Section V06/P251–V06/P253Kurtubî — el-Câmi' li-Ahkâmi'l-Kur'ân (s. V06/P251–V06/P253)
Orijinal Metin (AR)> قوله تعالى : ( لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود وعيسى بن مريم ) فيه مسألة واحدة : وهي جواز لعن الكافرين وإن كانوا من أولاد الأنبياء وأن شرف النسب لا يمنع إطلاق اللعنة في حقهم ومعنى ( على لسان داود وعيسى بن مريم ) أي لعنوا في الزبور والإنجيل فإن الزبور لسان داود والإنجيل لسان عيسى أي لعنهم الله في الكتابين وقد تقدم اشتقاقهما قال مجاهد وقتادة وغيرهما لعنهم مسخهم قردة وخنازير قال أبو مالك : الذين لعنوا على لسان داود مسخوا قردة والذين لعنوا على لسان عيسى مسخوا خنازير وقال بن عباس : الذين لعنوا على لسان داود أصحاب السبت والذين لعنوا على لسان عيسى الذين كفروا بالمائدة بعد نزولها وروي نحوه عن النبي صلى الله عليه وسلم وقيل لعن الأسلاف والأخلاف ممن كفر بمحمد صلى الله عليه وسلم على لسان داود وعيسى لأنهما أعلما أن محمدا صلى الله عليه وسلم نبي مبعوث فلعنا من يكفر به قوله تعالى : ( ذلك بما عصوا ) ذلك في موضع رفع بالابتداء أي ذلك اللعن بما عصوا أي بعصيانهم ويجوز أن يكون على إضمار مبتدأ أي الأمر ذلك ويجوز أن يكون في موضع نصب أي فعلنا ذلك بهم لعصيانهم واعتدائهم < < المائدة : ( 79 ) كانوا لا يتناهون . . . . . > > < > ( المائده 79 ) < > قوله تعالى : ( كانو لا يتناهون عن منكر فعلوه ) فيه مسئلتان : الأولى قوله تعالى : ( كانوا لا يتناهون ) أي لا ينهى بعضهم بعضا : ( لبئس ما كانوا يفعلون ) ذم لتركهم النهي وكذا من بعدهم يذم من فعل فعلهم خرج أبو داود عن عبد الله بن مسعود قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إن أول ما دخل النقص على بني اسرائيل كان الرجل أول ما يلقى الرجل فيقول يا هذا اتق الله ودع ما تصنع فإنه لا يحل لك ثم يلقاه من الغد فلا يمنعه ذلك أن يكون أكيله وشريبه وقعيده فلما فعلوا ذلك ضرب الله قلوب بعضهم ببعض ثم قال : ( لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود وعيسى بن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون ) إلى قوله ( فاسقون ) ثم قال : ( كلا والله لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر ولتأخذن على يدي الظالم ولتأطرنه على الحق ولتقصرنه على الحق قصرا أو ليضربن الله بقلوب بعضكم على بعض وليلعننكم كما لعنهم ( وخرجه الترمذي أيضا ومعنى لتأطرنه لتردنه الثانية : قال بن عطية : والإجماع منعقد على أن النهي عن المنكر فرض لمن أطاقه وأمن الضرر على نفسه وعلى المسلمين فإن خاف فينكر بقلبه ويهجر ذا المنكر ولا يخالطه وقال حذاق أهل العلم : وليس من شرط الناهي أن يكون سليما عن معصية بل ينهى العصاة بعضهم بعضا وقال بعض الأصوليين : فرض على الذين يتعاطون الكئوس أن ينهي بعضهم بعضا واستدلوا بهذه الآية قالوا : لأن قوله : ( كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه ) يقتضي اشتراكهم في الفعل وذمهم على ترك التناهي وفي الآية دليل على النهي عن مجالسة المجرمين وأمر بتركهم وهجرانهم وأكد ذلك بقوله في الإنكار على اليهود : ( ترى كثيرا منهم يتولون الذين كفروا ) ( وما ) من قوله : ( ما كانوا ) يجوز أن تكون في موضع نصب وما بعدها نعت لها التقدير لبئس شيئا كانوا يفعلونه أو تكون في موضع رفع وهي بمعنى الذي < < المائدة : ( 80 ) ترى كثيرا منهم . . . . . > > < > ( المائده 80 ) <
Français Tercümesi (Ehl-i Sünnet)> قوله تعالى : ( لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود وعيسى بن مريم ) فيه مسألة واحدة : وهي جواز لعن الكافرين وإن كانوا من أولاد الأنبياء وأن شرف النسب لا يمنع إطلاق اللعنة في حقهم ومعنى ( على لسان داود وعيسى بن مريم ) أي لعنوا في الزبور والإنجيل فإن الزبور لسان داود والإنجيل لسان عيسى أي لعنهم الله في الكتابين وقد تقدم اشتقاقهما قال مجاهد وقتادة وغيرهما لعنهم مسخهم قردة وخنازير قال أبو مالك : الذين لعنوا على لسان داود مسخوا قردة والذين لعنوا على لسان عيسى مسخوا خنازير وقال بن عباس : الذين لعنوا على لسان داود أصحاب السبت والذين لعنوا على لسان عيسى الذين كفروا بالمائدة بعد نزولها وروي نحوه عن النبي صلى الله عليه وسلم وقيل لعن الأسلاف والأخلاف ممن كفر بمحمد صلى الله عليه وسلم على لسان داود وعيسى لأنهما أعلما أن محمدا صلى الله عليه وسلم نبي مبعوث فلعنا من يكفر به قوله تعالى : ( ذلك بما عصوا ) ذلك في موضع رفع بالابتداء أي ذلك اللعن بما عصوا أي بعصيانهم ويجوز أن يكون على إضمار مبتدأ أي الأمر ذلك ويجوز أن يكون في موضع نصب أي فعلنا ذلك بهم لعصيانهم واعتدائهم < < المائدة : ( 79 ) كانوا لا يتناهون . . . . . > > < > ( المائده 79 ) < > قوله تعالى : ( كانو لا يتناهون عن منكر فعلوه ) فيه مسئلتان : الأولى قوله تعالى : ( كانوا لا يتناهون ) أي لا ينهى بعضهم بعضا : ( لبئس ما كانوا يفعلون ) ذم لتركهم النهي وكذا من بعدهم يذم من فعل فعلهم خرج أبو داود عن عبد الله بن مسعود قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إن أول ما دخل النقص على بني اسرائيل كان الرجل أول ما يلقى الرجل فيقول يا هذا اتق الله ودع ما تصنع فإنه لا يحل لك ثم يلقاه من الغد فلا يمنعه ذلك أن يكون أكيله وشريبه وقعيده فلما فعلوا ذلك ضرب الله قلوب بعضهم ببعض ثم قال : ( لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود وعيسى بن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون ) إلى قوله ( فاسقون ) ثم قال : ( كلا والله لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر ولتأخذن على يدي الظالم ولتأطرنه على الحق ولتقصرنه على الحق قصرا أو ليضربن الله بقلوب بعضكم على بعض وليلعننكم كما لعنهم ( وخرجه الترمذي أيضا ومعنى لتأطرنه لتردنه الثانية : قال بن عطية : والإجماع منعقد على أن النهي عن المنكر فرض لمن أطاقه وأمن الضرر على نفسه وعلى المسلمين فإن خاف فينكر بقلبه ويهجر ذا المنكر ولا يخالطه وقال حذاق أهل العلم : وليس من شرط الناهي أن يكون سليما عن معصية بل ينهى العصاة بعضهم بعضا وقال بعض الأصوليين : فرض على الذين يتعاطون الكئوس أن ينهي بعضهم بعضا واستدلوا بهذه الآية قالوا : لأن قوله : ( كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه ) يقتضي اشتراكهم في الفعل وذمهم على ترك التناهي وفي الآية دليل على النهي عن مجالسة المجرمين وأمر بتركهم وهجرانهم وأكد ذلك بقوله في الإنكار على اليهود : ( ترى كثيرا منهم يتولون الذين كفروا ) ( وما ) من قوله : ( ما كانوا ) يجوز أن تكون في موضع نصب وما بعدها نعت لها التقدير لبئس شيئا كانوا يفعلونه أو تكون في موضع رفع وهي بمعنى الذي < < المائدة : ( 80 ) ترى كثيرا منهم . . . . . > > < > ( المائده 80 ) <
Section V06/P253–V06/P254Kurtubî — el-Câmi' li-Ahkâmi'l-Kur'ân (s. V06/P253–V06/P254)
Orijinal Metin (AR)> قوله تعالى : ( ترى كثيرا منهم ) أي من اليهود قيل : كعب بن الأشرف وأصحابه وقال مجاهد : يعني المنافقين ( يتولون الذين كفروا ) أي المشركين وليسوا على دينهم ( لبئس ما قدمت له أنفسهم ) أي سولت وزينت وقيل : المعنى لبئس ما قدموا لأنفسهم ومعادهم ( أن سخط الله عليهم ) ( أن ) في موضع رفع على إضمار مبتدأ كقولك بئس رجلا زيد وقيل : بدل من ( ما ) في قوله ( لبئس ) على أن تكون ( ما ) نكرة فتكون رفعا أيضا ويجوز أن تكون في موضع نصب بمعنى لأن سخط الله عليهم : ( وفي العذاب هم خالدون ) ابتداء وخبر < < المائدة : ( 81 ) ولو كانوا يؤمنون . . . . . > > < > ( المائده 81 ) < > قوله تعالى : ( ولو كانوا يؤمنون بالله والنبي وما أنزل إليه ما اتخذوهم اولياء ) يدل بهذا على أن من اتخذ كافرا وليا فليس بمؤمن إذا اعتقد اعتقاده ورضي أفعاله ( ولكن كثيرا منهم فاسقون ) أي خارجون عن الإيمان بنبيهم لتحريفهم أو عن الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم لنفاقهم < < المائدة : ( 82 ) لتجدن أشد الناس . . . . . > > < > ( المائده 82 ) <
Français Tercümesi (Ehl-i Sünnet)> قوله تعالى : ( ترى كثيرا منهم ) أي من اليهود قيل : كعب بن الأشرف وأصحابه وقال مجاهد : يعني المنافقين ( يتولون الذين كفروا ) أي المشركين وليسوا على دينهم ( لبئس ما قدمت له أنفسهم ) أي سولت وزينت وقيل : المعنى لبئس ما قدموا لأنفسهم ومعادهم ( أن سخط الله عليهم ) ( أن ) في موضع رفع على إضمار مبتدأ كقولك بئس رجلا زيد وقيل : بدل من ( ما ) في قوله ( لبئس ) على أن تكون ( ما ) نكرة فتكون رفعا أيضا ويجوز أن تكون في موضع نصب بمعنى لأن سخط الله عليهم : ( وفي العذاب هم خالدون ) ابتداء وخبر < < المائدة : ( 81 ) ولو كانوا يؤمنون . . . . . > > < > ( المائده 81 ) < > قوله تعالى : ( ولو كانوا يؤمنون بالله والنبي وما أنزل إليه ما اتخذوهم اولياء ) يدل بهذا على أن من اتخذ كافرا وليا فليس بمؤمن إذا اعتقد اعتقاده ورضي أفعاله ( ولكن كثيرا منهم فاسقون ) أي خارجون عن الإيمان بنبيهم لتحريفهم أو عن الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم لنفاقهم < < المائدة : ( 82 ) لتجدن أشد الناس . . . . . > > < > ( المائده 82 ) <
Section V06/P254–V06/P257Kurtubî — el-Câmi' li-Ahkâmi'l-Kur'ân (s. V06/P254–V06/P257)
Orijinal Metin (AR)> قوله تعالى : ( لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود ) اللام لام قسم ودخلت النون على قول الخليل وسيبويه فرقا بين الحال والمستقبل ( عداوة ) نصب على البيان وكذا ( ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى ) وهذه الآية نزلت في النجاشي وأصحابه لما قدم عليهم المسلمون في الهجرة الأولى حسب ما هو مشهور في سيرة بن إسحاق وغيره خوفا من المشركين وفتنتهم وكانوا ذوي عدد ثم هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة بعد ذلك فلم يقدروا على الوصول إليه حالت بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم الحرب فلما كانت وقعة بدر وقتل الله فيها صناديد الكفار قال كفار قريش : إن ثأركم بأرض الحبشة فاهدوا إلى النجاشي وابعثوا إليه رجلين من ذوي رأيكم لعله يعطيكم من عنده فتقتلونهم بمن قتل منكم ببدر فبعث كفار قريش عمرو بن العاص وعبد الله بن أبي ربيعة بهدايا فسمع النبي صلى الله عليه وسلم بذلك فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عمرو بن أمية الضمري وكتب معه إلى النجاشي فقدم على النجاشي فقرأ كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم دعا جعفر بن أبي طالب والمهاجرين وأرسل إلى الرهبان والقسيسين فجمعهم ثم أمر جعفر أن يقرأ عليهم القرآن فقرأ سورة مريم فقاموا تفيض أعينهم من الدمع فهم الذين أنزل الله فيهم ( ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى ) وقرأ إلى الشاهدين رواه أبو داود قال : حدثنا محمد بن سلمة المرادي قال حدثنا بن وهب قال أخبرني يونس عن بن شهاب عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحرث بن هشام وعن سعيد بن المسيب وعن عروة بن الزبير أن الهجرة الأولى هجرة المسلمين إلى أرض الحبشة وساق الحديث بطوله وذكر البيهقي عن بن إسحاق قال قدم على النبي صلى الله عليه وسلم عشرون رجلا وهو بمكة أو قريب من ذلك من النصارى حين ظهر خبره من الحبشة فوجدوه في المسجد فكلموه وسألوه ورجال من قريش في أنديتهم حول الكعبة فلما فرغوا من مسألتهم رسول الله صلى الله عليه وسلم عما أرادوا دعاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الله عز وجل وتلا عليهم القرآن فلما سمعوه فاضت أعينهم من الدمع ثم استجابوا له وآمنوا به وصدقوه وعرفوا منه ما كان يوصف لهم في كتابهم من أمره فلما قاموا من عنده اعترضهم أبو جهل في نفر من قريش فقالوا : خيبكم الله من ركب بعثكم من وراءكم من أهل دينكم ترتادون لهم فتأتونهم بخبر الرجل فلم تظهر مجالستكم عنده حتى فارقتم دينكم وصدقتموه بما قال لكم ما نعلم ركبا أحمق منكم أو كما قال لهم فقالوا : سلام عليكم لا نجاهلكم لنا أعمالنا ولكم أعمالكم لا نألوا أنفسنا خيرا فيقال : إن النفر النصارى من أهل نجران ويقال : إن فيهم نزلت هؤلاء الآيات الذين آتيناهم الكتاب من قبله هم به يؤمنون القصص إلى قوله لا نبتغي الجاهلين القصص وقيل : إن جعفرا وأصحابه قدم على النبي صلى الله عليه وسلم في سبعين رجلا عليهم ثياب الصوف فيهم اثنان وستون من الحبشة وثمانية من أهل الشام وهم بحيراء الراهب وإدريس وأشرف وأبرهة وثمامة وقثم ودريد وأيمن فقرأ عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم سورة يس إلى آخرها فبكوا حين سمعوا القرآن وآمنوا وقالوا : ما أشبه هذا بما كان ينزل على عيسى فنزلت فيهم ( لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى ) يعني وفد النجاشي وكانوا أصحاب الصوامع وقال سعيد بن جبير : وأنزل الله فيهم أيضا ( الذين آتيناهم الكتاب من قبله هم به يؤمنون القصص ) إلى قوله ( أولئك يؤتون أجرهم مرتين القصص ) إلى آخر الآية وقال مقاتل والكلبي : كانوا أربعين رجلا من أهل نجران من بني الحرث بن كعب واثنان وثلاثون من الحبشة وثمانية وستون من أهل الشام وقال قتادة : نزلت في ناس من أهل الكتاب كانوا على شريعة من الحق مما جاء به عيسى فلما بعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم آمنوا به فأثنى الله عليهم قوله تعالى : ( ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانا ) واحد ( القسيسين ) قس وقسيس قاله قطرب والقسيس العالم وأصله من قس إذا تتبع الشيء فطلبه قال الراجز : يصبحن عن قس الأذى غوافلا وتقسست أصواتهم بالليل تسمعتها والقس النميمة والقس أيضا رئيس من رؤساء النصارى في الدين والعلم وجمعه قسوس وكذلك القسيس مثل الشر والشرير فالقسيسون هم الذين يتبعون العلماء والعباد ويقال في جمع قسيس مكسرا : قساوسة أبدل من إحدى السينين واوا وقساوسة أيضا كمهالبة والأصل قساسسة فأبدلوا إحدى السينات واوا لكثرتها ولفظ القسيس إما أن يكون عربيا وإما أن يكون بلغة الروم ولكن خلطته العرب بكلامهم فصار من لغتهم إذ ليس في الكتاب ما ليس من لغة العرب كما تقدم وقال أبو بكر الأنباري : حدثنا أبي حدثنا نصر بن داود حدثنا أبو عبيد قال : حدثت عن معاوية بن هشام عن نصير الطائي عن الصلت عن حامية بن رباب قال : قلت لسلمان ( بأن منهم قسيسين ورهبانا ) فقال : دع القسيسين في الصوامع والمحراب أقرأنيها رسول الله صلى الله عليه وسلم ( بأن منهم صديقين ورهبانا ) وقال عروة بن الزبير : ضيعت النصارى الإنجيل وأدخلوا فيه ما ليس منه وكانوا أربعة نفر الذين غيروه لوقاس ومرقوس ويحنس ومقبوس وبقي قسيس على الحق وعلى الإستقامة فمن كان على دينه وهديه فهو قسيس قوله تعالى : ( ورهبانا ) الرهبان جمع راهب كركبان وراكب قال النابغة لو أنها عرضت لأشمط راهب عبد الإله صرورة متعبد لرنا لرؤيتها وحسن حديثها ولخاله رشدا وإن لم يرشد والفعل منه رهب الله يرهبه أي خافه رهبا ورهبا ورهبة والرهبانية والترهب التعبد في صومعة قال أبو عبيد : وقد يكون ( رهبان ) للواحد والجمع قال الفراء : ويجمع ( رهبان ) إذا كان للمفرد رهابنة ورهابين كقربان وقرابين قال جرير في الجمع : رهبان مدين لو رأوك تنزلوا والعصم من شعف العقول الفادر الفادر المسن من الوعول ويقال : العظيم وكذلك الفدور والجمع فدر وفدور وموضعها المفدرة قاله الجوهري وقال آخر في التوحيد : لو أبصرت رهبان دير في الجبل لانحدر الرهبان يسعى ويصل من الصلاة والرهابة على وزن السحابة عظم في الصدر مشرف على البطن مثل اللسان وهذا المدح لمن آمن منهم بمحمد صلى الله عليه وسلم دون من أصر على كفره ولهذا قال : ( وأنهم لا يستكبرون ) أي عن الأنقياد إلى الحق < <
Français Tercümesi (Ehl-i Sünnet)> قوله تعالى : ( لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود ) اللام لام قسم ودخلت النون على قول الخليل وسيبويه فرقا بين الحال والمستقبل ( عداوة ) نصب على البيان وكذا ( ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى ) وهذه الآية نزلت في النجاشي وأصحابه لما قدم عليهم المسلمون في الهجرة الأولى حسب ما هو مشهور في سيرة بن إسحاق وغيره خوفا من المشركين وفتنتهم وكانوا ذوي عدد ثم هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة بعد ذلك فلم يقدروا على الوصول إليه حالت بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم الحرب فلما كانت وقعة بدر وقتل الله فيها صناديد الكفار قال كفار قريش : إن ثأركم بأرض الحبشة فاهدوا إلى النجاشي وابعثوا إليه رجلين من ذوي رأيكم لعله يعطيكم من عنده فتقتلونهم بمن قتل منكم ببدر فبعث كفار قريش عمرو بن العاص وعبد الله بن أبي ربيعة بهدايا فسمع النبي صلى الله عليه وسلم بذلك فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عمرو بن أمية الضمري وكتب معه إلى النجاشي فقدم على النجاشي فقرأ كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم دعا جعفر بن أبي طالب والمهاجرين وأرسل إلى الرهبان والقسيسين فجمعهم ثم أمر جعفر أن يقرأ عليهم القرآن فقرأ سورة مريم فقاموا تفيض أعينهم من الدمع فهم الذين أنزل الله فيهم ( ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى ) وقرأ إلى الشاهدين رواه أبو داود قال : حدثنا محمد بن سلمة المرادي قال حدثنا بن وهب قال أخبرني يونس عن بن شهاب عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحرث بن هشام وعن سعيد بن المسيب وعن عروة بن الزبير أن الهجرة الأولى هجرة المسلمين إلى أرض الحبشة وساق الحديث بطوله وذكر البيهقي عن بن إسحاق قال قدم على النبي صلى الله عليه وسلم عشرون رجلا وهو بمكة أو قريب من ذلك من النصارى حين ظهر خبره من الحبشة فوجدوه في المسجد فكلموه وسألوه ورجال من قريش في أنديتهم حول الكعبة فلما فرغوا من مسألتهم رسول الله صلى الله عليه وسلم عما أرادوا دعاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الله عز وجل وتلا عليهم القرآن فلما سمعوه فاضت أعينهم من الدمع ثم استجابوا له وآمنوا به وصدقوه وعرفوا منه ما كان يوصف لهم في كتابهم من أمره فلما قاموا من عنده اعترضهم أبو جهل في نفر من قريش فقالوا : خيبكم الله من ركب بعثكم من وراءكم من أهل دينكم ترتادون لهم فتأتونهم بخبر الرجل فلم تظهر مجالستكم عنده حتى فارقتم دينكم وصدقتموه بما قال لكم ما نعلم ركبا أحمق منكم أو كما قال لهم فقالوا : سلام عليكم لا نجاهلكم لنا أعمالنا ولكم أعمالكم لا نألوا أنفسنا خيرا فيقال : إن النفر النصارى من أهل نجران ويقال : إن فيهم نزلت هؤلاء الآيات الذين آتيناهم الكتاب من قبله هم به يؤمنون القصص إلى قوله لا نبتغي الجاهلين القصص وقيل : إن جعفرا وأصحابه قدم على النبي صلى الله عليه وسلم في سبعين رجلا عليهم ثياب الصوف فيهم اثنان وستون من الحبشة وثمانية من أهل الشام وهم بحيراء الراهب وإدريس وأشرف وأبرهة وثمامة وقثم ودريد وأيمن فقرأ عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم سورة يس إلى آخرها فبكوا حين سمعوا القرآن وآمنوا وقالوا : ما أشبه هذا بما كان ينزل على عيسى فنزلت فيهم ( لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى ) يعني وفد النجاشي وكانوا أصحاب الصوامع وقال سعيد بن جبير : وأنزل الله فيهم أيضا ( الذين آتيناهم الكتاب من قبله هم به يؤمنون القصص ) إلى قوله ( أولئك يؤتون أجرهم مرتين القصص ) إلى آخر الآية وقال مقاتل والكلبي : كانوا أربعين رجلا من أهل نجران من بني الحرث بن كعب واثنان وثلاثون من الحبشة وثمانية وستون من أهل الشام وقال قتادة : نزلت في ناس من أهل الكتاب كانوا على شريعة من الحق مما جاء به عيسى فلما بعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم آمنوا به فأثنى الله عليهم قوله تعالى : ( ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانا ) واحد ( القسيسين ) قس وقسيس قاله قطرب والقسيس العالم وأصله من قس إذا تتبع الشيء فطلبه قال الراجز : يصبحن عن قس الأذى غوافلا وتقسست أصواتهم بالليل تسمعتها والقس النميمة والقس أيضا رئيس من رؤساء النصارى في الدين والعلم وجمعه قسوس وكذلك القسيس مثل الشر والشرير فالقسيسون هم الذين يتبعون العلماء والعباد ويقال في جمع قسيس مكسرا : قساوسة أبدل من إحدى السينين واوا وقساوسة أيضا كمهالبة والأصل قساسسة فأبدلوا إحدى السينات واوا لكثرتها ولفظ القسيس إما أن يكون عربيا وإما أن يكون بلغة الروم ولكن خلطته العرب بكلامهم فصار من لغتهم إذ ليس في الكتاب ما ليس من لغة العرب كما تقدم وقال أبو بكر الأنباري : حدثنا أبي حدثنا نصر بن داود حدثنا أبو عبيد قال : حدثت عن معاوية بن هشام عن نصير الطائي عن الصلت عن حامية بن رباب قال : قلت لسلمان ( بأن منهم قسيسين ورهبانا ) فقال : دع القسيسين في الصوامع والمحراب أقرأنيها رسول الله صلى الله عليه وسلم ( بأن منهم صديقين ورهبانا ) وقال عروة بن الزبير : ضيعت النصارى الإنجيل وأدخلوا فيه ما ليس منه وكانوا أربعة نفر الذين غيروه لوقاس ومرقوس ويحنس ومقبوس وبقي قسيس على الحق وعلى الإستقامة فمن كان على دينه وهديه فهو قسيس قوله تعالى : ( ورهبانا ) الرهبان جمع راهب كركبان وراكب قال النابغة لو أنها عرضت لأشمط راهب عبد الإله صرورة متعبد لرنا لرؤيتها وحسن حديثها ولخاله رشدا وإن لم يرشد والفعل منه رهب الله يرهبه أي خافه رهبا ورهبا ورهبة والرهبانية والترهب التعبد في صومعة قال أبو عبيد : وقد يكون ( رهبان ) للواحد والجمع قال الفراء : ويجمع ( رهبان ) إذا كان للمفرد رهابنة ورهابين كقربان وقرابين قال جرير في الجمع : رهبان مدين لو رأوك تنزلوا والعصم من شعف العقول الفادر الفادر المسن من الوعول ويقال : العظيم وكذلك الفدور والجمع فدر وفدور وموضعها المفدرة قاله الجوهري وقال آخر في التوحيد : لو أبصرت رهبان دير في الجبل لانحدر الرهبان يسعى ويصل من الصلاة والرهابة على وزن السحابة عظم في الصدر مشرف على البطن مثل اللسان وهذا المدح لمن آمن منهم بمحمد صلى الله عليه وسلم دون من أصر على كفره ولهذا قال : ( وأنهم لا يستكبرون ) أي عن الأنقياد إلى الحق < <
