Section V03/P308–V03/P310İbn Kesîr — Tefsîrü'l-Kur'âni'l-Azîm (s. V03/P308–V03/P310)
Orijinal Metin (AR)وقال ابن أبي حاتم: ذكر محمد بن مسلم، حدثنا أحمد بن إبراهيم الدورقي، حدثنا يحيى بن معين قال: سمعت إسماعيل بن علية يقول في قول الله تعالى: {لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار} قال: هذا في الدنيا. قال: وذكر أبي، عن هشام بن عبيد الله أنه قال نحو ذلك. وقال آخرون: {لا تدركه الأبصار} أي: جميعها، وهذا مخصص بما ثبت من رؤية المؤمنين له في الدار الآخرة وقال آخرون، من المعتزلة بمقتضى ما فهموه من الآية: إنه لا يرى في الدنيا ولا في الآخرة. فخالفوا أهل السنة والجماعة في ذلك، مع ما ارتكبوه من الجهل بما دل عليه كتاب الله وسنة رسوله. أما الكتاب، فقوله تعالى: {وجوه يومئذ ناضرة. إلى ربها ناظرة} [القيامة: 22، 23] ، وقال تعالى عن الكافرين: {كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون} [المطففين: 15] . قال الإمام الشافعي: فدل هذا على أن المؤمنين لا يحجبون عنه تبارك وتعالى. وأما السنة، فقد تواترت الأخبار عن أبي سعيد، وأبي هريرة، وأنس، وجرير، وصهيب، وبلال، وغير واحد من الصحابة عن النبي صلى الله عليه وسلم: أن المؤمنين يرون الله في الدار الآخرة في العرصات، وفي روضات الجنات، جعلنا الله تعالى منهم بمنه وكرمه آمين. وقيل: المراد بقوله: {لا تدركه الأبصار} أي: العقول. رواه ابن أبي حاتم عن علي بن الحسين، عن الفلاس، عن ابن مهدي، عن أبي الحصين يحيى بن الحصين قارئ أهل مكة أنه قال ذلك. وهذا غريب جدا، وخلاف ظاهر الآية، وكأنه اعتقد أن الإدراك في معنى الرؤية، والله [سبحانه وتعالى] أعلم. وقال آخرون: لا منافاة بين إثبات الرؤية ونفي الإدراك، فإن الإدراك أخص من الرؤية، ولا يلزم من نفي الأخص انتفاء الأعم. ثم اختلف هؤلاء في الإدراك المنفي، ما هو؟ فقيل: معرفة الحقيقة، فإن هذا لا يعلمه إلا هو وإن رآه المؤمنون، كما أن من رأى القمر فإنه لا يدرك حقيقته وكنهه وماهيته، فالعظيم أولى بذلك وله المثل الأعلى. وقال آخرون: المراد بالإدراك الإحاطة. قالوا: ولا يلزم من عدم الإحاطة عدم الرؤية كما لا يلزم من عدم إحاطة العلم عدم العلم، قال الله تعالى: {ولا يحيطون به علما} [طه: 110] ، وفي صحيح مسلم: "لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك" ولا يلزم منه عدم الثناء، فكذلك هذا. قال العوفي، عن ابن عباس في قوله تعالى: {لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار} قال: لا يحيط بصر أحد بالملك. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة، حدثنا عمرو بن حماد بن طلحة القناد، حدثنا أسباط عن سماك، عن عكرمة، أنه قيل له: {لا تدركه الأبصار} ؟ قال: ألست ترى السماء؟ قال: بلى. قال: فكلها ترى؟. وقال سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة: {لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار} هو أعظم من أن تدركه الأبصار. وقال ابن جرير: حدثنا سعد بن عبد الله بن عبد الحكم، حدثنا خالد بن عبد الرحمن، حدثنا أبو عرفجة، عن عطية العوفي في قوله تعالى: {وجوه يومئذ ناضرة. إلى ربها ناظرة} [القيامة: 22، 23] ، قال: هم ينظرون إلى الله، لا تحيط أبصارهم به من عظمته، وبصره محيط بهم. فذلك قوله: {لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار} وقد ورد في تفسير هذه الآية حديث. رواه ابن أبي حاتم هاهنا، فقال: حدثنا أبو زرعة، حدثنا منجاب بن الحارث السهمي حدثنا بشر بن عمارة، عن أبي روق، عن عطية العوفي، عن أبي سعيد الخدري، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله: {لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار} قال: "لو أن الجن والإنس والشياطين والملائكة منذ خلقوا إلى أن فنوا صفوا صفا واحدا، ما أحاطوا بالله أبدا". غريب لا يعرف إلا من هذا الوجه، ولم يروه أحد من أصحاب الكتب الستة والله أعلم.
Français Tercümesi (Ehl-i Sünnet)وقال ابن أبي حاتم: ذكر محمد بن مسلم، حدثنا أحمد بن إبراهيم الدورقي، حدثنا يحيى بن معين قال: سمعت إسماعيل بن علية يقول في قول الله تعالى: {لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار} قال: هذا في الدنيا. قال: وذكر أبي، عن هشام بن عبيد الله أنه قال نحو ذلك. وقال آخرون: {لا تدركه الأبصار} أي: جميعها، وهذا مخصص بما ثبت من رؤية المؤمنين له في الدار الآخرة وقال آخرون، من المعتزلة بمقتضى ما فهموه من الآية: إنه لا يرى في الدنيا ولا في الآخرة. فخالفوا أهل السنة والجماعة في ذلك، مع ما ارتكبوه من الجهل بما دل عليه كتاب الله وسنة رسوله. أما الكتاب، فقوله تعالى: {وجوه يومئذ ناضرة. إلى ربها ناظرة} [القيامة: 22، 23] ، وقال تعالى عن الكافرين: {كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون} [المطففين: 15] . قال الإمام الشافعي: فدل هذا على أن المؤمنين لا يحجبون عنه تبارك وتعالى. وأما السنة، فقد تواترت الأخبار عن أبي سعيد، وأبي هريرة، وأنس، وجرير، وصهيب، وبلال، وغير واحد من الصحابة عن النبي صلى الله عليه وسلم: أن المؤمنين يرون الله في الدار الآخرة في العرصات، وفي روضات الجنات، جعلنا الله تعالى منهم بمنه وكرمه آمين. وقيل: المراد بقوله: {لا تدركه الأبصار} أي: العقول. رواه ابن أبي حاتم عن علي بن الحسين، عن الفلاس، عن ابن مهدي، عن أبي الحصين يحيى بن الحصين قارئ أهل مكة أنه قال ذلك. وهذا غريب جدا، وخلاف ظاهر الآية، وكأنه اعتقد أن الإدراك في معنى الرؤية، والله [سبحانه وتعالى] أعلم. وقال آخرون: لا منافاة بين إثبات الرؤية ونفي الإدراك، فإن الإدراك أخص من الرؤية، ولا يلزم من نفي الأخص انتفاء الأعم. ثم اختلف هؤلاء في الإدراك المنفي، ما هو؟ فقيل: معرفة الحقيقة، فإن هذا لا يعلمه إلا هو وإن رآه المؤمنون، كما أن من رأى القمر فإنه لا يدرك حقيقته وكنهه وماهيته، فالعظيم أولى بذلك وله المثل الأعلى. وقال آخرون: المراد بالإدراك الإحاطة. قالوا: ولا يلزم من عدم الإحاطة عدم الرؤية كما لا يلزم من عدم إحاطة العلم عدم العلم، قال الله تعالى: {ولا يحيطون به علما} [طه: 110] ، وفي صحيح مسلم: "لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك" ولا يلزم منه عدم الثناء، فكذلك هذا. قال العوفي، عن ابن عباس في قوله تعالى: {لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار} قال: لا يحيط بصر أحد بالملك. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة، حدثنا عمرو بن حماد بن طلحة القناد، حدثنا أسباط عن سماك، عن عكرمة، أنه قيل له: {لا تدركه الأبصار} ؟ قال: ألست ترى السماء؟ قال: بلى. قال: فكلها ترى؟. وقال سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة: {لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار} هو أعظم من أن تدركه الأبصار. وقال ابن جرير: حدثنا سعد بن عبد الله بن عبد الحكم، حدثنا خالد بن عبد الرحمن، حدثنا أبو عرفجة، عن عطية العوفي في قوله تعالى: {وجوه يومئذ ناضرة. إلى ربها ناظرة} [القيامة: 22، 23] ، قال: هم ينظرون إلى الله، لا تحيط أبصارهم به من عظمته، وبصره محيط بهم. فذلك قوله: {لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار} وقد ورد في تفسير هذه الآية حديث. رواه ابن أبي حاتم هاهنا، فقال: حدثنا أبو زرعة، حدثنا منجاب بن الحارث السهمي حدثنا بشر بن عمارة، عن أبي روق، عن عطية العوفي، عن أبي سعيد الخدري، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله: {لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار} قال: "لو أن الجن والإنس والشياطين والملائكة منذ خلقوا إلى أن فنوا صفوا صفا واحدا، ما أحاطوا بالله أبدا". غريب لا يعرف إلا من هذا الوجه، ولم يروه أحد من أصحاب الكتب الستة والله أعلم.
