Qur'an&Sunnahالقرآن

Fakhr al-Din al-Razi - Mafatih al-Ghayb (Le Grand Commentaire)

Fakhr al-Din Muhammad ibn Umar al-Razi · AR

Section V22/P116Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb (s. V22/P116)
Orijinal Metin (AR)

المسألة الثانية : قال أبو رافع : ( نزل ضيف بالنبي صلى الله عليه وسلم فبعثني إلى يهودي لبيع أو سلف ، فقال : والله لا أفعل ذلك إلا برهن فأخبرته بقوله فأمرني أن أذهب بدرعه إليه فنزل قوله تعالى : { ولا تمدن عينيك } ) وقال عليه السلام : ( إن الله لا ينظر إلى صوركم ولا إلى أموالكم ولكن ينظر إلى قلوبكم وإلى أعمالكم ) وقال أبو الدرداء : الدنيا دار من لا دار له ومال / من لا مال له ولها يجمع من لا عقل له . وعن الحسن : لولا حمق الناس لخربت الدنيا . وعن عيسى ابن مريم عليه السلام قال : لا تتخذوا الدنيا ربا فتتخذكم لها عبيدا ، وعن عروة بن الزبير أنه كان إذا رآى ما عند السلاطين يتلو هذه الآية ، وقال الصلاة يرحمكم الله ، أما قوله عز وجل : { إلى ما متعنا به } ( أي ) ألذذنا به ، والإمتاع الإلذاذ بما يدرك من المناظر الحسنة ويسمع من الأصوات المطربة ويشم من الروائح الطيبة وغير ذلك من الملابس والمناكح ، يقال أمتعه إمتاعا ومتعه تمتيعا والتفعيل يقتضي التكثير ، أما قوله : { أزواجا منهم } أي أشكالا وأشباها من الكفار وهي من المزاوجة بين الأشياء وهي المشاكلة ، وذلك لأنهم أشكال في الذهاب عن الصواب ، وقال ابن عباس رضي الله عنهما : أصنافا منهم ، وقال الكلبي والزجاج : رجالا منهم / أما قوله : { زهرة الحيواة الدنيا } ففي انتصابه أربعة أوجه . أحدها : على الذم وهو النصب على الاختصاص أو على تضمين متعنا معنى أعطينا وكونه مفعولا ثانيا له أو على إبداله من محل الجار والمجرور أو على إبداله من أزواجا على تقدير ذوي ، فإن قيل : ما معنى الزهرة فيمن حرك قلنا معنى الزهرة بعينه وهو الزينة والبهجة كما جاء في الجهرة . قرىء : أرنا الله جهرة ، وأن يكون جمع زاهر وصفا لهم بأنهم زهرة هذه الدنيا لصفاء ألوانهم وتهلل وجوههم بخلاف ما عليه الصلحاء من شحوب الألوان والتقشف في الثياب ، أما قوله : { لنفتنهم فيه } فذكروا فيه وجوها . أحدها : لنعذبهم به كقوله : { فلا تعجبك أموالهم وأولادهم إنما يريد الله ليعذبهم بها في الحيواة الدنيا } ( التوبة : 55 ) . وثانيها : قال ابن عباس رضي الله عنهما : إضلالا مني لهم .

Français Tercümesi (Ehl-i Sünnet)

المسألة الثانية : قال أبو رافع : ( نزل ضيف بالنبي صلى الله عليه وسلم فبعثني إلى يهودي لبيع أو سلف ، فقال : والله لا أفعل ذلك إلا برهن فأخبرته بقوله فأمرني أن أذهب بدرعه إليه فنزل قوله تعالى : { ولا تمدن عينيك } ) وقال عليه السلام : ( إن الله لا ينظر إلى صوركم ولا إلى أموالكم ولكن ينظر إلى قلوبكم وإلى أعمالكم ) وقال أبو الدرداء : الدنيا دار من لا دار له ومال / من لا مال له ولها يجمع من لا عقل له . وعن الحسن : لولا حمق الناس لخربت الدنيا . وعن عيسى ابن مريم عليه السلام قال : لا تتخذوا الدنيا ربا فتتخذكم لها عبيدا ، وعن عروة بن الزبير أنه كان إذا رآى ما عند السلاطين يتلو هذه الآية ، وقال الصلاة يرحمكم الله ، أما قوله عز وجل : { إلى ما متعنا به } ( أي ) ألذذنا به ، والإمتاع الإلذاذ بما يدرك من المناظر الحسنة ويسمع من الأصوات المطربة ويشم من الروائح الطيبة وغير ذلك من الملابس والمناكح ، يقال أمتعه إمتاعا ومتعه تمتيعا والتفعيل يقتضي التكثير ، أما قوله : { أزواجا منهم } أي أشكالا وأشباها من الكفار وهي من المزاوجة بين الأشياء وهي المشاكلة ، وذلك لأنهم أشكال في الذهاب عن الصواب ، وقال ابن عباس رضي الله عنهما : أصنافا منهم ، وقال الكلبي والزجاج : رجالا منهم / أما قوله : { زهرة الحيواة الدنيا } ففي انتصابه أربعة أوجه . أحدها : على الذم وهو النصب على الاختصاص أو على تضمين متعنا معنى أعطينا وكونه مفعولا ثانيا له أو على إبداله من محل الجار والمجرور أو على إبداله من أزواجا على تقدير ذوي ، فإن قيل : ما معنى الزهرة فيمن حرك قلنا معنى الزهرة بعينه وهو الزينة والبهجة كما جاء في الجهرة . قرىء : أرنا الله جهرة ، وأن يكون جمع زاهر وصفا لهم بأنهم زهرة هذه الدنيا لصفاء ألوانهم وتهلل وجوههم بخلاف ما عليه الصلحاء من شحوب الألوان والتقشف في الثياب ، أما قوله : { لنفتنهم فيه } فذكروا فيه وجوها . أحدها : لنعذبهم به كقوله : { فلا تعجبك أموالهم وأولادهم إنما يريد الله ليعذبهم بها في الحيواة الدنيا } ( التوبة : 55 ) . وثانيها : قال ابن عباس رضي الله عنهما : إضلالا مني لهم .

Section V22/P116–V22/P117Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb (s. V22/P116–V22/P117)
Orijinal Metin (AR)

وثالثها : قال الكبي ومقاتل تشديدا في التكاليف عليهم لأن الإعراض عن الدنيا عند حضورها والإقبال إلى الله أشد من ذلك عند عدم حضورها ولذلك كان رجوع الفقراء إلى خدمة الله تعالى والتضرع إليه أكثر من تضرع الأغنياء ، ولأن على من أوتي الدنيا ضروبا من التكليف لولاها لما لزمتهم تلك التكاليف ولأن القادر على المعاصي يكون الاجتناب عن المعاصي أشق عليه من العاجز الفقير ، فمن هذه الجهات تكون الزيادة في الدنيا تشديدا في التكليف ثم قال لرسوله : { ورزق ربك خير وأبقى } والأظهر أن المراد أن مطلوبك الذي تجده من الثواب خير من مطلوبهم وأبقى ، لأنه يدوم ولا ينقطع وليس كذلك حال ما أوتوه من في الدنيا ، ويحتمل أن يكون المراد ما أوتيته من يسير الدنيا إذا قرنته بالطاعة خير لك من حيث العاقبة وأبقى ، فذكر الرزق في الدنيا ووصفه بحسن عاقبته إذا رضي به وصبر عليه ، ويحتمل أن يكون المراد ما أعطى من النبوة والدرجات الرفيعة ، وأما قوله : { وأمر أهلك بالصلواة } فمنهم من حمله على أقاربه ومنهم من حمله على كل أهل دينه ، وهذا أقرب وهو كقوله : { وكان يأمر أهله بالصلواة والزكواة } ( مريم : 55 ) وإن احتمل أن يكون المراد من يضمه المسكن إذ التنبيه على الصلاة والأمر بها في أوقاتها ممكن فيهم دون سائر الأمة يعنى كما أمرناك بالصلاة فامر أنت قومك بها ، أما قوله : { واصطبر عليها } فالمراد كما تأمرهم فحافظ عليها فعلا ، فإن الوعظ بلسان الفعل أتم منه بلسان القول ، وكان رسول الله / صلى الله عليه وسلم بعد نزول هذه الآية يذهب إلى فاطمة وعلي عليهما السلام كل صباح ويقول : ( الصلاة ) وكان يفعل ذلك أشهرا ، ثم بين تعالى أنه إنما يأمرهم بذلك لمنافعهم وأنه متعال عن المنافع بقوله : { لا نسألك رزقا نحن نرزقك } وفيه وجوه . أحدها : قال أبو مسلم : المعنى أنه تعالى إنما يريد منه ومنهم العبادة ولا يريد منه أن يرزقه كما تريد السادة من العبيد الخراج ، وهو كقوله تعالى : { وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون } ( الذاريات : 56 ، 57 ) . وثانيها : { لا نسألك رزقا } لنفسك ولا لأهلك بل نحن نرزقك ونرزق أهلك ، ففرغ بالك لأمر الآخرة ، وفي معناه قول الناس : من كان في عمل الله كان الله في عمله . وثالثها : المعنى أنا لما أمرناك بالصلاة فليس ذلك لأنا ننتفع بصلاتك .

