Qur'an&Sunnahالقرآن

Kurtubî — el-Câmi' li-Ahkâmi'l-Kur'ân

أبو عبد الله محمد بن أحمد الأنصاري القرطبي · AR

Section V01/P247Kurtubî — el-Câmi' li-Ahkâmi'l-Kur'ân (s. V01/P247)
Orijinal Metin (AR)

البقرة : ( 28 ) كيف تكفرون بالله . . . . . > > < > ( البقره 28 ) <

Français Tercümesi (Ehl-i Sünnet)

البقرة : ( 28 ) كيف تكفرون بالله . . . . . > > < > ( البقره 28 ) <

Section V01/P247–V01/P249Kurtubî — el-Câmi' li-Ahkâmi'l-Kur'ân (s. V01/P247–V01/P249)
Orijinal Metin (AR)

> كيف سؤال عن الحال وهي أسم في موضع نصب ب تكفرون وهي مبنية على الفتح وكان سبيلها أن تكون ساكنة لأن فيها معنى الأستفهام الذي معناه التعجب فأشبهت الحروف وأختير لها الفتح لخفته أي هؤلاء ممن يجب أن يتعجب منهم حين كفروا وقد ثبتت عليهم الحجة فإن قيل : كيف يجوز أن يكون هذا الخطاب لأهل الكتاب وهم لم يكفروا بالله فالجواب ما سبق من أنهم لما لم يثبتوا أمر محمد عليه السلام ولم يصدقوه فيما جاء به فقد أشركوا لأنهم لم يقروا بأن القرآن من عند الله ومن زعم أن القرآن كلام البشر فقد أشرك بالله وصار ناقضا للعهد وقيل : كيف لفظه لفظ الأستفهام وليس به بل هو تقرير وتوبيخ أي كيف تكفرون نعمه عليكم وقدرته هذه قال الواسطي : وبخهم بهذا غاية التوبيخ لأن الموات والجماد لا ينازع صانعه في شيء وإنما المنازعة من الهياكل الروحانية قوله تعالى : وكنتم أمواتا هذه الواو واو الحال وقد مضمرة قال الزجاج : التقدير وقد كنتم ثم حذفت قد وقال الفراء : أمواتا خبر كنتم ( فأحياكم ثم يميتكم ) هذا وقف التمام كذا قال أبو حاتم ثم قال : ( ثم يحييكم ) وأختلف أهل التأويل في ترتيب هاتين الموتتين والحياتين وكم من موته وحياة للأنسان فقال أبن عباس وأبن مسعود : أي كنتم أمواتا معدومين قبل أن تخلقوا فأحياكم أي خلقكم ثم يميتكم عند أنقضاء آجالكم ثم يحييكم يوم القيامة قال أبن عطية : وهذا القول هو المراد بالآية وهو الذي لا محيد للكفار عنه لإقرارهم بهما وإذا أذعنت نفوس الكفار لكونهم أمواتا معدومين ثم للأحياء في الدنيا ثم للإماتة فيها قوي عليهم لزوم الأحياء الآخر وجاء جحدهم له دعوى لا حجة عليها قال غيره : والحياة التي تكون في القبر على هذا التأويل في حكم حياة الدنيا وقيل : لم يعتد بها كما لم يعتد بموت من أماته في الدنيا ثم أحياه في الدنيا وقيل : كنتم أمواتا في ظهر آدم ثم أخرجكم من ظهره كالذر ثم يميتكم موت الدنيا ثم يبعثكم وقيل : كنتم أمواتا أي نطفا في أصلاب الرجال وأرحام النساء ثم نقلكم من الأرحام فأحياكم ثم يميتكم بعد هذه الحياة ثم يحييكم في القبر للمسألة ثم يميتكم في القبر ثم يحييكم حياة النشر إلى الحشر وهي الحياة التي ليس بعدها موت قلت : فعلى هذا التأويل هي ثلاث موتات وثلاث إحياءات وكونهم موتى في ظهر آدم وإخراجهم من ظهره والشهادة عليهم غير كونهم نطفا في أصلاب الرجال وأرحام النساء فعلى هذا تجيء أربع موتات واربع إحياءات وقد قيل : إن الله تعالى أوجدهم قبل خلق آدم عليه السلام كالهباء ثم أماتهم فيكون على هذا خمس موتات وخمس إحياءات وموتة سادسة للعصاة من أمة محمد صلى الله عليه وسلم إذا دخلوا النار لحديث أبي سعيد الخدري قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( أما أهل النار الذين هم أهلها فإنهم لا يموتون فيها ولا يحيون ولكن ناس أصابتهم النار بذنوبهم أو قال بخطاياهم فأماتهم الله إماتة حتى إذا كانوا فحما إذن في الشفاعة فجيء بهم ضبائر ضبائر فبثوا على أنهار الجنة ثم قيل يا أهل الجنة أفيضوا عليهم فينبتون نبات الحبة تكون في حميل السيل ( فقال رجل من القوم : كأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد كان يرعى بالبادية أخرجه مسلم قلت : فقوله ( فأماتهم الله ( حقيقة في الموت لأنه أكده بالمصدر وذلك تكريما لهم وقيل : يجوز أن يكون ( أماتهم ( عبارة عن تغييبهم عن آلامها بالنوم ولا يكون ذلك موتا على الحقيقة والأول أصح وقد أجمع النحويون على انك إذا أكدت الفعل بالمصدر لم يكن مجازا وإنما هو على الحقيقة ومثله : وكلم الله موسى تكليما على ما يأتي بيانه إن شاء الله تعالى وقيل : المعنى وكنتم أمواتا بالخمول فأحياكم بأن ذكرتم وشرفتم بهذا الدين والنبي الذي جاءكم ثم يميتكم فيموت ذكركم ثم يحييكم للبعث قوله تعالى : ( ثم إليه ترجعون ) أي إلى عذابه مرجعكم لكفركم وقيل : إلى الحياة وإلى المسألة كما قال تعالى : كما بدأنا أول خلق نعيده فإعادتهم كأبتدائهم فهو رجوع وترجعون قراءة الجماعة ويحيى أبن يعمر وأبن أبي إسحاق ومجاهد وأبن محيصن وسلام أبن يعقوب يفتحون حرف المضارعة ويكسرون الجيم حيث وقعت < <

Français Tercümesi (Ehl-i Sünnet)

> كيف سؤال عن الحال وهي أسم في موضع نصب ب تكفرون وهي مبنية على الفتح وكان سبيلها أن تكون ساكنة لأن فيها معنى الأستفهام الذي معناه التعجب فأشبهت الحروف وأختير لها الفتح لخفته أي هؤلاء ممن يجب أن يتعجب منهم حين كفروا وقد ثبتت عليهم الحجة فإن قيل : كيف يجوز أن يكون هذا الخطاب لأهل الكتاب وهم لم يكفروا بالله فالجواب ما سبق من أنهم لما لم يثبتوا أمر محمد عليه السلام ولم يصدقوه فيما جاء به فقد أشركوا لأنهم لم يقروا بأن القرآن من عند الله ومن زعم أن القرآن كلام البشر فقد أشرك بالله وصار ناقضا للعهد وقيل : كيف لفظه لفظ الأستفهام وليس به بل هو تقرير وتوبيخ أي كيف تكفرون نعمه عليكم وقدرته هذه قال الواسطي : وبخهم بهذا غاية التوبيخ لأن الموات والجماد لا ينازع صانعه في شيء وإنما المنازعة من الهياكل الروحانية قوله تعالى : وكنتم أمواتا هذه الواو واو الحال وقد مضمرة قال الزجاج : التقدير وقد كنتم ثم حذفت قد وقال الفراء : أمواتا خبر كنتم ( فأحياكم ثم يميتكم ) هذا وقف التمام كذا قال أبو حاتم ثم قال : ( ثم يحييكم ) وأختلف أهل التأويل في ترتيب هاتين الموتتين والحياتين وكم من موته وحياة للأنسان فقال أبن عباس وأبن مسعود : أي كنتم أمواتا معدومين قبل أن تخلقوا فأحياكم أي خلقكم ثم يميتكم عند أنقضاء آجالكم ثم يحييكم يوم القيامة قال أبن عطية : وهذا القول هو المراد بالآية وهو الذي لا محيد للكفار عنه لإقرارهم بهما وإذا أذعنت نفوس الكفار لكونهم أمواتا معدومين ثم للأحياء في الدنيا ثم للإماتة فيها قوي عليهم لزوم الأحياء الآخر وجاء جحدهم له دعوى لا حجة عليها قال غيره : والحياة التي تكون في القبر على هذا التأويل في حكم حياة الدنيا وقيل : لم يعتد بها كما لم يعتد بموت من أماته في الدنيا ثم أحياه في الدنيا وقيل : كنتم أمواتا في ظهر آدم ثم أخرجكم من ظهره كالذر ثم يميتكم موت الدنيا ثم يبعثكم وقيل : كنتم أمواتا أي نطفا في أصلاب الرجال وأرحام النساء ثم نقلكم من الأرحام فأحياكم ثم يميتكم بعد هذه الحياة ثم يحييكم في القبر للمسألة ثم يميتكم في القبر ثم يحييكم حياة النشر إلى الحشر وهي الحياة التي ليس بعدها موت قلت : فعلى هذا التأويل هي ثلاث موتات وثلاث إحياءات وكونهم موتى في ظهر آدم وإخراجهم من ظهره والشهادة عليهم غير كونهم نطفا في أصلاب الرجال وأرحام النساء فعلى هذا تجيء أربع موتات واربع إحياءات وقد قيل : إن الله تعالى أوجدهم قبل خلق آدم عليه السلام كالهباء ثم أماتهم فيكون على هذا خمس موتات وخمس إحياءات وموتة سادسة للعصاة من أمة محمد صلى الله عليه وسلم إذا دخلوا النار لحديث أبي سعيد الخدري قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( أما أهل النار الذين هم أهلها فإنهم لا يموتون فيها ولا يحيون ولكن ناس أصابتهم النار بذنوبهم أو قال بخطاياهم فأماتهم الله إماتة حتى إذا كانوا فحما إذن في الشفاعة فجيء بهم ضبائر ضبائر فبثوا على أنهار الجنة ثم قيل يا أهل الجنة أفيضوا عليهم فينبتون نبات الحبة تكون في حميل السيل ( فقال رجل من القوم : كأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد كان يرعى بالبادية أخرجه مسلم قلت : فقوله ( فأماتهم الله ( حقيقة في الموت لأنه أكده بالمصدر وذلك تكريما لهم وقيل : يجوز أن يكون ( أماتهم ( عبارة عن تغييبهم عن آلامها بالنوم ولا يكون ذلك موتا على الحقيقة والأول أصح وقد أجمع النحويون على انك إذا أكدت الفعل بالمصدر لم يكن مجازا وإنما هو على الحقيقة ومثله : وكلم الله موسى تكليما على ما يأتي بيانه إن شاء الله تعالى وقيل : المعنى وكنتم أمواتا بالخمول فأحياكم بأن ذكرتم وشرفتم بهذا الدين والنبي الذي جاءكم ثم يميتكم فيموت ذكركم ثم يحييكم للبعث قوله تعالى : ( ثم إليه ترجعون ) أي إلى عذابه مرجعكم لكفركم وقيل : إلى الحياة وإلى المسألة كما قال تعالى : كما بدأنا أول خلق نعيده فإعادتهم كأبتدائهم فهو رجوع وترجعون قراءة الجماعة ويحيى أبن يعمر وأبن أبي إسحاق ومجاهد وأبن محيصن وسلام أبن يعقوب يفتحون حرف المضارعة ويكسرون الجيم حيث وقعت < <

Section V01/P249Kurtubî — el-Câmi' li-Ahkâmi'l-Kur'ân (s. V01/P249)
Orijinal Metin (AR)

البقرة : ( 29 ) هو الذي خلق . . . . . > > < > ( البقره 29 ) <

Français Tercümesi (Ehl-i Sünnet)

البقرة : ( 29 ) هو الذي خلق . . . . . > > < > ( البقره 29 ) <

Section V01/P249–V01/P260Kurtubî — el-Câmi' li-Ahkâmi'l-Kur'ân (s. V01/P249–V01/P260)
Orijinal Metin (AR)

