Section V05/P447–V05/P449İbn Kesîr — Tefsîrü'l-Kur'âni'l-Azîm (s. V05/P447–V05/P449)
Orijinal Metin (AR)وقال أيضا: حدثنا أبي، حدثنا عبدة بن سليمان، أنبأنا ابن المبارك، أنبأنا ابن لهيعة، حدثنا سلامان بن عامر الشعباني، أن عبد الرحمن بن جحدم الخولاني حدثه: أنه حضر فضالة بن عبيد في البحر مع جنازتين، أحدهما أصيب بمنجنيق والآخر توفي، فجلس فضالة بن عبيد عند قبر المتوفى، فقيل له: تركت الشهيد فلم تجلس عنده؟ فقال: ما أبالي من أي حفرتيهما بعثت، إن الله يقول: {والذين هاجروا في سبيل الله ثم قتلوا أو ماتوا [ليرزقنهم الله رزقا حسنا وإن الله لهو خير الرازقين. ليدخلنهم مدخلا] يرضونه} فما تبتغي أيها العبد إذا أدخلت مدخلا ترضاه ورزقت رزقا حسنا، والله ما أبالي من أي حفرتيهما بعثت. ورواه ابن جرير، عن يونس بن عبد الأعلى، عن ابن وهب، أخبرني عبد الرحمن بن شريح، عن سلامان بن عامر قال: كان فضالة برودس أميرا على الأرباع، فخرج بجنازتي رجلين، أحدهما قتيل والآخر متوفى ... فذكر نحو ما تقدم . وقوله: {ذلك ومن عاقب بمثل ما عوقب به ثم بغي عليه لينصرنه الله} ، ذكر مقاتل بن حيان وابن جريج أنها نزلت في سرية من الصحابة، لقوا جمعا من المشركين في شهر محرم، فناشدهم المسلمون لئلا يقاتلوهم في الشهر الحرام، فأبى المشركون إلا قتالهم وبغوا عليهم، فقاتلهم المسلمون، فنصرهم الله عليهم، [و] {إن الله لعفو غفور} {ذلك بأن الله يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل وأن الله سميع بصير ذلك بأن الله هو الحق وأن ما يدعون من دونه هو الباطل وأن الله هو العلي الكبير } . يقول تعالى منبها على أنه الخالق المتصرف في خلقه بما يشاء، كما قال: {قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء بيدك الخير إنك على كل شيء قدير. تولج الليل في النهار [وتولج النهار في الليل وتخرج الحي من الميت وتخرج الميت من الحي وترزق من تشاء بغير حساب] } [آل عمران: 26، 27] ومعنى إيلاجه الليل في النهار، والنهار في الليل: إدخاله من هذا في هذا، ومن هذا في هذا، فتارة يطول الليل ويقصر النهار، كما في الشتاء، وتارة يطول النهار ويقصر الليل، كما في الصيف. وقوله: {وأن الله سميع بصير} أي: سميع بأقوال عباده، بصير بهم، لا يخفى عليه منهم خافية في أحوالهم وحركاتهم وسكناتهم. ولما بين أنه المتصرف في الوجود، الحاكم الذي لا معقب لحكمه، قال: {ذلك بأن الله هو الحق} أي: الإله الحق الذي لا تنبغي العبادة إلا له؛ لأنه ذو السلطان العظيم، الذي ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، وكل شيء فقير إليه، ذليل لديه، {وأن ما يدعون من دونه هو الباطل} أي: من الأصنام والأنداد والأوثان، وكل ما عبد من دونه تعالى فهو باطل؛ لأنه لا يملك ضرا ولا نفعا. وقوله: {وأن الله هو العلي الكبير} ، كما قال: {وهو العلي العظيم} [البقرة: 255] ، وقال: {الكبير المتعال} [الرعد: 9] فكل شيء تحت قهره وسلطانه وعظمته، لا إله إلا هو، ولا رب سواه؛ لأنه العظيم الذي لا أعظم منه، العلي الذي لا أعلى منه، الكبير الذي لا أكبر منه، تعالى وتقدس وتنزه، وعز وجل عما يقول الظالمون [المعتدون] علوا كبيرا. {ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فتصبح الأرض مخضرة إن الله لطيف خبير له ما في السماوات وما في الأرض وإن الله لهو الغني الحميد } {ألم تر أن الله سخر لكم ما في الأرض والفلك تجري في البحر بأمره ويمسك السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه إن الله بالناس لرءوف رحيم وهو الذي أحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم إن الإنسان لكفور } . وهذا أيضا من الدلالة على قدرته وعظيم سلطانه، فإنه يرسل الرياح، فتثير سحابا، فيمطر على الأرض الجرز التي لا نبات فيها، وهي هامدة يابسة سوداء قحلة، {فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت} [الحج: 5] .