Français Tercümesi (Ehl-i Sünnet)

وثالثها : قال الكبي ومقاتل تشديدا في التكاليف عليهم لأن الإعراض عن الدنيا عند حضورها والإقبال إلى الله أشد من ذلك عند عدم حضورها ولذلك كان رجوع الفقراء إلى خدمة الله تعالى والتضرع إليه أكثر من تضرع الأغنياء ، ولأن على من أوتي الدنيا ضروبا من التكليف لولاها لما لزمتهم تلك التكاليف ولأن القادر على المعاصي يكون الاجتناب عن المعاصي أشق عليه من العاجز الفقير ، فمن هذه الجهات تكون الزيادة في الدنيا تشديدا في التكليف ثم قال لرسوله : { ورزق ربك خير وأبقى } والأظهر أن المراد أن مطلوبك الذي تجده من الثواب خير من مطلوبهم وأبقى ، لأنه يدوم ولا ينقطع وليس كذلك حال ما أوتوه من في الدنيا ، ويحتمل أن يكون المراد ما أوتيته من يسير الدنيا إذا قرنته بالطاعة خير لك من حيث العاقبة وأبقى ، فذكر الرزق في الدنيا ووصفه بحسن عاقبته إذا رضي به وصبر عليه ، ويحتمل أن يكون المراد ما أعطى من النبوة والدرجات الرفيعة ، وأما قوله : { وأمر أهلك بالصلواة } فمنهم من حمله على أقاربه ومنهم من حمله على كل أهل دينه ، وهذا أقرب وهو كقوله : { وكان يأمر أهله بالصلواة والزكواة } ( مريم : 55 ) وإن احتمل أن يكون المراد من يضمه المسكن إذ التنبيه على الصلاة والأمر بها في أوقاتها ممكن فيهم دون سائر الأمة يعنى كما أمرناك بالصلاة فامر أنت قومك بها ، أما قوله : { واصطبر عليها } فالمراد كما تأمرهم فحافظ عليها فعلا ، فإن الوعظ بلسان الفعل أتم منه بلسان القول ، وكان رسول الله / صلى الله عليه وسلم بعد نزول هذه الآية يذهب إلى فاطمة وعلي عليهما السلام كل صباح ويقول : ( الصلاة ) وكان يفعل ذلك أشهرا ، ثم بين تعالى أنه إنما يأمرهم بذلك لمنافعهم وأنه متعال عن المنافع بقوله : { لا نسألك رزقا نحن نرزقك } وفيه وجوه . أحدها : قال أبو مسلم : المعنى أنه تعالى إنما يريد منه ومنهم العبادة ولا يريد منه أن يرزقه كما تريد السادة من العبيد الخراج ، وهو كقوله تعالى : { وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون } ( الذاريات : 56 ، 57 ) . وثانيها : { لا نسألك رزقا } لنفسك ولا لأهلك بل نحن نرزقك ونرزق أهلك ، ففرغ بالك لأمر الآخرة ، وفي معناه قول الناس : من كان في عمل الله كان الله في عمله . وثالثها : المعنى أنا لما أمرناك بالصلاة فليس ذلك لأنا ننتفع بصلاتك .

Section V22/P117–V22/P118Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb (s. V22/P117–V22/P118)
Orijinal Metin (AR)

فعبر عن هذا المعنى بقوله : { لا نسألك رزقا } بل نحن نرزقك في الدنيا بوجوه النعم وفي الآخرة بالثواب ، قال عبد الله بن سلام : ( كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا نزل بأهله ضيق أو شدة أمرهم بالصلاة وتلا هذه الآية ) واعلم أنه ليس في الآية رخصة في ترك التكسب لأنه تعالى قال في وصف المتقين : { رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله } ( النور : 37 ) ، أما قوله : والعاقبة للتقوى فالمراد والعاقبة الجميلة لأهل التقوى يعني تقوى الله تعالى ، ثم إنه سبحانه بعد هذه الوصية حكى عنهم شبهتهم ، فكأنه من تمام قوله : { فاصبر على ما يقولون } ( طه : 130 ) وهي قولهم : { لولا يأتينا بئاية من ربه } أوهموا بهذا الكلام أنه يكلفهم الإيمان من غير آية ، وقالوا في موضع آخر : { بل قالوا أضغاث أحلام بل } ( الأنبياء : 5 ) وأجاب الله تعالى عنه بقوله : { أو لم تأتهم بينة ما فى الصحف الاولى } وفيه وجوه : أحدها : أن ما في القرآن إذ وافق ما في كتبهم مع أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يشتغل بالدراسة والتعلم وما رأى أستاذا ألبتة كان ذلك إخبارا عن الغيب فيكون معجزا . وثانيها : أن بينة ما في الصحف الأولى ما فيها من البشارة بمحمد صلى الله عليه وسلم وبنبوته وبعثته . وثالثها : ذكر ابن جرير والقفال ( أن ) المعنى : { أو لم تأتهم بينة ما فى الصحف الاولى } من أنباء الأمم التي أهلكناهم لما سألوا الآيات وكفروا بها كيف عاجلناهم بالعقوبة فماذا يؤمنهم أن يكون حالهم في سؤال الآيات كحال أولئك ، وإنما أتاهم هذا البيان في القرآن ، فلهذا وصف القرآن بكونه : { بينة ما فى الصحف الاولى } واعلم أنه إنما ذكر الضمير الراجع إلى البينة لأنها في معنى البرهان والدليل ، ثم بين أنه تعالى أزاح لهم كل عذر وعلة في التكليف ، فقال : { ولو أنا أهلكناهم بعذاب من قبله لقالوا ربنا لولا أرسلت إلينا رسولا } والمراد كان لهم أن يقولوا ذلك فيكون عذرا لهم ، فأما الآن وقد أرسلناك وبينا على لسانك لهم ما عليهم وما لهم فلا حجة لهم البتة بل الحجة عليهم . ومعنى : { من قبله } يحتمل من قبل إرساله ويحتمل من قبل ما أظهره من البينات فإن قيل فما معنى قوله : { ولو أنا أهلكناهم لقالوا } ( طه : 134 ) والهالك لا يصح أن يقول قلنا المعنى لكان لهم أن يقولوا ذلك يوم القيامة ولذلك قال : { من قبل أن نذل ونخزى } وذلك لا يليق إلا بعذاب الآخرة ، روي أن أبا سعيد الخدري رضي الله عنه قال قال عليه السلام : ( يحتج على الله تعالى يوم القيامة ثلاثة : الهالك في الفترة يقول لم يأتني رسول وإلا كنت أطوع خلقك لك . وتلا قوله : { لولا أرسلت إلينا رسولا } والمغلوب على عقله يقول لم تجعل لي عقلا أنتفع به ، ويقول الصبي : كنت صغيرا لا أعقل فترفع لهم نار ، ويقال لهم : ادخلوها فيدخلها من كان في علم الله تعالى أنه شقي ويبقى من في علمه أنه سعيد ، فيقول الله تعالى لهم : ( عصيتم اليوم فكيف برسلي لو أتوكم ) والقاضي طعن في الخبر وقال : لا يحسن العقاب على من لا يعقل ، واعلم أن في هذه الآية مسائل :

Français Tercümesi (Ehl-i Sünnet)

فعبر عن هذا المعنى بقوله : { لا نسألك رزقا } بل نحن نرزقك في الدنيا بوجوه النعم وفي الآخرة بالثواب ، قال عبد الله بن سلام : ( كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا نزل بأهله ضيق أو شدة أمرهم بالصلاة وتلا هذه الآية ) واعلم أنه ليس في الآية رخصة في ترك التكسب لأنه تعالى قال في وصف المتقين : { رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله } ( النور : 37 ) ، أما قوله : والعاقبة للتقوى فالمراد والعاقبة الجميلة لأهل التقوى يعني تقوى الله تعالى ، ثم إنه سبحانه بعد هذه الوصية حكى عنهم شبهتهم ، فكأنه من تمام قوله : { فاصبر على ما يقولون } ( طه : 130 ) وهي قولهم : { لولا يأتينا بئاية من ربه } أوهموا بهذا الكلام أنه يكلفهم الإيمان من غير آية ، وقالوا في موضع آخر : { بل قالوا أضغاث أحلام بل } ( الأنبياء : 5 ) وأجاب الله تعالى عنه بقوله : { أو لم تأتهم بينة ما فى الصحف الاولى } وفيه وجوه : أحدها : أن ما في القرآن إذ وافق ما في كتبهم مع أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يشتغل بالدراسة والتعلم وما رأى أستاذا ألبتة كان ذلك إخبارا عن الغيب فيكون معجزا . وثانيها : أن بينة ما في الصحف الأولى ما فيها من البشارة بمحمد صلى الله عليه وسلم وبنبوته وبعثته . وثالثها : ذكر ابن جرير والقفال ( أن ) المعنى : { أو لم تأتهم بينة ما فى الصحف الاولى } من أنباء الأمم التي أهلكناهم لما سألوا الآيات وكفروا بها كيف عاجلناهم بالعقوبة فماذا يؤمنهم أن يكون حالهم في سؤال الآيات كحال أولئك ، وإنما أتاهم هذا البيان في القرآن ، فلهذا وصف القرآن بكونه : { بينة ما فى الصحف الاولى } واعلم أنه إنما ذكر الضمير الراجع إلى البينة لأنها في معنى البرهان والدليل ، ثم بين أنه تعالى أزاح لهم كل عذر وعلة في التكليف ، فقال : { ولو أنا أهلكناهم بعذاب من قبله لقالوا ربنا لولا أرسلت إلينا رسولا } والمراد كان لهم أن يقولوا ذلك فيكون عذرا لهم ، فأما الآن وقد أرسلناك وبينا على لسانك لهم ما عليهم وما لهم فلا حجة لهم البتة بل الحجة عليهم . ومعنى : { من قبله } يحتمل من قبل إرساله ويحتمل من قبل ما أظهره من البينات فإن قيل فما معنى قوله : { ولو أنا أهلكناهم لقالوا } ( طه : 134 ) والهالك لا يصح أن يقول قلنا المعنى لكان لهم أن يقولوا ذلك يوم القيامة ولذلك قال : { من قبل أن نذل ونخزى } وذلك لا يليق إلا بعذاب الآخرة ، روي أن أبا سعيد الخدري رضي الله عنه قال قال عليه السلام : ( يحتج على الله تعالى يوم القيامة ثلاثة : الهالك في الفترة يقول لم يأتني رسول وإلا كنت أطوع خلقك لك . وتلا قوله : { لولا أرسلت إلينا رسولا } والمغلوب على عقله يقول لم تجعل لي عقلا أنتفع به ، ويقول الصبي : كنت صغيرا لا أعقل فترفع لهم نار ، ويقال لهم : ادخلوها فيدخلها من كان في علم الله تعالى أنه شقي ويبقى من في علمه أنه سعيد ، فيقول الله تعالى لهم : ( عصيتم اليوم فكيف برسلي لو أتوكم ) والقاضي طعن في الخبر وقال : لا يحسن العقاب على من لا يعقل ، واعلم أن في هذه الآية مسائل :

