال بعده : { ولدار الاخرة خير } وعلى هذا التقدير ففي تفسير هذه الحسنة الحاصلة في الدنيا وجوه : الأول : يحتمل أن يكون المراد ما يستحقونه من المدح والتعظيم والثناء والرفعة ، وجميع ذلك جزاء على ما عملوه . والثاني : يحتمل أن يكون المراد به الظفر على أعداء الدين بالحجة وبالغلبة لهم ، وباستغنام أموالهم وفتح بلادهم ، كما جرى ببدر وعند فتح مكة ، وقد أجلوهم عنها وأخرجوهم إلى الهجرة ، وإخلاء الوطن ، ومفارقة الأهل والولد وكل ذلك مما يعظم موقعه . والثالث : يحتمل أن يكون المراد أنهم لما أحسنوا بمعنى أنهم أتوا بالطاعات فتح الله عليهم أبواب المكاشفات والمشاهدات والألطاف كقوله تعالى : { والذين اهتدوا زادهم هدى } ( محمد : 17 ) . وأما قوله : { ولدار الاخرة خير } فقد بينا في سورة الأنعام في قوله : { وللدار الاخرة خير للذين يتقون } ( الأنعام : 32 ) بالدلائل القطعية العقلية حصول هذا الخير ، ثم قال : { ولنعم دار المتقين } أي لنعم دار المتقين دار الآخرة ، فحذفت لسبق ذكرها ، هذا إذا لم تجعل هذه الآية متصلة بما بعدها ، فإن وصلتها بما بعدها قلت : ولنعم دار المتقين جنات عدن فترفع جنات على أنها اسم لنعم ، كما تقول : نعم الدار دار ينزلها زيد . وأما قوله : { جنات عدن } ففيه مسائل : المسألة الأولى : اعلم أنها إن كانت موصولة بما قبلها ، فقد ذكرنا وجه ارتفاعها ، وأما إن كانت مقطوعة ، فقال الزجاج : جنات عدن مرفوعة بإضمار ( هي ) كأنك لما قلت ولنعم دار المتقين / قيل : أي دار هي هذه الممدوحة فقلت : هي جنات عدن ، وإن شئت قلت : جنات عدن رفع بالإبتداء ، ويدخلونها خبره ، وإن شئت قلت : نعم دار المتقين خبره ، والتقدير : جنات عدن نعم دار المتقين . المسألة الثانية : قوله : { جنات } يدل على القصور والبساتين وقوله : { عدن } يدل على الدوام ، وقوله : { تجرى من تحتها الانهار } يدل على أنه حصل هناك أبنية يرتفعون عليها وتكون الأنهار جارية من تحتهم ، ثم إنه تعالى قال : { لهم فيها ما يشآءون } وفيه بحثان : الأول : أن هذه الكلمة تدل على حصول كل الخيرات والسعادات ، وهذا أبلغ من قوله : { فيها ما تشتهيه الانفس وتلذ الاعين } ( الزخرف : 71 ) لأن هذين القسمين داخلان في قوله : { لهم فيها ما } مع أقسام أخرى . الثاني : قوله : { لهم فيها ما } يعني هذه الحالة لا تحصل إلا في الجنة ، لأن قوله : { لهم فيها ما } يفيد الحصر ، وذلك يدل على أن الإنسان لا يجد كل ما يريده في الدنيا .

Section V20/P020–V20/P022Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb (s. V20/P020–V20/P022)
Orijinal Metin (AR)