Section V03/P310–V03/P311İbn Kesîr — Tefsîrü'l-Kur'âni'l-Azîm (s. V03/P310–V03/P311)
Orijinal Metin (AR)وقال آخرون في [قوله تعالى] {لا تدركه الأبصار} بما رواه الترمذي في جامعه، وابن أبي عاصم في كتاب "السنة" له، وابن أبي حاتم في تفسيره، وابن مردويه أيضا، والحاكم في مستدركه، من حديث الحكم بن أبان قال: سمعت عكرمة يقول: سمعت ابن عباس يقول: رأى محمد ربه تبارك وتعالى. فقلت: أليس الله يقول: {لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار} الآية؟ فقال: لي "لا أم لك. ذلك نوره، الذي هو نوره، إذا تجلى بنوره لا يدركه شيء". وفي رواية: "لا يقوم له شيء". قال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه وفي معنى هذا الأثر ما ثبت في الصحيحين، عن أبي موسى الأشعري، رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الله لا ينام، ولا ينبغي له أن ينام يخفض القسط ويرفعه، يرفع إليه عمل الليل قبل عمل النهار، وعمل النهار قبل عمل الليل، حجابه النور -أو: النار -لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه" وفي الكتب المتقدمة: إن الله تعالى قال لموسى لما سأل الرؤية: يا موسى، إنه لا يراني حي إلا مات، ولا يابس إلا تدهده. أي: تدعثر. وقال تعالى: {فلما تجلى ربه للجبل جعله دكا وخر موسى صعقا فلما أفاق قال سبحانك تبت إليك وأنا أول المؤمنين} [الأعراف: 143] ونفي هذا الأثر الإدراك الخاص لا ينفي الرؤية يوم القيامة يتجلى لعباده المؤمنين كما يشاء. فأما جلاله وعظمته على ما هو عليه -تعالى وتقدس وتنزه -فلا تدركه الأبصار؛ ولهذا كانت أم المؤمنين عائشة، رضي الله عنها، تثبت الرؤية في الدار الآخرة وتنفيها في الدنيا، وتحتج بهذه الآية: {لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار} فالذي نفته الإدراك الذي هو بمعنى رؤية العظمة والجلال على ما هو عليه، فإن ذلك غير ممكن للبشر، ولا للملائكة ولا لشيء. وقوله: {وهو يدرك الأبصار} أي: يحيط بها ويعلمها على ما هي عليه؛ لأنه خلقها كما قال تعالى: {ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير} [الملك: 14] . وقد يكون عبر بالأبصار عن المبصرين، كما قال السدي في قوله: {لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار} لا يراه شيء وهو يرى الخلائق. وقال أبو العالية في قوله [تعالى] {وهو اللطيف الخبير} اللطيف باستخراجها، الخبير بمكانها. والله أعلم. وهذا كما قال تعالى إخبارا عن لقمان فيما وعظ به ابنه: {يا بني إنها إن تك مثقال حبة من خردل فتكن في صخرة أو في السماوات أو في الأرض يأت بها الله إن الله لطيف خبير} [لقمان: 16] . {قد جاءكم بصائر من ربكم فمن أبصر فلنفسه ومن عمي فعليها وما أنا عليكم بحفيظ وكذلك نصرف الآيات وليقولوا درست ولنبينه لقوم يعلمون } البصائر: هي البينات والحجج التي اشتمل عليها القرآن، وما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم {فمن أبصر فلنفسه} مثل قوله: {من اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها} [الإسراء: 15] ؛ ولهذا قال: {ومن عمي فعليها} لما ذكر البصائر قال: {ومن عمي فعليها} أي: فإنما يعود وبال ذلك عليه، كقوله: {فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور} [الحج: 46] . {وما أنا عليكم بحفيظ} أي: بحافظ ولا رقيب، بل أنا مبلغ والله يهدي من يشاء ويضل من يشاء. وقوله: {وكذلك نصرف الآيات} أي: وكما فصلنا الآيات في هذه السورة، من بيان التوحيد وأنه لا إله إلا هو، هكذا نوضح الآيات ونفسرها ونبينها في كل موطن لجهالة الجاهلين، وليقول المشركون والكافرون المكذبون: دارست يا محمد من قبلك من أهل الكتاب وقارأتهم وتعلمت منهم. هكذا قال ابن عباس، ومجاهد، وسعيد بن جبير، والضحاك، وغيرهم. وقد قال الطبراني: حدثنا عبد الله بن أحمد، حدثنا أبي، حدثنا سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن عمرو بن كيسان، سمعت ابن عباس يقرأ: {دارست} تلوت، خاصمت، جادلت
Français Tercümesi (Ehl-i Sünnet)وقال آخرون في [قوله تعالى] {لا تدركه الأبصار} بما رواه الترمذي في جامعه، وابن أبي عاصم في كتاب "السنة" له، وابن أبي حاتم في تفسيره، وابن مردويه أيضا، والحاكم في مستدركه، من حديث الحكم بن أبان قال: سمعت عكرمة يقول: سمعت ابن عباس يقول: رأى محمد ربه تبارك وتعالى. فقلت: أليس الله يقول: {لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار} الآية؟ فقال: لي "لا أم لك. ذلك نوره، الذي هو نوره، إذا تجلى بنوره لا يدركه شيء". وفي رواية: "لا يقوم له شيء". قال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه وفي معنى هذا الأثر ما ثبت في الصحيحين، عن أبي موسى الأشعري، رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الله لا ينام، ولا ينبغي له أن ينام يخفض القسط ويرفعه، يرفع إليه عمل الليل قبل عمل النهار، وعمل النهار قبل عمل الليل، حجابه النور -أو: النار -لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه" وفي الكتب المتقدمة: إن الله تعالى قال لموسى لما سأل الرؤية: يا موسى، إنه لا يراني حي إلا مات، ولا يابس إلا تدهده. أي: تدعثر. وقال تعالى: {فلما تجلى ربه للجبل جعله دكا وخر موسى صعقا فلما أفاق قال سبحانك تبت إليك وأنا أول المؤمنين} [الأعراف: 143] ونفي هذا الأثر الإدراك الخاص لا ينفي الرؤية يوم القيامة يتجلى لعباده المؤمنين كما يشاء. فأما جلاله وعظمته على ما هو عليه -تعالى وتقدس وتنزه -فلا تدركه الأبصار؛ ولهذا كانت أم المؤمنين عائشة، رضي الله عنها، تثبت الرؤية في الدار الآخرة وتنفيها في الدنيا، وتحتج بهذه الآية: {لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار} فالذي نفته الإدراك الذي هو بمعنى رؤية العظمة والجلال على ما هو عليه، فإن ذلك غير ممكن للبشر، ولا للملائكة ولا لشيء. وقوله: {وهو يدرك الأبصار} أي: يحيط بها ويعلمها على ما هي عليه؛ لأنه خلقها كما قال تعالى: {ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير} [الملك: 14] . وقد يكون عبر بالأبصار عن المبصرين، كما قال السدي في قوله: {لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار} لا يراه شيء وهو يرى الخلائق. وقال أبو العالية في قوله [تعالى] {وهو اللطيف الخبير} اللطيف باستخراجها، الخبير بمكانها. والله أعلم. وهذا كما قال تعالى إخبارا عن لقمان فيما وعظ به ابنه: {يا بني إنها إن تك مثقال حبة من خردل فتكن في صخرة أو في السماوات أو في الأرض يأت بها الله إن الله لطيف خبير} [لقمان: 16] . {قد جاءكم بصائر من ربكم فمن أبصر فلنفسه ومن عمي فعليها وما أنا عليكم بحفيظ وكذلك نصرف الآيات وليقولوا درست ولنبينه لقوم يعلمون } البصائر: هي البينات والحجج التي اشتمل عليها القرآن، وما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم {فمن أبصر فلنفسه} مثل قوله: {من اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها} [الإسراء: 15] ؛ ولهذا قال: {ومن عمي فعليها} لما ذكر البصائر قال: {ومن عمي فعليها} أي: فإنما يعود وبال ذلك عليه، كقوله: {فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور} [الحج: 46] . {وما أنا عليكم بحفيظ} أي: بحافظ ولا رقيب، بل أنا مبلغ والله يهدي من يشاء ويضل من يشاء. وقوله: {وكذلك نصرف الآيات} أي: وكما فصلنا الآيات في هذه السورة، من بيان التوحيد وأنه لا إله إلا هو، هكذا نوضح الآيات ونفسرها ونبينها في كل موطن لجهالة الجاهلين، وليقول المشركون والكافرون المكذبون: دارست يا محمد من قبلك من أهل الكتاب وقارأتهم وتعلمت منهم. هكذا قال ابن عباس، ومجاهد، وسعيد بن جبير، والضحاك، وغيرهم. وقد قال الطبراني: حدثنا عبد الله بن أحمد، حدثنا أبي، حدثنا سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن عمرو بن كيسان، سمعت ابن عباس يقرأ: {دارست} تلوت، خاصمت، جادلت
Section V03/P311–V03/P313İbn Kesîr — Tefsîrü'l-Kur'âni'l-Azîm (s. V03/P311–V03/P313)
Orijinal Metin (AR)وهذا كما قال تعالى إخبارا عن كذبهم وعنادهم: {وقال الذين كفروا إن هذا إلا إفك افتراه وأعانه عليه قوم آخرون فقد جاءوا ظلما وزورا. وقالوا أساطير الأولين اكتتبها [فهي تملى عليه بكرة وأصيلا] } [الفرقان: 4، 5] ، وقال تعالى إخبارا عن زعيمهم وكاذبهم: {إنه فكر وقدر. فقتل كيف قدر. ثم قتل كيف قدر. ثم نظر. ثم عبس وبسر. ثم أدبر واستكبر. فقال إن هذا إلا سحر يؤثر. إن هذا إلا قول البشر} [المدثر: 18 -25] . وقوله: {ولنبينه لقوم يعلمون} أي: ولنوضحه لقوم يعلمون الحق فيتبعونه، والباطل فيجتنبونه. فلله تعالى الحكمة البالغة في إضلال أولئك، وبيان الحق لهؤلاء. كما قال تعالى: {يضل به كثيرا ويهدي به كثيرا [وما يضل به إلا الفاسقين] } [البقرة: 26] ، وقال تعالى: {ليجعل ما يلقي الشيطان فتنة للذين في قلوبهم مرض والقاسية قلوبهم وإن الظالمين لفي شقاق بعيد } [الحج: 53] وقال تعالى: {وما جعلنا أصحاب النار إلا ملائكة وما جعلنا عدتهم إلا فتنة للذين كفروا ليستيقن الذين أوتوا الكتاب ويزداد الذين آمنوا إيمانا ولا يرتاب الذين أوتوا الكتاب والمؤمنون وليقول الذين في قلوبهم مرض والكافرون ماذا أراد الله بهذا مثلا كذلك يضل الله من يشاء ويهدي من يشاء وما يعلم جنود ربك إلا هو} [المدثر: 31] . وقال [تعالى] {وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين ولا يزيد الظالمين إلا خسارا} [الإسراء: 82] وقال تعالى: {قل هو للذين آمنوا هدى وشفاء والذين لا يؤمنون في آذانهم وقر وهو عليهم عمى أولئك ينادون من مكان بعيد} [فصلت: 44] ، إلى غير ذلك من الآيات الدالة على أنه تعالى أنزل القرآن هدى للمتقين، وأنه يضل به من يشاء ويهدي به من يشاء: ولهذا قال هاهنا: {وكذلك نصرف الآيات وليقولوا درست ولنبينه لقوم يعلمون} وقرأ بعضهم: {وليقولوا درست} قال التميمي، عن ابن عباس: "درست" أي: قرأت وتعلمت. وكذا قال مجاهد، والسدي والضحاك، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم. وقال عبد الرزاق، عن معمر، قال الحسن: "وليقولوا درست"، يقول: تقادمت وانمحت. وقال عبد الرزاق أيضا: أنبأنا ابن عيينة، عن عمرو بن دينار، سمعت ابن الزبير يقول: إن صبيانا يقرؤون هاهنا: "درست"، وإنما هي: "درست". وقال شعبة: حدثنا أبو إسحاق الهمداني قال في قراءة ابن مسعود: "درست" بغير ألف، بنصب السين ووقف على التاء. وقال ابن جرير: ومعناه انمحت وتقادمت، أي: إن هذا الذي تتلوه علينا قد مر بنا قديما، وتطاولت مدته. وقال سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة أنه قرأها: "درست" أي: قرئت وتعلمت. وقال معمر، عن قتادة: "درست": قرئت. وفي حرف ابن مسعود "درس". وقال أبو عبيد القاسم بن سلام: حدثنا حجاج، عن هارون قال: هي في حرف أبي بن كعب وابن مسعود: "وليقولوا درس". قال: يعنون النبي صلى الله عليه وسلم أنه قرأ وهذا غريب، فقد روي عن أبي بن كعب خلاف هذا، قال أبو بكر بن مردويه: حدثنا محمد بن أحمد بن إبراهيم، حدثنا الحسن بن الليث، حدثنا أبو سلمة، حدثنا أحمد بن أبي بزة المكي، حدثنا وهب بن زمعة، عن أبيه، عن حميد الأعرج، عن مجاهد، عن ابن عباس، عن أبي بن كعب قال: أقرأني رسول الله صلى الله عليه وسلم: {وليقولوا درست} . ورواه الحاكم في مستدركه، من حديث وهب بن زمعة، وقال: يعني بجزم السين، ونصب التاء، ثم قال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه {اتبع ما أوحي إليك من ربك لا إله إلا هو وأعرض عن المشركين ولو شاء الله ما أشركوا وما جعلناك عليهم حفيظا وما أنت عليهم بوكيل } يقول تعالى آمرا لرسوله صلى الله عليه وسلم ولمن اتبع طريقته: {اتبع ما أوحي إليك من ربك} أي: اقتد به، واقتف أثره، واعمل به؛ فإن ما أوحي إليك من ربك هو الحق الذي لا مرية فيه؛ لأنه لا إله إلا هو. {وأعرض عن المشركين} أي: اعف عنهم واصفح، واحتمل أذاهم، حتى يفتح الله لك وينصرك ويظفرك عليهم.
