Qur'an&Sunnahالقرآن

Kurtubî — el-Câmi' li-Ahkâmi'l-Kur'ân

أبو عبد الله محمد بن أحمد الأنصاري القرطبي · AR

Section V02/P202–V02/P204Kurtubî — el-Câmi' li-Ahkâmi'l-Kur'ân (s. V02/P202–V02/P204)
Orijinal Metin (AR)

> لما أخبر الله سبحانه وتعالى في الآية قبل ما دل على وحدانيته وقدرته وعظم سلطانه أخبر أن مع هذه الآيات القاهرة لذوي العقول من يتخذ معه أندادا وواحدها ند وقد تقدم والمراد الأوثان والأصنام التي كانوا يعبدونها كعبادة الله مع عجزها قاله مجاهد قوله تعالى : ( يحبونهم كحب الله ) أي يحبون أصنامهم على الباطل كحب المؤمنين لله على الحق قاله المبرد وقال معناه الزجاج أي أنهم مع عجز الأصنام يحبونهم كحب المؤمنين لله مع قدرته وقال بن عباس والسدي : المراد بالأنداد الرؤساء المتبعون يطيعونهم في معاصي الله وجاء الضمير في يحبونهم على هذا على الأصل وعلى الأول جاء ضمير الأصنام ضمير من يعقل على غير الأصل وقال بن كيسان والزجاج أيضا : معنى يحبونهم كحب الله أي يسؤون بين الأصنام وبين الله تعالى في المحبة قال أبو إسحاق : وهذا القول الصحيح والدليل على صحته : والذين آمنوا أشد حبا لله وقرأ أبو رجاء يحبونهم بفتح الياء وكذلك ما كان منه في القرآن وهي لغة يقال : حببت الرجل فهو محبوب قال الفراء : أنشدني أبو تراب : أحب لحبها السودان حتى حببت لحبها سود الكلاب ومن في قوله من يتخذ في موضع رفع بالابتداء ويتخذ على اللفظ ويجوز في غير القرآن يتخذون على المعنى ويحبونهم على المعنى ويحبهم على اللفظ وهو في موضع نصب على الحال من الضمير الذي في يتخذ أي محبين وإن شئت كان نعتا للأنداد أي محبوبة والكاف من كحب نعت لمصدر محذوف أي يحبونهم حبا كحب الله ( والذين آمنوا اشد حبا لله ) أي أشد من حب أهل الأوثان لأوثانهم والتابعين لمتبوعهم وقيل : إنما قال ( والذين آمنوا اشد حبا لله ) لأن الله تعالى أحبهم أولا ثم أحبوه ومن شهد له محبوبه بالمحبة كانت محبته أتم قال الله تعالى : يحبهم ويحبونه وسيأتي بيان حب المؤمنين لله تعالى وحبه لهم في سورة ال عمران إن شاء الله تعالى قوله تعالى : ( ولو يرى الذين ظلموا إذ يرون العذاب أن القوة لله جميعا وأن الله شديد العذاب ) قراءة أهل المدينة وأهل الشام بالتاء وأهل مكة وأهل الكوفة وأبو عمرو بالياء وهو اختيار أبي عبيد وفي الآية إشكال وحذف فقال أبو عبيد : المعنى لو يرى الذين ظلموا في الدنيا عذاب الآخرة لعلموا حين يرونه أن القوة لله جميعا ويرى على هذا من رؤية البصر قال النحاس في كتاب معاني القرآن له : وهذا القول هو الذي عليه أهل التفسير وقال في كتاب إعراب القرآن له وروى عن محمد بن يزيد أنه قال : هذا التفسير الذي جاء به أبو عبيد بعيد وليست عبارته فيه بالجيدة لأنه يقدر : ولو يرى الذين ظلموا العذاب فكأنه يجعله مشكوكا فيه وقد أوجبه الله تعالى ولكن التقدير وهو قول الأخفش ولو يرى الذين ظلموا أن القوة لله ويرى بمعنى يعلم أي لو يعلمون حقيقة قوة الله عز وجل وشدة عذابه ف يرى واقعة على أن القوة لله وسدت مسد المفعولين والذين فاعل يرى وجواب لو محذوف أي لتبينوا ضرر اتخاذهم الآلهة كما قال عز وجل ولو ترى إذ وقفوا على ربهم ولو ترى إذ وقفوا على النار ولم يأت ل لو جواب قال الزهري وقتادة : الإضمار أشد للوعيد ومثله قول القائل : لو رأيت فلانا والسياط تأخذه ومن قرأ بالتاء فالتقدير : ولو ترى يا محمد الذين ظلموا في حال رؤيتهم العذاب وفزعهم منه واستعظامهم له لأقروا أن القوة لله فالجواب مضمر على هذا النحو من المعنى وهو العامل في أن وتقدير آخر : ولو ترى يا محمد الذين ظلموا في حال رؤيتهم العذاب وفزعهم منه لعلمت أن القوة لله جميعا وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم علم ذلك ولكن خوطب والمراد أمته فإن فيهم من يحتاج إلى تقوية علمه بمشاهدة مثل هذا ويجوز أن يكون المعنى : قل يا محمد للظالم هذا وقيل : أن في موضع نصب مفعول من أجله أي لأن القوة لله جميعا وأنشد سيبويه : وأغفر عوراء الكريم آدخاره وأعرض عن شتم اللئيم تكرما اي لأدخاره والمعنى : ولو ترى يا محمد الذين ظلموا في حال رؤيتهم للعذاب لأن القوة لله لعلمت مبلغهم من النكال ولاستعظمت ما حل بهم ودخلت إذ وهي لما مضى في إثبات هذه المستقبلات تقريبا للأمر وتصحيحا لوقوعه وقرأ بن عامر وحده يرون بضم الياء والباقون بفتحها وقرأ الحسن ويعقوب وشيبة وسلام وأبو جعفر إن القوة وإن الله بكسر الهمزة فيهما على الاستئناف أو على تقدير القول أي ولو ترى الذين ظلموا إذ يرون العذاب يقولون إن القوة لله وثبت بنص هذه الآية القوة لله بخلاف قول المعتزلة في نفيهم معاني الصفات القديمة تعالى الله عن قولهم < <

Français Tercümesi (Ehl-i Sünnet)

> لما أخبر الله سبحانه وتعالى في الآية قبل ما دل على وحدانيته وقدرته وعظم سلطانه أخبر أن مع هذه الآيات القاهرة لذوي العقول من يتخذ معه أندادا وواحدها ند وقد تقدم والمراد الأوثان والأصنام التي كانوا يعبدونها كعبادة الله مع عجزها قاله مجاهد قوله تعالى : ( يحبونهم كحب الله ) أي يحبون أصنامهم على الباطل كحب المؤمنين لله على الحق قاله المبرد وقال معناه الزجاج أي أنهم مع عجز الأصنام يحبونهم كحب المؤمنين لله مع قدرته وقال بن عباس والسدي : المراد بالأنداد الرؤساء المتبعون يطيعونهم في معاصي الله وجاء الضمير في يحبونهم على هذا على الأصل وعلى الأول جاء ضمير الأصنام ضمير من يعقل على غير الأصل وقال بن كيسان والزجاج أيضا : معنى يحبونهم كحب الله أي يسؤون بين الأصنام وبين الله تعالى في المحبة قال أبو إسحاق : وهذا القول الصحيح والدليل على صحته : والذين آمنوا أشد حبا لله وقرأ أبو رجاء يحبونهم بفتح الياء وكذلك ما كان منه في القرآن وهي لغة يقال : حببت الرجل فهو محبوب قال الفراء : أنشدني أبو تراب : أحب لحبها السودان حتى حببت لحبها سود الكلاب ومن في قوله من يتخذ في موضع رفع بالابتداء ويتخذ على اللفظ ويجوز في غير القرآن يتخذون على المعنى ويحبونهم على المعنى ويحبهم على اللفظ وهو في موضع نصب على الحال من الضمير الذي في يتخذ أي محبين وإن شئت كان نعتا للأنداد أي محبوبة والكاف من كحب نعت لمصدر محذوف أي يحبونهم حبا كحب الله ( والذين آمنوا اشد حبا لله ) أي أشد من حب أهل الأوثان لأوثانهم والتابعين لمتبوعهم وقيل : إنما قال ( والذين آمنوا اشد حبا لله ) لأن الله تعالى أحبهم أولا ثم أحبوه ومن شهد له محبوبه بالمحبة كانت محبته أتم قال الله تعالى : يحبهم ويحبونه وسيأتي بيان حب المؤمنين لله تعالى وحبه لهم في سورة ال عمران إن شاء الله تعالى قوله تعالى : ( ولو يرى الذين ظلموا إذ يرون العذاب أن القوة لله جميعا وأن الله شديد العذاب ) قراءة أهل المدينة وأهل الشام بالتاء وأهل مكة وأهل الكوفة وأبو عمرو بالياء وهو اختيار أبي عبيد وفي الآية إشكال وحذف فقال أبو عبيد : المعنى لو يرى الذين ظلموا في الدنيا عذاب الآخرة لعلموا حين يرونه أن القوة لله جميعا ويرى على هذا من رؤية البصر قال النحاس في كتاب معاني القرآن له : وهذا القول هو الذي عليه أهل التفسير وقال في كتاب إعراب القرآن له وروى عن محمد بن يزيد أنه قال : هذا التفسير الذي جاء به أبو عبيد بعيد وليست عبارته فيه بالجيدة لأنه يقدر : ولو يرى الذين ظلموا العذاب فكأنه يجعله مشكوكا فيه وقد أوجبه الله تعالى ولكن التقدير وهو قول الأخفش ولو يرى الذين ظلموا أن القوة لله ويرى بمعنى يعلم أي لو يعلمون حقيقة قوة الله عز وجل وشدة عذابه ف يرى واقعة على أن القوة لله وسدت مسد المفعولين والذين فاعل يرى وجواب لو محذوف أي لتبينوا ضرر اتخاذهم الآلهة كما قال عز وجل ولو ترى إذ وقفوا على ربهم ولو ترى إذ وقفوا على النار ولم يأت ل لو جواب قال الزهري وقتادة : الإضمار أشد للوعيد ومثله قول القائل : لو رأيت فلانا والسياط تأخذه ومن قرأ بالتاء فالتقدير : ولو ترى يا محمد الذين ظلموا في حال رؤيتهم العذاب وفزعهم منه واستعظامهم له لأقروا أن القوة لله فالجواب مضمر على هذا النحو من المعنى وهو العامل في أن وتقدير آخر : ولو ترى يا محمد الذين ظلموا في حال رؤيتهم العذاب وفزعهم منه لعلمت أن القوة لله جميعا وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم علم ذلك ولكن خوطب والمراد أمته فإن فيهم من يحتاج إلى تقوية علمه بمشاهدة مثل هذا ويجوز أن يكون المعنى : قل يا محمد للظالم هذا وقيل : أن في موضع نصب مفعول من أجله أي لأن القوة لله جميعا وأنشد سيبويه : وأغفر عوراء الكريم آدخاره وأعرض عن شتم اللئيم تكرما اي لأدخاره والمعنى : ولو ترى يا محمد الذين ظلموا في حال رؤيتهم للعذاب لأن القوة لله لعلمت مبلغهم من النكال ولاستعظمت ما حل بهم ودخلت إذ وهي لما مضى في إثبات هذه المستقبلات تقريبا للأمر وتصحيحا لوقوعه وقرأ بن عامر وحده يرون بضم الياء والباقون بفتحها وقرأ الحسن ويعقوب وشيبة وسلام وأبو جعفر إن القوة وإن الله بكسر الهمزة فيهما على الاستئناف أو على تقدير القول أي ولو ترى الذين ظلموا إذ يرون العذاب يقولون إن القوة لله وثبت بنص هذه الآية القوة لله بخلاف قول المعتزلة في نفيهم معاني الصفات القديمة تعالى الله عن قولهم < <

Section V02/P204–V02/P206Kurtubî — el-Câmi' li-Ahkâmi'l-Kur'ân (s. V02/P204–V02/P206)
Orijinal Metin (AR)

البقرة : ( 166 ) إذ تبرأ الذين . . . . . > > < > ( البقره 166 ) < > قوله تعالى : ( إذ تبرأ الذين اتبعوا ) يعني السادة والرؤساء تبرءوا ممن اتبعهم على الكفر عن قتادة وعطاء والربيع وقال قتادة أيضا والسدي : هم الشياطين المضلون تبرءوا من الإنس وقل : هو عام في كل متبوع ( ورأوا العذاب ) يعني التابعين والمتبوعين قيل : بتيقنهم له عند المعاينة في الدنيا وقيل : عند العرض والمساءلة في الآخرة قلت : كلاهما حاصل فهم يعاينون عند الموت ما يصيرون إليه من الهوان وفي الآخرة يذوقون أليم العذاب والنكال قوله تعالى : ( وتقطعت بهم الأسباب ) أي الوصلات التي كانوا يتواصلون بها في الدنيا من رحم وغيره عن مجاهد وغيره الواحد سبب ووصله وأصل السبب الحبل يشد بالشيء فيجذبه ثم جعل كل ما جر شيئا سببا وقال السدي وبن زيد : إن الأسباب أعمالهم والسبب الناحية ومنه قول زهير : ومن هاب أسباب المنايا ينلنه ولو رام أسباب السماء بسلم < < البقرة : ( 167 ) وقال الذين اتبعوا . . . . . > > < > ( البقره 167 ) < > قوله تعالى : ( وقال الذين أتبعوا لو أن لنا كرة ) أن في موضع رفع أي لو ثبت أن لنا رجعة ( فنتبرأ منهم ) جواب التمني والكرة : الرجعة والعودة إلى حال قد كانت أي قال الأتباع : لو رددنا إلى الدنيا حتى نعمل صالحا ونتبرأ منهم ( كما تبرءوا منا ) أي تبرأ كما فالكاف في موضع نصب على النعت لمصدر محذوف ويجوز أن يكون نصبا على الحال تقديرها متبرئين والتبرؤ الأنفصال قوله تعالى : ( كذلك يريهم الله أعمالهم حسرات عليهم ) الكاف في موضع رفع أي الامر كذلك أي كما اراهم الله العذاب كذلك يريهم الله أعمالهم ويريهم الله قيل هي من رؤية البصر فيكون متعديا لمفعولين : الأول الهاء والميم في يريهم والثاني أعمالهم وتكون حسرات ) حال ويحتمل أن يكون من رؤية القلب فتكون حسرات المفعول الثالث أعمالهم قال الربيع : اي الأعمال الفاسدة التي ارتكبوها فوجبت لهم بها النار وقال بن مسعود والسدي : الأعمال الصالحة التي تركوها ففاتتهم الجنة ورويت في هذا القول أحاديث قال السدي : ترفع لهم الجنة فينظرون إليها والى بيوتهم فيها لو أطاعوا الله تعالى ثم تقسم بين المؤمنين فذلك حين يندمون وأضيفت هذه الأعمال إليهم من حيث هم مأمورون بها وأما إضافة الأعمال الفاسدة اليهم فمن حيث عملوها والحسرة واحدة الحسرات كتمرة وتمرات وجفنة وجفنات وشهوة وشهوات هذا إذا كان اسما فإن نعته سكنت كقولك ضخمة وضخمات وعبلة وعبلات والحسرة أعلى درجات الندامة على شيء فائت والتحسر : التلهف يقال : حسرت عليه ( بالكسر ) أحسر حسرا وحسرة وهي مشتقة من الشيء الحسير الذي قد انقطع وذهبت قوته كالبعير إذا عيي وقيل : هي مشتقة من حسر إذا كشف ومنه الحاسر في الحرب : الذي لا درع معه والانحسار : الانكشاف قوله تعالى : ( وما هم بخارجين من النار ) دليل على خلود الكفار فيها وأنهم لا يخرجون منها وهذا قول جماعة أهل السنة لهذه الآية ولقوله تعالى : ولا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط وسيأتي < < البقرة : ( 168 ) يا أيها الناس . . . . . > > < > ( البقره 168 ) <

Français Tercümesi (Ehl-i Sünnet)

البقرة : ( 166 ) إذ تبرأ الذين . . . . . > > < > ( البقره 166 ) < > قوله تعالى : ( إذ تبرأ الذين اتبعوا ) يعني السادة والرؤساء تبرءوا ممن اتبعهم على الكفر عن قتادة وعطاء والربيع وقال قتادة أيضا والسدي : هم الشياطين المضلون تبرءوا من الإنس وقل : هو عام في كل متبوع ( ورأوا العذاب ) يعني التابعين والمتبوعين قيل : بتيقنهم له عند المعاينة في الدنيا وقيل : عند العرض والمساءلة في الآخرة قلت : كلاهما حاصل فهم يعاينون عند الموت ما يصيرون إليه من الهوان وفي الآخرة يذوقون أليم العذاب والنكال قوله تعالى : ( وتقطعت بهم الأسباب ) أي الوصلات التي كانوا يتواصلون بها في الدنيا من رحم وغيره عن مجاهد وغيره الواحد سبب ووصله وأصل السبب الحبل يشد بالشيء فيجذبه ثم جعل كل ما جر شيئا سببا وقال السدي وبن زيد : إن الأسباب أعمالهم والسبب الناحية ومنه قول زهير : ومن هاب أسباب المنايا ينلنه ولو رام أسباب السماء بسلم < < البقرة : ( 167 ) وقال الذين اتبعوا . . . . . > > < > ( البقره 167 ) < > قوله تعالى : ( وقال الذين أتبعوا لو أن لنا كرة ) أن في موضع رفع أي لو ثبت أن لنا رجعة ( فنتبرأ منهم ) جواب التمني والكرة : الرجعة والعودة إلى حال قد كانت أي قال الأتباع : لو رددنا إلى الدنيا حتى نعمل صالحا ونتبرأ منهم ( كما تبرءوا منا ) أي تبرأ كما فالكاف في موضع نصب على النعت لمصدر محذوف ويجوز أن يكون نصبا على الحال تقديرها متبرئين والتبرؤ الأنفصال قوله تعالى : ( كذلك يريهم الله أعمالهم حسرات عليهم ) الكاف في موضع رفع أي الامر كذلك أي كما اراهم الله العذاب كذلك يريهم الله أعمالهم ويريهم الله قيل هي من رؤية البصر فيكون متعديا لمفعولين : الأول الهاء والميم في يريهم والثاني أعمالهم وتكون حسرات ) حال ويحتمل أن يكون من رؤية القلب فتكون حسرات المفعول الثالث أعمالهم قال الربيع : اي الأعمال الفاسدة التي ارتكبوها فوجبت لهم بها النار وقال بن مسعود والسدي : الأعمال الصالحة التي تركوها ففاتتهم الجنة ورويت في هذا القول أحاديث قال السدي : ترفع لهم الجنة فينظرون إليها والى بيوتهم فيها لو أطاعوا الله تعالى ثم تقسم بين المؤمنين فذلك حين يندمون وأضيفت هذه الأعمال إليهم من حيث هم مأمورون بها وأما إضافة الأعمال الفاسدة اليهم فمن حيث عملوها والحسرة واحدة الحسرات كتمرة وتمرات وجفنة وجفنات وشهوة وشهوات هذا إذا كان اسما فإن نعته سكنت كقولك ضخمة وضخمات وعبلة وعبلات والحسرة أعلى درجات الندامة على شيء فائت والتحسر : التلهف يقال : حسرت عليه ( بالكسر ) أحسر حسرا وحسرة وهي مشتقة من الشيء الحسير الذي قد انقطع وذهبت قوته كالبعير إذا عيي وقيل : هي مشتقة من حسر إذا كشف ومنه الحاسر في الحرب : الذي لا درع معه والانحسار : الانكشاف قوله تعالى : ( وما هم بخارجين من النار ) دليل على خلود الكفار فيها وأنهم لا يخرجون منها وهذا قول جماعة أهل السنة لهذه الآية ولقوله تعالى : ولا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط وسيأتي < < البقرة : ( 168 ) يا أيها الناس . . . . . > > < > ( البقره 168 ) <

Section V02/P206–V02/P208Kurtubî — el-Câmi' li-Ahkâmi'l-Kur'ân (s. V02/P206–V02/P208)
Orijinal Metin (AR)

> فيه أربع مسائل : الأولى قوله تعالى : ( يأيها الناس ) الآية قيل : إنها نزلت في ثقيف وخزاعة وبني مدلج فيما حرموه على أنفسهم من الأنعام واللفظ عام والطيب هنا الحلال فهو تأكيد لاختلاف اللفظ وهذا قول مالك في الطيب وقال الشافعي : الطيب المستلذ فهو تنويع ولذلك يمنع أكل الحيوان القذر وسيأتي بيان هذا في الانعام والأعراف إن شاء الله تعالى الثانية قوله تعالى : ( حلالا طيبا ) حلالا حال وقيل مفعول وسمي الحلال حلالا لأنحلال عقدة الحظر عنه قال سهل بن عبد الله : النجاة في ثلاثة : أكل الحلال وأداء الفرائض والأقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم وقال أبو عبد الله الساجي وأسمه سعيد بن يزيد : خمس خصال بها تمام العلم وهي : معرفة الله عز وجل ومعرفة الحق وإخلاص العمل لله والعمل على السنة وأكل الحلال فإن فقدت واحدة لم يرفع العمل قال سهل : ولا يصح أكل الحلال إلا بالعلم ولا يكون المال حلالا حتى يصفو من ست خصال : الربا والحرام والسحت وهو اسم مجمل والغلول والمكروه والشبهة الثالثة قوله تعالى : ( ولا تتبعوا ) نهى ( خطوات الشيطان ) خطوات جمع خطوة وخطوة بمعنى واحد قال الفراء : الخطوات جمع خطوه بالفتح وخطوة بالضم ما بين القدمين وقال الجوهري : وجمع القلة خطوات وخطوات وخطوات والكثير خطا والخطوة ( بالفتح ) : المرة الواحدة والجمع خطوات ( بالتحريك ) وخطاء مثل ركوة وركاء قال أمرؤ القيس : لها وثبات كوثب الظباء فواد خطاء وواد مطر وقرأ أبو السمال العدوي وعبيد بن عمير خطوات بفتح الخاء والطاء وروى عن علي بن أبي طالب وقتادة والأعرج وعمرو بن ميمون والأعمش خطؤات بضم الخاء والطاء والهمزة على الواو قال الأخفش : وذهبوا بهذه القراءة إلى أنها جمع خطيئة من الخطأ لا من الخطو والمعنى على قراءة الجمهور : ولا تقفوا أثر الشيطان وعمله وما لم يرد به الشرع فهو منسوب إلى الشيطان قال بن عباس : خطوات الشيطان ) أعماله مجاهد : خطاياه السدي : طاعته أبو مجلز : هي النذور في المعاصي قلت والصحيح أن اللفظ عام في كل ما عدا السنن والشرائع من البدع والمعاصي وتقدم القول في الشيطان مستوفي الرابعة قوله تعالى : ( إنه لكم عدو مبين ) أخبر تعالى بأن الشيطان عدو وخبره حق وصدق فالواجب على العاقل أن يأخذ حذره من هذا العدو الذي قد أبان عداوته من زمن آدم وبذل نفسه وعمره في إفساد أحوال بني آدم وقد أمر الله تعالى بالحذر منه فقال جل من قائل : ولا تتبعوا خطوات الشيطان إنه لكم عدو مبين إنما يأمركم بالسوء والفحشاء وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون وقال : الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء وقال : ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالا بعيدا وقال : إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة فهل أنتم منتهون وقال : إنه عدو مضل مبين وقال : إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوا إنما يدعوا حزبه ليكونوا من أصحاب السعير وهذا غاية في التحذير ومثله في القرآن كثير وقال عبد الله بن عمر : إن إبليس موثق في الأرض السفلى فإذا تحرك فإن كل شر في الأرض بين اثنين فصاعدا من تحركه وخرج الترمذي من حديث أبي مالك الأشعري وفيه : ( وآمركم ان تذكروا الله فإن مثل ذلك كمثل رجل خرج العدو في أثره سراعا حتى إذا أتى على حصن حصين فأحرز نفسه منهم كذلك العبد لا يحرز نفسه من الشيطان إلا بذكر الله ( الحديث وقال فيه : حديث حسن صحيح غريب < < البقرة : ( 169 ) إنما يأمركم بالسوء . . . . . > > < > ( البقره 169 ) <