ثم قال تعالى : { يشآءون كذلك يجزى الله المتقين } أي هكذا جزاء التقوى ، ثم إنه تعالى عاد إلى وصف المتقين فقال : { الذين تتوفاهم الملائكة طيبين } وهذا مذكور في مقابلة قوله : { الذين تتوفاهم الملائكة ظالمى أنفسهم } ( النخل : 28 ) وقوله : { الذين تتوفاهم الملائكة لهم فيها ما يشآءون كذلك يجزى الله المتقين } وقوله : { طيبين } كلمة مختصرة جامعة للمعاني الكثيرة ، وذلك لأنه يدخل فيه إتيانهم بكل ما أمروا به ، واجتنابهم عن كل ما نهوا عنه ويدخل فيه كونهم موصوفين بالأخلاق الفاضلة مبرئين عن الأخلاق المذمومة ، ويدخل فيه كونهم مبرئين عن العلائق الجسمانية متوجهين إلى حضرة القدس والطهارة ، ويدخل فيه أنه طاب لهم قبض الأرواح وأنها لم تقبض إلا مع البشارة بالجنة حتى صاروا كأنهم مشاهدون لها ومن هذا حاله لا يتألم بالموت ، وأكثر المفسرين على أن هذا التوفي هو قبض الأرواح ، وإن كان الحسن يقول : إنه وفاة الحشر ، ثم بين تعالى أنه يقال لهم عند هذه الحالة : { ادخلوا الجنة } فاحتج الحسن بهذا على أن المراد بذلك التوفي وفاة الحشر ، لأنه لا يقال عند قبض الأرواح في الدنيا ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون ، ومن ذهب إلى القول الأول وهم الأكثرون يقولون : إن الملائكة لما بشروهم بالجنة صارت الجنة كأنها دارهم وكأنهم فيها فيكون المراد بقولهم ، ادخلوا الجنة أي هي خاصة لكم كأنكم فيها . ! 7 < { هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتى أمر ربك كذلك فعل الذين من قبلهم وما ظلمهم الله ولاكن كانوا أنفسهم يظلمون فأصابهم سيئات ما عملوا وحاق بهم ما كانوا به يستهزءون } > 7 < النحل : ( 33 - 34 ) هل ينظرون إلا . . . . . > > اعلم أن هذا هو الشبهة الثانية لمنكري النبوة ، فإنهم طلبوا من النبي صلى الله عليه وسلم أن ينزل الله تعالى ملكا من السماء يشهد على صدقه في ادعاء النبوة فقال تعالى : { هل ينظرون } في التصديق بنبوتك إلا أن تأتيهم الملائكة شاهدين بذلك ، ويحتمل أن يقال : إن القوم لما طعنوا في القرآن بأن قالوا : إنه أساطير الأولين ، وذكر الله تعالى أنواع التهديد والوعيد لهم ، ثم أتبعه بذكر الوعد لمن وصف القرآن بكونه خيرا وصدقا وصوابا ، عاد إلى بيان أن أولئك الكفار لا ينزجرون عن الكفر بسبب البيانات التي ذكرناها ، بل كانوا لا ينزجرون عن تلك الأقوال الباطلة إلا إذا جاءتهم الملائكة بالتهديد وأتاهم أمر ربك وهو عذاب الاستئصال . واعلم أن على كلا التقديرين فقد قال تعالى : { كذلك فعل الذين من قبلهم } أي كلام هؤلاء وأفعالهم يشبه كلام الكفار المتقدمين وأفعالهم . ثم قال : { وما ظلمهم الله ولاكن كانوا أنفسهم يظلمون } والتقدير : كذلك فعل الذين من قبلهم فأصابهم الهلاك المعجل وما ظلمهم الله بذلك ، فإنه أنزل بهم ما استحقوه بكفرهم ، ولكنهم ظلموا أنفسهم بأن كفروا ، وكذبوا الرسول فاستوجبوا ما نزل بهم . ثم قال : { فأصابهم سيئات ما عملوا } والمراد أصابهم عقاب سيئات ما عملوا { وحاق بهم } أي نزل بهم على وجه أحاط بجوانبهم : { ما كانوا به يستهزءون } أي عقاب استهزائهم . ! 7 < { وقال الذين أشركوا لو شآء الله ما عبدنا من دونه من شىء نحن ولاءاباؤنا ولا حرمنا من دونه من شىء كذالك فعل الذين من قبلهم فهل على الرسل إلا البلاغ المبين ولقد بعثنا فى كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت فمنهم من هدى الله ومنهم من حقت عليه الضلالة فسيروا فى الا رض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين إن تحرص على هداهم فإن الله لا يهدى من يضل وما لهم من ناصرين } > 7 <

Français Tercümesi (Ehl-i Sünnet)