Section V06/P257–V06/P259Kurtubî — el-Câmi' li-Ahkâmi'l-Kur'ân (s. V06/P257–V06/P259)
Orijinal Metin (AR)المائدة : ( 83 ) وإذا سمعوا ما . . . . . > > < > ( المائده 83 ) < > قوله تعالى : ( وإذا ما سمعوا ما أنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع ) أي بالدمع وهو في موضع الحال وكذا يقولون ) وقال امرؤ القيس : ففاضت دموع العين مني صبابة على النحر حتى بل دمعي محملي وخبر مستفيض إذا كثر وانتشر كفيض الماء عن الكثرة وهذه أحوال العلماء يبكون ولا يصعقون ويسألون ولا يصيحون ويتحازنون ولا يتموتون كما قال تعالى : الله نزل أحسن الحديث كتابا متشابها مثاني تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله الزمر وقال : إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وفي الأنفال يأتي بيان هذا المعنى إن شاء الله تعالى وبين الله سبحانه في هذه الآيات أن أشد الكفار تمردا وعتوا وعداوة للمسلمين اليهود ويضاهيهم المشركون وبين أن أقربهم مودة النصارى والله أعلم قوله تعالى : ( فاكتبنا مع الشاهدين ) أي مع أمة محمد صلى الله عليه وسلم الذين يشهدون بالحق من قوله عز وجل : وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس عن بن عباس وبن جريج وقال الحسن : الذين يشهدون بالإيمان وقال أبو علي : الذين يشهدون بتصديق نبيك وكتابك ومعنى ( فاكتبنا ) اجعلنا فيكون بمنزلة ما قد كتب ودون < < المائدة : ( 84 ) وما لنا لا . . . . . > > < > ( المائده 84 ) < > قوله تعالى : ( وما لنا لانؤمن بالله وما جاءنا من الحق ) بين استبصارهم في الدين أي يقولون وما لنا لا نؤمن أي وما لنا تاركين الإيمان ف نؤمن ) في موضع نصب على الحال ( ونطمع أن يدخلنا ربنا مع القوم الصالحين ) أي مع أمة محمد صلى الله عليه وسلم بدليل قوله : أن الأرض يرثها عبادي الصالحون يريد أمة محمد صلى الله عليه وسلم وفي الكلام إضمار أي نطمع أن يدخلنا ربنا الجنة وقيل : ( مع ) بمعنى في كما تذكر في بمعنى ( مع ) تقول : كنت فيمن لقي الأمير أي مع من لقي الأمير والطمع يكون مخففا وغير مخفف يقال : طمع فيه طمعا وطماعة وطماعية مخفف فهو طمع < < المائدة : ( 85 ) فأثابهم الله بما . . . . . > > < > ( المائده 85 : 86 ) < > قوله تعالى : ( فأثابهم الله بما قالوا جنات ) دليل على إخلاص إيمانهم وصدق مقالهم فأجاب الله سؤالهم وحقق طمعهم وهكذا من خلص إيمانه وصدق يقينه يكون ثوابه الجنة ثم قال : ( والذين كفروا ) من اليهود والنصارى ومن المشركين ( وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب الجحيم ) والجحيم النار الشديدة الاتقاد يقال : حجم فلان النار إذا شدد إيقادها ويقال أيضا لعين الأسد : حجمة لشدة اتقادها ويقال ذلك للحرب قال الشاعر : والحرب لا يبقي لجا حمها التخيل والمراح إلا الفتى الصبار في النجدات والفرس الوقاح < < المائدة : ( 87 ) يا أيها الذين . . . . . > > < > ( المائده 87 ) <
Français Tercümesi (Ehl-i Sünnet)المائدة : ( 83 ) وإذا سمعوا ما . . . . . > > < > ( المائده 83 ) < > قوله تعالى : ( وإذا ما سمعوا ما أنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع ) أي بالدمع وهو في موضع الحال وكذا يقولون ) وقال امرؤ القيس : ففاضت دموع العين مني صبابة على النحر حتى بل دمعي محملي وخبر مستفيض إذا كثر وانتشر كفيض الماء عن الكثرة وهذه أحوال العلماء يبكون ولا يصعقون ويسألون ولا يصيحون ويتحازنون ولا يتموتون كما قال تعالى : الله نزل أحسن الحديث كتابا متشابها مثاني تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله الزمر وقال : إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وفي الأنفال يأتي بيان هذا المعنى إن شاء الله تعالى وبين الله سبحانه في هذه الآيات أن أشد الكفار تمردا وعتوا وعداوة للمسلمين اليهود ويضاهيهم المشركون وبين أن أقربهم مودة النصارى والله أعلم قوله تعالى : ( فاكتبنا مع الشاهدين ) أي مع أمة محمد صلى الله عليه وسلم الذين يشهدون بالحق من قوله عز وجل : وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس عن بن عباس وبن جريج وقال الحسن : الذين يشهدون بالإيمان وقال أبو علي : الذين يشهدون بتصديق نبيك وكتابك ومعنى ( فاكتبنا ) اجعلنا فيكون بمنزلة ما قد كتب ودون < < المائدة : ( 84 ) وما لنا لا . . . . . > > < > ( المائده 84 ) < > قوله تعالى : ( وما لنا لانؤمن بالله وما جاءنا من الحق ) بين استبصارهم في الدين أي يقولون وما لنا لا نؤمن أي وما لنا تاركين الإيمان ف نؤمن ) في موضع نصب على الحال ( ونطمع أن يدخلنا ربنا مع القوم الصالحين ) أي مع أمة محمد صلى الله عليه وسلم بدليل قوله : أن الأرض يرثها عبادي الصالحون يريد أمة محمد صلى الله عليه وسلم وفي الكلام إضمار أي نطمع أن يدخلنا ربنا الجنة وقيل : ( مع ) بمعنى في كما تذكر في بمعنى ( مع ) تقول : كنت فيمن لقي الأمير أي مع من لقي الأمير والطمع يكون مخففا وغير مخفف يقال : طمع فيه طمعا وطماعة وطماعية مخفف فهو طمع < < المائدة : ( 85 ) فأثابهم الله بما . . . . . > > < > ( المائده 85 : 86 ) < > قوله تعالى : ( فأثابهم الله بما قالوا جنات ) دليل على إخلاص إيمانهم وصدق مقالهم فأجاب الله سؤالهم وحقق طمعهم وهكذا من خلص إيمانه وصدق يقينه يكون ثوابه الجنة ثم قال : ( والذين كفروا ) من اليهود والنصارى ومن المشركين ( وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب الجحيم ) والجحيم النار الشديدة الاتقاد يقال : حجم فلان النار إذا شدد إيقادها ويقال أيضا لعين الأسد : حجمة لشدة اتقادها ويقال ذلك للحرب قال الشاعر : والحرب لا يبقي لجا حمها التخيل والمراح إلا الفتى الصبار في النجدات والفرس الوقاح < < المائدة : ( 87 ) يا أيها الذين . . . . . > > < > ( المائده 87 ) <
Section V06/P259–V06/P262Kurtubî — el-Câmi' li-Ahkâmi'l-Kur'ân (s. V06/P259–V06/P262)
Orijinal Metin (AR)> قوله تعالى : ( يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم ولا تعتدوا ) فيه خمس مسائل : الأولى أسند الطبري إلى بن عباس أن الآية نزلت بسبب رجل أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله إني إذا أصبت من اللحم انتشرت وأخذتني شهوتي فحرمت اللحم فأنزل الله هذه الآية وقيل : إنها نزلت بسبب جماعة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم أبو بكر وعلي وبن مسعود وعبد الله بن عمر وأبو ذر الغفاري وسالم مولى أبي حذيفة والمقداد بن الأسود وسلمان الفارسي ومعقل بن مقرن رضي الله عنهم اجتمعوا في دار عثمان بن مظعون واتفقوا على أن يصوموا النهار ويقوموا الليل ولا يناموا على الفرش ولا يأكلوا اللحم ولا الودك ولا يقربوا النساء والطيب ويلبسوا المسوح ويرفضوا الدنيا ويسيحوا في الأرض ويترهبوا ويجبوا المذاكير فأنزل الله تعالى هذه الآية والأخبار بهذا المعنى كثيرة وإن لم يكن فيها ذكر النزول وهي الثانية خرج مسلم عن أنس أن نفرا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم سألوا أزواج النبي صلى الله عليه وسلم عن عمله في السر فقال بعضهم : لا أتزوج النساء وقال بعضهم لا آكل اللحم وقال بعضهم : لا أنام على الفراش فحمد الله وأثنى عليه فقال : ( ما بال أقوام قالوا كذا وكذا لكني أصلي وأنام وأصوم وأفطر وأتزوج النساء فمن رغب عن سنتي فليس مني ( وخرجه البخاري عن أنس أيضا ولفظه قال : جاء ثلاثة رهط إلى بيوت أزواج النبي صلى الله عليه وسلم يسألون عن عبادته فلما أخبروا كأنهم تقالوها فقالوا : وأين نحن من النبي صلى الله عليه وسلم قد غفر الله له من ذنبه ما تقدم وما تأخر فقال أحدهم : أما أنا فإني أصلي الليل أبدا وقال آخر : أما أنا فأصوم الدهر ولا أفطر وقال آخر : أما أنا فأعتزل النساء ولا أتزوج أبدا فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : ( أنتم الذين قلتم كذا وكذا أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له لكني أصوم وأفطر وأصلي وأرقد وأتزوج النساء فمن رغب عن سنتي فليس مني ( وخرجا عن سعد بن أبي وقاص قال : أراد عثمان بن مظعون أن يتبتل فنهاه النبي صلى الله عليه وسلم ولو أجاز له ذلك لاختصينا وخرج الإمام أحمد بن حنبل رضي الله عنه في مسنده قال حدثنا أبو المغيرة قال حدثنا معان بن رفاعة قال حدثني علي بن يزيد عن القاسم عن أبي أمامة الباهلي رضي الله عنه قال : خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سرية من سراياه قال : فمر رجل بغار فيه شيء من الماء فحدث نفسه بأن يقيم في ذلك الغار فيقوته ما كان فيه من ماء ويصيب ما حوله من البقل ويتخلى عن الدنيا قال : لو أني أتيت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فذكرت له ذلك فإن أذن لي فعلت وإلا لم أفعل فأتاه فقال : يا نبي الله إني مررت بغار فيه ما يقوتني من الماء والبقل فحدثتني نفسي بأن أقيم فيه وأتخلى عن الدنيا قال : فقال له النبي صلى الله عليه وسلم ( إني لم أبعث باليهودية ولا النصرانية ولكني بعثت بالحنيفية السمحة والذي نفس محمد بيده لغدوة أو روحة في سبيل الله خير من الدنيا وما فيها ولمقام أحدكم في الصف خير من صلاته ستين سنة الثالثة قال علماؤنا رحمة الله عليهم في هذه الآية وما شابهها والأحاديث الواردة في معناها رد على غلاة المتزهدين وعلى أهل البطالة من المتصوفين إذ كل فريق منهم قد عدل عن طريقه وحاد عن تحقيقه قال الطبري : لا يجوز لأحد من المسلمين تحريم شيء مما أحل الله لعباده المؤمنين على نفسه من طيبات المطاعم والملابس والمناكح إذا خاف على نفسه بإحلال ذلك بها بعض العنت والمشقة ولذلك رد النبي صلى الله عليه وسلم التبتل على بن مظعون فثبت أنه لا فضل في ترك شيء مما أحله الله لعباده وأن الفضل والبر إنما هو في فعل ما ندب عباده إليه وعمل به رسول الله صلى الله عليه وسلم وسنه لأمته واتبعه على منهاجه الأئمة الراشدون إذ كان خير الهدي هدي نبينا محمد صلى الله عليه وسلم فإذا كان كذلك تبين خطأ من آثر لباس الشعر والصوف على لباس القطن والكتان إذا قدر على لباس ذلك من حله وآثر أكل الخشن من الطعام وترك اللحم وغيره حذرا من عارض الحاجة إلى النساء قال الطبري : فإن ظن ظان أن الخير في غير الذي قلنا لما في لباس الخشن وأكله من المشقة على النفس وصرف ما فضل بينهما من القيمة إلى أهل الحاجة فقد ظن خطأ وذلك أن الأولى بالإنسان صلاح نفسه وعونه لها على طاعة ربها ولا شيء أضر للجسم من المطاعم الرديئة لأنها مفسدة لعقله ومضعفة لأدواته التي جعلها الله سببا إلى طاعته وقد جاء رجل إلى الحسن البصري فقال : إن لي جارا لا يأكل الفالوذج فقال : ولم قال : يقول لا يؤدي شكره فقال الحسن : أفيشرب الماء البارد فقال : نعم فقال : إن جارك جاهل فإن نعمة الله عليه في الماء البارد أكثر من نعمته عليه في الفالوذج قال بن العربي قال علماؤنا : هذا إذا كان الدين قواما ولم يكن المال حراما فأما إذا فسد الدين عند الناس وعم الحرام فالتبتل أفضل وترك اللذات أولى وإذا وجد الحلال فحال النبي صلى الله عليه وسلم أفضل وأعلى قال المهلب : إنما نهى صلى الله عليه وسلم عن التبتل والترهب من أجل أنه مكاثر بأمته الأمم يوم القيامة وأنه في الدنيا مقاتل بهم طوائف الكفار وفي آخر الزمان يقاتلون الدجال فأراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يكثر النسل الرابعة قوله تعالى : ( ولا تعتدوا ) قيل : المعنى لا تعتدوا فتحلوا ما حرم الله فالنهيان على هذا تضمنا الطرفين أي لا تشددوا فتحرموا حلالا ولا تترخصوا فتحلوا حراما قاله الحسن البصري وقيل : معناه التأكيد لقوله : ( تحرموا ) قاله السدي وعكرمة وغيرهما أي لا تحرموا ما أحل الله وشرع والأول أولى والله أعلم الخامسة من حرم على نفسه طعاما أو شرابا أو أمة له أو شيئا مما أحل الله فلا شيء عليه ولا كفارة في شيء من ذلك عند مالك إلا أنه إن نوى بتحريم الأمة عتقها صارت حرة وحرم عليه وطؤها إلا بنكاح جديد بعد عتقها وكذلك إذا قال لامرأته أنت علي حرام فإنه تطلق عليه ثلاثا وذلك أن الله تعالى قد أباح له أن يحرم امرأته عليه بالطلاق صريحا وكناية وحرام من كنايات الطلاق وسيأتي ما للعلماء فيه في سورة التحريم إن شاء الله تعالى وقال أبو حنيفة : إن من حرم شيئا صار محرما عليه وإذا تناوله لزمته الكفارة وهذا بعيد والآية ترد عليه وقال سعيد بن جبير : لغو اليمين تحريم الحلال وهو معنى قول الشافعي على ما يأتي < <
Français Tercümesi (Ehl-i Sünnet)> قوله تعالى : ( يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم ولا تعتدوا ) فيه خمس مسائل : الأولى أسند الطبري إلى بن عباس أن الآية نزلت بسبب رجل أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله إني إذا أصبت من اللحم انتشرت وأخذتني شهوتي فحرمت اللحم فأنزل الله هذه الآية وقيل : إنها نزلت بسبب جماعة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم أبو بكر وعلي وبن مسعود وعبد الله بن عمر وأبو ذر الغفاري وسالم مولى أبي حذيفة والمقداد بن الأسود وسلمان الفارسي ومعقل بن مقرن رضي الله عنهم اجتمعوا في دار عثمان بن مظعون واتفقوا على أن يصوموا النهار ويقوموا الليل ولا يناموا على الفرش ولا يأكلوا اللحم ولا الودك ولا يقربوا النساء والطيب ويلبسوا المسوح ويرفضوا الدنيا ويسيحوا في الأرض ويترهبوا ويجبوا المذاكير فأنزل الله تعالى هذه الآية والأخبار بهذا المعنى كثيرة وإن لم يكن فيها ذكر النزول وهي الثانية خرج مسلم عن أنس أن نفرا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم سألوا أزواج النبي صلى الله عليه وسلم عن عمله في السر فقال بعضهم : لا أتزوج النساء وقال بعضهم لا آكل اللحم وقال بعضهم : لا أنام على الفراش فحمد الله وأثنى عليه فقال : ( ما بال أقوام قالوا كذا وكذا لكني أصلي وأنام وأصوم وأفطر وأتزوج النساء فمن رغب عن سنتي فليس مني ( وخرجه البخاري عن أنس أيضا ولفظه قال : جاء ثلاثة رهط إلى بيوت أزواج النبي صلى الله عليه وسلم يسألون عن عبادته فلما أخبروا كأنهم تقالوها فقالوا : وأين نحن من النبي صلى الله عليه وسلم قد غفر الله له من ذنبه ما تقدم وما تأخر فقال أحدهم : أما أنا فإني أصلي الليل أبدا وقال آخر : أما أنا فأصوم الدهر ولا أفطر وقال آخر : أما أنا فأعتزل النساء ولا أتزوج أبدا فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : ( أنتم الذين قلتم كذا وكذا أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له لكني أصوم وأفطر وأصلي وأرقد وأتزوج النساء فمن رغب عن سنتي فليس مني ( وخرجا عن سعد بن أبي وقاص قال : أراد عثمان بن مظعون أن يتبتل فنهاه النبي صلى الله عليه وسلم ولو أجاز له ذلك لاختصينا وخرج الإمام أحمد بن حنبل رضي الله عنه في مسنده قال حدثنا أبو المغيرة قال حدثنا معان بن رفاعة قال حدثني علي بن يزيد عن القاسم عن أبي أمامة الباهلي رضي الله عنه قال : خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سرية من سراياه قال : فمر رجل بغار فيه شيء من الماء فحدث نفسه بأن يقيم في ذلك الغار فيقوته ما كان فيه من ماء ويصيب ما حوله من البقل ويتخلى عن الدنيا قال : لو أني أتيت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فذكرت له ذلك فإن أذن لي فعلت وإلا لم أفعل فأتاه فقال : يا نبي الله إني مررت بغار فيه ما يقوتني من الماء والبقل فحدثتني نفسي بأن أقيم فيه وأتخلى عن الدنيا قال : فقال له النبي صلى الله عليه وسلم ( إني لم أبعث باليهودية ولا النصرانية ولكني بعثت بالحنيفية السمحة والذي نفس محمد بيده لغدوة أو روحة في سبيل الله خير من الدنيا وما فيها ولمقام أحدكم في الصف خير من صلاته ستين سنة الثالثة قال علماؤنا رحمة الله عليهم في هذه الآية وما شابهها والأحاديث الواردة في معناها رد على غلاة المتزهدين وعلى أهل البطالة من المتصوفين إذ كل فريق منهم قد عدل عن طريقه وحاد عن تحقيقه قال الطبري : لا يجوز لأحد من المسلمين تحريم شيء مما أحل الله لعباده المؤمنين على نفسه من طيبات المطاعم والملابس والمناكح إذا خاف على نفسه بإحلال ذلك بها بعض العنت والمشقة ولذلك رد النبي صلى الله عليه وسلم التبتل على بن مظعون فثبت أنه لا فضل في ترك شيء مما أحله الله لعباده وأن الفضل والبر إنما هو في فعل ما ندب عباده إليه وعمل به رسول الله صلى الله عليه وسلم وسنه لأمته واتبعه على منهاجه الأئمة الراشدون إذ كان خير الهدي هدي نبينا محمد صلى الله عليه وسلم فإذا كان كذلك تبين خطأ من آثر لباس الشعر والصوف على لباس القطن والكتان إذا قدر على لباس ذلك من حله وآثر أكل الخشن من الطعام وترك اللحم وغيره حذرا من عارض الحاجة إلى النساء قال الطبري : فإن ظن ظان أن الخير في غير الذي قلنا لما في لباس الخشن وأكله من المشقة على النفس وصرف ما فضل بينهما من القيمة إلى أهل الحاجة فقد ظن خطأ وذلك أن الأولى بالإنسان صلاح نفسه وعونه لها على طاعة ربها ولا شيء أضر للجسم من المطاعم الرديئة لأنها مفسدة لعقله ومضعفة لأدواته التي جعلها الله سببا إلى طاعته وقد جاء رجل إلى الحسن البصري فقال : إن لي جارا لا يأكل الفالوذج فقال : ولم قال : يقول لا يؤدي شكره فقال الحسن : أفيشرب الماء البارد فقال : نعم فقال : إن جارك جاهل فإن نعمة الله عليه في الماء البارد أكثر من نعمته عليه في الفالوذج قال بن العربي قال علماؤنا : هذا إذا كان الدين قواما ولم يكن المال حراما فأما إذا فسد الدين عند الناس وعم الحرام فالتبتل أفضل وترك اللذات أولى وإذا وجد الحلال فحال النبي صلى الله عليه وسلم أفضل وأعلى قال المهلب : إنما نهى صلى الله عليه وسلم عن التبتل والترهب من أجل أنه مكاثر بأمته الأمم يوم القيامة وأنه في الدنيا مقاتل بهم طوائف الكفار وفي آخر الزمان يقاتلون الدجال فأراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يكثر النسل الرابعة قوله تعالى : ( ولا تعتدوا ) قيل : المعنى لا تعتدوا فتحلوا ما حرم الله فالنهيان على هذا تضمنا الطرفين أي لا تشددوا فتحرموا حلالا ولا تترخصوا فتحلوا حراما قاله الحسن البصري وقيل : معناه التأكيد لقوله : ( تحرموا ) قاله السدي وعكرمة وغيرهما أي لا تحرموا ما أحل الله وشرع والأول أولى والله أعلم الخامسة من حرم على نفسه طعاما أو شرابا أو أمة له أو شيئا مما أحل الله فلا شيء عليه ولا كفارة في شيء من ذلك عند مالك إلا أنه إن نوى بتحريم الأمة عتقها صارت حرة وحرم عليه وطؤها إلا بنكاح جديد بعد عتقها وكذلك إذا قال لامرأته أنت علي حرام فإنه تطلق عليه ثلاثا وذلك أن الله تعالى قد أباح له أن يحرم امرأته عليه بالطلاق صريحا وكناية وحرام من كنايات الطلاق وسيأتي ما للعلماء فيه في سورة التحريم إن شاء الله تعالى وقال أبو حنيفة : إن من حرم شيئا صار محرما عليه وإذا تناوله لزمته الكفارة وهذا بعيد والآية ترد عليه وقال سعيد بن جبير : لغو اليمين تحريم الحلال وهو معنى قول الشافعي على ما يأتي < <