Français Tercümesi (Ehl-i Sünnet)وقال أيضا: حدثنا أبي، حدثنا عبدة بن سليمان، أنبأنا ابن المبارك، أنبأنا ابن لهيعة، حدثنا سلامان بن عامر الشعباني، أن عبد الرحمن بن جحدم الخولاني حدثه: أنه حضر فضالة بن عبيد في البحر مع جنازتين، أحدهما أصيب بمنجنيق والآخر توفي، فجلس فضالة بن عبيد عند قبر المتوفى، فقيل له: تركت الشهيد فلم تجلس عنده؟ فقال: ما أبالي من أي حفرتيهما بعثت، إن الله يقول: {والذين هاجروا في سبيل الله ثم قتلوا أو ماتوا [ليرزقنهم الله رزقا حسنا وإن الله لهو خير الرازقين. ليدخلنهم مدخلا] يرضونه} فما تبتغي أيها العبد إذا أدخلت مدخلا ترضاه ورزقت رزقا حسنا، والله ما أبالي من أي حفرتيهما بعثت. ورواه ابن جرير، عن يونس بن عبد الأعلى، عن ابن وهب، أخبرني عبد الرحمن بن شريح، عن سلامان بن عامر قال: كان فضالة برودس أميرا على الأرباع، فخرج بجنازتي رجلين، أحدهما قتيل والآخر متوفى ... فذكر نحو ما تقدم . وقوله: {ذلك ومن عاقب بمثل ما عوقب به ثم بغي عليه لينصرنه الله} ، ذكر مقاتل بن حيان وابن جريج أنها نزلت في سرية من الصحابة، لقوا جمعا من المشركين في شهر محرم، فناشدهم المسلمون لئلا يقاتلوهم في الشهر الحرام، فأبى المشركون إلا قتالهم وبغوا عليهم، فقاتلهم المسلمون، فنصرهم الله عليهم، [و] {إن الله لعفو غفور} {ذلك بأن الله يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل وأن الله سميع بصير ذلك بأن الله هو الحق وأن ما يدعون من دونه هو الباطل وأن الله هو العلي الكبير } . يقول تعالى منبها على أنه الخالق المتصرف في خلقه بما يشاء، كما قال: {قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء بيدك الخير إنك على كل شيء قدير. تولج الليل في النهار [وتولج النهار في الليل وتخرج الحي من الميت وتخرج الميت من الحي وترزق من تشاء بغير حساب] } [آل عمران: 26، 27] ومعنى إيلاجه الليل في النهار، والنهار في الليل: إدخاله من هذا في هذا، ومن هذا في هذا، فتارة يطول الليل ويقصر النهار، كما في الشتاء، وتارة يطول النهار ويقصر الليل، كما في الصيف. وقوله: {وأن الله سميع بصير} أي: سميع بأقوال عباده، بصير بهم، لا يخفى عليه منهم خافية في أحوالهم وحركاتهم وسكناتهم. ولما بين أنه المتصرف في الوجود، الحاكم الذي لا معقب لحكمه، قال: {ذلك بأن الله هو الحق} أي: الإله الحق الذي لا تنبغي العبادة إلا له؛ لأنه ذو السلطان العظيم، الذي ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، وكل شيء فقير إليه، ذليل لديه، {وأن ما يدعون من دونه هو الباطل} أي: من الأصنام والأنداد والأوثان، وكل ما عبد من دونه تعالى فهو باطل؛ لأنه لا يملك ضرا ولا نفعا. وقوله: {وأن الله هو العلي الكبير} ، كما قال: {وهو العلي العظيم} [البقرة: 255] ، وقال: {الكبير المتعال} [الرعد: 9] فكل شيء تحت قهره وسلطانه وعظمته، لا إله إلا هو، ولا رب سواه؛ لأنه العظيم الذي لا أعظم منه، العلي الذي لا أعلى منه، الكبير الذي لا أكبر منه، تعالى وتقدس وتنزه، وعز وجل عما يقول الظالمون [المعتدون] علوا كبيرا. {ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فتصبح الأرض مخضرة إن الله لطيف خبير له ما في السماوات وما في الأرض وإن الله لهو الغني الحميد } {ألم تر أن الله سخر لكم ما في الأرض والفلك تجري في البحر بأمره ويمسك السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه إن الله بالناس لرءوف رحيم وهو الذي أحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم إن الإنسان لكفور } . وهذا أيضا من الدلالة على قدرته وعظيم سلطانه، فإنه يرسل الرياح، فتثير سحابا، فيمطر على الأرض الجرز التي لا نبات فيها، وهي هامدة يابسة سوداء قحلة، {فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت} [الحج: 5] .