Section V22/P118–V22/P120Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb (s. V22/P118–V22/P120)
Orijinal Metin (AR)

المسألة الأولى : قال الجبائي : هذه الآية تدل على وجوب فعل اللطف إذ المراد أنه يجب أن يفعل بالمكلفين ما يؤمنون عنده ولو لم يفعل لكان لهم أن يقولوا هلا فعلت ذلك بنا لنؤمن ؟ وهلا أرسلت إلينا رسولا فنتبع آياتك ؟ وإن كان المعلوم أنهم لا يؤمنون ولو بعث إليهم الرسول لم يكن في ذلك حجة ، فصح أنه إنما يكون حجة لهم إذا كان في المعلوم أنهم يؤمنون عنده إذا أطاعوه . المسألة الثانية : قال الكعبي قوله : { لولا أرسلت إلينا رسولا } أوضح دليل على أنه تعالى يقبل الاحتجاج من عباده ، وأنه ليس قوله : { لا يسأل عما يفعل } ( الأنبياء : 23 ) كما ظنه أهل الجبر من أن ما هو جور منا يكون عدلا منه بل تأويله : أنه لا يقع منه إلا العدل فإذا ثبت أنه تعالى يقبل الحجة فلو لم يكونوا قادرين على ما أمروا به لكان لهم فيه أعظم حجة . المسألة الثالثة : قال أصحابنا : الآية تدل على أن الوجوب لا يتحقق إلا بالشرع إذ لو تحقق العقاب قبل مجيء الشرع لكان العقاب حاصلا قبل مجيء الشرع . ثم إنه سبحانه ختم السورة بضرب من الوعيد فقال : { قل كل متربص } أي كل منا ومنكم منتظر عاقبة أمره وهذا الانتظار يحتمل أن يكون قبل الموت ، إما بسبب الأمر بالجهاد أو بسبب ظهور الدولة والقوة ، ويحتمل أن يكون بالموت فإن كل واحد من الخصمين ينتظر موت صاحبه ، ويحتمل أن يكون بعد الموت وهو ظهور أمر الثواب والعقاب ، فإنه يتميز في الآخرة المحق من المبطل بما يظهر على المحق من أنواع كرامة الله تعالى ، وعلى المبطل من أنواع إهانته { فستعلمون } عند ذلك { من أصحاب الصراط السوي ومن اهتدى } إليه وليس هو بمعنى الشك والترديد ، بل هو على سبيل التهديد والزجر للكفار ، والله أعلم . / < > 1 ( سورة الأنبياء عليهم السلام ) 1 < > مائة واثنتا عشرة آية مكية ! 7 < { اقترب للناس حسابهم وهم فى غفلة معرضون ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث إلا استمعوه وهم يلعبون لاهية قلوبهم وأسروا النجوى الذين ظلموا هل هاذآ إلا بشر مثلكم أفتأتون السحر وأنتم تبصرون } > 7 < الأنبياء : ( 1 - 3 ) اقترب للناس حسابهم . . . . . > > اعلم أن قوله تعالى : { اقترب للناس حسابهم } فيه مسائل : المسألة الأولى : القرب لا يعقل إلا في المكان والزمان ، والقرب المكاني ههنا ممتنع فتعين القرب الزماني ، والمعنى اقترب للناس وقت حسابهم . المسألة الثانية : لقائل أن يقول كيف وصف بالاقتراب ، وقد عبر بعد هذا القول قريب من ستمائة عام والجواب من ثلاثة أوجه : أحدها : أنه مقترب عند الله تعالى والدليل عليه قوله تعالى : { ويستعجلونك بالعذاب ولن يخلف الله وعده وإن يوما عند ربك كألف سنة مما تعدون } ( الحج : 47 ) . وثانيها : أن كل آت قريب وإن طالت أوقات ترقبه ، وإنما البعيد هو الذي انقرض قال الشاعر : فلا زال ما تهواه أقرب من غد ولا زال ما تخشاه أبعد من أمس وثالثها : أن المعاملة إذا كانت مؤجلة إلى سنة ثم انقضى منها شهر ، فإنه لا يقال اقترب الأجل أما إذا كان الماضي أكثر من الباقي فإنه يقال : اقترب الأجل ، فعلى هذا الوجه قال العلماء : إن فيه دلالة على قرب القيامة ، ولهذا الوجه قال عليه السلام : ( بعثت أنا والساعة كهاتين ) وهذا الوجه قيل إنه عليه السلام ختم به النبوة ، كل ذلك لأجل أن الباقي من مدة التكليف أقل من الماضي .

Français Tercümesi (Ehl-i Sünnet)

المسألة الأولى : قال الجبائي : هذه الآية تدل على وجوب فعل اللطف إذ المراد أنه يجب أن يفعل بالمكلفين ما يؤمنون عنده ولو لم يفعل لكان لهم أن يقولوا هلا فعلت ذلك بنا لنؤمن ؟ وهلا أرسلت إلينا رسولا فنتبع آياتك ؟ وإن كان المعلوم أنهم لا يؤمنون ولو بعث إليهم الرسول لم يكن في ذلك حجة ، فصح أنه إنما يكون حجة لهم إذا كان في المعلوم أنهم يؤمنون عنده إذا أطاعوه . المسألة الثانية : قال الكعبي قوله : { لولا أرسلت إلينا رسولا } أوضح دليل على أنه تعالى يقبل الاحتجاج من عباده ، وأنه ليس قوله : { لا يسأل عما يفعل } ( الأنبياء : 23 ) كما ظنه أهل الجبر من أن ما هو جور منا يكون عدلا منه بل تأويله : أنه لا يقع منه إلا العدل فإذا ثبت أنه تعالى يقبل الحجة فلو لم يكونوا قادرين على ما أمروا به لكان لهم فيه أعظم حجة . المسألة الثالثة : قال أصحابنا : الآية تدل على أن الوجوب لا يتحقق إلا بالشرع إذ لو تحقق العقاب قبل مجيء الشرع لكان العقاب حاصلا قبل مجيء الشرع . ثم إنه سبحانه ختم السورة بضرب من الوعيد فقال : { قل كل متربص } أي كل منا ومنكم منتظر عاقبة أمره وهذا الانتظار يحتمل أن يكون قبل الموت ، إما بسبب الأمر بالجهاد أو بسبب ظهور الدولة والقوة ، ويحتمل أن يكون بالموت فإن كل واحد من الخصمين ينتظر موت صاحبه ، ويحتمل أن يكون بعد الموت وهو ظهور أمر الثواب والعقاب ، فإنه يتميز في الآخرة المحق من المبطل بما يظهر على المحق من أنواع كرامة الله تعالى ، وعلى المبطل من أنواع إهانته { فستعلمون } عند ذلك { من أصحاب الصراط السوي ومن اهتدى } إليه وليس هو بمعنى الشك والترديد ، بل هو على سبيل التهديد والزجر للكفار ، والله أعلم . / < > 1 ( سورة الأنبياء عليهم السلام ) 1 < > مائة واثنتا عشرة آية مكية ! 7 < { اقترب للناس حسابهم وهم فى غفلة معرضون ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث إلا استمعوه وهم يلعبون لاهية قلوبهم وأسروا النجوى الذين ظلموا هل هاذآ إلا بشر مثلكم أفتأتون السحر وأنتم تبصرون } > 7 < الأنبياء : ( 1 - 3 ) اقترب للناس حسابهم . . . . . > > اعلم أن قوله تعالى : { اقترب للناس حسابهم } فيه مسائل : المسألة الأولى : القرب لا يعقل إلا في المكان والزمان ، والقرب المكاني ههنا ممتنع فتعين القرب الزماني ، والمعنى اقترب للناس وقت حسابهم . المسألة الثانية : لقائل أن يقول كيف وصف بالاقتراب ، وقد عبر بعد هذا القول قريب من ستمائة عام والجواب من ثلاثة أوجه : أحدها : أنه مقترب عند الله تعالى والدليل عليه قوله تعالى : { ويستعجلونك بالعذاب ولن يخلف الله وعده وإن يوما عند ربك كألف سنة مما تعدون } ( الحج : 47 ) . وثانيها : أن كل آت قريب وإن طالت أوقات ترقبه ، وإنما البعيد هو الذي انقرض قال الشاعر : فلا زال ما تهواه أقرب من غد ولا زال ما تخشاه أبعد من أمس وثالثها : أن المعاملة إذا كانت مؤجلة إلى سنة ثم انقضى منها شهر ، فإنه لا يقال اقترب الأجل أما إذا كان الماضي أكثر من الباقي فإنه يقال : اقترب الأجل ، فعلى هذا الوجه قال العلماء : إن فيه دلالة على قرب القيامة ، ولهذا الوجه قال عليه السلام : ( بعثت أنا والساعة كهاتين ) وهذا الوجه قيل إنه عليه السلام ختم به النبوة ، كل ذلك لأجل أن الباقي من مدة التكليف أقل من الماضي .