Français Tercümesi (Ehl-i Sünnet)

> فيه أربع مسائل : الأولى قوله تعالى : ( يأيها الناس ) الآية قيل : إنها نزلت في ثقيف وخزاعة وبني مدلج فيما حرموه على أنفسهم من الأنعام واللفظ عام والطيب هنا الحلال فهو تأكيد لاختلاف اللفظ وهذا قول مالك في الطيب وقال الشافعي : الطيب المستلذ فهو تنويع ولذلك يمنع أكل الحيوان القذر وسيأتي بيان هذا في الانعام والأعراف إن شاء الله تعالى الثانية قوله تعالى : ( حلالا طيبا ) حلالا حال وقيل مفعول وسمي الحلال حلالا لأنحلال عقدة الحظر عنه قال سهل بن عبد الله : النجاة في ثلاثة : أكل الحلال وأداء الفرائض والأقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم وقال أبو عبد الله الساجي وأسمه سعيد بن يزيد : خمس خصال بها تمام العلم وهي : معرفة الله عز وجل ومعرفة الحق وإخلاص العمل لله والعمل على السنة وأكل الحلال فإن فقدت واحدة لم يرفع العمل قال سهل : ولا يصح أكل الحلال إلا بالعلم ولا يكون المال حلالا حتى يصفو من ست خصال : الربا والحرام والسحت وهو اسم مجمل والغلول والمكروه والشبهة الثالثة قوله تعالى : ( ولا تتبعوا ) نهى ( خطوات الشيطان ) خطوات جمع خطوة وخطوة بمعنى واحد قال الفراء : الخطوات جمع خطوه بالفتح وخطوة بالضم ما بين القدمين وقال الجوهري : وجمع القلة خطوات وخطوات وخطوات والكثير خطا والخطوة ( بالفتح ) : المرة الواحدة والجمع خطوات ( بالتحريك ) وخطاء مثل ركوة وركاء قال أمرؤ القيس : لها وثبات كوثب الظباء فواد خطاء وواد مطر وقرأ أبو السمال العدوي وعبيد بن عمير خطوات بفتح الخاء والطاء وروى عن علي بن أبي طالب وقتادة والأعرج وعمرو بن ميمون والأعمش خطؤات بضم الخاء والطاء والهمزة على الواو قال الأخفش : وذهبوا بهذه القراءة إلى أنها جمع خطيئة من الخطأ لا من الخطو والمعنى على قراءة الجمهور : ولا تقفوا أثر الشيطان وعمله وما لم يرد به الشرع فهو منسوب إلى الشيطان قال بن عباس : خطوات الشيطان ) أعماله مجاهد : خطاياه السدي : طاعته أبو مجلز : هي النذور في المعاصي قلت والصحيح أن اللفظ عام في كل ما عدا السنن والشرائع من البدع والمعاصي وتقدم القول في الشيطان مستوفي الرابعة قوله تعالى : ( إنه لكم عدو مبين ) أخبر تعالى بأن الشيطان عدو وخبره حق وصدق فالواجب على العاقل أن يأخذ حذره من هذا العدو الذي قد أبان عداوته من زمن آدم وبذل نفسه وعمره في إفساد أحوال بني آدم وقد أمر الله تعالى بالحذر منه فقال جل من قائل : ولا تتبعوا خطوات الشيطان إنه لكم عدو مبين إنما يأمركم بالسوء والفحشاء وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون وقال : الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء وقال : ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالا بعيدا وقال : إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة فهل أنتم منتهون وقال : إنه عدو مضل مبين وقال : إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوا إنما يدعوا حزبه ليكونوا من أصحاب السعير وهذا غاية في التحذير ومثله في القرآن كثير وقال عبد الله بن عمر : إن إبليس موثق في الأرض السفلى فإذا تحرك فإن كل شر في الأرض بين اثنين فصاعدا من تحركه وخرج الترمذي من حديث أبي مالك الأشعري وفيه : ( وآمركم ان تذكروا الله فإن مثل ذلك كمثل رجل خرج العدو في أثره سراعا حتى إذا أتى على حصن حصين فأحرز نفسه منهم كذلك العبد لا يحرز نفسه من الشيطان إلا بذكر الله ( الحديث وقال فيه : حديث حسن صحيح غريب < < البقرة : ( 169 ) إنما يأمركم بالسوء . . . . . > > < > ( البقره 169 ) <

Section V02/P208–V02/P209Kurtubî — el-Câmi' li-Ahkâmi'l-Kur'ân (s. V02/P208–V02/P209)
Orijinal Metin (AR)

> قوله تعالى : ( إنما يأمركم بالسوء والفحشاء ) سمى السوء سوءا لأنه يسوء صاحبه بسوء عواقبه وهو مصدر ساءه يسوءه سوءا ومساءة إذا أحزنه وسؤته فسيء إذا أحزنته فحزن قال الله تعالى : سيئت وجوه الذين كفروا الملك وقال الشاعر إن يك هذا الدهر قد ساءني فطالما قد سرني الدهر الأمر عندي فيهما واحد لذاك شكر ولذاك صبر والفحشاء أصله قبح المنظر كما قال : وجيد كجيد الريم ليس بفاحش ثم استعملت اللفظة فيما يقبح من المعاني والشرع هو الذي يحسن ويقبح فكل ما نهت عنه الشريعة فهو من الفحشاء وقال مقاتل : إن كل ما في القرآن من ذكر الفحشاء فإنه الزنى إلا قوله : الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء فإنه منع الزكاة قلت : فعلى هذا قيل : السوء ما لا حد فيه والفحشاء ما فيه حد وحكى عن بن عباس وغيره والله تعالى أعلم قوله تعالى : ( وأن تقولوا على الله مالا تعلون ) قال الطبري : يريد ما حرموا من البحيرة والسائبة ونحوها مما جعلوه شرعا وأن تقولوا في موضع خفض عطفا على قوله تعالى : بالسوء والفحشاء < < البقرة : ( 170 ) وإذا قيل لهم . . . . . > > < > ( البقره 170 ) <

Français Tercümesi (Ehl-i Sünnet)

> قوله تعالى : ( إنما يأمركم بالسوء والفحشاء ) سمى السوء سوءا لأنه يسوء صاحبه بسوء عواقبه وهو مصدر ساءه يسوءه سوءا ومساءة إذا أحزنه وسؤته فسيء إذا أحزنته فحزن قال الله تعالى : سيئت وجوه الذين كفروا الملك وقال الشاعر إن يك هذا الدهر قد ساءني فطالما قد سرني الدهر الأمر عندي فيهما واحد لذاك شكر ولذاك صبر والفحشاء أصله قبح المنظر كما قال : وجيد كجيد الريم ليس بفاحش ثم استعملت اللفظة فيما يقبح من المعاني والشرع هو الذي يحسن ويقبح فكل ما نهت عنه الشريعة فهو من الفحشاء وقال مقاتل : إن كل ما في القرآن من ذكر الفحشاء فإنه الزنى إلا قوله : الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء فإنه منع الزكاة قلت : فعلى هذا قيل : السوء ما لا حد فيه والفحشاء ما فيه حد وحكى عن بن عباس وغيره والله تعالى أعلم قوله تعالى : ( وأن تقولوا على الله مالا تعلون ) قال الطبري : يريد ما حرموا من البحيرة والسائبة ونحوها مما جعلوه شرعا وأن تقولوا في موضع خفض عطفا على قوله تعالى : بالسوء والفحشاء < < البقرة : ( 170 ) وإذا قيل لهم . . . . . > > < > ( البقره 170 ) <

Section V02/P209–V02/P213Kurtubî — el-Câmi' li-Ahkâmi'l-Kur'ân (s. V02/P209–V02/P213)
Orijinal Metin (AR)

> فيه سبع مسائل : الأولى قوله تعالى : ( وإذا قيل لهم ) يعني كفار العرب بن عباس : نزلت في اليهود الطبري : الضمير في لهم عائد على الناس من قوله تعالى : يأيها الناس كلوا وقيل : هو عائد على من في قوله تعالى : ومن الناس من يتخذ من دون الله الآية وقوله : ( اتبعوا ما أنزل الله ) أي بالقبول والعمل ( قالوا بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا ) ألفينا : وجدنا وقال الشاعر : فألفيته غير مستعتب ولا ذاكر الله إلا قليلا ) الألف للأستفهام وفتحت الواو لأنها واو عطف عطفت جملة كلام على جملة لأن غاية الفساد في الإلتزام أن يقولوا : نتبع آباءنا ولو كانوا لا يعقلون فقرروا على التزامهم هذا إذ هي حال آبائهم مسألة قال علماؤنا : وقوة الفاظ هذه الآية تعطي إبطال التقليد ونظيرها : وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله والى الرسول قالوا حسبنا ما وجدنا عليه آباءنا الآية وهذه الآية والتي قبلها مرتبطة بما قبلهما وذلك أن الله سبحانه أخبر عن جهالة العرب فيما تحكمت فيه بآرائها السفيهة في البحيرة والسائبة والوصيلة فاحتجوا بأنه أمر وجدوا عليه آباءهم فاتبعوهم في ذلك وتركوا ما أنزل الله على رسوله وأمر به في دينه فالضمير في لهم عائد عليهم في الآيتين جميعا الثالثة تعلق قوم بهذه الآية في ذم التقليد لذم الله تعالى الكفار بإتباعهم لآبائهم في الباطل واقتدائهم بهم في الكفر والمعصية وهذأ في الباطل صحيح أما التقليد في الحق فأصل من أصول الدين وعصمة من عصم المسلمين يلجأ إليها الجاهل المقصر عن درك النظر واختلف العلماء في جوازه في مسائل الأصول على ما يأتي وأما جوازه في مسائل الفروع فصحيح الرابعة التقليد عند العلماء حقيقته قبول قول بلا حجة وعلى هذا فمن قبل قول النبي صلى الله عليه وسلم من غير نظر في معجزته يكون مقلدا وأما من نظر فيها فلا يكون مقلدا وقيل : هو اعتقاد صحة فتيا من لا يعلم صحة قوله وهو في اللغة مأخوذ من قلادة البعير فإن العرب تقول : قلدت البعير إذا جعلت في عنقه حبلا يقاد به فكأن المقلد يجعل أمره كله لمن يقوده حيث شاء وكذلك قال شاعرهم : وقلدوا أمركم لله دركم ثبت الجنان بأمر الحرب مضطلعا الخامسة التقليد ليس طريقا للعلم ولا موصلا له لا في الأصول ولا في الفروع وهو قول جمهور العقلاء والعلماء خلافا لما يحكى عن جهال الحشوية والثعلبية من أنه طريق إلى معرفة الحق وأن ذلك هو الواجب وأن النظر والبحث حرام والإحتجاج عليهم في كتب الأصول السادسة فرض العامي الذي لا يشتغل باستنباط الأحكام من أصولها لعدم أهليته فيما لا يعلمه من أمر دينه ويحتاج إليه أن يقصد أعلم من في زمانه وبلده فيسأله عن نازلته فيمتثل فيها فتواه لقوله تعالى : فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون وعليه الإجتهاد في أعلم أهل وقته بالبحث عنه حتى يقع عليه الإتفاق من الأكثر من الناس وعلى العالم أيضا فرض أن يقلد عالما مثله في نازلة خفى عليه فيها وجه الدليل والنظر وأراد أن يجدد الفكر فيها والنظر حتى يقف على المطلوب فضاق الوقت عن ذلك وخاف على العبادة أن تفوت أو على الحكم أن يذهب سواء كان ذلك المجتهد الآخر صحابيا أو غيره وإليه ذهب القاضي أبو بكر وجماعة من المحققين السابعة قال بن عطية : أجمعت الأمة على إبطال التقليد في العقائد وذكر فيه غيره خلافا كالقاضي أبي بكر بن العربي وأبي عمر وعثمان بن عيسى بن درباس الشافعي قال بن درباس في كتاب الإنتصار له : وقال بعض الناس يجوز التقليد في أمر التوحيد وهو خطأ لقوله تعالى : إنا وجدنا آباءنا على أمة فذمهم بتقليدهم آباءهم وتركهم اتباع الرسل كصنيع أهل الأهواء في تقليدهم كبراءهم وتركهم اتباع محمد صلى الله عليه وسلم في دينه ولأنه فرض على كل مكلف تعلم أمر التوحيد والقطع به وذلك لا يحصل إلا من جهة الكتاب والسنة كما بيناه في آية التوحيد والله يهدي من يريد قال بن درباس : وقد أكثر أهل الزيغ القول على من تمسك بالكتاب والسنة أنهم مقلدون وهذا خطأ منهم بل هو بهم أليق وبمذاهبهم أخلق إذ قبلوا قول ساداتهم وكبرائهم فيما خالفوا فيه كتاب الله وسنة رسوله وإجماع الصحابة رضي الله عنه فكانوا داخلين فيمن ذمهم الله بقوله : ربنا إنا أطعنا سادتنا وكبراءنا إلى قوله : كبيرا وقوله : إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون ثم قال لنبيه : قال أو لو جئتكم بأهدى مما وجدتم عليه آباءكم قالوا إنا بما أرسلتم به كافرون ثم قال لنبيه عليه السلام فانتقمنا منهم الآية فبين تعالى أن الهدى فيما جاءت به رسله عليهم السلام وليس قول أهل الأثر في عقائدهم : إنا وجدنا أئمتنا وآباءنا والناس على الأخذ بالكتاب والسنة وإجماع السلف الصالح من الأمة من قولهم : إنا وجدنا آباءنا وأطعنا سادتنا وكبراءنا بسبيل لأن هؤلاء نسبوا ذلك إلى التنزيل والى متابعة الرسول وأولئك نسبوا إفكهم إلى أهل الأباطيل فإزدادوا بذلك في التضليل ألا ترى أن الله سبحانه أثنى على يوسف عليه السلام في القرآن حيث قال : إني تركت ملة قوم لا يؤمنون بالله وهم بالاخرة هم كافرون واتبعت ملة آبائي إبراهيم وإسحاق ويعقوب ما كان لنا أن نشرك بالله من شيء ذلك من فضل الله علينا وعلى الناس فلما كان آباؤه عليه وعليهم السلام أنبياء متبعين للوحي وهو الدين الخالص الذي ارتضاه الله كان اتباعه آباءه من صفات المدح ولم يجئ فيما جاؤوا به ذكر الأعراض وتعلقها بالجواهر وانقلابها فيها فدل على أن لا هدى فيها ولا رشد في واضعيها قال بن الحصار : وإنما ظهر التلفظ بها في زمن المأمون بعد المائتين لما ترجمت كتب الأوائل وظهر فيها اختلافهم في قدم العالم وحدوثه واختلافهم في الجوهر وثبوته والعرض وماهيته فسارع المبتدعون ومن في قلبه زيغ إلى حفظ تلك الإصطلاحات وقصدوا بها الإغراب على أهل السنة وإدخال الشبه على الضعفاء من أهل الملة فلم يزل الأمر كذلك إلى أن ظهرت البدعة وصارت للمبتدعة شيعة والتبس الأمر على السلطان حتى قال الأمير بخلق القرآن وجبر الناس عليه وضرب أحمد بن حنبل على ذلك فانتدب رجال من أهل السنة كالشيخ أبي الحسن الأشعري وعبد الله بن كلاب وبن مجاهد والمحاسبي وأضرابهم فخاضوا مع المبتدعة في اصطلاحاتهم ثم قاتلوهم وقتلوهم بسلاحهم وكان من درج من المسلمين من هذه الأمة متمسكين بالكتاب والسنة معرضين عن شبه الملحدين لم ينظروا في الجوهر والعرض على ذلك كان السلف قلت : ومن نظر الآن في اصطلاح المتكلمين حتى يناضل بذلك عن الدين فمنزلته قريبة من النبيين فأما من يهجن من غلاة المتكلمين طريق من أخذ بالأثر من المؤمنين ويحض على درس كتب الكلام وأنه لا يعرف الحق إلا من جهتها بتلك الإصطلاحات فصاروا مذمومين لنقضهم طريق المتقدمين من الأئمة الماضين والله أعلم وأما المخاصمة والجدال بالدليل والبرهان فذلك بين في القرآن وسيأتي بيانه إن شاء الله تعالى < <

Français Tercümesi (Ehl-i Sünnet)

> فيه سبع مسائل : الأولى قوله تعالى : ( وإذا قيل لهم ) يعني كفار العرب بن عباس : نزلت في اليهود الطبري : الضمير في لهم عائد على الناس من قوله تعالى : يأيها الناس كلوا وقيل : هو عائد على من في قوله تعالى : ومن الناس من يتخذ من دون الله الآية وقوله : ( اتبعوا ما أنزل الله ) أي بالقبول والعمل ( قالوا بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا ) ألفينا : وجدنا وقال الشاعر : فألفيته غير مستعتب ولا ذاكر الله إلا قليلا ) الألف للأستفهام وفتحت الواو لأنها واو عطف عطفت جملة كلام على جملة لأن غاية الفساد في الإلتزام أن يقولوا : نتبع آباءنا ولو كانوا لا يعقلون فقرروا على التزامهم هذا إذ هي حال آبائهم مسألة قال علماؤنا : وقوة الفاظ هذه الآية تعطي إبطال التقليد ونظيرها : وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله والى الرسول قالوا حسبنا ما وجدنا عليه آباءنا الآية وهذه الآية والتي قبلها مرتبطة بما قبلهما وذلك أن الله سبحانه أخبر عن جهالة العرب فيما تحكمت فيه بآرائها السفيهة في البحيرة والسائبة والوصيلة فاحتجوا بأنه أمر وجدوا عليه آباءهم فاتبعوهم في ذلك وتركوا ما أنزل الله على رسوله وأمر به في دينه فالضمير في لهم عائد عليهم في الآيتين جميعا الثالثة تعلق قوم بهذه الآية في ذم التقليد لذم الله تعالى الكفار بإتباعهم لآبائهم في الباطل واقتدائهم بهم في الكفر والمعصية وهذأ في الباطل صحيح أما التقليد في الحق فأصل من أصول الدين وعصمة من عصم المسلمين يلجأ إليها الجاهل المقصر عن درك النظر واختلف العلماء في جوازه في مسائل الأصول على ما يأتي وأما جوازه في مسائل الفروع فصحيح الرابعة التقليد عند العلماء حقيقته قبول قول بلا حجة وعلى هذا فمن قبل قول النبي صلى الله عليه وسلم من غير نظر في معجزته يكون مقلدا وأما من نظر فيها فلا يكون مقلدا وقيل : هو اعتقاد صحة فتيا من لا يعلم صحة قوله وهو في اللغة مأخوذ من قلادة البعير فإن العرب تقول : قلدت البعير إذا جعلت في عنقه حبلا يقاد به فكأن المقلد يجعل أمره كله لمن يقوده حيث شاء وكذلك قال شاعرهم : وقلدوا أمركم لله دركم ثبت الجنان بأمر الحرب مضطلعا الخامسة التقليد ليس طريقا للعلم ولا موصلا له لا في الأصول ولا في الفروع وهو قول جمهور العقلاء والعلماء خلافا لما يحكى عن جهال الحشوية والثعلبية من أنه طريق إلى معرفة الحق وأن ذلك هو الواجب وأن النظر والبحث حرام والإحتجاج عليهم في كتب الأصول السادسة فرض العامي الذي لا يشتغل باستنباط الأحكام من أصولها لعدم أهليته فيما لا يعلمه من أمر دينه ويحتاج إليه أن يقصد أعلم من في زمانه وبلده فيسأله عن نازلته فيمتثل فيها فتواه لقوله تعالى : فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون وعليه الإجتهاد في أعلم أهل وقته بالبحث عنه حتى يقع عليه الإتفاق من الأكثر من الناس وعلى العالم أيضا فرض أن يقلد عالما مثله في نازلة خفى عليه فيها وجه الدليل والنظر وأراد أن يجدد الفكر فيها والنظر حتى يقف على المطلوب فضاق الوقت عن ذلك وخاف على العبادة أن تفوت أو على الحكم أن يذهب سواء كان ذلك المجتهد الآخر صحابيا أو غيره وإليه ذهب القاضي أبو بكر وجماعة من المحققين السابعة قال بن عطية : أجمعت الأمة على إبطال التقليد في العقائد وذكر فيه غيره خلافا كالقاضي أبي بكر بن العربي وأبي عمر وعثمان بن عيسى بن درباس الشافعي قال بن درباس في كتاب الإنتصار له : وقال بعض الناس يجوز التقليد في أمر التوحيد وهو خطأ لقوله تعالى : إنا وجدنا آباءنا على أمة فذمهم بتقليدهم آباءهم وتركهم اتباع الرسل كصنيع أهل الأهواء في تقليدهم كبراءهم وتركهم اتباع محمد صلى الله عليه وسلم في دينه ولأنه فرض على كل مكلف تعلم أمر التوحيد والقطع به وذلك لا يحصل إلا من جهة الكتاب والسنة كما بيناه في آية التوحيد والله يهدي من يريد قال بن درباس : وقد أكثر أهل الزيغ القول على من تمسك بالكتاب والسنة أنهم مقلدون وهذا خطأ منهم بل هو بهم أليق وبمذاهبهم أخلق إذ قبلوا قول ساداتهم وكبرائهم فيما خالفوا فيه كتاب الله وسنة رسوله وإجماع الصحابة رضي الله عنه فكانوا داخلين فيمن ذمهم الله بقوله : ربنا إنا أطعنا سادتنا وكبراءنا إلى قوله : كبيرا وقوله : إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون ثم قال لنبيه : قال أو لو جئتكم بأهدى مما وجدتم عليه آباءكم قالوا إنا بما أرسلتم به كافرون ثم قال لنبيه عليه السلام فانتقمنا منهم الآية فبين تعالى أن الهدى فيما جاءت به رسله عليهم السلام وليس قول أهل الأثر في عقائدهم : إنا وجدنا أئمتنا وآباءنا والناس على الأخذ بالكتاب والسنة وإجماع السلف الصالح من الأمة من قولهم : إنا وجدنا آباءنا وأطعنا سادتنا وكبراءنا بسبيل لأن هؤلاء نسبوا ذلك إلى التنزيل والى متابعة الرسول وأولئك نسبوا إفكهم إلى أهل الأباطيل فإزدادوا بذلك في التضليل ألا ترى أن الله سبحانه أثنى على يوسف عليه السلام في القرآن حيث قال : إني تركت ملة قوم لا يؤمنون بالله وهم بالاخرة هم كافرون واتبعت ملة آبائي إبراهيم وإسحاق ويعقوب ما كان لنا أن نشرك بالله من شيء ذلك من فضل الله علينا وعلى الناس فلما كان آباؤه عليه وعليهم السلام أنبياء متبعين للوحي وهو الدين الخالص الذي ارتضاه الله كان اتباعه آباءه من صفات المدح ولم يجئ فيما جاؤوا به ذكر الأعراض وتعلقها بالجواهر وانقلابها فيها فدل على أن لا هدى فيها ولا رشد في واضعيها قال بن الحصار : وإنما ظهر التلفظ بها في زمن المأمون بعد المائتين لما ترجمت كتب الأوائل وظهر فيها اختلافهم في قدم العالم وحدوثه واختلافهم في الجوهر وثبوته والعرض وماهيته فسارع المبتدعون ومن في قلبه زيغ إلى حفظ تلك الإصطلاحات وقصدوا بها الإغراب على أهل السنة وإدخال الشبه على الضعفاء من أهل الملة فلم يزل الأمر كذلك إلى أن ظهرت البدعة وصارت للمبتدعة شيعة والتبس الأمر على السلطان حتى قال الأمير بخلق القرآن وجبر الناس عليه وضرب أحمد بن حنبل على ذلك فانتدب رجال من أهل السنة كالشيخ أبي الحسن الأشعري وعبد الله بن كلاب وبن مجاهد والمحاسبي وأضرابهم فخاضوا مع المبتدعة في اصطلاحاتهم ثم قاتلوهم وقتلوهم بسلاحهم وكان من درج من المسلمين من هذه الأمة متمسكين بالكتاب والسنة معرضين عن شبه الملحدين لم ينظروا في الجوهر والعرض على ذلك كان السلف قلت : ومن نظر الآن في اصطلاح المتكلمين حتى يناضل بذلك عن الدين فمنزلته قريبة من النبيين فأما من يهجن من غلاة المتكلمين طريق من أخذ بالأثر من المؤمنين ويحض على درس كتب الكلام وأنه لا يعرف الحق إلا من جهتها بتلك الإصطلاحات فصاروا مذمومين لنقضهم طريق المتقدمين من الأئمة الماضين والله أعلم وأما المخاصمة والجدال بالدليل والبرهان فذلك بين في القرآن وسيأتي بيانه إن شاء الله تعالى < <