Section V05/P449–V05/P450İbn Kesîr — Tefsîrü'l-Kur'âni'l-Azîm (s. V05/P449–V05/P450)
Orijinal Metin (AR)وقوله: {فتصبح الأرض مخضرة} ، الفاء هاهنا للتعقيب، وتعقيب كل شيء بحسبه، كما قال: {خلقنا النطفة علقة فخلقنا العلقة مضغة فخلقنا المضغة عظاما} [المؤمنون: 14] ، وقد ثبت في الصحيحين: "أن بين كل شيئين أربعين يوما" ومع هذا هو معقب بالفاء، وهكذا هاهنا قال: {فتصبح الأرض مخضرة} أي: خضراء بعد يبسها ومحولها . وقد ذكر عن بعض أهل الحجاز: أنها تصبح عقب المطر خضراء، فالله أعلم. وقوله: {إن الله لطيف خبير} أي: عليم بما في أرجاء الأرض وأقطارها وأجزائها من الحب وإن صغر، لا يخفى عليه خافية، فيوصل إلى كل منه قسطه من الماء فينبته به، كما قال لقمان: {يا بني إنها إن تك مثقال حبة من خردل فتكن في صخرة أو في السماوات أو في الأرض يأت بها الله إن الله لطيف خبير} [لقمان: 16] ، وقال: {ألا يسجدوا لله الذي يخرج الخبء في السماوات والأرض} [النمل: 25] ، وقال تعالى: {وما تسقط من ورقة إلا يعلمها ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين} [الأنعام: 59] ، وقال {وما يعزب عن ربك من مثقال ذرة} الآية [يونس: 61] ؛ ولهذا قال أمية بن [أبي] الصلت-أو: زيد بن عمرو بن نفيل-في قصيدته: وقولا له: من ينبت الحب في الثرى فيصبح منه البقل يهتز رابيا? ويخرج منه حبه في رؤوسه ففي ذاك آيات لمن كان واعيا وقوله: {له ما في السماوات وما في الأرض وإن الله لهو الغني الحميد} أي: ملكه جميع الأشياء، وهو غني عما سواه، وكل شيء فقير إليه، عبد لديه. وقوله: {ألم تر أن الله سخر لكم ما في الأرض} أي: من حيوان، وجماد، وزروع، وثمار. كما قال: {وسخر لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعا منه} [الجاثية: 13] أي: من إحسانه وفضله وامتنانه، {والفلك تجري في البحر بأمره} أي: بتسخيره وتسييره، أي: في البحر العجاج، وتلاطم الأمواج، تجري الفلك بأهلها بريح طيبة، ورفق وتؤدة، فيحملون فيها ما شاءوا من تجائر وبضائع ومنافع، من بلد إلى بلد، وقطر إلى قطر، ويأتون بما عند أولئك إلى هؤلاء، كما ذهبوا بما عند هؤلاء إلى أولئك، مما يحتاجون إليه، ويطلبونه ويريدونه، {ويمسك السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه} أي: لو شاء لأذن للسماء فسقطت على الأرض، فهلك من فيها، ولكن من لطفه ورحمته وقدرته يمسك السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه؛ ولهذا قال: {إن الله بالناس لرءوف رحيم} أي: مع ظلمهم، كما قال في الآية الأخرى: {وإن ربك لذو مغفرة للناس على ظلمهم وإن ربك لشديد العقاب} [الرعد: 6] . وقوله: {وهو الذي أحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم إن الإنسان لكفور} ، كقوله: {كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتا فأحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم ثم إليه ترجعون} [البقرة: 28] ، وقوله: {قل الله يحييكم ثم يميتكم ثم يجمعكم إلى يوم القيامة لا ريب فيه} [الجاثية: 26] ، وقوله: {قالوا ربنا أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين} [غافر: 11] ومعنى الكلام: كيف تجعلون [مع] الله أندادا وتعبدون معه غيره، وهو المستقل بالخلق والرزق والتصرف، {وهو الذي أحياكم} أي: خلقكم بعد أن لم تكونوا شيئا يذكر، فأوجدكم {ثم يميتكم ثم يحييكم} أي: يوم القيامة، {إن الإنسان لكفور} أي: جحود. {لكل أمة جعلنا منسكا هم ناسكوه فلا ينازعنك في الأمر وادع إلى ربك إنك لعلى هدى مستقيم وإن جادلوك فقل الله أعلم بما تعملون الله يحكم بينكم يوم القيامة فيما كنتم فيه تختلفون } . يخبر تعالى أنه جعل لكل قوم منسكا. قال ابن جرير: يعني: لكل أمة نبي منسكا. قال: وأصل المنسك في كلام العرب: هو الموضع الذي يعتاده الإنسان، ويتردد إليه، إما لخير أو شر. قال: ولهذا سميت مناسك الحج بذلك، لترداد الناس إليها وعكوفهم عليها .
Français Tercümesi (Ehl-i Sünnet)وقوله: {فتصبح الأرض مخضرة} ، الفاء هاهنا للتعقيب، وتعقيب كل شيء بحسبه، كما قال: {خلقنا النطفة علقة فخلقنا العلقة مضغة فخلقنا المضغة عظاما} [المؤمنون: 14] ، وقد ثبت في الصحيحين: "أن بين كل شيئين أربعين يوما" ومع هذا هو معقب بالفاء، وهكذا هاهنا قال: {فتصبح الأرض مخضرة} أي: خضراء بعد يبسها ومحولها . وقد ذكر عن بعض أهل الحجاز: أنها تصبح عقب المطر خضراء، فالله أعلم. وقوله: {إن الله لطيف خبير} أي: عليم بما في أرجاء الأرض وأقطارها وأجزائها من الحب وإن صغر، لا يخفى عليه خافية، فيوصل إلى كل منه قسطه من الماء فينبته به، كما قال لقمان: {يا بني إنها إن تك مثقال حبة من خردل فتكن في صخرة أو في السماوات أو في الأرض يأت بها الله إن الله لطيف خبير} [لقمان: 16] ، وقال: {ألا يسجدوا لله الذي يخرج الخبء في السماوات والأرض} [النمل: 25] ، وقال تعالى: {وما تسقط من ورقة إلا يعلمها ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين} [الأنعام: 59] ، وقال {وما يعزب عن ربك من مثقال ذرة} الآية [يونس: 61] ؛ ولهذا قال أمية بن [أبي] الصلت-أو: زيد بن عمرو بن نفيل-في قصيدته: وقولا له: من ينبت الحب في الثرى فيصبح منه البقل يهتز رابيا? ويخرج منه حبه في رؤوسه ففي ذاك آيات لمن كان واعيا وقوله: {له ما في السماوات وما في الأرض وإن الله لهو الغني الحميد} أي: ملكه جميع الأشياء، وهو غني عما سواه، وكل شيء فقير إليه، عبد لديه. وقوله: {ألم تر أن الله سخر لكم ما في الأرض} أي: من حيوان، وجماد، وزروع، وثمار. كما قال: {وسخر لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعا منه} [الجاثية: 13] أي: من إحسانه وفضله وامتنانه، {والفلك تجري