Section V22/P120–V22/P121Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb (s. V22/P120–V22/P121)
Orijinal Metin (AR)

/ المسألة الثالثة : إنما ذكر تعالى هذا الاقتراب لما فيه من المصلحة للمكلفين فيكون أقرب إلى تلافي الذنوب والتحرر عنها خوفا من ذلك والله أعلم . المسألة الرابعة : إنما لم يعين الوقت لأجل أن كتمانه أصلح ، كما أن كتمان وقت الموت أصلح . المسألة الخامسة : الفائدة في تسمية يوم القيامة بيوم الحساب أن الحساب هو الكاشف عن حال المرء فالخوف من ذكره أعظم . المسألة السادسة : يجب أن يكون المراد بالناس من له مدخل في الحساب وهم المكلفون دون من لا مدخل له ، ثم قال ابن عباس : المراد بالناس المشركون . وهذا من إطلاق اسم الجنس على بعضه للدليل القائم وهو ما يتلوه من صفات المشركين أما قوله تعالى : { وهم فى غفلة معرضون } فاعلم أنه تعالى وصفهم بأمرين الغفلة والإعراض . أما الغفلة فالمعنى أنهم غافلون عن حسابهم ساهون لا يتفكرون في عاقبتهم مع اقتضاء عقولهم أنه لا بد من جزاء المحسن والمسىء ثم إذا انتبهوا من سنة الغفلة ورقدة الجهالة مما يتلى عليهم من الآيات والنذر أعرضوا وسدوا أسماعهم . أما قوله : { ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث } ففيه مسائل : المسألة الأولى : قرأ ابن أبي عبلة محدث بالرفع صفة للمحل . المسألة الثانية : إنما ذكر الله تعالى ذلك بيانا لكونهم معرضين ، وذلك لأن الله تعالى يجدد لهم الذكر وقتا فوقتا ويظهر لهم الآية بعد الآية والسورة بعد السورة ليكرر على أسماعهم التنبيه والموعظة لعلهم يتعظون ، فما يزيدهم ذلك إلا لعبا واستسخارا . المسألة الثالثة : المعتزلة احتجوا على حدوث القرآن بهذه الآية فقالوا : القرآن ذكر والذكر محدث فالقرآن محدث ، بيان أن القرآن ذكر قوله تعالى في صفة القرآن : { إن هو إلا ذكر للعالمين } ( ص : 87 ) وقوله : { وإنه لذكر لك ولقومك } ( الزخرف : 44 ) وقوله : { ص والقرءان ذى الذكر } ( ص : 1 ) وقوله : { إنا نحن نزلنا الذكر } ( الحجر : 9 ) وقوله : { وما علمناه الشعر وما ينبغى له } ( يس : 69 ) وقوله : { وهاذا ذكر مبارك أنزلناه } ( الأنبياء : 5 ) وبيان أن الذكر محدث قوله في هذا الموضع : { ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث } وقوله في سورة الشعراء : { ما يأتيهم من ذكر من الرحمان محدث } ثم قالوا : فصار مجموع هاتين المقدمتين المنصوصتين كالنص في أن القرآن محدث والجواب من وجهين : الأول : أن قوله : { إن هو إلا ذكر للعالمين } وقوله : { وهاذا ذكر مبارك } إشارة إلى المركب من الحروف والأصوات فإذا ضممنا إليه قوله : { ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث } لزم حدوث المركب من الحروف والأصوات وذلك مما لا نزاع فيه بل حدوثه معلوم بالضرورة ، وإنما النزاع في قدم كلام الله تعالى بمعنى آخر . الثاني : أن قوله : { ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث } لا يدل على حدوث كل ما كان ذكرا بل على ذكر ما محدث كما أن قول القائل لا يدخل هذه البلدة رجل فاضل إلا يبغضونه ، فإنه لا يدل على أن كل رجل يجب أن يكون / فاضلا بل على أن في الرجال من هو فاضل وإذا كان كذلك فالآية لا تدل إلا على أن بعض الذكر محدث فيصير نظم الكلام هكذا القرآن ذكر وبعض الذكر محدث وهذا لا ينتج شيئا كما أن قول القائل : الإنسان حيوان وبعض الحيوان فرس لا ينتج شيئا فظهر أن الذي ظنوه قاطعا لا يفيد ظنا ضعيفا فضلا عن القطع . أما قوله : { إلا استمعوه وهم يلعبون لاهية قلوبهم } ففيه مسائل :

Français Tercümesi (Ehl-i Sünnet)

/ المسألة الثالثة : إنما ذكر تعالى هذا الاقتراب لما فيه من المصلحة للمكلفين فيكون أقرب إلى تلافي الذنوب والتحرر عنها خوفا من ذلك والله أعلم . المسألة الرابعة : إنما لم يعين الوقت لأجل أن كتمانه أصلح ، كما أن كتمان وقت الموت أصلح . المسألة الخامسة : الفائدة في تسمية يوم القيامة بيوم الحساب أن الحساب هو الكاشف عن حال المرء فالخوف من ذكره أعظم . المسألة السادسة : يجب أن يكون المراد بالناس من له مدخل في الحساب وهم المكلفون دون من لا مدخل له ، ثم قال ابن عباس : المراد بالناس المشركون . وهذا من إطلاق اسم الجنس على بعضه للدليل القائم وهو ما يتلوه من صفات المشركين أما قوله تعالى : { وهم فى غفلة معرضون } فاعلم أنه تعالى وصفهم بأمرين الغفلة والإعراض . أما الغفلة فالمعنى أنهم غافلون عن حسابهم ساهون لا يتفكرون في عاقبتهم مع اقتضاء عقولهم أنه لا بد من جزاء المحسن والمسىء ثم إذا انتبهوا من سنة الغفلة ورقدة الجهالة مما يتلى عليهم من الآيات والنذر أعرضوا وسدوا أسماعهم . أما قوله : { ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث } ففيه مسائل : المسألة الأولى : قرأ ابن أبي عبلة محدث بالرفع صفة للمحل . المسألة الثانية : إنما ذكر الله تعالى ذلك بيانا لكونهم معرضين ، وذلك لأن الله تعالى يجدد لهم الذكر وقتا فوقتا ويظهر لهم الآية بعد الآية والسورة بعد السورة ليكرر على أسماعهم التنبيه والموعظة لعلهم يتعظون ، فما يزيدهم ذلك إلا لعبا واستسخارا . المسألة الثالثة : المعتزلة احتجوا على حدوث القرآن بهذه الآية فقالوا : القرآن ذكر والذكر محدث فالقرآن محدث ، بيان أن القرآن ذكر قوله تعالى في صفة القرآن : { إن هو إلا ذكر للعالمين } ( ص : 87 ) وقوله : { وإنه لذكر لك ولقومك } ( الزخرف : 44 ) وقوله : { ص والقرءان ذى الذكر } ( ص : 1 ) وقوله : { إنا نحن نزلنا الذكر } ( الحجر : 9 ) وقوله : { وما علمناه الشعر وما ينبغى له } ( يس : 69 ) وقوله : { وهاذا ذكر مبارك أنزلناه } ( الأنبياء : 5 ) وبيان أن الذكر محدث قوله في هذا الموضع : { ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث } وقوله في سورة الشعراء : { ما يأتيهم من ذكر من الرحمان محدث } ثم قالوا : فصار مجموع هاتين المقدمتين المنصوصتين كالنص في أن القرآن محدث والجواب من وجهين : الأول : أن قوله : { إن هو إلا ذكر للعالمين } وقوله : { وهاذا ذكر مبارك } إشارة إلى المركب من الحروف والأصوات فإذا ضممنا إليه قوله : { ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث } لزم حدوث المركب من الحروف والأصوات وذلك مما لا نزاع فيه بل حدوثه معلوم بالضرورة ، وإنما النزاع في قدم كلام الله تعالى بمعنى آخر . الثاني : أن قوله : { ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث } لا يدل على حدوث كل ما كان ذكرا بل على ذكر ما محدث كما أن قول القائل لا يدخل هذه البلدة رجل فاضل إلا يبغضونه ، فإنه لا يدل على أن كل رجل يجب أن يكون / فاضلا بل على أن في الرجال من هو فاضل وإذا كان كذلك فالآية لا تدل إلا على أن بعض الذكر محدث فيصير نظم الكلام هكذا القرآن ذكر وبعض الذكر محدث وهذا لا ينتج شيئا كما أن قول القائل : الإنسان حيوان وبعض الحيوان فرس لا ينتج شيئا فظهر أن الذي ظنوه قاطعا لا يفيد ظنا ضعيفا فضلا عن القطع . أما قوله : { إلا استمعوه وهم يلعبون لاهية قلوبهم } ففيه مسائل :

Section V22/P121–V22/P122Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb (s. V22/P121–V22/P122)
Orijinal Metin (AR)