> قوله تعالى : ( هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا ) فيه عشر مسائل : الأولى ( خلق ) معناه أخترع وأوجد من العدم وقد يقال في الإنسان : خلق عند إنشائه شيئا ومنه قول الشاعر : من كان يخلق ما يقول فحيلتي فيه قليلة وقد تقدم هذا المعنى وقال أبن كسيان : خلق لكم أي من أجلكم وقيل : المعنى أن جميع ما في الأرض منعم به عليكم فهو لكم وقيل : إنه دليل على التوحيد والأعتبار قلت : وهذا هو الصحيح على ما نبينه ويجوز أن يكون عنى به ما هم إليه محتاجون من جميع الأشياء الثانية : أستدل من قال إن أصل الأشياء التي ينتفع بها الإباحة بهذه الآية وما كان مثلها كقوله : وسخر لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعا منه الآية حتى يقوم الدليل على الحظر وعضدوا هذا بأن قالوا : إن المآكل الشهية خلقت مع إمكان ألا تخلق فلم تخلق عبثا فلا بد لها من منفعة وتلك المنفعة لا يصح رجوعها إلى الله تعالى لاستغنائه بذاته فهي راجعة إلينا ومنفعتنا إما في نيل لذتها أو في أجتنابها لنختبر بذلك أو في أعتبارنا بها ولا يحصل شيء في تلك الأمور إلا بذوقها فلزم أن تكون مباحة وهذا فاسد لأنا لا نسلم لزوم العبث من خلقها إلا لمنفعة بل خلقها كذلك لأنه لا يجب عليه أصل المنفعة بل هو الموجب ولا نسلم حصر المنفعة فيما ذكروه ولا حصول بعض تلك المنافع إلا بالذوق بل قد يستدل على الطعوم بأمور أخر كما هو معروف عند الطبائعيين ثم هو معارض بما يخاف أن تكون سموما مهلكة ومعارضون بشبهات أصحاب الحظر وتوقف آخرون وقالوا : ما من فعل لا ندرك منه حسنا ولا قبحا إلا ويمكن أن يكون حسنا في نفسه ولا معين قبل ورود الشرع فتعين الوقوف إلى ورود الشرع وهذه الأقاويل الثلاثة للمعتزلة وقد أطلق الشيخ أبو الحسن وأصحابه وأكثر المالكيه والصيرفي في هذه المسألة القول بالوقف ومعناه عندهم أنه لا حكم فيها في تلك الحال وأن للشرع إذا جاء أن يحكم بما شاء وأن العقل لا يحكم بوجوب ولا غيره وإنما حظه تعرف الأمور على ما هي عليه قال أبن عطية : وحكى أبن فورك عن أبن الصائغ أنه قال : لم يخل العقل قط من السمع ولا نازلة إلا وفيها سمع أو لها تعلق به أو لها حال تستصحب قال : فينبغي أن يعتمد على هذا ويغني عن النظر في حظر وإباحة ووقف الثالثة الصحيح في معنى قوله تعالى : ( خلق لكم ما في الأرض ) الأعتبار يدل عليه ما قبله وما بعده من نصب العبر : الإحياء ولإماتة والخلق والأستواء إلى السماء وتسويتها أي الذي قدر على إحيائكم وخلقكم وخلق السماوات والأرض لا تبعد منه القدرة على الإعادة فإن قيل : إن معنى لكم الأنتفاع أي لتنتفعوا بجميع ذلك قلنا : المراد بالأنتفاع الأعتبار لما ذكرنا فإن قيل : وأي أعتبار في العقارب والحيات قلنا : قد يتذكر الإنسان ببعض ما يرى من المؤذيات ما أعد الله للكفار في النار من العقوبات فيكون سببا للإيمان وترك المعاصي وذلك أعظم الأعتبار قال أبن العربي : وليس في الإخبار بهذه القدرة عن هذه الجملة ما يقتضي حظرا ولا إباحة ولا وقفا وإنما جاء ذكر هذه الآية في معرض الدلالة والتنبيه ليستدل بها على وحدانيته وقال أرباب المعاني في قوله : ( خلق لكم ما في الأرض جميعا ) لتتقوا به على طاعته لا لتصرفوه في وجوه معصيته وقال أبو عثمان : وهب لك الكل وسخره لك لتستدل به على سعة جوده وتسكن إلى ما ضمن لك من جزيل عطائه في المعاد ولا تستكثر كثير بره على قليل عملك فقد أبتدأك بعظيم النعم قبل العمل وهو التوحيد الرابعة روى زيد بن أسلم عن أبيه عن عمر بن الخطاب رضى الله عنه أن رجلا أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فسأله أن يعطيه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( ما عندي شيء ولكن أبتع على فإذا جاء شيء قضينا ( فقال له عمر : هذا أعطيت إذا كان عندك فما كلفك الله ما لا تقدر فكره رسول الله صلى الله عليه وسلم قول عمر فقال رجل من الأنصار : يا رسول الله أنفق ولا تخش من ذي العرش إقلالا فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم وعرف السرور في وجهه لقول الأنصاري ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( بذلك أمرت ( قال علماؤنا رحمة الله عليهم : فخوف الإقلال من سوء الظن بالله لأن الله تعالى خلق الأرض بما فيها لولد آدم وقال في تنزيله : خلق لكم ما في الأرض جميعا وسخر لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعا منه فهذه الأشياء كلها مسخرة للآدمي قطعا لعذره وحجة عليه ليكون له عبدا كما خلقه عبدا فإذا كان العبد حسن الظن بالله لم يخف الإقلال لأنه يخلف عليه كما قال تعالى : وما أنفقتم من شيء فهو يخلفه وهو خير الرازقين وقال : فإن ربي غني كريم وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم قال الله تعالى : ( سبقت رحمتي غضبي يا أبن آدم أنفق أنفق عليك يمين الله ملأى سحا لا يغيضها شيء الليل والنهار ( وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( ما من يوم يصبح العباد فيه إلا وملكان ينزلان فيقول أحدهما اللهم أعط منفقا خلفا ويقول الآخر اللهم أعط ممسكا تلفا ( وكذا في المساء عند الغروب يناديان أيضا وهذا كله صحيح رواه الأئمة والحمد لله فمن أستنار صدره وعلم غنى ربه وكرمه أنفق ولم يخف الإقلال وكذلك من ماتت شهواته عن الدنيا وأجتزأ باليسير من القوت المقيم لمهجته وأنقطعت مشيئته لنفسه فهذا يعطي من يسره وعسره ولا يخاف إقلالا وإنما يخاف الإقلال من له مشيئة في الأشياء فإذا أعطي اليوم وله غدا مشيئة في شيء خاف ألا يصيب غدا فيضيق عليه الأمر في نفقة اليوم لمخافة إقلاله روى مسلم عن أسماء بنت أبي بكر قالت قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( أنفحي أو أنضحي أو أنفقي ولا تحصي فيحصي الله عليك ولا توعي فيوعى عليك ( وروى النسائي عن عائشة قالت : دخل علي سائل مرة وعندي رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمرت له بشيء ثم دعوت به فنظرت إليه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( أما تريدين ألا يدخل بيتك شيء ولا يخرج إلا بعلمك ( قلت : نعم قال : ( مهلا يا عائشة لا تحصي فيحصي الله عز وجل عليك ( الخامسة قوله تعالى : ( ثم أستوى ) ثم لترتيب الإخبار لا لترتيب الأمر في نفسه والأستواء في اللغة : الأرتفاع والعلو على الشيء قال الله تعالى : فإذا أستويت أنت ومن معك على الفلك وقال لتستووا على ظهوره وقال الشاعر : فأوردتهم ماء بفيفاء قفرة وقد حلق النجم اليماني فأستوى أي أرتفع وعلا وأستوت الشمس على رأسي وأستوت الطير على قمة رأسي بمعنى علا وهذه الآية من المشكلات والناس فيها وفيما شاكلها على ثلاثة أوجه قال بعضهم : نقرؤها ونؤمن بها ولا نفسرها وذهب إليه كثير من الأئمة وهذا كما روي عن مالك رحمه الله أن رجلا سأله عن قوله تعالى : الرحمن على العرش أستوى قال مالك : الأستواء غير مجهول والكيف غير معقول والإيمان به واجب والسؤال عنه بدعة وأراك رجل سوء أخرجوه وقال بعضهم نقرؤها ونفسرها على ما يحتمله ظاهر اللغة وهذا قول المشبهة وقال بعضهم : نقرؤها ونتأولها ونحيل حملها على ظاهرها وقال الفراء في قوله عز وجل : ( ثم أستوى إلى السماء فسواهن ) قال : الأستواء في كلام العرب على وجهين أحدهما : أن يستوي الرجل وينتهي شبابه وقوته أو يستوي عن أعوجاج فهذان وجهان ووجه ثالث أن تقول : كان فلان مقبلا على فلان ثم أستوى على وإلى يشاتمني على معنى أقبل إلي وعلي فهذا معنى قوله : ثم أستوى إلى السماء والله أعلم قال وقد قال أبن عباس : ثم أستوى إلى السماء صعد وهذا كقولك : كان قاعدا فأستوى قائما وكان قائما فأستوى قاعدا وكل ذلك في كلام العرب جائز وقال البيهقي أبو بكر أحمد بن علي بن الحسين : قوله أستوى بمعنى أقبل صحيح لأن الإقبال هو القصد إلى خلق السماء والقصد هو الإرادة وذلك جائز في صفات الله تعالى ولفظة ثم تتعلق بالخلق لا بالإرادة وأما ما حكي عن أبن عباس فإنما أخذه عن تفسير الكلبي والكلبي ضعيف وقال سفيان بن عيينة وبن كيسان في قوله ثم أستوى إلى السماء : قصد إليها أي بخلقه وإختراعه فهذا قول وقيل : على دون تكييف ولا تحديد وأختاره الطبري ويذكر عن أبي العالية الرياحي في هذه الآية أنه يقال : أستوى بمعنى أنه أرتفع قال البيهقي : ومراده من ذلك والله أعلم أرتفاع أمره وهو بخار الماء الذي وقع منه خلق السماء وقيل : إن المستوى الدخان وقال أبن عطية : وهذا يأباه وصف الكلام وقيل : المعنى أستولى كما قال الشاعر : قد أستوى بشر على العراق من غير سيف ودم مهراق قال أبن عطية : وهذا إنما يجيء في قوله تعالى : الرحمن على العرش أستوى قلت : قد تقدم في قول الفراء علي وإلي بمعنى وسيأتي لهذا الباب مزيد بيان في سورة الأعراف إن شاء الله تعالى والقاعدة في هذه الآية ونحوها منع الحركة والنقلة السادسة يظهر من هذه الآية أنه سبحانه خلق الأرض قبل السماء وكذلك في حم السجدة وقال في النازعات : أأنتم أشد خلقا أم السماء بناها فوصف خلقها ثم قال : والأرض بعد ذلك دحاها فكأن السماء على هذا خلقت قبل الأرض وقال تعالى : الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض وهذا قول قتادة : إن السماء خلقت أولا حكاه عنه الطبري وقال مجاهد وغيره من المفسرين : إنه تعالى أيبس الماء الذي كان عرشه عليه فجعله أرضا وثار منه دخان فأرتفع فجعله سماء فصار خلق الأرض قبل خلق السماء ثم قصد أمره إلى السماء فسواهن سبع سماوات ثم دحا الأرض بعد ذلك وكانت إذ خلقها غير مدحوة قلت : وقول قتادة : يخرج على وجه صحيح إن شاء الله تعالى وهو أن الله تعالى خلق أولا دخان السماء ثم خلق الأرض ثم أستوى إلى السماء وهي دخان فسواها ثم دحا الأرض بعد ذلك ومما يدل على أن الدخان خلق أولا قبل الأرض ما رواه السدي عن أبي مالك وعن أبي صالح عن أبن عباس وعن مرة الهمداني عن أبن مسعود وعن ناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله عز وجل : هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا ثم أستوى إلى السماء فسواهن سبع سماوات قال : إن الله تبارك وتعالى كان عرشه على الماء ولم يخلق شيئا قبل الماء فلما أراد أن يخلق الخلق أخرج من الماء دخانا فأرتفع فوق الماء فسما عليه فسماه سماء ثم أيبس الماء فجعله أرضا واحدة ثم فتقها فجعلها سبع أرضين في يومين في الأحد والأثنين فجعل الأرض على حوت والحوت هو النون الذي ذكر الله تبارك وتعالى في القرآن بقوله : ن والقلم القلم والحوت في الماء والماء على صفاة والصفاة على ظهر ملك والملك على الصخرة والصخرة في الريح وهي الصخرة التي ذكر لقمان : ليست في السماء ولا في الأرض فتحرك الحوت فأضطرب فتزلزلت الأرض فأرسل عليها الجبال فقرت فالجبال تفخر على الأرض وذلك قوله تعالى : وألقى في الأرض رواسي أن تميد بكم وخلق الجبال فيها وأقوات أهلها وشجرها وما ينبغي لها في يومين في الثلاثاء والأربعاء وذلك حين يقول قل أئنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين وتجعلون له أندادا ذلك رب العالمين وجعل فيها رواسي من فوقها وبارك فيها وقدر فيها أقواتها في أربعة أيام سواء للسائلين يقول : من سأل فهكذا الأمر ثم أستوى إلى السماء وهي دخان وكان ذلك الدخان من تنفس الماء حين تنفس فجعلها سماء واحدة ثم فتقها فجعلها سبع سماوات في يومين في الخميس والجمعة وإنما سمي يوم الجمعة لأنه جمع فيه خلق السماوات والأرض وأوحى في كل سماء أمرها قال : خلق في كل سماء خلقها من الملائكة والخلق الذي فيها من البحار وجبال البرد وما لا يعلم ثم زين السماء الدنيا بالكواكب فجعلها زينة وحفظا تحفظ من الشياطين فلما فرغ من خلق ما أحب أستوى على العرش قال فذلك حين يقول : خلق السماوات والأرض في ستة أيام ويقول : كانتا رتقا ففتقناهما وذكر القصة في خلق آدم عليه السلام على ما يأتي بيانه في هذه السورة إن شاء الله تعالى وروى وكيع عن الأعمش عن أبي ظبيان عن أبن عباس قال : إن أول ما خلق الله عز وجل من شيء القلم فقال له أكتب فقال : يا رب وما أكتب قال : أكتب القدر فجرى بما هو كائن من ذلك اليوم إلى قيام الساعة قال : ثم خلق النون فدحا الأرض عليها فأرتفع بخار الماء ففتق منه السماوات وأضطرب النون فمادت الأرض فأثبتت بالجبال فإن الجبال تفخر على الأرض إلى يوم القيامة ففي هذه الرواية خلق الأرض قبل أرتفاع بخار الماء الذي هو الدخان خلاف الرواية الأولى والرواية الأولى عنه وعن غيره أولى لقوله تعالى : والأرض بعد ذلك دحاها والله أعلم بما فعل فقد أختلفت فيه الأقاويل وليس للأجتهاد فيه مدخل وذكر أبو نعيم عن كعب الأحبار أن إبليس تغلغل إلى الحوت الذي على ظهره الأرض كلها فألقى في قلبه فقال : هل تدري ما على ظهرك يا لوثيا من الأمم والشجر والدواب والناس والجبال لو نفضتهم ألقيتهم عن ظهرك أجمع قال : فهم لوثيا بفعل ذلك فبعث الله دابة فدخلت في منخره فعج إلى الله منها فخرجت قال كعب : والذي نفسي بيده إنه لينظر إليها بين يديه وتنظر إليه إن هم بشيء من ذلك عادت حيث كانت السابعة أصل خلق الأشياء كلها من الماء لما رواه أبن ماجة في سننه وأبو حاتم البستي في صحيح مسنده عن أبي هريرة قال قلت : يا رسول الله إذا رأيتك طابت نفسي وقرت عيني أنبئني عن كل شيء قال : ( كل شيء خلق من الماء ( فقلت : أخبرني عن شيء إذا عملت به دخلت الجنة قال : ( أطعم الطعام وأفش السلام وصل الأرحام وقم الليل والناس نيام تدخل الجنة بسلام ( قال أبو حاتم قول أبي هريرة : أنبئني عن كل شيء أراد به عن كل شيء خلق من الماء والدليل على صحة هذا جواب المصطفى عليه السلام إياه حيث قال : ( كل شيء خلق من الماء ( وإن لم يكن مخلوقا وروى سعيد بن جبير عن بن عباس إنه كان يحدث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( إن أول شيء خلقه الله القلم وأمره فكتب كل شيء يكون ( ويروى ذلك أيضا عن عبادة بن الصامت مرفوعا قال البيهقي : وإنما أراد والله أعلم أول شيء خلقه بعد خلق الماء والريح والعرش القلم وذلك بين في حديث عمران بن حصين ثم خلق السماوات والأرض وذكر عبد الرزاق بن عمر بن حبيب المكي عن حميد بن قيس الأعرج عن طاوس قال : جاء رجل إلى عبد الله بن عمرو بن العاص فسأله : مم خلق الخلق قال : من الماء والنور والظلمة والريح والتراب قال الرجل : فمم خلق هؤلاء قال : لا أدري قال : ثم أتى الرجل عبد الله بن الزبير فسأله فقال مثل قول عبد الله بن عمرو قال : فأتى الرجل عبد الله بن عباس فسأله فقال : مم خلق الخلق قال : من الماء والنور والظلمة والريح والتراب قال الرجل : فمم خلق هؤلاء فتلا عبد الله بن عباس : وسخر لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعا منه فقال الرجل : ما كان ليأتي بهذا إلا رجل من أهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم قال البيهقي : أراد أن مصدر الجميع منه أي من خلقه وأبداعه وإختراعه خلق الماء أولا أو الماء وما شاء من خلقه لا عن أصل ولا على مثال سبق ثم جعله أصلا لما خلق بعد فهو المبدع وهو البارئ لا إله غيره ولا خالق سواه سبحانه جل وعز الثامنة قوله تعالى : ( فسواهن سبع سماوات ) ذكر تعالى أن السماوات سبع ولم يأت للأرض في التنزيل عدد صريح لا يحتمل التأويل إلا قوله تعالى : ومن الأرض مثلهن وقد أختلف فيه فقيل : ومن الأرض مثلهن أي في العدد لأن الكيفية والصفة مختلفة بالمشاهدة والإخبار فتعين العدد وقيل : ومن الأرض مثلهن أي في غلظهن وما بينهن وقيل : هي سبع إلا أنه لم يفتق بعضها من بعض قاله الداودي والصحيح الأول وإنها سبع كالسموات سبع روى مسلم عن سعيد بن زيد قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( من أخذ شبرا من الأرض ظلما طوقه إلى سبع أرضين ( وعن عائشة رضى الله عنها مثله إلا أن فيه من بدل إلى ومن حديث أبي هريرة : ( لا يأخذ أحد شبرا من الأرض بغير حقه إلا طوقه الله إلى سبع أرضين يوم القيامة ( وروى النسائي عن أبي سعيد الخدري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( قال موسى عليه السلام يا رب علمني شيئا أذكرك به وأدعوك به قال يا موسى قل لا إله إلا الله قال موسى يا رب كل عبادك يقول هذا قال قل لا إله إلا الله قال لا إله إلا أنت إنما أريد شيئا تخصني به قال يا موسى لو أن السماوات السبع وعامرهن غيري والأرضين السبع في كفة ولا إله إلا الله في كفة مالت بهن لا إله إلا الله ( وروى الترمذي عن أبي هريرة قال : بينما نبي الله صلى الله عليه وسلم جالس وأصحابه إذ أتى عليهم سحاب فقال نبي الله صلى الله عليه وسلم : ( هل تدرون ما هذا ( فقالوا : الله ورسوله أعلم قال : ( هذا العنان هذه روايا الأرض يسوقه الله إلى قوم لا يشكرونه ولا يدعونه قال هل تدرون ما فوقكم ( قالوا : الله ورسوله أعلم قال : ( فإنها الرقيع سقف محفوظ وموج مكفوف ثم قال هل تدرون كم بينكم وبينها ( قالوا : الله ورسوله أعلم قال : ( بينكم وبينها مسيرة خمسمائة عام ثم قال : هل تدرون ما فوق ذلك ( قالوا : الله ورسوله أعلم قال : ( فإن فوق ذلك سماءين بعد ما بينهما مسيرة خمسمائة سنة ( ثم قال كذلك حتى عد سبع سماوات ما بين كل سماءين ما بين السماء والأرض ثم قال : ( هل تدرون ما فوق ذلك ( قالوا : الله ورسوله أعلم قال ( فإن فوق ذلك العرش وبينه وبين السماء بعد ما بين السماءين ثم قال : هل تدرون ما الذي تحتكم ( قالوا : الله ورسوله أعلم قال : ( فإنها الأرض ثم قال : هل تدرون ما تحت ذلك ( قالوا : الله ورسوله أعلم قال : ( فإن تحتها الأرض الأخرى بينهما مسيرة خمسمائة سنة ( حتى عد سبع أرضين بين كل أرضين مسيرة خمسمائة سنة ثم قال : ( والذي نفس محمد بيده لو أنكم دليتم بحبل إلى الأرض السفلى لهبط على الله ثم قرأ هو الأول والآخر والظاهر والباطن وهو بكل شيء عليم ( قال أبو عيسى : قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم الآية تدل على أنه أراد : لهبط على علم الله وقدرته وسلطانه علم الله وقدرته وسلطانه في كل مكان وهو على عرشه كما وصف نفسه في كتابه قال : هذا حديث غريب والحسن لم يسمع من أبي هريرة والآثار بأن الأرضين سبع كثيرة وفيما ذكرنا كفاية وقد روى أبو الضحى وأسمه مسلم عن أبن عباس أنه قال : الله الذي خلق سبع سماوات ومن الأرض مثلهن قال : سبع أرضين في كل أرض نبي كنبيكم وآدم كآدم ونوح كنوح وإبراهيم كإبراهيم وعيسى كعيسى قال البيهقي : إسناد هذا عن أبن عباس صحيح وهو شاذ بمرة لا أعلم لأبي الضحا عليه دليلا والله أعلم التاسعة قوله تعالى : ( هو الذي خلق لكم ما في الأرض ) أبتداء وخبر ما في موضع نصب ( جميعا ) عند سيبويه نصب على الحال ( ثم أستوى ) أهل نجد يميلون ليدلوا على أنه من ذوات الياء وأهل الحجاز يفخمون ( سبع ) منصوب على البدل من الهاء والنون أي فسوى سبع سماوات ويجوز أن يكون مفعولا على تقدير يسوى بينهن سبع سماوات كما قال الله جل وعز : وأختار موسى قومه سبعين رجلا أي من قومه قاله النحاس وقال الأخفش : أنتصب على الحال ( وهو بكل شيء عليم ) أبتداء وخبر والأصل في هو تحريك الهاء والإسكان أستخفاف والسماء تكون واحدة مؤنثة مثل عنان وتذكيرها شاذ وتكون جمعا لسماوة في قول الأخفش وسماءة في قول الزجاج وجمع الجمع سماوات وسماءات فجاء سواهن إما على أن السماء جمع وإما على أنها مفرد أسم جنس ومعنى سواهن سوى سطوحهن بالإملاس وقيل : جعلهن سواء العاشرة قوله تعالى : ( وهو بكل شيء عليم ) أي بما خلق وهو خالق كل شيء فوجب أن يكون عالما بكل شيء وقد قال : ألا يعلم من خلق الملك فهو العالم والعليم بجميع المعلومات بعلم قديم أزلي واحد قائم بذاته ووافقنا المعتزلة على العالمية دون العلمية وقالت الجهمية : عالم بعلم قائم لا في محل تعالى الله عن قول أهل الزيغ والضلالات والرد على هؤلاء في كتب الديانات وقد وصف نفسه سبحانه بالعلم فقال : أنزله بعلمه والملائكة يشهدون وقال : فأعلموا أنما أنزل بعلم الله وقال : فلنقصن عليهم بعلم وقال : وما تحمل من أنثى ولا تضع إلا بعلمه وقال : وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو الآية وسندل على ثبوت علمه وسائر صفاته في هذه السورة عند قوله : يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر إن شاء الله تعالى وقرأ الكسائي وقالون عن نافع بإسكان الهاء من : هو وهي إذا كان قبلها فاء أو واو أو لام أو ثم وكذلك فعل أبو عمرو إلا مع ثم وزاد أبو عون عن الحلواني عن قالون إسكان الهاء من أن يمل هو والباقون بالتحريك < <

Français Tercümesi (Ehl-i Sünnet)