Section V06/P262–V06/P263Kurtubî — el-Câmi' li-Ahkâmi'l-Kur'ân (s. V06/P262–V06/P263)
Orijinal Metin (AR)المائدة : ( 88 ) وكلوا مما رزقكم . . . . . > > < > ( المائده 88 ) < > قوله تعالى : ( وكلوا مما رزقكم الله حلالا طيبا ) فيه مسألة واحدة : الأكل في هذه الآية عبارة عن التمتع بالأكل والشرب واللباس والركوب ونحو ذلك وخص الأكل بالذكر لأنه أعظم المقصود وأخص الانتفاعات بالإنسان وسيأتي بيان حكم الأكل والشرب واللباس في الأعراف إن شاء الله تعالى وأما شهوة الأشياء الملذة ومنازعة النفس إلى طلب الأنواع الشهية فمذاهب الناس في تمكين النفس منها مختلفة فمنهم من يرى صرف النفس عنها وقهرها عن اتباع شهواتها أحرى ليذل له قيادها ويهون عليه عنادها فإنه إذا أعطاها المراد يصير أسير شهواتها ومنقادا بانقيادها حكي أن أبا حازم كان يمر على الفاكهة فيشتهيها فيقول : موعدك الجنة وقال آخرون : تمكين النفس من لذاتها أولى لما فيه من ارتياحها ونشاطها بإدراك إرادتها وقال آخرون : بل التوسط في ذلك أولى لأن في إعطائها ذلك مرة ومنعها أخرى جمع بين الأمرين وذلك النصف من غير شين وتقدم معنى الاعتداء والرزق في البقرة والحمد لله < < المائدة : ( 89 ) لا يؤاخذكم الله . . . . . > > < > ( المائده 89 ) <
Français Tercümesi (Ehl-i Sünnet)المائدة : ( 88 ) وكلوا مما رزقكم . . . . . > > < > ( المائده 88 ) < > قوله تعالى : ( وكلوا مما رزقكم الله حلالا طيبا ) فيه مسألة واحدة : الأكل في هذه الآية عبارة عن التمتع بالأكل والشرب واللباس والركوب ونحو ذلك وخص الأكل بالذكر لأنه أعظم المقصود وأخص الانتفاعات بالإنسان وسيأتي بيان حكم الأكل والشرب واللباس في الأعراف إن شاء الله تعالى وأما شهوة الأشياء الملذة ومنازعة النفس إلى طلب الأنواع الشهية فمذاهب الناس في تمكين النفس منها مختلفة فمنهم من يرى صرف النفس عنها وقهرها عن اتباع شهواتها أحرى ليذل له قيادها ويهون عليه عنادها فإنه إذا أعطاها المراد يصير أسير شهواتها ومنقادا بانقيادها حكي أن أبا حازم كان يمر على الفاكهة فيشتهيها فيقول : موعدك الجنة وقال آخرون : تمكين النفس من لذاتها أولى لما فيه من ارتياحها ونشاطها بإدراك إرادتها وقال آخرون : بل التوسط في ذلك أولى لأن في إعطائها ذلك مرة ومنعها أخرى جمع بين الأمرين وذلك النصف من غير شين وتقدم معنى الاعتداء والرزق في البقرة والحمد لله < < المائدة : ( 89 ) لا يؤاخذكم الله . . . . . > > < > ( المائده 89 ) <
Section V06/P263–V06/P284Kurtubî — el-Câmi' li-Ahkâmi'l-Kur'ân (s. V06/P263–V06/P284)
Orijinal Metin (AR)> فيه سبع وأربعون مسألة : الأولى قوله تعالى : ( لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ) تقدم معنى اللغو في البقرة ومعنى ( في أيمانكم ) أي من أيمانكم والأيمان جمع يمين وقيل : ويمين فعيل من اليمن وهو البركة سماها الله تعالى بذلك لأنها تحفظ الحقوق ويمين تذكر وتؤنث وتجمع أيمان وأيمن قال زهير : فتجمع أيمن منا ومنكم الثانية واختلف في سبب نزول هذه الآية فقال بن عباس : سبب نزولها القوم الذين حرموا طيبات المطاعم والملابس والمناكح على أنفسهم حلفوا على ذلك فلما نزلت لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم قالوا : كيف نصنع بأيماننا فنزلت هذه الآية والمعنى على هذا القول إذا أتيتم باليمين ثم ألغيتموها أي أسقطتم حكمها بالتكفير وكفرتم فلا يؤاخذكم الله بذلك وإنما يؤاخذكم بما أقمتم عليه فلم تلغوه أي فلم تكفروا فبان بهذا أن الحلف لا يحرم شيئا وهو دليل الشافعي على أن اليمين لا يتعلق بها تحريم الحلال وأن تحريم الحلال لغو كما أن تحليل الحرام لغو مثل قول القائل : استحللت شرب الخمر فتقتضي الآية على هذا القول أن الله تعالى جعل تحريم الحلال لغوا في أنه لا يحرم فقال : ( لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ) أي بتحريم الحلال وروي أن عبد الله بن رواحة كان له أيتام وضيف فانقلب من شغله بعد ساعة من الليل فقال : أعشيتم ضيفي فقالوا : انتظرناك فقال : لا والله لا آكله الليلة فقال ضيفه : وما أنا بالذي يأكل وقال أيتامه : ونحن لا نأكل فلما رأى ذلك أكل وأكلوا ثم أتى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره فقال له : ( أطعت الرحمن وعصيت الشيطان ( فنزلت الآية الثالثة الأيمان في الشريعة على أربعة أقسام : قسمان فيهما الكفارة وقسمان لا كفارة فيهما خرج الدارقطني في سننه حدثنا عبد الله بن محمد بن عبد العزيز حدثنا خلف بن هشام حدثنا عبثر عن ليث عن حماد عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله قال : ألايمان أربعة يمينان يكفران ويمينان لا يكفران فاليمينان اللذان يكفران فالرجل الذي يحلف والله لا أفعل كذا وكذا فيفعل والرجل يقول والله لأفعلن كذا وكذا فلا يفعل واليمينان اللذان لا يكفران فالرجل يحلف والله ما فعلت كذا وكذا وقد فعل والرجل يحلف لقد فعلت كذا وكذا ولم يفعله قال بن عبد البر : وذكر سفيان الثوري في جامعه وذكره المروزي عنه أيضا قال سفيان : الأيمان أربعة يمينان يكفران وهو أن يقول الرجل والله لا أفعل فيفعل أو يقول والله لأفعلن ثم لا يفعل ويمينان لا يكفران وهو أن يقول الرجل والله ما فعلت وقد فعل أو يقول والله لقد فعلت وما فعل قال المروزي : أما اليمينان الأوليان فلا اختلاف فيهما بين العلماء على ما قال سفيان وأما اليمينان الأخريان فقد اختلف أهل العلم فيهما فإن كان الحالف حلف على أنه لم يفعل كذا وكذا أو أنه قد فعل كذا وكذا عند نفسه صادقا يرى أنه على ما حلف عليه فلا إثم عليه ولا كفارة عليه في قول مالك وسفيان الثوري وأصحاب الرأي وكذلك قال أحمد وأبو عبيد وقال الشافعي لا إثم عليه وعليه الكفارة قال المروزي : وليس قول الشافعي في هذا بالقوي قال : وإن كان الحالف على أنه لم يفعل كذا وكذا وقد فعل متعمدا للكذب فهو آثم ولا كفارة عليه في قول عامة العلماء مالك وسفيان الثوري وأصحاب الرأي وأحمد بن حنبل وأبي ثور وأبي عبيد وكان الشافعي يقول يكفر قال : وقد روي عن بعض التابعين مثل قول الشافعي قال المروزي : أميل إلى قول مالك وأحمد قال : فأما يمين اللغو الذي اتفق عامة العلماء على أنها لغو فهو قول الرجل : لا والله وبلى والله في حديثه وكلامه غير منعقد لليمين ولا مريدها قال الشافعي : وذلك عند اللجاج والغضب والعجلة الرابعة قوله تعالى : ( ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان ) مخفف القاف من العقد والعقد على ضربين حسي كعقد الحبل وحكمي كعقد البيع قال الشاعر : قوم إذا عقدوا عقدا لجارهم شدوا العناج وشدوا فوقه الكربا فاليمين المنعقدة منفعلة من العقد وهي عقد القلب في المستقبل ألا يفعل ففعل أو ليفعلن فلا يفعل كما تقدم فهذه التي يحلها الاستثناء والكفارة على ما يأتي وقريء ( عاقدتم ) بألف بعد العين على وزن فاعل وذلك لا يكون إلا من اثنين في الأكثر وقد يكون الثاني من حلف لأجله في كلام وقع معه أو يكون المعنى بما عاقدتم عليه الأيمان لأن عاقد قريب من معنى عاهد فعدى بحرف الجر لما كان في معنى عاهد وعاهد يتعدى إلى مفعولين الثاني منهما بحرف جر قال الله تعالى : ومن أوفى بما عاهد عليه الله الفتح وهذا كما عديت ناديتم إلى الصلاة بإلى وبابها أن تقول ناديت زيدا وناديناه من جانب الطور الأيمن مريم لكن لما كانت بمعنى دعوت عدي بإلى قال الله تعالى : ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله فصلت ثم اتسع في قوله تعالى : ( عاقدتم عليه الأيمان ) فحذف حرف الجر فوصل الفعل إلى المفعول فصار عاقدتموه ثم حذفت الهاء كما حذفت من قوله تعالى : فاصدع بما تؤمر الحجر أو يكون فاعل بمعنى فعل كما قال تعالى : قاتلهم الله أي قتلهم وقد تأتي المفاعلة في كلام العرب من واحد بغير معنى ( فاعلت ) كقولهم : سافرت وظاهرت وقرئ ( عقدتم ) بتشديد القاف قال مجاهد : معناه تعمدتم أي قصدتم وروي عن بن عمر أن التشديد يقتضي التكرار فلا تجب عليه الكفارة إلا إذا كرر وهذا يرده ما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( إني والله إن شاء الله لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيرا منها إلا أتيت الذي هو خير وكفرت عن يميني ( فذكر وجوب الكفارة في اليمين التي لم تتكرر قال أبو عبيد : التشديد يقتضي التكرير مرة بعد مرة ولست آمن أن يلزم من قرأ بتلك القراءة ألا توجب عليه كفارة في اليمين الواحدة حتى يرددها مرارا وهذا قول خلاف الإجماع روى نافع أن بن عمر كان إذا حنث من غير أن يؤكد اليمين أطعم عشرة مساكين فإذا وكد اليمين أعتق رقبة قيل لنافع : ما معنى وكد اليمين قال : أن يحلف على الشيء مرارا الخامسة اختلف في اليمين الغموس هل هي يمين منعقدة أم لا فالذي عليه الجمهور أنها يمين مكر وخديعة وكذب فلا تنعقد ولا كفارة فيها وقال الشافعي : هي يمين منعقدة لأنها مكتسبة بالقلب معقودة بخبر مقرونة باسم الله تعالى وفيها الكفارة والصحيح الأول قال بن المنذر : وهذا قول مالك بن أنس ومن تبعه من أهل المدينة وبه قال الأوزاعي ومن وافقه من أهل الشام وهو قول الثوري وأهل العراق وبه قال أحمد وإسحاق وأبو ثور وأبو عبيد وأصحاب الحديث وأصحاب الرأي من أهل الكوفة قال أبو بكر : وقول النبي صلى الله عليه وسلم : ( من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها فليأت الذي هو خير وليكفر عن يمينه ( وقوله : ( فليكفر عن يمينه ويأتي الذي هو خير ( يدل على أن الكفارة إنما تجب فيمن حلف على فعل يفعله مما يستقبل فلا يفعله أو على فعل ألا يفعله فيما يستقبل فيفعله وفي المسألة قول ثان وهو أن يكفر وإن أثم وعمد الحلف بالله كاذبا هذا قول الشافعي قال أبو بكر : ولا نعلم خبرا يدل على هذا القول والكتاب والسنة دالان على القول الأول قال الله تعالى : ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم أن تبروا وتتقوا وتصلحوا بين الناس قال بن عباس : هو الرجل يحلف ألا يصل قرابته فجعل الله له مخرجا في التكفير وأمره ألا يعتل بالله وليكفر عن يمينه والأخبار دالة على أن اليمين التي يحلف بها الرجل يقتطع بها مالا حراما هي أعظم من أن يكفرها ما يكفر اليمين قال بن العربي : الآية وردت بقسمين : لغو ومنعقدة وخرجت على الغالب في أيمان الناس فدع ما بعدها يكون مائة قسم فإنه لم تعلق عليه كفارة قلت : خرج البخاري عن عبد الله بن عمرو قال : جاء أعرابي إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله ما الكبائر قال : ( الإشراك بالله ( قال : ثم ماذا قال : ( عقوق الوالدين ( قال : ثم ماذا قال : ( اليمين الغموس ( قلت وما اليمين الغموس قال : ( التي يقتطع بها مال امريء مسلم هو فيها كاذب ( وخرج مسلم عن أبي أمامة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( من اقتطع حق امريء مسلم بيمينه فقد أوجب الله له النار وحرم عليه الجنة ( فقال رجل : وإن كان شيئا يسيرا يا رسول الله قال : ( وإن كان قضيبا من أراك ( ومن حديث عبد الله بن مسعود فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( من حلف على يمين صبر يقتطع بها مال امريء مسلم هو فيها فاجر لقي الله وهو عليه غضبان ( فنزلت إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلا إلى آخر الآية ولم يذكر كفارة فلو أوجبنا عليه كفارة لسقط جرمه ولقي الله وهو عنه راض ولم يستحق الوعيد المتوعد عليه وكيف لا يكون ذلك وقد جمع هذا الحالف الكذب واستحلال مال الغير والاستخفاف باليمين بالله تعالى والتهاون بها وتعظيم الدنيا فأهان ما عظمه الله وعظم ما حقره الله وحسبك ولهذا قيل : إنما سميت اليمين الغموس غموسا لأنها تغمس صاحبها في النار السادسة الحالف بألا يفعل على بر ما لم يفعل فإن فعل حنث ولزمته الكفارة لوجود المخالفة منه وكذلك إذا قال إن فعلت وإذا حلف بأن ليفعلن فإنه في الحال على حنث لوجود المخالفة فإن فعل بر وكذلك إن قال إن لم أفعل السابعة قول الحالف : لأفعلن وإن لم أفعل بمنزلة الأمر وقوله : لا أفعل وإن فعلت بمنزلة النهي ففي الأول لا يبر حتى يفعل جميع المحلوف عليه : مثاله لآكلن هذا الرغيف فأكل بعضه لا يبر حتى يأكل جميعه : لأن كل جزء منه محلوف عليه فإن قال : والله لآكلن مطلقا فإنه يبر بأقل جزء مما يقع عليه الاسم لإدخال ماهية الأكل في الوجود وأما في النهي فإنه يحنث بأقل ما ينطلق عليه الاسم لأن مقتضاه ألا يدخل فرد من أفراد المنهي عنه في الوجود فإن حلف ألا يدخل دارا فأدخل إحدى رجليه حنث والدليل عليه أنا وجدنا الشارع غلظ جهة التحريم بأول الاسم في قوله تعالى : ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم فمن عقد على امرأة ولم يدخل بها حرمت على أبيه وابنه ولم يكتف في جهة التحليل بأول الاسم فقال : ( لا حتى تذوقي عسيلته ( الثامنة المحلوف به هو الله سبحانه وأسماؤه الحسنى كالرحمن والرحيم والسميع والعليم والحليم ونحو ذلك من أسمائه وصفاته العليا كعزته وقدرته وعلمه وإرادته وكبريائه وعظمته وعهده وميثاقه وسائر صفات ذاته لأنها يمين بقديم غير مخلوق فكان الحالف بها كالحالف بالذات روى الترمذي والنسائي وغيرهما أن جبريل عليه السلام لما نظر إلى الجنة ورجع إلى الله تعالى قال : وعزتك لا يسمع بها أحد إلا دخلها وكذلك قال في النار : وعزتك لا يسمع بها أحد فيدخلها وخرجا أيضا وغيرهما عن بن عمر قال : كانت يمين النبي صلى الله عليه وسلم ( لا ومقلب القلوب ( وفي رواية ( لا ومصرف القلوب ( وأجمع أهل العلم على أن من حلف فقال : والله أو بالله أو تالله فحنث أن عليه الكفارة قال بن المنذر : وكان مالك والشافعي وأبو عبيد وأبو ثور وإسحاق وأصحاب الرأي يقولون : من حلف باسم من أسماء الله وحنث فعليه الكفارة وبه نقول ولا أعلم في ذلك خلافا قلت : قد نقل في باب ذكر الحلف بالقرآن وقال يعقوب : من حلف بالرحمن فحنث فلا كفارة عليه قلت : والرحمن من أسمائه سبحانه مجمع عليه ولا خلاف فيه التاسعة واختلفوا في وحق الله وعظمة الله وقدرة الله وعلم الله ولعمر الله وايم الله فقال مالك : كلها أيمان تجب فيها الكفارة وقال الشافعي : في وحق الله وجلال الله وعظمة الله وقدرة الله يمين إن نوى بها اليمين وإن لم يرد اليمين فليست بيمين لأنه يحتمل وحق الله واجب وقدرته ماضية وقال في أمانة الله : ليست بيمين ولعمر الله وأيم الله إن لم يرد بها اليمين فليست بيمين وقال أصحاب الرأي إذا قال : وعظمة الله وعزة الله وجلال الله وكبرياء الله وأمانة الله فحنث فعليه الكفارة وقال الحسن في وحق الله : ليست بيمين ولا كفارة فيها وهو قول أبي حنيفة حكاه عنه الرازي وكذلك عهد الله وميثاقه وأمانته ليست بيمين وقال بعض أصحابه : هي يمين وقال الطحاوي : ليست بيمين وكذا إذا قال : وعلم الله لم يكن يمينا في قول أبي حنيفة وخالفه صاحبه أبو يوسف فقال : يكون يمينا قال بن العربي : والذي أوقعه في ذلك أن العلم قد ينطلق على المعلوم وهو المحدث فلا يكون يمينا وذهل عن أن القدرة تنطلق على المقدور فكل كلام له في المقدور فهو حجتنا في المعلوم قال بن المنذر : وثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( وأيم الله أن كان لخليقا للإمارة ( في قصة زيد وابنه أسامة وكان بن عباس يقول : وأيم الله وكذلك قال بن عمر وقال إسحاق : إذا أراد بأيم الله يمينا كانت يمينا بالأرادة وعقد القلب العاشرة واحتلفوا في الحلف بالقرآن فقال بن مسعود : عليه بكل آية يمين وبه قال الحسن البصري وبن المبارك وقال أحمد : ما أعلم شيئا يدفعه وقال أبو عبيد : يكون يمينا واحدة وقال أبو حنيفة : لا كفارة عليه وكان قتادة : يحلف بالمصحف وقال أحمد وإسحاق لا نكره ذلك الحادية عشرة لاتنعقد اليمين بغير الله تعالى وأسمائه وصفاته وقال أحمد بن حنبل : إذا حلف بالنبي صلى الله عليه وسلم انعقدت يمينه لأنه حلف بما لا يتم الإيمان إلا به فتلزمه الكفارة كما لو حلف بالله وهذا يرده ما ثبت في الصحيحين وغيرهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه أدرك عمر بن الخطاب في ركب وعمر يحلف بأبيه فناداهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ( إلا أن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم فمن كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت ( وهذا حصر في عدم الحلف بكل شيء سوى الله تعالى وأسمائه وصفاته كما ذكرنا ومما يحقق ذلك ما رواه أبو داود والنسائي وغيرهما عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لا تحلفوا بآبائكم ولا بأمهاتكم ولا بالأنداد ولا تحلفوا إلا بالله ولا تحلفوا بالله إلا وأنتم صادقون ( ثم ينتقض عليه بمن قال : وآدم وإبراهيم فإنه لا كفارة عليه وقد حلف بما لا يتم الإيمان إلا به الثانية عشرة روى الأئمة واللفظ لمسلم عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( من حلف منكم فقال في حلفه باللات فليقل لا إله إلا الله ومن قال لصاحبه تعال أقامرك فليتصدق ( وخرج النسائي عن مصعب بن سعد عن أبيه قال : كنا نذكر بعض الأمر وأنا حديث عهد بالجاهلية فحلفت باللات والعزى فقال لي بعض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بئس ما قلت : وفي رواية قلت هجرا فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرت ذلك له فقال : ( قل لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير وأنفث عن يسارك ثلاثا وتعوذ بالله من الشيطان ثم لا تعد ( قال العلماء : فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم من نطق بذلك أن يقول بعده لا إله إلا الله تكفيرا لتلك اللفظة وتذكيرا من الغفلة وإتماما للنعمة وخص اللات بالذكر لأنها أكثر ما كانت تجري على ألسنتهم وحكم غيرها من أسماء آلهتهم حكمها إذ لا فرق بينها وكذا من قال لصاحبه : تعال أقامرك فليتصدق فالقول فيه كالقول في اللات لأنهم كانوا اعتادوا المقامرة وهي من أكل المال بالباطل الثالثة عشرة قال أبو حنيفة في الرجل يقول : هو يهودي أو نصراني أو بريء من الإسلام أو من النبي أو من القرآن أو أشرك بالله أو أكفر بالله : إنها يمين تلزم فيها الكفارة ولا تلزم فيما إذا قال : واليهودية والنصرانية والنبي والكعبة وإن كانت على صيغة الإيمان ومتمسكة ما رواه الدارقطني عن أبي رافع أن مولاته أرادت أن تفرق بينه وبين امرأته فقالت : هي يوما يهودية ويوما نصرانية وكل مملوك لها حر وكل مال لها في سبيل الله وعليها مشى إلى بيت الله إن لم تفرق بينهما فسألت عائشة وحفصة وبن عمر وبن عباس وأم سلمة فكلهم قال لها : أتريدين أن تكوني مثل هاروت وماروت وأمروها أن تكفر عن يمينها وتخلي بينهما وخرج أيضا عنه قال : قالت مولاتي لأفرقن بينك وبين امرأتك وكل مال لها في رتاج الكعبة وهي يوما يهودية ويوما نصرانية ويوما مجوسية إن لم أفرق بينك وبين امرأتك قال : فانطلقت إلى أم المؤمنين أم سلمة فقلت : إن مولاتي تريد أن تفرق بيني وبين امرأتي فقالت انطلق إلى مولاتك فقل لها : إن هذا لا يحل لك قال : فرجعت إليها قال ثم أتيت بن عمر فأخبرته فجاء حتى انتهى إلى الباب فقال : ها هنا هاروت وماروت فقالت : إني جعلت كل مال لي في رتاج الكعبة قال : فمم تأكلين قالت : وقلت أنا يوما يهودية ويوما نصرانية ويوما مجوسية فقال : إن تهودت قتلت وإن تنصرت قتلت وأن تمجست قتلت قالت : فما تأمرني قال : تكفرين عن يمينك وتجمعين بين فتاك وفتاتك وأجمع العلماء على أن الحالف إذا قال : أقسم بالله أنها يمين واختلفوا إذا قال أقسم أو أشهد ليكونن كذا وكذا ولم يقل بالله فإنها تكون أيمانا عند مالك إذا أراد بالله وإن لم يرد بالله لم تكن أيمانا تكفر وقال أبو حنيفة والأوزاعي والحسن والنخعي : هي أيمان في الموضعين وقال الشافعي : لا تكون أيمانا حتى يذكر اسم الله تعالى هذه رواية المزنى عنه وروى عنه الربيع مثل قول مالك الرابعة عشرة إذا قال : أقسمت عليك لتفعلن فإن أراد سؤاله فلا كفارة فيه وليست بيمين وإن أراد اليمين كان ما ذكرناه آنفا الخامسة عشرة من حلف بما يضاف إلى الله تعالى مما ليس بصفة كقوله : وخلق الله ورزقه وبيته لا شيء عليه لأنها أيمان غير جائزة وحلف بغير الله تعالى السادسة عشرة إذا انعقدت اليمين حلتها الكفارة أو الاستثناء وقال بن الماجشون : الاستثناء بدل عن الكفارة وليست حلا لليمين قال بن القاسم : هي حل لليمين وقال بن العربي : وهو مذهب فقهاء الأمصار وهو الصحيح وشرطه أن يكون متصلا منطوقا به لفظا لما رواه النسائي وأبو داود عن بن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( من حلف فاستثنى فإن شاء مضى وإن شاء ترك عن غير حنث ( فإن نواه من غير نطق أو قطعه من غير عذر لم ينفعه وقال محمد بن المؤاز : يكون الاستثناء مقترنا باليمين اعتقادا ولو بآخر حرف قال : فإن فرغ منها واستثنى لم ينفعه ذلك لأن اليمين فرغت عارية من الاستثناء فورودها بعده لا يؤثر كالتراخي وهذا يرده الحديث ( من حلف فاستثنى والفاء للتعقيب وعليه جمهور أهل العلم وأيضا فإن ذلك يؤدي إلى ألا تنحل يمين ابتديء عقدها وذلك باطل وقال بن خويز منداد : واختلف أصحابنا متى استثنى في نفسه تخصيص ما حلف عليه فقال بعض أصحابنا : يصح استثناؤه وقد ظلم المحلوف له وقال بعضهم : لا يصح حتى يسمع المحلوف له وقال بعضهم : يصح إذا حرك به لسانه وشفتيه وإن لم يسمع المحلوف له قال بن خويز منداد وإنما قلنا يصح استثناؤه في نفسه فلأن الأيمان تعتبر بالنيات وإنما قلنا لا يصح ذلك حتى يحرك به لسانه وشفتيه فإن من لم يحرك به لسانه وشفتيه لم يكن متكلما والاستثناء من الكلام يقع بالكلام دون غيره وإنما قلنا لا يصح بحال فلأن ذلك حق للمحلوف له وإنما يقع على حسب ما يستوفيه له الحاكم فلما لم تكن اليمين على اختيار الحالف بل كانت مستوفاة منه وجب ألا يكون له فيها حكم وقال بن عباس : يدرك الاستثناء اليمين بعد سنة وتابعه على ذلك أبو العالية والحسن وتعلق بقوله تعالى : والذين لا يدعون مع الله إلها آخر الفرقان الآية فلما كان بعد عام نزل ( إلا من تاب مريم ) وقال مجاهد : من قال بعد سنتين إن شاء الله أجزأه وقال سعيد بن جبير : إن استثنى بعد أربعة أشهر أجزأه وقال طاوس له أن يستثني ما دام في مجلسه وقال قتادة : إن استثنى قبل أن يقوم أو يتكلم فله ثنياه وقال أحمد بن حنبل وإسحاق : يستثنى ما دام في ذلك الأمر وقال عطاء : له ذلك قدر حلب الناقة الغزيرة السابعة عشرة قال بن العربي : أما ما تعلق به بن عباس من الآية فلا متعلق له فيها لأن الآيتين كانتا متصلتين في علم الله تعالى وفي لوحه وإنما تأخر نزولها لحكمة علم الله ذلك فيها أما أنه يتركب عليها فرع حسن وهو أن الحالف إذا قال والله لا دخلت الدار وأنت طالق إن دخلت الدار واستثنى في يمينه الأول إن شاء الله في قلبه واستثنى في اليمين الثانية في قلبه أيضا ما يصلح للاستثناء الذي يرفع اليمين لمدة أو سبب أو مشيئة أحد ولم يظهر شيئا من الاستثناء إرهابا على المحلوف له فإن ذلك ينفعه ولا تنعقد اليمينان عليه وهذا في الطلاق ما لم تحضره البينة فإن حضرته بينة لم تقبل منه دعواه الاستثناء وإنما يكون ذلك نافعا له إذا جاء مستفتيا قلت : وجه الاستثناء أن الله تعالى أظهر الآية الأولى وأخفى الثانية فكذلك الحالف إذا حلف إرهابا وأخفى الاستثناء والله أعلم قال بن العربي : وكان أبو الفضل المراغي يقرأ بمدينة السلام وكانت الكتب تأتي إليه من بلده فيضعها في صندوق ولا يقرأ منها واحدا مخافة أن يطلع فيها على ما يزعجه ويقطع به عن طلبه فلما كان بعد خمسة أعوام وقضى غرضا من الطلب وعزم على الرحيل شد رحله وأبرز كتبه وأخرج تلك الرسائل فقرأ فيها ما لو أن واحدا منها يقرؤه بعد وصوله ما تمكن بعده من تحصيل حرف من العلم فحمد الله ورحل على دابة قماشه وخرج إلى باب الحلبة طريق خراسان وتقدمه الكري بالدابة وأقام هو على فامي يبتاع منه سفرته فبينما هو يحاول ذلك معه إذ سمعه يقول لفامي آخر : أما سمعت العالم يقول يعني الواعظ أن بن عباس يجوز الاستثناء ولو بعد سنة لقد اشتغل بذلك بالي منذ سمعته فظللت فيه متفكرا ولو كان ذلك صحيحا لما قال الله تعالى لأيوب : وخذ بيدك ضغثا فاضرب به ولا تحنث ص وما الذي يمنعه من أن يقول : قل إن شاء الله فلما سمعه يقول ذلك قال : بلد يكون فيه الفاميون بهذا الحظ من العلم وهذه المرتبة أخرج عنه إلى المراغة لا أفعله أبدا واقتفى أثر الكري وحلله من الكراء وأقام بها حتى مات الثامنة عشرة الاستثناء إنما يرفع اليمين بالله تعالى إذ هي رخصة من الله تعالى ولا خلاف في هذا واختلفوا في الاستثناء في اليمين بغير الله فقال الشافعي وأبو حنيفة : الاستثناء يقع في كل يمين كالطلاق والعتاق وغير ذلك كاليمين بالله تعالى قال أبو عمر : ما أجمعوا عليه فهو الحق وإنما ورد التوقيف بالاستثناء في اليمين بالله عز وجل لا في غير ذلك التاسعة عشرة قوله تعالى : ( فكفارته ) اختلف العلماء في تقديم الكفارة على الحنث هل تجزئ أم لا بعد اجماعهم على أن الحنث قبل الكفارة مباح حسن وهو عندهم اولى على ثلاثة أقوال : أحدها يجزئ مطلقا وهو مذهب أربعة عشر من الصحابة وجمهور الفقهاء وهو مشهور مذهب مالك وقال أبو حنيفة وأصحابه : لا يجزئ بوجه وهي رواية أشهب عن مالك وجه الجواز ما رواه أبو موسى الأشعري قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( وإني والله إن شاء الله لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيرا منها إلا كفرت عن يميني وأتيت الذي هو خير ( خرجه أبو داود ومن جهة المعنى أن اليمين سبب الكفارة لقوله تعالى : ( ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم ) فأضاف الكفارة إلى اليمين والمعاني تضاف إلى أسبابها وأيضا فإن الكفارة بدل عن البر فيجوز تقديمها قبل الحنث ووجه المنع ما رواه مسلم عن عدي بن حاتم قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( من حلف على يمين ثم رأى غيرها خيرا منها فليأت الذي هو خير ( زاد النسائي ( وليكفر عن يمينه ( ومن جهة المعنى أن الكفارة إنما هي لرفع الإثم وما لم يحنث لم يكن هناك ما يرفع فلا معنى لفعلها وكان معنى قوله تعالى : ( إذا حلفتم ) أي إذا حلفتم وحنثتم وأيضا فإن كل عبادة فعلت قبل وجوبها لم تصح اعتبارا بالصلوات وسائر العبادات وقال الشافعي : تجزئ بالإطعام والعتق والكسوة ولا تجزئ بالصوم لأن عمل البدن لا يقدم قبل وقته ويجزئ في غير ذلك تقديم الكفارة وهو القول الثالث الموفية عشرين ذكر الله سبحانه في الكفارة الخلال الثلاث فخير فيها وعقب عند عدمها بالصيام وبدأ بالطعام لأنه كان الأفضل في بلاد الحجاز لغلبة الحاجة إليه وعدم شبعهم ولا خلاف في أن كفارة اليمين على التخيير قال بن العربي : والذي عندي أنها تكون بحسب الحال فإن علمت محتاجا فالطعام أفضل لأنك إذا أعتقت لم تدفع حاجتهم وزدت محتاجا حادي عشر إليهم وكذلك الكسوة تليه ولما علم الله الحاجة بدأ بالمقدم المهم الحادية والعشرون قوله تعالى : ( إطعام عشرة مساكين ) لابد عندنا وعند الشافعي من تمليك المساكين ما يخرج لهم ودفعه إليهم حتى يتملكوه ويتصرفوا فيه لقوله تعالى : وهو يطعم ولا يطعم وفي الحديث : أطعم رسول الله صلى الله عليه وسلم الجد السدس ولأنه أحد نوعي الكفارة فلم يجز فيها إلا التمليك أصله الكسوة وقال أبو حنيفة : لو غداهم وعشاهم جاز وهو اختيار بن الماجشون من علمائنا قال بن الماجشون : إن التمكين من الطعام إطعام قال الله تعالى : ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا الإنسان فبأي وجه أطعمه دخل في الآية الثانية والعشرون قوله تعالى : ( من أوسط ما تطعمون أهليكم ) قد تقدم في البقرة أن الوسط بمعنى الأعلى والخيار وهو هنا منزلة بين منزلتين ونصفا بين طرفين ومنه الحديث ( خير الأمور أوسطها ( وخرج بن ماجة حدثنا محمد بن يحيى حدثنا عبد الرحمن بن مهدي حدثنا سفيان بن عيينة عن سليمان بن أبي المغيرة عن سعيد بن جبير عن بن عباس قال : كان الرجل يقوت أهله قوتا فيه سعة وكان الرجل يقوت أهله قوتا فيه شدة فنزلت ( من أوسط ما تطعمون أهليكم ) وهذا يدل على أن الوسط ما ذكرناه وهو ما كان بين شيئين الثالثة والعشرون الإطعام عند مالك مد لكل واحد من المساكين العشرة إن كان بمدينة النبي صلى الله عليه وسلم وبه قال الشافعي وأهل المدينة قال سليمان بن يسار : أدركت الناس وهم إذا أعطوا في كفارة اليمين أعطوا مدا من حنطة بالمد الأصغر ورأوا ذلك مجزئا عنهم وهو قول بن عمر وبن عباس وزيد بن ثابت وبه قال عطاء بن أبي رباح واختلف إذا كان بغيرها فقال بن القاسم : يجزئه المد بكل مكان وقال بن المواز : أفتى بن وهب بمصر بمد ونصف وأشهب بمد وثلث قال : وإن مدا وثلثا لوسط من عيش الأمصار في الغداء والعشاء وقال أبو حنيفة : يخرج من البر نصف صاع ومن التمر والشعير صاعا على حديث عبد الله بن ثعلبة بن صعير عن أبيه قال : قام رسول الله صلى الله عليه وسلم خطيبا فأمر بصدقة الفطر صاع من تمر أو صاع من شعير عن كل رأس أو صاع بر بين اثنين وبه أخذ سفيان وبن المبارك وروي عن علي وعمر وبن عمر وعائشة رضي الله عنهم وبه قال سعيد بن المسيب وهو قول عامة فقهاء العراق لما رواه بن عباس قال : كفر رسول الله صلى الله عليه وسلم بصاع من تمر وأمر الناس بذلك فمن لم يجد فنصف صاع من بر ( من أوسط ما تطعمون أهليكم ) خرجه بن ماجة في سننه الرابعة والعشرون لا يجوز أن يطعم غنيا ولا ذا رحم تلزمه نفقته وإن كان ممن لا تلزمه نفقته فقد قال مالك : لا يعجبني أن يطعمه ولكن إن فعل وكان فقيرا أجزأه فإن أطعم غنيا جاهلا بغناه ففي المدونة وغير كتاب لا يجزئ وفي الأسدية أنه يجريء الخامسة والعشرون ويخحرج الرجل مما يأكل قال بن العربي : وقد زلت هنا جماعة من العلماء فقالوا : إنه إذا كان يأكل الشعير ويأكل الناس البر فليخرج مما يأكل الناس وهذا سهو بين فإن المكفر إذا لم يستطع في خاصة نفسه إلا الشعير لم يكلف أن يعطى لغيره سواه وقد قال صلى الله عليه وسلم : ( صاعا من طعام صاعا من شعير ( ففصل ذكرهما ليخرج كل أحد فرضه مما يأكل وهذا مما لا خفاء فيه السادسة والعشرون قال مالك : إن غدى عشرة مساكين وعشاهم أجزأه وقال الشافعي : لا يجوز أن يطعمهم جملة واحدة لأنهم يختلفون في الأكل ولكن يعطي كل مسكين مدا وروي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه : لا يجزئ إطعام العشرة وجبة واحدة يعني غداء دون عشاء أو عشاء دون غداء حتى يغديهم ويعشيهم قال أبو عمر : وهو قول أئمة الفتوى بالأمصار السابعة والعشرون قال بن حبيب : ولا يجزئ الخبز قفارا بل يعطى معه إدامه زيتا أو كشكا أوكامخا أو ما تيسر قال بن العربي : هذه زيادة ما أراها واجبة أما أنه يستحب له أن يطعم مع الخبز السكر نعم واللحم وأما تعيين الإدام للطعام فلا سبيل إليه لأن اللفظ لا يتضمنه قلت : نزول الآية في الوسط يقتضي الخبز والزيت أو الخل وما كان في معناه من الجبن والكشك كما قال بن حبيب والله أعلم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( نعم الإدام الخل ( وقال الحسن البصري إن أطعمهم خبزا ولحما أو خبزا وزيتا مرة واحدة في اليوم حتى يشبعوا أجزأه وهو قول بن سيرين وجابر بن زيد ومكحول وروي ذلك عن أنس بن مالك الثامنة والعشرون لا يجوز عندنا دفع الكفارة إلى مسكين واحد وبه قال الشافعي وأصحاب أبي حنيفة يمنعون صرف الجميع إلى واحد دفعة واحدة ويختلفون فيما إذا صرف الجميع في يوم واحد بدفعات مختلفة فمنهم من أجاز ذلك وإنه إذا تعدد الفعل حسن أن يقال في الفعل الثاني لا يمنع من الذي دفعت إليه أولا فإن اسم المسكين يتناوله وقال آخرون : يجوز دفع ذلك إليه في أيام وإن تعدد الأيام يقوم مقام أعداد المساكين وقال أبو حنيفة : يجزئه ذلك لأن المقصود من الآية التعريف بقدر ما يطعم فلو دفع ذلك القدر لواحد أجزأه ودليلنا نص الله تعالى على العشرة فلا يجوز العدول عنهم وأيضا فإن فيه أحياء جماعة من المسلمين وكفايتهم يوما واحدا فيتفرغون فيه لعبادة الله تبارك وتعالى ولدعائه فيغفر للمكفر بسبب ذلك والله أعلم التاسعة والعشرون قوله تعالى : ( فكفارته ) الضمير على الصناعة النحوية عائد على ( ما ) ويحتمل في هذا الموضوع أن تكون بمعنى الذي ويحتمل أن تكون مصدرية أو يعود على إثم الحنث وإن لم يجر له ذكر صريح ولكن المعنى يقتضيه الموفية ثلاثين قوله تعالى : ( أهليكم ) هو جمع أهل على السلامة وقرأ جعفر بن محمد الصادق : ( أهاليكم ) وهذا جمع مكسر قال أبو الفتح : أهال بمنزلة ليال واحدها أهلات وليلات والعرب تقول : أهل وأهلة قال الشاعر : وأهلة ود قد تبريت ودهم وأبليتهم في الجهد حمدي ونائلي يقول : تعرضت لودهم قاله بن السكيت الحادية والثلاثون قوله تعالى : ( أو كسوتهم ) قرئ بكسر الكاف وضمها هما لغتان مثل إسوة وأسوة وقرأ سعيد بن جبير ومحمد بن السميقع اليماني : ( أو كإسوتهم ) يعني كإسوة أهلك والكسوة في حق الرجال الثوب الواحد الساتر لجميع الجسد فأما في حق النساء فأقل ما يجزئهن فيه الصلاة وهو الدرع والخمار وهكذا حكم الصغار قال بن القاسم في العتبية : تكسى الصغيرة كسوة كبيرة والصغير كسوة كبير قياسا على الطعام وقال الشافعي وأبو حنيفة والثوري والأوزاعي : أقل ما يقع عليه الاسم وذلك ثوب واحد وفي رواية أبي الفرج عن مالك وبه قال إبراهيم النخعي ومغيرة : ما يستر جميع البدن بناء على أن الصلاة لا تجزئ في أقل من ذلك وروي عن سلمان رضي الله عنه أنه قال : نعم الثوب التبان أسنده الطبري وقال الحكم بن عتيبة تجزئ عمامة يلف بها رأسه وهو قول الثوري قال بن العربي : وما كان أحرصني على أن يقال : أنه لا يجزئ إلا كسوة تستر عن أذى الحر والبرد كما أن عليه طعاما يشبعه من الجوع فأقول به وأما القول بمئزر واحد فلا أدريه والله يفتح لي ولكم في المعرفة بعونه قلت : قد راعى قوم معهود الزي والكسوة المتعارفة فقال بعضهم : لا يجزئ الثوب الواحد إلا إذا كان جامعا مما قد يتزيا به كالكساء والملحفة وقال أبو حنيفة وأصحابه : الكسوة في كفارة اليمين لكل مسكين ثوب وإزار أو رداء أو قميص أو قباء أو كساء وروي عن أبي موسى الأشعري أنه أمر أن يكسى عنه ثوبين ثوبين وبه قال الحسن وبن سيرين وهذا معنى ما اختاره بن العربي والله أعلم الثانية والثلاثون لاتجزيء القيمة عن الطعام والكسوة وبه قال الشافعي وقال أبو حنيفة : تجزئ وهو يقول : تجزئ القيمة في الزكاة فكيف في الكفارة قال بن العربي : وعمدته أن الغرض سد الخلة ورفع الحاجة فالقيمة تجزئ فيه قلنا : إن نظرتم إلى سد الخلة فأين العبادة وأين نص القرآن على الأعيان الثلاثة والانتقال بالبيان من نوع إلى نوع الثالثة والثلاثون إذا دفع الكسوة إلى ذمي أو إلى عبد لم يجزه وقال أبو حنيفة : يجزئه لأنه مسكين يتناوله لفظ المسكنة ويشتمل عليه عموم الآية قلنا : هذا يخصه بأن يقول جزء من المال يجب إخراجه للمساكين فلا يجوز دفعه للكافر أصله الزكاة وقد اتفقنا على أنه لا يجوز دفعه للمرتد فكل دليل خص به المرتد فهو دليلنا في الذمي والعبد ليس بمسكين لاستغنائه بنفقة سيده فلا تدفع إليه كالغني الرابعة والثلاثون قوله تعالى : ( أو تحرير رقبة ) التحرير الإخراج من الرق ويستعمل في الأسر والمشقات وتعب الدنيا ونحوها ومنه قول أم مريم : إني نذرت لك ما في بطني محررا أي من شغوب الدنيا ونحوها ومن ذلك قول الفرزدق بن غالب : أبني غدانة إنني حررتكم فوهبتكم لعطية بن جعال أي حررتكم من الهجاء وخص الرقبة من الإنسان إذ هو العضو الذي يكون فيه الغل والتوثق غالبا من الحيوان فهو موضع الملك فأضيف التحرير إليها الخامسة والثلاثون لا يجوز عندنا إلا إعتاق رقبة مؤمنة كاملة ليس فيها شرك لغيره ولا عتاقة بعضها ولا عتق إلى أجل ولا كتابة ولا تدبير ولا تكون أم ولد ولا من يعتق عليه إذا ملكه ولا يكون بها من الهرم والزمانة ما يضر بها في الاكتساب سليمة غير معيبة خلافا لداود في تجويزه اعتاق المعيبة وقال أبو حنيفة : يجوز عتق الكافرة لأن مطلق اللفظ يقتضيها ودليلنا أنها قربة واجبة فلا يكون الكافر محلا لها كالزكاة وأيضا فكل مطلق في القرآن من هذا فهو راجع إلى المقيد في عتق الرقبة في القتل الخطأ وإنما قلنا : لا يكون فيها شرك لقوله تعالى : ( فتحرير رقبة ) وبعض الرقبة ليس برقبة وإنما قلنا لا يكون فيها عقد عتق لأن التحرير يقتضي ابتداء عتق دون تنجيز عتق مقدم وإنما قلنا : سليمة لقوله تعالى : ( فتحرير رقبة ) والإطلاق يقتضي تحرير رقبة كاملة والعمياء ناقصة وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم ( ما من مسلم يعتق امرءا مسلما إلا كان فكاكه من النار كل عضو منه بعضو منها حتى الفرج بالفرج ( وهذا نص وقد روي في الأعور قولان في المذهب وكذلك في الأصم والخصي السادسة والثلاثون من أخرج مالا ليعتق رقبة في كفارة فتلف كانت الكفارة باقية عليه بخلاف مخرج المال في الزكاة ليدفعه إلى الفقراء أو ليشتري به رقبة فتلف لم يكن عليه غيره لامتثال الأمر السابعة والثلاثون اختلفوا في الكفارة إذا مات الحالف فقال الشافعي وأبو ثور : كفارات الأيمان تخرج من رأس مال الميت وقال أبو حنيفة : تكون في الثلث وكذلك قال مالك إن أوصى بها الثامنة والثلاثون من حلف