المسألة الأولى : أن ذلك ذم للكفار وزجر لغيرهم عن مثله لأن الإنتفاع بما يسمع لا يكون إلا بما يرجع إلى القلب من تدبر وتفكر ، وإذا كانوا عند استماعه لاعبين حصلوا على مجرد الاستماع الذي قد تشارك البهيمة فيه الإنسان ثم أكد تعالى ذمهم بقوله : { لاهية قلوبهم } واللاهية من لهى عنه إذا ذهل وغفل ، وإنما ذكر اللعب مقدما على اللهو كما في قوله تعالى : { إنما الحيواة الدنيا لعب ولهو } ( محمد : 36 ) تنبيها على أن اشتغالهم باللعب الذي معناه السخرية والإستهزاء معلل باللهو الذي معناه الذهول والغفلة ، فإنهم أقدموا على اللعب للهوهم وذهولهم عن الحق ، والله أعلم بالصواب . المسألة الثانية : قال صاحب الكشاف : { وهم يلعبون لاهية قلوبهم } حالان مترادفان أو متداخلان ومن قرأ لاهية بالرفع فالحال واحدة لأن لاهية قلوبهم خبر بعد خبر لقوله : { وهم } . أما قوله : { وأسروا النجوى الذين ظلموا } ففيه سؤالان : السؤال الأول : النجوى وهي اسم من التناجي لا تكون إلا خفية فما معنى قوله : { وأسروا النجوى } . الجواب : معناه بالغوا في إخفائها وجعلوها بحيث لا يفطن أحد لتناجيهم . السؤال الثاني : لم قال : { وأسروا النجوى الذين ظلموا } . الجواب : أبدل الذين ظلموا من أسروا إشعارا بأنهم هم الموسومون بالظلم الفاحش فيما أسروا به أو جاء على لغة من قال : أكلوني البراغيث أو هو منصوب المحل على الذم أو هو مبتدأ خبره : { أسروا النجوى } قدم عليه والمعنى وهؤلاء أسروا النجوى فوضع المظهر موضع المضمر تسجيلا على فعلهم بأنه ظلم . أما قوله : { هل هاذا إلا بشر مثلكم أفتأتون السحر وأنتم تبصرون } ففيه مسائل : المسألة الأولى : قال صاحب الكشاف هذا الكلام كله في محل النصب بدلا من النجوى أي وأسروا هذا الحديث ويحتمل أن يكون التقدير وأسروا النجوى وقالوا هذا الكلام . المسألة الثانية : إنما أسروا هذا الحديث لوجهين : أحدهما : أنه كان ذلك شبهة التشاور فيما بينهم والتحاور في طلب الطريق إلى هدم أمره ، وعادة المتشاورين أن يجتهدوا في كتمان سرهم عن أعدائهم . الثاني : يجوز أن يسروا نجواهم بذلك ثم يقولوا لرسول الله والمؤمنين إن كان ما تدعونه حقا فأخبرونا بما أسررناه . المسألة الثالثة : أنهم طعنوا في نبوته بأمرين : أحدهما : أنه بشر مثلهم . والثاني : أن الذي أتى به سحر ، وكلا الطعنين فاسد . أما الأول : فلأن النبوة تقف صحتها على المعجزات والدلائل / لا على الصور إذ لو بعث الملك إليهم لما علم كونه نبيا لصورته ، وإنما كان يعلم بالعلم فإذا ظهر ذلك على من هو بشر فيجب أن يكون نبيا ، بل الأولى أن يكون المبعوث إلى البشر بشرا لأن المرء إلى القبول من أشكاله أقرب وهو به آنس . وأما الثاني : وهو أن ما أتى به الرسول عليه السلام سحر وأنهم يرون كونه سحرا فجهل أيضا ، لأن كل ما أتى به الرسول من القرآن وغيره ظاهر الحال لا تمويه فيه ولا تلبيس فيه . فقد كان عليه السلام يتحداهم بالقرآن حالا بعد حال مدة من الزمان وهم أرباب الفصاحة والبلاغة ، وكانوا في نهاية الحرص على إبطال أمره وأقوى الأمور في إبطال أمره معارضة القرآن فلو قدروا على المعارضة لامتنع أن لا يأتوا بها لأن الفعل عند توافر الدواعي وارتفاع الصارف واجب الوقوع ، فلما لم يأتوا بها دلنا ذلك على أنه في نفسه معجزة وأنهم عرفوا حاله . فكيف يجوز أن يقال : إنه سحر والحال على ما ذكرناه ، وكل ذلك يدل على أنهم كانوا عالمين بصدقه ، إلا أنهم كانوا يموهون على ضعفائهم بمثل هذا القول وإن كانوا فيه مكابرين .

Français Tercümesi (Ehl-i Sünnet)

المسألة الأولى : أن ذلك ذم للكفار وزجر لغيرهم عن مثله لأن الإنتفاع بما يسمع لا يكون إلا بما يرجع إلى القلب من تدبر وتفكر ، وإذا كانوا عند استماعه لاعبين حصلوا على مجرد الاستماع الذي قد تشارك البهيمة فيه الإنسان ثم أكد تعالى ذمهم بقوله : { لاهية قلوبهم } واللاهية من لهى عنه إذا ذهل وغفل ، وإنما ذكر اللعب مقدما على اللهو كما في قوله تعالى : { إنما الحيواة الدنيا لعب ولهو } ( محمد : 36 ) تنبيها على أن اشتغالهم باللعب الذي معناه السخرية والإستهزاء معلل باللهو الذي معناه الذهول والغفلة ، فإنهم أقدموا على اللعب للهوهم وذهولهم عن الحق ، والله أعلم بالصواب . المسألة الثانية : قال صاحب الكشاف : { وهم يلعبون لاهية قلوبهم } حالان مترادفان أو متداخلان ومن قرأ لاهية بالرفع فالحال واحدة لأن لاهية قلوبهم خبر بعد خبر لقوله : { وهم } . أما قوله : { وأسروا النجوى الذين ظلموا } ففيه سؤالان : السؤال الأول : النجوى وهي اسم من التناجي لا تكون إلا خفية فما معنى قوله : { وأسروا النجوى } . الجواب : معناه بالغوا في إخفائها وجعلوها بحيث لا يفطن أحد لتناجيهم . السؤال الثاني : لم قال : { وأسروا النجوى الذين ظلموا } . الجواب : أبدل الذين ظلموا من أسروا إشعارا بأنهم هم الموسومون بالظلم الفاحش فيما أسروا به أو جاء على لغة من قال : أكلوني البراغيث أو هو منصوب المحل على الذم أو هو مبتدأ خبره : { أسروا النجوى } قدم عليه والمعنى وهؤلاء أسروا النجوى فوضع المظهر موضع المضمر تسجيلا على فعلهم بأنه ظلم . أما قوله : { هل هاذا إلا بشر مثلكم أفتأتون السحر وأنتم تبصرون } ففيه مسائل : المسألة الأولى : قال صاحب الكشاف هذا الكلام كله في محل النصب بدلا من النجوى أي وأسروا هذا الحديث ويحتمل أن يكون التقدير وأسروا النجوى وقالوا هذا الكلام . المسألة الثانية : إنما أسروا هذا الحديث لوجهين : أحدهما : أنه كان ذلك شبهة التشاور فيما بينهم والتحاور في طلب الطريق إلى هدم أمره ، وعادة المتشاورين أن يجتهدوا في كتمان سرهم عن أعدائهم . الثاني : يجوز أن يسروا نجواهم بذلك ثم يقولوا لرسول الله والمؤمنين إن كان ما تدعونه حقا فأخبرونا بما أسررناه . المسألة الثالثة : أنهم طعنوا في نبوته بأمرين : أحدهما : أنه بشر مثلهم . والثاني : أن الذي أتى به سحر ، وكلا الطعنين فاسد . أما الأول : فلأن النبوة تقف صحتها على المعجزات والدلائل / لا على الصور إذ لو بعث الملك إليهم لما علم كونه نبيا لصورته ، وإنما كان يعلم بالعلم فإذا ظهر ذلك على من هو بشر فيجب أن يكون نبيا ، بل الأولى أن يكون المبعوث إلى البشر بشرا لأن المرء إلى القبول من أشكاله أقرب وهو به آنس . وأما الثاني : وهو أن ما أتى به الرسول عليه السلام سحر وأنهم يرون كونه سحرا فجهل أيضا ، لأن كل ما أتى به الرسول من القرآن وغيره ظاهر الحال لا تمويه فيه ولا تلبيس فيه . فقد كان عليه السلام يتحداهم بالقرآن حالا بعد حال مدة من الزمان وهم أرباب الفصاحة والبلاغة ، وكانوا في نهاية الحرص على إبطال أمره وأقوى الأمور في إبطال أمره معارضة القرآن فلو قدروا على المعارضة لامتنع أن لا يأتوا بها لأن الفعل عند توافر الدواعي وارتفاع الصارف واجب الوقوع ، فلما لم يأتوا بها دلنا ذلك على أنه في نفسه معجزة وأنهم عرفوا حاله . فكيف يجوز أن يقال : إنه سحر والحال على ما ذكرناه ، وكل ذلك يدل على أنهم كانوا عالمين بصدقه ، إلا أنهم كانوا يموهون على ضعفائهم بمثل هذا القول وإن كانوا فيه مكابرين .

Section V22/P122–V22/P123Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb (s. V22/P122–V22/P123)
Orijinal Metin (AR)