في البحر بأمره} أي: بتسخيره وتسييره، أي: في البحر العجاج، وتلاطم الأمواج، تجري الفلك بأهلها بريح طيبة، ورفق وتؤدة، فيحملون فيها ما شاءوا من تجائر وبضائع ومنافع، من بلد إلى بلد، وقطر إلى قطر، ويأتون بما عند أولئك إلى هؤلاء، كما ذهبوا بما عند هؤلاء إلى أولئك، مما يحتاجون إليه، ويطلبونه ويريدونه، {ويمسك السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه} أي: لو شاء لأذن للسماء فسقطت على الأرض، فهلك من فيها، ولكن من لطفه ورحمته وقدرته يمسك السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه؛ ولهذا قال: {إن الله بالناس لرءوف رحيم} أي: مع ظلمهم، كما قال في الآية الأخرى: {وإن ربك لذو مغفرة للناس على ظلمهم وإن ربك لشديد العقاب} [الرعد: 6] . وقوله: {وهو الذي أحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم إن الإنسان لكفور} ، كقوله: {كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتا فأحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم ثم إليه ترجعون} [البقرة: 28] ، وقوله: {قل الله يحييكم ثم يميتكم ثم يجمعكم إلى يوم القيامة لا ريب فيه} [الجاثية: 26] ، وقوله: {قالوا ربنا أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين} [غافر: 11] ومعنى الكلام: كيف تجعلون [مع] الله أندادا وتعبدون معه غيره، وهو المستقل بالخلق والرزق والتصرف، {وهو الذي أحياكم} أي: خلقكم بعد أن لم تكونوا شيئا يذكر، فأوجدكم {ثم يميتكم ثم يحييكم} أي: يوم القيامة، {إن الإنسان لكفور} أي: جحود. {لكل أمة جعلنا منسكا هم ناسكوه فلا ينازعنك في الأمر وادع إلى ربك إنك لعلى هدى مستقيم وإن جادلوك فقل الله أعلم بما تعملون الله يحكم بينكم يوم القيامة فيما كنتم فيه تختلفون } . يخبر تعالى أنه جعل لكل قوم منسكا. قال ابن جرير: يعني: لكل أمة نبي منسكا. قال: وأصل المنسك في كلام العرب: هو الموضع الذي يعتاده الإنسان، ويتردد إليه، إما لخير أو شر. قال: ولهذا سميت مناسك الحج بذلك، لترداد الناس إليها وعكوفهم عليها .
Section V05/P450–V05/P452İbn Kesîr — Tefsîrü'l-Kur'âni'l-Azîm (s. V05/P450–V05/P452)
Orijinal Metin (AR)فإن كان كما قال من أن المراد: {لكل أمة جعلنا منسكا} فيكون المراد بقوله: {فلا ينازعنك في الأمر} أي: هؤلاء المشركون. وإن كان المراد: "لكل أمة جعلنا منسكا جعلا قدريا -كما قال: {ولكل وجهة هو موليها} [البقرة: 148] ولهذا قال هاهنا: {هم ناسكوه} أي: فاعلوه-فالضمير هاهنا عائد على هؤلاء الذين لهم مناسك وطرائق، أي: هؤلاء إنما يفعلون هذا عن قدر الله وإرادته، فلا تتأثر بمنازعتهم لك، ولا يصرفك ذلك عما أنت عليه من الحق؛ ولهذا قال: {وادع إلى ربك إنك لعلى هدى مستقيم} أي: طريق واضح مستقيم موصل إلى المقصود. وهذه كقوله: {ولا يصدنك عن آيات الله