ثم قال تعالى : { يشآءون كذلك يجزى الله المتقين } أي هكذا جزاء التقوى ، ثم إنه تعالى عاد إلى وصف المتقين فقال : { الذين تتوفاهم الملائكة طيبين } وهذا مذكور في مقابلة قوله : { الذين تتوفاهم الملائكة ظالمى أنفسهم } ( النخل : 28 ) وقوله : { الذين تتوفاهم الملائكة لهم فيها ما يشآءون كذلك يجزى الله المتقين } وقوله : { طيبين } كلمة مختصرة جامعة للمعاني الكثيرة ، وذلك لأنه يدخل فيه إتيانهم بكل ما أمروا به ، واجتنابهم عن كل ما نهوا عنه ويدخل فيه كونهم موصوفين بالأخلاق الفاضلة مبرئين عن الأخلاق المذمومة ، ويدخل فيه كونهم مبرئين عن العلائق الجسمانية متوجهين إلى حضرة القدس والطهارة ، ويدخل فيه أنه طاب لهم قبض الأرواح وأنها لم تقبض إلا مع البشارة بالجنة حتى صاروا كأنهم مشاهدون لها ومن هذا حاله لا يتألم بالموت ، وأكثر المفسرين على أن هذا التوفي هو قبض الأرواح ، وإن كان الحسن يقول : إنه وفاة الحشر ، ثم بين تعالى أنه يقال لهم عند هذه الحالة : { ادخلوا الجنة } فاحتج الحسن بهذا على أن المراد بذلك التوفي وفاة الحشر ، لأنه لا يقال عند قبض الأرواح في الدنيا ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون ، ومن ذهب إلى القول الأول وهم الأكثرون يقولون : إن الملائكة لما بشروهم بالجنة صارت الجنة كأنها دارهم وكأنهم فيها فيكون المراد بقولهم ، ادخلوا الجنة أي هي خاصة لكم كأنكم فيها . ! 7 < { هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتى أمر ربك كذلك فعل الذين من قبلهم وما ظلمهم الله ولاكن كانوا أنفسهم يظلمون فأصابهم سيئات ما عملوا وحاق بهم ما كانوا به يستهزءون } > 7 < النحل : ( 33 - 34 ) هل ينظرون إلا . . . . . > > اعلم أن هذا هو الشبهة الثانية لمنكري النبوة ، فإنهم طلبوا من النبي صلى الله عليه وسلم أن ينزل الله تعالى ملكا من السماء يشهد على صدقه في ادعاء النبوة فقال تعالى : { هل ينظرون } في التصديق بنبوتك إلا أن تأتيهم الملائكة شاهدين بذلك ، ويحتمل أن يقال : إن القوم لما طعنوا في القرآن بأن قالوا : إنه أساطير الأولين ، وذكر الله تعالى أنواع التهديد والوعيد لهم ، ثم أتبعه بذكر الوعد لمن وصف القرآن بكونه خيرا وصدقا وصوابا ، عاد إلى بيان أن أولئك الكفار لا ينزجرون عن الكفر بسبب البيانات التي ذكرناها ، بل كانوا لا ينزجرون عن تلك الأقوال الباطلة إلا إذا جاءتهم الملائكة بالتهديد وأتاهم أمر ربك وهو عذاب الاستئصال . واعلم أن على كلا التقديرين فقد قال تعالى : { كذلك فعل الذين من قبلهم } أي كلام هؤلاء وأفعالهم يشبه كلام الكفار المتقدمين وأفعالهم . ثم قال : { وما ظلمهم الله ولاكن كانوا أنفسهم يظلمون } والتقدير : كذلك فعل الذين من قبلهم فأصابهم الهلاك المعجل وما ظلمهم الله بذلك ، فإنه أنزل بهم ما استحقوه بكفرهم ، ولكنهم ظلموا أنفسهم بأن كفروا ، وكذبوا الرسول فاستوجبوا ما نزل بهم . ثم قال : { فأصابهم سيئات ما عملوا } والمراد أصابهم عقاب سيئات ما عملوا { وحاق بهم } أي نزل بهم على وجه أحاط بجوانبهم : { ما كانوا به يستهزءون } أي عقاب استهزائهم . ! 7 < { وقال الذين أشركوا لو شآء الله ما عبدنا من دونه من شىء نحن ولاءاباؤنا ولا حرمنا من دونه من شىء كذالك فعل الذين من قبلهم فهل على الرسل إلا البلاغ المبين ولقد بعثنا فى كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت فمنهم من هدى الله ومنهم من حقت عليه الضلالة فسيروا فى الا رض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين إن تحرص على هداهم فإن الله لا يهدى من يضل وما لهم من ناصرين } > 7 <