! 7 < { قال ربى يعلم القول فى السمآء والا رض وهو السميع العليم بل قالوا أضغاث أحلام بل افتراه بل هو شاعر فليأتنا بأاية كمآ أرسل الا ولون مآ ءامنت قبلهم من قرية أهلكناهآ أفهم يؤمنون } > 7 < الأنبياء : ( 4 - 6 ) قال ربي يعلم . . . . . > > أما قوله : { قال ربى يعلم القول فى السماء والارض وهو السميع العليم } ففيه مسائل : المسألة الأولى : قرىء { قال ربى } حكاية لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي قراءة حمزة والكسائي وحفص عن عاصم وقرأ الباقون قل بضم القاف وحذف الألف وسكون اللام . المسألة الثانية : أنه تعالى لما أورد هذا الكلام عقيب ما حكى عنهم وجب أن يكون كالجواب لما قالوه فكأنه قال إنكم وإن أخفيتم قولكم ، وطعنكم فإن ربي عالم بذلك وإنه من وراء عقوبته ، فتوعدوا بذلك لكي لا يعودوا إلى مثله . المسألة الثالثة : قال صاحب الكشاف : فإن قلت فهلا قيل له يعلم السر لقوله : { وأسروا النجوى } ( الأنبياء : 3 ) قلت القول علام يشمل السر والجهر فكأن في العلم به العلم بالسر وزيادة فكأن آكد في بيان الإطلاع على نجواهم من أن يقول : { يعلم السر } كما أن قوله تعالى : { يعلم السر } آكد من أن يقول يعلم سرهم فإن قلت فلم ترك الآكد في سورة الفرقان في قوله : { قل أنزله الذى يعلم السر فى السماوات والارض } ( الفرقان : 6 ) قلت : ليس بواجب أن يجيء بالآكد في قوله في كل موضع ، ولكن يجيء بالتوكيد مرة وبالآكد مرة أخرى ، ثم الفرق أنه قدم ههنا أنهم أسروا النجوى ، فكأنه أراد أن يقول : إن ربي يعلم ما أسروه ، فوضع القول موضع ذلك للمبالغة وثمة قصد وصف ذاته بأن قال : { أنزله الذى يعلم السر فى السماوات والارض } فهو كقوله : { علام الغيوب } ( سبأ : 48 ) ، { عالم الغيب لا يعزب عنه مثقال ذرة } ( سبأ : 3 ) . المسألة الرابعة : إنما قدم السميع على العليم لأنه لا بد من سماع الكلام أولا ثم من حصول العلم بمعناه ، أما قوله : { بل قالوا أضغاث أحلام بل افتراه بل هو شاعر فليأتنا بئاية كما أرسل الاولون } فاعلم أنه تعالى عاد إلى حكاية قولهم المتصل بقوله : { هل هاذا إلا بشر مثلكم أفتأتون السحر } ( الأنبياء : 3 ) ثم قال : { بل قالوا أضغاث أحلام بل افتراه بل هو شاعر } فحكى عنهم ثم هذه الأقوال الخمسة فترتيب كلامهم كأنهم قالوا : ندعي أن كونه بشرا مانع من كونه رسولا لله تعالى . سلمنا أنه غير مانع ، ولكن لا نسلم أن هذا القرآن معجز ، ثم إما أن يساعد على أن فصاحة القرآن خارجة عن مقدور البشر ، قلنا : لم لا يجوز أن يكون ذلك سحرا وإن لم يساعد عليه فإن ادعينا كونه في نهاية الركاكة قلنا : إنها أضغاث أحلام ، وإن ادعينا أنه متوسط بين الركاكة والفصاحة قلنا إنه افتراه ، وإن ادعينا إنه كلام فصيح قلنا إنه من جنس فصاحة سائر الشعراء ، وعلى جميع هذه التقديرات فإنه لا يثبت كونه معجزا ، ولما فرغوا من تعديد هذه الاحتمالات قالوا : { بل قالوا أضغاث أحلام بل } فالمراد أنهم طلبوا آية جلية لا يتطرق إليها شيء من هذه الاحتمالات كالآيات المنقولة عن موسى وعيسى عليهما السلام ، ثم إن الله تعالى بدأ بالجواب عن هذا السؤال الأخير بقوله : { ما ءامنت قبلهم من قرية أهلكناها أفهم يؤمنون } والمعنى أنهم في العتو أشد من الذين اقترحوا على أنبيائهم الآيات وعهدوا أنهم يؤمنون عندها فلما جاءتهم نكثوا وخالفوا / فأهلكهم الله ، فلو أعطيناهم ما يقترحون لكانوا أشد نكثا . قال الحسن رحمه الله تعالى : إنهم لم يجابوا لأن حكم الله تعالى أن من كذب بعد الإجابة إلى ما اقترحه من الآيات فلا بد من أن ينزل به عذاب الاستئصال وقد مضى حكمه في أمة محمد صلى الله عليه وسلم خاصة بخلافه فلذلك لم يجبهم .

Français Tercümesi (Ehl-i Sünnet)

! 7 < { قال ربى يعلم القول فى السمآء والا رض وهو السميع العليم بل قالوا أضغاث أحلام بل افتراه بل هو شاعر فليأتنا بأاية كمآ أرسل الا ولون مآ ءامنت قبلهم من قرية أهلكناهآ أفهم يؤمنون } > 7 < الأنبياء : ( 4 - 6 ) قال ربي يعلم . . . . . > > أما قوله : { قال ربى يعلم القول فى السماء والارض وهو السميع العليم } ففيه مسائل : المسألة الأولى : قرىء { قال ربى } حكاية لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي قراءة حمزة والكسائي وحفص عن عاصم وقرأ الباقون قل بضم القاف وحذف الألف وسكون اللام . المسألة الثانية : أنه تعالى لما أورد هذا الكلام عقيب ما حكى عنهم وجب أن يكون كالجواب لما قالوه فكأنه قال إنكم وإن أخفيتم قولكم ، وطعنكم فإن ربي عالم بذلك وإنه من وراء عقوبته ، فتوعدوا بذلك لكي لا يعودوا إلى مثله . المسألة الثالثة : قال صاحب الكشاف : فإن قلت فهلا قيل له يعلم السر لقوله : { وأسروا النجوى } ( الأنبياء : 3 ) قلت القول علام يشمل السر والجهر فكأن في العلم به العلم بالسر وزيادة فكأن آكد في بيان الإطلاع على نجواهم من أن يقول : { يعلم السر } كما أن قوله تعالى : { يعلم السر } آكد من أن يقول يعلم سرهم فإن قلت فلم ترك الآكد في سورة الفرقان في قوله : { قل أنزله الذى يعلم السر فى السماوات والارض } ( الفرقان : 6 ) قلت : ليس بواجب أن يجيء بالآكد في قوله في كل موضع ، ولكن يجيء بالتوكيد مرة وبالآكد مرة أخرى ، ثم الفرق أنه قدم ههنا أنهم أسروا النجوى ، فكأنه أراد أن يقول : إن ربي يعلم ما أسروه ، فوضع القول موضع ذلك للمبالغة وثمة قصد وصف ذاته بأن قال : { أنزله الذى يعلم السر فى السماوات والارض } فهو كقوله : { علام الغيوب } ( سبأ : 48 ) ، { عالم الغيب لا يعزب عنه مثقال ذرة } ( سبأ : 3 ) . المسألة الرابعة : إنما قدم السميع على العليم لأنه لا بد من سماع الكلام أولا ثم من حصول العلم بمعناه ، أما قوله : { بل قالوا أضغاث أحلام بل افتراه بل هو شاعر فليأتنا بئاية كما أرسل الاولون } فاعلم أنه تعالى عاد إلى حكاية قولهم المتصل بقوله : { هل هاذا إلا بشر مثلكم أفتأتون السحر } ( الأنبياء : 3 ) ثم قال : { بل قالوا أضغاث أحلام بل افتراه بل هو شاعر } فحكى عنهم ثم هذه الأقوال الخمسة فترتيب كلامهم كأنهم قالوا : ندعي أن كونه بشرا مانع من كونه رسولا لله تعالى . سلمنا أنه غير مانع ، ولكن لا نسلم أن هذا القرآن معجز ، ثم إما أن يساعد على أن فصاحة القرآن خارجة عن مقدور البشر ، قلنا : لم لا يجوز أن يكون ذلك سحرا وإن لم يساعد عليه فإن ادعينا كونه في نهاية الركاكة قلنا : إنها أضغاث أحلام ، وإن ادعينا أنه متوسط بين الركاكة والفصاحة قلنا إنه افتراه ، وإن ادعينا إنه كلام فصيح قلنا إنه من جنس فصاحة سائر الشعراء ، وعلى جميع هذه التقديرات فإنه لا يثبت كونه معجزا ، ولما فرغوا من تعديد هذه الاحتمالات قالوا : { بل قالوا أضغاث أحلام بل } فالمراد أنهم طلبوا آية جلية لا يتطرق إليها شيء من هذه الاحتمالات كالآيات المنقولة عن موسى وعيسى عليهما السلام ، ثم إن الله تعالى بدأ بالجواب عن هذا السؤال الأخير بقوله : { ما ءامنت قبلهم من قرية أهلكناها أفهم يؤمنون } والمعنى أنهم في العتو أشد من الذين اقترحوا على أنبيائهم الآيات وعهدوا أنهم يؤمنون عندها فلما جاءتهم نكثوا وخالفوا / فأهلكهم الله ، فلو أعطيناهم ما يقترحون لكانوا أشد نكثا . قال الحسن رحمه الله تعالى : إنهم لم يجابوا لأن حكم الله تعالى أن من كذب بعد الإجابة إلى ما اقترحه من الآيات فلا بد من أن ينزل به عذاب الاستئصال وقد مضى حكمه في أمة محمد صلى الله عليه وسلم خاصة بخلافه فلذلك لم يجبهم .

Section V22/P123–V22/P124Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb (s. V22/P123–V22/P124)
Orijinal Metin (AR)

! 7 < { ومآ أرسلنا قبلك إلا رجالا نوحىإليهم فاسئلوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون وما جعلناهم جسدا لا يأكلون الطعام وما كانوا خالدين ثم صدقناهم الوعد فأنجيناهم ومن نشآء وأهلكنا المسرفين لقد أنزلنآ إليكم كتابا فيه ذكركم أفلا تعقلون } > 7 ! < < الأنبياء : ( 7 - 10 ) وما أرسلنا قبلك . . . . . > > اعلم أنه تعالى أجاب عن سؤالهم الأول وهو قولهم : { ما هاذا إلا بشر مثلكم } ( المؤمنون : 33 ) بقوله : { وما أرسلنا قبلك إلا رجالا نوحى إليهم } فبين أن هذه عادة الله تعالى في الرسل من قبل محمد صلى الله عليه وسلم ولم يمنع ذلك من كونهم رسلا للآيات التي ظهرت عليهم فإذا صح ذلك فيهم فقد ظهر على محمد مثل آياتهم فلا مقال عليه في كونه بشرا فأما قوله تعالى : { فاسئلوا أهل الذكر } فالمعنى أنه تعالى أمرهم أن يسألوا أهل الذكر وهم أهل الكتاب حتى يعلموهم أن رسل الله الموحى إليهم كانوا بشرا ولم يكونوا ملائكة ، وإنما أحالهم على هؤلاء لأنهم كانوا يتابعون المشركين في معاداة رسول الله صلى الله عليه وسلم قال تعالى : { ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا أذى كثيرا } ( آل عمران : 186 ) فإن قيل إذا لم يوثق باليهود والنصارى ، فكيف يجوز أن يأمرهم بأن يسألوهم عن الرسل قلنا : إذا تواتر خبرهم وبلغ حد الضرورة جاز ذلك ، كما قد يعمل بخبر الكفار إذا تواتر ، مثل ما يعمل بخبر المؤمنين . ومن الناس من قال : المراد بأهل الذكر أهل القرآن وهو بعيد لأنهم كانوا طاعنين في القرآن وفي الرسول صلى الله عليه وسلم فأما تعلق كثير من الفقهاء بهذه الآية في أن للعامي أن يرجع إلى فتيا العلماء وفي أن للمجتهد أن يأخذ بقول مجتهد آخر فبعيد لأن هذه الآية خطاب مشافة وهي واردة في هذه الواقعة المخصوصة ومتعلقة باليهود والنصارى على التعيين . ثم بين تعالى أنه لم يجعل الرسل قبله جسدا لا يأكلون الطعام وفيه أبحاث : البحث الأول : قوله : { لا يأكلون الطعام } صفة جسد والمعنى وما جعلنا الأنبياء ذوي جسد غير طاعمين . البحث الثاني : وحد الجسد لإرادة الجنس كأنه قال ذوي ضرب من الأجساد .