Français Tercümesi (Ehl-i Sünnet)وهذا كما قال تعالى إخبارا عن كذبهم وعنادهم: {وقال الذين كفروا إن هذا إلا إفك افتراه وأعانه عليه قوم آخرون فقد جاءوا ظلما وزورا. وقالوا أساطير الأولين اكتتبها [فهي تملى عليه بكرة وأصيلا] } [الفرقان: 4، 5] ، وقال تعالى إخبارا عن زعيمهم وكاذبهم: {إنه فكر وقدر. فقتل كيف قدر. ثم قتل كيف قدر. ثم نظر. ثم عبس وبسر. ثم أدبر واستكبر. فقال إن هذا إلا سحر يؤثر. إن هذا إلا قول البشر} [المدثر: 18 -25] . وقوله: {ولنبينه لقوم يعلمون} أي: ولنوضحه لقوم يعلمون الحق فيتبعونه، والباطل فيجتنبونه. فلله تعالى الحكمة البالغة في إضلال أولئك، وبيان الحق لهؤلاء. كما قال تعالى: {يضل به كثيرا ويهدي به كثيرا [وما يضل به إلا الفاسقين] } [البقرة: 26] ، وقال تعالى: {ليجعل ما يلقي الشيطان فتنة للذين في قلوبهم مرض والقاسية قلوبهم وإن الظالمين لفي شقاق بعيد } [الحج: 53] وقال تعالى: {وما جعلنا أصحاب النار إلا ملائكة وما جعلنا عدتهم إلا فتنة للذين كفروا ليستيقن الذين أوتوا الكتاب ويزداد الذين آمنوا إيمانا ولا يرتاب الذين أوتوا الكتاب والمؤمنون وليقول الذين في قلوبهم مرض والكافرون ماذا أراد الله بهذا مثلا كذلك يضل الله من يشاء ويهدي من يشاء وما يعلم جنود ربك إلا هو} [المدثر: 31] . وقال [تعالى] {وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين ولا يزيد الظالمين إلا خسارا} [الإسراء: 82] وقال تعالى: {قل هو للذين آمنوا هدى وشفاء والذين لا يؤمنون في آذانهم وقر وهو عليهم عمى أولئك ينادون من مكان بعيد} [فصلت: 44] ، إلى غير ذلك من الآيات الدالة على أنه تعالى أنزل القرآن هدى للمتقين، وأنه يضل به من يشاء ويهدي به من يشاء: ولهذا قال هاهنا: {وكذلك نصرف الآيات وليقولوا درست ولنبينه لقوم يعلمون} وقرأ بعضهم: {وليقولوا درست} قال التميمي، عن ابن عباس: "درست" أي: قرأت وتعلمت. وكذا قال مجاهد، والسدي والضحاك، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم. وقال عبد الرزاق، عن معمر، قال الحسن: "وليقولوا درست"، يقول: تقادمت وانمحت. وقال عبد الرزاق أيضا: أنبأنا ابن عيينة، عن عمرو بن دينار، سمعت ابن الزبير يقول: إن صبيانا يقرؤون هاهنا: "درست"، وإنما هي: "درست". وقال شعبة: حدثنا أبو إسحاق الهمداني قال في قراءة ابن مسعود: "درست" بغير ألف، بنصب السين ووقف على التاء. وقال ابن جرير: ومعناه انمحت وتقادمت، أي: إن هذا الذي تتلوه علينا قد مر بنا قديما، وتطاولت مدته. وقال سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة أنه قرأها: "درست" أي: قرئت وتعلمت. وقال معمر، عن قتادة: "درست": قرئت. وفي حرف ابن مسعود "درس". وقال أبو عبيد القاسم بن سلام: حدثنا حجاج، عن هارون قال: هي في حرف أبي بن كعب وابن مسعود: "وليقولوا درس". قال: يعنون النبي صلى الله عليه وسلم أنه قرأ وهذا غريب، فقد روي عن أبي بن كعب خلاف هذا، قال أبو بكر بن مردويه: حدثنا محمد بن أحمد بن إبراهيم، حدثنا الحسن بن الليث، حدثنا أبو سلمة، حدثنا أحمد بن أبي بزة المكي، حدثنا وهب بن زمعة، عن أبيه، عن حميد الأعرج، عن مجاهد، عن ابن عباس، عن أبي بن كعب قال: أقرأني رسول الله صلى الله عليه وسلم: {وليقولوا درست} . ورواه الحاكم في مستدركه، من حديث وهب بن زمعة، وقال: يعني بجزم السين، ونصب التاء، ثم قال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه {اتبع ما أوحي إليك من ربك لا إله إلا هو وأعرض عن المشركين ولو شاء الله ما أشركوا وما جعلناك عليهم حفيظا وما أنت عليهم بوكيل } يقول تعالى آمرا لرسوله صلى الله عليه وسلم ولمن اتبع طريقته: {اتبع ما أوحي إليك من ربك} أي: اقتد به، واقتف أثره، واعمل به؛ فإن ما أوحي إليك من ربك هو الحق الذي لا مرية فيه؛ لأنه لا إله إلا هو. {وأعرض عن المشركين} أي: اعف عنهم واصفح، واحتمل أذاهم، حتى يفتح الله لك وينصرك ويظفرك عليهم.
Section V03/P313–V03/P315İbn Kesîr — Tefsîrü'l-Kur'âni'l-Azîm (s. V03/P313–V03/P315)
Orijinal Metin (AR)واعلم أن لله حكمة في إضلالهم، فإنه لو شاء لهدى الناس كلهم جميعا [ولو شاء الله لجمعهم على الهدى] {ولو شاء الله ما أشركوا} أي: بل له المشيئة والحكمة فيما يشاؤه ويختاره، لا يسأل عما يفعل وهم يسألون. وقوله: {وما جعلناك عليهم حفيظا} أي: حافظا تحفظ أعمالهم وأقوالهم {وما أنت عليهم بوكيل} أي: موكل على أرزاقهم وأمورهم {إن عليك إلا البلاغ} كما قال تعالى: {فذكر إنما أنت مذكر لست عليهم بمسيطر} [الغاشية: 21، 22] ، وقال {فإنما عليك البلاغ وعلينا الحساب} [الرعد:40] {ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوا بغير علم كذلك زينا لكل أمة عملهم ثم إلى ربهم مرجعهم فينبئهم بما كانوا يعملون } يقول تعالى ناهيا لرسوله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين عن سب آلهة المشركين، وإن كان فيه مصلحة، إلا أنه يترتب عليه مفسدة أعظم منها، وهي مقابلة المشركين بسب إله المؤمنين، وهو الله لا إله إلا هو. كما قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في هذه الآية: قالوا: يا محمد، لتنتهين عن سبك آلهتنا، أو لنهجون ربك، فنهاهم الله أن يسبوا أوثانهم، {فيسبوا الله عدوا بغير علم} وقال عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة: كان المسلمون يسبون أصنام الكفار، فيسب الكفار الله عدوا بغير علم، فأنزل الله: {ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله} وروى ابن جرير وابن أبي حاتم، عن السدي أنه قال في تفسير هذه الآية: لما حضر أبا طالب الموت قالت قريش: انطلقوا فلندخل على هذا الرجل، فلنأمره أن ينهى عنا ابن أخيه، فإنا نستحيي أن نقتله بعد موته، فتقول العرب: كان يمنعهم فلما مات قتلوه. فانطلق أبو سفيان، وأبو جهل، والنضر بن الحارث، وأمية، وأبي ابنا خلف، وعقبة بن أبي معيط، وعمرو بن العاص، والأسود بن البختري وبعثوا رجلا منهم يقال له: "المطلب"، قالوا: استأذن لنا على أبي طالب، فأتى أبا طالب فقال: هؤلاء مشيخة قومك يريدون الدخول عليك، فأذن لهم عليه، فدخلوا عليه فقالوا: يا أبا طالب، أنت كبيرنا وسيدنا، وإن محمدا قد آذانا وآذى آلهتنا، فنحب أن تدعوه فتنهاه عن ذكر آلهتنا، ولندعه وإلهه. فدعاه، فجاء النبي صلى الله عليه وسلم، فقال له أبو طالب: هؤلاء قومك وبنو عمك. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما تريدون؟ ". قالوا: نريد أن تدعنا وآلهتنا، ولندعك وإلهك. قال له أبو طالب: قد أنصفك قومك، فاقبل منهم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم "أرأيتم إن أعطيتكم هذا، هل أنتم معطي كلمة إن تكلمتم بها ملكتم بها العرب، ودانت لكم بها العجم، وأدت لكم الخراج؟ " قال أبو جهل: وأبيك لأعطينكها وعشرة أمثالها [قال] فما هي؟ قال: "قولوا لا إله إلا الله". فأبوا واشمأزوا. قال أبو طالب: يا ابن أخي، قل غيرها، فإن قومك قد فزعوا منها. قال: " يا عم، ما أنا بالذي أقول غيرها، حتى يأتوا بالشمس فيضعوها في يدي، ولو أتوا بالشمس فوضعوها في يدي ما قلت غيرها". إرادة أن يؤيسهم، فغضبوا وقالوا: لتكفن عن شتم آلهتنا، أو لنشتمنك ونشتم من يأمرك فذلك قوله: {فيسبوا الله عدوا بغير علم} ومن هذا القبيل -وهو ترك المصلحة لمفسدة أرجح منها -ما جاء في الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "ملعون من سب والديه". قالوا يا رسول الله، وكيف يسب الرجل والديه؟ قال: "يسب أبا الرجل فيسب أباه، ويسب أمه فيسب أمه". أو كما قال، عليه السلام وقوله تعالى: {كذلك زينا لكل أمة عملهم} أي: وكما زينا لهؤلاء القوم حب أصنامهم والمحاماة لها والانتصار، كذلك زينا لكل أمة من الأمم الخالية على الضلال عملهم الذي كانوا فيه، ولله الحجة البالغة، والحكمة التامة فيما يشاؤه ويختاره. {ثم إلى ربهم مرجعهم} أي: معادهم ومصيرهم، {فينبئهم بما كانوا يعملون} أي: يجازيهم بأعمالهم، إن خيرا فخير، وإن شرا فشر.