وهو موسر فلم يكفر حتى أعسر أو حنث وهو معسر فلم يكفر حتى أيسر أو حنث وهو عبد فلم يكفر حتى عتق فالمراعاة في ذلك كله بوقت التكفير لا وقت الحنث التاسعة والثلاثون روى مسلم عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( والله لأن يلج أحدكم بيمينه في أهله آثم له عند الله من أن يعطي كفارته التي فرض الله ( اللجاج في اليمين هو المضي على مقتضاه وإن لزم من ذلك حرج ومشقة وترك ما فيه منفعة عاجلة أو آجلة فإن كان شيء من ذلك فالأولى به تحنيث نفسه وفعل الكفارة ولا يعتل باليمين كما ذكرناه في قوله تعالى : ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم وقال عليه السلام : ( من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها فليكفر عن يمينه وليفعل الذي هو خير ( أي الذي هو أكثر خيرا الموفية أربعين روى مسلم عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( اليمين على نية المستحلف ( قال العلماء : معناه أن من وجبت عليه يمين في حق وجب عليه فحلف وهو ينوي غيره لم تنفعه نيته ولا يخرج بها عن إثم تلك اليمين وهو معنى قوله في الحديث الآخر : ( يمينك على ما يصدقك عليه صاحبك ( وروي ( يصدقك به صاحبك ( خرجه مسلم أيضا قال مالك : من حلف لطالبه في حق له عليه واستثنى في يمينه أو حرك لسانه أو شفتيه أو تكلم به لم ينفعه استثناؤه ذلك لأن النية نية المحلوف له لأن اليمين حق له وإنما تقع على حسب ما يستوفيه له الحاكم لا على اختيار الحالف لأنها مستوفاة منه هذا تحصيل مذهبه وقوله الحادية والأربعون قوله تعالى : ( فمن لم يجد ) معناه لم يجد في ملكه أحد هذه الثلاثة من الإطعام أو الكسوة أو عتق الرقبة بإجماع فإذا عدم هذه الثلاثة الأشياء صام والعدم يكون بوجهين إما بمغيب المال عنه أو عدمه فالأول أن يكون في بلد غير بلده فإن وجد من يسلفه لم يجزه الصوم وإن لم يجد من يسلفه فقد اختلف فيه فقيل : ينتظر إلى بلده قال بن العربي : وذلك لا يلزمه بل يكفر بالصيام لأن الوجوب قد تقرر في الذمة والشرط من العدم قد تحقق فلا وجه لتأخير الأمر فليكفر مكانه لعجزه عن الأنواع الثلاثة لقوله تعالى : ( فمن لم يجد ) وقيل : من لم يكن له فضل عن رأس ماله الذي يعيش به فهو الذي لم يجد وقيل : هو من لم يكن له إلا قوت يومه وليلته وليس عنده فضل يطعمه وبه قال الشافعي واختاره الطبري وهو مذهب مالك وأصحابه وروي عن بن القاسم أن من تفضل عنه نفقة يومه فإنه لا يصوم قال بن القاسم في كتاب بن مزين : إنه إن كان للحانث فضل عن قوت يومه أطعم إلا أن يخاف الجوع أو يكون في بلد لا يعطف عليه فيه وقال أبو حنيفة : إذا لم يكن عنده نصاب فهو غير واجد وقال أحمد وإسحاق : إذا كان عنده قوت يوم وليلة أطعم ما فضل عنه وقال أبو عبيد : إذا كان عنده قوت يومه وليلته وعياله وكسوة تكون لكفايتهم ثم يكون بعد ذلك مالكا لقدر الكفارة فهو عندنا واجد قال بن المنذر : قول أبي عبيد حسن الثانية والأربعون قوله تعالى : ( فصيام ثلاثة أيام ) قرأها بن مسعود ( متتابعات ) فيقيد بها المطلق وبه قال أبو حنيفة والثوري وهو أحد قولي الشافعي واختاره المزني قياسا على الصوم في كفارة الظهار واعتبارا بقراءة عبد الله وقال مالك والشافعي في قوله الآخر : يجزئه التفريق لأن التتابع صفة لا تجب إلا بنص أو قياس على منصوص وقد عدما الثالثة والأربعون من أفطر في يوم من أيام الصيام ناسيا فقال مالك : عليه القضاء وقال الشافعي : لا قضاء عليه على ما تقدم بيانه في الصيام في البقرة الرابعة والأربعون هذه الكفارة التي نص الله عليها لازمة للحر المسلم باتفاق واختلفوا فيما يجب منها على العبد إذا حنث فكان سفيان الثوري والشافعي وأصحاب الرأي يقولون : ليس عليه إلا الصوم لا يجزئه غير ذلك واختلف فيه قول مالك فحكى عنه بن نافع أنه قال : لا يكفر العبد بالعتق لأنه لا يكون له الولاء ولكن يكفر بالصدقة إن أذن له سيده وأصوب ذلك أن يصوم وحكى بن القاسم عنه أنه قال : إن أطعم أو كسا بإذن السيد فما هو بالبين وفي قلبي منه شيء الخامسة والأربعون قوله تعالى : ( ذلك كفارة أيمانكم ) أي تغطية أيمانكم وكفرت الشيء غطيته وسترته وقد تقدم ولا خلاف أن هذه الكفارة في اليمين بالله تعالى وقد ذهب بعض التابعين إلى أن كفارة اليمين فعل الخير الذي حلف في تركه وترجم بن ماجه في سننه من قال كفارتها تركها حدثنا علي بن محمد حدثنا عبد الله بن نمير عن حارثة بن أبي الرجال عن عمرة عن عائشة قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( من حلف في قطيعة رحم أو فيما لايصلح فبره ألا يتم على ذلك ( وأسند عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( : من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها فليتركها فإن تركها كفارتها ( قلت : ويعتضد هذا بقصة الصديق رضي الله عنه حين حلف ألا يطعم الطعام وحلفت امرأته ألا تطعمه حتى يطعمه وحلف الضيف أو الأضياف ألا يطعمه أو لا يطعموه حتى يطعمه فقال أبو بكر : كان هذا من الشيطان فدعا بالطعام فأكل وأكلوا خرجه البخاري وزاد مسلم قال : فلما أصبح غدا على النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله بروا وحنثت قال : فأخبره قال : ( بل أنت أبرهم وأخيرهم ( قال : ولم تبلغني كفارة السادسة والأربعون واختلفوا في كفارة غير اليمين بالله عز وجل فقال مالك : من حلف بصدقة ماله أخرج ثلثه وقال الشافعي : عليه كفارة يمين وبه قال إسحاق وأبو ثور وروي عن عمر وعائشة رضي الله عنهما وقال الشعبي وعطاء وطاوس : لا شيء عليه وأما اليمين بالمشي إلى مكة فعليه أن يفي به عند مالك وأبي حنيفة وتجزئه كفارة يمين عند الشافعي وأحمد بن حنبل وأبي ثور وقال بن المسيب والقاسم بن محمد : لا شيء عليه قال بن عبد البر : أكثر أهل العلم بالمدينة وغيرها يوجبون في اليمين بالمشي إلى مكة كفارة مثل كفارة اليمين بالله عز وجل وهو قول جماعة من الصحابة والتابعين وجمهور فقهاء المسلمين وقد أفتى به بن القاسم ابنه عبد الصمد وذكر له أنه قول الليث بن سعد والمشهور عن بن القاسم أنه لا كفارة عنده في المشي إلى مكة إلا بالمشي لمن قدر عليه وهو قول مالك وأما الحالف بالعتق فعليه عتق من حلف عليه بعتقه في قول مالك والشافعي وغيرهما وروي عن بن عمر وبن عباس وعائشة أنه يكفر كفارة يمين ولا يلزمه العتق وقال عطاء : يتصدق بشيء قال المهدوي : وأجمع من يعتمد على قوله من العلماء على أن الطلاق لازم لمن حلف به وحنث السابعة والأربعون قوله تعالى : ( واحفظوا أيمانكم ) أي بالبدار إلى ما لزمكم من الكفارة إذا حنثتم وقيل : أي بترك الحلف فإنكم إذا لم تحلفوا لم تتوجه عليكم هذه التكليفات ( لعلكم تشكرون ) تقدم معنى ( الشكر ) و ( لعل ) في البقرة والحمد لله < <
Français Tercümesi (Ehl-i Sünnet)> فيه سبع وأربعون مسألة : الأولى قوله تعالى : ( لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ) تقدم معنى اللغو في البقرة ومعنى ( في أيمانكم ) أي من أيمانكم والأيمان جمع يمين وقيل : ويمين فعيل من اليمن وهو البركة سماها الله تعالى بذلك لأنها تحفظ الحقوق ويمين تذكر وتؤنث وتجمع أيمان وأيمن قال زهير : فتجمع أيمن منا ومنكم الثانية واختلف في سبب نزول هذه الآية فقال بن عباس : سبب نزولها القوم الذين حرموا طيبات المطاعم والملابس والمناكح على أنفسهم حلفوا على ذلك فلما نزلت لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم قالوا : كيف نصنع بأيماننا فنزلت هذه الآية والمعنى على هذا القول إذا أتيتم باليمين ثم ألغيتموها أي أسقطتم حكمها بالتكفير وكفرتم فلا يؤاخذكم الله بذلك وإنما يؤاخذكم بما أقمتم عليه فلم تلغوه أي فلم تكفروا فبان بهذا أن الحلف لا يحرم شيئا وهو دليل الشافعي على أن اليمين لا يتعلق بها تحريم الحلال وأن تحريم الحلال لغو كما أن تحليل الحرام لغو مثل قول القائل : استحللت شرب الخمر فتقتضي الآية على هذا القول أن الله تعالى جعل تحريم الحلال لغوا في أنه لا يحرم فقال : ( لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ) أي بتحريم الحلال وروي أن عبد الله بن رواحة كان له أيتام وضيف فانقلب من شغله بعد ساعة من الليل فقال : أعشيتم ضيفي فقالوا : انتظرناك فقال : لا والله لا آكله الليلة فقال ضيفه : وما أنا بالذي يأكل وقال أيتامه : ونحن لا نأكل فلما رأى ذلك أكل وأكلوا ثم أتى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره فقال له : ( أطعت الرحمن وعصيت الشيطان ( فنزلت الآية الثالثة الأيمان في الشريعة على أربعة أقسام : قسمان فيهما الكفارة وقسمان لا كفارة فيهما خرج الدارقطني في سننه حدثنا عبد الله بن محمد بن عبد العزيز حدثنا خلف بن هشام حدثنا عبثر عن ليث عن حماد عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله قال : ألايمان أربعة يمينان يكفران ويمينان لا يكفران فاليمينان اللذان يكفران فالرجل الذي يحلف والله لا أفعل كذا وكذا فيفعل والرجل يقول والله لأفعلن كذا وكذا فلا يفعل واليمينان اللذان لا يكفران فالرجل يحلف والله ما فعلت كذا وكذا وقد فعل والرجل يحلف لقد فعلت كذا وكذا ولم يفعله قال بن عبد البر : وذكر سفيان الثوري في جامعه وذكره المروزي عنه أيضا قال سفيان : الأيمان أربعة يمينان يكفران وهو أن يقول الرجل والله لا أفعل فيفعل أو يقول والله لأفعلن ثم لا يفعل ويمينان لا يكفران وهو أن يقول الرجل والله ما فعلت وقد فعل أو يقول والله لقد فعلت وما فعل قال المروزي : أما اليمينان الأوليان فلا اختلاف فيهما بين العلماء على ما قال سفيان وأما اليمينان الأخريان فقد اختلف أهل العلم فيهما فإن كان الحالف حلف على أنه لم يفعل كذا وكذا أو أنه قد فعل كذا وكذا عند نفسه صادقا يرى أنه على ما حلف عليه فلا إثم عليه ولا كفارة عليه في قول مالك وسفيان الثوري وأصحاب الرأي وكذلك قال أحمد وأبو عبيد وقال الشافعي لا إثم عليه وعليه الكفارة قال المروزي : وليس قول الشافعي في هذا بالقوي قال : وإن كان الحالف على أنه لم يفعل كذا وكذا وقد فعل متعمدا للكذب فهو آثم ولا كفارة عليه في قول عامة العلماء مالك وسفيان الثوري وأصحاب الرأي وأحمد بن حنبل وأبي ثور وأبي عبيد وكان الشافعي يقول يكفر قال : وقد روي عن بعض التابعين مثل قول الشافعي قال المروزي : أميل إلى قول مالك وأحمد قال : فأما يمين اللغو الذي اتفق عامة العلماء على أنها لغو فهو قول الرجل : لا والله وبلى والله في حديثه وكلامه غير منعقد لليمين ولا مريدها قال الشافعي : وذلك عند اللجاج والغضب والعجلة الرابعة قوله تعالى : ( ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان ) مخفف القاف من العقد والعقد على ضربين حسي كعقد الحبل وحكمي كعقد البيع قال الشاعر : قوم إذا عقدوا عقدا لجارهم شدوا العناج وشدوا فوقه الكربا فاليمين المنعقدة منفعلة من العقد وهي عقد القلب في المستقبل ألا يفعل ففعل أو ليفعلن فلا يفعل كما تقدم فهذه التي يحلها الاستثناء والكفارة على ما يأتي وقريء ( عاقدتم ) بألف بعد العين على وزن فاعل وذلك لا يكون إلا من اثنين في الأكثر وقد يكون الثاني من حلف لأجله في كلام وقع معه أو يكون المعنى بما عاقدتم عليه الأيمان لأن عاقد قريب من معنى عاهد فعدى بحرف الجر لما كان في معنى عاهد وعاهد يتعدى إلى مفعولين الثاني منهما بحرف جر قال الله تعالى : ومن أوفى بما عاهد عليه الله الفتح وهذا كما عديت ناديتم إلى الصلاة بإلى وبابها أن تقول ناديت زيدا وناديناه من جانب الطور الأيمن مريم لكن لما كانت بمعنى دعوت عدي بإلى قال الله تعالى : ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله فصلت ثم اتسع في قوله تعالى : ( عاقدتم عليه الأيمان ) فحذف حرف الجر فوصل الفعل إلى المفعول فصار عاقدتموه ثم حذفت الهاء كما حذفت من قوله تعالى : فاصدع بما تؤمر الحجر أو يكون فاعل بمعنى فعل كما قال تعالى : قاتلهم الله أي قتلهم وقد تأتي المفاعلة في كلام العرب من واحد بغير معنى ( فاعلت ) كقولهم : سافرت وظاهرت وقرئ ( عقدتم ) بتشديد القاف قال مجاهد : معناه تعمدتم أي قصدتم وروي عن بن عمر أن التشديد يقتضي التكرار فلا تجب عليه الكفارة إلا إذا كرر وهذا يرده ما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( إني والله إن شاء الله لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيرا منها إلا أتيت الذي هو خير وكفرت عن يميني ( فذكر وجوب الكفارة في اليمين التي لم تتكرر قال أبو عبيد : التشديد يقتضي التكرير مرة بعد مرة ولست آمن أن يلزم من قرأ بتلك القراءة ألا توجب عليه كفارة في اليمين الواحدة حتى يرددها مرارا وهذا قول خلاف الإجماع روى نافع أن بن عمر كان إذا حنث من غير أن يؤكد اليمين أطعم عشرة مساكين فإذا وكد اليمين أعتق رقبة قيل لنافع : ما معنى وكد اليمين قال : أن يحلف على الشيء مرارا الخامسة اختلف في اليمين الغموس هل هي يمين منعقدة أم لا فالذي عليه الجمهور أنها يمين مكر وخديعة وكذب فلا تنعقد ولا كفارة فيها وقال الشافعي : هي يمين منعقدة لأنها مكتسبة بالقلب معقودة بخبر مقرونة باسم الله تعالى وفيها الكفارة والصحيح الأول قال بن المنذر : وهذا قول مالك بن أنس ومن تبعه من أهل المدينة وبه قال الأوزاعي ومن وافقه من أهل الشام وهو قول الثوري وأهل العراق وبه قال أحمد وإسحاق وأبو ثور وأبو عبيد وأصحاب الحديث وأصحاب الرأي من أهل الكوفة قال أبو بكر : وقول النبي صلى الله عليه وسلم : ( من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها فليأت الذي هو خير وليكفر عن يمينه ( وقوله : ( فليكفر عن يمينه ويأتي الذي هو خير ( يدل على أن الكفارة إنما تجب فيمن حلف على فعل يفعله مما يستقبل فلا يفعله أو على فعل ألا يفعله فيما يستقبل فيفعله وفي المسألة قول ثان وهو أن يكفر وإن أثم وعمد الحلف بالله كاذبا هذا قول الشافعي قال أبو بكر : ولا نعلم خبرا يدل على هذا القول والكتاب والسنة دالان على القول الأول قال الله تعالى : ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم أن تبروا وتتقوا وتصلحوا بين الناس قال بن عباس : هو الرجل يحلف ألا يصل قرابته فجعل الله له مخرجا في التكفير وأمره ألا يعتل بالله وليكفر عن يمينه والأخبار دالة على أن اليمين التي يحلف بها الرجل يقتطع بها مالا حراما هي أعظم من أن يكفرها ما يكفر اليمين قال بن العربي : الآية وردت بقسمين : لغو ومنعقدة وخرجت على الغالب في أيمان الناس فدع ما بعدها يكون مائة قسم فإنه لم تعلق عليه كفارة قلت : خرج البخاري عن عبد الله بن عمرو قال : جاء أعرابي إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله ما الكبائر قال : ( الإشراك بالله ( قال : ثم ماذا قال : ( عقوق الوالدين ( قال : ثم ماذا قال : ( اليمين الغموس ( قلت وما اليمين الغموس قال : ( التي يقتطع بها مال امريء مسلم هو فيها كاذب ( وخرج مسلم عن أبي أمامة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( من اقتطع حق امريء مسلم بيمينه فقد أوجب الله له النار وحرم عليه الجنة ( فقال رجل : وإن كان شيئا يسيرا يا رسول الله قال : ( وإن كان قضيبا من أراك ( ومن حديث عبد الله بن مسعود فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( من حلف على يمين صبر يقتطع بها مال امريء مسلم هو فيها فاجر لقي الله وهو عليه غضبان ( فنزلت إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلا إلى آخر الآية ولم يذكر كفارة فلو أوجبنا عليه كفارة لسقط جرمه ولقي الله وهو عنه راض ولم يستحق الوعيد المتوعد عليه وكيف لا يكون ذلك وقد جمع هذا الحالف الكذب واستحلال مال الغير والاستخفاف باليمين بالله تعالى والتهاون بها وتعظيم الدنيا فأهان ما عظمه الله وعظم ما حقره الله وحسبك ولهذا قيل : إنما سميت اليمين الغموس غموسا لأنها تغمس صاحبها في النار السادسة الحالف بألا يفعل على بر ما لم يفعل فإن فعل حنث ولزمته الكفارة لوجود المخالفة منه وكذلك إذا قال إن فعلت وإذا حلف بأن ليفعلن فإنه في الحال على حنث لوجود المخالفة فإن فعل بر وكذلك إن قال إن لم أفعل السابعة قول الحالف : لأفعلن وإن لم أفعل بمنزلة الأمر وقوله : لا أفعل وإن فعلت بمنزلة النهي ففي الأول لا يبر حتى يفعل جميع المحلوف عليه : مثاله لآكلن هذا الرغيف فأكل بعضه لا يبر حتى يأكل جميعه : لأن كل جزء منه محلوف عليه فإن قال : والله لآكلن مطلقا فإنه يبر بأقل جزء مما يقع عليه الاسم لإدخال ماهية الأكل في الوجود وأما في النهي فإنه يحنث بأقل ما ينطلق عليه الاسم لأن مقتضاه ألا يدخل فرد من أفراد المنهي عنه في الوجود فإن حلف ألا يدخل دارا فأدخل إحدى رجليه حنث والدليل عليه أنا وجدنا الشارع غلظ جهة التحريم بأول الاسم في قوله تعالى : ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم فمن عقد على امرأة ولم يدخل بها حرمت على أبيه وابنه ولم يكتف في جهة التحليل بأول الاسم فقال : ( لا حتى تذوقي عسيلته ( الثامنة المحلوف به هو الله سبحانه وأسماؤه الحسنى كالرحمن والرحيم والسميع والعليم والحليم ونحو ذلك من أسمائه وصفاته العليا كعزته وقدرته وعلمه وإرادته وكبريائه وعظمته وعهده وميثاقه وسائر صفات ذاته لأنها يمين بقديم غير مخلوق فكان الحالف بها كالحالف بالذات روى الترمذي والنسائي وغيرهما أن جبريل عليه السلام لما نظر إلى الجنة ورجع إلى الله تعالى قال : وعزتك لا يسمع بها أحد إلا دخلها وكذلك قال في النار : وعزتك لا يسمع بها أحد فيدخلها وخرجا أيضا وغيرهما عن بن عمر قال : كانت يمين النبي صلى الله عليه وسلم ( لا ومقلب القلوب ( وفي رواية ( لا ومصرف القلوب ( وأجمع أهل العلم على أن من حلف فقال : والله أو بالله أو تالله فحنث أن عليه الكفارة قال بن المنذر : وكان مالك والشافعي وأبو عبيد وأبو ثور وإسحاق وأصحاب الرأي يقولون : من حلف باسم من أسماء الله وحنث فعليه الكفارة وبه نقول ولا أعلم في ذلك خلافا قلت : قد نقل في باب ذكر الحلف بالقرآن وقال يعقوب : من حلف بالرحمن فحنث فلا كفارة عليه قلت : والرحمن من أسمائه سبحانه مجمع عليه ولا خلاف فيه التاسعة واختلفوا في وحق الله وعظمة الله وقدرة الله وعلم الله ولعمر الله وايم الله فقال مالك : كلها أيمان تجب فيها الكفارة وقال الشافعي : في وحق الله وجلال الله وعظمة الله وقدرة الله يمين إن نوى بها اليمين وإن لم يرد اليمين فليست بيمين لأنه يحتمل وحق الله واجب وقدرته ماضية وقال في أمانة الله : ليست بيمين ولعمر الله وأيم الله إن لم يرد بها اليمين فليست بيمين وقال أصحاب الرأي إذا قال : وعظمة الله وعزة الله وجلال الله وكبرياء الله وأمانة الله فحنث فعليه الكفارة وقال الحسن في وحق الله : ليست بيمين ولا كفارة فيها وهو قول أبي حنيفة حكاه عنه الرازي وكذلك عهد الله وميثاقه وأمانته ليست بيمين وقال بعض أصحابه : هي يمين وقال الطحاوي : ليست بيمين وكذا إذا قال : وعلم الله لم يكن يمينا في قول أبي حنيفة وخالفه صاحبه أبو يوسف فقال : يكون يمينا قال بن العربي : والذي أوقعه في ذلك أن العلم قد ينطلق على المعلوم وهو المحدث فلا يكون يمينا وذهل عن أن القدرة تنطلق على المقدور فكل كلام له في المقدور فهو حجتنا في المعلوم قال بن المنذر : وثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( وأيم الله أن كان لخليقا للإمارة ( في قصة زيد وابنه أسامة وكان بن عباس يقول : وأيم الله وكذلك قال بن عمر وقال إسحاق : إذا أراد بأيم الله يمينا كانت يمينا بالأرادة وعقد القلب العاشرة واحتلفوا في الحلف بالقرآن فقال بن مسعود : عليه بكل آية يمين وبه قال الحسن البصري وبن المبارك وقال