> قوله تعالى : ( هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا ) فيه عشر مسائل : الأولى ( خلق ) معناه أخترع وأوجد من العدم وقد يقال في الإنسان : خلق عند إنشائه شيئا ومنه قول الشاعر : من كان يخلق ما يقول فحيلتي فيه قليلة وقد تقدم هذا المعنى وقال أبن كسيان : خلق لكم أي من أجلكم وقيل : المعنى أن جميع ما في الأرض منعم به عليكم فهو لكم وقيل : إنه دليل على التوحيد والأعتبار قلت : وهذا هو الصحيح على ما نبينه ويجوز أن يكون عنى به ما هم إليه محتاجون من جميع الأشياء الثانية : أستدل من قال إن أصل الأشياء التي ينتفع بها الإباحة بهذه الآية وما كان مثلها كقوله : وسخر لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعا منه الآية حتى يقوم الدليل على الحظر وعضدوا هذا بأن قالوا : إن المآكل الشهية خلقت مع إمكان ألا تخلق فلم تخلق عبثا فلا بد لها من منفعة وتلك المنفعة لا يصح رجوعها إلى الله تعالى لاستغنائه بذاته فهي راجعة إلينا ومنفعتنا إما في نيل لذتها أو في أجتنابها لنختبر بذلك أو في أعتبارنا بها ولا يحصل شيء في تلك الأمور إلا بذوقها فلزم أن تكون مباحة وهذا فاسد لأنا لا نسلم لزوم العبث من خلقها إلا لمنفعة بل خلقها كذلك لأنه لا يجب عليه أصل المنفعة بل هو الموجب ولا نسلم حصر المنفعة فيما ذكروه ولا حصول بعض تلك المنافع إلا بالذوق بل قد يستدل على الطعوم بأمور أخر كما هو معروف عند الطبائعيين ثم هو معارض بما يخاف أن تكون سموما مهلكة ومعارضون بشبهات أصحاب الحظر وتوقف آخرون وقالوا : ما من فعل لا ندرك منه حسنا ولا قبحا إلا ويمكن أن يكون حسنا في نفسه ولا معين قبل ورود الشرع فتعين الوقوف إلى ورود الشرع وهذه الأقاويل الثلاثة للمعتزلة وقد أطلق الشيخ أبو الحسن وأصحابه وأكثر المالكيه والصيرفي في هذه المسألة القول بالوقف ومعناه عندهم أنه لا حكم فيها في تلك الحال وأن للشرع إذا جاء أن يحكم بما شاء وأن العقل لا يحكم بوجوب ولا غيره وإنما حظه تعرف الأمور على ما هي عليه قال أبن عطية : وحكى أبن فورك عن أبن الصائغ أنه قال : لم يخل العقل قط من السمع ولا نازلة إلا وفيها سمع أو لها تعلق به أو لها حال تستصحب قال : فينبغي أن يعتمد على هذا ويغني عن النظر في حظر وإباحة ووقف الثالثة الصحيح في معنى قوله تعالى : ( خلق لكم ما في الأرض ) الأعتبار يدل عليه ما قبله وما بعده من نصب العبر : الإحياء ولإماتة والخلق والأستواء إلى السماء وتسويتها أي الذي قدر على إحيائكم وخلقكم وخلق السماوات والأرض لا تبعد منه القدرة على الإعادة فإن قيل : إن معنى لكم الأنتفاع أي لتنتفعوا بجميع ذلك قلنا : المراد بالأنتفاع الأعتبار لما ذكرنا فإن قيل : وأي أعتبار في العقارب والحيات قلنا : قد يتذكر الإنسان ببعض ما يرى من المؤذيات ما أعد الله للكفار في النار من العقوبات فيكون سببا للإيمان وترك المعاصي وذلك أعظم الأعتبار قال أبن العربي : وليس في الإخبار بهذه القدرة عن هذه الجملة ما يقتضي حظرا ولا إباحة ولا وقفا وإنما جاء ذكر هذه الآية في معرض الدلالة والتنبيه ليستدل بها على وحدانيته وقال أرباب المعاني في قوله : ( خلق لكم ما في الأرض جميعا ) لتتقوا به على طاعته لا لتصرفوه في وجوه معصيته وقال أبو عثمان : وهب لك الكل وسخره لك لتستدل به على سعة جوده وتسكن إلى ما ضمن لك من جزيل عطائه في المعاد ولا تستكثر كثير بره على قليل عملك فقد أبتدأك بعظيم النعم قبل العمل وهو التوحيد الرابعة روى زيد بن أسلم عن أبيه عن عمر بن الخطاب رضى الله عنه أن رجلا أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فسأله أن يعطيه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( ما عندي شيء ولكن أبتع على فإذا جاء شيء قضينا ( فقال له عمر : هذا أعطيت إذا كان عندك فما كلفك الله ما لا تقدر فكره رسول الله صلى الله عليه وسلم قول عمر فقال رجل من الأنصار : يا رسول الله أنفق ولا تخش من ذي العرش إقلالا فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم وعرف السرور في وجهه لقول الأنصاري ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( بذلك أمرت ( قال علماؤنا رحمة الله عليهم : فخوف الإقلال من سوء الظن بالله لأن الله تعالى خلق الأرض بما فيها لولد آدم وقال في تنزيله : خلق لكم ما في الأرض جميعا وسخر لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعا منه فهذه الأشياء كلها مسخرة للآدمي قطعا لعذره وحجة عليه ليكون له عبدا كما خلقه عبدا فإذا كان العبد حسن الظن بالله لم يخف الإقلال لأنه يخلف عليه كما قال تعالى : وما أنفقتم من شيء فهو يخلفه وهو خير الرازقين وقال : فإن ربي غني كريم وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم قال الله تعالى : ( سبقت رحمتي غضبي يا أبن آدم أنفق أنفق عليك يمين الله ملأى سحا لا يغيضها شيء الليل والنهار ( وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( ما من يوم يصبح العباد فيه إلا وملكان ينزلان فيقول أحدهما اللهم أعط منفقا خلفا ويقول الآخر اللهم أعط ممسكا تلفا ( وكذا في المساء عند الغروب يناديان أيضا وهذا كله صحيح رواه الأئمة والحمد لله فمن أستنار صدره وعلم غنى ربه وكرمه أنفق ولم يخف الإقلال وكذلك من ماتت شهواته عن الدنيا وأجتزأ باليسير من القوت المقيم لمهجته وأنقطعت مشيئته لنفسه فهذا يعطي من يسره وعسره ولا يخاف إقلالا وإنما يخاف الإقلال من له مشيئة في الأشياء فإذا أعطي اليوم وله غدا مشيئة في شيء خاف ألا يصيب غدا فيضيق عليه الأمر في نفقة اليوم لمخافة إقلاله روى مسلم عن أسماء بنت أبي بكر قالت قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( أنفحي أو أنضحي أو أنفقي ولا تحصي فيحصي الله عليك ولا توعي فيوعى عليك ( وروى النسائي عن عائشة قالت : دخل علي سائل مرة وعندي رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمرت له بشيء ثم دعوت به فنظرت إليه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( أما تريدين ألا يدخل بيتك شيء ولا يخرج إلا بعلمك ( قلت : نعم قال : ( مهلا يا عائشة لا تحصي فيحصي الله عز وجل عليك ( الخامسة قوله تعالى : ( ثم أستوى ) ثم لترتيب الإخبار لا لترتيب الأمر في نفسه والأستواء في اللغة : الأرتفاع والعلو على الشيء قال الله تعالى : فإذا أستويت أنت ومن معك على الفلك وقال لتستووا على ظهوره وقال الشاعر : فأوردتهم ماء بفيفاء قفرة وقد حلق النجم اليماني فأستوى أي أرتفع وعلا وأستوت الشمس على رأسي وأستوت الطير على قمة رأسي بمعنى علا وهذه الآية من المشكلات والناس فيها وفيما شاكلها على ثلاثة أوجه قال بعضهم : نقرؤها ونؤمن بها ولا نفسرها وذهب إليه كثير من الأئمة وهذا كما روي عن مالك رحمه الله أن رجلا سأله عن قوله تعالى : الرحمن على العرش أستوى قال مالك : الأستواء غير مجهول والكيف غير معقول والإيمان به واجب والسؤال عنه بدعة وأراك رجل سوء أخرجوه وقال بعضهم نقرؤها ونفسرها على ما يحتمله ظاهر اللغة وهذا قول المشبهة وقال بعضهم : نقرؤها ونتأولها ونحيل حملها على ظاهرها وقال الفراء في قوله عز وجل : ( ثم أستوى إلى السماء فسواهن ) قال : الأستواء في كلام العرب على وجهين أحدهما : أن يستوي الرجل وينتهي شبابه وقوته أو يستوي عن أعوجاج فهذان وجهان ووجه ثالث أن تقول : كان فلان مقبلا على فلان ثم أستوى على وإلى يشاتمني على معنى أقبل إلي وعلي فهذا معنى قوله : ثم أستوى إلى السماء والله أعلم قال وقد قال أبن عباس : ثم أستوى إلى السماء صعد وهذا كقولك : كان قاعدا فأستوى قائما وكان قائما فأستوى قاعدا وكل ذلك في كلام العرب جائز وقال البيهقي أبو بكر أحمد بن علي بن الحسين : قوله أستوى بمعنى أقبل صحيح لأن الإقبال هو القصد إلى خلق السماء والقصد هو الإرادة وذلك جائز في صفات الله تعالى ولفظة ثم تتعلق بالخلق لا بالإرادة وأما ما حكي عن أبن عباس فإنما أخذه عن تفسير الكلبي والكلبي ضعيف وقال سفيان بن عيينة وبن كيسان في قوله ثم أستوى إلى السماء : قصد إليها أي بخلقه وإختراعه فهذا قول وقيل : على دون تكييف ولا تحديد وأختاره الطبري ويذكر عن أبي العالية الرياحي في هذه الآية أنه يقال : أستوى بمعنى أنه أرتفع قال البيهقي : ومراده من ذلك والله أعلم أرتفاع أمره وهو بخار الماء الذي وقع منه خلق السماء وقيل : إن المستوى الدخان وقال أبن عطية : وهذا يأباه وصف الكلام وقيل : المعنى أستولى كما قال الشاعر : قد أستوى بشر على العراق من غير سيف ودم مهراق قال أبن عطية : وهذا إنما يجيء في قوله تعالى : الرحمن على العرش أستوى قلت : قد تقدم في قول الفراء علي وإلي بمعنى وسيأتي لهذا الباب مزيد بيان في سورة الأعراف إن شاء الله تعالى والقاعدة في هذه الآية ونحوها منع الحركة والنقلة السادسة يظهر من هذه الآية أنه سبحانه خلق الأرض قبل السماء وكذلك في حم السجدة وقال في النازعات : أأنتم أشد خلقا أم السماء بناها فوصف خلقها ثم قال : والأرض بعد ذلك دحاها فكأن السماء على هذا خلقت قبل الأرض وقال تعالى : الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض وهذا قول قتادة : إن السماء خلقت أولا حكاه عنه الطبري وقال مجاهد وغيره من المفسرين : إنه تعالى أيبس الماء الذي كان عرشه عليه فجعله أرضا وثار منه دخان فأرتفع فجعله سماء فصار خلق الأرض قبل خلق السماء ثم قصد أمره إلى السماء فسواهن سبع سماوات ثم دحا الأرض بعد ذلك وكانت إذ خلقها غير مدحوة قلت : وقول قتادة : يخرج على وجه صحيح إن شاء الله تعالى وهو أن الله تعالى خلق أولا دخان السماء ثم خلق الأرض ثم أستوى إلى السماء وهي دخان فسواها ثم دحا الأرض بعد ذلك ومما يدل على أن الدخان خلق أولا قبل الأرض ما رواه السدي عن أبي مالك وعن أبي صالح عن أبن عباس وعن مرة الهمداني عن أبن مسعود وعن ناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله عز وجل : هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا ثم أستوى إلى السماء فسواهن سبع سماوات قال : إن الله تبارك وتعالى كان عرشه على الماء ولم يخلق شيئا قبل الماء فلما أراد أن يخلق الخلق أخرج من الماء دخانا فأرتفع فوق الماء فسما عليه فسماه سماء ثم أيبس الماء فجعله أرضا واحدة ثم فتقها فجعلها سبع أرضين في يومين في الأحد والأثنين فجعل الأرض على حوت والحوت هو النون الذي ذكر الله تبارك وتعالى في القرآن بقوله : ن والقلم القلم والحوت في الماء والماء على صفاة والصفاة على ظهر ملك والملك على الصخرة والصخرة في الريح وهي الصخرة التي ذكر لقمان : ليست في السماء ولا في الأرض فتحرك الحوت فأضطرب فتزلزلت الأرض فأرسل عليها الجبال فقرت فالجبال تفخر على الأرض وذلك قوله تعالى : وألقى في الأرض رواسي أن تميد بكم وخلق الجبال فيها وأقوات أهلها وشجرها وما ينبغي لها في يومين في الثلاثاء والأربعاء وذلك حين يقول قل أئنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين وتجعلون له أندادا ذلك رب العالمين وجعل فيها رواسي من فوقها وبارك فيها وقدر فيها أقواتها في أربعة أيام سواء للسائلين يقول : من سأل فهكذا الأمر ثم أستوى إلى السماء وهي دخان وكان ذلك الدخان من تنفس الماء حين تنفس فجعلها سماء واحدة ثم فتقها فجعلها سبع سماوات في يومين في الخميس والجمعة وإنما سمي يوم الجمعة لأنه جمع فيه خلق السماوات والأرض وأوحى في كل سماء أمرها قال : خلق في كل سماء خلقها من الملائكة والخلق الذي فيها من البحار وجبال البرد وما لا يعلم ثم زين السماء الدنيا بالكواكب فجعلها زينة وحفظا تحفظ من الشياطين فلما فرغ من خلق ما أحب أستوى على العرش قال فذلك حين يقول : خلق السماوات والأرض في ستة أيام ويقول : كانتا رتقا ففتقناهما وذكر القصة في خلق آدم عليه السلام على ما يأتي بيانه في هذه السورة إن شاء الله تعالى وروى وكيع عن الأعمش عن أبي ظبيان عن أبن عباس قال : إن أول ما خلق الله عز وجل من شيء القلم فقال له أكتب فقال : يا رب وما أكتب قال : أكتب القدر فجرى بما هو كائن من ذلك اليوم إلى قيام الساعة قال : ثم خلق النون فدحا الأرض عليها فأرتفع بخار الماء ففتق منه السماوات وأضطرب النون فمادت الأرض فأثبتت بالجبال فإن الجبال تفخر على الأرض إلى يوم القيامة ففي هذه الرواية خلق الأرض قبل أرتفاع بخار الماء الذي هو الدخان خلاف الرواية الأولى والرواية الأولى عنه وعن غيره أولى لقوله تعالى : والأرض بعد ذلك دحاها والله أعلم بما فعل فقد أختلفت فيه الأقاويل وليس للأجتهاد فيه مدخل وذكر أبو نعيم عن كعب الأحبار أن إبليس تغلغل إلى الحوت الذي على ظهره الأرض كلها فألقى في قلبه فقال : هل تدري ما على ظهرك يا لوثيا من الأمم والشجر والدواب والناس والجبال لو نفضتهم ألقيتهم عن ظهرك أجمع قال : فهم لوثيا بفعل ذلك فبعث الله دابة فدخلت في منخره فعج إلى الله منها فخرجت قال كعب : والذي نفسي بيده إنه لينظر إليها بين يديه وتنظر إليه إن هم بشيء من ذلك عادت حيث كانت السابعة أصل خلق الأشياء كلها من الماء لما رواه أبن ماجة في سننه وأبو حاتم البستي في صحيح مسنده عن أبي هريرة قال قلت : يا رسول الله إذا رأيتك طابت نفسي وقرت عيني أنبئني عن كل شيء قال : ( كل شيء خلق من الماء ( فقلت : أخبرني عن شيء إذا عملت به دخلت الجنة قال : ( أطعم الطعام وأفش السلام وصل الأرحام وقم الليل والناس نيام تدخل الجنة بسلام ( قال أبو حاتم قول أبي هريرة : أنبئني عن كل شيء أراد به عن كل شيء خلق من الماء والدليل على صحة هذا جواب المصطفى عليه السلام إياه حيث قال : ( كل شيء خلق من الماء ( وإن لم يكن مخلوقا وروى سعيد بن جبير عن بن عباس إنه كان يحدث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( إن أول شيء خلقه الله القلم وأمره فكتب كل شيء يكون ( ويروى ذلك أيضا عن عبادة بن الصامت مرفوعا قال البيهقي : وإنما أراد والله أعلم أول شيء خلقه بعد خلق الماء والريح والعرش القلم وذلك بين في حديث عمران بن حصين ثم خلق السماوات والأرض وذكر عبد الرزاق بن عمر بن حبيب المكي عن حميد بن قيس الأعرج عن طاوس قال : جاء رجل إلى عبد الله بن عمرو بن العاص فسأله : مم خلق الخلق قال : من الماء والنور والظلمة والريح والتراب قال الرجل : فمم خلق هؤلاء قال : لا أدري قال : ثم أتى الرجل عبد الله بن الزبير فسأله فقال مثل قول عبد الله بن عمرو قال : فأتى الرجل عبد الله بن عباس فسأله فقال : مم خلق الخلق قال : من الماء والنور والظلمة والريح والتراب قال الرجل : فمم خلق هؤلاء فتلا عبد الله بن عباس : وسخر لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعا منه فقال الرجل : ما كان ليأتي بهذا إلا رجل من أهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم قال البيهقي : أراد أن مصدر الجميع منه أي من خلقه وأبداعه وإختراعه خلق الماء أولا أو الماء وما شاء من خلقه لا عن أصل ولا على مثال سبق ثم جعله أصلا لما خلق بعد فهو المبدع وهو البارئ لا إله غيره ولا خالق سواه سبحانه جل وعز الثامنة قوله تعالى : ( فسواهن سبع سماوات ) ذكر تعالى أن السماوات سبع ولم يأت للأرض في التنزيل عدد صريح لا يحتمل التأويل إلا قوله تعالى : ومن الأرض مثلهن وقد أختلف فيه فقيل : ومن الأرض مثلهن أي في العدد لأن الكيفية والصفة مختلفة بالمشاهدة والإخبار فتعين العدد وقيل : ومن الأرض مثلهن أي في غلظهن وما بينهن وقيل : هي سبع إلا أنه لم يفتق بعضها من بعض قاله الداودي والصحيح الأول وإنها سبع كالسموات سبع روى مسلم عن سعيد بن زيد قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( من أخذ شبرا من الأرض ظلما طوقه إلى سبع أرضين ( وعن عائشة رضى الله عنها مثله إلا أن فيه من بدل إلى ومن حديث أبي هريرة : ( لا يأخذ أحد شبرا من الأرض بغير حقه إلا طوقه الله إلى سبع أرضين يوم القيامة ( وروى النسائي عن أبي سعيد الخدري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( قال موسى عليه السلام يا رب علمني شيئا أذكرك به وأدعوك به قال يا موسى قل لا إله إلا الله قال موسى يا رب كل عبادك يقول هذا قال قل لا إله إلا الله قال لا إله إلا أنت إنما أريد شيئا تخصني به قال يا موسى لو أن السماوات السبع وعامرهن غيري والأرضين السبع في كفة ولا إله إلا الله في كفة مالت بهن لا إله إلا الله ( وروى الترمذي عن أبي هريرة قال : بينما نبي الله صلى الله عليه وسلم جالس وأصحابه إذ أتى عليهم سحاب فقال نبي الله صلى الله عليه وسلم : ( هل تدرون ما هذا ( فقالوا : الله ورسوله أعلم قال : ( هذا العنان هذه روايا الأرض يسوقه الله إلى قوم لا يشكرونه ولا يدعونه قال هل تدرون ما فوقكم ( قالوا : الله ورسوله أعلم قال : ( فإنها الرقيع سقف محفوظ وموج مكفوف ثم قال هل تدرون كم بينكم وبينها ( قالوا : الله ورسوله أعلم قال : ( بينكم وبينها مسيرة خمسمائة عام ثم قال : هل تدرون ما فوق ذلك ( قالوا : الله ورسوله أعلم قال : ( فإن فوق ذلك سماءين بعد ما بينهما مسيرة خمسمائة سنة ( ثم قال كذلك حتى عد سبع سماوات ما بين كل سماءين ما بين السماء والأرض ثم قال : ( هل تدرون ما فوق ذلك ( قالوا : الله ورسوله أعلم قال ( فإن فوق ذلك العرش وبينه وبين السماء بعد ما بين السماءين ثم قال : هل تدرون ما الذي تحتكم ( قالوا : الله ورسوله أعلم قال : ( فإنها الأرض ثم قال : هل تدرون ما تحت ذلك ( قالوا : الله ورسوله أعلم قال : ( فإن تحتها الأرض الأخرى بينهما مسيرة خمسمائة سنة ( حتى عد سبع أرضين بين كل أرضين مسيرة خمسمائة سنة ثم قال : ( والذي نفس محمد بيده لو أنكم دليتم بحبل إلى الأرض السفلى لهبط على الله ثم قرأ هو الأول والآخر والظاهر والباطن وهو بكل شيء عليم ( قال أبو عيسى : قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم الآية تدل على أنه أراد : لهبط على علم الله وقدرته وسلطانه علم الله وقدرته وسلطانه في كل مكان وهو على عرشه كما وصف نفسه في كتابه قال : هذا حديث غريب والحسن لم يسمع من أبي هريرة والآثار بأن الأرضين سبع كثيرة وفيما ذكرنا كفاية وقد روى أبو الضحى وأسمه مسلم عن أبن عباس أنه قال : الله الذي خلق سبع سماوات ومن الأرض مثلهن قال : سبع أرضين في كل أرض نبي كنبيكم وآدم كآدم ونوح كنوح وإبراهيم كإبراهيم وعيسى كعيسى قال البيهقي : إسناد هذا عن أبن عباس صحيح وهو شاذ بمرة لا أعلم لأبي الضحا عليه دليلا والله أعلم التاسعة قوله تعالى : ( هو الذي خلق لكم ما في الأرض ) أبتداء وخبر ما في موضع نصب ( جميعا ) عند سيبويه نصب على الحال ( ثم أستوى ) أهل نجد يميلون ليدلوا على أنه من ذوات الياء وأهل الحجاز يفخمون ( سبع ) منصوب على البدل من الهاء والنون أي فسوى سبع سماوات ويجوز أن يكون مفعولا على تقدير يسوى بينهن سبع سماوات كما قال الله جل وعز : وأختار موسى قومه سبعين رجلا أي من قومه قاله النحاس وقال الأخفش : أنتصب على الحال ( وهو بكل شيء عليم ) أبتداء وخبر والأصل في هو تحريك الهاء والإسكان أستخفاف والسماء تكون واحدة مؤنثة مثل عنان وتذكيرها شاذ وتكون جمعا لسماوة في قول الأخفش وسماءة في قول الزجاج وجمع الجمع سماوات وسماءات فجاء سواهن إما على أن السماء جمع وإما على أنها مفرد أسم جنس ومعنى سواهن سوى سطوحهن بالإملاس وقيل : جعلهن سواء العاشرة قوله تعالى : ( وهو بكل شيء عليم ) أي بما خلق وهو خالق كل شيء فوجب أن يكون عالما بكل شيء وقد قال : ألا يعلم من خلق الملك فهو العالم والعليم بجميع المعلومات بعلم قديم أزلي واحد قائم بذاته ووافقنا المعتزلة على العالمية دون العلمية وقالت الجهمية : عالم بعلم قائم لا في محل تعالى الله عن قول أهل الزيغ والضلالات والرد على هؤلاء في كتب الديانات وقد وصف نفسه سبحانه بالعلم فقال : أنزله بعلمه والملائكة يشهدون وقال : فأعلموا أنما أنزل بعلم الله وقال : فلنقصن عليهم بعلم وقال : وما تحمل من أنثى ولا تضع إلا بعلمه وقال : وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو الآية وسندل على ثبوت علمه وسائر صفاته في هذه السورة عند قوله : يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر إن شاء الله تعالى وقرأ الكسائي وقالون عن نافع بإسكان الهاء من : هو وهي إذا كان قبلها فاء أو واو أو لام أو ثم وكذلك فعل أبو عمرو إلا مع ثم وزاد أبو عون عن الحلواني عن قالون إسكان الهاء من أن يمل هو والباقون بالتحريك < <

Section V01/P260Kurtubî — el-Câmi' li-Ahkâmi'l-Kur'ân (s. V01/P260)
Orijinal Metin (AR)

البقرة : ( 30 ) وإذ قال ربك . . . . . > > < > ( البقره 30 ) <

Français Tercümesi (Ehl-i Sünnet)

البقرة : ( 30 ) وإذ قال ربك . . . . . > > < > ( البقره 30 ) <

Section V01/P260–V01/P278Kurtubî — el-Câmi' li-Ahkâmi'l-Kur'ân (s. V01/P260–V01/P278)
Orijinal Metin (AR)