Section V20/P022–V20/P023Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb (s. V20/P022–V20/P023)
Orijinal Metin (AR)

النحل : ( 35 - 37 ) وقال الذين أشركوا . . . . . > > اعلم أن هذا هو الشبهة الثالثة لمنكري النبوة ، وتقريرها : أنهم تمسكوا بصحة القول بالجبر على الطعن في النبوة فقالوا : لو شاء الله الإيمان لحصل الإيمان ، سواء جئت أو لم تجىء ، ولو شاء الله الكفر فإنه يحصل الكفر سواء جئت أو لم تجىء ، وإذا كان الأمر كذلك فالكل من الله تعالى ، ولا فائدة في مجيئك وإرسالك ، فكان القول بالنبوة باطلا ، وفي الآية مسائل : المسألة الأولى : اعلم أن هذه الشبهة هي عين ما حكى الله تعالى عنهم في سورة الأنعام في قوله : { سيقول الذين أشركوا لو شاء الله ما أشركنا ولا ىاباؤنا ولا حرمنا من شىء كذالك كذب الذين من قبلهم } ( الأنعام : 148 ) واستدلال المعتزلة به مثل استدلالهم بتلك الآية . والكلام فيه استدلالا واعتراضا عين ما تقدم هناك فلا فائدة في الإعادة ، ولا بأس بأن نذكر منه القليل فنقول : الجواب عن هذه الشبهة هي أنهم قالوا : لما كان الكل من الله تعالى كان بعثة الأنبياء عبثا . فنقول : هذا اعتراض على الله تعالى ، فإن قولهم : إذا لم يكن في بعثة الرسول مزيد فائدة في حصول الإيمان ودفع الكفر كانت بعثة الأنبياء غير جائزة من الله تعالى ، فهذا القول جار مجرى طلب العلة في أحكام الله تعالى وفي أفعاله ، وذلك باطل ، بل الله تعالى أن يحكم في ملكه وملكوته ما يشاء ويفعل ما يريد ، ولا يجوز أن يقال له : لم فعلت هذا ولم لم تفعل ذلك ؟ والدليل على أن الإنكار إنما توجه إلى هذا المعنى أنه تعالى صرح في آخر هذه الآية بهذا المعنى فقال : { ولقد بعثنا فى كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا } فبين تعالى أن سنته في عبيده إرسال الرسل إليهم ، وأمرهم بعبادة الله ونهيهم عن عبادة الطاغوت . ثم قال : { الطاغوت فمنهم من هدى الله ومنهم من حقت عليه الضلالة } والمعنى : أنه تعالى وإن أمر الكل بالإيمان ، ونهى الكل عن الكفر ، إلا أنه تعالى هدى البعض وأضل البعض ، فهذه سنة قديمة لله / تعالى مع العباد ، وهي أنه يأمر الكل بالإيمان وينهاهم عن الكفر ، ثم يخلق الإيمان في البعض والكفر في البعض . ولما كانت سنة الله تعالى في هذا المعنى سنة قديمة في حق كل الأنبياء وكل الأمم والملل وإنما يحسن منه تعالى ذلك بحكم كونه إلها منزها عن اعتراضات المعترضين ومطالبات المنازعين ، كان إيراد هذا السؤال من هؤلاء الكفار موجبا للجهل والضلال والبعد عن الله فثبت أن الله تعالى إنما حكم على هؤلاء باستحقاق الخزي واللعن ، لا لأنهم كذبوا في قولهم : { لو شآء الله ما عبدنا من دونه } بل لأنهم اعتقدوا أن كون الأمر كذلك يمنع من جواز بعثة الأنبياء والرسل وهذا باطل ، فلا جرم استحقوا على هذا الإعتقاد مزيد الذم واللعن . فهذا هو الجواب الصحيح الذي يعول عليه في هذا الباب . وأما من تقدمنا من المتكلمين والمسفرين فقد ذكروا فيه وجها آخر فقالوا : إن المشركين ذكروا هذا الكلام على جهة الاستهزاء كما قال قوم شعيب عليه السلام له : { نشؤا إنك لانت الحليم الرشيد } ( هود : 87 ) ولو قالوا ذلك معتقدين لكانوا مؤمنين . والله أعلم . المسألة الثانية : اعلم أنه تعالى لما حكى هذه الشبهة قال : { كذلك فعل الذين من قبلهم } أي هؤلاء للكفار ألدا كانوا متمسكين بهذه الشبهة .