Section V02/P213–V02/P215Kurtubî — el-Câmi' li-Ahkâmi'l-Kur'ân (s. V02/P213–V02/P215)
Orijinal Metin (AR)

البقرة : ( 171 ) ومثل الذين كفروا . . . . . > > < > ( البقره 171 ) < > شبه تعالى واعظ الكفار وداعيهم وهو محمد صلى الله عليه وسلم بالراعي الذي ينعق بالغنم والإبل فلا تسمع إلا دعاءه ونداءه ولا تفهم ما يقول هكذا فسره بن عباس ومجاهد وعكرمة والسدي والزجاج والفراء وسيبويه وهذه نهاية الإيجاز قال سيبويه : لم يشبهوا بالناعق إنما شبهوا بالمنعوق به والمعنى : ومثلك يا محمد ومثل الذين كفروا كمثل الناعق والمنعوق به من البهائم التي لا تفهم فحذف لدلالة المعنى وقال بن زيد : المعنى مثل الذين كفروا في دعائهم الآلهة الجماد كمثل الصائح في جوف الليل فيجيبه الصدى فهو يصيح بما لا يسمع ويجيبه ما لا حقيقة فيه ولا منتفع وقال قطرب : المعنى مثل الذين كفروا في دعائهم ما لا يفهم يعني الأصنام كمثل الراعي إذا نعق بغنمه وهو لا يدري أين هي قال الطبري : المراد مثل الكافرين في دعائهم آلهتهم كمثل الذي ينعق بشيء بعيد فهو لا يسمع من أجل البعد فليس للناعق من ذلك إلا النداء الذي يتعبه وينصبه ففي هذه التأويلات الثلاثة يشبه الكفار بالناعق الصائح والأصنام بالمنعوق به والنعيق : زجر الغنم والصياح بها يقال : نعق الراعي بغنمه ينعق نعيقا ونعاقا ونعقانا أي صاح بها وزجرها قال الأخطل : انعق بضأنك يا جرير فإنما منتك نفسك في الخلاء ضلالا قال القتبي : لم يكن جرير راعي ضأن وإنما أراد أن بني كليب يعيرون برعي الضأن وجرير منهم فهو في جهلهم والعرب تضرب المثل براعي الغنم في الجهل ويقولون : أجهل من راعي ضأن قال القتبي : ومن ذهب إلى هذا في معنى الآية كان مذهبا غير أنه لم يذهب إليه أحد من العلماء فيما نعلم والنداء للبعيد والدعاء للقريب ولذلك قيل للأذان بالصلاة نداء لأنه للأباعد وقد تضم النون في النداء والأصل الكسر ثم شبه تعالى الكافرين بأنهم صم بكم عمي وقد تقدم في أول السورة < < البقرة : ( 172 ) يا أيها الذين . . . . . > > < > ( البقره 172 ) < > هذا تأكيد للأمر الأول وخص المؤمنين هنا بالذكر تفضيلا والمراد بالأكل الإنتفاع من جميع الوجوه وقيل : هو الأكل المعتاد وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( أيها الناس إن الله تعالى طيب لا يقبل إلا طيبا وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين فقال يأيها الرسل كلوا من الطيبات وأعملوا صالحا إني بما تعملون عليم وقال يأيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء يارب يارب ومطعمه حرام ومشربه حرام وملبسه حرام وغذي بالحرام فأني يستجاب لذلك ( واشكروا لله إن كنتم إياه تعبدون ) تقدم معنى الشكر فلا معنى للإعادة < < البقرة : ( 173 ) إنما حرم عليكم . . . . . > > < > ( البقره 173 ) <

Français Tercümesi (Ehl-i Sünnet)

البقرة : ( 171 ) ومثل الذين كفروا . . . . . > > < > ( البقره 171 ) < > شبه تعالى واعظ الكفار وداعيهم وهو محمد صلى الله عليه وسلم بالراعي الذي ينعق بالغنم والإبل فلا تسمع إلا دعاءه ونداءه ولا تفهم ما يقول هكذا فسره بن عباس ومجاهد وعكرمة والسدي والزجاج والفراء وسيبويه وهذه نهاية الإيجاز قال سيبويه : لم يشبهوا بالناعق إنما شبهوا بالمنعوق به والمعنى : ومثلك يا محمد ومثل الذين كفروا كمثل الناعق والمنعوق به من البهائم التي لا تفهم فحذف لدلالة المعنى وقال بن زيد : المعنى مثل الذين كفروا في دعائهم الآلهة الجماد كمثل الصائح في جوف الليل فيجيبه الصدى فهو يصيح بما لا يسمع ويجيبه ما لا حقيقة فيه ولا منتفع وقال قطرب : المعنى مثل الذين كفروا في دعائهم ما لا يفهم يعني الأصنام كمثل الراعي إذا نعق بغنمه وهو لا يدري أين هي قال الطبري : المراد مثل الكافرين في دعائهم آلهتهم كمثل الذي ينعق بشيء بعيد فهو لا يسمع من أجل البعد فليس للناعق من ذلك إلا النداء الذي يتعبه وينصبه ففي هذه التأويلات الثلاثة يشبه الكفار بالناعق الصائح والأصنام بالمنعوق به والنعيق : زجر الغنم والصياح بها يقال : نعق الراعي بغنمه ينعق نعيقا ونعاقا ونعقانا أي صاح بها وزجرها قال الأخطل : انعق بضأنك يا جرير فإنما منتك نفسك في الخلاء ضلالا قال القتبي : لم يكن جرير راعي ضأن وإنما أراد أن بني كليب يعيرون برعي الضأن وجرير منهم فهو في جهلهم والعرب تضرب المثل براعي الغنم في الجهل ويقولون : أجهل من راعي ضأن قال القتبي : ومن ذهب إلى هذا في معنى الآية كان مذهبا غير أنه لم يذهب إليه أحد من العلماء فيما نعلم والنداء للبعيد والدعاء للقريب ولذلك قيل للأذان بالصلاة نداء لأنه للأباعد وقد تضم النون في النداء والأصل الكسر ثم شبه تعالى الكافرين بأنهم صم بكم عمي وقد تقدم في أول السورة < < البقرة : ( 172 ) يا أيها الذين . . . . . > > < > ( البقره 172 ) < > هذا تأكيد للأمر الأول وخص المؤمنين هنا بالذكر تفضيلا والمراد بالأكل الإنتفاع من جميع الوجوه وقيل : هو الأكل المعتاد وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( أيها الناس إن الله تعالى طيب لا يقبل إلا طيبا وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين فقال يأيها الرسل كلوا من الطيبات وأعملوا صالحا إني بما تعملون عليم وقال يأيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء يارب يارب ومطعمه حرام ومشربه حرام وملبسه حرام وغذي بالحرام فأني يستجاب لذلك ( واشكروا لله إن كنتم إياه تعبدون ) تقدم معنى الشكر فلا معنى للإعادة < < البقرة : ( 173 ) إنما حرم عليكم . . . . . > > < > ( البقره 173 ) <

Section V02/P215–V02/P233Kurtubî — el-Câmi' li-Ahkâmi'l-Kur'ân (s. V02/P215–V02/P233)
Orijinal Metin (AR)