أحمد : ما أعلم شيئا يدفعه وقال أبو عبيد : يكون يمينا واحدة وقال أبو حنيفة : لا كفارة عليه وكان قتادة : يحلف بالمصحف وقال أحمد وإسحاق لا نكره ذلك الحادية عشرة لاتنعقد اليمين بغير الله تعالى وأسمائه وصفاته وقال أحمد بن حنبل : إذا حلف بالنبي صلى الله عليه وسلم انعقدت يمينه لأنه حلف بما لا يتم الإيمان إلا به فتلزمه الكفارة كما لو حلف بالله وهذا يرده ما ثبت في الصحيحين وغيرهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه أدرك عمر بن الخطاب في ركب وعمر يحلف بأبيه فناداهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ( إلا أن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم فمن كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت ( وهذا حصر في عدم الحلف بكل شيء سوى الله تعالى وأسمائه وصفاته كما ذكرنا ومما يحقق ذلك ما رواه أبو داود والنسائي وغيرهما عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لا تحلفوا بآبائكم ولا بأمهاتكم ولا بالأنداد ولا تحلفوا إلا بالله ولا تحلفوا بالله إلا وأنتم صادقون ( ثم ينتقض عليه بمن قال : وآدم وإبراهيم فإنه لا كفارة عليه وقد حلف بما لا يتم الإيمان إلا به الثانية عشرة روى الأئمة واللفظ لمسلم عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( من حلف منكم فقال في حلفه باللات فليقل لا إله إلا الله ومن قال لصاحبه تعال أقامرك فليتصدق ( وخرج النسائي عن مصعب بن سعد عن أبيه قال : كنا نذكر بعض الأمر وأنا حديث عهد بالجاهلية فحلفت باللات والعزى فقال لي بعض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بئس ما قلت : وفي رواية قلت هجرا فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرت ذلك له فقال : ( قل لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير وأنفث عن يسارك ثلاثا وتعوذ بالله من الشيطان ثم لا تعد ( قال العلماء : فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم من نطق بذلك أن يقول بعده لا إله إلا الله تكفيرا لتلك اللفظة وتذكيرا من الغفلة وإتماما للنعمة وخص اللات بالذكر لأنها أكثر ما كانت تجري على ألسنتهم وحكم غيرها من أسماء آلهتهم حكمها إذ لا فرق بينها وكذا من قال لصاحبه : تعال أقامرك فليتصدق فالقول فيه كالقول في اللات لأنهم كانوا اعتادوا المقامرة وهي من أكل المال بالباطل الثالثة عشرة قال أبو حنيفة في الرجل يقول : هو يهودي أو نصراني أو بريء من الإسلام أو من النبي أو من القرآن أو أشرك بالله أو أكفر بالله : إنها يمين تلزم فيها الكفارة ولا تلزم فيما إذا قال : واليهودية والنصرانية والنبي والكعبة وإن كانت على صيغة الإيمان ومتمسكة ما رواه الدارقطني عن أبي رافع أن مولاته أرادت أن تفرق بينه وبين امرأته فقالت : هي يوما يهودية ويوما نصرانية وكل مملوك لها حر وكل مال لها في سبيل الله وعليها مشى إلى بيت الله إن لم تفرق بينهما فسألت عائشة وحفصة وبن عمر وبن عباس وأم سلمة فكلهم قال لها : أتريدين أن تكوني مثل هاروت وماروت وأمروها أن تكفر عن يمينها وتخلي بينهما وخرج أيضا عنه قال : قالت مولاتي لأفرقن بينك وبين امرأتك وكل مال لها في رتاج الكعبة وهي يوما يهودية ويوما نصرانية ويوما مجوسية إن لم أفرق بينك وبين امرأتك قال : فانطلقت إلى أم المؤمنين أم سلمة فقلت : إن مولاتي تريد أن تفرق بيني وبين امرأتي فقالت انطلق إلى مولاتك فقل لها : إن هذا لا يحل لك قال : فرجعت إليها قال ثم أتيت بن عمر فأخبرته فجاء حتى انتهى إلى الباب فقال : ها هنا هاروت وماروت فقالت : إني جعلت كل مال لي في رتاج الكعبة قال : فمم تأكلين قالت : وقلت أنا يوما يهودية ويوما نصرانية ويوما مجوسية فقال : إن تهودت قتلت وإن تنصرت قتلت وأن تمجست قتلت قالت : فما تأمرني قال : تكفرين عن يمينك وتجمعين بين فتاك وفتاتك وأجمع العلماء على أن الحالف إذا قال : أقسم بالله أنها يمين واختلفوا إذا قال أقسم أو أشهد ليكونن كذا وكذا ولم يقل بالله فإنها تكون أيمانا عند مالك إذا أراد بالله وإن لم يرد بالله لم تكن أيمانا تكفر وقال أبو حنيفة والأوزاعي والحسن والنخعي : هي أيمان في الموضعين وقال الشافعي : لا تكون أيمانا حتى يذكر اسم الله تعالى هذه رواية المزنى عنه وروى عنه الربيع مثل قول مالك الرابعة عشرة إذا قال : أقسمت عليك لتفعلن فإن أراد سؤاله فلا كفارة فيه وليست بيمين وإن أراد اليمين كان ما ذكرناه آنفا الخامسة عشرة من حلف بما يضاف إلى الله تعالى مما ليس بصفة كقوله : وخلق الله ورزقه وبيته لا شيء عليه لأنها أيمان غير جائزة وحلف بغير الله تعالى السادسة عشرة إذا انعقدت اليمين حلتها الكفارة أو الاستثناء وقال بن الماجشون : الاستثناء بدل عن الكفارة وليست حلا لليمين قال بن القاسم : هي حل لليمين وقال بن العربي : وهو مذهب فقهاء الأمصار وهو الصحيح وشرطه أن يكون متصلا منطوقا به لفظا لما رواه النسائي وأبو داود عن بن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( من حلف فاستثنى فإن شاء مضى وإن شاء ترك عن غير حنث ( فإن نواه من غير نطق أو قطعه من غير عذر لم ينفعه وقال محمد بن المؤاز : يكون الاستثناء مقترنا باليمين اعتقادا ولو بآخر حرف قال : فإن فرغ منها واستثنى لم ينفعه ذلك لأن اليمين فرغت عارية من الاستثناء فورودها بعده لا يؤثر كالتراخي وهذا يرده الحديث ( من حلف فاستثنى والفاء للتعقيب وعليه جمهور أهل العلم وأيضا فإن ذلك يؤدي إلى ألا تنحل يمين ابتديء عقدها وذلك باطل وقال بن خويز منداد : واختلف أصحابنا متى استثنى في نفسه تخصيص ما حلف عليه فقال بعض أصحابنا : يصح استثناؤه وقد ظلم المحلوف له وقال بعضهم : لا يصح حتى يسمع المحلوف له وقال بعضهم : يصح إذا حرك به لسانه وشفتيه وإن لم يسمع المحلوف له قال بن خويز منداد وإنما قلنا يصح استثناؤه في نفسه فلأن الأيمان تعتبر بالنيات وإنما قلنا لا يصح ذلك حتى يحرك به لسانه وشفتيه فإن من لم يحرك به لسانه وشفتيه لم يكن متكلما والاستثناء من الكلام يقع بالكلام دون غيره وإنما قلنا لا يصح بحال فلأن ذلك حق للمحلوف له وإنما يقع على حسب ما يستوفيه له الحاكم فلما لم تكن اليمين على اختيار الحالف بل كانت مستوفاة منه وجب ألا يكون له فيها حكم وقال بن عباس : يدرك الاستثناء اليمين بعد سنة وتابعه على ذلك أبو العالية والحسن وتعلق بقوله تعالى : والذين لا يدعون مع الله إلها آخر الفرقان الآية فلما كان بعد عام نزل ( إلا من تاب مريم ) وقال مجاهد : من قال بعد سنتين إن شاء الله أجزأه وقال سعيد بن جبير : إن استثنى بعد أربعة أشهر أجزأه وقال طاوس له أن يستثني ما دام في مجلسه وقال قتادة : إن استثنى قبل أن يقوم أو يتكلم فله ثنياه وقال أحمد بن حنبل وإسحاق : يستثنى ما دام في ذلك الأمر وقال عطاء : له ذلك قدر حلب الناقة الغزيرة السابعة عشرة قال بن العربي : أما ما تعلق به بن عباس من الآية فلا متعلق له فيها لأن الآيتين كانتا متصلتين في علم الله تعالى وفي لوحه وإنما تأخر نزولها لحكمة علم الله ذلك فيها أما أنه يتركب عليها فرع حسن وهو أن الحالف إذا قال والله لا دخلت الدار وأنت طالق إن دخلت الدار واستثنى في يمينه الأول إن شاء الله في قلبه واستثنى في اليمين الثانية في قلبه أيضا ما يصلح للاستثناء الذي يرفع اليمين لمدة أو سبب أو مشيئة أحد ولم يظهر شيئا من الاستثناء إرهابا على المحلوف له فإن ذلك ينفعه ولا تنعقد اليمينان عليه وهذا في الطلاق ما لم تحضره البينة فإن حضرته بينة لم تقبل منه دعواه الاستثناء وإنما يكون ذلك نافعا له إذا جاء مستفتيا قلت : وجه الاستثناء أن الله تعالى أظهر الآية الأولى وأخفى الثانية فكذلك الحالف إذا حلف إرهابا وأخفى الاستثناء والله أعلم قال بن العربي : وكان أبو الفضل المراغي يقرأ بمدينة السلام وكانت الكتب تأتي إليه من بلده فيضعها في صندوق ولا يقرأ منها واحدا مخافة أن يطلع فيها على ما يزعجه ويقطع به عن طلبه فلما كان بعد خمسة أعوام وقضى غرضا من الطلب وعزم على الرحيل شد رحله وأبرز كتبه وأخرج تلك الرسائل فقرأ فيها ما لو أن واحدا منها يقرؤه بعد وصوله ما تمكن بعده من تحصيل حرف من العلم فحمد الله ورحل على دابة قماشه وخرج إلى باب الحلبة طريق خراسان وتقدمه الكري بالدابة وأقام هو على فامي يبتاع منه سفرته فبينما هو يحاول ذلك معه إذ سمعه يقول لفامي آخر : أما سمعت العالم يقول يعني الواعظ أن بن عباس يجوز الاستثناء ولو بعد سنة لقد اشتغل بذلك بالي منذ سمعته فظللت فيه متفكرا ولو كان ذلك صحيحا لما قال الله تعالى لأيوب : وخذ بيدك ضغثا فاضرب به ولا تحنث ص وما الذي يمنعه من أن يقول : قل إن شاء الله فلما سمعه يقول ذلك قال : بلد يكون فيه الفاميون بهذا الحظ من العلم وهذه المرتبة أخرج عنه إلى المراغة لا أفعله أبدا واقتفى أثر الكري وحلله من الكراء وأقام بها حتى مات الثامنة عشرة الاستثناء إنما يرفع اليمين بالله تعالى إذ هي رخصة من الله تعالى ولا خلاف في هذا واختلفوا في الاستثناء في اليمين بغير الله فقال الشافعي وأبو حنيفة : الاستثناء يقع في كل يمين كالطلاق والعتاق وغير ذلك كاليمين بالله تعالى قال أبو عمر : ما أجمعوا عليه فهو الحق وإنما ورد التوقيف بالاستثناء في اليمين بالله عز وجل لا في غير ذلك التاسعة عشرة قوله تعالى : ( فكفارته ) اختلف العلماء في تقديم الكفارة على الحنث هل تجزئ أم لا بعد اجماعهم على أن الحنث قبل الكفارة مباح حسن وهو عندهم اولى على ثلاثة أقوال : أحدها يجزئ مطلقا وهو مذهب أربعة عشر من الصحابة وجمهور الفقهاء وهو مشهور مذهب مالك وقال أبو حنيفة وأصحابه : لا يجزئ بوجه وهي رواية أشهب عن مالك وجه الجواز ما رواه أبو موسى الأشعري قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( وإني والله إن شاء الله لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيرا منها إلا كفرت عن يميني وأتيت الذي هو خير ( خرجه أبو داود ومن جهة المعنى أن اليمين سبب الكفارة لقوله تعالى : ( ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم ) فأضاف الكفارة إلى اليمين والمعاني تضاف إلى أسبابها وأيضا فإن الكفارة بدل عن البر فيجوز تقديمها قبل الحنث ووجه المنع ما رواه مسلم عن عدي بن حاتم قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( من حلف على يمين ثم رأى غيرها خيرا منها فليأت الذي هو خير ( زاد النسائي ( وليكفر عن يمينه ( ومن جهة المعنى أن الكفارة إنما هي لرفع الإثم وما لم يحنث لم يكن هناك ما يرفع فلا معنى لفعلها وكان معنى قوله تعالى : ( إذا حلفتم ) أي إذا حلفتم وحنثتم وأيضا فإن كل عبادة فعلت قبل وجوبها لم تصح اعتبارا بالصلوات وسائر العبادات وقال الشافعي : تجزئ بالإطعام والعتق والكسوة ولا تجزئ بالصوم لأن عمل البدن لا يقدم قبل وقته ويجزئ في غير ذلك تقديم الكفارة وهو القول الثالث الموفية عشرين ذكر الله سبحانه في الكفارة الخلال الثلاث فخير فيها وعقب عند عدمها بالصيام وبدأ بالطعام لأنه كان الأفضل في بلاد الحجاز لغلبة الحاجة إليه وعدم شبعهم ولا خلاف في أن كفارة اليمين على التخيير قال بن العربي : والذي عندي أنها تكون بحسب الحال فإن علمت محتاجا فالطعام أفضل لأنك إذا أعتقت لم تدفع حاجتهم وزدت محتاجا حادي عشر إليهم وكذلك الكسوة تليه ولما علم الله الحاجة بدأ بالمقدم المهم الحادية والعشرون قوله تعالى : ( إطعام عشرة مساكين ) لابد عندنا وعند الشافعي من تمليك المساكين ما يخرج لهم ودفعه إليهم حتى يتملكوه ويتصرفوا فيه لقوله تعالى : وهو يطعم ولا يطعم وفي الحديث : أطعم رسول الله صلى الله عليه وسلم الجد السدس ولأنه أحد نوعي الكفارة فلم يجز فيها إلا التمليك أصله الكسوة وقال أبو حنيفة : لو غداهم وعشاهم جاز وهو اختيار بن الماجشون من علمائنا قال بن الماجشون : إن التمكين من الطعام إطعام قال الله تعالى : ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا الإنسان فبأي وجه أطعمه دخل في الآية الثانية والعشرون قوله تعالى : ( من أوسط ما تطعمون أهليكم ) قد تقدم في البقرة أن الوسط بمعنى الأعلى والخيار وهو هنا منزلة بين منزلتين ونصفا بين طرفين ومنه الحديث ( خير الأمور أوسطها ( وخرج بن ماجة حدثنا محمد بن يحيى حدثنا عبد الرحمن بن مهدي حدثنا سفيان بن عيينة عن سليمان بن أبي المغيرة عن سعيد بن جبير عن بن عباس قال : كان الرجل يقوت أهله قوتا فيه سعة وكان الرجل يقوت أهله قوتا فيه شدة فنزلت ( من أوسط ما تطعمون أهليكم ) وهذا يدل على أن الوسط ما ذكرناه وهو ما كان بين شيئين الثالثة والعشرون الإطعام عند مالك مد لكل واحد من المساكين العشرة إن كان بمدينة النبي صلى الله عليه وسلم وبه قال الشافعي وأهل المدينة قال سليمان بن يسار : أدركت الناس وهم إذا أعطوا في كفارة اليمين أعطوا مدا من حنطة بالمد الأصغر ورأوا ذلك مجزئا عنهم وهو قول بن عمر وبن عباس وزيد بن ثابت وبه قال عطاء بن أبي رباح واختلف إذا كان بغيرها فقال بن القاسم : يجزئه المد بكل مكان وقال بن المواز : أفتى بن وهب بمصر بمد ونصف وأشهب بمد وثلث قال : وإن مدا وثلثا لوسط من عيش الأمصار في الغداء والعشاء وقال أبو حنيفة : يخرج من البر نصف صاع ومن التمر والشعير صاعا على حديث عبد الله بن ثعلبة بن صعير عن أبيه قال : قام رسول الله صلى الله عليه وسلم خطيبا فأمر بصدقة الفطر صاع من تمر أو صاع من شعير عن كل رأس أو صاع بر بين اثنين وبه أخذ سفيان وبن المبارك وروي عن علي وعمر وبن عمر وعائشة رضي الله عنهم وبه قال سعيد بن المسيب وهو قول عامة فقهاء العراق لما رواه بن عباس قال : كفر رسول الله صلى الله عليه وسلم بصاع من تمر وأمر الناس بذلك فمن لم يجد فنصف صاع من بر ( من أوسط ما تطعمون أهليكم ) خرجه بن ماجة في سننه الرابعة والعشرون لا يجوز أن يطعم غنيا ولا ذا رحم تلزمه نفقته وإن كان ممن لا تلزمه نفقته فقد قال مالك : لا يعجبني أن يطعمه ولكن إن فعل وكان فقيرا أجزأه فإن أطعم غنيا جاهلا بغناه ففي المدونة وغير كتاب لا يجزئ وفي الأسدية أنه يجريء الخامسة والعشرون ويخحرج الرجل مما يأكل قال بن العربي : وقد زلت هنا جماعة من العلماء فقالوا : إنه إذا كان يأكل الشعير ويأكل الناس البر فليخرج مما يأكل الناس وهذا سهو بين فإن المكفر إذا لم يستطع في خاصة نفسه إلا الشعير لم يكلف أن يعطى لغيره سواه وقد قال صلى الله عليه وسلم : ( صاعا من طعام صاعا من شعير ( ففصل ذكرهما ليخرج كل أحد فرضه مما يأكل وهذا مما لا خفاء فيه السادسة والعشرون قال مالك : إن غدى عشرة مساكين وعشاهم أجزأه وقال الشافعي : لا يجوز أن يطعمهم جملة واحدة لأنهم يختلفون في الأكل ولكن يعطي كل مسكين مدا وروي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه : لا يجزئ إطعام العشرة وجبة واحدة يعني غداء دون عشاء أو عشاء دون غداء حتى يغديهم ويعشيهم قال أبو عمر : وهو قول أئمة الفتوى بالأمصار السابعة والعشرون قال بن حبيب : ولا يجزئ الخبز قفارا بل يعطى معه إدامه زيتا أو كشكا أوكامخا أو ما تيسر قال بن العربي : هذه زيادة ما أراها واجبة أما أنه يستحب له أن يطعم مع الخبز السكر نعم واللحم وأما تعيين الإدام للطعام فلا سبيل إليه لأن اللفظ لا يتضمنه قلت : نزول الآية في الوسط يقتضي الخبز والزيت أو الخل وما كان في معناه من الجبن والكشك كما قال بن حبيب والله أعلم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( نعم الإدام الخل ( وقال الحسن البصري إن أطعمهم خبزا ولحما أو خبزا وزيتا مرة واحدة في اليوم حتى يشبعوا أجزأه وهو قول بن سيرين وجابر بن زيد ومكحول وروي ذلك عن أنس بن مالك الثامنة والعشرون لا يجوز عندنا دفع الكفارة إلى مسكين واحد وبه قال الشافعي وأصحاب أبي حنيفة يمنعون صرف الجميع إلى واحد دفعة واحدة ويختلفون فيما إذا صرف الجميع في يوم واحد بدفعات مختلفة فمنهم من أجاز ذلك وإنه إذا تعدد الفعل حسن أن يقال في الفعل الثاني لا يمنع من الذي دفعت إليه أولا فإن اسم المسكين يتناوله وقال آخرون : يجوز دفع ذلك إليه في أيام وإن تعدد الأيام يقوم مقام أعداد المساكين وقال أبو حنيفة : يجزئه ذلك لأن المقصود من الآية التعريف بقدر ما يطعم فلو دفع ذلك القدر لواحد أجزأه ودليلنا نص الله تعالى على العشرة فلا يجوز العدول عنهم وأيضا فإن فيه أحياء جماعة من المسلمين وكفايتهم يوما واحدا فيتفرغون فيه لعبادة الله تبارك وتعالى ولدعائه فيغفر للمكفر بسبب ذلك والله أعلم التاسعة والعشرون قوله تعالى : ( فكفارته ) الضمير على الصناعة النحوية عائد على ( ما ) ويحتمل في هذا الموضوع أن تكون بمعنى الذي ويحتمل أن تكون مصدرية أو يعود على إثم الحنث وإن لم يجر له ذكر صريح ولكن المعنى يقتضيه الموفية ثلاثين قوله تعالى : ( أهليكم ) هو جمع أهل على السلامة وقرأ جعفر بن محمد الصادق : ( أهاليكم ) وهذا جمع مكسر قال أبو الفتح : أهال بمنزلة ليال واحدها أهلات وليلات والعرب تقول : أهل وأهلة قال الشاعر : وأهلة ود قد تبريت ودهم وأبليتهم في الجهد حمدي ونائلي يقول : تعرضت لودهم قاله بن السكيت الحادية والثلاثون قوله تعالى : ( أو كسوتهم ) قرئ بكسر الكاف وضمها هما لغتان مثل إسوة وأسوة وقرأ سعيد بن جبير ومحمد بن السميقع اليماني : ( أو كإسوتهم ) يعني كإسوة أهلك والكسوة في حق الرجال الثوب الواحد الساتر لجميع الجسد فأما في حق النساء فأقل ما يجزئهن فيه الصلاة وهو الدرع والخمار وهكذا حكم الصغار قال بن القاسم في العتبية : تكسى الصغيرة كسوة كبيرة والصغير كسوة كبير قياسا على الطعام وقال الشافعي وأبو حنيفة والثوري والأوزاعي : أقل ما يقع عليه الاسم وذلك ثوب واحد وفي رواية أبي الفرج عن مالك وبه قال إبراهيم النخعي ومغيرة : ما يستر جميع البدن بناء على أن الصلاة لا تجزئ في أقل من ذلك وروي عن سلمان رضي الله عنه أنه قال : نعم الثوب التبان أسنده الطبري وقال الحكم بن عتيبة تجزئ عمامة يلف بها رأسه وهو قول الثوري قال بن العربي : وما كان أحرصني على أن يقال : أنه لا يجزئ إلا كسوة تستر عن أذى الحر والبرد كما أن عليه طعاما يشبعه من الجوع فأقول به وأما القول بمئزر واحد فلا أدريه والله يفتح لي ولكم في المعرفة بعونه قلت : قد راعى قوم معهود الزي والكسوة المتعارفة فقال بعضهم : لا يجزئ الثوب الواحد إلا إذا كان جامعا مما قد يتزيا به كالكساء والملحفة وقال أبو حنيفة وأصحابه : الكسوة في كفارة اليمين لكل مسكين ثوب وإزار أو رداء أو قميص أو قباء أو كساء وروي عن أبي موسى الأشعري أنه أمر أن يكسى عنه ثوبين ثوبين وبه قال الحسن وبن سيرين وهذا معنى ما اختاره بن العربي والله أعلم الثانية والثلاثون لاتجزيء القيمة عن الطعام والكسوة وبه قال الشافعي وقال أبو حنيفة : تجزئ وهو يقول : تجزئ القيمة في الزكاة فكيف في الكفارة قال بن العربي : وعمدته أن الغرض سد الخلة ورفع الحاجة فالقيمة تجزئ فيه قلنا : إن نظرتم إلى سد الخلة فأين العبادة وأين نص القرآن على الأعيان الثلاثة والانتقال بالبيان من نوع إلى نوع الثالثة والثلاثون إذا دفع الكسوة إلى ذمي أو إلى عبد لم يجزه وقال أبو حنيفة : يجزئه لأنه مسكين يتناوله لفظ المسكنة ويشتمل عليه عموم الآية قلنا : هذا يخصه بأن يقول جزء من المال يجب إخراجه للمساكين فلا يجوز دفعه للكافر أصله الزكاة وقد اتفقنا على أنه لا يجوز دفعه للمرتد فكل دليل خص به المرتد فهو دليلنا في الذمي والعبد ليس بمسكين لاستغنائه بنفقة سيده فلا تدفع إليه كالغني الرابعة والثلاثون قوله تعالى : ( أو تحرير رقبة ) التحرير الإخراج من الرق ويستعمل في الأسر والمشقات وتعب الدنيا ونحوها ومنه قول