> قوله تعالى : ( وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة ) فيه سبع عشرة مسألة : الأولى قوله تعالى : ( وإذ قال ربك للملائكة ) إذ وإذا حرفا توقيت فإذ للماضي وإذا للمستقبل وقد توضع إحداهما موضع الأخرى وقال المبرد : إذا جاء إذ مع مستقبل كان معناه ماضيا نحو قوله : وإذ يمكر بك وإذ تقول للذي أنعم الله عليه معناه إذ مكروا وإذ قلت وإذا جاء إذا مع الماضي كان معناه مستقبلا كقوله تعالى : فإذا جاءت الطامة فإذا جاءت الصاخة عبس وإذا جاء نصر الله النصر أي يجيء وقال معمر بن المثنى أبو عبيدة : إذ زائدة والتقدير : وقال ربك وأستشهد بقول الأسود بن يعفر : فإذ وذلك لا مهاة لذكره والدهر يعقب صالحا بفساد وأنكر هذا القول الزجاج والنحاس وجميع المفسرين قال النحاس : وهذا خطأ لأن إذ أسم وهي ظرف زمان ليس مما تزاد وقال الزجاج : هذا أجترام من أبي عبيدة ذكر الله عز وجل خلق الناس وغيرهم فالتقدير وابتدأ خلقكم إذ قال فكان هذا من المحذوف الذي دل عليه الكلام كما قال : فإن المنية من يخشها فسوف تصادفه أينما يريد أينما ذهب ويحتمل أن تكون متعلقة بفعل مقدر تقديره وأذكر إذ قال وقيل : هو مردود إلى قوله تعالى : أعبدوا ربكم الذي خلقكم فالمعنى الذي خلقكم إذ قال ربك للملائكة وقول الله تعالى وخطابه للملائكة متقرر قديم في الأزل بشرط وجودهم وفهمهم وهكذا الباب كله في أوامر الله تعالى ونواهيه ومخاطباته وهذا مذهب الشيخ أبي الحسن الأشعري وهو الذي أرتضاه أبو المعالي وقد أتينا عليه في كتاب الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى وصفات الله العلى والرب : المالك والسيد والمصلح والجابر وقد تقدم بيانه الثانية قوله تعالى : ( للملائكة ) الملائكة واحدها ملك قال بن كيسان وغيره وزن ملك فعل من الملك وقال أبو عبيدة هو مفعل من لأك إذا أرسل والألوكة والمالكة والمألكة : الرسالة قال لبيد : وغلام أرسلته أمه بألوك فبذلنا ما سأل وقال آخر : أبلغ النعمان عني مألكا إنني قد طال حبسي وأنتظاري ويقال : ألكني أي أرسلني فأصله على هذا مألك الهمزة فاء الفعل فإنهم قلبوها إلى عينه فقالوا : ملاك ثم سهلوه فقالوا ملك وقيل أصله ملاك من ملك يملك نحو شمأل من شمل فالهمزة زائدة عن بن كيسان أيضا وقد تأتي في الشعر على الأصل قال الشاعر : فلست لإنسي ولكن لملاك تنزل من جو السماء يصوب وقال النضر بن شميل لا أشتقاق للملك عند العرب والهاء في الملائكة تأكيد لتأنيث الجمع ومثله الصلادمة والصلادم : الخيل الشداد وأحدها صلدم وقيل : هي للمبالغة كعلامة ونسابة وقال أرباب المعاني : خاطب الله الملائكة لا للمشورة ولكن لأستخراج ما فيهم من رؤية الحركات والعبادة والتسبيح والتقديس ثم ردهم إلى قيمتهم فقال عز وجل : أسجدوا لآدم الثالثة قوله تعالى : ( إني جاعل في الأرض خليفة ) جاعل هنا بمعنى خالق ذكره الطبري عن أبي روق ويقضي بذلك تعديها إلى مفعول واحد وقد تقدم والأرض قيل إنها مكة روي أبن سابط عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( دحيت الأرض من مكة ( ولذلك سميت أم القرى قال : وقبر نوح وهود وصالح وشعيب بين زمزم والركن والمقام وخليفة يكون بمعنى فاعل أي يخلف من كان قبله من الملائكة في الأرض أو من كان قبله من غير الملائكة على ما روي ويجوز أن يكون خليفة بمعنى مفعول أي مخلف كما يقال : ذبيحة بمعنى مفعولة والخلف بالتحريك من الصالحين وبتسكينها من الطالحين هذا هو المعروف وسيأتي له مزيد بيان في الأعراف إن شاء الله وخليفة بالفاء قراءة الجماعة إلا ما روي عن زيد بن علي فإنه قرأ خليقة بالقاف والمعنى بالخليفة هنا في قول أبن مسعود وأبن عباس وجميع أهل التأويل آدم عليه السلام وهو خليفة الله في إمضاء أحكامه وأوامره لأنه أول رسول إلى الأرض كما في حديث أبي ذر قال قلت : يا رسول الله أنبيا كان مرسلا قال : ( نعم ( الحديث ويقال : لمن كان رسولا ولم يكن في الأرض أحد فيقال : كان رسولا إلى ولده وكانوا أربعين ولدا في عشرين بطنا في كل بطن ذكر وأنثى وتوالدوا حتى كثروا كما قال الله تعالى : خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء وأنزل عليهم تحريم الميتة والدم ولحم الخنزير وعاش تسعمائة وثلاثين سنة هكذا ذكر أهل التوراة وروي عن وهب بن منبه أنه عاش ألف سنة والله أعلم الرابعة هذه الآية أصل في نصب إمام وخليفة يسمع له ويطاع لتجتمع به الكلمة وتنفذ به أحكام الخليفة ولا خلاف في وجوب ذلك بين الأمة ولا بين الأئمة إلا ما روي عن الأصم حيث كان عن الشريعة أصم وكذلك كل من قال بقوله وأتبعه على رأيه ومذهبه قال : إنها غير واجبة في الدين بل يسوغ ذلك وأن الأمة متى أقاموا حجهم وجهادهم وتناصفوا فيما بينهم وبذلوا الحق من أنفسهم وقسموا الغنائم والفيء والصدقات على أهلها وأقاموا الحدود على من وجبت عليه أجزأهم ذلك ولا يجب عليهم أن ينصبوا إماما يتولى ذلك ودليلنا قول الله تعالى : إني جاعل في الأرض خليفة وقوله تعالى : يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض وقال : وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض أي يجعل منهم خلفاء إلى غير ذلك من الآي وأجمعت الصحابة على تقديم الصديق بعد أختلاف وقع بين المهاجرين والأنصار في سقيفة بني ساعدة في التعيين حتى قالت الأنصار : منا أمير ومنكم أمير فدفعهم أبو بكر وعمر والمهاجرون عن ذلك وقالوا لهم : إن العرب لا تدين إلا لهذا الحي من قريش ورووا لهم الخبر في ذلك فرجعوا وأطاعوا لقريش فلو كان فرض الإمامة غير واجب لا في قريش ولا في غيرهم لما ساغت هذه المناظرة والمحاورة عليها ولقال قائل : إنها ليست بواجبة لا في قريش ولا في غيرهم فما لتنازعكم وجه ولا فائدة في أمر ليس بواجب ثم إن الصديق رضى الله عنه لما حضرته الوفاة عهد إلى عمر في الإمامة ولم يقل له أحد هذا أمر غير واجب علينا ولا عليك فدل على وجوبها وأنها ركن من أركان الدين الذي به قوام المسلمين والحمد لله رب العالمين وقالت الرافضة : يجب نصبه عقلا وإن السمع إنما ورد على جهة التأكيد لقضية العقل فأما معرفة الإمام فإن ذلك مدرك من جهة السمع دون العقل وهذا فاسد لأن العقل لا يوجب ولا يحظر ولا يقبح ولا يحسن وإذا كان كذلك ثبت أنها واجبة من جهة الشرع لا من جهة العقل وهذا واضح فإن قيل وهي : الخامسة إذا سلم أن طريق وجوب الإمامة السمع فخبرونا هل يجب من جهة السمع بالنص على الإمام من جهة الرسول صلى الله عليه وسلم أم من جهة أختيار أهل الحل والعقد له أم بكمال خصال الأئمة فيه ودعاؤه مع ذلك إلى نفسه كاف فيه فالجواب أن يقال : أختلف الناس في هذا الباب فذهبت الإمامية وغيرها إلى أن الطريق الذي يعرف به الإمام هو النص من الرسول عليه السلام ولا مدخل للأختيار فيه وعندنا : النظر طريق إلى معرفة الإمام وإجماع أهل الأجتهاد طريق أيضا إليه وهؤلاء الذين قالوا لا طريق إليه إلا النص بنوه على أصلهم أن القياس والرأي والأجتهاد باطل لا يعرف به شيء أصلا وأبطلوا القياس أصلا وفرعا ثم أختلفوا على ثلاث فرق : فرقة تدعي النص على أبي بكر وفرقة تدعي النص على العباس وفرقة تدعي النص على علي بن أبي طالب رضى الله عنهم والدليل على فقد النص وعدمه على إمام بعينه هو أنه صلى الله عليه وسلم لو فرض على الأمة طاعة إمام بعينه بحيث لا يجوز العدول عنه إلى غيره لعلم ذلك لاستحالة تكليف الأمة بأسرها طاعة الله في غير معين ولا سبيل لهم إلى العلم بذلك التكليف وإذا وجب العلم به لم يخل ذلك العلم من أن يكون طريقه أدلة العقول أو الخبر وليس في العقل ما يدل على ثبوت الإمامة لشخص معين وكذلك ليس في الخبر ما يوجب العلم بثبوت إمام معين لأن ذلك الخبر إما أن يكون تواترا أوجب العلم ضرورة أو أستدلالا أو يكون من أخبار الآحاد ولا يجوز أن يكون طريقه التواتر الموجب للعلم ضرورة أو دلالة إذ لو كان كذلك لكان كل مكلف يجد من نفسه العلم بوجوب الطاعة لذلك المعين وأن ذلك من دين الله عليه كما أن كل مكلف علم أن من دين الله الواجب عليه خمس صلوات وصوم رمضان وحج البيت ونحوها ولا أحد يعلم ذلك من نفسه ضرورة فبطلت هذه الدعوى وبطل أن يكون معلوما بأخبار الآحاد لأستحالة وقوع العلم به وأيضا فإنه لو وجب المصير إلى نقل النص على الإمام بأي وجه كان وجب إثبات إمامة أبي بكر والعباس لأن لكل واحد منهما قوما ينقلون النص صريحا في أمامته وإذا بطل إثبات الثلاثة بالنص في وقت واحد على ما يأتي بيانه كذلك الواحد إذ ليس أحد الفرق أولى بالنص من الآخر وإذا بطل ثبوت النص لعدم الطريق الموصل إليه ثبت الإختيار والأجتهاد فإن تعسف متعسف وأدعى التواتر والعلم الضروري بالنص فينبغي أن يقابلوا على الفور بنقيض دعواهم في النص على أبي بكر وبأخبار في ذلك كثيرة تقوم أيضا في جملتها مقام النص ثم لا شك في تصميم من عدا الإمامية على نفي النص وهم الخلق الكثير والجم الغفير والعلم الضروري لا يجتمع على نفيه من ينحط عن معشار أعداد مخالفي الإمامية ولو جاز رد الضروري في ذلك لجاز أن ينكر طائفة بغداد والصين الأقصى وغيرهما السادسة في رد الأحاديث التي أحتج بها الإمامية في النص على علي رضي الله عنه وأن الأمة كفرت بهذا النص وأرتدت وخالفت أمر الرسول عنادا منها قوله عليه السلام : ( من كنت مولاه فعلى مولاه اللهم وال من والاه وعاد من عاداه ( قالوا : والمولى في اللغة بمعنى أولى فلما قال : ( فعلى مولاه ( بفاء التعقيب علم أن المراد بقوله مولى أنه أحق وأولى فوجب أن يكون أراد بذلك الإمامة وأنه مفترض الطاعة وقوله عليه السلام لعلي : ( أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي ( قالوا : ومنزلة هارون معروفة وهو أنه كان مشاركا له في النبوة ولم يكن ذلك لعلي وكان أخا له ولم يكن ذلك لعلي وكان خليفة فعلم أن المراد به الخلافة إلى غير ذلك مما أحتجوا به على ما يأتي ذكره في هذا الكتاب إن شاء الله تعالى والجواب عن الحديث الأول : أنه ليس بمتواتر وقد أختلف في صحته وقد طعن فيه أبو داود السجستاني وأبو حاتم الرازي وأستدلا على بطلانه بأن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( مزينة وجهينة وغفار وأسلم موالي دون الناس كلهم ليس لهم مولى دون الله ورسوله ( قالوا : فلو كان قد قال : ( من كنت مولاه فعلي مولاه ( لكان أحد الخبرين كذبا جواب ثان وهو أن الخبر وإن كان صحيحا رواه ثقة عن ثقة فليس فيه ما يدل على إمامته وإنما يدل على فضيلته وذلك أن المولى بمعنى الولي فيكون معنى الخبر : من كنت وليه فعلي وليه قال الله تعالى : فإن الله هو مولاه أي وليه وكان المقصود من الخبر أن يعلم الناس أن ظاهر علي كباطنه وذلك فضيلة عظيمة لعلي جواب ثالث وهو أن هذا الخبر ورد على سبب وذلك أن أسامة وعليا أختصما فقال علي لأسامة : أنت مولاي فقال : لست مولاك بل أنا مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر للنبي صلى الله عليه وسلم فقال : ( من كنت مولاه فعلي مولاه ( جواب رابع وهو أن عليا عليه السلام لما قال للنبي صلى الله عليه وسلم في قصة الإفك في عائشة رضى الله عنها : النساء سواها كثير شق ذلك عليها فوجد أهل النفاق مجالا فطعنوا عليه وأظهروا البراءة منه فقال النبي صلى الله عليه وسلم هذا المقال ردا لقولهم وتكذيبا لهم فيما قدموا عليه من البراءة منه والطعن فيه ولهذا ما روي عن جماعة من الصحابة أنهم قالوا : ما كنا نعرف المنافقين على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا ببغضهم لعلي عليه السلام وأما الحديث الثاني فلا خلاف أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يرد بمنزلة هارون من موسى الخلافة بعده ولا خلاف أن هارون مات قبل موسى عليهما السلام على ما يأتي من بيان وفاتيهما في سورة المائدة وما كان خليفة بعده وإنما كان الخليفة يوشع بن نون فلو أراد بقوله : ( أنت مني بمنزلة هارون من موسى ( الخلافة لقال : أنت مني بمنزلة يوشع من موسى فلما لم يقل هذا دل على أنه لم يرد هذا وإنما أراد أنى أستخلفتك على أهلي في حياتي وغيبوبتي عن أهلي كما كان هارون خليفة موسى على قومه لما خرج إلى مناجاة ربه وقد قيل : إن هذا الحديث خرج على سبب وهو أن النبي صلى الله عليه وسلم لما خرج إلى غزوة تبوك أستخلف عليا عليه السلام في المدينة على أهله وقومه فأرجف به أهل النفاق وقالوا : إنما خلفه بغضا وقلي له فخرج علي فلحق بالنبي صلى الله عليه وسلم وقال له : إن المنافقين قالوا كذا وكذا فقال : ( كذبوا بل خلفتك كما خلف موسى هارون ( وقال : ( أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى ( وإذا ثبت أنه أراد الأستخلاف على زعمهم فقد شارك عليا في هذه الفضيلة غيره لأن النبي صلى الله عليه وسلم أستخلف في كل غزاة غزاها رجلا من أصحابه منهم : أبن أم مكتوم ومحمد بن مسلمة وغيرهما من أصحابه على أن مدار هذا الخبر على سعد بن أبي وقاص وهو خبر واحد وروي في مقابلته لأبي بكر وعمر ما هو أولى منه وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم لما أنفذ معاذ بن جبل إلى اليمن قيل له : ألا تنفذ أبا بكر وعمر فقال : ( إنهما لا غنى بي عنهما إن منزلتهما مني بمنزلة السمع والبصر من الرأس ( وقال : ( هما وزيراي في أهل الأرض ( وروي عنه عليه السلام أنه قال : ( أبو بكر وعمر بمنزلة هارون من موسى ( وهذا الخبر ورد أبتداء وخبر علي ورد على سبب فوجب أن يكون أبو بكر أولى منه بالإمامة والله أعلم السابعة وأختلف فيما يكون به الإمام إماما وذلك في ثلاث طرق أحدها : النص وقد تقدم الخلاف فيه وقال به أيضا الحنابلة وجماعة من أصحاب الحديث والحسن البصري وبكر أبن أخت عبد الواحد وأصحابه وطائفة من الخوارج وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم نص على أبي بكر بالإشارة وأبو بكر على عمر فإذا نص المستخلف على واحد معين كما فعل الصديق أو على جماعة كما فعل عمر وهو الطريق الثاني ويكون التخيير إليهم في تعيين واحد منهم كما فعل الصحابة رضى الله عنهم في تعيين عثمان بن عفان رضى الله عنه الطريق الثالث : إجماع أهل الحل والعقد وذلك أن الجماعة في مصر من أمصار المسلمين إذا مات إمامهم ولم يكن لهم إمام ولا أستخلف فأقام أهل ذلك المصر الذي هو حضرة الإمام وموضعه إماما لأنفسهم أجتمعوا عليه ورضوه فإن كل من خلفهم وأمامهم من المسلمين في الآفاق يلزمهم الدخول في طاعة ذلك الإمام إذا لم يكن الإمام معلنا بالفسق والفساد لأنها دعوة محيطة بهم تجب إجابتها ولا يسع أحد التخلف عنها لما في إقامة إمامين من أختلاف الكلمة وفساد ذات البين قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( ثلاث لا يغل عليهن قلب مؤمن إخلاص العمل لله ولزوم الجماعة ومناصحة ولاة الأمر فإن دعوة المسلمين من ورائهم محيطة ( الثامنة فإن عقدها واحد من أهل الحل والعقد فذلك ثابت ويلزم الغير فعله خلافا لبعض الناس حيث قال : لا تنعقد إلا بجماعة من أهل الحل والعقد ودليلنا أن عمر رضى الله عنه عقد البيعة لأبي بكر ولم ينكر أحد من الصحابة ذلك ولأنه عقد فوجب ألا يفتقر إلى عدد يعقدونه كسائر العقود قال الإمام أبو المعالي : من أنعقدت له الإمامة بعقد واحد فقد لزمت ولا يجوز خلعه من غير حدث وتغير أمر قال : وهذا مجمع عليه التاسعة فإن تغلب من له أهلية الإمامة وأخذها بالقهر والغلبة فقد قيل إن ذلك يكون طريقا رابعا وقد سئل سهل بن عبد الله التستري : ما يجب علينا لمن غلب على بلادنا وهو إمام قال : تجيبه وتؤدي إليه ما يطالبك من حقه ولا تنكر فعاله ولا تفر منه وإذا أئتمنك على سر من أمر الدين لم تفشه وقال بن خويز منداد : ولو وثب على الأمر من يصلح له من غير مشورة ولا أختيار وبايع له الناس تمت له البيعة والله أعلم العاشرة وأختلف في الشهادة على عقد الإمامة فقال بعض أصحابنا : إنه لا يفتقر إلى الشهود لأن الشهادة لا تثبت إلا بسمع قاطع وليس ها هنا سمع قاطع يدل على إثبات الشهادة ومنهم من قال : يفتقر إلى شهود فمن قال بهذا أحتج بأن قال : لو لم تعقد فيه الشهادة أدى إلى أن يدعى كل مدع أنه عقد له سرا ويؤدي إلى الهرج والفتنة فوجب أن تكون الشهادة معتبرة ويكفي فيها شاهدان خلافا للجبائي حيث قال بأعتبار أربعة شهود وعاقد ومعقود له لأن عمر حيث جعلها شورى في ستة دل على ذلك ودليلنا أنه لا خلاف بيننا وبينه أن شهادة الأثنين معتبرة وما زاد مختلف فيه ولم يدل عليه الدليل فيجب ألا يعتبر الحادية عشرة في شرائط الإمام وهي أحد عشر : الأول أن يكون من صميم قريش لقوله صلى الله عليه وسلم : ( الأئمة من قريش ( وقد أختلف في هذا الثاني أن يكون ممن يصلح أن يكون قاضيا من قضاة المسلمين مجتهدا لا يحتاج إلى غيره في الأستفتاء في الحوادث وهذا متفق عليه الثالث أن يكون ذا خبرة ورأي حصيف بأمر الحرب وتدبير الجيوش وسد الثغور وحماية البيضة وردع الأمة والأنتقام من الظالم والأخذ للمظلوم الرابع أن يكون ممن لا تلحقه رقة في إقامة الحدود ولا فزع من ضرب الرقاب ولا قطع الأبشار والدليل على هذا كله إجماع الصحابة رضى الله عنهم لأنه لا خلاف بينهم أنه لا بد من أن يكون ذلك كله مجتمعا فيه ولأنه هو الذي يولي القضاة والحكام وله أن يباشر الفصل والحكم ويتفحص أمور خلفائه وقضاته ولن يصلح لذلك كله إلا من كان عالما بذلك كله قيما به والله أعلم الخامس أن يكون حرا ولا خفاء بأشتراط حرية الإمام وإسلامه وهو السادس السابع أن يكون ذكرا سليم الأعضاء وهو الثامن وأجمعوا على أن المرأة لا يجوز أن تكون إماما وإن أختلفوا في جواز كونها قاضية فيما تجوز شهادتها فيه التاسع والعاشر أن يكون بالغا عاقلا ولا خلاف في ذلك الحادي عشر أن يكون عدلا لأنه لا خلاف بين الأمة أنه لا يجوز أن تعقد الإمامة لفاسق ويجب أن يكون من أفضلهم في العلم لقوله عليه السلام : ( أئمتكم شفعاؤكم فأنظروا بمن تستشفعون ( وفي التنزيل في وصف طالوت : إن الله أصطفاه عليكم وزاده بسطة في العلم والجسم فبدأ بالعلم ثم ذكر ما يدل على القوة وسلامة الأعضاء وقوله : أصطفاه معناه أختاره وهذا يدل على شرط النسب وليس من شرطه أن يكون معصوما من الزلل والخطأ ولا عالما بالغيب ولا أفرس الأمة ولا أشجعهم ولا أن يكون من بني هاشم فقط دون غيرهم من قريش فإن الإجماع قد أنعقد على إمامة أبي بكر وعمر وعثمان وليسوا من بني هاشم الثانية عشرة يجوز نصب المفضول مع وجود الفاضل خوف الفتنة وألا يستقيم أمر الأمة وذلك أن الإمام إنما نصب لدفع العدو وحماية البيضة وسد الخلل وأستخراج الحقوق وإقامة الحدود وجباية الأموال لبيت المال وقسمتها على أهلها فإذا خيف بإقامة الأفضل الهرج والفساد وتعطيل الأمور التي لأجلها ينصب الإمام كان ذلك عذرا ظاهرا في العدول عن الفاضل إلى المفضول ويدل على ذلك أيضا علم عمر وسائر الأمة وقت الشورى بأن الستة فيهم فاضل ومفضول وقد أجاز العقد لكل واحد منهم إذا أدى المصلحة إلى ذلك وأجتمعت كلمتهم عليه من غير إنكار أحد عليهم والله أعلم الثالثة عشرة الإمام إذا نصب ثم فسق بعد أنبرام العقد فقال الجمهور : إنه تنفسخ إمامته ويخلع بالفسق الظاهر المعلوم لأنه قد ثبت أن الإمام إنما يقام لأقامة الحدود وأستيفاء الحقوق وحفظ أموال الأيتام والمجانين والنظر في أمورهم إلى غير ذلك مما تقدم ذكره وما فيه من الفسق يقعده عن القيام بهذه الأمور والنهوض بها فلو جوزنا أن يكون فاسقا أدى إلى أبطال ما أقيم لأجله ألا ترى في الأبتداء أنما لم يجز أن يعقد للفاسق لأجل أنه يؤدي إلى أبطال ما أقيم له وكذلك هذا مثله وقال آخرون : لا ينخلع إلا بالكفر أو بترك إقامة الصلاة أو الترك إلى دعائها أو شيء من الشريعة لقوله عليه السلام في حديث عبادة : ( وألا ننازع الأمر أهله قال إلا أن تروا كفرا بواحا عندكم من الله فيه برهان وفي حديث عوف بن مالك : ( لا ما أقاموا فيكم الصلاة ( الحديث أخرجهما مسلم وعن أم سلمة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( إنه يستعمل عليكم أمراء فتعرفون وتنكرون فمن كره فقد بريء ومن أنكر فقد سلم ولكن من رضى وتابع قالوا : يا رسول الله ألا نقاتلهم قال : لا ما صلوا ( أي من كره بقلبه وأنكر بقلبه أخرجه أيضا مسلم الرابعة عشرة ويجب عليه أن يخلع نفسه إذا وجد في نفسه نقصا يؤثر في الإمامة فأما إذا لم يجد نقصا فهل له أن يعزل نفسه ويعقد لغيره أختلف الناس فيه فمنهم من قال : ليس له أن يفعل ذلك وإن فعل لم تنخلع إمامته ومنهم من قال : له أن يفعل ذلك والدليل على أن الإمام إذا عزل نفسه أنعزل قول أبي بكر الصديق رضى الله عنه : أقيلوني أقيلوني وقول الصحابة : لا نقيلك ولا نستقيلك قدمك رسول الله صلى الله عليه وسلم لديننا فمن ذا يؤخرك رضيك رسول الله صلى الله عليه وسلم لديننا فلا نرضاك فلو لم يكن له أن يفعل ذلك لأنكرت الصحابة ذلك عليه ولقالت له : ليس لك أن تقول هذا وليس لك أن تفعله فلما أقرته الصحابة على ذلك علم أن للإمام أن يفعل ذلك ولأن الإمام ناظر للغيب فيجب أن يكون حكمه حكم الحاكم والوكيل إذا عزل نفسه فإن الإمام هو وكيل الأمة ونائب عنها ولما أتفق على أن الوكيل والحاكم وجميع من ناب عن غيره في شيء له أن يعزل نفسه كذلك الأمام يجب أن يكون مثله والله أعلم الخامسة عشرة إذا أنعقدت الإمامة بإتفاق أهل الحل والعقد أو بواحد على ما تقدم وجب على الناس كافة مبايعته على السمع والطاعة وإقامة كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ومن تأبى عن البيعة لعذر عذر ومن تأبى لغير عذر جبر وقهر لئلا تفترق كلمة المسلمين وإذا بويع لخليفتين فالخليفة الأول وقتل الآخر وأختلف في قتله هل هو محسوس أو معنى فيكون عزله قتله وموته والأول أظهر قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إذا بويع لخليفتين فاقتلوا الآخر منهما ( رواه أبو سعيد الخدري أخرجه مسلم وفي حديث عبد الله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سمعه يقول : ( ومن بايع إماما فأعطاه صفقة يده وثمرة قلبه فليطعه إن أستطاع فإن جاء آخر ينازعه فأضربوا عنق الآخر ( رواه مسلم أيضا ومن حديث عرفجة : ( فأضربوه بالسيف كائنا من كان ( وهذا أدل دليل على منع إقامة إمامين ولأن ذلك يؤدي إلى النفاق والمخالفة والشقاق وحدوث الفتن وزوال النعم لكن إن تباعدت الأقطار وتباينت كالأندلس وخراسان جاز ذلك على ما يأتي بيانه إن شاء الله تعالى السادسة عشرة لو خرج خارجي على إمام معروف العدالة وجب على الناس جهاده فإن كان الإمام فاسقا والخارجي مظهر للعدل لم ينبغ للناس أن يسرعوا إلى نصرة الخارجي حتى يتبين أمره فيما يظهر من العدل أو تتفق كلمة الجماعة على خلع الأول وذلك أن كل من طلب مثل هذا الأمر أظهر من نفسه الصلاح حتى إذا تمكن رجع إلى عادته من خلاف ما أظهر السابعة عشرة فأما إقامة إمامين أو ثلاثة في عصر واحد وبلد واحد فلا يجوز إجماعا لما ذكرنا قال الإمام أبو المعالي : ذهب أصحابنا إلى منع عقد الإمامة لشخصين في طرفي العالم ثم قالوا : لو أتفق عقد الإمامة لشخصين نزل ذلك منزلة تزويج وليين أمرأة واحدة من زوجين من غير أن يشعر أحدهما بعقد الآخر قال : والذي عندي فيه أن عقد الإمامة لشخصين في صقع واحد متضايق الخطط والمخاليف غير جائز وقد حصل الإجماع عليه فأما إذا بعد المدى وتخلل بين الأمامين شسوع النوى فللأحتمال في ذلك مجال وهو خارج عن القواطع وكان الأستاذ أبو إسحاق يجوز ذلك في أقليمين متباعدين غاية التباعد لئلا تتعطل حقوق الناس وأحكامهم وذهبت الكرامية إلى جواز نصب إمامين من غير تفصيل ويلزمهم إجازة ذلك في بلد واحد وصاروا إلى أن عليا ومعاوية كانا إمامين قالوا : وإذا كانا اثنين في بلدين أو ناحيتين كان كل واحد منهما أقوم بما في يديه وأضبط لما يليه ولأنه لما جاز بعثة نبيين في عصر واحد ولم يؤد ذلك إلى إبطال النبوة كانت الإمامة أولى ولا يؤدي ذلك إلى إبطال الإمامة والجواب أن ذلك جائز لولا منع الشرع منه لقوله : ( فأقتلوا الآخر منهما ( ولأن الأمة عليه وأما معاوية فلم يدع الإمامة لنفسه وإنما أدعى ولاية الشام بتولية من قبله من الأئمة ومما يدل على هذا إجماع الأمة في عصرهما على أن الإمام أحدهما ولا قال أحدهما أني إمام ومخالفي إمام فإن قالوا : العقل لا يحيل ذلك وليس في السمع ما يمنع منه قلنا : أقوى السمع الإجماع وقد وجد على المنع قوله تعالى : ( قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ) قد علمنا قطعا أن الملائكة لا تعلم إلا ما أعلمت ولا تسبق بالقول وذلك عام في جميع الملائكة لأن قوله : لا يسبقونه بالقول خرج على جهة المدح لهم فكيف قالوا : أتجعل فيها من يفسد فيها فقيل : المعنى أنهم لما سمعوا لفظ خليفة فهموا أن في بني آدم من يفسد إذ الخليفة المقصود منه الإصلاح وترك الفساد لكن عمموا الحكم على الجميع بالمعصية فبين الرب تعالى أن فيهم من يفسد ومن لا يفسد فقال تطييبا لقلوبهم : إني أعلم وحقق ذلك بأن علم آدم الأسماء وكشف لهم عن مكنون علمه وقيل : إن الملائكة قد رأت وعلمت ما كان من إفساد الجن وسفكهم الدماء وذلك لأن الأرض كان فيها الجن قبل خلق آدم فأفسدوا وسفكوا الدماء فبعث الله إليهم إبليس في جند من الملائكة فقتلهم وألحقهم بالبحار ورءوس الجبال فمن حينئذ دخلته العزة فجاء قولهم : أتجعل فيها على جهة الإستفهام المحض : هل هذا الخليفة على طريقة من تقدم من الجن أم لا قاله أحمد بن يحيى ثعلب وقال أبن زيد وغيره : إن الله تعالى أعلمهم أن الخليفة سيكون من ذريته قوم يفسدون في الأرض ويسفكون الدماء فقالوا لذلك هذه المقالة إما على طريق التعجب من أستخلاف الله من يعصيه أو من عصيان الله من يستخلفه في أرضه وينعم عليه بذلك وإما على طريق الأستعظام والإكبار للفصلين جميعا : الأستخلاف والعصيان وقال قتادة : كان الله أعلمهم أنه إذا جعل في الأرض خلقا أفسدوا وسفكوا الدماء فسألوا حين قال تعالى : إني جاعل في الأرض خليفة أهو الذي أعلمهم أم غيره وهذا قول حسن رواه عبد الرزاق قال : أخبرنا معمر عن قتادة في قوله أتجعل فيها من يفسد فيها قال : كان الله أعلمهم أنه إذا كان في الأرض خلق أفسدوا فيها وسفكوا الدماء فلذلك قالوا : أتجعل فيها من يفسد فيها وفي الكلام حذف على مذهبه والمعنى إني جاعل في الأرض خليفة يفعل كذا ويفعل كذا فقالوا : أتجعل فيها الذي أعلمتناه أم غيره والقول الأول أيضا حسن جدا لأن فيه أستخراج العلم وإستنباطه من مقتضى الألفاظ وذلك لا يكون إلا من العلماء وما بين القولين حسن فتأمله وقد قيل : إن سؤاله تعالى للملائكة بقوله : ( كيف تركتم عبادي ( على ما ثبت في صحيح مسلم وغيره إنما هو على جهة التوبيخ لمن قال : أتجعل فيها وإظهار لما سبق في معلومه إذ قال لهم : إني أعلم ما لا تعلمون قوله : ( من يفسد فيها ) من في موضع نصب على المفعول بتجعل والمفعول الثاني يقوم مقامه فيها يفسد على اللفظ ويجوز في غير القرآن يفسدون على المعنى وفي التنزيل : ومنهم من يستمع إليك على اللفظ ومنهم من يستمعون على المعنى ( ويسفك ) عطف عليه ويجوز فيه الوجهان وروي أسيد عن الأعرج أنه قرأ : ويسفك الدماء بالنصب يجعله جواب الأستفهام بالواو كما قال : ألم أك جاركم وتكون بيني وبينكم المودة والإخاء والسفك : الصب سفكت الدم أسفكه سفكا : صببته وكذلك الدمع حكاه أبن فارس والجوهري والسفاك : السفاح وهو القادر على الكلام قال المهدوي : ولا يستعمل السفك إلا في الدم وقد يستعمل في نثر الكلام يقال سفك الكلام إذا نثره وواحد الدماء دم محذوف اللام وقيل : أصله دمي وقيل : دمي ولا يكون أسم على حرفين إلا وقد حذف منه والمحذوف منه ياء وقد نطق به على الأصل قال الشاعر : فلو أنا على حجر ذبحنا جرى الدميان بالخبر اليقين قوله تعالى : ( ونحن نسبح بحمدك ) أي ننزهك عما لا يليق بصفاتك والتسبيح في كلامهم التنزيه من السوء على وجه التعظيم ومنه قول أعشى بني ثعلبة : أقول لما جاءني فخره سبحان من علقمه الفاخر أي براءة من علقمة وروى طلحة بن عبيد الله قال : سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن تفسير سبحان الله فقال : ( هو تنزيه الله عز وجل عن كل سوء ( وهو مشتق من السبح وهو الجري والذهاب قال الله تعالى : إن لك في النهار سبحا طويلا فالمسبح جار في تنزيه الله تعالى وتبرئته من السوء وقد تقدم الكلام في نحن ولا يجوز أدغام النون في النون لئلا يلتقي ساكنان مسألة : وأختلف أهل التأويل في تسبيح الملائكة فقال أبن مسعود وأبن عباس : تسبيحهم صلاتهم ومنه قول الله تعالى : فلولا أنه كان من المسبحين أي المصلين وقيل : تسبيحهم رفع الصوت بالذكر قاله المفضل وأستشهد بقول جرير : قبح الإله وجوه تغلب كلما سبح الحجيج وكبروا إهلالا وقال قتادة : تسبيحهم : سبحان الله على عرفه في اللغة وهو الصحيح لما رواه أبو ذر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل : أي الكلام أفضل قال : ( ما أصطفى الله لملائكته أو لعباده سبحان الله وبحمده ( أخرجه مسلم وعن عبد الرحمن بن قرط أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة أسري به سمع تسبيحا في السماوات العلا : سبحان العلي الأعلى سبحانه وتعالى ذكره البيهقي قوله تعالى : ( بحمدك ) أي وبحمدك نخلط التسبيح بالحمد ونصله به والحمد : الثناء وقد تقدم ويحتمل أن يكون قولهم : بحمدك أعتراضا بين الكلامين كأنهم قالوا : ونحن نسبح ونقدس ثم أعترضوا على جهة التسليم أي وأنت المحمود في الهداية إلى ذلك والله أعلم قوله تعالى : ( ونقدس لك ) أي نعظمك ونمجدك ونطهر ذكرك عما لا يليق بك مما نسبك إليه الملحدون قاله مجاهد وأبو صالح وغيرهما وقال الضحاك وغيره : المعنى نطهر أنفسنا لك أبتغاء مرضاتك وقال قوم منهم قتادة : نقدس لك معناه نصلي والتقديس : الصلاة قال أبن عطية : وهذا ضعيف قلت : بل معناه صحيح فإن الصلاة تشتمل على التعظيم والتقديس والتسبيح وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في ركوعه وسجوده : ( سبوح قدوس رب الملائكة والروح ( روته عائشة أخرجه مسلم وبناء قدس كيفما تصرف فإن معناه التطهير ومنه قوله تعالى : أدخلوا الأرض المقدسة أي المطهرة وقال : الملك القدوس الحشر يعني الطاهر ومثله : بالواد المقدس طوى وبيت المقدس سمي به لأنه المكان الذي يتقدس فيه من الذنوب أي يتطهر ومنه قيل للسطل : قدس لأنه يتوضأ فيه ويتطهر ومنه القادوس وفي الحديث : ( لا قدست أمة لا يؤخذ لضعيفها من قويها ( يريد لا طهرها الله أخرجه أبن ماجه في سننه فالقدس : الطهر من غير خلاف وقال الشاعر : فأدركنه يأخذن بالساق والنسا كما شبرق الولدان ثوب المقدس أي المطهر فالصلاة طهرة للعبد من الذنوب والمصلي يدخلها على أكمل الأحوال لكونها أفضل الأعمال والله أعلم قوله تعالى : ( أني أعلم ما لا تعلمون ) أعلم فيه تأويلان قيل : إنه فعل مستقبل وقيل : إنه أسم بمعنى فاعل كما يقال : الله أكبر بمعنى كبير وكما قال : لعمرك ما أدري وأني لأوجل على أينا تعدو المنية أول فعلى أنه فعل تكون ما في موضع نصب بأعلم ويجوز إدغام الميم في الميم وإن جعلته أسما بمعنى عالم تكون ما في موضع خفض بالإضافة قال أبن عطية : ولا يصح فيه الصرف بإجماع من النحاة وإنما الخلاف في أفعل إذا سمي به وكان نكرة فسيبويه والخليل لا يصرفانه والأخفش يصرفه قال المهدوي : يجوز أن تقدر التنوين في أعلم إذا قدرته بمعنى عالم وتنصب ما به فيكون مثل حواج بيت الله قال الجوهري : ونسوة حواج بيت الله بالإضافة إذا كن قد حججن وإن لم يكن حججن قلت : حواج بيت الله فتنصب البيت لأنك تريد التنوين في حواج قوله تعالى : ( ما لا تعلمون ) أختلف علماء التأويل في المراد بقوله تعالى : ما لا تعلمون فقال أبن عباس : كان إبليس لعنه الله قد أعجب ودخله الكبر لما جعله خازن السماء وشرفه فأعتقد أن ذلك لمزية له فأستخف الكفر والمعصية في جانب آدم عليه السلام وقالت الملائكة : ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك وهي لا تعلم أن في نفس أبليس خلاف ذلك فقال الله تعالى لهم : إني أعلم ما لا تعلمون وقال قتادة : لما قالت الملائكة أتجعل فيها وقد علم الله أن فيمن يستخلف في الأرض أنبياء وفضلاء وأهل طاعة قال لهم إني أعلم ما لا تعلمون قلت : ويحتمل أن يكون المعنى إني أعلم ما لا تعلمون مما كان ومما يكون ومما هو كائن فهو عام < <