> فيه أربع وثلاثون مسألة : الأولى قوله تعالى : ( إنما حرم عليكم الميتة ) إنما كلمة موضوعة للحصر تتضمن النفي والإثبات فتثبت ما تناوله الخطاب وتنفي ما عداه وقد حصرت ها هنا التحريم لا سيما وقد جاءت عقيب التحليل في قوله تعالى : يأيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم فأفادت الإباحة على الإطلاق ثم عقبها بذكر المحرم بكلمة إنما الحاصرة فاقتضى ذلك الإيعاب للقسمين فلا محرم يخرج عن هذه الآية وهي مدنية وأكدها بالآية الأخرى التي روي أنها نزلت بعرفة : قل لا أجد فيما اوحي إلي محرما على طاعم يطعمه إلى آخرها فإستوفى البيان أولا وآخرا قاله بن العربي وسيأتي الكلام في تلك في الأنعام إن شاء الله تعالى الثانية الميتة نصب ب حر م وما كافة ويجوز أن تجعلها بمعنى الذي منفصلة في الخط وترفع الميتة والدم ولحم الخنزير على خبر إن وهي قراءة بن أبي عبلة وفي حرم ضمير يعود على الذي ونظيره قوله تعالى : إنما صنعوا كيد ساحر وقرأ أبو جعفر حرم بضم الحاء وكسر الراء ورفع الأسماء بعدها إما على ما لم يسم فاعله وإما على خبر إن وقرأ أبو جعفر بن القعقاع أيضا الميتة بالتشديد الطبري : وقال جماعة من اللغويين : التشديد والتخفيف في ميت وميت لغتان وقال أبو حاتم وغيره : ما قد مات فيقالان فيه وما لم يمت بعد فلا يقال فيه ميت بالتخفيف دليله قوله تعالى : إنك ميت وإنهم ميتون ) وقال الشاعر : ليس من مات فاستراح بميت إنما الميت ميت الأحياء ولم يقرأ أحد بتخفيف ما لم يمت إلا ما روى البزي عن بن كثير وما هو بميت والمشهور عنه التثقيل وأما قول الشاعر : إذا ما مات ميت من تميم فسرك أن يعيش فجئ بزاد فلا أبلغ في الهجاء من أنه أراد الميت حقيقة وقد ذهب بعض الناس إلى أنه أراد من شارف الموت والأول أشهر الثالثة الميتة : ما فارقته الروح من غير ذكاة مما يذبح وما ليس بمأكول فذكاته كموته كالسباع وغيرها على ما يأتي بيانه هنا وفي ألانعام إن شاء الله تعالى الرابعة هذه الآية عامة دخلها التخصيص بقوله عليه السلام : ( أحلت لنا ميتتان الحوت والجراد ودمان الكبد والطحال ( أخرجه الدارقطني وكذلك حديث جابر في العنبر يخصص عموم القرآن بصحة سنده خرجه البخاري ومسلم مع قوله تعالى : أحل لكم صيد البحر على ما يأتي بيانه هناك إن شاء الله تعالى وأكثر أهل العلم على جواز أكل جميع دواب البحر حيها وميتها وهو مذهب مالك وتوقف أن يجيب في خنزير الماء وقال : أنتم تقولون خنزيرا قال بن القاسم : وأنا أتقيه ولا أراه حراما الخامسة وقد اختلف الناس في تخصيص كتاب الله تعالى بالسنة ومع اختلافهم في ذلك اتفقوا على أنه لا يجوز تخصيصه بحديث ضعيف قاله بن العربي وقد يستدل على تخصيص هذه الآية أيضا بما في صحيح مسلم من حديث عبد الله بن أبي أوفى قال : غزونا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم سبع غزوات كنا نأكل الجراد معه وظاهره أكله كيف ما مات بعلاج أو حتف أنفه وبهذا قال بن نافع وبن عبد الحكم وأكثر العلماء وهو مذهب الشافعي وأبي حنيفة وغيرهما ومنع مالك وجمهور أصحابه من أكله إن مات حتف أنفه لأنه من صيد البر ألا ترى أن المحرم يجزئه إذا قتله فأشبه الغزال وقال أشهب : إن مات من قطع رجل أو جناح لم يؤكل لأنها حالة قد يعيش بها وينسل وسيأتي لحكم الجراد مزيد بيان في الأعراف عند ذكره إن شاء الله تعالى السادسة واختلف العلماء هل يجوز أن ينتفع بالميتة أو بشيء من النجاسات واختلف عن مالك في ذلك أيضا فقال مرة : يجوز الإنتفاع بها لأن النبي صلى الله عليه وسلم مر على شاة ميمونة فقال : ( هلا أخذتم إهابها ( الحديث وقال مرة : جملتها محرم فلا يجوز الإنتفاع بشيء منها ولا بشيء من النجاسات على وجه من وجوه الإنتفاع حتى لا يجوز أن يسقى الزرع ولا الحيوان الماء النجس ولا تعلف البهائم النجاسات ولا تطعم الميتة الكلاب والسباع وإن أكلتها لم تمنع ووجه هذا القول ظاهر قوله تعالى : حرمت عليكم الميتة والدم ولم يخص وجها من وجه ولا يجوز أن يقال : هذا الخطاب مجمل لأن المجمل ما لا يفهم المراد من ظاهره وقد فهمت العرب المراد من قوله تعالى : حرمت عليكم الميتة وأيضا فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( لا تنتفعوا من الميتة بشيء ( وفي حديث عبد الله بن عكيم لا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب ( وهذا آخر ما ورد به كتابه قبل موته بشهر وسيأتي بيان هذه الأخبار والكلام عليها في النحل إن شاء الله تعالى السابعة فأما الناقة إذا نحرت أو البقرة أو الشاة إذا ذبحت وكان في بطنها جنين ميت فجائز أكله من غير تذكية له في نفسه إلا أن يخرج حيا فيذكى ويكون له حكم نفسه وذلك أن الجنين إذا خرج منها بعد الذبح ميتا جرى مجرى العضو من أعضائها ومما يبين ذلك أنه لو باع الشاة واستثنى ما في بطنها لم يجز كما لو استثنى عضوا منها وكان ما في بطنها تابعا لها كسائر أعضائها وكذلك لو أعتقها من غير أن يوقع على ما في بطنها عتقا مبتدأ ولو كان منفصلا عنها لم يتبعها في بيع ولا عتق وقد روى جابر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن البقرة والشاة تذبح والناقة تنحر فيكون في بطنها جنين ميت فقال : ( إن شئتم فكلوه لأن ذكاته ذكاة أمه ( خرجه أبو داؤد بمعناه من حديث أبي سعيد الخدري وهو نص لا يحتمل وسيأتي لهذا مزيد بيان في سورة المائدة إن شاء الله تعالى الثامنة واختلف الرواية عن مالك في جلد الميتة هل يطهر بالدباغ أو لا فروى عنه أنه لا يطهر وهو ظاهر مذهبه وروي عنه أنه يطهر لقوله عليه السلام : أيما إهاب دبغ فقد طهر ( ووجه قوله : لا يطهر بأنه جزء من الميتة لو أخذ منها في حال الحياة كان نجسا فوجب ألا يطهره الدباغ قياسا على اللحم وتحمل الأخبار بالطهارة على أن الدباغ يزيل الأوساخ عن الجلد حتى ينتفع به في الأشياء اليابسة وفي الجلوس عليه ويجوز أيضا أن ينتفع به في الماء بأن يجعل سقاء لأن الماء على أصل الطهارة ما لم يتغير له وصف على ما يأتي من حكمه في سورة الفرقان والطهارة في اللغة متوجهة نحو إزالة الأوساخ كما تتوجه إلى الطهارة الشرعية والله تعالى أعلم التاسعة وأما شعر الميتة وصوفها فطاهر لما روى عن أم سلمة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( لا بأس بمسك الميتة إذا دبغ وصوفها وشعرها إذا غسل ( ولأنه كان طاهرا لو أخذ منها في حال الحياة فوجب أن يكون كذلك بعد الموت إلا أن اللحم لما كان نجسا في حال الحياة كان كذلك بعد الموت فيجب أن يكون الصوف خلافه في حال الموت كما كان خلافه في حال الحياة استدلالا بالعكس ولا يلزم على هذا اللبن والبيضة من الدجاجة الميتة لأن اللبن عندنا طاهر بعد الموت وكذلك البيضة ولكنهما حصلا في وعاء نجس فتنجسا بمجاورة الوعاء لا أنهما نجسا بالموت وسيأتي مزيد بيان لهذه المسألة والتي قبلها وما للعلماء فيهما من الخلاف في سورة النحل إن شاء الله تعالى العاشرة وأما ما وقعت فيه الفأرة فله حالتان : حالة تكون إن أخرجت الفأرة حية فهو طاهر وإن ماتت فيه فله حالتان : حالة يكون مائعا فإنه ينجس جميعه وحالة يكون جامدا فإنه ينجس ما جاورها فتطرح وما حولها وينتفع بما بقي وهو على طهارته لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن الفأرة تقع في السمن فتموت فقال عليه السلام ( إن كان جامدا فاطرحوها وما حولها وإن كان مائعا فأريقوه ( واختلف العلماء فيه إذا غسل فقيل : لا يطهر بالغسل لأنه مائع نجس فأشبه الدم والخمر والبول وسائر النجاسات وقال بن القاسم : يطهر بالغسل لأنه جسم تنجس بمجاورة النجاسة فأشبه الثوب ولا يلزم على هذا الدم لأنه نجس بعينه ولا الخمر والبول لأن الغسل يستهلكهما ولا يتأتى فيه الحادية عشرة فإذا حكمنا بطهارته بالغسل رجع إلى حالته الأولى في الطهارة وسائر وجوه الإنتفاع لكن لا يبيعه حتى يبين لأن ذلك عيب عند الناس تأباه نفوسهم ومنهم من يعتقد تحريمه ونجاسته فلا يجوز بيعه حتى يبين العيب كسائر الأشياء المعيبة وأما قبل الغسل فلا يجوز بيعه بحال لأن النجاسات عنده لا يجوز بيعها ولأنه مائع نجس فأشبه الخمر ولأن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن ثمن الخمر فقال : ( لعن الله اليهود حرمت عليهم الشحوم فجملوها فباعوها وأكلوا أثمانها ( وأن الله إذا حرم شيئا حرم ثمنه وهذا المائع محرم لنجاسته فوجب أن يحرم ثمنه بحكم الظاهر الثانية عشرة واختلف إذا وقع في القدر حيوان طائر أو غيره فمات فروى بن وهب عن مالك أنه قال : لا يؤكل ما في القدر وقد تنجس بمخالطة الميتة إياه وروى بن القاسم عنه أنه قال : يغسل اللحم ويراق المرق وقد سئل بن عباس عن هذه المسألة فقال : يغسل اللحم ويؤكل ولا مخالف له في المرق من أصحابه ذكره بن خويز منداد الثالثة عشرة فأما أنفحة الميتة ولبن الميتة فقال الشافعي : ذلك نجس لعموم قوله تعالى حرمت عليكم الميتة وقال أبو حنيفة بطهارتهما ولم يجعل لموضع الخلقة أثرا في تنجس ما جاوره مما حدث فيه خلقه قال : ولذلك يؤكل اللحم بما فيه من العروق مع القطع بمجاورة الدم لدواخلها من غير تطهير ولا غسل إجماعا وقال مالك نحو قول أبي حنيفة إن ذلك لا ينجس بالموت ولكن ينجس بمجاورة الوعاء النجس وهو مما لا يتأتى فيه الغسل وكذلك الدجاجة تخرج منها البيضة بعد موتها لأن البيضة لينة في حكم المائع قبل خروجها وإنما تجمد وتصلب بالهواء قال بن خويز منداد فإن قيل : فقولكم يؤدي إلى خلاف الإجماع وذلك ان النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمين بعده كانوا يأكلون الجبن وكان مجلوبا إليهم من أرض العجم ومعلوم أن ذبائح العجم وهم مجوس ميتة ولم يعتدوا بأن يكون مجمدا بأنفحة ميتة أو ذكى قيل له : قدر ما يقع من الأنفحة في اللبن المجبن يسير واليسير من النجاسة معفو عنه إذا خالط الكثير من المائع هذا جواب على إحدى الروايتين وعلى الرواية الأخرى إنما كان ذلك في أول الإسلام ولا يمكن أحد أن ينقل أن الصحابة أكلت الجبن المحمول من أرض العجم بل الجبن ليس من طعام العرب فلما انتشر المسلمون في أرض العجم بالفتوح صارت الذبائح لهم فمن أين لنا أن النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة أكلت جبنا فضلا عن أن يكون محمولا من أرض العجم ومعمولا من أنفخة ذبائحهم وقال أبو عمر : ولا بأس بأكل طعام عبدة الأوثان والمجوس وسائر من لا كتاب له من الكفار ما لم يكن من ذبائحهم ولم يحتج إلى ذكاة إلا الجبن لما فيه من أنفحة الميتة وفي سنن بن ماجه ( الجبن والسمن حدثنا إسماعيل بن موسى السدي حدثنا سيف بن هارون عن سليمان التيمي عن أبي عثمان النهدي عن سلمان الفارسي قال : سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن السمن والجبن والفراء فقال : ( ( الحلال ما أحل الله في كتابه والحرام ما حرم الله في كتابه وما سكت عنه فهو مما عفا عنه ( الرابعة عشرة قوله تعالى : ( والدم ) اتفق العلماء على أن الدم حرام نجس لا يؤكل ولا ينتفع به قال بن خويز منداد : وأما الدم فمحرم ما لم تعم به البلوى ومعفو عما تعم به البلوى والذي تعم به البلوى هو الدم في اللحم وعروقه ويسيره في البدن والثوب يصلي فيه وإنما قلنا ذلك لأن الله تعالى قال : حرمت عليكم الميتة والدم وقال في موضع آخر : قل لا أجد فيما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا فحرم المسفوح من الدم وقد روت عائشة رضع قالت : كنا نطبخ البرمة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم تعلوها الصفرة من الدم فنأكل ولا ننكره لأن التحفظ من هذا إصر وفيه مشقة والإصر والمشقة في الدين موضوع وهذا أصل في الشرع أن كلما حرجت الأمة في أداء العبادة فيه وثقل عليها سقطت العبادة عنها فيه ألا ترى أن المضطر يأكل الميتة وأن المريض يفطر ويتيمم في نحو ذلك قلت : ذكر الله سبحانه وتعالى الدم ها هنا مطلقا وقيده في الأنعام بقوله مسفوحا وحمل العلماء ها هنا المطلق على المقيد إجماعا فالدم هنا يراد به المسفوح لأن ما خالط اللحم فغير محرم بإجماع وكذلك الكبد والطحال مجمع عليه وفي دم الحوت المزايل له اختلاف وروى عن القابسي أنه طاهر ويلزم على طهارته أنه غير محرم وهو اختيار بن العربي قال : لأنه لو كان دم السمك نجسا لشرعت ذكاته قلت : وهو مذهب أبي حنيفة في دم الحوت سمعت بعض الحنفية يقول : الدليل على أنه طاهر أنه إذا يبس أبيض بخلاف سائر الدماء فإنه يسود وهذه النكتة لهم في الأحتجاج على الشافعية الخامسة عشرة ( ولحم الخنزير ) خص الله تعالى ذكر اللحم من الخنزير ليدل على تحريم عينه ذكى أو لم يذك وليعم الشحم وما هنالك من الغضاريف وغيرها السادسة عشرة أجمعت الأمة على تحريم شحم الخنزير وقد إستدل مالك وأصحابه على من أن من حلف ألا يأكل شحما فأكل لحما لم يحنث بأكل اللحم فإن حلف الا يأكل لحما فأكل شحما حنث لأن اللحم مع الشحم يقع عليه اسم اللحم فإن حلف الأ يأكل لحما ولا يدخل اللحم في اسم الشحم وقد حرم الله تعالى لحم الخنزير فناب ذكر لحمه عن شحمه لأنه دخل تحت اسم اللحم وحرم الله تعالى على بني إسرائيل الشحوم بقوله : حرمنا عليهم شحومهما فلم يقع بهذا عليهم تحريم اللحم ولم يدخل في اسم الشحم فلهذا فرق مالك بين الحالف في الشحم والحالف في اللحم إلا أن يكون للحالف نية في اللحم دون الشحم فلا يحنث والله تعالى أعلم ولا يحنث في قول الشافعي وأبي ثور وأصحاب الرأي إذا حلف ألا يأكل لحما فأكل شحما وقال أحمد : إذا حلف ألا يأكل لحما فأكل الشحم لا بأس به إلا أن يكون أراد اجتناب التسم السابعة عشرة لا خلاف أن جملة الخنزير محرمة إلا الشعر فإنه يجوز الخرازة به وقد روي أن رجلا سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الخرازة بشعر الخنزير فقال : ( لا بأس بذلك ( ذكره بن خويز منداد قال : ولأن الخرازة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم كانت وبعده موجودة ظاهرة لا نعلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنكرها ولا أحد من الأئمة بعده وما أجازه الرسول صلى الله عليه وسلم فهو كابتداء الشرع منه الثامنة عشرة لا خلاف في تحريم خنزير البر كما ذكرنا وفي خنزير الماء خلاف وأبي مالك أن يجيب فيه بشئ وقال : أنتم تقولون خنزيرا وقد تقدم وسيأتي بيانه في المائدة إن شاء الله تعالى التاسعة عشرة ذهب أكثر اللغويين إلى أن لفظة الخنزير رباعية وحكى بن سيده عن بعضهم أنه مشتق من خرز العين لأنه كذلك ينظر واللفظة على هذا ثلاثية وفي الصحاح : وتخازر الرجل إذا ضيق جفنه ليحدد النظر والخزر : ضيق العين وصغرها رجل أخزر بين الخزر ويقال : هو أن يكون الإنسان كأنه ينظر بمؤخرها وجمع الخنزير خنازير والخنازير أيضا علة معروفة وهي قروح صلبة تحدث في الرقبة الموفية عشرين قوله تعالى : ( وما أهل به لغير الله ) أي ذكر عليه غير اسم الله تعالى وهي ذبيحة المجوسي والوثني والمعطل فالوثني يذبح للوثن والمجوسي للنار والمعطل لا يعتقد شيئا فيذبح لنفسه ولا خلاف بين العلماء أن ما ذبحه المجوسي لناره والوثني لوثنه لا يؤكل ولا تؤكل ذبيحتهما عند مالك والشافعي وغيرهما وإن لم يذبحا لناره والثني لوثنه لا يؤكل ولا تؤكل ذبيحتهما عند مالك والشافعي وغيرهما وإن لم يذبحا لناره ووثنه وأجازهما بن المسيب وأبو ثور إذا ذبح لمسلم بأمره وسيأتي لهذا مزيد بيان إن شاء الله تعالى في سورة المائدة والإهلال : رفع الصوت يقال : أهل بكذا أي رفع صوته قال بن احمر يصف فلاة : يهل بالفرقد ركبانها كما يهل الراكب المعتمر وقال النابغة : أو درة صدفية غواصها بهيج متى يرها يهل ويسجد ومنه إهلال الصبي واستهلاله وهو صياحه عند ولادته وقال بن عباس وغيره : المراد ما ذبح للانصاب والأوثان لا ما ذكر عليه اسم المسيح على ما يأتي بيانه في سورة المائدة إن شاء الله تعالى وجرت عادة العرب بالصياح باسم المقصود بالذبيحة وغلب ذلك في استعمالهم حتى عبر به عن النية التي هي علة التحريم ألا ترى أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه راعى النية في الإبل التي نحرها غالب أبو الفرزدق فقال : إنها مما أهل لغير الله به فتركها الناس قال بن عطية : ورأيت في أخبار الحسن بن أبي الحسن أنه سئل عن أمرأة مترفة صنعت للعبها عرسا فنحرت جزورا فقال الحسن : لا يحل أكلها فإنها إنما نحرت لصنم قلت : ومن هذا المعنى ما رويناه عن يحيى بن يحيى التميمي شيخ مسلم قال : أخبرنا جرير عن قابوس قال : أرسل أبي امرأة إلى عائشة رضي الله عنه وأمرها أن تقرأ عليها السلام منه وتسألها أية صلاة كانت أعجب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يدوم عليها قالت : كان يصلي قبل الظهر أربع ركعات يطيل فيهن القيام ويحسن الركوع والسجود فأما ما لم يدع قط صحيحا ولا مريضا ولا شاهدا ركعتين قبل صلاة الغداة قالت امرأة عند ذلك من الناس : يا أم المؤمنين إن لنا أظارا من العجم لا يزال يكون لهم عيد فيهدون لنا منه أفنأكل منه شيئا قالت : أما ما ذبح لذلك اليوم فلا تأكلوا ولكن كلوا من أشجارهم فيها تسع مسائل الأولى ) قرئ بضم النون للإتباع وبالكسر وهو الأصل لإلتقاء الساكنين وفيه إضمار أي فمن اضطر إلى شيء من هذه المحرمات أي أحوج اليها فهو افتعل من الضرورة وقرأ بن محيصن فمن أطر بإدغام الضاد في الطاء وأبو السمال فمن أضطر بكسر الطاء وأصله أضطرر فلما أدغمت نقلت حركة الراء إلى الطاء الثانية والعشرون الأضطرار لا يخلو أن يكون بإكراه من ظالم أو يجوع في مخمصة والذي عليه الجمهور من الفقهاء والعلماء في معنى الآية هو من صيره العدم والغرث وهو الجوع إلى ذلك وهو الصحيح وقيل : معناه أكره وغلب على أكل هذه المحرمات قال مجاهد : يعني أكره عليه كالرجل يأخذه العدو فيكرهونه على أكل لحم الخنزير وغيره من معصية الله تعالى إلا أن الإكراه يبيح ذلك إلى آخر الإكراه وأما المخمصة فلا يخلو أن تكون دائمة أو لا فإن كانت دائمة فلا خلاف في جواز الشبع من الميتة إلأ أنه لا يحل له أكلها وهو يجد مال مسلم لا يخاف فيه قطعا كالتمر المعلق وحريسة الجبل ونحو ذلك مما لا قطع فيه ولا أذى وهذا مما لا اختلاف فيه لحديث أبي هريرة رضي الله عنه قال : بينما نحن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر إذ رأينا إبلا مصرورة بعضاه الشجر فثبنا إليها فنادانا رسول الله صلى الله عليه وسلم فرجعنا إليه فقال : ( ( إن هذه الإبل لإهل بيت من المسلمين هو قوتهم ويمنهم بعد الله أيسركم لو رجعتم إلى مزاودكم فوجدتم ما فيها قد ذهب به أترون ذلك عدلا ( قالوا لا فقال : ( ( إن هذه كذلك ( قلنا : أفرأيت إن أحتجنا إلى الطعام والشراب فقال : ( ( كل ولا تحمل واشرب ولا تحمل ( خرجه بن ماجه رحمه الله وقال : هذا الأصل عندي وذكره بن المنذر قال : قلنا يارسول الله ما يحل لأحدنا من مال أخيه إذا أضطر إليه قال : ( ( يأكل ولا يحمل ويشرب ولا يحمل ( قال بن المنذر : وكل مختلف فيه بعد ذلك فمردود إلى تحريم الله الأموال قال أبو عمر : وجملة القول في ذلك أن المسلم إذا تعين عليه رد رمق مهجة المسلم وتوجه الفرض في ذلك بألا يكون هناك غيره قضى عليه بترميق تلك المهجة الآدمية وكان للممنوع منه ما له من ذلك محاربة من منعه ومقاتلته وإن أتى ذلك على نفسه وذلك عند أهل العلم إذا لم يكن هناك إلا واحد لا غير فحينئذ يتعين عليه الفرض فإن كانوا كثيرا أو جماعة وعددا كان ذلك عليهم فرضا على الكفاية والماء في ذلك وغيره مما يرد نفس المسلم ويمسكها سواء إلا أنهم اختلفوا في وجوب قيمة ذلك الشيء على الذي ردت به مهجته ورمق به نفسه فأوجبها موجبون وأباها آخرون وفي مذهبنا القولان جميعا ولا خلاف بين أهل العلم متأخريهم ومتقدميهم في وجوب رد مهجة المسلم عند خوف الذهاب والتلف بالشيء اليسير الذي لا مضرة فيه على صاحبه وفيه البلغة الثالثة والعشرين خرج بن ماجه أنبأنا أبو بكر بن أبي شيبة أنبأنا شبابة ( ح ) وحدثنا محمد بن بشار ومحمد بن الوليد قالا حدثنا محمد بن جعفر حدثنا شعبة عن أبي بشر جعفر بن إياس قال : سمعت عباد بن شرحبيل رجلا من بني غبر قال : أصابنا عام مخمصة فأتيت المدينة فأتيت حائطا من حيطانها فأخذت سنبلا ففركته وأكلته وجعلته في كسائي فجاء صاحب الحائط فضربني واخذ ثوبي فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته فقال للرجل : ( ( ما أطعمته إذ كان جائعا أو ساغبا ولا علمته إذ كان جاهلا ( فأمره النبي صلى الله عليه وسلم فرد إليه ثوبه وأمر له بوسق من طعام أو نصف وسق قلت : هذا حديث صحيح اتفق على رجاله البخاري ومسلم إلا بن أبي شيبة فإنه لمسلم وحده وعباد بن شرحبيل الغبري اليشكري لم يخرج له البخاري ومسلم شيئا وليس له عن النبي صلى الله عليه وسلم غير هذه القصة فيما ذكر أبو عمر رحمه الله وهو ينفى القطع والأدب في المخمصة وقد روى أبو داؤد عن الحسن عن سمرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( إذا أتى أحدكم على ماشية فإن كان فيها صاحبها فليستأذنه فإن أذن له فليحتلب وليشرب وإن لم يكن فيها فليصوت ثلاثا فإن أجاب فليستأذنه فإن أذن له وإلا فليحتلب وليشرب ولا يحمل ( وذكر الترمذي عن يحيى بن سليم عن عبيد الله عن نافع عن بن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( من دخل حائطا فليأكل ولا يتخذ خبنة ( قال : هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث يحيى بن سليم وذكر من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن الثمر المعلق فقال : ( من أصاب منه من ذي حاجة غير متخذ خبنة فلا شيء عليه ( قال فيه : حديث حسن وفي حديث عمر رضي الله عنه : ( إذا مر أحدكم بحائط فليأكل ولا يتخذ ثبانا ( قال أبو عبيد قال أبو عمر : وهو الوعاء الذي يحمل فيه الشيء فإن حملته بين يديك فهو ثبان يقال : قد تثبنت ثبانا فإن حملته على ظهرك فهو الحال يقال منه : قد تحولت كسائي إذا جعلت فيه شيئا ثم حملته على ظهرك فإن جعلته في حضنك فهو خبنة ومنه حديث عمرو بن شعيب المرفوع ولا يتخذ خبنة يقال منه : خبنت أخبن خبنا قال أبو عبيد : وإنما يوجه هذا الحديث أنه رخص فيه للجائع المضطر الذي لا شيء معه يشتري به ألا يحمل إلا ما كان في بطنه قدر قوته قلت : لأن الأصل المتفق عليه تحريم مال الغير إلا بطيب نفس منه فإن كانت هناك عادة بعمل ذلك كما كان في أول الإسلام أو كما هو الآن في بعض البلدان فذلك جائز ويحمل ذلك على أوقات المجاعة والضرورة كما تقدم والله أعلم وإن كان الثاني وهو النادر في وقت من الأوقات فاختلف العلماء فيها على قولين : أحدهما أنه يأكل حتى يشبع ويتضلع ويتزود إذا خشي الضرورة فيما بين يديه من مفازة وقفر وإذا وجد عنها غني طرحها قال معناه مالك في موطئه وبه قال الشافعي وكثير من العلماء والحجة في ذلك أن الضرورة ترفع التحريم فيعود مباحا ومقدار الضرورة إنما هو في حالة عدم القوت إلى حالة وجوده وحديث العنبر نص في ذلك فإن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم لما رجعوا من سفرهم وقد ذهب عنهم الزاد انطلقوا إلى ساحل البحر فرفع لهم على ساحله كهيئة الكثيب الضخم فلما أتوه إذا هي دابة تدعى العنبر فقال أبو عبيدة أميرهم : ميتة ثم قال : لا بل نحن رسل رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي سبيل الله وقد اضطررتم فكلوا قال : فأقمنا عليها شهرا ونحن ثلاثمائة حتى سمنا الحديث فأكلوا وشبعوا رضوان الله عليهم مما اعتقدوا أنه ميتة وتزودوا منها إلى المدينة وذكروا ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فأخبرهم صلى الله عليه وسلم أنه حلال وقال : ( ( هل معكم من لحمه شيء فتطعمونا فأرسلوا إلى رسول الل ه صلى الل ه عليه وسلم منه فأكله وقالت طائفة يأكل بقدر سد الرمق وبه قال بن الماجشون وبن حبيب وفرق أصحاب الشافعي بين حالة المقيم والمسافر فقالوا : المقيم يأكل بقدر ما يسد رمقه والمسافر يتضلع ويتزود : فإذا وجد غني عنها طرحها وإن وجد مضطرا أعطاه إياها ولا يأخذ منه عوضا فإن الميتة لا يجوز بيعها الرابعة العشرون فإن أضطر إلى خمر فإن كان بإكراه شرب بلا خلاف وإن كان بجوع أو عطش فلا يشرب وبه قال مالك في العتبية قال : ولا يزيده الخمر إلا عطشا وهو قول الشافعي فإن الله تعالى حرم الخمر تحريما مطلقا وحرم الميتة بشرط عدم الضرورة وقال الإبهري : إن ردت الخمر عنه جوعا أو عطشا شربها لأن الله تعالى قال في الخنزير فإنه رجس ثم أباحه للضرورة وقال تعالى في الخمر إنها رجس فتدخل في إباحة الخنزير للضرورة بالمعنى الجلي الذي هو أقوى من القياس ولا بد أن تروي ولو ساعة وترد الجوع ولو مدة الخامسة والعشرون روى أصبغ عن بن القاسم أنه قال : يشرب المضطر الدم ولا يشرب الخمر ويأكل الميتة ولا يقرب ضوال الإبل وقاله بن وهب ويشرب البول ولا يشرب الخمر لأن الخمر يلزم فيها الحد فهي أغلظ نص عليه أصحاب الشافعي السادسة والعشرون فإن غص بلقمة فهل يسيغها بخمر أو لا فقيل لا مخافة أن يدعى ذلك وأجاز ذلك بن حبيب لأنها حالة ضرورة بن العربي : أما الغاص بلقمة فإنه يجوز له فيما بينه وبين الله تعالى وأما فيما بيننا فإن شاهدناه فلا تخفى علينا بقرائن الحال صورة الغصة من غيرها فيصدق إذا ظهر ذلك وإن لم يظهر حددناه ظاهرا وسلم من العقوبة عند الله تعالى باطنا ثم إذا وجد المضطر ميتة وخنزيرا ولحم بن آدم أكل الميتة لأنها حلال في حال والخنزير وبن آدم لا يحل بحال والتحريم المخفف أولى أن يقتحم من التحريم المثقل كما لو أكره أن يطأ أخته أو أجنبية وطىء الأجنبية لأنها تحل له بحال وهذا هو الضابط لهذه الأحكام ولا يأكل بن آدم ولو مات قاله علماؤنا وبه قال أحمد وداود احتج أحمد بقوله عليه السلام : ( ( كسر عظم الميت ككسره حيا ( وقال الشافعي : يأكل لحم بن آدم ولا يجوز له أن يقتل ذميا لأنه محترم الدم ولا مسلما ولا أسيرا لأنه مال الغير فإن كان حربيا أو زانيا محصنا جاز قتله والأكل منه وشنع داؤد على المزني بأن قال : قد أبحت أكل لحوم الأنبياء فغلب عليه بن شريح بأن قال : فأنت قد تعرضت لقتل الأنبياء إذ منعتهم من أكل الكافر قال بن العربي : الصحيح عندي ألا يأكل الآدمي إلا إذا تحقق أن ذلك ينجيه ويحييه والله أعلم السابعة والعشرون سئل مالك عن المضطر إلى أكل الميتة وهو يجد مال الغير تمرا أو زرعا أو غنما فقال : إن أمن الضرر على بدنه بحيث لا يعد سارقا ويصدق في قوله أكل من أي ذلك وجد ما يرد جوعه ولا يحمل منه شيئا وذلك أحب إلى من أن يأكل الميتة وقد تقدم هذا المعنى مستوفي وإن هو خشى ألا يصدقوه وأن يعدوه سارقا فإن أكل الميتة أجوز عندي وله في أكل الميتة على هذه المنزلة سعة الثامنة والعشرون روى أبو داؤد قال حدثنا موسى بن إسماعيل قال حدثنا حماد عن سماك بن حرب عن جابر بن سمرة أن رجلا نزل الحرة ومعه أهله وولده فقال رجل : إن ناقة لي ضلت فإن وجدتها فأمسكها فوجدها فلم يجد صاحبها فمرضت فقالت امرأته : أنحرها فأبى فنفقت فقالت : اسلخها حتى نقدد لحمها وشحمها ونأكله فقال : حتى أسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتاه فسأله فقال : ( ( هل عندك غنى يغنيك ( قال لا قال : ( فكلوها ( قال : فجاء صاحبها فأخبره الخبر فقال : هلا كنت نحرتها فقال : استحييت منك قال بن خويز منداد : في هذا الحديث دليلان : أحدهما أن المضطر يأكل من الميتة وإن لم يخف التلف لأنه سأله عن الغني ولم يسأله عن خوفه على نفسه والثاني يأكل ويشبع ويدخر ويتزود لأنه أباحه الادخار ولم يشترط عليه ألا يشبع قال أبو داؤد : وحدثنا هارون بن عبد الله قال حدثنا الفضل بن دكين قال أنبأنا عقبة بن وهب بن عقبة العامري قال : سمعت أبي يحدث عن الفجيع العامري أنه أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : ما يحل لنا الميتة قال : ( ( ما طعامكم ( قلنا : نغتبق ونصطبح قال أبو نعيم : فسره لي عقبة : قدح غدوة وقدح عشية قال : ( ذاك وأبي الجوع ( قال : فأحل لهم الميتة على هذه الحال قال أبو داؤد : الغبوق من آخر النهار والصبوح من أول النهار وقال الخطابي : الغبوق العشاء والصبوح الغداء والقدح من اللبن بالغداة والقدح بالعشي يمسك الرمق ويقيم النفس وإن كان لا يغذي البدن ولا يشبع الشبع التام وقد أباح لهم مع ذلك تناول الميتة فكان دلالته أن تناول الميتة مباح إلى أن تأخذ النفس حاجتها من القوت وإلى هذا ذهب مالك وهو أحد قولي الشافعي قال بن خويز منداد : إذا جاز أن يصطبحوا ويغتبقوا جاز أن يشبعوا ويتزودوا وقال أبو حنيفة والشافعي في القول الآخر : لا يجوز له أن يتناول من الميتة إلا قدر ما يمسك رمقه وإليه ذهب المزني قالوا : لأنه لو كان في الإبتداء بهذه الحال لم يجز له أن يأكل منها شيئا فكذلك إذا بلغها بعد تناولها وروى نحوه عن الحسن وقال قتادة : لا يتضلع منها بشيء وقال مقاتل بن حيان : لا يزداد على ثلاث لقم والصحيح خلاف هذا كما تقدم صلى الله عليه وسلم التاسعة والعشرون وأما التداوي بها فلا يخلو أن يحتاج إلى استعمالها قائمة العين أو محرقة فإن تغيرت بالإحراق فقال بن حبيب : يجوز التداوي بها والصلاة وخففه بن الماجشون بناء على أن الحرق تطهير لتغير الصفات وفي العتبية من رواية مالك في المرتك يصنع من عظام الميتة إذا وضعه في جرحه لا يصلي به حتى يغسله وإن كانت الميتة قائمة بعينها فقد قال سحنون : لا يتداوى بها بحال ولا بالخنزير لأن منها عوضا حلالا بخلاف المجاعة ولو وجد منها عوض في المجاعة لم تؤكل وكذلك الخمر لا يتداوى بها قاله مالك وهو ظاهر مذهب الشافعي وهو اختيار بن أبي هريرة من أصحابه وقال أبو حنيفة : يجوز شربها للتداوي دون العطش وهو اختيار القاضي الطبري من أصحاب الشافعي وهو قول الثوري وقال بعض البغداديين من الشافعية : يجوز شربها للعطش دون التداوي لأن ضرر العطش عاجل بخلاف التداوي وقيل : يجوز شربها للأمرين جميعا ومنع بعض أصحاب الشافعي التداوي بكل محرم إلا بأبوال الإبل خاصة لحديث العرنيين ومنع بعضهم التداوي بكل محرم لقوله عليه السلام : ( إن الله لم يجعل شفاء أمتي فيما حرم عليهم ( ولقوله عليه السلام لطارق بن سويد وقد سأله عن الخمر فنهاه أو كره أن يصنعها فقال إنما أصنعها للدواء فقال : ( إنه ليس بدواء ولكنه داء ( رواه مسلم في الصحيح وهذا يحتمل أن يقيد بحالة الإضطرار فإنه يجوز التداوي بالسم ولايجوز شر به والله أعلم الموفية ثلاثين قوله تعالى : ( غير باغ ) غير نصب على الحال وقيل : على الإستثناء وإذا رأيت غير يصلح في موضعه في فهي حال وإذا صلح موضعها إلا فهي استثناء فقس عليه وباغ أصله باغي ثقلت الضمة على الياء فسكنت والتنوين ساكن فحذفت الياء والكسرة تدل عليها والمعنى فيما قال قتادة والحسن والربيع وبن زيد وعكرمة غير باغ في أكله فوق حاجته ولا عاد بأن يجد عن هذه المحرمات مندوحة ويأكلها وقال السدي : غير باغ في أكلها شهوة وتلذذا ولا عاد باستيفاء الأكل إلى حد الشبع وقال مجاهد وبن جبير وغيرهما : المعنى غير باغ على المسلمين ولا عاد عليهم فيدخل في الباغي والعادي قطاع الطريق والخارج على السلطان والمسافر في قطع الرحم والغارة على المسلمين وما شاكله وهذا صحيح فإن أصل البغي في اللغة قصد الفساد يقال : بغت المرأة تبغي بغاء إذا فجرت قال الله تعالى : ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء وربما استعمل البغي في طلب غير الفساد والعرب تقول : خرج الرجل في بغاء إبل له اي في طلبها ومنه قول الشاعر : لا يمنعنك من بغا الخير تعقاد الرتائم إن الأشائم كالأيا من والأيامن كالأشائم الحادية الثلاثون قوله تعالى : ( ولا عاد ) أصل عاد عائد فهو من المقلوب كشاكي السلاح وهار ولاث والأصل شائك وهائر ولائث من لثت العمامة فأباح الله في حالة الإضطرار أكل جميع المحرمات لعجزه عن جميع المباحات كما بينا فصار عدم المباح شرطا في استباحة المحرم الثانية والثلاثون واختلف العلماء إذا اقترن بضرورته معصية بقطع طريق وإخافة سبيل فحظرها عليه مالك والشافعي في أحد قوليه لأجل معصيته لأن الله سبحانه أباح ذلك عونا والعاصي لا يحل أن يعان فإن أراد الأكل فليتب وليأكل وأباحها له أبو حنيفة والشافعي في القول الآخر له وسويا في استباحته بين طاعته ومعصيته قال بن العربي : وعجبا ممن يبيح له ذلك مع التمادي على المعصية وما أظن أحدا يقوله فإن قاله فهو مخطئ قطعا قلت : الصحيح خلاف هذا فإن إتلاف المرء نفسه في سفر المعصية أشد معصية مما هو فيه قال الله تعالى : ولا تقتلوا أنفسكم وهذا عام ولعله يتوب في ثاني حال فتمحو التوبة عنه ما كان وقد قال مسروق : من اضطر إلى أكل الميتة والدم ولحم الخنزير فلم يأكل حتى مات دخل النار إلا أن يعفو الله عنه قال أبو الحسن الطبري المعروف بالكيا : وليس أكل الميتة عند الضرورة رخصة بل هو عزيمة واجبة ولو امتنع من أكل الميتة كان عاصيا وليس تناول الميتة من رخص السفر أو متعلقا بالسفر بل هو من نتائج الضرورة سفرا كان أو حضرا وهو كالإفطار للعاصي المقيم إذا كان مريضا وكالتيمم للعاصي المسافر عند عدم الماء قال : وهو الصحيح عندنا قلت : واختلفت الروايات عن مالك في ذلك فالمشهور من مذهبه فيما ذكره الباجي في المنتقى : أنه يجوز له الأكل في سفر المعصية ولا يجوز له القصر والفطر وقال بن خويز منداد : فأما الأكل عند الإضطرار فالطائع والعاصي فيه سواء لأن الميتة يجوز تناولها في السفر والحضر وليس بخروج الخارج إلى المعاصي يسقط عنه حكم المقيم بل أسوأ حالة من أن يكون مقيما وليس كذلك الفطر والقصر لأنهما رخصتان متعلقتان بالسفر فمتى كان السفر سفر معصية لم يجز أن يقصر فيه لأن هذه الرخصة تختص بالسفر ولذلك قلنا : إنه يتيمم إذا عدم الماء في سفر المعصية لأن التيمم في الحضر والسفر سواء وكيف يجوز منعه من أكل الميتة والتيمم لأجل معصية ارتكبها وفي تركه الأكل تلف نفسه وتلك أكبر المعاصي وفي تركه التيمم إضاعة للصلاة أيجوز أن يقال له : إرتكبت معصية فارتكب أخرى أيجوز أن يقال لشارب الخمر : إزن وللزاني : اكفر أو يقال لهما : ضيعا الصلاة ذكر هذا كله في أحكام القرآن له ولم يذكر خلافا عن مالك ولا عن أحد من أصحابه وقال الباجي : وروى زياد بن عبد الرحمن الأندلسي أن العاصي بسفره يقصر الصلاة ويفطر في رمضان فسوى بين ذلك كله وهو قول أبي حنيفة ولا خلاف أنه لا يجوز له قتل نفسه بالإمساك عن الأكل وأنه مأمور بالأكل على وجه الوجوب ومن كان في سفر معصية لا تسقط عنه الفروض والواجبات من الصيام والصلاة بل يلزمه الإتيان بها فكذلك ما ذكرناه وجه القول الأول أن هذه المعاني إنما أبيحت في الأسفار لحاجة الناس إليها فلا يباح له أن يستعين بها على المعاصي وله سبيل إلى الا يقتل نفسه قال بن حبيب : وذلك بأن يتوب ثم يتناول لحم الميتة بعد توبته وتعلق بن حبيب في ذلك بقوله تعالى : فمن اضطر غير باغ ولا عاد فاشترط في إباحة الميتة للضرورة ألا يكون باغيا والمسافر على وجه الحرابة أو القطع أو في قطع رحم أو طالب إثم باغ ومعتد فلم توجد فيه شروط الإباحة والله أعلم قلت : هذا استدلال بمفهوم الخطاب وهو مختلف فيه بين الأصوليين ومنظوم الآية أن المضطر 2 غير باغ ولا عاد ولا إثم عليه وغيره مسكوت عنه والأصل عموم الخطاب فمن أدعى زواله لأمر ما فعليه الدليل الرابعة والثلاثون قوله تعالى : ( فإن الله غفور رحيم ) أي يغفر المعاصي فأولى ألا يؤاخذ بما رخص فيه ومن رحمته أنه رخص < <