Français Tercümesi (Ehl-i Sünnet)

! 7 < { ومآ أرسلنا قبلك إلا رجالا نوحىإليهم فاسئلوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون وما جعلناهم جسدا لا يأكلون الطعام وما كانوا خالدين ثم صدقناهم الوعد فأنجيناهم ومن نشآء وأهلكنا المسرفين لقد أنزلنآ إليكم كتابا فيه ذكركم أفلا تعقلون } > 7 ! < < الأنبياء : ( 7 - 10 ) وما أرسلنا قبلك . . . . . > > اعلم أنه تعالى أجاب عن سؤالهم الأول وهو قولهم : { ما هاذا إلا بشر مثلكم } ( المؤمنون : 33 ) بقوله : { وما أرسلنا قبلك إلا رجالا نوحى إليهم } فبين أن هذه عادة الله تعالى في الرسل من قبل محمد صلى الله عليه وسلم ولم يمنع ذلك من كونهم رسلا للآيات التي ظهرت عليهم فإذا صح ذلك فيهم فقد ظهر على محمد مثل آياتهم فلا مقال عليه في كونه بشرا فأما قوله تعالى : { فاسئلوا أهل الذكر } فالمعنى أنه تعالى أمرهم أن يسألوا أهل الذكر وهم أهل الكتاب حتى يعلموهم أن رسل الله الموحى إليهم كانوا بشرا ولم يكونوا ملائكة ، وإنما أحالهم على هؤلاء لأنهم كانوا يتابعون المشركين في معاداة رسول الله صلى الله عليه وسلم قال تعالى : { ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا أذى كثيرا } ( آل عمران : 186 ) فإن قيل إذا لم يوثق باليهود والنصارى ، فكيف يجوز أن يأمرهم بأن يسألوهم عن الرسل قلنا : إذا تواتر خبرهم وبلغ حد الضرورة جاز ذلك ، كما قد يعمل بخبر الكفار إذا تواتر ، مثل ما يعمل بخبر المؤمنين . ومن الناس من قال : المراد بأهل الذكر أهل القرآن وهو بعيد لأنهم كانوا طاعنين في القرآن وفي الرسول صلى الله عليه وسلم فأما تعلق كثير من الفقهاء بهذه الآية في أن للعامي أن يرجع إلى فتيا العلماء وفي أن للمجتهد أن يأخذ بقول مجتهد آخر فبعيد لأن هذه الآية خطاب مشافة وهي واردة في هذه الواقعة المخصوصة ومتعلقة باليهود والنصارى على التعيين . ثم بين تعالى أنه لم يجعل الرسل قبله جسدا لا يأكلون الطعام وفيه أبحاث : البحث الأول : قوله : { لا يأكلون الطعام } صفة جسد والمعنى وما جعلنا الأنبياء ذوي جسد غير طاعمين . البحث الثاني : وحد الجسد لإرادة الجنس كأنه قال ذوي ضرب من الأجساد .

Section V22/P124–V22/P125Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb (s. V22/P124–V22/P125)
Orijinal Metin (AR)

البحث الثالث : أنهم كانوا يقولون : { ما لهاذا الرسول يأكل الطعام ويمشى فى الاسواق لولا أنزل إليه ملك فيكون معه نذيرا } ( الفرقان : 7 ) فأجاب الله بقوله : { وما جعلناهم جسدا لا يأكلون الطعام } فبين تعالى أن هذه عادة الله في الرسل من قبل وأنه لم يجعلهم جسدا لا يأكلون بل جسدا يأكلون الطعام ولا يخلدون في الدنيا بل يموتون كغيرهم ، ونبه بذلك على أن الذي صاروا به رسلا غير ذلك وهو ظهور المعجزات على أيديهم وبراءتهم عن الصفات القادحة في التبليغ ، أما قوله تعالى : { ثم صدقناهم الوعد } فقال صاحب ( الكشاف ) : هو مثل قوله : { واختار موسى قومه سبعين رجلا } ( الأعراف : 155 ) والأصل في الوعد ومن قومه ومنه صدقوهم المقال : { ومن نشاء } هم المؤمنون ، قال المفسرون : المراد منه / أنه تقدم وعده جل جلاله بأنه إنما يهلك بعذاب الاستئصال من كذب الرسل دون نفس الرسل ودون من صدق بهم ، وجعل الوفاء بما وعد صدقا من حيث يكشف عن الصدق ومعنى : { وأهلكنا المسرفين } أي بعذاب الاستئصال وليس المراد عذاب الآخرة لأنه إخبار عما مضى وتقدم / ثم بين تعالى بقوله : { لقد أنزلنا إليكم كتابا فيه ذكركم } عظيم نعمته عليهم بالقرآن في الدين والدنيا ، فلذلك قال فيه : { ذكركم } وفيه ثلاثة أوجه : أحدها ؛ ذكركم شرفكم وصيتكم ، كما قال : { وإنه لذكر لك ولقومك } ( الزخرف : 44 ) . وثانيها : المراد فيه تذكرة لكم لتحذروا ما لا يحل وترغبوا فيما يجب ، ويكون المراد بالذكر الوعد والوعيد ، كما قال : { وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين } ( الذاريات : 55 ) . وثالثها : المراد ذكر دينكم ما يلزم وما لا يلزم لتفوزوا بالجنة إذا تمسكتم به وكل ذلك محتمل ، وقوله : { أفلا تعقلون } كالبعث على التدبر في القرآن لأنهم كانوا عقلاء لأن الخوض من لوازم الغفلة والتدبر دافع لذلك الخوض ودفع الضرر عن النفس من لوازم الفعل فمن لم يتدبر فكأنه خرج عن العقل . ! 7 < { وكم قصمنا من قرية كانت ظالمة وأنشأنا بعدها قوما ءاخرين فلمآ أحسوا بأسنآ إذا هم منها يركضون لا تركضوا وارجعوا إلى مآ أترفتم فيه ومساكنكم لعلكم تسألون قالوا ياويلنآ إنا كنا ظالمين فما زالت تلك دعواهم حتى جعلناهم حصيدا خامدين } > 7 < الأنبياء : ( 11 - 15 ) وكم قصمنا من . . . . . > >

Français Tercümesi (Ehl-i Sünnet)

البحث الثالث : أنهم كانوا يقولون : { ما لهاذا الرسول يأكل الطعام ويمشى فى الاسواق لولا أنزل إليه ملك فيكون معه نذيرا } ( الفرقان : 7 ) فأجاب الله بقوله : { وما جعلناهم جسدا لا يأكلون الطعام } فبين تعالى أن هذه عادة الله في الرسل من قبل وأنه لم يجعلهم جسدا لا يأكلون بل جسدا يأكلون الطعام ولا يخلدون في الدنيا بل يموتون كغيرهم ، ونبه بذلك على أن الذي صاروا به رسلا غير ذلك وهو ظهور المعجزات على أيديهم وبراءتهم عن الصفات القادحة في التبليغ ، أما قوله تعالى : { ثم صدقناهم الوعد } فقال صاحب ( الكشاف ) : هو مثل قوله : { واختار موسى قومه سبعين رجلا } ( الأعراف : 155 ) والأصل في الوعد ومن قومه ومنه صدقوهم المقال : { ومن نشاء } هم المؤمنون ، قال المفسرون : المراد منه / أنه تقدم وعده جل جلاله بأنه إنما يهلك بعذاب الاستئصال من كذب الرسل دون نفس الرسل ودون من صدق بهم ، وجعل الوفاء بما وعد صدقا من حيث يكشف عن الصدق ومعنى : { وأهلكنا المسرفين } أي بعذاب الاستئصال وليس المراد عذاب الآخرة لأنه إخبار عما مضى وتقدم / ثم بين تعالى بقوله : { لقد أنزلنا إليكم كتابا فيه ذكركم } عظيم نعمته عليهم بالقرآن في الدين والدنيا ، فلذلك قال فيه : { ذكركم } وفيه ثلاثة أوجه : أحدها ؛ ذكركم شرفكم وصيتكم ، كما قال : { وإنه لذكر لك ولقومك } ( الزخرف : 44 ) . وثانيها : المراد فيه تذكرة لكم لتحذروا ما لا يحل وترغبوا فيما يجب ، ويكون المراد بالذكر الوعد والوعيد ، كما قال : { وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين } ( الذاريات : 55 ) . وثالثها : المراد ذكر دينكم ما يلزم وما لا يلزم لتفوزوا بالجنة إذا تمسكتم به وكل ذلك محتمل ، وقوله : { أفلا تعقلون } كالبعث على التدبر في القرآن لأنهم كانوا عقلاء لأن الخوض من لوازم الغفلة والتدبر دافع لذلك الخوض ودفع الضرر عن النفس من لوازم الفعل فمن لم يتدبر فكأنه خرج عن العقل . ! 7 < { وكم قصمنا من قرية كانت ظالمة وأنشأنا بعدها قوما ءاخرين فلمآ أحسوا بأسنآ إذا هم منها يركضون لا تركضوا وارجعوا إلى مآ أترفتم فيه ومساكنكم لعلكم تسألون قالوا ياويلنآ إنا كنا ظالمين فما زالت تلك دعواهم حتى جعلناهم حصيدا خامدين } > 7 < الأنبياء : ( 11 - 15 ) وكم قصمنا من . . . . . > >

Section V22/P125–V22/P126Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb (s. V22/P125–V22/P126)
Orijinal Metin (AR)