Français Tercümesi (Ehl-i Sünnet)واعلم أن لله حكمة في إضلالهم، فإنه لو شاء لهدى الناس كلهم جميعا [ولو شاء الله لجمعهم على الهدى] {ولو شاء الله ما أشركوا} أي: بل له المشيئة والحكمة فيما يشاؤه ويختاره، لا يسأل عما يفعل وهم يسألون. وقوله: {وما جعلناك عليهم حفيظا} أي: حافظا تحفظ أعمالهم وأقوالهم {وما أنت عليهم بوكيل} أي: موكل على أرزاقهم وأمورهم {إن عليك إلا البلاغ} كما قال تعالى: {فذكر إنما أنت مذكر لست عليهم بمسيطر} [الغاشية: 21، 22] ، وقال {فإنما عليك البلاغ وعلينا الحساب} [الرعد:40] {ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوا بغير علم كذلك زينا لكل أمة عملهم ثم إلى ربهم مرجعهم فينبئهم بما كانوا يعملون } يقول تعالى ناهيا لرسوله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين عن سب آلهة المشركين، وإن كان فيه مصلحة، إلا أنه يترتب عليه مفسدة أعظم منها، وهي مقابلة المشركين بسب إله المؤمنين، وهو الله لا إله إلا هو. كما قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في هذه الآية: قالوا: يا محمد، لتنتهين عن سبك آلهتنا، أو لنهجون ربك، فنهاهم الله أن يسبوا أوثانهم، {فيسبوا الله عدوا بغير علم} وقال عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة: كان المسلمون يسبون أصنام الكفار، فيسب الكفار الله عدوا بغير علم، فأنزل الله: {ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله} وروى ابن جرير وابن أبي حاتم، عن السدي أنه قال في تفسير هذه الآية: لما حضر أبا طالب الموت قالت قريش: انطلقوا فلندخل على هذا الرجل، فلنأمره أن ينهى عنا ابن أخيه، فإنا نستحيي أن نقتله بعد موته، فتقول العرب: كان يمنعهم فلما مات قتلوه. فانطلق أبو سفيان، وأبو جهل، والنضر بن الحارث، وأمية، وأبي ابنا خلف، وعقبة بن أبي معيط، وعمرو بن العاص، والأسود بن البختري وبعثوا رجلا منهم يقال له: "المطلب"، قالوا: استأذن لنا على أبي طالب، فأتى أبا طالب فقال: هؤلاء مشيخة قومك يريدون الدخول عليك، فأذن لهم عليه، فدخلوا عليه فقالوا: يا أبا طالب، أنت كبيرنا وسيدنا، وإن محمدا قد آذانا وآذى آلهتنا، فنحب أن تدعوه فتنهاه عن ذكر آلهتنا، ولندعه وإلهه. فدعاه، فجاء النبي صلى الله عليه وسلم، فقال له أبو طالب: هؤلاء قومك وبنو عمك. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما تريدون؟ ". قالوا: نريد أن تدعنا وآلهتنا، ولندعك وإلهك. قال له أبو طالب: قد أنصفك قومك، فاقبل منهم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم "أرأيتم إن أعطيتكم هذا، هل أنتم معطي كلمة إن تكلمتم بها ملكتم بها العرب، ودانت لكم بها العجم، وأدت لكم الخراج؟ " قال أبو جهل: وأبيك لأعطينكها وعشرة أمثالها [قال] فما هي؟ قال: "قولوا لا إله إلا الله". فأبوا واشمأزوا. قال أبو طالب: يا ابن أخي، قل غيرها، فإن قومك قد فزعوا منها. قال: " يا عم، ما أنا بالذي أقول غيرها، حتى يأتوا بالشمس فيضعوها في يدي، ولو أتوا بالشمس فوضعوها في يدي ما قلت غيرها". إرادة أن يؤيسهم، فغضبوا وقالوا: لتكفن عن شتم آلهتنا، أو لنشتمنك ونشتم من يأمرك فذلك قوله: {فيسبوا الله عدوا بغير علم} ومن هذا القبيل -وهو ترك المصلحة لمفسدة أرجح منها -ما جاء في الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "ملعون من سب والديه". قالوا يا رسول الله، وكيف يسب الرجل والديه؟ قال: "يسب أبا الرجل فيسب أباه، ويسب أمه فيسب أمه". أو كما قال، عليه السلام وقوله تعالى: {كذلك زينا لكل أمة عملهم} أي: وكما زينا لهؤلاء القوم حب أصنامهم والمحاماة لها والانتصار، كذلك زينا لكل أمة من الأمم الخالية على الضلال عملهم الذي كانوا فيه، ولله الحجة البالغة، والحكمة التامة فيما يشاؤه ويختاره. {ثم إلى ربهم مرجعهم} أي: معادهم ومصيرهم، {فينبئهم بما كانوا يعملون} أي: يجازيهم بأعمالهم، إن خيرا فخير، وإن شرا فشر.
Section V03/P315–V03/P316İbn Kesîr — Tefsîrü'l-Kur'âni'l-Azîm (s. V03/P315–V03/P316)
Orijinal Metin (AR){وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن جاءتهم آية ليؤمنن بها قل إنما الآيات عند الله وما يشعركم أنها إذا جاءت لا يؤمنون ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة ونذرهم في طغيانهم يعمهون } يقول تعالى إخبارا عن المشركين: إنهم أقسموا بالله جهد أيمانهم، أي: حلفوا أيمانا مؤكدة {لئن جاءتهم آية} أي: معجزة وخارق، {ليؤمنن بها} أي: ليصدقنها، {قل إنما الآيات عند الله} أي: قل يا محمد لهؤلاء الذين يسألونك الآيات تعنتا وكفرا وعنادا، لا على سبيل الهدى والاسترشاد: إنما مرجع هذه الآيات إلى الله، إن شاء أجابكم، وإن شاء ترككم، كما قال، قال ابن جرير: حدثنا هناد حدثنا يونس بن بكير، حدثنا أبو معشر، عن محمد بن كعب القرظي قال: كلم رسول الله صلى الله عليه وسلم قريشا، فقالوا: يا محمد، تخبرنا أن موسى كان معه عصا يضرب بها الحجر فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا، وتخبرنا أن عيسى كان يحيي الموتى، وتخبرنا أن ثمود كانت لهم ناقة، فأتنا من الآيات حتى نصدقك. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أي شيء تحبون أن آتيكم به؟ ". قالوا: تجعل لنا الصفا ذهبا. فقال لهم: "فإن فعلت تصدقوني؟ ". قالوا: نعم، والله لئن فعلت لنتبعك أجمعين. فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو، فجاءه جبريل، عليه السلام، فقال له: لك ما شئت، إن شئت أصبح الصفا ذهبا، ولئن أرسل آية فلم يصدقوا عند ذلك ليعذبنهم، وإن شئت فاتركهم حتى يتوب تائبهم. فقال رسول الله [صلى الله عليه وسلم] بل يتوب تائبهم". فأنزل الله: {وأقسموا بالله} إلى قوله [تعالى] {يجهلون} وهذا مرسل وله شواهد من وجوه أخر. وقال الله تعالى: {وما منعنا أن نرسل بالآيات إلا أن كذب بها الأولون [وآتينا ثمود الناقة مبصرة فظلموا بها وما نرسل بالآيات إلا تخويفا] } [الإسراء: 59] . وقوله تعالى: {وما يشعركم أنها إذا جاءت لا يؤمنون} قيل: المخاطب ب {وما يشعركم} المشركون، وإليه ذهب مجاهد كأنه يقول لهم: وما يدريكم بصدقكم في هذه الأيمان التي تقسمون بها. وعلى هذا فالقراءة: "إنها إذا جاءت لا يؤمنون" بكسر "إنها" على استئناف الخبر عنهم بنفي الإيمان عند مجيء الآيات التي طلبوها، وقراءة بعضهم: "أنها إذا جاءت لا تؤمنون" بالتاء المثناة من فوق. وقيل: المخاطب بقوله: {وما يشعركم} المؤمنون، أي: وما يدريكم أيها المؤمنون، وعلى هذا فيجوز في {أنها} الكسر كالأول والفتح على أنه معمول يشعركم. وعلى هذا فتكون "لا" في قوله: {أنها إذا جاءت لا يؤمنون} صلة كما في قوله: {ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك} [الأعراف: 12] ، وقوله {وحرام على قرية أهلكناها أنهم لا يرجعون} [الأنبياء: 95] . أي: ما منعك أن تسجد إذ أمرتك وحرام أنهم يرجعون. وتقديره في هذه الآية: وما يدريكم -أيها المؤمنون الذين تودون لهم ذلك حرصا على إيمانهم -أنها إذا جاءتهم الآيات يؤمنون وقال بعضهم: "أنها" بمعنى لعلها. قال ابن جرير: وذكروا أن ذلك كذلك في قراءة أبي بن كعب. قال: وقد ذكر عن العرب سماعا: "اذهب إلى السوق أنك تشتري لي شيئا" بمعنى: لعلك تشتري. قال: وقد قيل: إن قول عدي بن زيد العبادي من هذا: أعاذل ما يدريك أن منيتي إلى ساعة في اليوم أو في ضحى الغد وقد اختار هذا القول ابن جرير وذكر عليه شواهد من أشعار العرب والله [تعالى] أعلم. وقوله تعالى: {ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة} قال العوفي عن ابن عباس في هذه الآية: لما جحد المشركون ما أنزل الله لم تثبت قلوبهم على شيء وردت عن كل أمر. وقال مجاهد: {ونقلب أفئدتهم وأبصارهم [كما لم يؤمنوا به أول مرة] } ونحول بينهم وبين الإيمان ولو جاءتهم كل آية، فلا يؤمنون، كما حلنا بينهم وبين الإيمان أول مرة. وكذا قال عكرمة وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم. وقال ابن أبي طلحة، عن ابن عباس أنه قال: أخبر الله ما العباد قائلون قبل أن يقولوه وعملهم قبل أن يعملوه. قال: {ولا ينبئك مثل خبير} [فاطر: 14] ، [وقال]
Français Tercümesi (Ehl-i Sünnet){وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن جاءتهم آية ليؤمنن بها قل إنما الآيات عند الله وما يشعركم أنها إذا جاءت لا يؤمنون ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة ونذرهم في طغيانهم يعمهون } يقول تعالى إخبارا عن المشركين: إنهم أقسموا بالله جهد أيمانهم، أي: حلفوا أيمانا مؤكدة {لئن جاءتهم آية} أي: معجزة وخارق، {ليؤمنن بها} أي: ليصدقنها، {قل إنما الآيات عند الله} أي: قل يا محمد لهؤلاء الذين يسألونك الآيات تعنتا وكفرا وعنادا، لا على سبيل الهدى والاسترشاد: إنما مرجع هذه الآيات إلى الله، إن شاء أجابكم، وإن شاء ترككم، كما قال، قال ابن جرير: حدثنا هناد حدثنا يونس بن بكير، حدثنا أبو معشر، عن محمد بن كعب القرظي قال: كلم رسول الله صلى الله عليه وسلم قريشا، فقالوا: يا محمد، تخبرنا أن موسى كان معه عصا يضرب بها الحجر فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا، وتخبرنا أن عيسى كان يحيي الموتى، وتخبرنا أن ثمود كانت لهم ناقة، فأتنا من الآيات حتى نصدقك. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أي شيء تحبون أن آتيكم به؟ ". قالوا: تجعل لنا الصفا ذهبا. فقال لهم: "فإن فعلت تصدقوني؟ ". قالوا: نعم، والله لئن فعلت لنتبعك أجمعين. فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو، فجاءه جبريل، عليه السلام، فقال له: لك ما شئت، إن شئت أصبح الصفا ذهبا، ولئن أرسل آية فلم يصدقوا عند ذلك ليعذبنهم، وإن شئت فاتركهم حتى يتوب تائبهم. فقال رسول الله [صلى الله عليه وسلم] بل يتوب تائبهم". فأنزل الله: {وأقسموا بالله} إلى قوله [تعالى] {يجهلون} وهذا مرسل وله شواهد من وجوه أخر. وقال الله تعالى: {وما منعنا أن نرسل بالآيات إلا أن كذب بها الأولون [وآتينا ثمود الناقة مبصرة فظلموا بها وما نرسل بالآيات إلا تخويفا] } [الإسراء: 59] . وقوله تعالى: {وما يشعركم أنها إذا جاءت لا يؤمنون} قيل: المخاطب ب {وما يشعركم} المشركون، وإليه ذهب مجاهد كأنه يقول لهم: وما يدريكم بصدقكم في هذه الأيمان التي تقسمون بها. وعلى هذا فالقراءة: "إنها إذا جاءت لا يؤمنون" بكسر "إنها" على استئناف الخبر عنهم بنفي الإيمان عند مجيء الآيات التي طلبوها، وقراءة بعضهم: "أنها إذا جاءت لا تؤمنون" بالتاء المثناة من فوق. وقيل: المخاطب بقوله: {وما يشعركم} المؤمنون، أي: وما يدريكم أيها المؤمنون، وعلى هذا فيجوز في {أنها} الكسر كالأول والفتح على أنه معمول يشعركم. وعلى هذا فتكون "لا" في قوله: {أنها إذا جاءت لا يؤمنون} صلة كما في قوله: {ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك} [الأعراف: 12] ، وقوله {وحرام على قرية أهلكناها أنهم لا يرجعون} [الأنبياء: 95] . أي: ما منعك أن تسجد إذ أمرتك وحرام أنهم يرجعون. وتقديره في هذه الآية: وما يدريكم -أيها المؤمنون الذين تودون لهم ذلك حرصا على إيمانهم -أنها إذا جاءتهم الآيات يؤمنون وقال بعضهم: "أنها" بمعنى لعلها. قال ابن جرير: وذكروا أن ذلك كذلك في قراءة أبي بن كعب. قال: وقد ذكر عن العرب سماعا: "اذهب إلى السوق أنك تشتري لي شيئا" بمعنى: لعلك تشتري. قال: وقد قيل: إن قول عدي بن زيد العبادي من هذا: أعاذل ما يدريك أن منيتي إلى ساعة في اليوم أو في ضحى الغد وقد اختار هذا القول ابن جرير وذكر عليه شواهد من أشعار العرب والله [تعالى] أعلم. وقوله تعالى: {ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة} قال العوفي عن ابن عباس في هذه الآية: لما جحد المشركون ما أنزل الله لم تثبت قلوبهم على شيء وردت عن كل أمر. وقال مجاهد: {ونقلب أفئدتهم وأبصارهم [كما لم يؤمنوا به أول مرة] } ونحول بينهم وبين الإيمان ولو جاءتهم كل آية، فلا يؤمنون، كما حلنا بينهم وبين الإيمان أول مرة. وكذا قال عكرمة وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم. وقال ابن أبي طلحة، عن ابن عباس أنه قال: أخبر الله ما العباد قائلون قبل أن يقولوه وعملهم قبل أن يعملوه. قال: {ولا ينبئك مثل خبير} [فاطر: 14] ، [وقال]
Section V03/P316–V03/P318İbn Kesîr — Tefsîrü'l-Kur'âni'l-Azîm (s. V03/P316–V03/P318)
Orijinal Metin (AR){أن تقول نفس يا حسرتا على ما فرطت في جنب الله [وإن كنت لمن الساخرين. أو تقول لو أن الله هداني لكنت من المتقين. أو تقول حين ترى العذاب] لو أن لي كرة فأكون من المحسنين} [الزمر: 56 -58] فأخبر سبحانه أنهم لو ردوا لم يقدروا على الهدى، وقال: {ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه وإنهم لكاذبون} [الأنعام: 28] ، وقال {ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة} قال: لو ردوا إلى الدنيا لحيل بينهم وبين الهدى، كما حلنا بينهم وبينه أول مرة وهم في الدنيا. وقوله: {ونذرهم} أي: نتركهم {في طغيانهم} قال ابن عباس والسدي: في كفرهم. وقال أبو العالية والربيع بن أنس وقتادة: في ضلالهم. {يعمهون} قال الأعمش: يلعبون. وقال ابن عباس، ومجاهد، وأبو العالية، والربيع، وأبو مالك، وغيره: في كفرهم يترددون. {ولو أننا نزلنا إليهم الملائكة وكلمهم الموتى وحشرنا عليهم كل شيء قبلا ما كانوا ليؤمنوا إلا أن يشاء الله ولكن أكثرهم يجهلون } يقول تعالى: ولو أننا أجبنا سؤال هؤلاء الذين أقسموا بالله جهد أيمانهم {لئن جاءتهم آية ليؤمنن بها} فنزلنا عليهم الملائكة، أي: تخبرهم بالرسالة من الله بتصديق الرسل، كما سألوا فقالوا: {أو تأتي بالله والملائكة قبيلا} [الإسراء: 92] {قالوا لن نؤمن حتى نؤتى مثل ما أوتي رسل الله} [الأنعام: 124] ، {وقال الذين لا يرجون لقاءنا لولا أنزل علينا الملائكة أو نرى ربنا لقد استكبروا في أنفسهم وعتوا عتوا كبيرا} [الفرقان: 21] . {وكلمهم الموتى} أي: فأخبروهم بصدق ما جاءتهم به الرسل، {وحشرنا عليهم كل شيء قبلا} -قرأ بعضهم: "قبلا" بكسر القاف وفتح الباء، من المقابلة، والمعاينة. وقرأ آخرون [وقبلا] بضمهما قيل: معناه من المقابلة والمعاينة أيضا، كما رواه علي بن أبي طلحة، والعوفي، عن ابن عباس. وبه قال قتادة، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم. وقال مجاهد: {قبلا} أفواجا، قبيلا قبيلا أي: تعرض عليهم كل أمة بعد أمة فتخبرهم بصدق الرسل فيما جاؤوهم به {ما كانوا ليؤمنوا إلا أن يشاء الله} أي: إن الهداية إليه، لا إليهم. بل يهدي من يشاء ويضل من يشاء، وهو الفعال لما يريد، ولا يسأل عما يفعل وهم يسألون، لعلمه وحكمته، وسلطانه وقهره وغلبته. وهذه الآية كقوله تعالى: {إن الذين حقت عليهم كلمة ربك لا يؤمنون. ولو جاءتهم كل آية حتى يروا العذاب الأليم} [يونس: 96، 97] . {وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا ولو شاء ربك ما فعلوه فذرهم وما يفترون ولتصغى إليه أفئدة الذين لا يؤمنون بالآخرة وليرضوه وليقترفوا ما هم مقترفون } يقول تعالى: وكما جعلنا لك -يا محمد -أعداء يخالفونك، ويعادونك جعلنا لكل نبي من قبلك أيضا أعداء فلا يهيدنك ذلك، كما قال تعالى: {فإن كذبوك فقد كذب رسل من قبلك} [آل عمران: 184] ، وقال تعالى: {ولقد كذبت رسل من قبلك فصبروا على ما كذبوا وأوذوا [حتى أتاهم نصرنا] } [الأنعام: 34] ، وقال تعالى: {ما يقال لك إلا ما قد قيل للرسل من قبلك إن ربك لذو مغفرة وذو عقاب أليم} [فصلت: 43] ، وقال تعالى: {وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا من المجرمين [وكفى بربك هاديا ونصيرا] } [الفرقان: 43] . وقال ورقة بن نوفل لرسول الله صلى الله عليه وسلم: [إنه] لم يأت أحد بمثل ما جئت به إلا عودي وقوله: {شياطين الإنس والجن} بدل من {عدوا} أي: لهم أعداء من شياطين الإنس والجن، ومن هؤلاء وهؤلاء، قبحهم الله ولعنهم. قال عبد الرزاق: أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله [تعالى] {شياطين الإنس والجن} قال: من الجن شياطين، ومن الإنس شياطين، يوحي بعضهم إلى بعض، قال قتادة: وبلغني أن أبا ذر كان يوما يصلي، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "تعوذ يا أبا ذر من شياطين الإنس والجن". فقال: أو إن من الإنس شياطين ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "نعم".
Français Tercümesi (Ehl-i Sünnet){أن تقول نفس يا حسرتا على ما فرطت في جنب الله [وإن كنت لمن الساخرين. أو تقول لو أن الله هداني لكنت من المتقين. أو تقول حين ترى العذاب] لو أن لي كرة فأكون من المحسنين} [الزمر: 56 -58] فأخبر سبحانه أنهم لو ردوا لم يقدروا على الهدى، وقال: {ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه وإنهم لكاذبون} [الأنعام: 28] ، وقال {ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة} قال: لو ردوا إلى الدنيا لحيل بينهم وبين الهدى، كما حلنا بينهم وبينه أول مرة وهم في الدنيا. وقوله: {ونذرهم} أي: نتركهم {في طغيانهم} قال ابن عباس والسدي: في كفرهم. وقال أبو العالية والربيع بن أنس وقتادة: في ضلالهم. {يعمهون} قال الأعمش: يلعبون. وقال ابن عباس، ومجاهد، وأبو العالية، والربيع، وأبو مالك، وغيره: في كفرهم يترددون. {ولو أننا نزلنا إليهم الملائكة وكلمهم الموتى وحشرنا عليهم كل شيء قبلا ما كانوا ليؤمنوا إلا أن يشاء الله ولكن أكثرهم يجهلون } يقول تعالى: ولو أننا أجبنا سؤال هؤلاء الذين أقسموا بالله جهد أيمانهم {لئن جاءتهم آية ليؤمنن بها} فنزلنا عليهم الملائكة، أي: تخبرهم بالرسالة من الله بتصديق الرسل، كما سألوا فقالوا: {أو تأتي بالله والملائكة قبيلا} [الإسراء: 92] {قالوا لن نؤمن حتى نؤتى مثل ما أوتي رسل الله} [الأنعام: 124] ، {وقال الذين لا يرجون لقاءنا لولا أنزل علينا الملائكة أو نرى ربنا لقد استكبروا في أنفسهم وعتوا عتوا كبيرا} [الفرقان: 21] . {وكلمهم الموتى} أي: فأخبروهم بصدق ما جاءتهم به الرسل، {وحشرنا عليهم كل شيء قبلا} -قرأ بعضهم: "قبلا" بكسر القاف وفتح الباء، من المقابلة، والمعاينة. وقرأ آخرون [وقبلا] بضمهما قيل: معناه من المقابلة والمعاينة أيضا، كما رواه علي بن أبي طلحة، والعوفي، عن ابن عباس. وبه قال قتادة، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم. وقال مجاهد: {قبلا} أفواجا، قبيلا قبيلا أي: تعرض عليهم كل أمة بعد أمة فتخبرهم بصدق الرسل فيما جاؤوهم به {ما كانوا ليؤمنوا إلا أن يشاء الله} أي: إن الهداية إليه، لا إليهم. بل يهدي من يشاء ويضل من يشاء، وهو الفعال لما يريد، ولا يسأل عما يفعل وهم يسألون، لعلمه وحكمته، وسلطانه وقهره وغلبته. وهذه الآية كقوله تعالى: {إن الذين حقت عليهم كلمة ربك لا يؤمنون. ولو جاءتهم كل آية حتى يروا العذاب الأليم} [يونس: 96، 97] . {وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا ولو شاء ربك ما فعلوه فذرهم وما يفترون ولتصغى إليه أفئدة الذين لا يؤمنون بالآخرة وليرضوه وليقترفوا ما هم مقترفون } يقول تعالى: وكما جعلنا لك -يا محمد -أعداء يخالفونك، ويعادونك جعلنا لكل نبي من قبلك أيضا أعداء فلا يهيدنك ذلك، كما قال تعالى: {فإن كذبوك فقد كذب رسل من قبلك} [آل عمران: 184] ، وقال تعالى: {ولقد كذبت رسل من قبلك فصبروا على ما كذبوا وأوذوا [حتى أتاهم نصرنا] } [الأنعام: 34] ، وقال تعالى: {ما يقال لك إلا ما قد قيل للرسل من قبلك إن ربك لذو مغفرة وذو عقاب أليم} [فصلت: 43] ، وقال تعالى: {وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا من المجرمين [وكفى بربك هاديا ونصيرا] } [الفرقان: 43] . وقال ورقة بن نوفل لرسول الله صلى الله عليه وسلم: [إنه] لم يأت أحد بمثل ما جئت به إلا عودي وقوله: {شياطين الإنس والجن} بدل من {عدوا} أي: لهم أعداء من شياطين الإنس والجن، ومن هؤلاء وهؤلاء، قبحهم الله ولعنهم. قال عبد الرزاق: أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله [تعالى] {شياطين الإنس والجن} قال: من الجن شياطين، ومن الإنس شياطين، يوحي بعضهم إلى بعض، قال قتادة: وبلغني أن أبا ذر كان يوما يصلي، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "تعوذ يا أبا ذر من شياطين الإنس والجن". فقال: أو إن من الإنس شياطين ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "نعم".