Français Tercümesi (Ehl-i Sünnet)

> فيه أربع وثلاثون مسألة : الأولى قوله تعالى : ( إنما حرم عليكم الميتة ) إنما كلمة موضوعة للحصر تتضمن النفي والإثبات فتثبت ما تناوله الخطاب وتنفي ما عداه وقد حصرت ها هنا التحريم لا سيما وقد جاءت عقيب التحليل في قوله تعالى : يأيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم فأفادت الإباحة على الإطلاق ثم عقبها بذكر المحرم بكلمة إنما الحاصرة فاقتضى ذلك الإيعاب للقسمين فلا محرم يخرج عن هذه الآية وهي مدنية وأكدها بالآية الأخرى التي روي أنها نزلت بعرفة : قل لا أجد فيما اوحي إلي محرما على طاعم يطعمه إلى آخرها فإستوفى البيان أولا وآخرا قاله بن العربي وسيأتي الكلام في تلك في الأنعام إن شاء الله تعالى الثانية الميتة نصب ب حر م وما كافة ويجوز أن تجعلها بمعنى الذي منفصلة في الخط وترفع الميتة والدم ولحم الخنزير على خبر إن وهي قراءة بن أبي عبلة وفي حرم ضمير يعود على الذي ونظيره قوله تعالى : إنما صنعوا كيد ساحر وقرأ أبو جعفر حرم بضم الحاء وكسر الراء ورفع الأسماء بعدها إما على ما لم يسم فاعله وإما على خبر إن وقرأ أبو جعفر بن القعقاع أيضا الميتة بالتشديد الطبري : وقال جماعة من اللغويين : التشديد والتخفيف في ميت وميت لغتان وقال أبو حاتم وغيره : ما قد مات فيقالان فيه وما لم يمت بعد فلا يقال فيه ميت بالتخفيف دليله قوله تعالى : إنك ميت وإنهم ميتون ) وقال الشاعر : ليس من مات فاستراح بميت إنما الميت ميت الأحياء ولم يقرأ أحد بتخفيف ما لم يمت إلا ما روى البزي عن بن كثير وما هو بميت والمشهور عنه التثقيل وأما قول الشاعر : إذا ما مات ميت من تميم فسرك أن يعيش فجئ بزاد فلا أبلغ في الهجاء من أنه أراد الميت حقيقة وقد ذهب بعض الناس إلى أنه أراد من شارف الموت والأول أشهر الثالثة الميتة : ما فارقته الروح من غير ذكاة مما يذبح وما ليس بمأكول فذكاته كموته كالسباع وغيرها على ما يأتي بيانه هنا وفي ألانعام إن شاء الله تعالى الرابعة هذه الآية عامة دخلها التخصيص بقوله عليه السلام : ( أحلت لنا ميتتان الحوت والجراد ودمان الكبد والطحال ( أخرجه الدارقطني وكذلك حديث جابر في العنبر يخصص عموم القرآن بصحة سنده خرجه البخاري ومسلم مع قوله تعالى : أحل لكم صيد البحر على ما يأتي بيانه هناك إن شاء الله تعالى وأكثر أهل العلم على جواز أكل جميع دواب البحر حيها وميتها وهو مذهب مالك وتوقف أن يجيب في خنزير الماء وقال : أنتم تقولون خنزيرا قال بن القاسم : وأنا أتقيه ولا أراه حراما الخامسة وقد اختلف الناس في تخصيص كتاب الله تعالى بالسنة ومع اختلافهم في ذلك اتفقوا على أنه لا يجوز تخصيصه بحديث ضعيف قاله بن العربي وقد يستدل على تخصيص هذه الآية أيضا بما في صحيح مسلم من حديث عبد الله بن أبي أوفى قال : غزونا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم سبع غزوات كنا نأكل الجراد معه وظاهره أكله كيف ما مات بعلاج أو حتف أنفه وبهذا قال بن نافع وبن عبد الحكم وأكثر العلماء وهو مذهب الشافعي وأبي حنيفة وغيرهما ومنع مالك وجمهور أصحابه من أكله إن مات حتف أنفه لأنه من صيد البر ألا ترى أن المحرم يجزئه إذا قتله فأشبه الغزال وقال أشهب : إن مات من قطع رجل أو جناح لم يؤكل لأنها حالة قد يعيش بها وينسل وسيأتي لحكم الجراد مزيد بيان في الأعراف عند ذكره إن شاء الله تعالى السادسة واختلف العلماء هل يجوز أن ينتفع بالميتة أو بشيء من النجاسات واختلف عن مالك في ذلك أيضا فقال مرة : يجوز الإنتفاع بها لأن النبي صلى الله عليه وسلم مر على شاة ميمونة فقال : ( هلا أخذتم إهابها ( الحديث وقال مرة : جملتها محرم فلا يجوز الإنتفاع بشيء منها ولا بشيء من النجاسات على وجه من وجوه الإنتفاع حتى لا يجوز أن يسقى الزرع ولا الحيوان الماء النجس ولا تعلف البهائم النجاسات ولا تطعم الميتة الكلاب والسباع وإن أكلتها لم تمنع ووجه هذا القول ظاهر قوله تعالى : حرمت عليكم الميتة والدم ولم يخص وجها من وجه ولا يجوز أن يقال : هذا الخطاب مجمل لأن المجمل ما لا يفهم المراد من ظاهره وقد فهمت العرب المراد من قوله تعالى : حرمت عليكم الميتة وأيضا فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( لا تنتفعوا من الميتة بشيء ( وفي حديث عبد الله بن عكيم لا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب ( وهذا آخر ما ورد به كتابه قبل موته بشهر وسيأتي بيان هذه الأخبار والكلام عليها في النحل إن شاء الله تعالى السابعة فأما الناقة إذا نحرت أو البقرة أو الشاة إذا ذبحت وكان في بطنها جنين ميت فجائز أكله من غير تذكية له في نفسه إلا أن يخرج حيا فيذكى ويكون له حكم نفسه وذلك أن الجنين إذا خرج منها بعد الذبح ميتا جرى مجرى العضو من أعضائها ومما يبين ذلك أنه لو باع الشاة واستثنى ما في بطنها لم يجز كما لو استثنى عضوا منها وكان ما في بطنها تابعا لها كسائر أعضائها وكذلك لو أعتقها من غير أن يوقع على ما في بطنها عتقا مبتدأ ولو كان منفصلا عنها لم يتبعها في بيع ولا عتق وقد روى جابر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن البقرة والشاة تذبح والناقة تنحر فيكون في بطنها جنين ميت فقال : ( إن شئتم فكلوه لأن ذكاته ذكاة أمه ( خرجه أبو داؤد بمعناه من حديث أبي سعيد الخدري وهو نص لا يحتمل وسيأتي لهذا مزيد بيان في سورة المائدة إن شاء الله تعالى الثامنة واختلف الرواية عن مالك في جلد الميتة هل يطهر بالدباغ أو لا فروى عنه أنه لا يطهر وهو ظاهر مذهبه وروي عنه أنه يطهر لقوله عليه السلام : أيما إهاب دبغ فقد طهر ( ووجه قوله : لا يطهر بأنه جزء من الميتة لو أخذ منها في حال الحياة كان نجسا فوجب ألا يطهره الدباغ قياسا على اللحم وتحمل الأخبار بالطهارة على أن الدباغ يزيل الأوساخ عن الجلد حتى ينتفع به في الأشياء اليابسة وفي الجلوس عليه ويجوز أيضا أن ينتفع به في الماء بأن يجعل سقاء لأن الماء على أصل الطهارة ما لم يتغير له وصف على ما يأتي من حكمه في سورة الفرقان والطهارة في اللغة متوجهة نحو إزالة الأوساخ كما تتوجه إلى الطهارة الشرعية والله تعالى أعلم التاسعة وأما شعر الميتة وصوفها فطاهر لما روى عن أم سلمة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( لا بأس بمسك الميتة إذا دبغ وصوفها وشعرها إذا غسل ( ولأنه كان طاهرا لو أخذ منها في حال الحياة فوجب أن يكون كذلك بعد الموت إلا أن اللحم لما كان نجسا في حال الحياة كان كذلك بعد الموت فيجب أن يكون الصوف خلافه في حال الموت كما كان خلافه في حال الحياة استدلالا بالعكس ولا يلزم على هذا اللبن والبيضة من الدجاجة الميتة لأن اللبن عندنا طاهر بعد الموت وكذلك البيضة ولكنهما حصلا في وعاء نجس فتنجسا بمجاورة الوعاء لا أنهما نجسا بالموت وسيأتي مزيد بيان لهذه المسألة والتي قبلها وما للعلماء فيهما من الخلاف في سورة النحل إن شاء الله تعالى العاشرة وأما ما وقعت فيه الفأرة فله حالتان : حالة تكون إن أخرجت الفأرة حية فهو طاهر وإن ماتت فيه فله حالتان : حالة يكون مائعا فإنه ينجس جميعه وحالة يكون جامدا فإنه ينجس ما جاورها فتطرح وما حولها وينتفع بما بقي وهو على طهارته لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن الفأرة تقع في السمن فتموت فقال عليه السلام ( إن كان جامدا فاطرحوها وما حولها وإن كان مائعا فأريقوه ( واختلف العلماء فيه إذا غسل فقيل : لا يطهر بالغسل لأنه مائع نجس فأشبه الدم والخمر والبول وسائر النجاسات وقال بن القاسم : يطهر بالغسل لأنه جسم تنجس بمجاورة النجاسة فأشبه الثوب ولا يلزم على هذا الدم لأنه نجس بعينه ولا الخمر والبول لأن الغسل يستهلكهما ولا يتأتى فيه الحادية عشرة فإذا حكمنا بطهارته بالغسل رجع إلى حالته الأولى في الطهارة وسائر وجوه الإنتفاع لكن لا يبيعه حتى يبين لأن ذلك عيب عند الناس تأباه نفوسهم ومنهم من يعتقد تحريمه ونجاسته فلا يجوز بيعه حتى يبين العيب كسائر الأشياء المعيبة وأما قبل الغسل فلا يجوز بيعه بحال لأن النجاسات عنده لا يجوز بيعها ولأنه مائع نجس فأشبه الخمر ولأن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن ثمن الخمر فقال : ( لعن الله اليهود حرمت عليهم الشحوم فجملوها فباعوها وأكلوا أثمانها ( وأن الله إذا حرم شيئا حرم ثمنه وهذا المائع محرم لنجاسته فوجب أن يحرم ثمنه بحكم الظاهر الثانية عشرة واختلف إذا وقع في القدر حيوان طائر أو غيره فمات فروى بن وهب عن مالك أنه قال : لا يؤكل ما في القدر وقد تنجس بمخالطة الميتة إياه وروى بن القاسم عنه أنه قال : يغسل اللحم ويراق المرق وقد سئل بن عباس عن هذه المسألة فقال : يغسل اللحم ويؤكل ولا مخالف له في المرق من أصحابه ذكره بن خويز منداد الثالثة عشرة فأما أنفحة الميتة ولبن الميتة فقال الشافعي : ذلك نجس لعموم قوله تعالى حرمت عليكم الميتة وقال أبو حنيفة بطهارتهما ولم يجعل لموضع الخلقة أثرا في تنجس ما جاوره مما حدث فيه خلقه قال : ولذلك يؤكل اللحم بما فيه من العروق مع القطع بمجاورة الدم لدواخلها من غير تطهير ولا غسل إجماعا وقال مالك نحو قول أبي حنيفة إن ذلك لا ينجس بالموت ولكن ينجس بمجاورة الوعاء النجس وهو مما لا يتأتى فيه الغسل وكذلك الدجاجة تخرج منها البيضة بعد موتها لأن البيضة لينة في حكم المائع قبل خروجها وإنما تجمد وتصلب بالهواء قال بن خويز منداد فإن قيل : فقولكم يؤدي إلى خلاف الإجماع وذلك ان النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمين بعده كانوا يأكلون الجبن وكان مجلوبا إليهم من أرض العجم ومعلوم أن ذبائح العجم وهم مجوس ميتة ولم يعتدوا بأن يكون مجمدا بأنفحة ميتة أو ذكى قيل له : قدر ما يقع من الأنفحة في اللبن المجبن يسير واليسير من النجاسة معفو عنه إذا خالط الكثير من المائع هذا جواب على إحدى الروايتين وعلى الرواية الأخرى إنما كان ذلك في أول الإسلام ولا يمكن أحد أن ينقل أن الصحابة أكلت الجبن المحمول من أرض العجم بل الجبن ليس من طعام العرب فلما انتشر المسلمون في أرض العجم بالفتوح صارت الذبائح لهم فمن أين لنا أن النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة أكلت جبنا فضلا عن أن يكون محمولا من أرض العجم ومعمولا من أنفخة ذبائحهم وقال أبو عمر : ولا بأس بأكل طعام عبدة الأوثان والمجوس وسائر من لا كتاب له من الكفار ما لم يكن من ذبائحهم ولم يحتج إلى ذكاة إلا الجبن لما فيه من أنفحة الميتة وفي سنن بن ماجه ( الجبن والسمن حدثنا إسماعيل بن موسى السدي حدثنا سيف بن هارون عن سليمان التيمي عن أبي عثمان النهدي عن سلمان الفارسي قال : سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن السمن والجبن والفراء فقال : ( ( الحلال ما أحل الله في كتابه والحرام ما حرم الله في كتابه وما سكت عنه فهو مما عفا عنه ( الرابعة عشرة قوله تعالى : ( والدم ) اتفق العلماء على أن الدم حرام نجس لا يؤكل ولا ينتفع به قال بن خويز منداد : وأما الدم فمحرم ما لم تعم به البلوى ومعفو عما تعم به البلوى والذي تعم به البلوى هو الدم في اللحم وعروقه ويسيره في البدن والثوب يصلي فيه وإنما قلنا ذلك لأن الله تعالى قال : حرمت عليكم الميتة والدم وقال في موضع آخر : قل لا أجد فيما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا فحرم المسفوح من الدم وقد روت عائشة رضع قالت : كنا نطبخ البرمة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم تعلوها الصفرة من الدم فنأكل ولا ننكره لأن التحفظ من هذا إصر وفيه مشقة والإصر والمشقة في الدين موضوع وهذا أصل في الشرع أن كلما حرجت الأمة في أداء العبادة فيه وثقل عليها سقطت العبادة عنها فيه ألا ترى أن المضطر يأكل الميتة وأن المريض يفطر ويتيمم في نحو ذلك قلت : ذكر الله سبحانه وتعالى الدم ها هنا مطلقا وقيده في الأنعام بقوله مسفوحا وحمل العلماء ها هنا المطلق على المقيد إجماعا فالدم هنا يراد به المسفوح لأن ما خالط اللحم فغير محرم بإجماع وكذلك الكبد والطحال مجمع عليه وفي دم الحوت المزايل له اختلاف وروى عن القابسي أنه طاهر ويلزم على طهارته أنه غير محرم وهو اختيار بن العربي قال : لأنه لو كان دم السمك نجسا لشرعت ذكاته قلت : وهو مذهب أبي حنيفة في دم الحوت سمعت بعض الحنفية يقول : الدليل على أنه طاهر أنه إذا يبس أبيض بخلاف سائر الدماء فإنه يسود وهذه النكتة لهم في الأحتجاج على الشافعية الخامسة عشرة ( ولحم الخنزير ) خص الله تعالى ذكر اللحم من الخنزير ليدل على تحريم عينه ذكى أو لم يذك وليعم الشحم وما هنالك من الغضاريف وغيرها السادسة عشرة أجمعت الأمة على تحريم شحم الخنزير وقد إستدل مالك وأصحابه على من أن من حلف ألا يأكل شحما فأكل لحما لم يحنث بأكل اللحم فإن حلف الا يأكل لحما فأكل شحما حنث لأن اللحم مع الشحم يقع عليه اسم اللحم فإن حلف الأ يأكل لحما ولا يدخل اللحم في اسم الشحم وقد حرم الله تعالى لحم الخنزير فناب ذكر لحمه عن شحمه لأنه دخل تحت اسم اللحم وحرم الله تعالى على بني إسرائيل الشحوم بقوله : حرمنا عليهم شحومهما فلم يقع بهذا عليهم تحريم اللحم ولم يدخل في اسم الشحم فلهذا فرق مالك بين الحالف في الشحم والحالف في اللحم إلا أن يكون للحالف نية في اللحم دون الشحم فلا يحنث والله تعالى أعلم ولا يحنث في قول الشافعي وأبي ثور وأصحاب الرأي إذا حلف ألا يأكل لحما فأكل شحما وقال أحمد : إذا حلف ألا يأكل لحما فأكل الشحم لا بأس به إلا أن يكون أراد اجتناب التسم السابعة عشرة لا خلاف أن جملة الخنزير محرمة إلا الشعر فإنه يجوز الخرازة به وقد روي أن رجلا سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الخرازة بشعر الخنزير فقال : ( لا بأس بذلك ( ذكره بن خويز منداد قال : ولأن الخرازة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم كانت وبعده موجودة ظاهرة لا نعلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنكرها ولا أحد من الأئمة بعده وما أجازه الرسول صلى الله عليه وسلم فهو كابتداء الشرع منه الثامنة عشرة لا خلاف في تحريم خنزير البر كما ذكرنا وفي خنزير الماء خلاف وأبي مالك أن يجيب فيه بشئ وقال : أنتم تقولون خنزيرا وقد تقدم وسيأتي بيانه في المائدة إن شاء الله تعالى التاسعة عشرة ذهب أكثر اللغويين إلى أن لفظة الخنزير رباعية وحكى بن سيده عن بعضهم أنه مشتق من خرز العين لأنه كذلك ينظر واللفظة على هذا ثلاثية وفي الصحاح : وتخازر الرجل إذا ضيق جفنه ليحدد النظر والخزر : ضيق العين وصغرها رجل أخزر بين الخزر ويقال : هو أن يكون الإنسان كأنه ينظر بمؤخرها وجمع الخنزير خنازير والخنازير أيضا علة معروفة وهي قروح صلبة تحدث في الرقبة الموفية عشرين قوله تعالى : ( وما أهل به لغير الله ) أي ذكر عليه غير اسم الله تعالى وهي ذبيحة المجوسي والوثني والمعطل فالوثني يذبح للوثن والمجوسي للنار والمعطل لا يعتقد شيئا فيذبح لنفسه ولا خلاف بين العلماء أن ما ذبحه المجوسي لناره والوثني لوثنه لا يؤكل ولا تؤكل ذبيحتهما عند مالك والشافعي وغيرهما وإن لم يذبحا لناره والثني لوثنه لا يؤكل ولا تؤكل ذبيحتهما عند مالك والشافعي وغيرهما وإن لم يذبحا لناره ووثنه وأجازهما بن المسيب وأبو ثور إذا ذبح لمسلم بأمره وسيأتي لهذا مزيد بيان إن شاء الله تعالى في سورة المائدة والإهلال : رفع الصوت يقال : أهل بكذا أي رفع صوته قال بن احمر يصف فلاة : يهل بالفرقد ركبانها كما يهل الراكب المعتمر وقال النابغة : أو درة صدفية غواصها بهيج متى يرها يهل ويسجد ومنه إهلال الصبي واستهلاله وهو صياحه عند ولادته وقال بن عباس وغيره : المراد ما ذبح للانصاب والأوثان لا ما ذكر عليه اسم المسيح على ما يأتي بيانه في سورة المائدة إن شاء الله تعالى وجرت عادة العرب بالصياح باسم المقصود بالذبيحة وغلب ذلك في استعمالهم حتى عبر به عن النية التي هي علة التحريم ألا ترى أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه راعى النية في الإبل التي نحرها غالب أبو الفرزدق فقال : إنها مما أهل لغير الله به فتركها الناس قال بن عطية : ورأيت في أخبار الحسن بن أبي الحسن أنه سئل عن أمرأة مترفة صنعت للعبها عرسا فنحرت جزورا فقال الحسن : لا يحل أكلها فإنها إنما نحرت لصنم قلت : ومن هذا المعنى ما رويناه عن يحيى بن يحيى التميمي شيخ مسلم قال : أخبرنا جرير عن قابوس قال : أرسل أبي امرأة إلى عائشة رضي الله عنه وأمرها أن تقرأ عليها السلام منه وتسألها أية صلاة كانت أعجب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يدوم عليها قالت : كان يصلي قبل الظهر أربع ركعات يطيل فيهن القيام ويحسن الركوع والسجود فأما ما لم يدع قط صحيحا ولا مريضا ولا شاهدا ركعتين قبل صلاة الغداة قالت امرأة عند ذلك من الناس : يا أم المؤمنين إن لنا أظارا من العجم لا يزال يكون لهم عيد فيهدون لنا منه أفنأكل منه شيئا قالت : أما ما ذبح لذلك اليوم فلا تأكلوا ولكن كلوا من أشجارهم فيها تسع مسائل الأولى ) قرئ بضم النون للإتباع وبالكسر وهو الأصل لإلتقاء الساكنين وفيه إضمار أي فمن اضطر إلى شيء من هذه المحرمات أي أحوج اليها فهو افتعل من الضرورة وقرأ بن محيصن فمن أطر بإدغام الضاد في الطاء وأبو السمال فمن أضطر بكسر الطاء وأصله أضطرر فلما أدغمت نقلت حركة الراء إلى الطاء الثانية والعشرون الأضطرار لا يخلو أن يكون بإكراه من ظالم أو يجوع في مخمصة والذي عليه الجمهور من الفقهاء والعلماء في معنى الآية هو من صيره العدم والغرث وهو الجوع إلى ذلك وهو الصحيح وقيل : معناه أكره وغلب على أكل هذه