Français Tercümesi (Ehl-i Sünnet)

النحل : ( 35 - 37 ) وقال الذين أشركوا . . . . . > > اعلم أن هذا هو الشبهة الثالثة لمنكري النبوة ، وتقريرها : أنهم تمسكوا بصحة القول بالجبر على الطعن في النبوة فقالوا : لو شاء الله الإيمان لحصل الإيمان ، سواء جئت أو لم تجىء ، ولو شاء الله الكفر فإنه يحصل الكفر سواء جئت أو لم تجىء ، وإذا كان الأمر كذلك فالكل من الله تعالى ، ولا فائدة في مجيئك وإرسالك ، فكان القول بالنبوة باطلا ، وفي الآية مسائل : المسألة الأولى : اعلم أن هذه الشبهة هي عين ما حكى الله تعالى عنهم في سورة الأنعام في قوله : { سيقول الذين أشركوا لو شاء الله ما أشركنا ولا ىاباؤنا ولا حرمنا من شىء كذالك كذب الذين من قبلهم } ( الأنعام : 148 ) واستدلال المعتزلة به مثل استدلالهم بتلك الآية . والكلام فيه استدلالا واعتراضا عين ما تقدم هناك فلا فائدة في الإعادة ، ولا بأس بأن نذكر منه القليل فنقول : الجواب عن هذه الشبهة هي أنهم قالوا : لما كان الكل من الله تعالى كان بعثة الأنبياء عبثا . فنقول : هذا اعتراض على الله تعالى ، فإن قولهم : إذا لم يكن في بعثة الرسول مزيد فائدة في حصول الإيمان ودفع الكفر كانت بعثة الأنبياء غير جائزة من الله تعالى ، فهذا القول جار مجرى طلب العلة في أحكام الله تعالى وفي أفعاله ، وذلك باطل ، بل الله تعالى أن يحكم في ملكه وملكوته ما يشاء ويفعل ما يريد ، ولا يجوز أن يقال له : لم فعلت هذا ولم لم تفعل ذلك ؟ والدليل على أن الإنكار إنما توجه إلى هذا المعنى أنه تعالى صرح في آخر هذه الآية بهذا المعنى فقال : { ولقد بعثنا فى كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا } فبين تعالى أن سنته في عبيده إرسال الرسل إليهم ، وأمرهم بعبادة الله ونهيهم عن عبادة الطاغوت . ثم قال : { الطاغوت فمنهم من هدى الله ومنهم من حقت عليه الضلالة } والمعنى : أنه تعالى وإن أمر الكل بالإيمان ، ونهى الكل عن الكفر ، إلا أنه تعالى هدى البعض وأضل البعض ، فهذه سنة قديمة لله / تعالى مع العباد ، وهي أنه يأمر الكل بالإيمان وينهاهم عن الكفر ، ثم يخلق الإيمان في البعض والكفر في البعض . ولما كانت سنة الله تعالى في هذا المعنى سنة قديمة في حق كل الأنبياء وكل الأمم والملل وإنما يحسن منه تعالى ذلك بحكم كونه إلها منزها عن اعتراضات المعترضين ومطالبات المنازعين ، كان إيراد هذا السؤال من هؤلاء الكفار موجبا للجهل والضلال والبعد عن الله فثبت أن الله تعالى إنما حكم على هؤلاء باستحقاق الخزي واللعن ، لا لأنهم كذبوا في قولهم : { لو شآء الله ما عبدنا من دونه } بل لأنهم اعتقدوا أن كون الأمر كذلك يمنع من جواز بعثة الأنبياء والرسل وهذا باطل ، فلا جرم استحقوا على هذا الإعتقاد مزيد الذم واللعن . فهذا هو الجواب الصحيح الذي يعول عليه في هذا الباب . وأما من تقدمنا من المتكلمين والمسفرين فقد ذكروا فيه وجها آخر فقالوا : إن المشركين ذكروا هذا الكلام على جهة الاستهزاء كما قال قوم شعيب عليه السلام له : { نشؤا إنك لانت الحليم الرشيد } ( هود : 87 ) ولو قالوا ذلك معتقدين لكانوا مؤمنين . والله أعلم . المسألة الثانية : اعلم أنه تعالى لما حكى هذه الشبهة قال : { كذلك فعل الذين من قبلهم } أي هؤلاء للكفار ألدا كانوا متمسكين بهذه الشبهة .