بعد إذ أنزلت إليك وادع إلى ربك} [القصص: 87] . وقوله: {وإن جادلوك فقل الله أعلم بما تعملون} ، كقوله: {وإن كذبوك فقل لي عملي ولكم عملكم أنتم بريئون مما أعمل وأنا بريء مما تعملون} [يونس: 41] . وقوله: {الله أعلم بما تعملون} تهديد شديد، ووعيد أكيد، كقوله: {هو أعلم بما تفيضون فيه كفى به شهيدا بيني وبينكم} [الأحقاف: 8] ؛ ولهذا قال: {الله يحكم بينكم يوم القيامة فيما كنتم فيه تختلفون} وهذه كقوله: {فلذلك فادع واستقم كما أمرت ولا تتبع أهواءهم وقل آمنت بما أنزل الله من كتاب وأمرت لأعدل بينكم الله ربنا وربكم لنا أعمالنا ولكم أعمالكم لا حجة بيننا وبينكم الله يجمع بيننا وإليه المصير} [الشورى: 15] . {ألم تعلم أن الله يعلم ما في السماء والأرض إن ذلك في كتاب إن ذلك على الله يسير } . يخبر تعالى عن كمال علمه بخلقه، وأنه محيط بما في السموات وما في الأرض، فلا يعزب عنه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء، ولا أصغر من ذلك ولا أكبر، وأنه تعالى علم الكائنات كلها قبل وجودها، وكتب ذلك في كتابه اللوح المحفوظ، كما ثبت في صحيح مسلم، عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الله قدر مقادير الخلائق قبل خلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة، وكان عرشه على الماء" . وفي السنن، من حديث جماعة من الصحابة؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "أول ما خلق الله القلم، قال له: اكتب، قال: وما أكتب؟ قال: اكتب ما هو كائن. فجرى القلم بما هو كائن إلى يوم القيامة" . وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة، حدثنا ابن بكير، حدثني ابن لهيعة، حدثني عطاء بن دينار، حدثني سعيد بن جبير قال: قال ابن عباس: خلق الله اللوح المحفوظ مسيرة مائة عام، وقال للقلم قبل أن يخلق الخلق -وهو على العرش تبارك وتعالى-: اكتب. قال القلم: وما أكتب؟ قال: علمي في خلقي إلى يوم تقوم الساعة. فجرى القلم بما هو كائن في علم الله إلى يوم القيامة. فذلك قوله تعالى للنبي صلى الله عليه وسلم: {ألم تعلم أن الله يعلم ما في السماء والأرض} وهذا من تمام علمه تعالى أنه علم الأشياء قبل كونها، وقدرها وكتبها أيضا، فما العباد عاملون قد علمه تعالى قبل ذلك، على الوجه الذي يفعلونه، فيعلم قبل الخلق أن هذا يطيع باختياره، وهذا يعصي باختياره، وكتب ذلك عنده، وأحاط بكل شيء علما، وهو سهل عليه، يسير لديه؛ ولهذا قال تعالى: {إن ذلك في كتاب إن ذلك على الله يسير} {ويعبدون من دون الله ما لم ينزل به سلطانا وما ليس لهم به علم وما للظالمين من نصير وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات تعرف في وجوه الذين كفروا المنكر يكادون يسطون بالذين يتلون عليهم آياتنا قل أفأنبئكم بشر من ذلكم النار وعدها الله الذين كفروا وبئس المصير } .