المحرمات قال مجاهد : يعني أكره عليه كالرجل يأخذه العدو فيكرهونه على أكل لحم الخنزير وغيره من معصية الله تعالى إلا أن الإكراه يبيح ذلك إلى آخر الإكراه وأما المخمصة فلا يخلو أن تكون دائمة أو لا فإن كانت دائمة فلا خلاف في جواز الشبع من الميتة إلأ أنه لا يحل له أكلها وهو يجد مال مسلم لا يخاف فيه قطعا كالتمر المعلق وحريسة الجبل ونحو ذلك مما لا قطع فيه ولا أذى وهذا مما لا اختلاف فيه لحديث أبي هريرة رضي الله عنه قال : بينما نحن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر إذ رأينا إبلا مصرورة بعضاه الشجر فثبنا إليها فنادانا رسول الله صلى الله عليه وسلم فرجعنا إليه فقال : ( ( إن هذه الإبل لإهل بيت من المسلمين هو قوتهم ويمنهم بعد الله أيسركم لو رجعتم إلى مزاودكم فوجدتم ما فيها قد ذهب به أترون ذلك عدلا ( قالوا لا فقال : ( ( إن هذه كذلك ( قلنا : أفرأيت إن أحتجنا إلى الطعام والشراب فقال : ( ( كل ولا تحمل واشرب ولا تحمل ( خرجه بن ماجه رحمه الله وقال : هذا الأصل عندي وذكره بن المنذر قال : قلنا يارسول الله ما يحل لأحدنا من مال أخيه إذا أضطر إليه قال : ( ( يأكل ولا يحمل ويشرب ولا يحمل ( قال بن المنذر : وكل مختلف فيه بعد ذلك فمردود إلى تحريم الله الأموال قال أبو عمر : وجملة القول في ذلك أن المسلم إذا تعين عليه رد رمق مهجة المسلم وتوجه الفرض في ذلك بألا يكون هناك غيره قضى عليه بترميق تلك المهجة الآدمية وكان للممنوع منه ما له من ذلك محاربة من منعه ومقاتلته وإن أتى ذلك على نفسه وذلك عند أهل العلم إذا لم يكن هناك إلا واحد لا غير فحينئذ يتعين عليه الفرض فإن كانوا كثيرا أو جماعة وعددا كان ذلك عليهم فرضا على الكفاية والماء في ذلك وغيره مما يرد نفس المسلم ويمسكها سواء إلا أنهم اختلفوا في وجوب قيمة ذلك الشيء على الذي ردت به مهجته ورمق به نفسه فأوجبها موجبون وأباها آخرون وفي مذهبنا القولان جميعا ولا خلاف بين أهل العلم متأخريهم ومتقدميهم في وجوب رد مهجة المسلم عند خوف الذهاب والتلف بالشيء اليسير الذي لا مضرة فيه على صاحبه وفيه البلغة الثالثة والعشرين خرج بن ماجه أنبأنا أبو بكر بن أبي شيبة أنبأنا شبابة ( ح ) وحدثنا محمد بن بشار ومحمد بن الوليد قالا حدثنا محمد بن جعفر حدثنا شعبة عن أبي بشر جعفر بن إياس قال : سمعت عباد بن شرحبيل رجلا من بني غبر قال : أصابنا عام مخمصة فأتيت المدينة فأتيت حائطا من حيطانها فأخذت سنبلا ففركته وأكلته وجعلته في كسائي فجاء صاحب الحائط فضربني واخذ ثوبي فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته فقال للرجل : ( ( ما أطعمته إذ كان جائعا أو ساغبا ولا علمته إذ كان جاهلا ( فأمره النبي صلى الله عليه وسلم فرد إليه ثوبه وأمر له بوسق من طعام أو نصف وسق قلت : هذا حديث صحيح اتفق على رجاله البخاري ومسلم إلا بن أبي شيبة فإنه لمسلم وحده وعباد بن شرحبيل الغبري اليشكري لم يخرج له البخاري ومسلم شيئا وليس له عن النبي صلى الله عليه وسلم غير هذه القصة فيما ذكر أبو عمر رحمه الله وهو ينفى القطع والأدب في المخمصة وقد روى أبو داؤد عن الحسن عن سمرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( إذا أتى أحدكم على ماشية فإن كان فيها صاحبها فليستأذنه فإن أذن له فليحتلب وليشرب وإن لم يكن فيها فليصوت ثلاثا فإن أجاب فليستأذنه فإن أذن له وإلا فليحتلب وليشرب ولا يحمل ( وذكر الترمذي عن يحيى بن سليم عن عبيد الله عن نافع عن بن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( من دخل حائطا فليأكل ولا يتخذ خبنة ( قال : هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث يحيى بن سليم وذكر من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن الثمر المعلق فقال : ( من أصاب منه من ذي حاجة غير متخذ خبنة فلا شيء عليه ( قال فيه : حديث حسن وفي حديث عمر رضي الله عنه : ( إذا مر أحدكم بحائط فليأكل ولا يتخذ ثبانا ( قال أبو عبيد قال أبو عمر : وهو الوعاء الذي يحمل فيه الشيء فإن حملته بين يديك فهو ثبان يقال : قد تثبنت ثبانا فإن حملته على ظهرك فهو الحال يقال منه : قد تحولت كسائي إذا جعلت فيه شيئا ثم حملته على ظهرك فإن جعلته في حضنك فهو خبنة ومنه حديث عمرو بن شعيب المرفوع ولا يتخذ خبنة يقال منه : خبنت أخبن خبنا قال أبو عبيد : وإنما يوجه هذا الحديث أنه رخص فيه للجائع المضطر الذي لا شيء معه يشتري به ألا يحمل إلا ما كان في بطنه قدر قوته قلت : لأن الأصل المتفق عليه تحريم مال الغير إلا بطيب نفس منه فإن كانت هناك عادة بعمل ذلك كما كان في أول الإسلام أو كما هو الآن في بعض البلدان فذلك جائز ويحمل ذلك على أوقات المجاعة والضرورة كما تقدم والله أعلم وإن كان الثاني وهو النادر في وقت من الأوقات فاختلف العلماء فيها على قولين : أحدهما أنه يأكل حتى يشبع ويتضلع ويتزود إذا خشي الضرورة فيما بين يديه من مفازة وقفر وإذا وجد عنها غني طرحها قال معناه مالك في موطئه وبه قال الشافعي وكثير من العلماء والحجة في ذلك أن الضرورة ترفع التحريم فيعود مباحا ومقدار الضرورة إنما هو في حالة عدم القوت إلى حالة وجوده وحديث العنبر نص في ذلك فإن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم لما رجعوا من سفرهم وقد ذهب عنهم الزاد انطلقوا إلى ساحل البحر فرفع لهم على ساحله كهيئة الكثيب الضخم فلما أتوه إذا هي دابة تدعى العنبر فقال أبو عبيدة أميرهم : ميتة ثم قال : لا بل نحن رسل رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي سبيل الله وقد اضطررتم فكلوا قال : فأقمنا عليها شهرا ونحن ثلاثمائة حتى سمنا الحديث فأكلوا وشبعوا رضوان الله عليهم مما اعتقدوا أنه ميتة وتزودوا منها إلى المدينة وذكروا ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فأخبرهم صلى الله عليه وسلم أنه حلال وقال : ( ( هل معكم من لحمه شيء فتطعمونا فأرسلوا إلى رسول الل ه صلى الل ه عليه وسلم منه فأكله وقالت طائفة يأكل بقدر سد الرمق وبه قال بن الماجشون وبن حبيب وفرق أصحاب الشافعي بين حالة المقيم والمسافر فقالوا : المقيم يأكل بقدر ما يسد رمقه والمسافر يتضلع ويتزود : فإذا وجد غني عنها طرحها وإن وجد مضطرا أعطاه إياها ولا يأخذ منه عوضا فإن الميتة لا يجوز بيعها الرابعة العشرون فإن أضطر إلى خمر فإن كان بإكراه شرب بلا خلاف وإن كان بجوع أو عطش فلا يشرب وبه قال مالك في العتبية قال : ولا يزيده الخمر إلا عطشا وهو قول الشافعي فإن الله تعالى حرم الخمر تحريما مطلقا وحرم الميتة بشرط عدم الضرورة وقال الإبهري : إن ردت الخمر عنه جوعا أو عطشا شربها لأن الله تعالى قال في الخنزير فإنه رجس ثم أباحه للضرورة وقال تعالى في الخمر إنها رجس فتدخل في إباحة الخنزير للضرورة بالمعنى الجلي الذي هو أقوى من القياس ولا بد أن تروي ولو ساعة وترد الجوع ولو مدة الخامسة والعشرون روى أصبغ عن بن القاسم أنه قال : يشرب المضطر الدم ولا يشرب الخمر ويأكل الميتة ولا يقرب ضوال الإبل وقاله بن وهب ويشرب البول ولا يشرب الخمر لأن الخمر يلزم فيها الحد فهي أغلظ نص عليه أصحاب الشافعي السادسة والعشرون فإن غص بلقمة فهل يسيغها بخمر أو لا فقيل لا مخافة أن يدعى ذلك وأجاز ذلك بن حبيب لأنها حالة ضرورة بن العربي : أما الغاص بلقمة فإنه يجوز له فيما بينه وبين الله تعالى وأما فيما بيننا فإن شاهدناه فلا تخفى علينا بقرائن الحال صورة الغصة من غيرها فيصدق إذا ظهر ذلك وإن لم يظهر حددناه ظاهرا وسلم من العقوبة عند الله تعالى باطنا ثم إذا وجد المضطر ميتة وخنزيرا ولحم بن آدم أكل الميتة لأنها حلال في حال والخنزير وبن آدم لا يحل بحال والتحريم المخفف أولى أن يقتحم من التحريم المثقل كما لو أكره أن يطأ أخته أو أجنبية وطىء الأجنبية لأنها تحل له بحال وهذا هو الضابط لهذه الأحكام ولا يأكل بن آدم ولو مات قاله علماؤنا وبه قال أحمد وداود احتج أحمد بقوله عليه السلام : ( ( كسر عظم الميت ككسره حيا ( وقال الشافعي : يأكل لحم بن آدم ولا يجوز له أن يقتل ذميا لأنه محترم الدم ولا مسلما ولا أسيرا لأنه مال الغير فإن كان حربيا أو زانيا محصنا جاز قتله والأكل منه وشنع داؤد على المزني بأن قال : قد أبحت أكل لحوم الأنبياء فغلب عليه بن شريح بأن قال : فأنت قد تعرضت لقتل الأنبياء إذ منعتهم من أكل الكافر قال بن العربي : الصحيح عندي ألا يأكل الآدمي إلا إذا تحقق أن ذلك ينجيه ويحييه والله أعلم السابعة والعشرون سئل مالك عن المضطر إلى أكل الميتة وهو يجد مال الغير تمرا أو زرعا أو غنما فقال : إن أمن الضرر على بدنه بحيث لا يعد سارقا ويصدق في قوله أكل من أي ذلك وجد ما يرد جوعه ولا يحمل منه شيئا وذلك أحب إلى من أن يأكل الميتة وقد تقدم هذا المعنى مستوفي وإن هو خشى ألا يصدقوه وأن يعدوه سارقا فإن أكل الميتة أجوز عندي وله في أكل الميتة على هذه المنزلة سعة الثامنة والعشرون روى أبو داؤد قال حدثنا موسى بن إسماعيل قال حدثنا حماد عن سماك بن حرب عن جابر بن سمرة أن رجلا نزل الحرة ومعه أهله وولده فقال رجل : إن ناقة لي ضلت فإن وجدتها فأمسكها فوجدها فلم يجد صاحبها فمرضت فقالت امرأته : أنحرها فأبى فنفقت فقالت : اسلخها حتى نقدد لحمها وشحمها ونأكله فقال : حتى أسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتاه فسأله فقال : ( ( هل عندك غنى يغنيك ( قال لا قال : ( فكلوها ( قال : فجاء صاحبها فأخبره الخبر فقال : هلا كنت نحرتها فقال : استحييت منك قال بن خويز منداد : في هذا الحديث دليلان : أحدهما أن المضطر يأكل من الميتة وإن لم يخف التلف لأنه سأله عن الغني ولم يسأله عن خوفه على نفسه والثاني يأكل ويشبع ويدخر ويتزود لأنه أباحه الادخار ولم يشترط عليه ألا يشبع قال أبو داؤد : وحدثنا هارون بن عبد الله قال حدثنا الفضل بن دكين قال أنبأنا عقبة بن وهب بن عقبة العامري قال : سمعت أبي يحدث عن الفجيع العامري أنه أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : ما يحل لنا الميتة قال : ( ( ما طعامكم ( قلنا : نغتبق ونصطبح قال أبو نعيم : فسره لي عقبة : قدح غدوة وقدح عشية قال : ( ذاك وأبي الجوع ( قال : فأحل لهم الميتة على هذه الحال قال أبو داؤد : الغبوق من آخر النهار والصبوح من أول النهار وقال الخطابي : الغبوق العشاء والصبوح الغداء والقدح من اللبن بالغداة والقدح بالعشي يمسك الرمق ويقيم النفس وإن كان لا يغذي البدن ولا يشبع الشبع التام وقد أباح لهم مع ذلك تناول الميتة فكان دلالته أن تناول الميتة مباح إلى أن تأخذ النفس حاجتها من القوت وإلى هذا ذهب مالك وهو أحد قولي الشافعي قال بن خويز منداد : إذا جاز أن يصطبحوا ويغتبقوا جاز أن يشبعوا ويتزودوا وقال أبو حنيفة والشافعي في القول الآخر : لا يجوز له أن يتناول من الميتة إلا قدر ما يمسك رمقه وإليه ذهب المزني قالوا : لأنه لو كان في الإبتداء بهذه الحال لم يجز له أن يأكل منها شيئا فكذلك إذا بلغها بعد تناولها وروى نحوه عن الحسن وقال قتادة : لا يتضلع منها بشيء وقال مقاتل بن حيان : لا يزداد على ثلاث لقم والصحيح خلاف هذا كما تقدم صلى الله عليه وسلم التاسعة والعشرون وأما التداوي بها فلا يخلو أن يحتاج إلى استعمالها قائمة العين أو محرقة فإن تغيرت بالإحراق فقال بن حبيب : يجوز التداوي بها والصلاة وخففه بن الماجشون بناء على أن الحرق تطهير لتغير الصفات وفي العتبية من رواية مالك في المرتك يصنع من عظام الميتة إذا وضعه في جرحه لا يصلي به حتى يغسله وإن كانت الميتة قائمة بعينها فقد قال سحنون : لا يتداوى بها بحال ولا بالخنزير لأن منها عوضا حلالا بخلاف المجاعة ولو وجد منها عوض في المجاعة لم تؤكل وكذلك الخمر لا يتداوى بها قاله مالك وهو ظاهر مذهب الشافعي وهو اختيار بن أبي هريرة من أصحابه وقال أبو حنيفة : يجوز شربها للتداوي دون العطش وهو اختيار القاضي الطبري من أصحاب الشافعي وهو قول الثوري وقال بعض البغداديين من الشافعية : يجوز شربها للعطش دون التداوي لأن ضرر العطش عاجل بخلاف التداوي وقيل : يجوز شربها للأمرين جميعا ومنع بعض أصحاب الشافعي التداوي بكل محرم إلا بأبوال الإبل خاصة لحديث العرنيين ومنع بعضهم التداوي بكل محرم لقوله عليه السلام : ( إن الله لم يجعل شفاء أمتي فيما حرم عليهم ( ولقوله عليه السلام لطارق بن سويد وقد سأله عن الخمر فنهاه أو كره أن يصنعها فقال إنما أصنعها للدواء فقال : ( إنه ليس بدواء ولكنه داء ( رواه مسلم في الصحيح وهذا يحتمل أن يقيد بحالة الإضطرار فإنه يجوز التداوي بالسم ولايجوز شر به والله أعلم الموفية ثلاثين قوله تعالى : ( غير باغ ) غير نصب على الحال وقيل : على الإستثناء وإذا رأيت غير يصلح في موضعه في فهي حال وإذا صلح موضعها إلا فهي استثناء فقس عليه وباغ أصله باغي ثقلت الضمة على الياء فسكنت والتنوين ساكن فحذفت الياء والكسرة تدل عليها والمعنى فيما قال قتادة والحسن والربيع وبن زيد وعكرمة غير باغ في أكله فوق حاجته ولا عاد بأن يجد عن هذه المحرمات مندوحة ويأكلها وقال السدي : غير باغ في أكلها شهوة وتلذذا ولا عاد باستيفاء الأكل إلى حد الشبع وقال مجاهد وبن جبير وغيرهما : المعنى غير باغ على المسلمين ولا عاد عليهم فيدخل في الباغي والعادي قطاع الطريق والخارج على السلطان والمسافر في قطع الرحم والغارة على المسلمين وما شاكله وهذا صحيح فإن أصل البغي في اللغة قصد الفساد يقال : بغت المرأة تبغي بغاء إذا فجرت قال الله تعالى : ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء وربما استعمل البغي في طلب غير الفساد والعرب تقول : خرج الرجل في بغاء إبل له اي في طلبها ومنه قول الشاعر : لا يمنعنك من بغا الخير تعقاد الرتائم إن الأشائم كالأيا من والأيامن كالأشائم الحادية الثلاثون قوله تعالى : ( ولا عاد ) أصل عاد عائد فهو من المقلوب كشاكي السلاح وهار ولاث والأصل شائك وهائر ولائث من لثت العمامة فأباح الله في حالة الإضطرار أكل جميع المحرمات لعجزه عن جميع المباحات كما بينا فصار عدم المباح شرطا في استباحة المحرم الثانية والثلاثون واختلف العلماء إذا اقترن بضرورته معصية بقطع طريق وإخافة سبيل فحظرها عليه مالك والشافعي في أحد قوليه لأجل معصيته لأن الله سبحانه أباح ذلك عونا والعاصي لا يحل أن يعان فإن أراد الأكل فليتب وليأكل وأباحها له أبو حنيفة والشافعي في القول الآخر له وسويا في استباحته بين طاعته ومعصيته قال بن العربي : وعجبا ممن يبيح له ذلك مع التمادي على المعصية وما أظن أحدا يقوله فإن قاله فهو مخطئ قطعا قلت : الصحيح خلاف هذا فإن إتلاف المرء نفسه في سفر المعصية أشد معصية مما هو فيه قال الله تعالى : ولا تقتلوا أنفسكم وهذا عام ولعله يتوب في ثاني حال فتمحو التوبة عنه ما كان وقد قال مسروق : من اضطر إلى أكل الميتة والدم ولحم الخنزير فلم يأكل حتى مات دخل النار إلا أن يعفو الله عنه قال أبو الحسن الطبري المعروف بالكيا : وليس أكل الميتة عند الضرورة رخصة بل هو عزيمة واجبة ولو امتنع من أكل الميتة كان عاصيا وليس تناول الميتة من رخص السفر أو متعلقا بالسفر بل هو من نتائج الضرورة سفرا كان أو حضرا وهو كالإفطار للعاصي المقيم إذا كان مريضا وكالتيمم للعاصي المسافر عند عدم الماء قال : وهو الصحيح عندنا قلت : واختلفت الروايات عن مالك في ذلك فالمشهور من مذهبه فيما ذكره الباجي في المنتقى : أنه يجوز له الأكل في سفر المعصية ولا يجوز له القصر والفطر وقال بن خويز منداد : فأما الأكل عند الإضطرار فالطائع والعاصي فيه سواء لأن الميتة يجوز تناولها في السفر والحضر وليس بخروج الخارج إلى المعاصي يسقط عنه حكم المقيم بل أسوأ حالة من أن يكون مقيما وليس كذلك الفطر والقصر لأنهما رخصتان متعلقتان بالسفر فمتى كان السفر سفر معصية لم يجز أن يقصر فيه لأن هذه الرخصة تختص بالسفر ولذلك قلنا : إنه يتيمم إذا عدم الماء في سفر المعصية لأن التيمم في الحضر والسفر سواء وكيف يجوز منعه من أكل الميتة والتيمم لأجل معصية ارتكبها وفي تركه الأكل تلف نفسه وتلك أكبر المعاصي وفي تركه التيمم إضاعة للصلاة أيجوز أن يقال له : إرتكبت معصية فارتكب أخرى أيجوز أن يقال لشارب الخمر : إزن وللزاني : اكفر أو يقال لهما : ضيعا الصلاة ذكر هذا كله في أحكام القرآن له ولم يذكر خلافا عن مالك ولا عن أحد من أصحابه وقال الباجي : وروى زياد بن عبد الرحمن الأندلسي أن العاصي بسفره يقصر الصلاة ويفطر في رمضان فسوى بين ذلك كله وهو قول أبي حنيفة ولا خلاف أنه لا يجوز له قتل نفسه بالإمساك عن الأكل وأنه مأمور بالأكل على وجه الوجوب ومن كان في سفر معصية لا تسقط عنه الفروض والواجبات من الصيام والصلاة بل يلزمه الإتيان بها فكذلك ما ذكرناه وجه القول الأول أن هذه المعاني إنما أبيحت في الأسفار لحاجة الناس إليها فلا يباح له أن يستعين بها على المعاصي وله سبيل إلى الا يقتل نفسه قال بن حبيب : وذلك بأن يتوب ثم يتناول لحم الميتة بعد توبته وتعلق بن حبيب في ذلك بقوله تعالى : فمن اضطر غير باغ ولا عاد فاشترط في إباحة الميتة للضرورة ألا يكون باغيا والمسافر على وجه الحرابة أو القطع أو في قطع رحم أو طالب إثم باغ ومعتد فلم توجد فيه شروط الإباحة والله أعلم قلت : هذا استدلال بمفهوم الخطاب وهو مختلف فيه بين الأصوليين ومنظوم الآية أن المضطر 2 غير باغ ولا عاد ولا إثم عليه وغيره مسكوت عنه والأصل عموم الخطاب فمن أدعى زواله لأمر ما فعليه الدليل الرابعة والثلاثون قوله تعالى : ( فإن الله غفور رحيم ) أي يغفر المعاصي فأولى ألا يؤاخذ بما رخص فيه ومن رحمته أنه رخص < <