Section V03/P318–V03/P320İbn Kesîr — Tefsîrü'l-Kur'âni'l-Azîm (s. V03/P318–V03/P320)
Orijinal Metin (AR)وهذا منقطع بين قتادة وأبي ذر وقد روي من وجه آخر عن أبي ذر، رضي الله عنه، قال ابن جرير: حدثنا المثنى، حدثنا أبو صالح، حدثني معاوية بن صالح، عن أبي عبد الله محمد بن أيوب وغيره من المشيخة، عن ابن عائذ، عن أبي ذر قال: أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في مجلس قد أطال فيه الجلوس، قال، فقال: "يا أبا ذر، هل صليت؟ ". قال: لا يا رسول الله. قال: "قم فاركع ركعتين". قال: ثم جئت فجلست إليه، فقال: "يا أبا ذر، هل تعوذت بالله من شياطين الجن والإنس؟ ". قال: قلت: لا يا رسول الله، وهل للإنس من شياطين؟ قال: "نعم، هم شر من شياطين الجن". وهذا أيضا فيه انقطاع وروي متصلا كما قال الإمام أحمد: حدثنا وكيع، حدثنا المسعودي، أنبأني أبو عمر الدمشقي، عن عبيد بن الخشخاش، عن أبي ذر قال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وهو في المسجد، فجلست فقال: "يا أبا ذر هل صليت؟ ". قلت: لا. قال: "قم فصل". قال: فقمت فصليت، ثم جلست فقال: "يا أبا ذر، تعوذ بالله من شر شياطين الإنس والجن". قال: قلت يا رسول الله، وللإنس شياطين؟ قال: "نعم". وذكر تمام الحديث بطوله. وكذا رواه الحافظ أبو بكر بن مردويه في تفسيره، من حديث جعفر بن عون، ويعلى بن عبيد، وعبيد الله بن موسى، ثلاثتهم عن المسعودي، به طريق أخرى عن أبي ذر: قال ابن جرير: حدثني المثنى، حدثنا الحجاج، حدثنا حماد، عن حميد بن هلال، حدثني رجل من أهل دمشق، عن عوف بن مالك، عن أبي ذر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "يا أبا ذر، هل تعوذت بالله من شر شياطين الإنس والجن؟ ". قال: قلت يا رسول الله، هل للإنس من شياطين؟ قال: "نعم" طريق أخرى للحديث: قال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن عوف الحمصي، حدثنا أبو المغيرة، حدثنا معان بن رفاعة، عن علي بن يزيد، عن القاسم، عن أبي أمامة [رضي الله عنه] قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يا أبا ذر تعوذت من شياطين الجن والإنس؟ ". قال: يا رسول الله، وهل للإنس [من] شياطين؟ قال: "نعم، شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا" فهذه طرق لهذا الحديث، ومجموعها يفيد قوته وصحته، والله أعلم. وقد روى ابن جرير: حدثنا ابن وكيع، حدثنا أبو نعيم، عن شريك، عن سعيد بن مسروق، عن عكرمة: {شياطين الإنس والجن} قال: ليس من الإنس شياطين، ولكن شياطين الجن يوحون إلى شياطين الإنس، وشياطين الإنس يوحون إلى شياطين الجن. قال: وحدثنا الحارث، حدثنا عبد العزيز، حدثنا إسرائيل، عن السدي، عن عكرمة في قوله: {يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا} قال: للإنسي شيطان، وللجني شيطان فيلقى شيطان الإنس شيطان الجن، فيوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا. وقال أسباط، عن السدي، عن عكرمة في قوله: {يوحي بعضهم إلى بعض} في تفسير هذه الآية: أما شياطين الإنس، فالشياطين التي تضل الإنس وشياطين الجن الذين يضلون الجن، يلتقيان، فيقول كل واحد منهما لصاحبه: إني أضللت صاحبي بكذا وكذا، فأضلل أنت صاحبك بكذا وكذا، فيعلم بعضهم بعضا. ففهم ابن جرير من هذا؛ أن المراد بشياطين الإنس عند عكرمة والسدي: الشياطين من الجن الذين يضلون الناس، لا أن المراد منه شياطين الإنس منهم. ولا شك أن هذا ظاهر من كلام عكرمة، وأما كلام السدي فليس مثله في هذا المعنى، وهو محتمل، وقد روى ابن أبي حاتم نحو هذا، عن ابن عباس من رواية الضحاك، عنه، قال: إن للجن شياطين يضلونهم مثل شياطين الإنس يضلونهم، قال: فيلتقي شياطين الإنس وشياطين الجن، فيقول هذا لهذا: أضلله بكذا، أضلله بكذا. فهو قوله: {يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا}
Français Tercümesi (Ehl-i Sünnet)وهذا منقطع بين قتادة وأبي ذر وقد روي من وجه آخر عن أبي ذر، رضي الله عنه، قال ابن جرير: حدثنا المثنى، حدثنا أبو صالح، حدثني معاوية بن صالح، عن أبي عبد الله محمد بن أيوب وغيره من المشيخة، عن ابن عائذ، عن أبي ذر قال: أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في مجلس قد أطال فيه الجلوس، قال، فقال: "يا أبا ذر، هل صليت؟ ". قال: لا يا رسول الله. قال: "قم فاركع ركعتين". قال: ثم جئت فجلست إليه، فقال: "يا أبا ذر، هل تعوذت بالله من شياطين الجن والإنس؟ ". قال: قلت: لا يا رسول الله، وهل للإنس من شياطين؟ قال: "نعم، هم شر من شياطين الجن". وهذا أيضا فيه انقطاع وروي متصلا كما قال الإمام أحمد: حدثنا وكيع، حدثنا المسعودي، أنبأني أبو عمر الدمشقي، عن عبيد بن الخشخاش، عن أبي ذر قال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وهو في المسجد، فجلست فقال: "يا أبا ذر هل صليت؟ ". قلت: لا. قال: "قم فصل". قال: فقمت فصليت، ثم جلست فقال: "يا أبا ذر، تعوذ بالله من شر شياطين الإنس والجن". قال: قلت يا رسول الله، وللإنس شياطين؟ قال: "نعم". وذكر تمام الحديث بطوله. وكذا رواه الحافظ أبو بكر بن مردويه في تفسيره، من حديث جعفر بن عون، ويعلى بن عبيد، وعبيد الله بن موسى، ثلاثتهم عن المسعودي، به طريق أخرى عن أبي ذر: قال ابن جرير: حدثني المثنى، حدثنا الحجاج، حدثنا حماد، عن حميد بن هلال، حدثني رجل من أهل دمشق، عن عوف بن مالك، عن أبي ذر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "يا أبا ذر، هل تعوذت بالله من شر شياطين الإنس والجن؟ ". قال: قلت يا رسول الله، هل للإنس من شياطين؟ قال: "نعم" طريق أخرى للحديث: قال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن عوف الحمصي، حدثنا أبو المغيرة، حدثنا معان بن رفاعة، عن علي بن يزيد، عن القاسم، عن أبي أمامة [رضي الله عنه] قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يا أبا ذر تعوذت من شياطين الجن والإنس؟ ". قال: يا رسول الله، وهل للإنس [من] شياطين؟ قال: "نعم، شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا" فهذه طرق لهذا الحديث، ومجموعها يفيد قوته وصحته، والله أعلم. وقد روى ابن جرير: حدثنا ابن وكيع، حدثنا أبو نعيم، عن شريك، عن سعيد بن مسروق، عن عكرمة: {شياطين الإنس والجن} قال: ليس من الإنس شياطين، ولكن شياطين الجن يوحون إلى شياطين الإنس، وشياطين الإنس يوحون إلى شياطين الجن. قال: وحدثنا الحارث، حدثنا عبد العزيز، حدثنا إسرائيل، عن السدي، عن عكرمة في قوله: {يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا} قال: للإنسي شيطان، وللجني شيطان فيلقى شيطان الإنس شيطان الجن، فيوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا. وقال أسباط، عن السدي، عن عكرمة في قوله: {يوحي بعضهم إلى بعض} في تفسير هذه الآية: أما شياطين الإنس، فالشياطين التي تضل الإنس وشياطين الجن الذين يضلون الجن، يلتقيان، فيقول كل واحد منهما لصاحبه: إني أضللت صاحبي بكذا وكذا، فأضلل أنت صاحبك بكذا وكذا، فيعلم بعضهم بعضا. ففهم ابن جرير من هذا؛ أن المراد بشياطين الإنس عند عكرمة والسدي: الشياطين من الجن الذين يضلون الناس، لا أن المراد منه شياطين الإنس منهم. ولا شك أن هذا ظاهر من كلام عكرمة، وأما كلام السدي فليس مثله في هذا المعنى، وهو محتمل، وقد روى ابن أبي حاتم نحو هذا، عن ابن عباس من رواية الضحاك، عنه، قال: إن للجن شياطين يضلونهم مثل شياطين الإنس يضلونهم، قال: فيلتقي شياطين الإنس وشياطين الجن، فيقول هذا لهذا: أضلله بكذا، أضلله بكذا. فهو قوله: {يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا}
Section V03/P320–V03/P321İbn Kesîr — Tefsîrü'l-Kur'âni'l-Azîm (s. V03/P320–V03/P321)
Orijinal Metin (AR)وعلى كل حال فالصحيح ما تقدم من حديث أبي ذر: إن للإنس شياطين منهم، وشيطان كل شيء ما رده، ولهذا جاء في صحيح مسلم، عن أبي ذر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "الكلب الأسود شيطان" ومعناه -والله أعلم -: شيطان في الكلاب. وقال ابن جريج: قال مجاهد في تفسير هذه الآية: كفار الجن شياطين، يوحون إلى شياطين الإنس، كفار الإنس، زخرف القول غرورا. وروى ابن أبي حاتم، عن عكرمة قال: قدمت على المختار فأكرمني وأنزلني حتى كاد يتعاهد مبيتي بالليل، قال: فقال لي: اخرج إلى الناس فحدث الناس. قال: فخرجت، فجاء رجل فقال: ما تقول في الوحي؟ فقلت: الوحي وحيان، قال الله تعالى: {بما أوحينا إليك هذا القرآن} [يوسف: 3] ، وقال [الله] تعالى: {شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا} قال: فهموا بي أن يأخذوني، فقلت: ما لكم ذاك، إني مفتيكم وضيفكم. فتركوني. وإنما عرض عكرمة بالمختار -وهو ابن أبي عبيد -قبحه الله، وكان يزعم أنه يأتيه الوحي، وقد كانت أخته صفية تحت عبد الله بن عمر وكانت من الصالحات، ولما أخبر عبد الله بن عمر أن المختار يزعم أنه يوحى إليه قال: صدق، [قال] الله تعالى: {وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم} [الأنعام: 121] ، وقوله تعالى: {يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا} أي: يلقي بعضهم إلى بعض القول المزين المزخرف، وهو المزوق الذي يغتر سامعه من الجهلة بأمره. {ولو شاء ربك ما فعلوه} أي: وذلك كله بقدر الله وقضائه وإرادته ومشيئته أن يكون لكل نبي عدو من هؤلاء. {فذرهم} أي: فدعهم، {وما يفترون} أي: يكذبون، أي: دع أذاهم وتوكل على الله في عداوتهم، فإن الله كافيك وناصرك عليهم. وقوله تعالى: {ولتصغى إليه} أي: ولتميل إليه -قاله ابن عباس - {أفئدة الذين لا يؤمنون بالآخرة} أي: قلوبهم وعقولهم وأسماعهم. وقال السدي: قلوب الكافرين، {وليرضوه} أي: يحبوه ويريدوه. وإنما يستجيب لذلك من لا يؤمن بالآخرة، كما قال تعالى: {فإنكم وما تعبدون. ما أنتم عليه بفاتنين. إلا من هو صال الجحيم} [الصافات: 161 -163] ، وقال تعالى: {إنكم لفي قول مختلف. يؤفك عنه من أفك} [الذاريات: 8، 9] . مكتسبون وقال السدي، وابن زيد: وليعملوا ما هم عاملون. {أفغير الله أبتغي حكما وهو الذي أنزل إليكم الكتاب مفصلا والذين آتيناهم الكتاب يعلمون أنه منزل من ربك بالحق فلا تكونن من الممترين وتمت كلمة ربك صدقا وعدلا لا مبدل لكلماته وهو السميع العليم } يقول [الله] تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: قل لهؤلاء المشركين بالله الذين يعبدون غيره: {أفغير الله أبتغي حكما} أي: بيني وبينكم، {وهو الذي أنزل إليكم الكتاب مفصلا} أي: مبينا، {والذين آتيناهم الكتاب} أي: من اليهود والنصارى، {يعلمون أنه منزل من ربك بالحق} ، أي: بما عندهم من البشارات بك من الأنبياء المتقدمين، {فلا تكونن من الممترين} كقوله {فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك فاسأل الذين يقرءون الكتاب من قبلك لقد جاءك الحق من ربك فلا تكونن من الممترين} [يونس: 94] ، وهذا شرط، والشرط لا يقتضي وقوعه؛ ولهذا جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "لا أشك ولا أسأل". وقوله: {وتمت كلمة ربك صدقا وعدلا} قال قتادة: صدقا فيما قال وعدلا فيما حكم. يقول: صدقا في الأخبار وعدلا في الطلب، فكل ما أخبر به فحق لا مرية فيه ولا شك، وكل ما أمر به فهو العدل الذي لا عدل سواه، وكل ما نهى عنه فباطل، فإنه لا ينهى إلا عن مفسدة، كما قال: {يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر [ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث] } إلى آخر الآية [الأعراف: 157] . {لا مبدل لكلماته} أي: ليس أحد يعقب حكمه تعالى لا في الدنيا ولا في الآخرة، {وهو السميع} لأقوال عباده، {العليم} بحركاتهم وسكناتهم، الذي يجازي كل عامل بعمله.