أم مريم : إني نذرت لك ما في بطني محررا أي من شغوب الدنيا ونحوها ومن ذلك قول الفرزدق بن غالب : أبني غدانة إنني حررتكم فوهبتكم لعطية بن جعال أي حررتكم من الهجاء وخص الرقبة من الإنسان إذ هو العضو الذي يكون فيه الغل والتوثق غالبا من الحيوان فهو موضع الملك فأضيف التحرير إليها الخامسة والثلاثون لا يجوز عندنا إلا إعتاق رقبة مؤمنة كاملة ليس فيها شرك لغيره ولا عتاقة بعضها ولا عتق إلى أجل ولا كتابة ولا تدبير ولا تكون أم ولد ولا من يعتق عليه إذا ملكه ولا يكون بها من الهرم والزمانة ما يضر بها في الاكتساب سليمة غير معيبة خلافا لداود في تجويزه اعتاق المعيبة وقال أبو حنيفة : يجوز عتق الكافرة لأن مطلق اللفظ يقتضيها ودليلنا أنها قربة واجبة فلا يكون الكافر محلا لها كالزكاة وأيضا فكل مطلق في القرآن من هذا فهو راجع إلى المقيد في عتق الرقبة في القتل الخطأ وإنما قلنا : لا يكون فيها شرك لقوله تعالى : ( فتحرير رقبة ) وبعض الرقبة ليس برقبة وإنما قلنا لا يكون فيها عقد عتق لأن التحرير يقتضي ابتداء عتق دون تنجيز عتق مقدم وإنما قلنا : سليمة لقوله تعالى : ( فتحرير رقبة ) والإطلاق يقتضي تحرير رقبة كاملة والعمياء ناقصة وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم ( ما من مسلم يعتق امرءا مسلما إلا كان فكاكه من النار كل عضو منه بعضو منها حتى الفرج بالفرج ( وهذا نص وقد روي في الأعور قولان في المذهب وكذلك في الأصم والخصي السادسة والثلاثون من أخرج مالا ليعتق رقبة في كفارة فتلف كانت الكفارة باقية عليه بخلاف مخرج المال في الزكاة ليدفعه إلى الفقراء أو ليشتري به رقبة فتلف لم يكن عليه غيره لامتثال الأمر السابعة والثلاثون اختلفوا في الكفارة إذا مات الحالف فقال الشافعي وأبو ثور : كفارات الأيمان تخرج من رأس مال الميت وقال أبو حنيفة : تكون في الثلث وكذلك قال مالك إن أوصى بها الثامنة والثلاثون من حلف وهو موسر فلم يكفر حتى أعسر أو حنث وهو معسر فلم يكفر حتى أيسر أو حنث وهو عبد فلم يكفر حتى عتق فالمراعاة في ذلك كله بوقت التكفير لا وقت الحنث التاسعة والثلاثون روى مسلم عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( والله لأن يلج أحدكم بيمينه في أهله آثم له عند الله من أن يعطي كفارته التي فرض الله ( اللجاج في اليمين هو المضي على مقتضاه وإن لزم من ذلك حرج ومشقة وترك ما فيه منفعة عاجلة أو آجلة فإن كان شيء من ذلك فالأولى به تحنيث نفسه وفعل الكفارة ولا يعتل باليمين كما ذكرناه في قوله تعالى : ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم وقال عليه السلام : ( من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها فليكفر عن يمينه وليفعل الذي هو خير ( أي الذي هو أكثر خيرا الموفية أربعين روى مسلم عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( اليمين على نية المستحلف ( قال العلماء : معناه أن من وجبت عليه يمين في حق وجب عليه فحلف وهو ينوي غيره لم تنفعه نيته ولا يخرج بها عن إثم تلك اليمين وهو معنى قوله في الحديث الآخر : ( يمينك على ما يصدقك عليه صاحبك ( وروي ( يصدقك به صاحبك ( خرجه مسلم أيضا قال مالك : من حلف لطالبه في حق له عليه واستثنى في يمينه أو حرك لسانه أو شفتيه أو تكلم به لم ينفعه استثناؤه ذلك لأن النية نية المحلوف له لأن اليمين حق له وإنما تقع على حسب ما يستوفيه له الحاكم لا على اختيار الحالف لأنها مستوفاة منه هذا تحصيل مذهبه وقوله الحادية والأربعون قوله تعالى : ( فمن لم يجد ) معناه لم يجد في ملكه أحد هذه الثلاثة من الإطعام أو الكسوة أو عتق الرقبة بإجماع فإذا عدم هذه الثلاثة الأشياء صام والعدم يكون بوجهين إما بمغيب المال عنه أو عدمه فالأول أن يكون في بلد غير بلده فإن وجد من يسلفه لم يجزه الصوم وإن لم يجد من يسلفه فقد اختلف فيه فقيل : ينتظر إلى بلده قال بن العربي : وذلك لا يلزمه بل يكفر بالصيام لأن الوجوب قد تقرر في الذمة والشرط من العدم قد تحقق فلا وجه لتأخير الأمر فليكفر مكانه لعجزه عن الأنواع الثلاثة لقوله تعالى : ( فمن لم يجد ) وقيل : من لم يكن له فضل عن رأس ماله الذي يعيش به فهو الذي لم يجد وقيل : هو من لم يكن له إلا قوت يومه وليلته وليس عنده فضل يطعمه وبه قال الشافعي واختاره الطبري وهو مذهب مالك وأصحابه وروي عن بن القاسم أن من تفضل عنه نفقة يومه فإنه لا يصوم قال بن القاسم في كتاب بن مزين : إنه إن كان للحانث فضل عن قوت يومه أطعم إلا أن يخاف الجوع أو يكون في بلد لا يعطف عليه فيه وقال أبو حنيفة : إذا لم يكن عنده نصاب فهو غير واجد وقال أحمد وإسحاق : إذا كان عنده قوت يوم وليلة أطعم ما فضل عنه وقال أبو عبيد : إذا كان عنده قوت يومه وليلته وعياله وكسوة تكون لكفايتهم ثم يكون بعد ذلك مالكا لقدر الكفارة فهو عندنا واجد قال بن المنذر : قول أبي عبيد حسن الثانية والأربعون قوله تعالى : ( فصيام ثلاثة أيام ) قرأها بن مسعود ( متتابعات ) فيقيد بها المطلق وبه قال أبو حنيفة والثوري وهو أحد قولي الشافعي واختاره المزني قياسا على الصوم في كفارة الظهار واعتبارا بقراءة عبد الله وقال مالك والشافعي في قوله الآخر : يجزئه التفريق لأن التتابع صفة لا تجب إلا بنص أو قياس على منصوص وقد عدما الثالثة والأربعون من أفطر في يوم من أيام الصيام ناسيا فقال مالك : عليه القضاء وقال الشافعي : لا قضاء عليه على ما تقدم بيانه في الصيام في البقرة الرابعة والأربعون هذه الكفارة التي نص الله عليها لازمة للحر المسلم باتفاق واختلفوا فيما يجب منها على العبد إذا حنث فكان سفيان الثوري والشافعي وأصحاب الرأي يقولون : ليس عليه إلا الصوم لا يجزئه غير ذلك واختلف فيه قول مالك فحكى عنه بن نافع أنه قال : لا يكفر العبد بالعتق لأنه لا يكون له الولاء ولكن يكفر بالصدقة إن أذن له سيده وأصوب ذلك أن يصوم وحكى بن القاسم عنه أنه قال : إن أطعم أو كسا بإذن السيد فما هو بالبين وفي قلبي منه شيء الخامسة والأربعون قوله تعالى : ( ذلك كفارة أيمانكم ) أي تغطية أيمانكم وكفرت الشيء غطيته وسترته وقد تقدم ولا خلاف أن هذه الكفارة في اليمين بالله تعالى وقد ذهب بعض التابعين إلى أن كفارة اليمين فعل الخير الذي حلف في تركه وترجم بن ماجه في سننه من قال كفارتها تركها حدثنا علي بن محمد حدثنا عبد الله بن نمير عن حارثة بن أبي الرجال عن عمرة عن عائشة قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( من حلف في قطيعة رحم أو فيما لايصلح فبره ألا يتم على ذلك ( وأسند عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( : من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها فليتركها فإن تركها كفارتها ( قلت : ويعتضد هذا بقصة الصديق رضي الله عنه حين حلف ألا يطعم الطعام وحلفت امرأته ألا تطعمه حتى يطعمه وحلف الضيف أو الأضياف ألا يطعمه أو لا يطعموه حتى يطعمه فقال أبو بكر : كان هذا من الشيطان فدعا بالطعام فأكل وأكلوا خرجه البخاري وزاد مسلم قال : فلما أصبح غدا على النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله بروا وحنثت قال : فأخبره قال : ( بل أنت أبرهم وأخيرهم ( قال : ولم تبلغني كفارة السادسة والأربعون واختلفوا في كفارة غير اليمين بالله عز وجل فقال مالك : من حلف بصدقة ماله أخرج ثلثه وقال الشافعي : عليه كفارة يمين وبه قال إسحاق وأبو ثور وروي عن عمر وعائشة رضي الله عنهما وقال الشعبي وعطاء وطاوس : لا شيء عليه وأما اليمين بالمشي إلى مكة فعليه أن يفي به عند مالك وأبي حنيفة وتجزئه كفارة يمين عند الشافعي وأحمد بن حنبل وأبي ثور وقال بن المسيب والقاسم بن محمد : لا شيء عليه قال بن عبد البر : أكثر أهل العلم بالمدينة وغيرها يوجبون في اليمين بالمشي إلى مكة كفارة مثل كفارة اليمين بالله عز وجل وهو قول جماعة من الصحابة والتابعين وجمهور فقهاء المسلمين وقد أفتى به بن القاسم ابنه عبد الصمد وذكر له أنه قول الليث بن سعد والمشهور عن بن القاسم أنه لا كفارة عنده في المشي إلى مكة إلا بالمشي لمن قدر عليه وهو قول مالك وأما الحالف بالعتق فعليه عتق من حلف عليه بعتقه في قول مالك والشافعي وغيرهما وروي عن بن عمر وبن عباس وعائشة أنه يكفر كفارة يمين ولا يلزمه العتق وقال عطاء : يتصدق بشيء قال المهدوي : وأجمع من يعتمد على قوله من العلماء على أن الطلاق لازم لمن حلف به وحنث السابعة والأربعون قوله تعالى : ( واحفظوا أيمانكم ) أي بالبدار إلى ما لزمكم من الكفارة إذا حنثتم وقيل : أي بترك الحلف فإنكم إذا لم تحلفوا لم تتوجه عليكم هذه التكليفات ( لعلكم تشكرون ) تقدم معنى ( الشكر ) و ( لعل ) في البقرة والحمد لله < <
Section V06/P284Kurtubî — el-Câmi' li-Ahkâmi'l-Kur'ân (s. V06/P284)
Orijinal Metin (AR)المائدة : ( 90 ) يا أيها الذين . . . . . > > < > ( المائده 90 : 92 ) <
Français Tercümesi (Ehl-i Sünnet)المائدة : ( 90 ) يا أيها الذين . . . . . > > < > ( المائده 90 : 92 ) <
Section V06/P284–V06/P292Kurtubî — el-Câmi' li-Ahkâmi'l-Kur'ân (s. V06/P284–V06/P292)
Orijinal Metin (AR)> فيه سبع عشرة مسألة : الأولى قوله تعالى : ( يا أيها الذين آمنوا ) خطاب لجميع المؤمنين بترك هذه الأشياء إذ كانت شهوات وعادات تلبسوا بها في الجاهلية وغلبت على النفوس فكان نفي منها في نفوس كثير من المؤمنين قال بن عطية : ومن هذا القبيل هوى الزجر بالطير وأخذ الفأل في الكتب ونحوه مما يصنعه الناس اليوم وأما الخمر فكانت لم تحرم بعد وإنما نزل تحريمها في سنة ثلاث بعد وقعة أحد وكانت وقعة أحد في شوال سنة ثلاث من الهجرة وتقدم اشتقاقها وأما ( الميسر ) فقد مضى في البقرة القول فيه وأما الأنصاب فقيل : هي الأصنام وقيل : هي النرد والشطرنج ويأتي بيانهما في سورة يونس عند قوله تعالى : فماذا بعد الحق إلا الضلال يونس وأما الأزلام فهي القداح وقد مضى في أول السورة القول فيها ويقال : كانت في البيت عند سدنة البيت وخدام الأصنام يأتي الرجل إذا أراد حاجة فيقبض منها شيئا فإن كان عليه أمرني ربي خرج إلى حاجته على ما أحب أو كره الثانية تحريم الخمر كان بتدريج ونوازل كثيرة فإنهم كانوا مولعين بشربها وأول ما نزل في شأنها يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس أي في تجارتهم فلما نزلت هذه الآية تركها بعض الناس وقالوا : لا حاجة لنا فيما فيه إثم كبير ولم يتركها بعض الناس وقالوا : نأخذ منفعتها ونترك إثمها فنزلت هذه الآية لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى فتركها بعض الناس وقالوا : لا حاجة لنا فيما يشغلنا عن الصلاة وشربها بعض الناس في غير أوقات الصلاة حتى نزلت : ( يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس ) الآية فصارت حراما عليهم حتى صار يقول بعضهم : ما حرم الله شيئا أشد من الخمر وقال أبو ميسرة : نزلت بسبب عمر بن الخطاب فإنه ذكر للنبي صلى الله عليه وسلم عيوب الخمر وما ينزل بالناس من أجلها ودعا الله في تحريمها وقال : اللهم بين لنا في الخمر بيانا شافيا فنزلت هذه الآيات فقال عمر : انتهينا انتهينا وقد مضى في البقرة والنساء وروى أبو داود عن بن عباس قال : يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى ويسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس نسختها التي في المائدة ( إنما الخمر والميسر والأنصاب ) وفي صحيح مسلم عن سعد بن أبي وقاص أنه قال : نزلت في آيات من القرآن وفيه قال : وأتيت على نفر من الأنصار فقالوا : تعال نطعمك ونسقيك خمرا وذلك قبل أن تحرم الخمر قال : فأتيتهم في حش والحش البستان فإذا رأس جزور مشوي عندهم وزق من خمر قال : فأكلت وشربت معهم قال : فذكرت الأنصار والمهاجرين عندهم فقلت : المهاجرون خير من الأنصار قال : فأخذ رجل لحيي جمل فضربني به فجرح أنفي وفي رواية ففزره وكان أنف سعد مفزورا فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته فأنزل الله تعالى في يعني نفسه شأن الخمر ( إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه ) الثالثة هذه الأحاديث تدل على أن شرب الخمر كان إذ ذاك مباحا معمولا به معروفا عندهم بحيث لا ينكر ولا يغير وأن النبي صلى الله عليه وسلم أقر عليه وهذا ما لا خلاف فيه يدل عليه آية النساء لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى على ما تقدم وهل كان يباح لهم شرب القدر الذي يسكر حديث حمزة ظاهر فيه حين بقر خواصر ناقتي علي رضي الله عنهما وجب أسنمتهما فأخبر علي بذلك النبي صلى الله عليه وسلم فجاء إلى حمزة فصدر عن حمزة للنبي صلى الله عليه وسلم من القول الجافي المخالف لما يجب عليه من احترام النبي صلى الله عليه وسلم وتوقيره وتعزيره ما يدل على أن حمزة كان قد ذهب عقله بما يسكر ولذلك قال الراوي : فعرف رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه ثمل ثم إن النبي صلى الله عليه وسلم لم ينكر على حمزة ولا عنفه لا في حال سكره ولا بعد ذلك بل رجع لما قال حمزة : وهل أنتم إلا عبيد لأبي على عقبيه القهقري وخرج عنه وهذا خلاف ما قاله الأصوليون وحكوه فإنهم قالوا : إن السكر حرام في كل شريعة لأن الشرائع مصالح العباد لا مفاسدهم وأصل المصالح العقل كما أن أصل المفاسد ذهابه فيجب المنع من كل ما يذهبه أو يشوشه إلا أنه يحتمل حديث حمزة أنه لم يقصد بشربه السكر لكنه أسرع فيه فغلبه والله أعلم الرابعة قوله تعالى : ( رجس ) قال بن عباس في هذه الآية : ( رجس ) سخط وقد يقال للنتن والعذرة والأقذار رجس والرجز بالزاي العذاب لا غير والركس العذرة لا غير والرجس يقال للامرين ومعنى ( من عمل الشيطان ) أي بحمله عليه وتزيينه وقيل : هو الذي كان عمل مباديء هذه الأمور بنفسه حتى اقتدى به فيها الخامسة قوله تعالى : ( فاجتنبوه ) يريد أبعدوه واجعلوه ناحية فأمر الله تعالى باجتناب هذه الأمور واقترنت بصيغة الأمر مع نصوص الأحاديث وإجماع الأمة فحصل الاجتناب في جهة التحريم فبهذا حرمت الخمر ولا خلاف بين علماء المسلمين أن سورة المائدة نزلت بتحريم الخمر وهي مدنية من آخر ما نزل وورد التحريم في الميتة والدم ولحم الخنزير في قوله تعالى : قل لا أجد وغيرها من الآي خبرا وفي الخمر نهيا وزجرا وهو أقوى التحريم وأوكده روى بن عباس قال : لما نزل تحريم الخمر مشي اصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بعضهم إلى بعض وقالوا حرمت الخمر وجعلت عدلا للشرك يعني أنه قرنها بالذبح للأنصاب وذلك شرك ثم علق ( لعلكم تفلحون ) فعلق الفلاح بالأمر وذلك يدل على تأكيد الوجوب والله اعلم السادسة فهم الجمهور من تحريم الخمر واستخباث الشرع لها وإطلاق الرجس عليها والأمر باجتنابها الحكم بنجاستها وخالفهم في ذلك ربيعة والليث بن سعد والمزني صاحب الشافعي وبعض المتأخرين من البغداديين والقرويين فرأوا أنها طاهرة وأن المحرم إنما هو شربها وقد استدل سعيد بن الحداد القروي على طهارتها بسفكها في طرق المدينة قال : ولو كانت نجسة لما فعل ذلك الصحابة رضوان الله عليهم ولنهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عنه كما نهى عن التخلي في الطرق والجواب أن الصحابة فعلت ذلك لأنه لم يكن لهم سروب ولا آبار يريقونها فيها إذ الغالب من أحوالهم أنهم لم يكن لهم كنف في بيوتهم وقالت عائشة رضي الله عنها إنهم كانوا يتقذرون من اتخاذ الكنف في البيوت ونقلها إلى خارج المدينة فيه كلفة ومشقة ويلزم منه تأخير ما وجب على الفور وأيضا فإنه يمكن التحرز منها فإن طرق المدينة كانت واسعة ولم تكن الخمر من الكثرة بحيث تصير نهرا يعم الطريق كلها بل إنما جرت في مواضع يسيرة يمكن التحرز عنها هذا مع ما يحصل في ذلك من فائدة شهرة إراقتها في طرق المدينة ليشيع العمل على مقتضى تحريمها من إتلافها وأنه لا ينتفع بها وتتابع الناس وتوافقوا على ذلك والله أعلم فإن قيل : التنجيس حكم شرعي ولا نص فيه ولا يلزم من كون الشيء محرما أن يكون نجسا فكم من محرم في الشرع ليس بنجس قلنا : قوله تعالى : ( رجس ) يدل على نجاستها فإن الرجس في اللسان النجاسة ثم لو التزمنا ألا نحكم بحكم إلا حتى نجد فيه نصا لتعطلت الشريعة فإن النصوص فيها قليلة فأي نص يوجد على تنجيس البول والعذرة والدم والميتة وغير ذلك وإنما هي الظواهر والعمومات والأقيسة وسيأتي في سورة الحج ما يوضح هذا المعنى إن شاء الله تعالى السابعة قوله : ( فاجتنبوه ) يقتضي الاجتناب المطلق الذي لا ينتفع معه بشيء بوجه من الوجوه لا بشرب ولا بيع ولا تخليل ولا مداواة ولا غير ذلك وعلى هذا تدل الأحاديث الواردة في الباب روى مسلم عن بن عباس أن رجلا أهدى لرسول الله صلى الله عليه وسلم راوية خمر فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( هل علمت أن الله حرمها ( قال : لا قال : فسار رجلا فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( بم ساررته ( قال : أمرته ببيعها فقال : ( إن الذي حرم شربها حرم بيعها ( قال ففتح المزادة حتى ذهب ما فيها فهذا حديث يدل على ما ذكرناه إذ لو كان فيها منفعة من المنافع الجائزة لبينه رسول الله صلى الله عليه وسلم كما قال في الشاة الميتة : ( هلا أخذتم إهابها فدبغتموه فانتفعتم به ( الحديث الثامنة أجمع المسلمون على تحريم بيع الخمر والدم وفي ذلك دليل على تحريم بيع العذرات وسائر النجاسات وما لا يحل أكله ولذلك والله أعلم كره مالك بيع زبل الدواب ورخص فيه بن القاسم لما فيه من المنفعة والقياس ما قاله مالك وهو مذهب الشافعي وهذا الحديث شاهد بصحة ذلك التاسعة ذهب جمهور الفقهاء إلى أن الخمر لا يجوز تخليلها لأحد ولو جاز تخليلها ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ليدع الرجل أن يفتح المزادة حتى يذهب ما فيها لأن الخل مال وقد نهى عن إضاعة المال ولا يقول أحد فيمن أراق خمرا على مسلم أنه أتلف له مالا وقد أراق عثمان بن أبي العاص خمرا ليتيم واستؤذن صلى الله عليه وسلم في تخليلها فقال : ( لا ( ونهى عن ذلك ذهب إلى هذا طائفة من العلماء من أهل الحديث والرأي وإليه مال سحنون بن سعيد وقال آخرون : لا بأس بتخليل الخمر ولا بأس بأكل ما تخلل منها بمعالجة آدمي أو غيرها وهو قول الثوري والأوزاعي والليث بن سعد والكوفيين وقال أبو حنيفة : إن طرح فيها المسك والملح فصارت مربى وتحولت عن حال الخمر جاز وخالفه محمد بن الحسن في المربى وقال : لا تعالج الخمر بغير تحويلها إلى الخل وحده قال أبو عمر : احتج العراقيون في تخليل الخمر بأبي الدرداء وهو يروى عن أبي إدريس الخولاني عن أبي الدرداء من وجه ليس بالقوي أنه كان يأكل المربى منه ويقول : دبغته الشمس والملح وخالفه عمر بن الخطاب وعثمان بن أبي العاص في تخليل الخمر وليس في رأي أحد حجة مع السنة وبالله التوفيق وقد يحتمل أن يكون المنع من تخليلها كان في بدء الإسلام عند نزول تحريمها لئلا يستدام حبسها لقرب العهد بشربها إرادة لقطع العادة في ذلك وإذا كان كذلك لم يكن في النهي عن تخليلها حينئذ والأمر بإراقتها ما يمنع من أكلها إذا خللت وروى أشهب عن مالك قال : إذا خلل النصراني خمرا فلا بأس بأكله وكذلك إن خللها مسلم واستغفر الله وهذه الرواية ذكرها بن عبد الحكم في كتابه والصحيح ما قاله مالك في رواية بن القاسم وبن وهب أنه لا يحل لمسلم أن يعالج الخمر حتى يجعلها خلا ولا يبيعها ولكن ليهريقها العاشرة لم يختلف قول مالك وأصحابه أن الخمر إذا تخللت بذاتها أن أكل ذلك الخل حلال وهو قول عمر بن الخطاب وقبيصة وبن شهاب وربيعة وأحد قولي الشافعي وهو تحصيل مذهبه عند أكثر أصحابه الحادية عشرة ذكر بن خويز منداد أنها تملك ونزع إلى ذلك بأنه يمكن أن يزال بها