Français Tercümesi (Ehl-i Sünnet)

> قوله تعالى : ( وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة ) فيه سبع عشرة مسألة : الأولى قوله تعالى : ( وإذ قال ربك للملائكة ) إذ وإذا حرفا توقيت فإذ للماضي وإذا للمستقبل وقد توضع إحداهما موضع الأخرى وقال المبرد : إذا جاء إذ مع مستقبل كان معناه ماضيا نحو قوله : وإذ يمكر بك وإذ تقول للذي أنعم الله عليه معناه إذ مكروا وإذ قلت وإذا جاء إذا مع الماضي كان معناه مستقبلا كقوله تعالى : فإذا جاءت الطامة فإذا جاءت الصاخة عبس وإذا جاء نصر الله النصر أي يجيء وقال معمر بن المثنى أبو عبيدة : إذ زائدة والتقدير : وقال ربك وأستشهد بقول الأسود بن يعفر : فإذ وذلك لا مهاة لذكره والدهر يعقب صالحا بفساد وأنكر هذا القول الزجاج والنحاس وجميع المفسرين قال النحاس : وهذا خطأ لأن إذ أسم وهي ظرف زمان ليس مما تزاد وقال الزجاج : هذا أجترام من أبي عبيدة ذكر الله عز وجل خلق الناس وغيرهم فالتقدير وابتدأ خلقكم إذ قال فكان هذا من المحذوف الذي دل عليه الكلام كما قال : فإن المنية من يخشها فسوف تصادفه أينما يريد أينما ذهب ويحتمل أن تكون متعلقة بفعل مقدر تقديره وأذكر إذ قال وقيل : هو مردود إلى قوله تعالى : أعبدوا ربكم الذي خلقكم فالمعنى الذي خلقكم إذ قال ربك للملائكة وقول الله تعالى وخطابه للملائكة متقرر قديم في الأزل بشرط وجودهم وفهمهم وهكذا الباب كله في أوامر الله تعالى ونواهيه ومخاطباته وهذا مذهب الشيخ أبي الحسن الأشعري وهو الذي أرتضاه أبو المعالي وقد أتينا عليه في كتاب الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى وصفات الله العلى والرب : المالك والسيد والمصلح والجابر وقد تقدم بيانه الثانية قوله تعالى : ( للملائكة ) الملائكة واحدها ملك قال بن كيسان وغيره وزن ملك فعل من الملك وقال أبو عبيدة هو مفعل من لأك إذا أرسل والألوكة والمالكة والمألكة : الرسالة قال لبيد : وغلام أرسلته أمه بألوك فبذلنا ما سأل وقال آخر : أبلغ النعمان عني مألكا إنني قد طال حبسي وأنتظاري ويقال : ألكني أي أرسلني فأصله على هذا مألك الهمزة فاء الفعل فإنهم قلبوها إلى عينه فقالوا : ملاك ثم سهلوه فقالوا ملك وقيل أصله ملاك من ملك يملك نحو شمأل من شمل فالهمزة زائدة عن بن كيسان أيضا وقد تأتي في الشعر على الأصل قال الشاعر : فلست لإنسي ولكن لملاك تنزل من جو السماء يصوب وقال النضر بن شميل لا أشتقاق للملك عند العرب والهاء في الملائكة تأكيد لتأنيث الجمع ومثله الصلادمة والصلادم : الخيل الشداد وأحدها صلدم وقيل : هي للمبالغة كعلامة ونسابة وقال أرباب المعاني : خاطب الله الملائكة لا للمشورة ولكن لأستخراج ما فيهم من رؤية الحركات والعبادة والتسبيح والتقديس ثم ردهم إلى قيمتهم فقال عز وجل : أسجدوا لآدم الثالثة قوله تعالى : ( إني جاعل في الأرض خليفة ) جاعل هنا بمعنى خالق ذكره الطبري عن أبي روق ويقضي بذلك تعديها إلى مفعول واحد وقد تقدم والأرض قيل إنها مكة روي أبن سابط عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( دحيت الأرض من مكة ( ولذلك سميت أم القرى قال : وقبر نوح وهود وصالح وشعيب بين زمزم والركن والمقام وخليفة يكون بمعنى فاعل أي يخلف من كان قبله من الملائكة في الأرض أو من كان قبله من غير الملائكة على ما روي ويجوز أن يكون خليفة بمعنى مفعول أي مخلف كما يقال : ذبيحة بمعنى مفعولة والخلف بالتحريك من الصالحين وبتسكينها من الطالحين هذا هو المعروف وسيأتي له مزيد بيان في الأعراف إن شاء الله وخليفة بالفاء قراءة الجماعة إلا ما روي عن زيد بن علي فإنه قرأ خليقة بالقاف والمعنى بالخليفة هنا في قول أبن مسعود وأبن عباس وجميع أهل التأويل آدم عليه السلام وهو خليفة الله في إمضاء أحكامه وأوامره لأنه أول رسول إلى الأرض كما في حديث أبي ذر قال قلت : يا رسول الله أنبيا كان مرسلا قال : ( نعم ( الحديث ويقال : لمن كان رسولا ولم يكن في الأرض أحد فيقال : كان رسولا إلى ولده وكانوا أربعين ولدا في عشرين بطنا في كل بطن ذكر وأنثى وتوالدوا حتى كثروا كما قال الله تعالى : خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء وأنزل عليهم تحريم الميتة والدم ولحم الخنزير وعاش تسعمائة وثلاثين سنة هكذا ذكر أهل التوراة وروي عن وهب بن منبه أنه عاش ألف سنة والله أعلم الرابعة هذه الآية أصل في نصب إمام وخليفة يسمع له ويطاع لتجتمع به الكلمة وتنفذ به أحكام الخليفة ولا خلاف في وجوب ذلك بين الأمة ولا بين الأئمة إلا ما روي عن الأصم حيث كان عن الشريعة أصم وكذلك كل من قال بقوله وأتبعه على رأيه ومذهبه قال : إنها غير واجبة في الدين بل يسوغ ذلك وأن الأمة متى أقاموا حجهم وجهادهم وتناصفوا فيما بينهم وبذلوا الحق من أنفسهم وقسموا الغنائم والفيء والصدقات على أهلها وأقاموا الحدود على من وجبت عليه أجزأهم ذلك ولا يجب عليهم أن ينصبوا إماما يتولى ذلك ودليلنا قول الله تعالى : إني جاعل في الأرض خليفة وقوله تعالى : يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض وقال : وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض أي يجعل منهم خلفاء إلى غير ذلك من الآي وأجمعت الصحابة على تقديم الصديق بعد أختلاف وقع بين المهاجرين والأنصار في سقيفة بني ساعدة في التعيين حتى قالت الأنصار : منا أمير ومنكم أمير فدفعهم أبو بكر وعمر والمهاجرون عن ذلك وقالوا لهم : إن العرب لا تدين إلا لهذا الحي من قريش ورووا لهم الخبر في ذلك فرجعوا وأطاعوا لقريش فلو كان فرض الإمامة غير واجب لا في قريش ولا في غيرهم لما ساغت هذه المناظرة والمحاورة عليها ولقال قائل : إنها ليست بواجبة لا في قريش ولا في غيرهم فما لتنازعكم وجه ولا فائدة في أمر ليس بواجب ثم إن الصديق رضى الله عنه لما حضرته الوفاة عهد إلى عمر في الإمامة ولم يقل له أحد هذا أمر غير واجب علينا ولا عليك فدل على وجوبها وأنها ركن من أركان الدين الذي به قوام المسلمين والحمد لله رب العالمين وقالت الرافضة : يجب نصبه عقلا وإن السمع إنما ورد على جهة التأكيد لقضية العقل فأما معرفة الإمام فإن ذلك مدرك من جهة السمع دون العقل وهذا فاسد لأن العقل لا يوجب ولا يحظر ولا يقبح ولا يحسن وإذا كان كذلك ثبت أنها واجبة من جهة الشرع لا من جهة العقل وهذا واضح فإن قيل وهي : الخامسة إذا سلم أن طريق وجوب الإمامة السمع فخبرونا هل يجب من جهة السمع بالنص على الإمام من جهة الرسول صلى الله عليه وسلم أم من جهة أختيار أهل الحل والعقد له أم بكمال خصال الأئمة فيه ودعاؤه مع ذلك إلى نفسه كاف فيه فالجواب أن يقال : أختلف الناس في هذا الباب فذهبت الإمامية وغيرها إلى أن الطريق الذي يعرف به الإمام هو النص من الرسول عليه السلام ولا مدخل للأختيار فيه وعندنا : النظر طريق إلى معرفة الإمام وإجماع أهل الأجتهاد طريق أيضا إليه وهؤلاء الذين قالوا لا طريق إليه إلا النص بنوه على أصلهم أن القياس والرأي والأجتهاد باطل لا يعرف به شيء أصلا وأبطلوا القياس أصلا وفرعا ثم أختلفوا على ثلاث فرق : فرقة تدعي النص على أبي بكر وفرقة تدعي النص على العباس وفرقة تدعي النص على علي بن أبي طالب رضى الله عنهم والدليل على فقد النص وعدمه على إمام بعينه هو أنه صلى الله عليه وسلم لو فرض على الأمة طاعة إمام بعينه بحيث لا يجوز العدول عنه إلى غيره لعلم ذلك لاستحالة تكليف الأمة بأسرها طاعة الله في غير معين ولا سبيل لهم إلى العلم بذلك التكليف وإذا وجب العلم به لم يخل ذلك العلم من أن يكون طريقه أدلة العقول أو الخبر وليس في العقل ما يدل على ثبوت الإمامة لشخص معين وكذلك ليس في الخبر ما يوجب العلم بثبوت إمام معين لأن ذلك الخبر إما أن يكون تواترا أوجب العلم ضرورة أو أستدلالا أو يكون من أخبار الآحاد ولا يجوز أن يكون طريقه التواتر الموجب للعلم ضرورة أو دلالة إذ لو كان كذلك لكان كل مكلف يجد من نفسه العلم بوجوب الطاعة لذلك المعين وأن ذلك من دين الله عليه كما أن كل مكلف علم أن من دين الله الواجب عليه خمس صلوات وصوم رمضان وحج البيت ونحوها ولا أحد يعلم ذلك من نفسه ضرورة فبطلت هذه الدعوى وبطل أن يكون معلوما بأخبار الآحاد لأستحالة وقوع العلم به وأيضا فإنه لو وجب المصير إلى نقل النص على الإمام بأي وجه كان وجب إثبات إمامة أبي بكر والعباس لأن لكل واحد منهما قوما ينقلون النص صريحا في أمامته وإذا بطل إثبات الثلاثة بالنص في وقت واحد على ما يأتي بيانه كذلك الواحد إذ ليس أحد الفرق أولى بالنص من الآخر وإذا بطل ثبوت النص لعدم الطريق الموصل إليه ثبت الإختيار والأجتهاد فإن تعسف متعسف وأدعى التواتر والعلم الضروري بالنص فينبغي أن يقابلوا على الفور بنقيض دعواهم في النص على أبي بكر وبأخبار في ذلك كثيرة تقوم أيضا في جملتها مقام النص ثم لا شك في تصميم من عدا الإمامية على نفي النص وهم الخلق الكثير والجم الغفير والعلم الضروري لا يجتمع على نفيه من ينحط عن معشار أعداد مخالفي الإمامية ولو جاز رد الضروري في ذلك لجاز أن ينكر طائفة بغداد والصين الأقصى وغيرهما السادسة في رد الأحاديث التي أحتج بها الإمامية في النص على علي رضي الله عنه وأن الأمة كفرت بهذا النص وأرتدت وخالفت أمر الرسول عنادا منها قوله عليه السلام : ( من كنت مولاه فعلى مولاه اللهم وال من والاه وعاد من عاداه ( قالوا : والمولى في اللغة بمعنى أولى فلما قال : ( فعلى مولاه ( بفاء التعقيب علم أن المراد بقوله مولى أنه أحق وأولى فوجب أن يكون أراد بذلك الإمامة وأنه مفترض الطاعة وقوله عليه السلام لعلي : ( أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي ( قالوا : ومنزلة هارون معروفة وهو أنه كان مشاركا له في النبوة ولم يكن ذلك لعلي وكان أخا له ولم يكن ذلك لعلي وكان خليفة فعلم أن المراد به الخلافة إلى غير ذلك مما أحتجوا به على ما يأتي ذكره في هذا الكتاب إن شاء الله تعالى والجواب عن الحديث الأول : أنه ليس بمتواتر وقد أختلف في صحته وقد طعن فيه أبو داود السجستاني وأبو حاتم الرازي وأستدلا على بطلانه بأن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( مزينة وجهينة وغفار وأسلم موالي دون الناس كلهم ليس لهم مولى دون الله ورسوله ( قالوا : فلو كان قد قال : ( من كنت مولاه فعلي مولاه ( لكان أحد الخبرين كذبا جواب ثان وهو أن الخبر وإن كان صحيحا رواه ثقة عن ثقة فليس فيه ما يدل على إمامته وإنما يدل على فضيلته وذلك أن المولى بمعنى الولي فيكون معنى الخبر : من كنت وليه فعلي وليه قال الله تعالى : فإن الله هو مولاه أي وليه وكان المقصود من الخبر أن يعلم الناس أن ظاهر علي كباطنه وذلك فضيلة عظيمة لعلي جواب ثالث وهو أن هذا الخبر ورد على سبب وذلك أن أسامة وعليا أختصما فقال علي لأسامة : أنت مولاي فقال : لست مولاك بل أنا مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر للنبي صلى الله عليه وسلم فقال : ( من كنت مولاه فعلي مولاه ( جواب رابع وهو أن عليا عليه السلام لما قال للنبي صلى الله عليه وسلم في قصة الإفك في عائشة رضى الله عنها : النساء سواها كثير شق ذلك عليها فوجد أهل النفاق مجالا فطعنوا عليه وأظهروا البراءة منه فقال النبي صلى الله عليه وسلم هذا المقال ردا لقولهم وتكذيبا لهم فيما قدموا عليه من البراءة منه والطعن فيه ولهذا ما روي عن جماعة من الصحابة أنهم قالوا : ما كنا نعرف المنافقين على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا ببغضهم لعلي عليه السلام وأما الحديث الثاني فلا خلاف أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يرد بمنزلة هارون من موسى الخلافة بعده ولا خلاف أن هارون مات قبل موسى عليهما السلام على ما يأتي من بيان وفاتيهما في سورة المائدة وما كان خليفة بعده وإنما كان الخليفة يوشع بن نون فلو أراد بقوله : ( أنت مني بمنزلة هارون من موسى ( الخلافة لقال : أنت مني بمنزلة يوشع من موسى فلما لم يقل هذا دل على أنه لم يرد هذا وإنما أراد أنى أستخلفتك على أهلي في حياتي وغيبوبتي عن أهلي كما كان هارون خليفة موسى على قومه لما خرج إلى مناجاة ربه وقد قيل : إن هذا الحديث خرج على سبب وهو أن النبي صلى الله عليه وسلم لما خرج إلى غزوة تبوك أستخلف عليا عليه السلام في المدينة على أهله وقومه فأرجف به أهل النفاق وقالوا : إنما خلفه بغضا وقلي له فخرج علي فلحق بالنبي صلى الله عليه وسلم وقال له : إن المنافقين قالوا كذا وكذا فقال : ( كذبوا بل خلفتك كما خلف موسى هارون ( وقال : ( أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى ( وإذا ثبت أنه أراد الأستخلاف على زعمهم فقد شارك عليا في هذه الفضيلة غيره لأن النبي صلى الله عليه وسلم أستخلف في كل غزاة غزاها رجلا من أصحابه منهم : أبن أم مكتوم ومحمد بن مسلمة وغيرهما من أصحابه على أن مدار هذا الخبر على سعد بن أبي وقاص وهو خبر واحد وروي في مقابلته لأبي بكر وعمر ما هو أولى منه وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم لما أنفذ معاذ بن جبل إلى اليمن قيل له : ألا تنفذ أبا بكر وعمر فقال : ( إنهما لا غنى بي عنهما إن منزلتهما مني بمنزلة السمع والبصر من الرأس ( وقال : ( هما وزيراي في أهل الأرض ( وروي عنه عليه السلام أنه قال : ( أبو بكر وعمر بمنزلة هارون من موسى ( وهذا الخبر ورد أبتداء وخبر علي ورد على سبب فوجب أن يكون أبو بكر أولى منه بالإمامة والله أعلم السابعة وأختلف فيما يكون به الإمام إماما وذلك في ثلاث طرق أحدها : النص وقد تقدم الخلاف فيه وقال به أيضا الحنابلة وجماعة من أصحاب الحديث والحسن البصري وبكر أبن أخت عبد الواحد وأصحابه وطائفة من الخوارج وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم نص على أبي بكر بالإشارة وأبو بكر على عمر فإذا نص المستخلف على واحد معين كما فعل الصديق أو على جماعة كما فعل عمر وهو الطريق الثاني ويكون التخيير إليهم في تعيين واحد منهم كما فعل الصحابة رضى الله عنهم في تعيين عثمان بن عفان رضى الله عنه الطريق الثالث : إجماع أهل الحل والعقد وذلك أن الجماعة في مصر من أمصار المسلمين إذا مات إمامهم ولم يكن لهم إمام ولا أستخلف فأقام أهل ذلك المصر الذي هو حضرة الإمام وموضعه إماما لأنفسهم أجتمعوا عليه ورضوه فإن كل من خلفهم وأمامهم من المسلمين في الآفاق يلزمهم الدخول في طاعة ذلك الإمام إذا لم يكن الإمام معلنا بالفسق والفساد لأنها دعوة محيطة بهم تجب إجابتها ولا يسع أحد التخلف عنها لما في إقامة إمامين من أختلاف الكلمة وفساد ذات البين قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( ثلاث لا يغل عليهن قلب مؤمن إخلاص العمل لله ولزوم الجماعة ومناصحة ولاة الأمر فإن دعوة المسلمين من ورائهم محيطة ( الثامنة فإن عقدها واحد من أهل الحل والعقد فذلك ثابت ويلزم الغير فعله خلافا لبعض الناس حيث قال : لا تنعقد إلا بجماعة من أهل الحل والعقد ودليلنا أن عمر رضى الله عنه عقد البيعة لأبي بكر ولم ينكر أحد من الصحابة ذلك ولأنه عقد فوجب ألا يفتقر إلى عدد يعقدونه كسائر العقود قال الإمام أبو المعالي : من أنعقدت له الإمامة بعقد واحد فقد لزمت ولا يجوز خلعه من غير حدث وتغير أمر قال : وهذا مجمع عليه التاسعة فإن تغلب من له أهلية الإمامة وأخذها بالقهر والغلبة فقد قيل إن ذلك يكون طريقا رابعا وقد سئل سهل بن عبد الله التستري : ما يجب علينا لمن غلب على بلادنا وهو إمام قال : تجيبه وتؤدي إليه ما يطالبك من حقه ولا تنكر فعاله ولا تفر منه وإذا أئتمنك على سر من أمر الدين لم تفشه وقال بن خويز منداد : ولو وثب على الأمر من يصلح له من غير مشورة ولا أختيار وبايع له الناس تمت له البيعة والله أعلم العاشرة وأختلف في الشهادة على عقد الإمامة فقال بعض أصحابنا : إنه لا يفتقر إلى الشهود لأن الشهادة لا تثبت إلا بسمع قاطع وليس ها هنا سمع قاطع يدل على إثبات الشهادة ومنهم من قال : يفتقر إلى شهود فمن قال بهذا أحتج بأن قال : لو لم تعقد فيه الشهادة أدى إلى أن يدعى كل مدع أنه عقد له سرا ويؤدي إلى الهرج والفتنة