Français Tercümesi (Ehl-i Sünnet)وعلى كل حال فالصحيح ما تقدم من حديث أبي ذر: إن للإنس شياطين منهم، وشيطان كل شيء ما رده، ولهذا جاء في صحيح مسلم، عن أبي ذر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "الكلب الأسود شيطان" ومعناه -والله أعلم -: شيطان في الكلاب. وقال ابن جريج: قال مجاهد في تفسير هذه الآية: كفار الجن شياطين، يوحون إلى شياطين الإنس، كفار الإنس، زخرف القول غرورا. وروى ابن أبي حاتم، عن عكرمة قال: قدمت على المختار فأكرمني وأنزلني حتى كاد يتعاهد مبيتي بالليل، قال: فقال لي: اخرج إلى الناس فحدث الناس. قال: فخرجت، فجاء رجل فقال: ما تقول في الوحي؟ فقلت: الوحي وحيان، قال الله تعالى: {بما أوحينا إليك هذا القرآن} [يوسف: 3] ، وقال [الله] تعالى: {شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا} قال: فهموا بي أن يأخذوني، فقلت: ما لكم ذاك، إني مفتيكم وضيفكم. فتركوني. وإنما عرض عكرمة بالمختار -وهو ابن أبي عبيد -قبحه الله، وكان يزعم أنه يأتيه الوحي، وقد كانت أخته صفية تحت عبد الله بن عمر وكانت من الصالحات، ولما أخبر عبد الله بن عمر أن المختار يزعم أنه يوحى إليه قال: صدق، [قال] الله تعالى: {وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم} [الأنعام: 121] ، وقوله تعالى: {يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا} أي: يلقي بعضهم إلى بعض القول المزين المزخرف، وهو المزوق الذي يغتر سامعه من الجهلة بأمره. {ولو شاء ربك ما فعلوه} أي: وذلك كله بقدر الله وقضائه وإرادته ومشيئته أن يكون لكل نبي عدو من هؤلاء. {فذرهم} أي: فدعهم، {وما يفترون} أي: يكذبون، أي: دع أذاهم وتوكل على الله في عداوتهم، فإن الله كافيك وناصرك عليهم. وقوله تعالى: {ولتصغى إليه} أي: ولتميل إليه -قاله ابن عباس - {أفئدة الذين لا يؤمنون بالآخرة} أي: قلوبهم وعقولهم وأسماعهم. وقال السدي: قلوب الكافرين، {وليرضوه} أي: يحبوه ويريدوه. وإنما يستجيب لذلك من لا يؤمن بالآخرة، كما قال تعالى: {فإنكم وما تعبدون. ما أنتم عليه بفاتنين. إلا من هو صال الجحيم} [الصافات: 161 -163] ، وقال تعالى: {إنكم لفي قول مختلف. يؤفك عنه من أفك} [الذاريات: 8، 9] . مكتسبون وقال السدي، وابن زيد: وليعملوا ما هم عاملون. {أفغير الله أبتغي حكما وهو الذي أنزل إليكم الكتاب مفصلا والذين آتيناهم الكتاب يعلمون أنه منزل من ربك بالحق فلا تكونن من الممترين وتمت كلمة ربك صدقا وعدلا لا مبدل لكلماته وهو السميع العليم } يقول [الله] تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: قل لهؤلاء المشركين بالله الذين يعبدون غيره: {أفغير الله أبتغي حكما} أي: بيني وبينكم، {وهو الذي أنزل إليكم الكتاب مفصلا} أي: مبينا، {والذين آتيناهم الكتاب} أي: من اليهود والنصارى، {يعلمون أنه منزل من ربك بالحق} ، أي: بما عندهم من البشارات بك من الأنبياء المتقدمين، {فلا تكونن من الممترين} كقوله {فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك فاسأل الذين يقرءون الكتاب من قبلك لقد جاءك الحق من ربك فلا تكونن من الممترين} [يونس: 94] ، وهذا شرط، والشرط لا يقتضي وقوعه؛ ولهذا جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "لا أشك ولا أسأل". وقوله: {وتمت كلمة ربك صدقا وعدلا} قال قتادة: صدقا فيما قال وعدلا فيما حكم. يقول: صدقا في الأخبار وعدلا في الطلب، فكل ما أخبر به فحق لا مرية فيه ولا شك، وكل ما أمر به فهو العدل الذي لا عدل سواه، وكل ما نهى عنه فباطل، فإنه لا ينهى إلا عن مفسدة، كما قال: {يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر [ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث] } إلى آخر الآية [الأعراف: 157] . {لا مبدل لكلماته} أي: ليس أحد يعقب حكمه تعالى لا في الدنيا ولا في الآخرة، {وهو السميع} لأقوال عباده، {العليم} بحركاتهم وسكناتهم، الذي يجازي كل عامل بعمله.
Section V03/P321–V03/P323İbn Kesîr — Tefsîrü'l-Kur'âni'l-Azîm (s. V03/P321–V03/P323)
Orijinal Metin (AR){وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله إن يتبعون إلا الظن وإن هم إلا يخرصون إن ربك هو أعلم من يضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين } يخبر تعالى عن حال أكثر أهل الأرض من بني آدم أنه الضلال، كما قال تعالى: {ولقد ضل قبلهم أكثر الأولين} [الصافات: 71] ، وقال تعالى: {وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين} [يوسف: 103] ، وهم في ضلالهم ليسوا على يقين من أمرهم، وإنما هم في ظنون كاذبة وحسبان باطل، {إن يتبعون إلا الظن وإن هم إلا يخرصون} فإن الخرص هو الحزر، ومنه خرص النخل، وهو حزر ما عليها من التمر وكذلك كله قدر الله ومشيئته، و {هو أعلم من يضل عن سبيله} فييسره لذلك {وهو أعلم بالمهتدين} فييسرهم لذلك، وكل ميسر لما خلق له. {فكلوا مما ذكر اسم الله عليه إن كنتم بآياته مؤمنين } {وما لكم ألا تأكلوا مما ذكر اسم الله عليه وقد فصل لكم ما حرم عليكم إلا ما اضطررتم إليه وإن كثيرا ليضلون بأهوائهم بغير علم إن ربك هو أعلم بالمعتدين } هذا إباحة من الله [تعالى] لعباده المؤمنين أن يأكلوا من الذبائح ما ذكر عليه اسمه، ومفهومه: أنه لا يباح ما لم يذكر اسم الله عليه، كما كان يستبيحه كفار المشركين من أكل الميتات، وأكل ما ذبح على النصب وغيرها. ثم ندب إلى الأكل مما ذكر اسم الله عليه، فقال: {وما لكم ألا تأكلوا مما ذكر اسم الله عليه وقد فصل لكم ما حرم عليكم} أي: قد بين لكم ما حرم عليكم ووضحه. وقرأ بعضهم: {فصل} بالتشديد، وقرأ آخرون بالتخفيف، والكل بمعنى البيان والوضوح. {إلا ما اضطررتم إليه} أي: إلا في حال الاضطرار، فإنه يباح لكم ما وجدتم. ثم بين تعالى جهالة المشركين في آرائهم الفاسدة، من استحلالهم الميتات، وما ذكر عليه غير اسم الله تعالى: فقال {وإن كثيرا ليضلون بأهوائهم بغير علم إن ربك هو أعلم بالمعتدين} أي: هو أعلم باعتدائهم وكذبهم وافترائهم. {وذروا ظاهر الإثم وباطنه إن الذين يكسبون الإثم سيجزون بما كانوا يقترفون } قال مجاهد: {وذروا ظاهر الإثم وباطنه} معصيته في السر والعلانية -وفي رواية عنه [قال] هو ما ينوي مما هو عامل. وقال: قتادة: {وذروا ظاهر الإثم وباطنه} أي: قليله وكثيره، سره وعلانيته وقال السدي: ظاهره الزنا مع البغايا ذوات الرايات، وباطنه: [الزنا] مع الخليلة والصدائق والأخدان. وقال عكرمة: ظاهره: نكاح ذوات المحارم. والصحيح أن الآية عامة في ذلك كله، وهي كقوله تعالى: {قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن [والإثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا] } الآية [الأعراف: 33] ؛ ولهذا قال تعالى: {إن الذين يكسبون الإثم سيجزون بما كانوا يقترفون} أي: سواء كان ظاهرا أو خفيا، فإن الله سيجزيهم عليه. قال ابن أبي حاتم: حدثنا الحسن بن عرفة، حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، عن معاوية بن صالح، عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير، عن أبيه، عن النواس بن سمعان قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الإثم فقال: "الإثم ما حاك في صدرك، وكرهت أن يطلع الناس عليه" {ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه وإنه لفسق وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم وإن أطعتموهم إنكم لمشركون } استدل بهذه الآية الكريمة من ذهب إلى أنه لا تحل الذبيحة التي لم يذكر اسم الله عليها، ولو كان الذابح مسلما، وقد اختلف الأئمة، رحمهم الله، في هذه المسألة على ثلاثة أقوال:
Français Tercümesi (Ehl-i Sünnet){وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله إن يتبعون إلا الظن وإن هم إلا يخرصون إن ربك هو أعلم من يضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين } يخبر تعالى عن حال أكثر أهل الأرض من بني آدم أنه الضلال، كما قال تعالى: {ولقد ضل قبلهم أكثر الأولين} [الصافات: 71] ، وقال تعالى: {وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين} [يوسف: 103] ، وهم في ضلالهم ليسوا على يقين من أمرهم، وإنما هم في ظنون كاذبة وحسبان باطل، {إن يتبعون إلا الظن وإن هم إلا يخرصون} فإن الخرص هو الحزر، ومنه خرص النخل، وهو حزر ما عليها من التمر وكذلك كله قدر الله ومشيئته، و {هو أعلم من يضل عن سبيله} فييسره لذلك {وهو أعلم بالمهتدين} فييسرهم لذلك، وكل ميسر لما خلق له. {فكلوا مما ذكر اسم الله عليه إن كنتم بآياته مؤمنين } {وما لكم ألا تأكلوا مما ذكر اسم الله عليه وقد فصل لكم ما حرم عليكم إلا ما اضطررتم إليه وإن كثيرا ليضلون بأهوائهم بغير علم إن ربك هو أعلم بالمعتدين } هذا إباحة من الله [تعالى] لعباده المؤمنين أن يأكلوا من الذبائح ما ذكر عليه اسمه، ومفهومه: أنه لا يباح ما لم يذكر اسم الله عليه، كما كان يستبيحه كفار المشركين من أكل الميتات، وأكل ما ذبح على النصب وغيرها. ثم ندب إلى الأكل مما ذكر اسم الله عليه، فقال: {وما لكم ألا تأكلوا مما ذكر اسم الله عليه وقد فصل لكم ما حرم عليكم} أي: قد بين لكم ما حرم عليكم ووضحه. وقرأ بعضهم: {فصل} بالتشديد، وقرأ آخرون بالتخفيف، والكل بمعنى البيان والوضوح. {إلا ما اضطررتم إليه} أي: إلا في حال الاضطرار، فإنه يباح لكم ما وجدتم. ثم بين تعالى جهالة المشركين في آرائهم الفاسدة، من استحلالهم الميتات، وما ذكر عليه غير اسم الله تعالى: فقال {وإن كثيرا ليضلون بأهوائهم بغير علم إن ربك هو أعلم