الغصص ويطفأ بها حريق وهذا نقل لا يعرف لمالك بل يخرج هذا على قول من يرى أنها طاهرة ولو جاز ملكها لما أمر النبي صلى الله عليه وسلم بإراقتها وأيضا فإن الملك نوع نفع وقد بطل بإراقتها والحمد لله الثانية عشرة هذه الآية تدل على تحريم اللعب بالنرد والشطرنج قمارا أو غير قمار لأن الله تعالى لما حرم الخمر أخبر بالمعنى الذي فيها فقال : ( يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر ) الآية ثم قال : ( إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء ) الآية فكل لهو دعا قليله إلى كثير وأوقع العداوة والبغضاء بين العاكفين عليه وصد عن ذكر الله وعن الصلاة فهو كشرب الخمر وأوجب أن يكون حراما مثله فإن قيل : إن شرب الخمر يورث السكر فلا يقدر معه على الصلاة وليس في اللعب بالنرد والشطرنج هذا المعنى قيل له : قد جمع الله تعالى بين الخمر والميسر في التحريم ووصفهما جميعا بأنهما يوقعان العداوة والبغضاء بين الناس ويصدان عن ذكر الله وعن الصلاة ومعلوم أن الخمر إن أسكرت فالميسر لا يسكر ثم لم يكن عند الله افتراقهما في ذلك يمنع من التسوية بينهما في التحريم لأجل ما اشتركا فيه من المعاني وأيضا فإن قليل الخمر لا يسكر كما أن اللعب بالنرد والشطرنج لا يسكر ثم كان حراما مثل الكثير فلا ينكر أن يكون اللعب بالنرد والشطرنج حراما مثل الخمر وإن كان لا يسكر وأيضا فإن ابتداء اللعب يورث الغفلة فتقوم تلك الغفلة المستولية على القلب مكان السكر فإن كانت الخمر إنما حرمت لأنها تسكر فتصد بالإسكار عن الصلاة فليحرم اللعب بالنرد والشطرنج لأنه يغفل ويلهي فيصد بذلك عن الصلاة والله أعلم الثالثة عشرة مهدى الراوية يدل على أنه كان لم يبلغه الناسخ وكان متمسكا بالإباحة المتقدمة فكان ذلك دليلا على أن الحكم لا يرتفع بوجود الناسخ كما يقوله بعض الأصوليين بل ببلوغه كما دل عليه هذا الحديث وهو الصحيح لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يوبخه بل بين له الحكم ولأنه مخاطب بالعمل بالأول بحيث لو تركه عصى بلا خلاف وإن كان الناسخ قد حصل في الوجود وذلك كما وقع لأهل قباء إذ كانوا يصلون إلى بيت المقدس إلى أن أتاهم الآتي فأخبرهم بالناسخ فمالوا نحو الكعبة وقد تقدم في سورة البقرة والحمد لله وتقدم فيها ذكر الخمر واشتقاقها والميسر وقد مضى في صدر هذه السورة القول في الأنصاب والأزلام والحمد لله الرابعة عشرة قوله تعالى : ( إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ) الآية أعلم الله تعالى عباده أن الشيطان إنما يريد أن يوقع العداوة والبغضاء بيننا بسبب الخمر وغيره فحذرنا منها ونهانا عنها روى أن قبيلتين من الأنصار شربوا الخمر وانتشوا فعبث بعضهم ببعض فلما صحوا رأى بعضهم في وجه بعض آثار ما فعلوا وكانوا إخوة ليس في قلوبهم ضغائن فجعل بعضهم يقول : لو كان أخي بي رحيما ما فعل بي هذا فحدثت بينهم الضغائن فأنزل الله : ( إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء ) الآية الخامسة عشرة قوله تعالى : ( ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة ) يقول : إذا سكرتم لم تذكروا الله ولم تصلوا وإن صليتم خلط عليكم كما فعل بعلي وروى : بعبد الرحمن كما تقدم في النساء وقال عبيد الله بن عمر : سئل القاسم بن محمد عن الشطرنج أهي ميسر وعن النرد أهو ميسر فقال : كل ما صد عن ذكر الله وعن الصلاة فهو ميسر قال أبو عبيد : تأول قوله تعالى : ( ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة ) السادسة عشرة قوله تعالى : ( فهل أنتم منتهون ) لما علم عمر رضي الله عنه أن هذا وعيد شديد زائد على معنى انتهوا قال : انتهينا وأمر النبي صلى الله عليه وسلم مناديه أن ينادي في سكك المدينة إلا أن الخمر قد حرمت فكسرت الدنان وأريقت الخمر حتى جرت في سكك المدينة السابعة عشرة قوله تعالى : ( وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول واحذروا ) تأكيد للتحريم وتشديد في الوعيد وامتثال للأمر وكف عن المنهي عنه وحسن عطف ( وأطيعوا الله ) لما كان في الكلام المتقدم معنى انتهوا وكرر ( وأطيعوا ) في ذكر الرسول تأكيدا ثم حذر في مخالفة الأمر وتوعد من تولى بعذاب الآخرة فقال : ( فإن توليتم ) أي خالفتم ( فإنما على رسولنا البلاغ المبين ) في تحريم ما أمر بتحريمه وعلى المرسل أن يعاقب أو يثيب بحسب ما يعصى أو يطاع < <
Français Tercümesi (Ehl-i Sünnet)> فيه سبع عشرة مسألة : الأولى قوله تعالى : ( يا أيها الذين آمنوا ) خطاب لجميع المؤمنين بترك هذه الأشياء إذ كانت شهوات وعادات تلبسوا بها في الجاهلية وغلبت على النفوس فكان نفي منها في نفوس كثير من المؤمنين قال بن عطية : ومن هذا القبيل هوى الزجر بالطير وأخذ الفأل في الكتب ونحوه مما يصنعه الناس اليوم وأما الخمر فكانت لم تحرم بعد وإنما نزل تحريمها في سنة ثلاث بعد وقعة أحد وكانت وقعة أحد في شوال سنة ثلاث من الهجرة وتقدم اشتقاقها وأما ( الميسر ) فقد مضى في البقرة القول فيه وأما الأنصاب فقيل : هي الأصنام وقيل : هي النرد والشطرنج ويأتي بيانهما في سورة يونس عند قوله تعالى : فماذا بعد الحق إلا الضلال يونس وأما الأزلام فهي القداح وقد مضى في أول السورة القول فيها ويقال : كانت في البيت عند سدنة البيت وخدام الأصنام يأتي الرجل إذا أراد حاجة فيقبض منها شيئا فإن كان عليه أمرني ربي خرج إلى حاجته على ما أحب أو كره الثانية تحريم الخمر كان بتدريج ونوازل كثيرة فإنهم كانوا مولعين بشربها وأول ما نزل في شأنها يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس أي في تجارتهم فلما نزلت هذه الآية تركها بعض الناس وقالوا : لا حاجة لنا فيما فيه إثم كبير ولم يتركها بعض الناس وقالوا : نأخذ منفعتها ونترك إثمها فنزلت هذه الآية لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى فتركها بعض الناس وقالوا : لا حاجة لنا فيما يشغلنا عن الصلاة وشربها بعض الناس في غير أوقات الصلاة حتى نزلت : ( يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس ) الآية فصارت حراما عليهم حتى صار يقول بعضهم : ما حرم الله شيئا أشد من الخمر وقال أبو ميسرة : نزلت بسبب عمر بن الخطاب فإنه ذكر للنبي صلى الله عليه وسلم عيوب الخمر وما ينزل بالناس من أجلها ودعا الله في تحريمها وقال : اللهم بين لنا في الخمر بيانا شافيا فنزلت هذه الآيات فقال عمر : انتهينا انتهينا وقد مضى في البقرة والنساء وروى أبو داود عن بن عباس قال : يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى ويسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس نسختها التي في المائدة ( إنما الخمر والميسر والأنصاب ) وفي صحيح مسلم عن سعد بن أبي وقاص أنه قال : نزلت في آيات من القرآن وفيه قال : وأتيت على نفر من الأنصار فقالوا : تعال نطعمك ونسقيك خمرا وذلك قبل أن تحرم الخمر قال : فأتيتهم في حش والحش البستان فإذا رأس جزور مشوي عندهم وزق من خمر قال : فأكلت وشربت معهم قال : فذكرت الأنصار والمهاجرين عندهم فقلت : المهاجرون خير من الأنصار قال : فأخذ رجل لحيي جمل فضربني به فجرح أنفي وفي رواية ففزره وكان أنف سعد مفزورا فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته فأنزل الله تعالى في يعني نفسه شأن الخمر ( إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه ) الثالثة هذه الأحاديث تدل على أن شرب الخمر كان إذ ذاك مباحا معمولا به معروفا عندهم بحيث لا ينكر ولا يغير وأن النبي صلى الله عليه وسلم أقر عليه وهذا ما لا خلاف فيه يدل عليه آية النساء لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى على ما تقدم وهل كان يباح لهم شرب القدر الذي يسكر حديث حمزة ظاهر فيه حين بقر خواصر ناقتي علي رضي الله عنهما وجب أسنمتهما فأخبر علي بذلك النبي صلى الله عليه وسلم فجاء إلى حمزة فصدر عن حمزة للنبي صلى الله عليه وسلم من القول الجافي المخالف لما يجب عليه من احترام النبي صلى الله عليه وسلم وتوقيره وتعزيره ما يدل على أن حمزة كان قد ذهب عقله بما يسكر ولذلك قال الراوي : فعرف رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه ثمل ثم إن النبي صلى الله عليه وسلم لم ينكر على حمزة ولا عنفه لا في حال سكره ولا بعد ذلك بل رجع لما قال حمزة : وهل أنتم إلا عبيد لأبي على عقبيه القهقري وخرج عنه وهذا خلاف ما قاله الأصوليون وحكوه فإنهم قالوا : إن السكر حرام في كل شريعة لأن الشرائع مصالح العباد لا مفاسدهم وأصل المصالح العقل كما أن أصل المفاسد ذهابه فيجب المنع من كل ما يذهبه أو يشوشه إلا أنه يحتمل حديث حمزة أنه لم يقصد بشربه السكر لكنه أسرع فيه فغلبه والله أعلم الرابعة قوله تعالى : ( رجس ) قال بن عباس في هذه الآية : ( رجس ) سخط وقد يقال للنتن والعذرة والأقذار رجس والرجز بالزاي العذاب لا غير والركس العذرة لا غير والرجس يقال للامرين ومعنى ( من عمل الشيطان ) أي بحمله عليه وتزيينه وقيل : هو الذي كان عمل مباديء هذه الأمور بنفسه حتى اقتدى به فيها الخامسة قوله تعالى : ( فاجتنبوه ) يريد أبعدوه واجعلوه ناحية فأمر الله تعالى باجتناب هذه الأمور واقترنت بصيغة الأمر مع نصوص الأحاديث وإجماع الأمة فحصل الاجتناب في جهة التحريم فبهذا حرمت الخمر ولا خلاف بين علماء المسلمين أن سورة المائدة نزلت بتحريم الخمر وهي مدنية من آخر ما نزل وورد التحريم في الميتة والدم ولحم الخنزير في قوله تعالى : قل لا أجد وغيرها من الآي خبرا وفي الخمر نهيا وزجرا وهو أقوى التحريم وأوكده روى بن عباس قال : لما نزل تحريم الخمر مشي اصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بعضهم إلى بعض وقالوا حرمت الخمر وجعلت عدلا للشرك يعني أنه قرنها بالذبح للأنصاب وذلك شرك ثم علق ( لعلكم تفلحون ) فعلق الفلاح بالأمر وذلك يدل على تأكيد الوجوب والله اعلم السادسة فهم الجمهور من تحريم الخمر واستخباث الشرع لها وإطلاق الرجس عليها والأمر باجتنابها الحكم بنجاستها وخالفهم في ذلك ربيعة والليث بن سعد والمزني صاحب الشافعي وبعض المتأخرين من البغداديين والقرويين فرأوا أنها طاهرة وأن المحرم إنما هو شربها وقد استدل سعيد بن الحداد القروي على طهارتها بسفكها في طرق المدينة قال : ولو كانت نجسة لما فعل ذلك الصحابة رضوان الله عليهم ولنهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عنه كما نهى عن التخلي في الطرق والجواب أن الصحابة فعلت ذلك لأنه لم يكن لهم سروب ولا آبار يريقونها فيها إذ الغالب من أحوالهم أنهم لم يكن لهم كنف في بيوتهم وقالت عائشة رضي الله عنها إنهم كانوا يتقذرون من اتخاذ الكنف في البيوت ونقلها إلى خارج المدينة فيه كلفة ومشقة ويلزم منه تأخير ما وجب على الفور وأيضا فإنه يمكن التحرز منها فإن طرق المدينة كانت واسعة ولم تكن الخمر من الكثرة بحيث تصير نهرا يعم الطريق كلها بل إنما جرت في مواضع يسيرة يمكن التحرز عنها هذا مع ما يحصل في ذلك من فائدة شهرة إراقتها في طرق المدينة ليشيع العمل على مقتضى تحريمها من إتلافها وأنه لا ينتفع بها وتتابع الناس وتوافقوا على ذلك والله أعلم فإن قيل : التنجيس حكم شرعي ولا نص فيه ولا يلزم من كون الشيء محرما أن يكون نجسا فكم من محرم في الشرع ليس بنجس قلنا : قوله تعالى : ( رجس ) يدل على نجاستها فإن الرجس في اللسان النجاسة ثم لو التزمنا ألا نحكم بحكم إلا حتى نجد فيه نصا لتعطلت الشريعة فإن النصوص فيها قليلة فأي نص يوجد على تنجيس البول والعذرة والدم والميتة وغير ذلك وإنما هي الظواهر والعمومات والأقيسة وسيأتي في سورة الحج ما يوضح هذا المعنى إن شاء الله تعالى السابعة قوله : ( فاجتنبوه ) يقتضي الاجتناب المطلق الذي لا ينتفع معه بشيء بوجه من الوجوه لا بشرب ولا بيع ولا تخليل ولا مداواة ولا غير ذلك وعلى هذا تدل الأحاديث الواردة في الباب روى مسلم عن بن عباس أن رجلا أهدى لرسول الله صلى الله عليه وسلم راوية خمر فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( هل علمت أن الله حرمها ( قال : لا قال : فسار رجلا فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( بم ساررته ( قال : أمرته ببيعها فقال : ( إن الذي حرم شربها حرم بيعها ( قال ففتح المزادة حتى ذهب ما فيها فهذا حديث يدل على ما ذكرناه إذ لو كان فيها منفعة من المنافع الجائزة لبينه رسول الله صلى الله عليه وسلم كما قال في الشاة الميتة : ( هلا أخذتم إهابها فدبغتموه فانتفعتم به ( الحديث الثامنة أجمع المسلمون على تحريم بيع الخمر والدم وفي ذلك دليل على تحريم بيع العذرات وسائر النجاسات وما لا يحل أكله ولذلك والله أعلم كره مالك بيع زبل الدواب ورخص فيه بن القاسم لما فيه من المنفعة والقياس ما قاله مالك وهو مذهب الشافعي وهذا الحديث شاهد بصحة ذلك التاسعة ذهب جمهور الفقهاء إلى أن الخمر لا يجوز تخليلها لأحد ولو جاز تخليلها ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ليدع الرجل أن يفتح المزادة حتى يذهب ما فيها لأن الخل مال وقد نهى عن إضاعة المال ولا يقول أحد فيمن أراق خمرا على مسلم أنه أتلف له مالا وقد أراق عثمان بن أبي العاص خمرا ليتيم واستؤذن صلى الله عليه وسلم في تخليلها فقال : ( لا ( ونهى عن ذلك ذهب إلى هذا طائفة من العلماء من أهل الحديث والرأي وإليه مال سحنون بن سعيد وقال آخرون : لا بأس بتخليل الخمر ولا بأس بأكل ما تخلل منها بمعالجة آدمي أو غيرها وهو قول الثوري والأوزاعي والليث بن سعد والكوفيين وقال أبو حنيفة : إن طرح فيها المسك والملح فصارت مربى وتحولت عن حال الخمر جاز وخالفه محمد بن الحسن في المربى وقال : لا تعالج الخمر بغير تحويلها إلى الخل وحده قال أبو عمر : احتج العراقيون في تخليل الخمر بأبي الدرداء وهو يروى عن أبي إدريس الخولاني عن أبي الدرداء من وجه ليس بالقوي أنه كان يأكل المربى منه ويقول : دبغته الشمس والملح وخالفه عمر بن الخطاب وعثمان بن أبي العاص في تخليل الخمر وليس في رأي أحد حجة مع السنة وبالله التوفيق وقد يحتمل أن يكون المنع من تخليلها كان في بدء الإسلام عند نزول تحريمها لئلا يستدام حبسها لقرب العهد بشربها إرادة لقطع العادة في ذلك وإذا كان كذلك لم يكن في النهي عن تخليلها حينئذ والأمر بإراقتها ما يمنع من أكلها إذا خللت وروى أشهب عن مالك قال : إذا خلل النصراني خمرا فلا بأس بأكله وكذلك إن خللها مسلم واستغفر الله وهذه الرواية ذكرها بن عبد الحكم في كتابه والصحيح ما قاله مالك في رواية بن القاسم وبن وهب أنه لا يحل لمسلم أن يعالج الخمر حتى يجعلها خلا ولا يبيعها ولكن ليهريقها العاشرة لم يختلف قول مالك وأصحابه أن الخمر إذا تخللت بذاتها أن أكل ذلك الخل حلال وهو قول عمر بن الخطاب وقبيصة وبن شهاب وربيعة وأحد قولي الشافعي وهو تحصيل مذهبه عند أكثر أصحابه الحادية عشرة ذكر بن خويز منداد أنها تملك ونزع إلى ذلك بأنه يمكن أن يزال بها الغصص ويطفأ بها حريق وهذا نقل لا يعرف لمالك بل يخرج هذا على قول من يرى أنها طاهرة ولو جاز ملكها لما أمر النبي صلى الله عليه وسلم بإراقتها وأيضا فإن الملك نوع نفع وقد بطل بإراقتها والحمد لله الثانية عشرة هذه الآية تدل على تحريم اللعب بالنرد والشطرنج قمارا أو غير قمار لأن الله تعالى لما حرم الخمر أخبر بالمعنى الذي فيها فقال : ( يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر ) الآية ثم قال : ( إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء ) الآية فكل لهو دعا قليله إلى كثير وأوقع العداوة والبغضاء بين العاكفين عليه وصد عن ذكر الله وعن الصلاة فهو كشرب الخمر وأوجب أن يكون حراما مثله فإن قيل : إن شرب الخمر يورث السكر فلا يقدر معه على الصلاة وليس في اللعب بالنرد والشطرنج هذا المعنى قيل له : قد جمع الله تعالى بين الخمر والميسر في التحريم ووصفهما جميعا بأنهما يوقعان العداوة والبغضاء بين الناس ويصدان عن ذكر الله وعن الصلاة ومعلوم أن الخمر إن أسكرت فالميسر لا يسكر ثم لم يكن عند الله افتراقهما في ذلك يمنع من التسوية بينهما في التحريم لأجل ما اشتركا فيه من المعاني وأيضا فإن قليل الخمر لا يسكر كما أن اللعب بالنرد والشطرنج لا يسكر ثم كان حراما مثل الكثير فلا ينكر أن يكون اللعب بالنرد والشطرنج حراما مثل الخمر وإن كان لا يسكر وأيضا فإن ابتداء اللعب يورث الغفلة فتقوم تلك الغفلة المستولية على القلب مكان السكر فإن كانت الخمر إنما حرمت لأنها تسكر فتصد بالإسكار عن الصلاة فليحرم اللعب بالنرد والشطرنج لأنه يغفل ويلهي فيصد بذلك عن الصلاة والله أعلم الثالثة عشرة مهدى الراوية يدل على أنه كان لم يبلغه الناسخ وكان متمسكا بالإباحة المتقدمة فكان ذلك دليلا على أن الحكم لا يرتفع بوجود الناسخ كما يقوله بعض الأصوليين بل ببلوغه كما دل عليه هذا الحديث وهو الصحيح لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يوبخه بل بين له الحكم ولأنه مخاطب بالعمل بالأول بحيث لو تركه عصى بلا خلاف وإن كان الناسخ قد حصل في الوجود وذلك كما وقع لأهل قباء إذ كانوا يصلون إلى بيت المقدس إلى أن أتاهم الآتي فأخبرهم بالناسخ فمالوا نحو الكعبة وقد تقدم في سورة البقرة والحمد لله وتقدم فيها ذكر الخمر واشتقاقها والميسر وقد مضى في صدر هذه السورة القول في الأنصاب والأزلام والحمد لله الرابعة عشرة قوله تعالى : ( إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ) الآية أعلم الله تعالى عباده أن الشيطان إنما يريد أن يوقع العداوة والبغضاء بيننا بسبب الخمر وغيره فحذرنا منها ونهانا عنها روى أن قبيلتين من الأنصار شربوا الخمر وانتشوا فعبث بعضهم ببعض فلما صحوا رأى بعضهم في وجه بعض آثار ما فعلوا وكانوا إخوة ليس في قلوبهم ضغائن فجعل بعضهم يقول : لو كان أخي بي رحيما ما فعل بي هذا فحدثت بينهم الضغائن فأنزل الله : ( إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء ) الآية الخامسة عشرة قوله تعالى : ( ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة ) يقول : إذا سكرتم لم تذكروا الله ولم تصلوا وإن صليتم خلط عليكم كما فعل بعلي وروى : بعبد الرحمن كما تقدم في النساء وقال عبيد الله بن عمر : سئل القاسم بن محمد عن الشطرنج أهي ميسر وعن النرد أهو ميسر فقال : كل ما صد عن ذكر الله وعن الصلاة فهو ميسر قال أبو عبيد : تأول قوله تعالى : ( ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة ) السادسة عشرة قوله تعالى : ( فهل أنتم منتهون ) لما علم عمر رضي الله عنه أن هذا وعيد شديد زائد على معنى انتهوا قال : انتهينا وأمر النبي صلى الله عليه وسلم مناديه أن ينادي في سكك المدينة إلا أن الخمر قد حرمت فكسرت الدنان وأريقت الخمر حتى جرت في سكك المدينة السابعة عشرة قوله تعالى : ( وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول واحذروا ) تأكيد للتحريم وتشديد في الوعيد وامتثال للأمر وكف عن المنهي عنه وحسن عطف ( وأطيعوا الله ) لما كان في الكلام المتقدم معنى انتهوا وكرر ( وأطيعوا ) في ذكر الرسول تأكيدا ثم حذر في مخالفة الأمر وتوعد من تولى بعذاب الآخرة فقال : ( فإن توليتم ) أي خالفتم ( فإنما على رسولنا البلاغ المبين ) في تحريم ما أمر بتحريمه وعلى المرسل أن يعاقب أو يثيب بحسب ما يعصى أو يطاع < <
Section V06/P292Kurtubî — el-Câmi' li-Ahkâmi'l-Kur'ân (s. V06/P292)
Orijinal Metin (AR)المائدة : ( 93 ) ليس على الذين . . . . . > > < > ( المائده 93 ) <
Français Tercümesi (Ehl-i Sünnet)المائدة : ( 93 ) ليس على الذين . . . . . > > < > ( المائده 93 ) <