Section V20/P023Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb (s. V20/P023)
Orijinal Metin (AR)

ثم قال : { فهل على الرسل إلا البلاغ المبين } أما المعتزلة فقالوا : معناه أن الله تعالى ما منع أحدا من الإيمان وما أوقعه في الكفر ، والرسل ليس عليهم إلا التبليغ ، فلما بلغوا التكاليف وثبت أنه تعالى ما منع أحدا عن الحق كانت هذه الشبهة ساقطة . أما أصحابنا فقالوا : معناه أنه تعالى أمر الرسل بالتبليغ . فهذا التبليغ واجب عليهم ، فأما أن الإيمان هل يحصل أم لا يحصل فذلك لا تعلق للرسول به ، ولكنه تعالى يهدي من يشاء بإحسانه ويضل من يشاء بخذلانه . المسألة الثالثة : احتج أصحابنا في بيان أن الهدي والضلال من الله بقوله : { ولقد بعثنا فى كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت } وهذا يدل على أنه تعالى كان أبدا في جميع الملل والأمم آمرا بالإيمان وناهيا عن الكفر . ثم قال : { فمنهم من هدى الله ومنهم من حقت عليه الضلالة } يعني : فمنهم من هداه الله إلى الإيمان والصدق والحق ، ومنهم من أضله عن الحق وأعماه عن الصدق وأوقعه في الكفر والضلال ، وهذا يدل على أن أمر الله تعالى لا يوافق إرادته ، بل قد يأمر بالشيء ولا يريده وينهى عن الشيء ويريده كما هو مذهبنا . والحاصل أن المعتزلة يقولون : الأمر والإرادة متطابقان أما العلم والإرادة فقد يختلفان ، ولفظ هذه الآية صريح في قولنا وهو أن الأمر بالإيمان عام في حق الكل أما إرادة الإيمان فخاصة بالبعض دون البعض . / أجاب الجبائي : بأن المراد : { فمنهم من هدى الله } لنيل ثوابه وجنته : { ومنهم من حقت عليه الضلالة } أي العقاب . قال : وفي صفة قوله : { حقت عليه } دلالة على أنها العذاب دون كلمة الكفر لأن الكفر والمعصية لا يجوز وصفهما بأنه حق . وأيضا قال تعالى بعده : { فسيروا فى الارض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين } وهذه العاقبة هي آثار الهلاك لمن تقدم من الأمم الذين استأصلهم الله تعالى بالعذاب ، وذلك يدل على أن المراد بالضلال المذكور هو عذاب الاستئصال . وأجاب الكعبي عنه بأنه قال : قوله : { فمنهم من هدى الله } أي من اهتدى فكان في حكم الله مهتديا ، { ومنهم من حقت عليه الضلالة } يريد : من ظهرت ضلالته ، كما يقال للظالم : حق ظلمك وتبين ، ويجوز أن يكون المراد : حق عليهم من الله أن يضلهم إذا ضلوا كقوله : { ويضل الله الظالمين } ( إبراهيم : 27 ) . واعلم أنا بينا في آيات كثيرة بالدلائل العقلية القاطعة أن الهدى والإضلال لا يكونان إلا من الله تعالى فلا فائدة في الإعادة ، وهذه الوجوه المتعسفة والتأويلات المستكرهة قد بينا ضعفها وسقوطها مرارا ، فلا حاجة إلى الإعادة . والله أعلم . المسألة الرابعة : في الطاغوت قولان : أحدهما : أن المراد به : اجتنبوا عبادة ما تعبدون من دون الله ، فسمى الكل طاغوتا ، ولا يمتنع أن يكون المراد : اجتنبوا طاعة الشيطان في دعائه لكم .