فوجب أن تكون الشهادة معتبرة ويكفي فيها شاهدان خلافا للجبائي حيث قال بأعتبار أربعة شهود وعاقد ومعقود له لأن عمر حيث جعلها شورى في ستة دل على ذلك ودليلنا أنه لا خلاف بيننا وبينه أن شهادة الأثنين معتبرة وما زاد مختلف فيه ولم يدل عليه الدليل فيجب ألا يعتبر الحادية عشرة في شرائط الإمام وهي أحد عشر : الأول أن يكون من صميم قريش لقوله صلى الله عليه وسلم : ( الأئمة من قريش ( وقد أختلف في هذا الثاني أن يكون ممن يصلح أن يكون قاضيا من قضاة المسلمين مجتهدا لا يحتاج إلى غيره في الأستفتاء في الحوادث وهذا متفق عليه الثالث أن يكون ذا خبرة ورأي حصيف بأمر الحرب وتدبير الجيوش وسد الثغور وحماية البيضة وردع الأمة والأنتقام من الظالم والأخذ للمظلوم الرابع أن يكون ممن لا تلحقه رقة في إقامة الحدود ولا فزع من ضرب الرقاب ولا قطع الأبشار والدليل على هذا كله إجماع الصحابة رضى الله عنهم لأنه لا خلاف بينهم أنه لا بد من أن يكون ذلك كله مجتمعا فيه ولأنه هو الذي يولي القضاة والحكام وله أن يباشر الفصل والحكم ويتفحص أمور خلفائه وقضاته ولن يصلح لذلك كله إلا من كان عالما بذلك كله قيما به والله أعلم الخامس أن يكون حرا ولا خفاء بأشتراط حرية الإمام وإسلامه وهو السادس السابع أن يكون ذكرا سليم الأعضاء وهو الثامن وأجمعوا على أن المرأة لا يجوز أن تكون إماما وإن أختلفوا في جواز كونها قاضية فيما تجوز شهادتها فيه التاسع والعاشر أن يكون بالغا عاقلا ولا خلاف في ذلك الحادي عشر أن يكون عدلا لأنه لا خلاف بين الأمة أنه لا يجوز أن تعقد الإمامة لفاسق ويجب أن يكون من أفضلهم في العلم لقوله عليه السلام : ( أئمتكم شفعاؤكم فأنظروا بمن تستشفعون ( وفي التنزيل في وصف طالوت : إن الله أصطفاه عليكم وزاده بسطة في العلم والجسم فبدأ بالعلم ثم ذكر ما يدل على القوة وسلامة الأعضاء وقوله : أصطفاه معناه أختاره وهذا يدل على شرط النسب وليس من شرطه أن يكون معصوما من الزلل والخطأ ولا عالما بالغيب ولا أفرس الأمة ولا أشجعهم ولا أن يكون من بني هاشم فقط دون غيرهم من قريش فإن الإجماع قد أنعقد على إمامة أبي بكر وعمر وعثمان وليسوا من بني هاشم الثانية عشرة يجوز نصب المفضول مع وجود الفاضل خوف الفتنة وألا يستقيم أمر الأمة وذلك أن الإمام إنما نصب لدفع العدو وحماية البيضة وسد الخلل وأستخراج الحقوق وإقامة الحدود وجباية الأموال لبيت المال وقسمتها على أهلها فإذا خيف بإقامة الأفضل الهرج والفساد وتعطيل الأمور التي لأجلها ينصب الإمام كان ذلك عذرا ظاهرا في العدول عن الفاضل إلى المفضول ويدل على ذلك أيضا علم عمر وسائر الأمة وقت الشورى بأن الستة فيهم فاضل ومفضول وقد أجاز العقد لكل واحد منهم إذا أدى المصلحة إلى ذلك وأجتمعت كلمتهم عليه من غير إنكار أحد عليهم والله أعلم الثالثة عشرة الإمام إذا نصب ثم فسق بعد أنبرام العقد فقال الجمهور : إنه تنفسخ إمامته ويخلع بالفسق الظاهر المعلوم لأنه قد ثبت أن الإمام إنما يقام لأقامة الحدود وأستيفاء الحقوق وحفظ أموال الأيتام والمجانين والنظر في أمورهم إلى غير ذلك مما تقدم ذكره وما فيه من الفسق يقعده عن القيام بهذه الأمور والنهوض بها فلو جوزنا أن يكون فاسقا أدى إلى أبطال ما أقيم لأجله ألا ترى في الأبتداء أنما لم يجز أن يعقد للفاسق لأجل أنه يؤدي إلى أبطال ما أقيم له وكذلك هذا مثله وقال آخرون : لا ينخلع إلا بالكفر أو بترك إقامة الصلاة أو الترك إلى دعائها أو شيء من الشريعة لقوله عليه السلام في حديث عبادة : ( وألا ننازع الأمر أهله قال إلا أن تروا كفرا بواحا عندكم من الله فيه برهان وفي حديث عوف بن مالك : ( لا ما أقاموا فيكم الصلاة ( الحديث أخرجهما مسلم وعن أم سلمة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( إنه يستعمل عليكم أمراء فتعرفون وتنكرون فمن كره فقد بريء ومن أنكر فقد سلم ولكن من رضى وتابع قالوا : يا رسول الله ألا نقاتلهم قال : لا ما صلوا ( أي من كره بقلبه وأنكر بقلبه أخرجه أيضا مسلم الرابعة عشرة ويجب عليه أن يخلع نفسه إذا وجد في نفسه نقصا يؤثر في الإمامة فأما إذا لم يجد نقصا فهل له أن يعزل نفسه ويعقد لغيره أختلف الناس فيه فمنهم من قال : ليس له أن يفعل ذلك وإن فعل لم تنخلع إمامته ومنهم من قال : له أن يفعل ذلك والدليل على أن الإمام إذا عزل نفسه أنعزل قول أبي بكر الصديق رضى الله عنه : أقيلوني أقيلوني وقول الصحابة : لا نقيلك ولا نستقيلك قدمك رسول الله صلى الله عليه وسلم لديننا فمن ذا يؤخرك رضيك رسول الله صلى الله عليه وسلم لديننا فلا نرضاك فلو لم يكن له أن يفعل ذلك لأنكرت الصحابة ذلك عليه ولقالت له : ليس لك أن تقول هذا وليس لك أن تفعله فلما أقرته الصحابة على ذلك علم أن للإمام أن يفعل ذلك ولأن الإمام ناظر للغيب فيجب أن يكون حكمه حكم الحاكم والوكيل إذا عزل نفسه فإن الإمام هو وكيل الأمة ونائب عنها ولما أتفق على أن الوكيل والحاكم وجميع من ناب عن غيره في شيء له أن يعزل نفسه كذلك الأمام يجب أن يكون مثله والله أعلم الخامسة عشرة إذا أنعقدت الإمامة بإتفاق أهل الحل والعقد أو بواحد على ما تقدم وجب على الناس كافة مبايعته على السمع والطاعة وإقامة كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ومن تأبى عن البيعة لعذر عذر ومن تأبى لغير عذر جبر وقهر لئلا تفترق كلمة المسلمين وإذا بويع لخليفتين فالخليفة الأول وقتل الآخر وأختلف في قتله هل هو محسوس أو معنى فيكون عزله قتله وموته والأول أظهر قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إذا بويع لخليفتين فاقتلوا الآخر منهما ( رواه أبو سعيد الخدري أخرجه مسلم وفي حديث عبد الله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سمعه يقول : ( ومن بايع إماما فأعطاه صفقة يده وثمرة قلبه فليطعه إن أستطاع فإن جاء آخر ينازعه فأضربوا عنق الآخر ( رواه مسلم أيضا ومن حديث عرفجة : ( فأضربوه بالسيف كائنا من كان ( وهذا أدل دليل على منع إقامة إمامين ولأن ذلك يؤدي إلى النفاق والمخالفة والشقاق وحدوث الفتن وزوال النعم لكن إن تباعدت الأقطار وتباينت كالأندلس وخراسان جاز ذلك على ما يأتي بيانه إن شاء الله تعالى السادسة عشرة لو خرج خارجي على إمام معروف العدالة وجب على الناس جهاده فإن كان الإمام فاسقا والخارجي مظهر للعدل لم ينبغ للناس أن يسرعوا إلى نصرة الخارجي حتى يتبين أمره فيما يظهر من العدل أو تتفق كلمة الجماعة على خلع الأول وذلك أن كل من طلب مثل هذا الأمر أظهر من نفسه الصلاح حتى إذا تمكن رجع إلى عادته من خلاف ما أظهر السابعة عشرة فأما إقامة إمامين أو ثلاثة في عصر واحد وبلد واحد فلا يجوز إجماعا لما ذكرنا قال الإمام أبو المعالي : ذهب أصحابنا إلى منع عقد الإمامة لشخصين في طرفي العالم ثم قالوا : لو أتفق عقد الإمامة لشخصين نزل ذلك منزلة تزويج وليين أمرأة واحدة من زوجين من غير أن يشعر أحدهما بعقد الآخر قال : والذي عندي فيه أن عقد الإمامة لشخصين في صقع واحد متضايق الخطط والمخاليف غير جائز وقد حصل الإجماع عليه فأما إذا بعد المدى وتخلل بين الأمامين شسوع النوى فللأحتمال في ذلك مجال وهو خارج عن القواطع وكان الأستاذ أبو إسحاق يجوز ذلك في أقليمين متباعدين غاية التباعد لئلا تتعطل حقوق الناس وأحكامهم وذهبت الكرامية إلى جواز نصب إمامين من غير تفصيل ويلزمهم إجازة ذلك في بلد واحد وصاروا إلى أن عليا ومعاوية كانا إمامين قالوا : وإذا كانا اثنين في بلدين أو ناحيتين كان كل واحد منهما أقوم بما في يديه وأضبط لما يليه ولأنه لما جاز بعثة نبيين في عصر واحد ولم يؤد ذلك إلى إبطال النبوة كانت الإمامة أولى ولا يؤدي ذلك إلى إبطال الإمامة والجواب أن ذلك جائز لولا منع الشرع منه لقوله : ( فأقتلوا الآخر منهما ( ولأن الأمة عليه وأما معاوية فلم يدع الإمامة لنفسه وإنما أدعى ولاية الشام بتولية من قبله من الأئمة ومما يدل على هذا إجماع الأمة في عصرهما على أن الإمام أحدهما ولا قال أحدهما أني إمام ومخالفي إمام فإن قالوا : العقل لا يحيل ذلك وليس في السمع ما يمنع منه قلنا : أقوى السمع الإجماع وقد وجد على المنع قوله تعالى : ( قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ) قد علمنا قطعا أن الملائكة لا تعلم إلا ما أعلمت ولا تسبق بالقول وذلك عام في جميع الملائكة لأن قوله : لا يسبقونه بالقول خرج على جهة المدح لهم فكيف قالوا : أتجعل فيها من يفسد فيها فقيل : المعنى أنهم لما سمعوا لفظ خليفة فهموا أن في بني آدم من يفسد إذ الخليفة المقصود منه الإصلاح وترك الفساد لكن عمموا الحكم على الجميع بالمعصية فبين الرب تعالى أن فيهم من يفسد ومن لا يفسد فقال تطييبا لقلوبهم : إني أعلم وحقق ذلك بأن علم آدم الأسماء وكشف لهم عن مكنون علمه وقيل : إن الملائكة قد رأت وعلمت ما كان من إفساد الجن وسفكهم الدماء وذلك لأن الأرض كان فيها الجن قبل خلق آدم فأفسدوا وسفكوا الدماء فبعث الله إليهم إبليس في جند من الملائكة فقتلهم وألحقهم بالبحار ورءوس الجبال فمن حينئذ دخلته العزة فجاء قولهم : أتجعل فيها على جهة الإستفهام المحض : هل هذا الخليفة على طريقة من تقدم من الجن أم لا قاله أحمد بن يحيى ثعلب وقال أبن زيد وغيره : إن الله تعالى أعلمهم أن الخليفة سيكون من ذريته قوم يفسدون في الأرض ويسفكون الدماء فقالوا لذلك هذه المقالة إما على طريق التعجب من أستخلاف الله من يعصيه أو من عصيان الله من يستخلفه في أرضه وينعم عليه بذلك وإما على طريق الأستعظام والإكبار للفصلين جميعا : الأستخلاف والعصيان وقال قتادة : كان الله أعلمهم أنه إذا جعل في الأرض خلقا أفسدوا وسفكوا الدماء فسألوا حين قال تعالى : إني جاعل في الأرض خليفة أهو الذي أعلمهم أم غيره وهذا قول حسن رواه عبد الرزاق قال : أخبرنا معمر عن قتادة في قوله أتجعل فيها من يفسد فيها قال : كان الله أعلمهم أنه إذا كان في الأرض خلق أفسدوا فيها وسفكوا الدماء فلذلك قالوا : أتجعل فيها من يفسد فيها وفي الكلام حذف على مذهبه والمعنى إني جاعل في الأرض خليفة يفعل كذا ويفعل كذا فقالوا : أتجعل فيها الذي أعلمتناه أم غيره والقول الأول أيضا حسن جدا لأن فيه أستخراج العلم وإستنباطه من مقتضى الألفاظ وذلك لا يكون إلا من العلماء وما بين القولين حسن فتأمله وقد قيل : إن سؤاله تعالى للملائكة بقوله : ( كيف تركتم عبادي ( على ما ثبت في صحيح مسلم وغيره إنما هو على جهة التوبيخ لمن قال : أتجعل فيها وإظهار لما سبق في معلومه إذ قال لهم : إني أعلم ما لا تعلمون قوله : ( من يفسد فيها ) من في موضع نصب على المفعول بتجعل والمفعول الثاني يقوم مقامه فيها يفسد على اللفظ ويجوز في غير القرآن يفسدون على المعنى وفي التنزيل : ومنهم من يستمع إليك على اللفظ ومنهم من يستمعون على المعنى ( ويسفك ) عطف عليه ويجوز فيه الوجهان وروي أسيد عن الأعرج أنه قرأ : ويسفك الدماء بالنصب يجعله جواب الأستفهام بالواو كما قال : ألم أك جاركم وتكون بيني وبينكم المودة والإخاء والسفك : الصب سفكت الدم أسفكه سفكا : صببته وكذلك الدمع حكاه أبن فارس والجوهري والسفاك : السفاح وهو القادر على الكلام قال المهدوي : ولا يستعمل السفك إلا في الدم وقد يستعمل في نثر الكلام يقال سفك الكلام إذا نثره وواحد الدماء دم محذوف اللام وقيل : أصله دمي وقيل : دمي ولا يكون أسم على حرفين إلا وقد حذف منه والمحذوف منه ياء وقد نطق به على الأصل قال الشاعر : فلو أنا على حجر ذبحنا جرى الدميان بالخبر اليقين قوله تعالى : ( ونحن نسبح بحمدك ) أي ننزهك عما لا يليق بصفاتك والتسبيح في كلامهم التنزيه من السوء على وجه التعظيم ومنه قول أعشى بني ثعلبة : أقول لما جاءني فخره سبحان من علقمه الفاخر أي براءة من علقمة وروى طلحة بن عبيد الله قال : سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن تفسير سبحان الله فقال : ( هو تنزيه الله عز وجل عن كل سوء ( وهو مشتق من السبح وهو الجري والذهاب قال الله تعالى : إن لك في النهار سبحا طويلا فالمسبح جار في تنزيه الله تعالى وتبرئته من السوء وقد تقدم الكلام في نحن ولا يجوز أدغام النون في النون لئلا يلتقي ساكنان مسألة : وأختلف أهل التأويل في تسبيح الملائكة فقال أبن مسعود وأبن عباس : تسبيحهم صلاتهم ومنه قول الله تعالى : فلولا أنه كان من المسبحين أي المصلين وقيل : تسبيحهم رفع الصوت بالذكر قاله المفضل وأستشهد بقول جرير : قبح الإله وجوه تغلب كلما سبح الحجيج وكبروا إهلالا وقال قتادة : تسبيحهم : سبحان الله على عرفه في اللغة وهو الصحيح لما رواه أبو ذر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل : أي الكلام أفضل قال : ( ما أصطفى الله لملائكته أو لعباده سبحان الله وبحمده ( أخرجه مسلم وعن عبد الرحمن بن قرط أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة أسري به سمع تسبيحا في السماوات العلا : سبحان العلي الأعلى سبحانه وتعالى ذكره البيهقي قوله تعالى : ( بحمدك ) أي وبحمدك نخلط التسبيح بالحمد ونصله به والحمد : الثناء وقد تقدم ويحتمل أن يكون قولهم : بحمدك أعتراضا بين الكلامين كأنهم قالوا : ونحن نسبح ونقدس ثم أعترضوا على جهة التسليم أي وأنت المحمود في الهداية إلى ذلك والله أعلم قوله تعالى : ( ونقدس لك ) أي نعظمك ونمجدك ونطهر ذكرك عما لا يليق بك مما نسبك إليه الملحدون قاله مجاهد وأبو صالح وغيرهما وقال الضحاك وغيره : المعنى نطهر أنفسنا لك أبتغاء مرضاتك وقال قوم منهم قتادة : نقدس لك معناه نصلي والتقديس : الصلاة قال أبن عطية : وهذا ضعيف قلت : بل معناه صحيح فإن الصلاة تشتمل على التعظيم والتقديس والتسبيح وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في ركوعه وسجوده : ( سبوح قدوس رب الملائكة والروح ( روته عائشة أخرجه مسلم وبناء قدس كيفما تصرف فإن معناه التطهير ومنه قوله تعالى : أدخلوا الأرض المقدسة أي المطهرة وقال : الملك القدوس الحشر يعني الطاهر ومثله : بالواد المقدس طوى وبيت المقدس سمي به لأنه المكان الذي يتقدس فيه من الذنوب أي يتطهر ومنه قيل للسطل : قدس لأنه يتوضأ فيه ويتطهر ومنه القادوس وفي الحديث : ( لا قدست أمة لا يؤخذ لضعيفها من قويها ( يريد لا طهرها الله أخرجه أبن ماجه في سننه فالقدس : الطهر من غير خلاف وقال الشاعر : فأدركنه يأخذن بالساق والنسا كما شبرق الولدان ثوب المقدس أي المطهر فالصلاة طهرة للعبد من الذنوب والمصلي يدخلها على أكمل الأحوال لكونها أفضل الأعمال والله أعلم قوله تعالى : ( أني أعلم ما لا تعلمون ) أعلم فيه تأويلان قيل : إنه فعل مستقبل وقيل : إنه أسم بمعنى فاعل كما يقال : الله أكبر بمعنى كبير وكما قال : لعمرك ما أدري وأني لأوجل على أينا تعدو المنية أول فعلى أنه فعل تكون ما في موضع نصب بأعلم ويجوز إدغام الميم في الميم وإن جعلته أسما بمعنى عالم تكون ما في موضع خفض بالإضافة قال أبن عطية : ولا يصح فيه الصرف بإجماع من النحاة وإنما الخلاف في أفعل إذا سمي به وكان نكرة فسيبويه والخليل لا يصرفانه والأخفش يصرفه قال المهدوي : يجوز أن تقدر التنوين في أعلم إذا قدرته بمعنى عالم وتنصب ما به فيكون مثل حواج بيت الله قال الجوهري : ونسوة حواج بيت الله بالإضافة إذا كن قد حججن وإن لم يكن حججن قلت : حواج بيت الله فتنصب البيت لأنك تريد التنوين في حواج قوله تعالى : ( ما لا تعلمون ) أختلف علماء التأويل في المراد بقوله تعالى : ما لا تعلمون فقال أبن عباس : كان إبليس لعنه الله قد أعجب ودخله الكبر لما جعله خازن السماء وشرفه فأعتقد أن ذلك لمزية له فأستخف الكفر والمعصية في جانب آدم عليه السلام وقالت الملائكة : ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك وهي لا تعلم أن في نفس أبليس خلاف ذلك فقال الله تعالى لهم : إني أعلم ما لا تعلمون وقال قتادة : لما قالت الملائكة أتجعل فيها وقد علم الله أن فيمن يستخلف في الأرض أنبياء وفضلاء وأهل طاعة قال لهم إني أعلم ما لا تعلمون قلت : ويحتمل أن يكون المعنى إني أعلم ما لا تعلمون مما كان ومما يكون ومما هو كائن فهو عام < <