بالمعتدين} أي: هو أعلم باعتدائهم وكذبهم وافترائهم. {وذروا ظاهر الإثم وباطنه إن الذين يكسبون الإثم سيجزون بما كانوا يقترفون } قال مجاهد: {وذروا ظاهر الإثم وباطنه} معصيته في السر والعلانية -وفي رواية عنه [قال] هو ما ينوي مما هو عامل. وقال: قتادة: {وذروا ظاهر الإثم وباطنه} أي: قليله وكثيره، سره وعلانيته وقال السدي: ظاهره الزنا مع البغايا ذوات الرايات، وباطنه: [الزنا] مع الخليلة والصدائق والأخدان. وقال عكرمة: ظاهره: نكاح ذوات المحارم. والصحيح أن الآية عامة في ذلك كله، وهي كقوله تعالى: {قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن [والإثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا] } الآية [الأعراف: 33] ؛ ولهذا قال تعالى: {إن الذين يكسبون الإثم سيجزون بما كانوا يقترفون} أي: سواء كان ظاهرا أو خفيا، فإن الله سيجزيهم عليه. قال ابن أبي حاتم: حدثنا الحسن بن عرفة، حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، عن معاوية بن صالح، عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير، عن أبيه، عن النواس بن سمعان قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الإثم فقال: "الإثم ما حاك في صدرك، وكرهت أن يطلع الناس عليه" {ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه وإنه لفسق وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم وإن أطعتموهم إنكم لمشركون } استدل بهذه الآية الكريمة من ذهب إلى أنه لا تحل الذبيحة التي لم يذكر اسم الله عليها، ولو كان الذابح مسلما، وقد اختلف الأئمة، رحمهم الله، في هذه المسألة على ثلاثة أقوال:
Section V03/P323–V03/P324İbn Kesîr — Tefsîrü'l-Kur'âni'l-Azîm (s. V03/P323–V03/P324)
Orijinal Metin (AR)فمنهم من قال: لا تحل هذه الذبيحة بهذه الصفة، وسواء متروك التسمية عمدا أو سهوا. وهو مروي عن ابن عمر، ونافع مولاه، وعامر الشعبي، ومحمد بن سيرين. وهو رواية عن الإمام مالك، ورواية عن أحمد بن حنبل نصرها طائفة من أصحابه المتقدمين والمتأخرين، وهو اختيار أبي ثور، وداود الظاهري، واختار ذلك أبو الفتوح محمد بن محمد بن علي الطائي من متأخري الشافعية في كتابه "الأربعين"، واحتجوا لمذهبهم هذا بهذه الآية، وبقوله في آية الصيد: {فكلوا مما أمسكن عليكم واذكروا اسم الله عليه} [المائدة: 4] . ثم قد أكد في هذه الآية بقوله: {وإنه لفسق} والضمير قيل: عائد على الأكل، وقيل: عائد على الذبح لغير الله -وبالأحاديث الواردة في الأمر بالتسمية عند الذبيحة والصيد، كحديثي عدي بن حاتم وأبي ثعلبة: "إذا أرسلت كلبك المعلم وذكرت اسم الله عليه فكل ما أمسك عليك". وهما في الصحيحين، وحديث رافع بن خديج. "ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكلوه". وهو في الصحيحين أيضا، وحديث ابن مسعود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال للجن: "لكم كل عظم ذكر اسم الله عليه" رواه مسلم. وحديث جندب بن سفيان البجلي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "من ذبح قبل أن يصلي فليذبح مكانها أخرى، ومن لم يكن ذبح حتى صلينا فليذبح باسم الله". أخرجاه وعن عائشة، رضي الله عنها، أن ناسا قالوا: يا رسول الله، إن قوما يأتوننا باللحم لا ندري: أذكر اسم الله عليه أم لا؟ قال: "سموا عليه أنتم وكلوا". قالت: وكانوا حديثي عهد بالكفر. رواه البخاري. ووجه الدلالة أنهم فهموا أن التسمية لا بد منها، [وأنهم] خشوا ألا تكون وجدت من أولئك، لحداثة إسلامهم، فأمرهم بالاحتياط بالتسمية عند الأكل، لتكون كالعوض عن المتروكة عند الذبح إن لم تكن وجدت، وأمرهم بإجراء أحكام المسلمين على السداد، والله [تعالى] أعلم. والمذهب الثاني في المسألة: أنه لا يشترط التسمية، بل هي مستحبة، فإن تركت عمدا أو نسيانا لم تضر وهذا مذهب الإمام الشافعي، رحمه الله، وجميع أصحابه، ورواية عن الإمام أحمد. نقلها عنه حنبل. وهو رواية عن الإمام مالك، ونص على ذلك أشهب بن عبد العزيز من أصحابه، وحكي عن ابن عباس، وأبي هريرة، وعطاء بن أبي رباح، والله أعلم. وحمل الشافعي الآية الكريمة: {ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه وإنه لفسق} على ما ذبح لغير الله، كقوله تعالى {أو فسقا أهل لغير الله به} [الأنعام: 145] . وقال ابن جريج، عن عطاء: {ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه} قال: ينهى عن ذبائح كانت تذبحها قريش عن الأوثان، وينهى عن ذبائح المجوس، وهذا المسلك الذي طرقه الإمام الشافعي [رحمه الله] قوي، وقد حاول بعض المتأخرين أن يقويه بأن جعل "الواو" في قوله: {وإنه لفسق} حالية، أي: لا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه في حال كونه فسقا، ولا يكون فسقا حتى يكون قد أهل به لغير الله. ثم ادعى أن هذا متعين، ولا يجوز أن تكون "الواو" عاطفة. لأنه يلزم منه عطف جملة إسمية خبرية على جملة فعلية طلبية. وهذا ينتقض عليه بقوله: {وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم} فإنها عاطفة لا محاولة، فإن كانت "الواو" التي ادعى أنها حالية صحيحة على ما قال؛ امتنع عطف هذه عليها، فإن عطفت على الطلبية ورد عليه ما أورد على غيره، وإن لم تكن "الواو" حالية، بطل ما قال من أصله، والله أعلم. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا يحيى بن المغيرة، أنبأنا جرير، عن عطاء، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قوله: {ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه} قال: هي الميتة. ثم رواه، عن أبي زرعة، عن يحيى بن أبي كثير عن ابن لهيعة، عن عطاء -وهو ابن السائب -به.
Français Tercümesi (Ehl-i Sünnet)فمنهم من قال: لا تحل هذه الذبيحة بهذه الصفة، وسواء متروك التسمية عمدا أو سهوا. وهو مروي عن ابن عمر، ونافع مولاه، وعامر الشعبي، ومحمد بن سيرين. وهو رواية عن الإمام مالك، ورواية عن أحمد بن حنبل نصرها طائفة من أصحابه المتقدمين والمتأخرين، وهو اختيار أبي ثور، وداود الظاهري، واختار ذلك أبو الفتوح محمد بن محمد بن علي الطائي من متأخري الشافعية في كتابه "الأربعين"، واحتجوا لمذهبهم هذا بهذه الآية، وبقوله في آية الصيد: {فكلوا مما أمسكن عليكم واذكروا اسم الله عليه} [المائدة: 4] . ثم قد أكد في هذه الآية بقوله: {وإنه لفسق} والضمير قيل: عائد على الأكل، وقيل: عائد على الذبح لغير الله -وبالأحاديث الواردة في الأمر بالتسمية عند الذبيحة والصيد، كحديثي عدي بن حاتم وأبي ثعلبة: "إذا أرسلت كلبك المعلم وذكرت اسم الله عليه فكل ما أمسك عليك". وهما في الصحيحين، وحديث رافع بن خديج. "ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكلوه". وهو في الصحيحين أيضا، وحديث ابن مسعود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال للجن: "لكم كل عظم ذكر اسم الله عليه" رواه مسلم. وحديث جندب بن سفيان البجلي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "من ذبح قبل أن يصلي فليذبح مكانها أخرى، ومن لم يكن ذبح حتى صلينا فليذبح باسم الله". أخرجاه وعن عائشة، رضي الله عنها، أن ناسا قالوا: يا رسول الله، إن قوما يأتوننا باللحم لا ندري: أذكر اسم الله عليه أم لا؟ قال: "سموا عليه أنتم وكلوا". قالت: وكانوا حديثي عهد بالكفر. رواه البخاري. ووجه الدلالة أنهم فهموا أن التسمية لا بد منها، [وأنهم] خشوا ألا تكون وجدت من أولئك، لحداثة إسلامهم، فأمرهم بالاحتياط بالتسمية عند الأكل، لتكون كالعوض عن المتروكة عند الذبح إن لم تكن وجدت، وأمرهم بإجراء أحكام المسلمين على السداد، والله [تعالى] أعلم. والمذهب الثاني في المسألة: أنه لا يشترط التسمية، بل هي مستحبة، فإن تركت عمدا أو نسيانا لم تضر وهذا مذهب الإمام الشافعي، رحمه الله، وجميع أصحابه، ورواية عن الإمام أحمد. نقلها عنه حنبل. وهو رواية عن الإمام مالك، ونص على ذلك أشهب بن عبد العزيز من أصحابه، وحكي عن ابن عباس، وأبي هريرة، وعطاء بن أبي رباح، والله أعلم. وحمل الشافعي الآية الكريمة: {ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه وإنه لفسق} على ما ذبح لغير الله، كقوله تعالى {أو فسقا أهل لغير الله به} [الأنعام: 145] . وقال ابن جريج، عن عطاء: {ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه} قال: ينهى عن ذبائح كانت تذبحها قريش عن الأوثان، وينهى عن ذبائح المجوس، وهذا المسلك الذي طرقه الإمام الشافعي [رحمه الله] قوي، وقد حاول بعض المتأخرين أن يقويه بأن جعل "الواو" في قوله: {وإنه لفسق} حالية، أي: لا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه في حال كونه فسقا، ولا يكون فسقا حتى يكون قد أهل به لغير الله. ثم ادعى أن هذا متعين، ولا يجوز أن تكون "الواو" عاطفة. لأنه يلزم منه عطف جملة إسمية خبرية على جملة فعلية طلبية. وهذا ينتقض عليه بقوله: {وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم} فإنها عاطفة لا محاولة، فإن كانت "الواو" التي ادعى أنها حالية صحيحة على ما قال؛ امتنع عطف هذه عليها، فإن عطفت على الطلبية ورد عليه ما أورد على غيره، وإن لم تكن "الواو" حالية، بطل ما قال من أصله، والله أعلم. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا يحيى بن المغيرة، أنبأنا جرير، عن عطاء، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قوله: {ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه} قال: هي الميتة. ثم رواه، عن أبي زرعة، عن يحيى بن أبي كثير عن ابن لهيعة، عن عطاء -وهو ابن السائب -به.