Français Tercümesi (Ehl-i Sünnet)

ثم قال : { فهل على الرسل إلا البلاغ المبين } أما المعتزلة فقالوا : معناه أن الله تعالى ما منع أحدا من الإيمان وما أوقعه في الكفر ، والرسل ليس عليهم إلا التبليغ ، فلما بلغوا التكاليف وثبت أنه تعالى ما منع أحدا عن الحق كانت هذه الشبهة ساقطة . أما أصحابنا فقالوا : معناه أنه تعالى أمر الرسل بالتبليغ . فهذا التبليغ واجب عليهم ، فأما أن الإيمان هل يحصل أم لا يحصل فذلك لا تعلق للرسول به ، ولكنه تعالى يهدي من يشاء بإحسانه ويضل من يشاء بخذلانه . المسألة الثالثة : احتج أصحابنا في بيان أن الهدي والضلال من الله بقوله : { ولقد بعثنا فى كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت } وهذا يدل على أنه تعالى كان أبدا في جميع الملل والأمم آمرا بالإيمان وناهيا عن الكفر . ثم قال : { فمنهم من هدى الله ومنهم من حقت عليه الضلالة } يعني : فمنهم من هداه الله إلى الإيمان والصدق والحق ، ومنهم من أضله عن الحق وأعماه عن الصدق وأوقعه في الكفر والضلال ، وهذا يدل على أن أمر الله تعالى لا يوافق إرادته ، بل قد يأمر بالشيء ولا يريده وينهى عن الشيء ويريده كما هو مذهبنا . والحاصل أن المعتزلة يقولون : الأمر والإرادة متطابقان أما العلم والإرادة فقد يختلفان ، ولفظ هذه الآية صريح في قولنا وهو أن الأمر بالإيمان عام في حق الكل أما إرادة الإيمان فخاصة بالبعض دون البعض . / أجاب الجبائي : بأن المراد : { فمنهم من هدى الله } لنيل ثوابه وجنته : { ومنهم من حقت عليه الضلالة } أي العقاب . قال : وفي صفة قوله : { حقت عليه } دلالة على أنها العذاب دون كلمة الكفر لأن الكفر والمعصية لا يجوز وصفهما بأنه حق . وأيضا قال تعالى بعده : { فسيروا فى الارض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين } وهذه العاقبة هي آثار الهلاك لمن تقدم من الأمم الذين استأصلهم الله تعالى بالعذاب ، وذلك يدل على أن المراد بالضلال المذكور هو عذاب الاستئصال . وأجاب الكعبي عنه بأنه قال : قوله : { فمنهم من هدى الله } أي من اهتدى فكان في حكم الله مهتديا ، { ومنهم من حقت عليه الضلالة } يريد : من ظهرت ضلالته ، كما يقال للظالم : حق ظلمك وتبين ، ويجوز أن يكون المراد : حق عليهم من الله أن يضلهم إذا ضلوا كقوله : { ويضل الله الظالمين } ( إبراهيم : 27 ) . واعلم أنا بينا في آيات كثيرة بالدلائل العقلية القاطعة أن الهدى والإضلال لا يكونان إلا من الله تعالى فلا فائدة في الإعادة ، وهذه الوجوه المتعسفة والتأويلات المستكرهة قد بينا ضعفها وسقوطها مرارا ، فلا حاجة إلى الإعادة . والله أعلم . المسألة الرابعة : في الطاغوت قولان : أحدهما : أن المراد به : اجتنبوا عبادة ما تعبدون من دون الله ، فسمى الكل طاغوتا ، ولا يمتنع أن يكون المراد : اجتنبوا طاعة الشيطان في دعائه لكم .

%0
10 Section

Questions

Fakhr al-Din al-Razi - Mafatih al-Ghayb (Le Grand Commentaire) · 375 · Qur'an & Sunnah