Section V02/P233–V02/P235Kurtubî — el-Câmi' li-Ahkâmi'l-Kur'ân (s. V02/P233–V02/P235)
Orijinal Metin (AR)

البقرة : ( 174 ) إن الذين يكتمون . . . . . > > < > ( البقره 174 ) < > قوله تعالى : ( إن الذين يكتمون ما أنزل الله من الكتاب ) يعني علماء اليهود كتموا ما أنزل في التوراة من صفة محمد صلى الله عليه وسلم وصحة رسالته ومعنى أنزل : أظهر كما قال تعالى : ومن قال سأنزل مثل ما أنزل الله أي سأظهر وقيل : هو على بابه من النزول اي ما أنزل به ملائكته على رسله ( ويشترون به ) اي بالمكتوم ( ثمنا قليلا ) يعني أخذ الرشاء وسماه قليلا لإنقطاع مدته وسوء عاقبته وقيل : لأن ما كانوا يأخذونه من 2 الرشاء كان قليلا قلت : وهذه الآية إن كانت في الأخبار فإنها تتناول من المسلمين من كتم الحق مختارا لذلك بسبب دنيا يصيبها وقد تقدم هذا المعنى قوله تعالى : ( في بطونهم ) ذكر البطون دلالة وتأكيدا على حقيقة الأكل إذ قد يستعمل مجازا في مثل أكل فلان أرضي ونحوه وفي ذكر البطون أيضا تنبيه على جشعهم وأنهم باعوا آخرتهم بحظهم من المطعم الذي لا خطر له ومعنى إلا النار أي إنه حرام يعذبهم الله عليه بالنار فسمى ما أكلوه من الرشاء نارا لأنه يؤديهم إلى النار هكذا قال أكثر المفسرين وقيل : أي إنه يعاقبهم على كتمانهم بأكل النار في جهنم حقيقة فأخبر عن المال بالحال كما قال تعالى : إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما يأكلون في بطونهم نار النساء أي أن عاقبته تؤول إلى ذلك ومنه قولهم : لدوا للموت وابنوا للخراب قال : فللموت ما تلد الوالده آخر : ودورنا لخراب الدهر نبنيها وهو في القرآن والشعر كثير قوله تعالى : ( ولا يكلمهم الله ) عبارة عن الغضب عليهم وإزالة الرضا عنهم يقال : فلان لا يكلم فلانا إذا غضب عليه وقال الطبري : المعنى ولا يكلمهم بما يحبونه وفي التنزيل : إخسئوا فيها ولا تكلمون وقيل : المعنى ولا يرسل اليهم الملائكة بالتحية ( ولا يزكيهم ) أي لا يصلح أعمالهم الخبيثة فيطهرهم وقال الزجاج : لا يثني عليهم خيرا ولا يسميهم أزكياء و ( أليم ) بمعنى مؤلم وقد تقدم وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا يزكيهم ولا ينظر إليهم ولهم عذاب أليم شيخ زان وملك كذاب وعائل مستكبر ( وإنما خص هؤلاء بأليم العذاب وشدة العقوبة لمحض المعاندة والاستخفاف الحامل لهم على تلك المعاصي إذ لم يحملهم على ذلك حاجة ولا دعتهم إليه ضرورة كما تدعو من لم يكن مثلهم ومعنى لا ينظر إليهم لا يرحمهم ولا يعطف عليهم وسيأتي في آل عمران إن شاء الله تعال 2 ى < < البقرة : ( 175 ) أولئك الذين اشتروا . . . . . > > < > ( لبقره 175 ) <

Français Tercümesi (Ehl-i Sünnet)

البقرة : ( 174 ) إن الذين يكتمون . . . . . > > < > ( البقره 174 ) < > قوله تعالى : ( إن الذين يكتمون ما أنزل الله من الكتاب ) يعني علماء اليهود كتموا ما أنزل في التوراة من صفة محمد صلى الله عليه وسلم وصحة رسالته ومعنى أنزل : أظهر كما قال تعالى : ومن قال سأنزل مثل ما أنزل الله أي سأظهر وقيل : هو على بابه من النزول اي ما أنزل به ملائكته على رسله ( ويشترون به ) اي بالمكتوم ( ثمنا قليلا ) يعني أخذ الرشاء وسماه قليلا لإنقطاع مدته وسوء عاقبته وقيل : لأن ما كانوا يأخذونه من 2 الرشاء كان قليلا قلت : وهذه الآية إن كانت في الأخبار فإنها تتناول من المسلمين من كتم الحق مختارا لذلك بسبب دنيا يصيبها وقد تقدم هذا المعنى قوله تعالى : ( في بطونهم ) ذكر البطون دلالة وتأكيدا على حقيقة الأكل إذ قد يستعمل مجازا في مثل أكل فلان أرضي ونحوه وفي ذكر البطون أيضا تنبيه على جشعهم وأنهم باعوا آخرتهم بحظهم من المطعم الذي لا خطر له ومعنى إلا النار أي إنه حرام يعذبهم الله عليه بالنار فسمى ما أكلوه من الرشاء نارا لأنه يؤديهم إلى النار هكذا قال أكثر المفسرين وقيل : أي إنه يعاقبهم على كتمانهم بأكل النار في جهنم حقيقة فأخبر عن المال بالحال كما قال تعالى : إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما يأكلون في بطونهم نار النساء أي أن عاقبته تؤول إلى ذلك ومنه قولهم : لدوا للموت وابنوا للخراب قال : فللموت ما تلد الوالده آخر : ودورنا لخراب الدهر نبنيها وهو في القرآن والشعر كثير قوله تعالى : ( ولا يكلمهم الله ) عبارة عن الغضب عليهم وإزالة الرضا عنهم يقال : فلان لا يكلم فلانا إذا غضب عليه وقال الطبري : المعنى ولا يكلمهم بما يحبونه وفي التنزيل : إخسئوا فيها ولا تكلمون وقيل : المعنى ولا يرسل اليهم الملائكة بالتحية ( ولا يزكيهم ) أي لا يصلح أعمالهم الخبيثة فيطهرهم وقال الزجاج : لا يثني عليهم خيرا ولا يسميهم أزكياء و ( أليم ) بمعنى مؤلم وقد تقدم وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا يزكيهم ولا ينظر إليهم ولهم عذاب أليم شيخ زان وملك كذاب وعائل مستكبر ( وإنما خص هؤلاء بأليم العذاب وشدة العقوبة لمحض المعاندة والاستخفاف الحامل لهم على تلك المعاصي إذ لم يحملهم على ذلك حاجة ولا دعتهم إليه ضرورة كما تدعو من لم يكن مثلهم ومعنى لا ينظر إليهم لا يرحمهم ولا يعطف عليهم وسيأتي في آل عمران إن شاء الله تعال 2 ى < < البقرة : ( 175 ) أولئك الذين اشتروا . . . . . > > < > ( لبقره 175 ) <

Section V02/P235–V02/P236Kurtubî — el-Câmi' li-Ahkâmi'l-Kur'ân (s. V02/P235–V02/P236)
Orijinal Metin (AR)

> قوله تعالى : ( أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى والعذاب بالمغفرة ) تقدم القول فيه ولما كان العذاب تابعا للضلالة وكانت المغفرة تابعة للهدى الذي اطرحوه دخلا في تجوز الشراء قوله تعالى : ( فما أصبرهم على النار ) مذهب الجمهور منهم الحسن ومجاهد أن ما معناه التعجب وهو مردود إلى المخلوقين كأنه قال : أعجبوا من صبرهم على النار ومكثهم فيها وفي التنزيل : قتل الإنسان ما أكفره عبس وأسمع بهم وأبصر مريم وبهذا المعنى صدر أبو علي قال الحسن وقتادة وبن جبير والربيع : ما لهم والله عليها من صبر ولكن ما أجراهم على النار وهي لغة يمنية معروفة قال الفراء : أخبرني الكسائي قال : أخبرني قاضي اليمن أن خصمين اختصما إليه فوجبت اليمين على أحدهما فحلف فقال له صاحبه ما أصبرك على الل ه أي ما أجرأك عليه والمعنى ما أشجعهم على النار إذ يعملون عملا يؤدي إليها وحكى الزجاج أن المعنى ما أبقاهم على النار من قولهم : ما أصبر فلانا على الحبس أي ما أبقاه فيه وقيل : المعنى فما أقل جزعهم من النار فجعل قله الجزع صبرا وقال الكسائي وقطرب : أي ما أدومهم على عمل أهل النار وقيل : ما استفهام معناه التوبيخ قاله بن عباس والسدي وعطاء وأبو عبيدة معمر بن المثنى ومعناه : أي أي شيء صبرهم على عمل أهل النار وقيل : هذا على وجه الاستهانة بهم والاستخفاف بأمرهم < < البقرة : ( 176 ) ذلك بأن الله . . . . . > > < > ( البقره 176 ) < > قوله تعالى : ( ذلك ) ذلك في موضع رفع وهو إشارة إلى الحكم كأنه قال : ذلك الحكم بالنار وقال الزجاج : تقديره الأمر ذلك أو ذلك الأمر أو ذلك العذاب لهم قال الأخفش : وخبر ذلك مضمر معناه ذلك معلوم لهم وقيل : محله نصب معناه فعلنا ذلك بهم ( بأن الله نزل الكتاب ) يعني القرآن في هذا الموضع ( بالحق ) أي بالصدق وقيل بالحجة ( وإن الذين اختلفوا في الكتاب ) يعني التوراة فادعى النصاري أن فيها صفة عيسى وأنكر اليهود صفته وقيل : خالفوا آباءهم وسلفهم في التمسك بها وقيل : خالفوا ما في التوراة من صفة محمد صلى الله عليه وسلم واختلفوا فيها وقيل : المراد القرآن والذين اختلفوا كفار قريش يقول بعضهم : هو سحر وبعضهم يقول : أساطير الأولين وبعضهم : مفتري إلى غير ذلك وقد تقدم القول في معنى الشقاق والحمد لله < < البقرة : ( 177 ) ليس البر أن . . . . . > > < > ( البقره 177 ) <

Français Tercümesi (Ehl-i Sünnet)

> قوله تعالى : ( أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى والعذاب بالمغفرة ) تقدم القول فيه ولما كان العذاب تابعا للضلالة وكانت المغفرة تابعة للهدى الذي اطرحوه دخلا في تجوز الشراء قوله تعالى : ( فما أصبرهم على النار ) مذهب الجمهور منهم الحسن ومجاهد أن ما معناه التعجب وهو مردود إلى المخلوقين كأنه قال : أعجبوا من صبرهم على النار ومكثهم فيها وفي التنزيل : قتل الإنسان ما أكفره عبس وأسمع بهم وأبصر مريم وبهذا المعنى صدر أبو علي قال الحسن وقتادة وبن جبير والربيع : ما لهم والله عليها من صبر ولكن ما أجراهم على النار وهي لغة يمنية معروفة قال الفراء : أخبرني الكسائي قال : أخبرني قاضي اليمن أن خصمين اختصما إليه فوجبت اليمين على أحدهما فحلف فقال له صاحبه ما أصبرك على الل ه أي ما أجرأك عليه والمعنى ما أشجعهم على النار إذ يعملون عملا يؤدي إليها وحكى الزجاج أن المعنى ما أبقاهم على النار من قولهم : ما أصبر فلانا على الحبس أي ما أبقاه فيه وقيل : المعنى فما أقل جزعهم من النار فجعل قله الجزع صبرا وقال الكسائي وقطرب : أي ما أدومهم على عمل أهل النار وقيل : ما استفهام معناه التوبيخ قاله بن عباس والسدي وعطاء وأبو عبيدة معمر بن المثنى ومعناه : أي أي شيء صبرهم على عمل أهل النار وقيل : هذا على وجه الاستهانة بهم والاستخفاف بأمرهم < < البقرة : ( 176 ) ذلك بأن الله . . . . . > > < > ( البقره 176 ) < > قوله تعالى : ( ذلك ) ذلك في موضع رفع وهو إشارة إلى الحكم كأنه قال : ذلك الحكم بالنار وقال الزجاج : تقديره الأمر ذلك أو ذلك الأمر أو ذلك العذاب لهم قال الأخفش : وخبر ذلك مضمر معناه ذلك معلوم لهم وقيل : محله نصب معناه فعلنا ذلك بهم ( بأن الله نزل الكتاب ) يعني القرآن في هذا الموضع ( بالحق ) أي بالصدق وقيل بالحجة ( وإن الذين اختلفوا في الكتاب ) يعني التوراة فادعى النصاري أن فيها صفة عيسى وأنكر اليهود صفته وقيل : خالفوا آباءهم وسلفهم في التمسك بها وقيل : خالفوا ما في التوراة من صفة محمد صلى الله عليه وسلم واختلفوا فيها وقيل : المراد القرآن والذين اختلفوا كفار قريش يقول بعضهم : هو سحر وبعضهم يقول : أساطير الأولين وبعضهم : مفتري إلى غير ذلك وقد تقدم القول في معنى الشقاق والحمد لله < < البقرة : ( 177 ) ليس البر أن . . . . . > > < > ( البقره 177 ) <

Section V02/P236–V02/P243Kurtubî — el-Câmi' li-Ahkâmi'l-Kur'ân (s. V02/P236–V02/P243)
Orijinal Metin (AR)