Section V01/P278Kurtubî — el-Câmi' li-Ahkâmi'l-Kur'ân (s. V01/P278)
Orijinal Metin (AR)

البقرة : ( 31 ) وعلم آدم الأسماء . . . . . > > < > ( البقره 31 ) <

Français Tercümesi (Ehl-i Sünnet)

البقرة : ( 31 ) وعلم آدم الأسماء . . . . . > > < > ( البقره 31 ) <

Section V01/P278–V01/P284Kurtubî — el-Câmi' li-Ahkâmi'l-Kur'ân (s. V01/P278–V01/P284)
Orijinal Metin (AR)

> فيه سبع مسائل : الأولى قوله تعالى : ( وعلم آدم الأسماء كلها ) علم معناه عرف وتعليمه هنا إلهام علمه ضرورة ويحتمل أن يكون بواسطة ملك وهو جبريل عليه السلام على ما يأتي وقرئ : وعلم غير مسمى الفاعل والأول أظهر على ما يأتي قال علماء الصوفية : علمها بتعليم الحق إياه وحفظها بحفظه عليه ونسي ما عهد إليه لأن وكله فيه إلى نفسه فقال : ولقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسي ولم نجد له عزما وقال أبن عطاء : لو لم يكشف لآدم علم تلك الأسماء لكان أعجز من الملائكة في الإخبار عنها وهذا واضح وآدم عليه السلام يكنى أبا البشر وقيل : أبا محمد كنى بمحمد خاتم الأنبياء صلوات الله عليهم قاله السهيلي وقيل : كنيته في الجنة أبو محمد وفي الأرض أبو البشر وأصله بهمزتين لأنه أفعل إلا أنهم لينوا الثانية فإذا أحتجت إلى تحريكها جعلتها واوا فقلت : أوادم في الجمع لأنه ليس لها أصل في الياء معروف فجعلت الغالب عليها الواو عن الأخفش وأختلف في أشتقاقه فقيل : هو مشتق من أدمة الأرض وأديمها وهو وجهها فسمي بما خلق منه قاله أبن عباس وقيل إنه مشتق من الأدمة وهي السمرة وأختلفوا في الأدمة فزعم الضحاك أنها السمرة وزعم النضر أنها البياض وأن آدم عليه السلام كان أبيض مأخوذ من قولهم : ناقة أدماء إذا كانت بيضاء وعلى هذا الأشتقاق جمعه أدم وأوادم كحمر وأحامر ولا ينصرف بوجه وعلى أنه مشتق من الأدمة جمعه آدمون ويلزم قائلو هذه المقالة صرفه قلت : الصحيح أنه مشتق من أديم الأرض قال سعيد بن جبير : إنما سمي آدم لأنه خلق من أديم الأرض وإنما سمي إنسانا لأنه نسي ذكره بن سعد في الطبقات وروى السدي عن أبي مالك وعن أبي صالح عن أبن عباس وعن مرة الهمداني عن أبن مسعود في قصة خلق آدم عليه السلام قال : فبعث الله جبريل عليه السلام إلى الأرض ليأتيه بطين منها فقالت الأرض : أعوذ بالله منك أن تنقص مني أو تشينني فرجع ولم يأخذ وقال : يا رب إنها عاذت بك فأعذتها فبعث ميكائيل فعاذت منه فأعاذها فرجع فقال كما قال جبريل فبعث ملك الموت فعاذت منه فقال : وأنا أعوذ بالله أن أرجع ولم أنفذ أمره فأخذ من وجه الأرض وخلط ولم يأخذ من مكان واحد وأخذ من تربة حمراء وبيضاء وسوداء فلذلك خرج بنو آدم مختلفين ولذلك سمى آدم لأنه أخذ من أديم الأرض فصعد به فقال الله تعالى له : ( أما رحمت الأرض حين تضرعت إليك ( فقال : رأيت أمرك أوجب من قولها فقال : ( أنت تصلح لقبض أرواح ولده ( فبل التراب حتى عاد طينا لازبا اللازب : هو الذي يلتصق بعضه ببعض ثم ترك حتى أنتن فذلك حيث يقول : من حمإ مسنون قال : منتن ثم قال للملائكة : إني خالق بشرا من طين فإذأ سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين فخلقه الله بيده لكيلا يتكبر إبليس عنه يقول : أتتكبر عما خلقت بيدي ولم أتكبر أنا عنه فخلقه بشرا فكان جسدا من طين أربعين سنة من مقدار يوم الجمعة فمرت به الملائكة ففزعوا منه لما رأوه وكان أشدهم منه فزعا إبليس فكان يمر به فيضربه فيصوت الجسد كما يصوت الفخار تكون له صلصلة فذلك حين يقول : من صلصال كالفخار ويقول لأمر ما خلقت ودخل من فمه وخرج من دبره فقال إبليس للملائكة : لا ترهبوا من هذا فإنه أجوف ولئن سلطت عليه لأهلكنه ويقال : إنه كان إذا مر عليه مع الملائكة يقول : أرأيتم هذا الذي لم تروا من الخلائق يشبهه إن فضل عليكم وأمرتم بطاعته ما أنتم فاعلون قالوا : نطيع أمر ربنا فأسر إبليس في نفسه لئن فضل علي فلا أطيعه ولئن فضلت عليه لأهلكنه فلما بلغ الحين الذي أريد أن ينفخ فيه الروح قال للملائكة : إذا نفخت فيه من روحي فاسجدوا له فلما نفخ فيه الروح فدخل الروح في رأسه عطس فقالت له الملائكة : قل الحمد لله فقال الحمد لله فقال الله له : رحمك ربك فلما دخل الروح في عينيه نظر إلى ثمار الجنة فلما دخل في جوفه أشتهى الطعام فوثب قبل أن يبلغ الروح رجليه عجلان إلى ثمار الجنة فذلك حين يقول : خلق الأنسان من عجل فسجد الملائكة كلهم أجمعون إلا إبليس أبى أن يكون مع الساجدين وذكر القصة وروى الترمذي عن أبي موسى الأشعري قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( إن الله عز وجل خلق آدم من قبضة قبضها من جميع الأرض فجاء بنو آدم على قدر الأرض فجاء منهم الأحمر والأبيض والأسود وبين ذلك والسهل والحزن والخبيث والطيب ( قال أبو عيسى : هذا حديث حسن صحيح أديم : جمع أدم قال الشاعر : الناس أخياف وشتى في الشيم وكلهم يجمعهم وجه الأدم فآدم مشتق من الأديم والأدم لا من الأدمة والله أعلم ويحتمل أن يكون منهما جميعا وسيأتي لهذا الباب مزيد بيان في خلق آدم في الأنعام وغيرها إن شاء الله تعالى وآدم لا ينصرف قال أبو جعفر النحاس : آدم لا ينصرف في المعرفة بإجماع النحويين لأنه على أفعل وهو معرفة ولا يمتنع شيء من الصرف عند البصريين إلا لعلتين فإن نكرته ولم يكن نعتا لم يصرفه الخليل وسيبويه وصرفه الأخفش سعيد لأنه كان نعتا وهو على وزن الفعل فإذا لم يكن نعتا صرفه قال أبو إسحاق الزجاج : القول قول سيبويه ولا يفرق بين النعت وغيره لأنه هو ذاك بعينه الثانية قوله تعالى : ( الأسماء كلها ) الأسماء هنا بمعنى العبارات فإن الأسم قد يطلق ويراد به المسمى كقولك : زيد قائم والأسد شجاع وقد يراد به التسمية ذاتها كقولك : أسد ثلاثة أحرف ففي الأول يقال : الأسم هو المسمى بمعنى يراد به المسمى وفي الثاني لا يراد به المسمى وقد يجري أسم في اللغة مجرى ذات العبارة وهو الأكثر من أستعمالها ومنه قوله تعالى : وعلم آدم الأسماء كلها على أشهر التأويلات ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم : ( إن لله تسعة وتسعين أسما ( ويجري مجرى الذات يقال : ذات ونفس وعين وأسم بمعنى وعلى هذا حمل أكثر أهل العلم قوله تعالى : سبح أسم ربك الأعلى الأعلى تبارك أسم ربك إن هي إلا أسماء سميتموها الثالثة وأختلف أهل التأويل في معنى الأسماء التي علمها لآدم عليه السلام فقال أبن عباس وعكرمة وقتادة ومجاهد وأبن جبير : علمه أسماء جميع الأشياء كلها جليلها وحقيرها وروى عاصم بن كليب عن سعد مولى الحسن بن علي قال : كنت جالسا عند بن عباس فذكروا أسم الآنية وأسم السوط قال أبن عباس : وعلم آدم الأسماء كلها قلت : وقد روي هذا المعنى مرفوعا على ما يأتي وهو الذي يقتضيه لفظ كلها إذ هو أسم موضوع للإحاطة والعموم وفي البخاري من حديث أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( ويجتمع المؤمنون يوم القيامة فيقولون لو أستشفعنا إلى ربنا فيأتون آدم فيقولون أنت أبو الناس خلقك الله بيده وأسجد لك ملائكته وعلمك أسماء كل شيء ( الحديث قال أبن خويز منداد : في هذه الآية دليل على أن اللغة مأخوذة توقيفا وأن الله تعالى علمها آدم عليه السلام جملة وتفصيلا وكذلك قال أبن عباس : علمه أسماء كل شيء حتى الجفنة والمحلب وروي شيبان عن قتادة قال : علم آدم من الأسماء أسماء خلقه ما لم يعلم الملائكة وسمى كل شيء بأسمه وأنحى منفعة كل شيء إلى جنسه قال النحاس : وهذا أحسن ما روي في هذا والمعنى علمه أسماء الأجناس وعرفه منافعها هذا كذا وهو يصلح لكذا وقال الطبري : علمه أسماء الملائكة وذريته وأختار هذا ورجحه بقوله : ( ثم عرضهم على الملائكة ) وقال أبن زيد : علمه أسماء ذريته كلهم الربيع بن خثيم : أسماء الملائكة خاصة القتى : أسماء ما خلق في الأرض وقيل : أسماء الأجناس والأنواع قلت : القول الأول أصح لما ذكرناه آنفا ولما نبينه إن شاء الله تعالى الرابعة وأختلف المتأولون أيضا هل عرض على الملائكة اسماء الأشخاص أو الأسماء دون الأشخاص فقال أبن مسعود وغيره : عرض الأشخاص لقوله تعالى : عرضهم وقوله : ( أنبئوني بأسماء هؤلاء ) وتقول العرب : عرضت الشيء فأعرض أي أظهرته فظهر ومنه : عرضت الشيء للبيع وفي الحديث ( إنه عرضهم أمثال الذر ( وقال أبن عباس وغيره : عرض الأسماء وفي حرف أبن مسعود : عرضهن فأعاد على الأسماء دون الأشخاص لأن الهاء والنون أخص بالمؤنث وفي حرف أبي : عرضها مجاهد : أصحاب الأسماء فمن قال في الأسماء إنها التسميات فأستقام على قراءة أبي عرضها وتقول في قراءة من قرأ عرضهم : إن لفظ الأسماء يدل على أشخاص فلذلك ساغ ان يقال للأسماء : عرضهم وقال في هؤلاء المراد بالأشارة : إلى أشخاص الأسماء لكن وإن كانت غائبة فقد حضر ما هو منها بسبب وذلك أسماؤها قال أبن عطية : والذي يظهر أن الله تعالى علم آدم الأسماء وعرضهن عليه مع تلك الأجناس بأشخاصها ثم عرض تلك على الملائكة وسألهم عن تسمياتها التي قد تعلمها ثم إن آدم قال لهم : هذا أسمه كذا وهذا أسمه كذا وقال الماوردي : وكان الأصح توجه العرض إلى المسمين ثم في زمن عرضهم قولان : أحدهما أنه عرضهم بعد أن خلقهم الثاني أنه صورهم لقلوب الملائكة ثم عرضهم الخامسة وأختلف في أول من تكلم باللسان العربي فروي عن كعب الأحبار : أن أول من وضع الكتاب العربي والسرياني والكتب كلها وتكلم بالألسنة كلها آدم عليه السلام وقاله غير كعب الأحبار فإن قيل : قد روي عن كعب الأحبار من وجه حسن قال : أول من تكلم بالعربية جبريل عليه السلام وهو الذي ألقاها على لسان نوح عليه السلام وألقاها نوح على لسان أبنه سام ورواه ثور بن زيد عن خالد بن معدان عن كعب وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( أول من فتق لسانه بالعربية المبينة إسماعيل وهو أبن عشر سنين ( وقد روي أيضا : أن أول من تكلم بالعربية يعرب بن قحطان وقد روي غير ذلك قلنا : الصحيح أن أول من تكلم باللغات كلها من البشر آدم عليه السلام والقرآن يشهد له قال الله تعالى : وعلم آدم الأسماء كلها واللغات كلها أسماء فهي داخلة تحته وبهذا جاءت السنة قال صلى الله عليه وسلم : ( وعلم آدم الأسماء كلها حتى القصعة والقصيعة ( وما ذكروه يحتمل أن يكون المراد به أول من تكلم بالعربية من ولد إبراهيم عليه السلام إسماعيل عليه السلام وكذلك إن صح ما سواه فإنه يكون محمولا على أن المذكور أول من تكلم من قبيلته بالعربية بدليل ما ذكرنا والله أعلم وكذلك جبريل أول من تكلم بها من الملائكة وألقاها على لسان نوح بعد أن علمها الله آدم أو جبريل على ما تقدم والله أعلم قوله تعالى : ( هؤلاء ) لفظ مبني على الكسر ولغة تميم وبعض قيس وأسد فيه القصر قال الأعشى : هؤلا ثم هؤلا كلا أعطي ت نعالا محذوة بمثال ومن العرب من يقول : هؤلاء فيحذف الألف والهمزة السادسة قوله تعالى : ( إن كنتم صادقين ) شرط والجواب محذوف تقديره : إن كنتم صادقين أن بني آدم يفسدون في الأرض فأنبئوني قاله المبرد ومعنى صادقين عالمين ولذلك لم يسغ للملائكة الأجتهاد وقالوا : سبحانك حكاه النقاش قال : ولو لم يشترط عليهم إلا الصدق في الإنباء لجاز لهم الأجتهاد كما جاز للذي أماته الله مائة عام حين قال له : كم لبثت فلم يشترط عليه الإصابة فقال ولم يصب ولم يعنف وهذا بين لا خفاء فيه وحكى الطبري وأبو عبيد : أن بعض المفسرين قال إن معنى إن كنتم : إذ كنتم وقالا : هذا خطأ وأنبئوني معناه أخبروني والنبأ : الخبر ومنه النبيء بالهمز وسيأتي بيانه إن شاء الله تعالى السابعة قال بعض العلماء : يخرج من هذا الأمر بالإنباء تكليف ما لا يطاق لأنه علم أنهم لا يعلمون وقال المحققون من أهل التأويل : ليس هذا على جهة التكليف وإنما هو على جهة التقرير والتوقيف وسيأتي القول في تكليف ما لا يطاق هل وقع التكليف به أم لا في آخر السورة إن شاء الله تعالى < <

Français Tercümesi (Ehl-i Sünnet)