اعلم أنه تعالى لما حكى عنهم تلك الاعتراضات وكانت تلك الاعتراضات ظاهرة السقوط لأن شرائط الإعجاز لما تمت في القرآن ظهر حينئذ لكل عاقل كونه معجزا ، وعند ذلك ظهر أن اشتغالهم بإيراد تلك الاعتراضات كان لأجل حب الدنيا وحب الرياسة فيها فبالغ سبحانه في زجرهم عن ذلك فقال : { وكم قصمنا من قرية } قال صاحب ( الكشاف ) القصم أفظع الكسر وهو الكسر الذي يبين تلاؤم الأجزاء بخلاف القصم وذكر القرية وأنها ظالمة وأراد أهلها توسعا لدلالة العقل على أنها لا تكون ظالمة ولا مكلفة ولدلالة قوله تعالى : { وكم قصمنا من قرية } فالمعنى أهلكنا قوما وأنشأنا قوما آخرين وقال : { فلما أحسوا بأسنا } إلى قوله { قالوا يأبانا قالوا إنا كنا ظالمين } وكل ذلك لا يليق إلا بأهلها الذين كلفوا بتصديق الرسل فكذبوهم ولولا هذه / الدلائل لما جاز منه سبحانه ذكر المجاز لأنه يكون ذلك موهما للكذب ، واختلفوا في هذا الإهلاك فقال ابن عباس : المراد منه القتل بالسيوف والمراد بالقرية حضور وهي وسحول قريتان باليمن ينسب إليهما الثياب . وفي الحديث : ( كفن رسول الله صلى الله عليه وسلم في ثوبين سحوليين ) وروى : ( حضوريين بعث الله إليهم نبيا فقتلوه فسلط الله عليهم بختنصر كما سلطه على أهل بيت المقدس فاستأصلهم ) وروى : ( أنه لما أخذتهم السيوف نادى مناد من السماء يا لثارات الأنبياء ) فندموا واعترفوا بالخطأ ، وقال الحسن : المراد عذاب الاستئصال ، واعلم أن هذا أقرب لأن إضافة ذلك إلى الله تعالى أقرب من إضافته إلى القاتل ، ثم بتقدير أن يحمل ذلك على عذاب القتل فما الدليل على قول ابن عباس ولعل ابن عباس ذكر حضور بأنها إحدى القرى التي أرادها الله تعالى بهذه الآية ، وأما قوله تعالى : { فلما أحسوا بأسنا إذا هم منها يركضون } فالمعنى لما علموا شدة عذابنا وبطشنا علم حس ومشاهدة ركضوا في ديارهم ، والركض ضرب الدابة بالرجل ، ومنه قوله تعالى : { اركض برجلك } فيجوز أن يكونوا ركبوا دوابهم يركضونها هاربين منهزمين من قريتهم لما أدركتهم مقدمة العذاب ، ويجوز أن يشبهوا في سرعة عدوهم على أرجلهم بالراكبين الراكضين ، أما قوله : { لا تركضوا } قال صاحب ( الكشاف ) : القول محذوف ، فإن قلت من القائل قلنا يحتمل أن يكون بعض الملائكة ومن ثم من المؤمنين ، أو يكونوا خلقاء بأن يقال لهم ذلك وإن لم يقل ، أو يقوله رب العزة ويسمعه ملائكته لينفعهم في دينهم أو يلهمهم ذلك فيحدثون به نفوسهم ، أما قوله : { وارجعوا إلى ما أترفتم فيه ومساكنكم } أي من العيش والرفاهية والحال الناعمة ، والإتراف إبطار النعمة وهي الترفه ، أما قوله تعالى : { لعلكم تسألون } فهو تهكم بهم وتوبيخ ، ثم فيه وجوه : أحدها : أي ارجعوا إلى نعمكم ومساكنكم لعلكم تسألون غدا عما جرى عليكم ونزل بأموالكم ومساكنكم فتجيبوا السائل عن علم ومشاهدة . وثانيها : ارجعوا كما كنتم في مجالسكم حتى تسألكم عبيدكم ومن ينفذ فيه أمركم ونهيكم ويقول لكم بم تأمرون وماذا ترسمون كعادة المخدومين . وثالثها : تسألكم الناس في أنديتكم لتعاونوهم في نوازل الخطوب ويستشيرونكم في المهمات ويستعينون بآرائكم . ورابعها : يسألكم الوافدون عليكم والطامعون فيكم إما لأنهم كانوا أسخياء ينفقون أموالهم رئاء الناس وطلب الثناء أو كانوا بخلاء فقيل لهم ذلك تهكما إلى تهكم وتوبيخا إلى توبيخ ، أما قوله تعالى : { فما زالت تلك دعواهم فقال } لأنها عدوى كأنه قيل فما زالت تلك الدعوى دعواهم ، والدعوى بمعنى الدعوة قال تعالى : { تجرى من تحتهم الانهار في جنات النعيم دعواهم فيها سبحانك اللهم وتحيتهم فيها سلام } ( يونس : 10 ) فإن قلت : لم سميت دعوى ؟

Français Tercümesi (Ehl-i Sünnet)

اعلم أنه تعالى لما حكى عنهم تلك الاعتراضات وكانت تلك الاعتراضات ظاهرة السقوط لأن شرائط الإعجاز لما تمت في القرآن ظهر حينئذ لكل عاقل كونه معجزا ، وعند ذلك ظهر أن اشتغالهم بإيراد تلك الاعتراضات كان لأجل حب الدنيا وحب الرياسة فيها فبالغ سبحانه في زجرهم عن ذلك فقال : { وكم قصمنا من قرية } قال صاحب ( الكشاف ) القصم أفظع الكسر وهو الكسر الذي يبين تلاؤم الأجزاء بخلاف القصم وذكر القرية وأنها ظالمة وأراد أهلها توسعا لدلالة العقل على أنها لا تكون ظالمة ولا مكلفة ولدلالة قوله تعالى : { وكم قصمنا من قرية } فالمعنى أهلكنا قوما وأنشأنا قوما آخرين وقال : { فلما أحسوا بأسنا } إلى قوله { قالوا يأبانا قالوا إنا كنا ظالمين } وكل ذلك لا يليق إلا بأهلها الذين كلفوا بتصديق الرسل فكذبوهم ولولا هذه / الدلائل لما جاز منه سبحانه ذكر المجاز لأنه يكون ذلك موهما للكذب ، واختلفوا في هذا الإهلاك فقال ابن عباس : المراد منه القتل بالسيوف والمراد بالقرية حضور وهي وسحول قريتان باليمن ينسب إليهما الثياب . وفي الحديث : ( كفن رسول الله صلى الله عليه وسلم في ثوبين سحوليين ) وروى : ( حضوريين بعث الله إليهم نبيا فقتلوه فسلط الله عليهم بختنصر كما سلطه على أهل بيت المقدس فاستأصلهم ) وروى : ( أنه لما أخذتهم السيوف نادى مناد من السماء يا لثارات الأنبياء ) فندموا واعترفوا بالخطأ ، وقال الحسن : المراد عذاب الاستئصال ، واعلم أن هذا أقرب لأن إضافة ذلك إلى الله تعالى أقرب من إضافته إلى القاتل ، ثم بتقدير أن يحمل ذلك على عذاب القتل فما الدليل على قول ابن عباس ولعل ابن عباس ذكر حضور بأنها إحدى القرى التي أرادها الله تعالى بهذه الآية ، وأما قوله تعالى : { فلما أحسوا بأسنا إذا هم منها يركضون } فالمعنى لما علموا شدة عذابنا وبطشنا علم حس ومشاهدة ركضوا في ديارهم ، والركض ضرب الدابة بالرجل ، ومنه قوله تعالى : { اركض برجلك } فيجوز أن يكونوا ركبوا دوابهم يركضونها هاربين منهزمين من قريتهم لما أدركتهم مقدمة العذاب ، ويجوز أن يشبهوا في سرعة عدوهم على أرجلهم بالراكبين الراكضين ، أما قوله : { لا تركضوا } قال صاحب ( الكشاف ) : القول محذوف ، فإن قلت من القائل قلنا يحتمل أن يكون بعض الملائكة ومن ثم من المؤمنين ، أو يكونوا خلقاء بأن يقال لهم ذلك وإن لم يقل ، أو يقوله رب العزة ويسمعه ملائكته لينفعهم في دينهم أو يلهمهم ذلك فيحدثون به نفوسهم ، أما قوله : { وارجعوا إلى ما أترفتم فيه ومساكنكم } أي من العيش والرفاهية والحال الناعمة ، والإتراف إبطار النعمة وهي الترفه ، أما قوله تعالى : { لعلكم تسألون } فهو تهكم بهم وتوبيخ ، ثم فيه وجوه : أحدها : أي ارجعوا إلى نعمكم ومساكنكم لعلكم تسألون غدا عما جرى عليكم ونزل بأموالكم ومساكنكم فتجيبوا السائل عن علم ومشاهدة . وثانيها : ارجعوا كما كنتم في مجالسكم حتى تسألكم عبيدكم ومن ينفذ فيه أمركم ونهيكم ويقول لكم بم تأمرون وماذا ترسمون كعادة المخدومين . وثالثها : تسألكم الناس في أنديتكم لتعاونوهم في نوازل الخطوب ويستشيرونكم في المهمات ويستعينون بآرائكم . ورابعها : يسألكم الوافدون عليكم والطامعون فيكم إما لأنهم كانوا أسخياء ينفقون أموالهم رئاء الناس وطلب الثناء أو كانوا بخلاء فقيل لهم ذلك تهكما إلى تهكم وتوبيخا إلى توبيخ ، أما قوله تعالى : { فما زالت تلك دعواهم فقال } لأنها عدوى كأنه قيل فما زالت تلك الدعوى دعواهم ، والدعوى بمعنى الدعوة قال تعالى : { تجرى من تحتهم الانهار في جنات النعيم دعواهم فيها سبحانك اللهم وتحيتهم فيها سلام } ( يونس : 10 ) فإن قلت : لم سميت دعوى ؟

%0
10 Section

Questions