> فيه ثمان مسائل : الأولى قوله تعالى : ( ليس البر ) اختلف من المراد بهذا الخطاب فقال قتادة : ذكر لنا أن رجلا سأل نبي الله صلى الله عليه وسلم عن البر فأنزل الله هذه الآية قال : وقد كان الرجل قبل الفرائض إذا شهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله ثم مات على ذلك وجبت له الجنة فأنزل الله هذه الآية وقال الربيع وقتادة أيضا : الخطاب لليهود والنصارى لأنهم اختلفوا في التوجه والتولي فاليهود إلى المغرب قبل بيت المقدس والنصارى إلى المشرق مطلع الشمس وتكلموا في تحويل القبلة وفضلت كل فرقة توليتها فقيل لهم : ليس البر ما أنتم فيه ولكن البر من آمن بالله الثانية قرأ حمزة وحفص البر بالنصب لأن ليس من أخوات كان يقع بعدها المعرفتان فتجعل أيهما شئت الأسم أو الخبر فلما وقع بعد ليس البر نصبه وجعل أن تولوا الأسم وكان المصدر أولى بأن يكون اسما لأنه لا يتنكر والبر قد يتنكر والفعل أقوى في التعريف وقرأ الباقون البر بالرفع على أنه أسم ليس وخبره أن تولوا تقديره : ليس البر توليتكم وجوهكم وعلى الأول ليس توليتكم وجوهكم البر كقوله : ما كان حجتهم ألا أن قالوا ثم كان عاقبة الذين أساءوا السوءا أن كذبوا فكان عاقبتهما أنهما في النار الحشر وما كان مثله ويقوي قراءة الرفع أن الثاني معه الباء إجماعا في قوله : وليس البر بأن تأتوا البيوت من ظهورها ولا يجوز فيه إلا الرفع فحمل الأول على الثاني أولى من مخالفته له وكذلك هو في مصحف أبى بالباء ليس البر بأن تولوا وكذلك في مصحف بن مسعود أيضا وعليه أكثر القراء والقراءتان حسنتان الثالثة قوله تعالى : ( ولكن البر من آمن بالله ) البر ها هنا اسم جامع للخير والتقدير : ولكن البر بر من آمن فحذف المضاف كقوله تعالى : واسأل القرية وأشربوا في قلوبهم العجل قاله الفراء وقطرب والزجاج وقال الشاعر : فإنما هي إقبال وإدبار أي ذات إقبال وذات إدبار وقال النابغة : وكيف تواصل من أصبحت خلالته كأبي مرحب أي كخلالة أبي مرحب فحذف وقيل : المعنى ولكن ذا البر كقوله تعالى : هم درجات عند الله أي ذوو درجات وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم لما هاجر إلى المدينة وفرضت الفرائض وصرفت القبلة إلى الكعبة وحدت الحدود أنزل الله هذه الآية فقال : ليس البر كله أن تصلوا ولا تعملوا غير ذلك ولكن البر أي ذا البر من آمن بالله إلى آخرها قاله بن عباس ومجاهد والضحاك وعطاء وسفيان والزجاج أيضا ويجوز أن يكون البر بمعنى البار والبر والفاعل قد يسمى بمعنى المصدر كما يقال : رجل عدل وصوم وفطر وفي التنزيل : إن أصبح ماؤكم غورا الملك أي غائرا وهذا اختيار أبي عبيدة وقال المبرد : لو كنت ممن يقرأ القرآن لقرأت ولكن البر بفتح الباء الرابعة قوله تعالى : ( والموفون بعهدهم إذا عاهدوا والصابرين ) فقيل : يكون الموفون عطفا على من لأن من في موضع جمع ومحل رفع كأنه قال : ولكن البر المؤمنون والموفون قاله الفراء والأخفش والصابرين نصب على المدح أو بإضمار فعل والعرب تنصب على المدح وعلى الذم كأنهم يريدون بذلك إفراد الممدوح والمذموم ولا يتبعونه أول الكلام وينصبونه فأما المدح فقوله : والمقيمين الصلاة وأنشد الكسائي : وكل قوم أطاعوا أمر مرشدهم إلا نميرا أطاعت أمر غاويها الظاعنين ولما يظعنوا أحدا والقائلون لمن دار نخليها وأنشد أبو عبيدة : لا يبعدن قومي الذين هم سم العداة وآفة الجزر النازلين بكل معترك والطيبون معاقد الأزر وقال آخر : نحن بني ضبة أصحاب الجمل فنصب على المدح وأما الذم فقوله تعالى : ملعونين أينما ثقفوا الآية وقال عروة بن الورد : سقوني الخمر ثم تكنفوني عداة الله من كذب وزور وهذا مهيع في النعوت لا مطعن فيه من جهة الإعراب موجود في كلام العرب كما بينا وقال بعض من تعسف في كلامه : إن هذا غلط من الكتاب حين كتبوا مصحف الإمام قال : والدليل على ذلك ما روي عن عثمان أنه نظر في المصحف فقال : أرى فيه لحنا وستقيمه العرب بألسنتها وهكذا قال في سورة النساء والمقيمين الصلاة وفي سورة المائدة والصابئون المائدة والجواب ما ذكرناه وقيل : الموفون رفع على الإبتداء والخبر محذوف تقديره وهم الموفون وقال الكسائي : والصابرين عطف على ذوي القربى كأنه قال : وآتى الصابرين قال النحاس : : وهذا القول خطأ وغلط بين لأنك إذا نصبت والصابرين ونسقته على ذوي القربى دخل في صلة من وإذا رفعت والموفون على أنه نسق على من فقد نسقت على من من قبل أن تتم الصلة وفرقت بين الصلة والموصول بالمعطوف وقال الكسائي : وفي قراءة عبد الله والموفين والصابرين وقال النحاس : يكونان منسوقين على ذوي القربى أو على المدح قال الفراء : وفي قراءة عبد الله في النساء والمقيمين الصلاة والمؤتون الزكاة وقرأ يعقوب والأعمش والموفون والصابرون بالرفع فيهما وقرأ الجحدري بعهودهم وقد قيل : إن والموفون عطف على الضمير الذي في آمن وأنكره أبو علي وقال : ليس المعنى عليه إذ ليس المراد أن البر بر من آمن بالله هو والموفون أي آمنا جميعا كما تقول : الشجاع من أقدم هو وعمرو وإنما الذي بعد قوله من آمن تعداد لأفعال من آمن وأوصافهم الخامسة قال علماؤنا : هذه آية عظيمة من أمهات الأحكام لأنها تضمنت ست عشرة قاعدة : الإيمان بالله وبأسمائه وصفاته وقد أتينا عليها في الكتاب الأسنى والنشر والحشر والميزان والصراط والحوض والشفاعاة والجنة والنار وقد أتينا عليها في كتاب التذكرة والملائكة والكتب المنزلة وأنها حق من عند الله كما تقدم والنبيين وإنفاق المال فيما يعن من الواجب والمندوب وإيصال القرابة وترك قطعهم وتفقد اليتيم وعدم إهماله والمساكين كذلك ومراعاة بن السبيل قيل المنقطع به وقيل : الضيف والسؤال وفك الرقاب وسيأتي بيان هذا في آية الصدقات والمحافظة على الصلاة وإيتاء الزكاة والوفاء بالعهود والصبر في الشدائد وكل قاعدة من هذه القواعد تحتاج إلى كتاب وتقدم التنبيه على أكثرها ويأتي بيان باقيها بما فيها في مواضعها إن شاء الله تعالى واختلف هل يعطى اليتيم من صدقة التطوع بمجرد اليتم على وجه الصلة وإن كان غنيا أو لا يعطى حتى يكون فقيرا قولان للعلماء وهذا على أن يكون إيتاء المال غير الزكاة الواجبة على ما نبينه آنفا السادسة قوله تعالى : ( وآتى المال على حبه ) استدل به من قال : إن في المال حقا سوى الزكاة وبها كمال البر وقيل : المراد الزكاة المفروضة والأول أصح لما خرجه الدارقطني عن فاطمة بنت قيس قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إن في المال حقا سوى الزكاة ( ثم تلا هذه الآية ليس البر أن تولوا وجوهكم إلى آخر الآية وأخرجه بن ماجه في سننه والترمذي في جامعه وقال : هذا حديث ليس إسناده بذاك وأبو حمزة ميمون الأعور يضعف وروى بيان وإسماعيل بن سالم عن الشعبي هذا الحديث قوله وهو أصح قلت : والحديث وإن كان فيه مقال فقد دل على صحته معنى ما في الآية نفسها من قوله تعالى : وأقام الصلاة وآتى الزكاة فذكر الزكاة مع الصلاة وذلك دليل على أن المراد بقوله : وآتى المال على حبه ليس الزكاة المفروضة فإن ذلك كان يكون تكرارا والله أعلم واتفق العلماء على أنه إذا نزلت بالمسلمين حاجة بعد أداء الزكاة فإنه يجب صرف المال إليها قال مالك رحمه الله : يجب على الناس فداء أسراهم وإن استغرق ذلك أموالهم وهذا إجماع أيضا وهو يقوي ما اخترناه والموفق الإله السابعة قوله تعالى : ( على حبه ) الضمير في حبه اختلف في عوده فقيل : يعود على المعطي للمال وحذف المفعول وهو المال ويجوز نصب ذوي القربى بالحب فيكون التقدير على حب المعطي ذوي القربى وقيل : يعود على المال فيكون المصدر مضافا إلى المفعول قال بن عطية : ويجيء قوله على حبه اعتراضا بليغا أثناء القول قلت : ونظيره قوله الحق : ويطعمون الطعام على حبه مسكينا فإنه جمع المعنيين الإعتراض وإضافة المصدر إلى المفعول أي على حب الطعام ومن الإعتراض قوله الحق : ومن يعمل من الصالحات من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فاولئك وهذا عندهم يسمى التتميم وهو نوع من ويسمى أيضا الإحتراس والإحتياط فتمم بقوله على حبه وقوله : وهو مؤمن ومنه قول زهير : من يلق يوما على علاته هرما يلق السماحة منه والندى خلقا وقال امرؤ القيس : على هيكل يعطيك قبل سؤاله أفانين جرى غير كز ولا وان فقوله : على علاته وقبل سؤاله تتميم حسن ومنه قول عنترة : أثنى علي بما علمت فإنني سهل مخالفتي إذا لم أظلم فقوله : إذأ لم أظلم تتميم حسن وقال طرفة : فسقى ديارك غير مفسدها صوب الربيع وديمة تهمى وقال الربيع بن ضبع الفزاري : فنيت وما يفنى صنيعي ومنطقي وكل أمريء إلا أحاديثه فان فقوله : غير مفسدها وإلا أحاديثه تتميم واحتراس وقال أبو هفان : فأفنى الردى أرواحنا غير ظالم وأفنى الندى أموالنا غير عائب فقوله : غير ظالم وغير عائب تتميم واحتياط وهو في الشعر كثير وقيل : يعود على الإيتاء لأن الفعل يدل على مصدره وهو كقوله تعالى : ولا تحسبن الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله هو خيرا لهم أي البخل خيرا لهم فإذا أصابت الناس حاجة أو فاقة فإيتاء المال حبيب إليهم وقيل : يعود على اسم الله تعالى في قوله : من آمن بالله والمعنى المقصود أن يتصدق المرء في هذه الوجوه وهو صحيح شحيح يخشى الفقر ويأمن البقاء الثامنة قوله تعالى : ( والموفون بعدهم إذا عاهدوا ) أي فيما بينهم وبين الله تعالى وفيما بينهم وبين الناس ( والصابرين في البأساء والضراء ) البأساء : الشدة والفقر والضراء : المرض والزمانة قاله بن مسعود وقال عليه السلام : ( يقول الله تعالى أيما عبد من عبادي إبتليته ببلاء في فراشه فلم يشك إلى عواده أبدلته لحما خيرا من لحمه ودما خيرا من دمه فإن قبضته فإلى رحمتي وإن عافيته وليس له ذنب ( قيل : يا رسول الله ما لحم خير من لحمه قال : ( لحم لم يذنب ( قيل : فما دم خير من دمه قال : ( دم لم يذنب ( والبأساء والضراء إسمان بنيا على فعلاء ولا فعل لهما لأنهما إسمان وليسا بنعت ( حين البأس ) أي وقت الحرب قوله تعالى : ( أولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون ) وصفهم بالصدق والتقوى في أمورهم والوفاء بها وأنهم كانوا جادين في الدين وهذا غاية الثناء والصدق : خلاف الكذب ويقال : صدقوهم القتال والصديق : الملازم للصدق وفي الحديث : ( عليكم بالصدق فإن الصدق يهدي إلى البر وإن البر يهدي إلى الجنة وما يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقا < <

Français Tercümesi (Ehl-i Sünnet)

> فيه ثمان مسائل : الأولى قوله تعالى : ( ليس البر ) اختلف من المراد بهذا الخطاب فقال قتادة : ذكر لنا أن رجلا سأل نبي الله صلى الله عليه وسلم عن البر فأنزل الله هذه الآية قال : وقد كان الرجل قبل الفرائض إذا شهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله ثم مات على ذلك وجبت له الجنة فأنزل الله هذه الآية وقال الربيع وقتادة أيضا : الخطاب لليهود والنصارى لأنهم اختلفوا في التوجه والتولي فاليهود إلى المغرب قبل بيت المقدس والنصارى إلى المشرق مطلع الشمس وتكلموا في تحويل القبلة وفضلت كل فرقة توليتها فقيل لهم : ليس البر ما أنتم فيه ولكن البر من آمن بالله الثانية قرأ حمزة وحفص البر بالنصب لأن ليس من أخوات كان يقع بعدها المعرفتان فتجعل أيهما شئت الأسم أو الخبر فلما وقع بعد ليس البر نصبه وجعل أن تولوا الأسم وكان المصدر أولى بأن يكون اسما لأنه لا يتنكر والبر قد يتنكر والفعل أقوى في التعريف وقرأ الباقون البر بالرفع على أنه أسم ليس وخبره أن تولوا تقديره : ليس البر توليتكم وجوهكم وعلى الأول ليس توليتكم وجوهكم البر كقوله : ما كان حجتهم ألا أن قالوا ثم كان عاقبة الذين أساءوا السوءا أن كذبوا فكان عاقبتهما أنهما في النار الحشر وما كان مثله ويقوي قراءة الرفع أن الثاني معه الباء إجماعا في قوله : وليس البر بأن تأتوا البيوت من ظهورها ولا يجوز فيه إلا الرفع فحمل الأول على الثاني أولى من مخالفته له وكذلك هو في مصحف أبى بالباء ليس البر بأن تولوا وكذلك في مصحف بن مسعود أيضا وعليه أكثر القراء والقراءتان حسنتان الثالثة قوله تعالى : ( ولكن البر من آمن بالله ) البر ها هنا اسم جامع للخير والتقدير : ولكن البر بر من آمن فحذف المضاف كقوله تعالى : واسأل القرية وأشربوا في قلوبهم العجل قاله الفراء وقطرب والزجاج وقال الشاعر : فإنما هي إقبال وإدبار أي ذات إقبال وذات إدبار وقال النابغة : وكيف تواصل من أصبحت خلالته كأبي مرحب أي كخلالة أبي مرحب فحذف وقيل : المعنى ولكن ذا البر كقوله تعالى : هم درجات عند الله أي ذوو درجات وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم لما هاجر إلى المدينة وفرضت الفرائض وصرفت القبلة إلى الكعبة وحدت الحدود أنزل الله هذه الآية فقال : ليس البر كله أن تصلوا ولا تعملوا غير ذلك ولكن البر أي ذا البر من آمن بالله إلى آخرها قاله بن عباس ومجاهد والضحاك وعطاء وسفيان والزجاج أيضا ويجوز أن يكون البر بمعنى البار والبر والفاعل قد يسمى بمعنى المصدر كما يقال : رجل عدل وصوم وفطر وفي التنزيل : إن أصبح ماؤكم غورا الملك أي غائرا وهذا اختيار أبي عبيدة وقال المبرد : لو كنت ممن يقرأ القرآن لقرأت ولكن البر بفتح الباء الرابعة قوله تعالى : ( والموفون بعهدهم إذا عاهدوا والصابرين ) فقيل : يكون الموفون عطفا على من لأن من في موضع جمع ومحل رفع كأنه قال : ولكن البر المؤمنون والموفون قاله الفراء والأخفش والصابرين نصب على المدح أو بإضمار فعل والعرب تنصب على المدح وعلى الذم كأنهم يريدون بذلك إفراد الممدوح والمذموم ولا يتبعونه أول الكلام وينصبونه فأما المدح فقوله : والمقيمين الصلاة وأنشد الكسائي : وكل قوم أطاعوا أمر مرشدهم إلا نميرا أطاعت أمر غاويها الظاعنين ولما يظعنوا أحدا والقائلون لمن دار نخليها وأنشد أبو عبيدة : لا يبعدن قومي الذين هم سم العداة وآفة الجزر النازلين بكل معترك والطيبون معاقد الأزر وقال آخر : نحن بني ضبة أصحاب الجمل فنصب على المدح وأما الذم فقوله تعالى : ملعونين أينما ثقفوا الآية وقال عروة بن الورد : سقوني الخمر ثم تكنفوني عداة الله من كذب وزور وهذا مهيع في النعوت لا مطعن فيه من جهة الإعراب موجود في كلام العرب كما بينا وقال بعض من تعسف في كلامه : إن هذا غلط من الكتاب حين كتبوا مصحف الإمام قال : والدليل على ذلك ما روي عن عثمان أنه نظر في المصحف فقال : أرى فيه لحنا وستقيمه العرب بألسنتها وهكذا قال في سورة النساء والمقيمين الصلاة وفي سورة المائدة والصابئون المائدة والجواب ما ذكرناه وقيل : الموفون رفع على الإبتداء والخبر محذوف تقديره وهم الموفون وقال الكسائي : والصابرين عطف على ذوي القربى كأنه قال : وآتى الصابرين قال النحاس : : وهذا القول خطأ وغلط بين لأنك إذا نصبت والصابرين ونسقته على ذوي القربى دخل في صلة من وإذا رفعت والموفون على أنه نسق على من فقد نسقت على من من قبل أن تتم الصلة وفرقت بين الصلة والموصول بالمعطوف وقال الكسائي : وفي قراءة عبد الله والموفين والصابرين وقال النحاس : يكونان منسوقين على ذوي القربى أو على المدح قال الفراء : وفي قراءة عبد الله في النساء والمقيمين الصلاة والمؤتون الزكاة وقرأ يعقوب والأعمش والموفون والصابرون بالرفع فيهما وقرأ الجحدري بعهودهم وقد قيل : إن والموفون عطف على الضمير الذي في آمن وأنكره أبو علي وقال : ليس المعنى عليه إذ ليس المراد أن البر بر من آمن بالله هو والموفون أي آمنا جميعا كما تقول : الشجاع من أقدم هو وعمرو وإنما الذي بعد قوله من آمن تعداد لأفعال من آمن وأوصافهم الخامسة قال علماؤنا : هذه آية عظيمة من أمهات الأحكام لأنها تضمنت ست عشرة قاعدة : الإيمان بالله وبأسمائه وصفاته وقد أتينا عليها في الكتاب الأسنى والنشر والحشر والميزان والصراط والحوض والشفاعاة والجنة والنار وقد أتينا عليها في كتاب التذكرة والملائكة والكتب المنزلة وأنها حق من عند الله كما تقدم والنبيين وإنفاق المال فيما يعن من الواجب والمندوب وإيصال القرابة وترك قطعهم وتفقد اليتيم وعدم إهماله والمساكين كذلك ومراعاة بن السبيل قيل المنقطع به وقيل : الضيف والسؤال وفك الرقاب وسيأتي بيان هذا في آية الصدقات والمحافظة على الصلاة وإيتاء الزكاة والوفاء بالعهود والصبر في الشدائد وكل قاعدة من هذه القواعد تحتاج إلى كتاب وتقدم التنبيه على أكثرها ويأتي بيان باقيها بما فيها في مواضعها إن شاء الله تعالى واختلف هل يعطى اليتيم من صدقة التطوع بمجرد اليتم على وجه الصلة وإن كان غنيا أو لا يعطى حتى يكون فقيرا قولان للعلماء وهذا على أن يكون إيتاء المال غير الزكاة الواجبة على ما نبينه آنفا السادسة قوله تعالى : ( وآتى المال على حبه ) استدل به من قال : إن في المال حقا سوى الزكاة وبها كمال البر وقيل : المراد الزكاة المفروضة والأول أصح لما خرجه الدارقطني عن فاطمة بنت قيس قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إن في المال حقا سوى الزكاة ( ثم تلا هذه الآية ليس البر أن تولوا وجوهكم إلى آخر الآية وأخرجه بن ماجه في سننه والترمذي في جامعه وقال : هذا حديث ليس إسناده بذاك وأبو حمزة ميمون الأعور يضعف وروى بيان وإسماعيل بن سالم عن الشعبي هذا الحديث قوله وهو أصح قلت : والحديث وإن كان فيه مقال فقد دل على صحته معنى ما في الآية نفسها من قوله تعالى : وأقام الصلاة وآتى الزكاة فذكر الزكاة مع الصلاة وذلك دليل على أن المراد بقوله : وآتى المال على حبه ليس الزكاة المفروضة فإن ذلك كان يكون تكرارا والله أعلم واتفق العلماء على أنه إذا نزلت بالمسلمين حاجة بعد أداء الزكاة فإنه يجب صرف المال إليها قال مالك رحمه الله : يجب على الناس فداء أسراهم وإن استغرق ذلك أموالهم وهذا إجماع أيضا وهو يقوي ما اخترناه والموفق الإله السابعة قوله تعالى : ( على حبه ) الضمير في حبه اختلف في عوده فقيل : يعود على المعطي للمال وحذف المفعول وهو المال ويجوز نصب ذوي القربى بالحب فيكون التقدير على حب المعطي ذوي القربى وقيل : يعود على المال فيكون المصدر مضافا إلى المفعول قال بن عطية : ويجيء قوله على حبه اعتراضا بليغا أثناء القول قلت : ونظيره قوله الحق : ويطعمون الطعام على حبه مسكينا فإنه جمع المعنيين الإعتراض وإضافة المصدر إلى المفعول أي على حب الطعام ومن الإعتراض قوله الحق : ومن يعمل من الصالحات من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فاولئك وهذا عندهم يسمى التتميم وهو نوع من ويسمى أيضا الإحتراس والإحتياط فتمم بقوله على حبه وقوله : وهو مؤمن ومنه قول زهير : من يلق يوما على علاته هرما يلق السماحة منه والندى خلقا وقال امرؤ القيس : على هيكل يعطيك قبل سؤاله أفانين جرى غير كز ولا وان فقوله : على علاته وقبل سؤاله تتميم حسن ومنه قول عنترة : أثنى علي بما علمت فإنني سهل مخالفتي إذا لم أظلم فقوله : إذأ لم أظلم تتميم حسن وقال طرفة : فسقى ديارك غير مفسدها صوب الربيع وديمة تهمى وقال الربيع بن ضبع الفزاري : فنيت وما يفنى صنيعي ومنطقي وكل أمريء إلا أحاديثه فان فقوله : غير مفسدها وإلا أحاديثه تتميم واحتراس وقال أبو هفان : فأفنى الردى أرواحنا غير ظالم وأفنى الندى أموالنا غير عائب فقوله : غير ظالم وغير عائب تتميم واحتياط وهو في الشعر كثير وقيل : يعود على الإيتاء لأن الفعل يدل على مصدره وهو كقوله تعالى : ولا تحسبن الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله هو خيرا لهم أي البخل خيرا لهم فإذا أصابت الناس حاجة أو فاقة فإيتاء المال حبيب إليهم وقيل : يعود على اسم الله تعالى في قوله : من آمن بالله والمعنى المقصود أن يتصدق المرء في هذه الوجوه وهو صحيح شحيح يخشى الفقر ويأمن البقاء الثامنة قوله تعالى : ( والموفون بعدهم إذا عاهدوا ) أي فيما بينهم وبين الله تعالى وفيما بينهم وبين الناس ( والصابرين في البأساء والضراء ) البأساء : الشدة والفقر والضراء : المرض والزمانة قاله بن مسعود وقال عليه السلام : ( يقول الله تعالى أيما عبد من عبادي إبتليته ببلاء في فراشه فلم يشك إلى عواده أبدلته لحما خيرا من لحمه ودما خيرا من دمه فإن قبضته فإلى رحمتي وإن عافيته وليس له ذنب ( قيل : يا رسول الله ما لحم خير من لحمه قال : ( لحم لم يذنب ( قيل : فما دم خير من دمه قال : ( دم لم يذنب ( والبأساء والضراء إسمان بنيا على فعلاء ولا فعل لهما لأنهما إسمان وليسا بنعت ( حين البأس ) أي وقت الحرب قوله تعالى : ( أولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون ) وصفهم بالصدق والتقوى في أمورهم والوفاء بها وأنهم كانوا جادين في الدين وهذا غاية الثناء والصدق : خلاف الكذب ويقال : صدقوهم القتال والصديق : الملازم للصدق وفي الحديث : ( عليكم بالصدق فإن الصدق يهدي إلى البر وإن البر يهدي إلى الجنة وما يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقا < <

%0
10 Bölüm