> فيه سبع مسائل : الأولى قوله تعالى : ( وعلم آدم الأسماء كلها ) علم معناه عرف وتعليمه هنا إلهام علمه ضرورة ويحتمل أن يكون بواسطة ملك وهو جبريل عليه السلام على ما يأتي وقرئ : وعلم غير مسمى الفاعل والأول أظهر على ما يأتي قال علماء الصوفية : علمها بتعليم الحق إياه وحفظها بحفظه عليه ونسي ما عهد إليه لأن وكله فيه إلى نفسه فقال : ولقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسي ولم نجد له عزما وقال أبن عطاء : لو لم يكشف لآدم علم تلك الأسماء لكان أعجز من الملائكة في الإخبار عنها وهذا واضح وآدم عليه السلام يكنى أبا البشر وقيل : أبا محمد كنى بمحمد خاتم الأنبياء صلوات الله عليهم قاله السهيلي وقيل : كنيته في الجنة أبو محمد وفي الأرض أبو البشر وأصله بهمزتين لأنه أفعل إلا أنهم لينوا الثانية فإذا أحتجت إلى تحريكها جعلتها واوا فقلت : أوادم في الجمع لأنه ليس لها أصل في الياء معروف فجعلت الغالب عليها الواو عن الأخفش وأختلف في أشتقاقه فقيل : هو مشتق من أدمة الأرض وأديمها وهو وجهها فسمي بما خلق منه قاله أبن عباس وقيل إنه مشتق من الأدمة وهي السمرة وأختلفوا في الأدمة فزعم الضحاك أنها السمرة وزعم النضر أنها البياض وأن آدم عليه السلام كان أبيض مأخوذ من قولهم : ناقة أدماء إذا كانت بيضاء وعلى هذا الأشتقاق جمعه أدم وأوادم كحمر وأحامر ولا ينصرف بوجه وعلى أنه مشتق من الأدمة جمعه آدمون ويلزم قائلو هذه المقالة صرفه قلت : الصحيح أنه مشتق من أديم الأرض قال سعيد بن جبير : إنما سمي آدم لأنه خلق من أديم الأرض وإنما سمي إنسانا لأنه نسي ذكره بن سعد في الطبقات وروى السدي عن أبي مالك وعن أبي صالح عن أبن عباس وعن مرة الهمداني عن أبن مسعود في قصة خلق آدم عليه السلام قال : فبعث الله جبريل عليه السلام إلى الأرض ليأتيه بطين منها فقالت الأرض : أعوذ بالله منك أن تنقص مني أو تشينني فرجع ولم يأخذ وقال : يا رب إنها عاذت بك فأعذتها فبعث ميكائيل فعاذت منه فأعاذها فرجع فقال كما قال جبريل فبعث ملك الموت فعاذت منه فقال : وأنا أعوذ بالله أن أرجع ولم أنفذ أمره فأخذ من وجه الأرض وخلط ولم يأخذ من مكان واحد وأخذ من تربة حمراء وبيضاء وسوداء فلذلك خرج بنو آدم مختلفين ولذلك سمى آدم لأنه أخذ من أديم الأرض فصعد به فقال الله تعالى له : ( أما رحمت الأرض حين تضرعت إليك ( فقال : رأيت أمرك أوجب من قولها فقال : ( أنت تصلح لقبض أرواح ولده ( فبل التراب حتى عاد طينا لازبا اللازب : هو الذي يلتصق بعضه ببعض ثم ترك حتى أنتن فذلك حيث يقول : من حمإ مسنون قال : منتن ثم قال للملائكة : إني خالق بشرا من طين فإذأ سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين فخلقه الله بيده لكيلا يتكبر إبليس عنه يقول : أتتكبر عما خلقت بيدي ولم أتكبر أنا عنه فخلقه بشرا فكان جسدا من طين أربعين سنة من مقدار يوم الجمعة فمرت به الملائكة ففزعوا منه لما رأوه وكان أشدهم منه فزعا إبليس فكان يمر به فيضربه فيصوت الجسد كما يصوت الفخار تكون له صلصلة فذلك حين يقول : من صلصال كالفخار ويقول لأمر ما خلقت ودخل من فمه وخرج من دبره فقال إبليس للملائكة : لا ترهبوا من هذا فإنه أجوف ولئن سلطت عليه لأهلكنه ويقال : إنه كان إذا مر عليه مع الملائكة يقول : أرأيتم هذا الذي لم تروا من الخلائق يشبهه إن فضل عليكم وأمرتم بطاعته ما أنتم فاعلون قالوا : نطيع أمر ربنا فأسر إبليس في نفسه لئن فضل علي فلا أطيعه ولئن فضلت عليه لأهلكنه فلما بلغ الحين الذي أريد أن ينفخ فيه الروح قال للملائكة : إذا نفخت فيه من روحي فاسجدوا له فلما نفخ فيه الروح فدخل الروح في رأسه عطس فقالت له الملائكة : قل الحمد لله فقال الحمد لله فقال الله له : رحمك ربك فلما دخل الروح في عينيه نظر إلى ثمار الجنة فلما دخل في جوفه أشتهى الطعام فوثب قبل أن يبلغ الروح رجليه عجلان إلى ثمار الجنة فذلك حين يقول : خلق الأنسان من عجل فسجد الملائكة كلهم أجمعون إلا إبليس أبى أن يكون مع الساجدين وذكر القصة وروى الترمذي عن أبي موسى الأشعري قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( إن الله عز وجل خلق آدم من قبضة قبضها من جميع الأرض فجاء بنو آدم على قدر الأرض فجاء منهم الأحمر والأبيض والأسود وبين ذلك والسهل والحزن والخبيث والطيب ( قال أبو عيسى : هذا حديث حسن صحيح أديم : جمع أدم قال الشاعر : الناس أخياف وشتى في الشيم وكلهم يجمعهم وجه الأدم فآدم مشتق من الأديم والأدم لا من الأدمة والله أعلم ويحتمل أن يكون منهما جميعا وسيأتي لهذا الباب مزيد بيان في خلق آدم في الأنعام وغيرها إن شاء الله تعالى وآدم لا ينصرف قال أبو جعفر النحاس : آدم لا ينصرف في المعرفة بإجماع النحويين لأنه على أفعل وهو معرفة ولا يمتنع شيء من الصرف عند البصريين إلا لعلتين فإن نكرته ولم يكن نعتا لم يصرفه الخليل وسيبويه وصرفه الأخفش سعيد لأنه كان نعتا وهو على وزن الفعل فإذا لم يكن نعتا صرفه قال أبو إسحاق الزجاج : القول قول سيبويه ولا يفرق بين النعت وغيره لأنه هو ذاك بعينه الثانية قوله تعالى : ( الأسماء كلها ) الأسماء هنا بمعنى العبارات فإن الأسم قد يطلق ويراد به المسمى كقولك : زيد قائم والأسد شجاع وقد يراد به التسمية ذاتها كقولك : أسد ثلاثة أحرف ففي الأول يقال : الأسم هو المسمى بمعنى يراد به المسمى وفي الثاني لا يراد به المسمى وقد يجري أسم في اللغة مجرى ذات العبارة وهو الأكثر من أستعمالها ومنه قوله تعالى : وعلم آدم الأسماء كلها على أشهر التأويلات ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم : ( إن لله تسعة وتسعين أسما ( ويجري مجرى الذات يقال : ذات ونفس وعين وأسم بمعنى وعلى هذا حمل أكثر أهل العلم قوله تعالى : سبح أسم ربك الأعلى الأعلى تبارك أسم ربك إن هي إلا أسماء سميتموها الثالثة وأختلف أهل التأويل في معنى الأسماء التي علمها لآدم عليه السلام فقال أبن عباس وعكرمة وقتادة ومجاهد وأبن جبير : علمه أسماء جميع الأشياء كلها جليلها وحقيرها وروى عاصم بن كليب عن سعد مولى الحسن بن علي قال : كنت جالسا عند بن عباس فذكروا أسم الآنية وأسم السوط قال أبن عباس : وعلم آدم الأسماء كلها قلت : وقد روي هذا المعنى مرفوعا على ما يأتي وهو الذي يقتضيه لفظ كلها إذ هو أسم موضوع للإحاطة والعموم وفي البخاري من حديث أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( ويجتمع المؤمنون يوم القيامة فيقولون لو أستشفعنا إلى ربنا فيأتون آدم فيقولون أنت أبو الناس خلقك الله بيده وأسجد لك ملائكته وعلمك أسماء كل شيء ( الحديث قال أبن خويز منداد : في هذه الآية دليل على أن اللغة مأخوذة توقيفا وأن الله تعالى علمها آدم عليه السلام جملة وتفصيلا وكذلك قال أبن عباس : علمه أسماء كل شيء حتى الجفنة والمحلب وروي شيبان عن قتادة قال : علم آدم من الأسماء أسماء خلقه ما لم يعلم الملائكة وسمى كل شيء بأسمه وأنحى منفعة كل شيء إلى جنسه قال النحاس : وهذا أحسن ما روي في هذا والمعنى علمه أسماء الأجناس وعرفه منافعها هذا كذا وهو يصلح لكذا وقال الطبري : علمه أسماء الملائكة وذريته وأختار هذا ورجحه بقوله : ( ثم عرضهم على الملائكة ) وقال أبن زيد : علمه أسماء ذريته كلهم الربيع بن خثيم : أسماء الملائكة خاصة القتى : أسماء ما خلق في الأرض وقيل : أسماء الأجناس والأنواع قلت : القول الأول أصح لما ذكرناه آنفا ولما نبينه إن شاء الله تعالى الرابعة وأختلف المتأولون أيضا هل عرض على الملائكة اسماء الأشخاص أو الأسماء دون الأشخاص فقال أبن مسعود وغيره : عرض الأشخاص لقوله تعالى : عرضهم وقوله : ( أنبئوني بأسماء هؤلاء ) وتقول العرب : عرضت الشيء فأعرض أي أظهرته فظهر ومنه : عرضت الشيء للبيع وفي الحديث ( إنه عرضهم أمثال الذر ( وقال أبن عباس وغيره : عرض الأسماء وفي حرف أبن مسعود : عرضهن فأعاد على الأسماء دون الأشخاص لأن الهاء والنون أخص بالمؤنث وفي حرف أبي : عرضها مجاهد : أصحاب الأسماء فمن قال في الأسماء إنها التسميات فأستقام على قراءة أبي عرضها وتقول في قراءة من قرأ عرضهم : إن لفظ الأسماء يدل على أشخاص فلذلك ساغ ان يقال للأسماء : عرضهم وقال في هؤلاء المراد بالأشارة : إلى أشخاص الأسماء لكن وإن كانت غائبة فقد حضر ما هو منها بسبب وذلك أسماؤها قال أبن عطية : والذي يظهر أن الله تعالى علم آدم الأسماء وعرضهن عليه مع تلك الأجناس بأشخاصها ثم عرض تلك على الملائكة وسألهم عن تسمياتها التي قد تعلمها ثم إن آدم قال لهم : هذا أسمه كذا وهذا أسمه كذا وقال الماوردي : وكان الأصح توجه العرض إلى المسمين ثم في زمن عرضهم قولان : أحدهما أنه عرضهم بعد أن خلقهم الثاني أنه صورهم لقلوب الملائكة ثم عرضهم الخامسة وأختلف في أول من تكلم باللسان العربي فروي عن كعب الأحبار : أن أول من وضع الكتاب العربي والسرياني والكتب كلها وتكلم بالألسنة كلها آدم عليه السلام وقاله غير كعب الأحبار فإن قيل : قد روي عن كعب الأحبار من وجه حسن قال : أول من تكلم بالعربية جبريل عليه السلام وهو الذي ألقاها على لسان نوح عليه السلام وألقاها نوح على لسان أبنه سام ورواه ثور بن زيد عن خالد بن معدان عن كعب وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( أول من فتق لسانه بالعربية المبينة إسماعيل وهو أبن عشر سنين ( وقد روي أيضا : أن أول من تكلم بالعربية يعرب بن قحطان وقد روي غير ذلك قلنا : الصحيح أن أول من تكلم باللغات كلها من البشر آدم عليه السلام والقرآن يشهد له قال الله تعالى : وعلم آدم الأسماء كلها واللغات كلها أسماء فهي داخلة تحته وبهذا جاءت السنة قال صلى الله عليه وسلم : ( وعلم آدم الأسماء كلها حتى القصعة والقصيعة ( وما ذكروه يحتمل أن يكون المراد به أول من تكلم بالعربية من ولد إبراهيم عليه السلام إسماعيل عليه السلام وكذلك إن صح ما سواه فإنه يكون محمولا على أن المذكور أول من تكلم من قبيلته بالعربية بدليل ما ذكرنا والله أعلم وكذلك جبريل أول من تكلم بها من الملائكة وألقاها على لسان نوح بعد أن علمها الله آدم أو جبريل على ما تقدم والله أعلم قوله تعالى : ( هؤلاء ) لفظ مبني على الكسر ولغة تميم وبعض قيس وأسد فيه القصر قال الأعشى : هؤلا ثم هؤلا كلا أعطي ت نعالا محذوة بمثال ومن العرب من يقول : هؤلاء فيحذف الألف والهمزة السادسة قوله تعالى : ( إن كنتم صادقين ) شرط والجواب محذوف تقديره : إن كنتم صادقين أن بني آدم يفسدون في الأرض فأنبئوني قاله المبرد ومعنى صادقين عالمين ولذلك لم يسغ للملائكة الأجتهاد وقالوا : سبحانك حكاه النقاش قال : ولو لم يشترط عليهم إلا الصدق في الإنباء لجاز لهم الأجتهاد كما جاز للذي أماته الله مائة عام حين قال له : كم لبثت فلم يشترط عليه الإصابة فقال ولم يصب ولم يعنف وهذا بين لا خفاء فيه وحكى الطبري وأبو عبيد : أن بعض المفسرين قال إن معنى إن كنتم : إذ كنتم وقالا : هذا خطأ وأنبئوني معناه أخبروني والنبأ : الخبر ومنه النبيء بالهمز وسيأتي بيانه إن شاء الله تعالى السابعة قال بعض العلماء : يخرج من هذا الأمر بالإنباء تكليف ما لا يطاق لأنه علم أنهم لا يعلمون وقال المحققون من أهل التأويل : ليس هذا على جهة التكليف وإنما هو على جهة التقرير والتوقيف وسيأتي القول في تكليف ما لا يطاق هل وقع التكليف به أم لا في آخر السورة إن شاء الله تعالى < <

Section V01/P284Kurtubî — el-Câmi' li-Ahkâmi'l-Kur'ân (s. V01/P284)
Orijinal Metin (AR)

البقرة : ( 32 ) قالوا سبحانك لا . . . . . > > < > ( البقره 32 ) <

Français Tercümesi (Ehl-i Sünnet)

البقرة : ( 32 ) قالوا سبحانك لا . . . . . > > < > ( البقره 32 ) <

Section V01/P284–V01/P287Kurtubî — el-Câmi' li-Ahkâmi'l-Kur'ân (s. V01/P284–V01/P287)
Orijinal Metin (AR)

> قوله تعالى : ( قالوا سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا ) فيه ثلاث مسائل : الأولى قوله تعالى : ( سبحانك ) أي تنزيها لك عن أن يعلم الغيب أحد سواك وهذا جوابهم عن قوله : أنبئوني فأجابوا أنهم لا يعلمون إلا ما أعلمهم به ولم يتعاطوا ما لا علم لهم به كما يفعله الجهال منا وما في ما علمتنا بمعنى الذي أي إلا الذي علمتنا ويجوز أن تكون مصدرية بمعنى إلا تعليمك إيانا الثانية الواجب على من سئل عن علم أن يقول إن لم يعلم : الله أعلم ولا أدري أقتداء بالملائكة والأنبياء والفضلاء من العلماء لكن قد أخبر الصادق أن بموت العلماء يقبض العلم فيبقى ناس جهال يستفتون فيفتون برأيهم فيضلون ويضلون وأما ما ورد من الأخبار عن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه والتابعين بعدهم في معنى الآية فروي البستي في المسند الصحيح له عن أبن عمر أن رجلا سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم : أي البقاع شر قال : ( لا أدري حتى أسأل جبريل ( فسأل جبريل فقال : لا أدري حتى أسأل ميكائيل فجاء فقال : خير البقاع المساجد وشرها الأسواق وقال الصديق للجدة : أرجعي حتى أسأل الناس وكان علي يقول : وأبردها على الكبد ثلاث مرات قالوا وما ذلك يا أمير المؤمنين قال : أن يسأل الرجل عما لا يعلم فيقول : الله أعلم وسأل أبن عمر رجل عن مسألة فقال : لا علم لي بها فلما أدبر الرجل قال أبن عمر : نعم ما قال بن عمر سئل عما لا يعلم فقال لا علم لي به ذكره الدارمي في مسنده وفي صحيح مسلم عن أبي عقيل يحيى بن المتوكل صاحب بهية قال : كنت جالسا عند القاسم بن عبيد الله ويحيى بن سعيد فقال يحيى للقاسم : يا أبا محمد إنه قبيح على مثلك عظيم أن يسأل عن شيء من أمر هذا الدين فلا يوجد عندك منه علم ولا فرج أو علم ولا مخرج فقال له القاسم : وعم ذاك قال : لأنك أبن إمامي هدى : أبن أبي بكر وعمر قال يقول له القاسم : أقبح من ذاك عند من عقل عن الله أن أقول بغير علم أو آخذ عن غير ثقة فسكت فما أجابه وقال مالك بن أنس : سمعت أبن هرمز يقول : ينبغي للعالم أن يورث جلساءه من بعده لا أدري حتى يكون أصلا في أيديهم فإذا سئل أحدهم عما لا يدري قال : لا أدري وذكر الهيثم بن جميل قال : شهدت مالك بن أنس سئل عن ثمان وأربعين مسألة فقال في اثنتين وثلاثين منها : لا أدري قلت : ومثله كثير عن الصحابة والتابعين وفقهاء المسلمين وإنما يحمل على ترك ذلك الرياسة وعدم الإنصاف في العلم قال بن عبد البر : من بركة العلم وآدابه الإنصاف فيه ومن لم ينصف لم يفهم ولم يتفهم روى يونس بن عبد الأعلى قال سمعت أبن وهب يقول سمعت مالك بن أنس يقول : ما في زماننا شيء أقل من الإنصاف قلت : هذا في زمن مالك فكيف في زماننا اليوم الذي عم فينا الفساد وكثر فيه الطغام وطلب فيه العلم للرياسة لا للدراية بل للظهور في الدنيا وغلبة الأقران بالمراء والجدال الذي يقسي القلب ويورث الضغن وذلك مما يحمل على عدم التقوى وترك الخوف من الله تعالى أين هذا مما روي عن عمر رضى الله عنه وقد قال : لا تزيدوا في مهور النساء على أربعين أوقية ولو كانت بنت ذي العصبة يعني يزيد بن الحصين الحارثي فمن زاد ألقيت زيادته في بيت المال فقامت أمرأة من صوب النساء طويلة فيها فطس فقالت : ما ذلك لك قال : ولم قالت لأن الله عز وجل يقول : وآتيتم إحداهن قنطارا فلا تأخذوا منه شيئا فقال عمر : أمرأة أصابت ورجل أخطأ وروى وكيع عن أبي معشر عن محمد بن كعب القرظي قال : سأل رجل عليا رضي الله عنه عن مسألة فقال فيها فقال الرجل : ليس كذلك يا أمير المؤمنين ولكن كذا وكذا فقال علي : أصبت وأخطأت وفوق كل ذي علم عليم وذكر أبو محمد قاسم بن أصبغ قال : لما رحلت إلى المشرق نزلت القيروان فأخذت على بكر أبن حماد حديث مسدد ثم رحلت إلى بغداد ولقيت الناس فلما أنصرفت عدت إليه لتمام حديث مسدد فقرأت عليه فيه يوما حديث النبي صلى الله عليه وسلم : ( أنه قدم عليه قوم من مضر من مجتابي النمار ( فقال : إنما هو مجتابي الثمار فقلت إنما هو مجتابي النمار هكذا قرأته على كل من قرأته عليه بالأندلس والعراق فقال لي : بدخولك العراق تعارضنا وتفخر علينا أو نحو هذا ثم قال لي : قم بنا إلى ذلك الشيخ لشيخ كان في المسجد فإن له بمثل هذا علما فقمنا إليه فسألناه عن ذلك فقال : إنما هو مجتابي النمار كما قلت وهم قوم كانوا يلبسون الثياب مشققة جيوبهم أمامهم والنمار جمع نمرة فقال بكر بن حماد وأخذ بأنفه : رغم أنفي للحق رغم أنفي للحق وأنصرف وقال يزيد بن الوليد بن عبد الملك فأحسن : إذا ما تحدثت في مجلس تناهى حديثي إلى ما علمت ولم أعد علمي إلى غيره وكان إذا ما تناهى سكت الثانية قوله تعالى : ( سبحانك ) سبحان منصوب على المصدر عند الخليل وسيبويه ويؤدي عن معنى نسبحك تسبيحا وقال الكسائي : هو منصوب على أنه نداء مضاف و ( العليم ) فعيل للمبالغة والتكثير في المعلومات في خلق الله تعالى و ( الحكيم ) معناه الحاكم وبينهما مزيد المبالغة وقيل معناه المحكم ويجيء الحكيم على هذا من صفات الفعل صرف عن مفعل إلى فعيل كما صرف عن مسمع إلى سميع ومؤلم إلى أليم قاله أبن الأنباري وقال قوم : الحكيم المانع من الفساد ومنه سميت حكمة اللجام لأنها تمنع الفرس من الجري والذهاب في غير قصد قال جرير : أبني حنيفة أحكموا سفهاءكم إني أخاف عليكم أن أغضبا أي أمنعوهم من الفساد وقال زهير : القائد الخيل منكوبا دوابرها قد أحكمت حكمات القد والأبقا القد : الجلد والأبق : القنب والعرب تقول : أحكم اليتيم عن كذا وكذا يريدون منعه والسورة المحكمة : الممنوعة من التغيير وكل التبديل وأن يلحق بها ما يخرج عنها ويزاد عليها ما ليس منها والحكمة من هذا لأنها تمنع صاحبها من الجهل ويقال : أحكم الشيء إذا أتقنه ومنعه من الخروج عما يريد فهو محكم وحكيم على التكثير < <

Français Tercümesi (Ehl-i Sünnet)

> قوله تعالى : ( قالوا سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا ) فيه ثلاث مسائل : الأولى قوله تعالى : ( سبحانك ) أي تنزيها لك عن أن يعلم الغيب أحد سواك وهذا جوابهم عن قوله : أنبئوني فأجابوا أنهم لا يعلمون إلا ما أعلمهم به ولم يتعاطوا ما لا علم لهم به كما يفعله الجهال منا وما في ما علمتنا بمعنى الذي أي إلا الذي علمتنا ويجوز أن تكون مصدرية بمعنى إلا تعليمك إيانا الثانية الواجب على من سئل عن علم أن يقول إن لم يعلم : الله أعلم ولا أدري أقتداء بالملائكة والأنبياء والفضلاء من العلماء لكن قد أخبر الصادق أن بموت العلماء يقبض العلم فيبقى ناس جهال يستفتون فيفتون برأيهم فيضلون ويضلون وأما ما ورد من الأخبار عن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه والتابعين بعدهم في معنى الآية فروي البستي في المسند الصحيح له عن أبن عمر أن رجلا سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم : أي البقاع شر قال : ( لا أدري حتى أسأل جبريل ( فسأل جبريل فقال : لا أدري حتى أسأل ميكائيل فجاء فقال : خير البقاع المساجد وشرها الأسواق وقال الصديق للجدة : أرجعي حتى أسأل الناس وكان علي يقول : وأبردها على الكبد ثلاث مرات قالوا وما ذلك يا أمير المؤمنين قال : أن يسأل الرجل عما لا يعلم فيقول : الله أعلم وسأل أبن عمر رجل عن مسألة فقال : لا علم لي بها فلما أدبر الرجل قال أبن عمر : نعم ما قال بن عمر سئل عما لا يعلم فقال لا علم لي به ذكره الدارمي في مسنده وفي صحيح مسلم عن أبي عقيل يحيى بن المتوكل صاحب بهية قال : كنت جالسا عند القاسم بن عبيد الله ويحيى بن سعيد فقال يحيى للقاسم : يا أبا محمد إنه قبيح على مثلك عظيم أن يسأل عن شيء من أمر هذا الدين فلا يوجد عندك منه علم ولا فرج أو علم ولا مخرج فقال له القاسم : وعم ذاك قال : لأنك أبن إمامي هدى : أبن أبي بكر وعمر قال يقول له القاسم : أقبح من ذاك عند من عقل عن الله أن أقول بغير علم أو آخذ عن غير ثقة فسكت فما أجابه وقال مالك بن أنس : سمعت أبن هرمز يقول : ينبغي للعالم أن يورث جلساءه من بعده لا أدري حتى يكون أصلا في أيديهم فإذا سئل أحدهم عما لا يدري قال : لا أدري وذكر الهيثم بن جميل قال : شهدت مالك بن أنس سئل عن ثمان وأربعين مسألة فقال في اثنتين وثلاثين منها : لا أدري قلت : ومثله كثير عن الصحابة والتابعين وفقهاء المسلمين وإنما يحمل على ترك ذلك الرياسة وعدم الإنصاف في العلم قال بن عبد البر : من بركة العلم وآدابه الإنصاف فيه ومن لم ينصف لم يفهم ولم يتفهم روى يونس بن عبد الأعلى قال سمعت أبن وهب يقول سمعت مالك بن أنس يقول : ما في زماننا شيء أقل من الإنصاف قلت : هذا في زمن مالك فكيف في زماننا اليوم الذي عم فينا الفساد وكثر فيه الطغام وطلب فيه العلم للرياسة لا للدراية بل للظهور في الدنيا وغلبة الأقران بالمراء والجدال الذي يقسي القلب ويورث الضغن وذلك مما يحمل على عدم التقوى وترك الخوف من الله تعالى أين هذا مما روي عن عمر رضى الله عنه وقد قال : لا تزيدوا في مهور النساء على أربعين أوقية ولو كانت بنت ذي العصبة يعني يزيد بن الحصين الحارثي فمن زاد ألقيت زيادته في بيت المال فقامت أمرأة من صوب النساء طويلة فيها فطس فقالت : ما ذلك لك قال : ولم قالت لأن الله عز وجل يقول : وآتيتم إحداهن قنطارا فلا تأخذوا منه شيئا فقال عمر : أمرأة أصابت ورجل أخطأ وروى وكيع عن أبي معشر عن محمد بن كعب القرظي قال : سأل رجل عليا رضي الله عنه عن مسألة فقال فيها فقال الرجل : ليس كذلك يا أمير المؤمنين ولكن كذا وكذا فقال علي : أصبت وأخطأت وفوق كل ذي علم عليم وذكر أبو محمد قاسم بن أصبغ قال : لما رحلت إلى المشرق نزلت القيروان فأخذت على بكر أبن حماد حديث مسدد ثم رحلت إلى بغداد ولقيت الناس فلما أنصرفت عدت إليه لتمام حديث مسدد فقرأت عليه فيه يوما حديث النبي صلى الله عليه وسلم : ( أنه قدم عليه قوم من مضر من مجتابي النمار ( فقال : إنما هو مجتابي الثمار فقلت إنما هو مجتابي النمار هكذا قرأته على كل من قرأته عليه بالأندلس والعراق فقال لي : بدخولك العراق تعارضنا وتفخر علينا أو نحو هذا ثم قال لي : قم بنا إلى ذلك الشيخ لشيخ كان في المسجد فإن له بمثل هذا علما فقمنا إليه فسألناه عن ذلك فقال : إنما هو مجتابي النمار كما قلت وهم قوم كانوا يلبسون الثياب مشققة جيوبهم أمامهم والنمار جمع نمرة فقال بكر بن حماد وأخذ بأنفه : رغم أنفي للحق رغم أنفي للحق وأنصرف وقال يزيد بن الوليد بن عبد الملك فأحسن : إذا ما تحدثت في مجلس تناهى حديثي إلى ما علمت ولم أعد علمي إلى غيره وكان إذا ما تناهى سكت الثانية قوله تعالى : ( سبحانك ) سبحان منصوب على المصدر عند الخليل وسيبويه ويؤدي عن معنى نسبحك تسبيحا وقال الكسائي : هو منصوب على أنه نداء مضاف و ( العليم ) فعيل للمبالغة والتكثير في المعلومات في خلق الله تعالى و ( الحكيم ) معناه الحاكم وبينهما مزيد المبالغة وقيل معناه المحكم ويجيء الحكيم على هذا من صفات الفعل صرف عن مفعل إلى فعيل كما صرف عن مسمع إلى سميع ومؤلم إلى أليم قاله أبن الأنباري وقال قوم : الحكيم المانع من الفساد ومنه سميت حكمة اللجام لأنها تمنع الفرس من الجري والذهاب في غير قصد قال جرير : أبني حنيفة أحكموا سفهاءكم إني أخاف عليكم أن أغضبا أي أمنعوهم من الفساد وقال زهير : القائد الخيل منكوبا دوابرها قد أحكمت حكمات القد والأبقا القد : الجلد والأبق : القنب والعرب تقول : أحكم اليتيم عن كذا وكذا يريدون منعه والسورة المحكمة : الممنوعة من التغيير وكل التبديل وأن يلحق بها ما يخرج عنها ويزاد عليها ما ليس منها والحكمة من هذا لأنها تمنع صاحبها من الجهل ويقال : أحكم الشيء إذا أتقنه ومنعه من الخروج عما يريد فهو محكم وحكيم على التكثير < <

%0
10 Bölüm