Français Tercümesi (Ehl-i Sünnet)فإن كان كما قال من أن المراد: {لكل أمة جعلنا منسكا} فيكون المراد بقوله: {فلا ينازعنك في الأمر} أي: هؤلاء المشركون. وإن كان المراد: "لكل أمة جعلنا منسكا جعلا قدريا -كما قال: {ولكل وجهة هو موليها} [البقرة: 148] ولهذا قال هاهنا: {هم ناسكوه} أي: فاعلوه-فالضمير هاهنا عائد على هؤلاء الذين لهم مناسك وطرائق، أي: هؤلاء إنما يفعلون هذا عن قدر الله وإرادته، فلا تتأثر بمنازعتهم لك، ولا يصرفك ذلك عما أنت عليه من الحق؛ ولهذا قال: {وادع إلى ربك إنك لعلى هدى مستقيم} أي: طريق واضح مستقيم موصل إلى المقصود. وهذه كقوله: {ولا يصدنك عن آيات الله بعد إذ أنزلت إليك وادع إلى ربك} [القصص: 87] . وقوله: {وإن جادلوك فقل الله أعلم بما تعملون} ، كقوله: {وإن كذبوك فقل لي عملي ولكم عملكم أنتم بريئون مما أعمل وأنا بريء مما تعملون} [يونس: 41] . وقوله: {الله أعلم بما تعملون} تهديد شديد، ووعيد أكيد، كقوله: {هو أعلم بما تفيضون فيه كفى به شهيدا بيني وبينكم} [الأحقاف: 8] ؛ ولهذا قال: {الله يحكم بينكم يوم القيامة فيما كنتم فيه تختلفون} وهذه كقوله: {فلذلك فادع واستقم كما أمرت ولا تتبع أهواءهم وقل آمنت بما أنزل الله من كتاب وأمرت لأعدل بينكم الله ربنا وربكم لنا أعمالنا ولكم أعمالكم لا حجة بيننا وبينكم الله يجمع بيننا وإليه المصير} [الشورى: 15] . {ألم تعلم أن الله يعلم ما في السماء والأرض إن ذلك في كتاب إن ذلك على الله يسير } . يخبر تعالى عن كمال علمه بخلقه، وأنه محيط بما في السموات وما في الأرض، فلا يعزب عنه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء، ولا أصغر من ذلك ولا أكبر، وأنه تعالى علم الكائنات كلها قبل وجودها، وكتب ذلك في كتابه اللوح المحفوظ، كما ثبت في صحيح مسلم، عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الله قدر مقادير الخلائق قبل خلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة، وكان عرشه على الماء" . وفي السنن، من حديث جماعة من الصحابة؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "أول ما خلق الله القلم، قال له: اكتب، قال: وما أكتب؟ قال: اكتب ما هو كائن. فجرى القلم بما هو كائن إلى يوم القيامة" . وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة، حدثنا ابن بكير، حدثني ابن لهيعة، حدثني عطاء بن دينار، حدثني سعيد بن جبير قال: قال ابن عباس: خلق الله اللوح المحفوظ مسيرة مائة عام، وقال للقلم قبل أن يخلق الخلق -وهو على العرش تبارك وتعالى-: اكتب. قال القلم: وما أكتب؟ قال: علمي في خلقي إلى يوم تقوم الساعة. فجرى القلم بما هو كائن في علم الله إلى يوم القيامة. فذلك قوله تعالى للنبي صلى الله عليه وسلم: {ألم تعلم أن الله يعلم ما في السماء والأرض} وهذا من تمام علمه تعالى أنه علم الأشياء قبل كونها، وقدرها وكتبها أيضا، فما العباد عاملون قد علمه تعالى قبل ذلك، على الوجه الذي يفعلونه، فيعلم قبل الخلق أن هذا يطيع باختياره، وهذا يعصي باختياره، وكتب ذلك عنده، وأحاط بكل شيء علما، وهو سهل عليه، يسير لديه؛ ولهذا قال تعالى: {إن ذلك في كتاب إن ذلك على الله يسير} {ويعبدون من دون الله ما لم ينزل به سلطانا وما ليس لهم به علم وما للظالمين من نصير وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات تعرف في وجوه الذين كفروا المنكر يكادون يسطون بالذين يتلون عليهم آياتنا قل أفأنبئكم بشر من ذلكم النار وعدها الله الذين كفروا وبئس المصير } .
Section V05/P452–V05/P453İbn Kesîr — Tefsîrü'l-Kur'âni'l-Azîm (s. V05/P452–V05/P453)
Orijinal Metin (AR)يقول تعالى مخبرا عن المشركين فيما جهلوا وكفروا، وعبدوا من دون الله ما لم ينزل به سلطانا، يعني: حجة وبرهانا، كقوله: {ومن يدع مع الله إلها آخر لا برهان له به فإنما حسابه عند ربه إنه لا يفلح الكافرون} [المؤمنون: 117] . ولهذا قال هاهنا: {ما لم ينزل به سلطانا وما ليس لهم به علم} أي: ولا علم لهم فيما اختلقوه وائتفكوه، وإنما هو أمر تلقوه عن آبائهم وأسلافهم، بلا دليل ولا حجة، وأصله مما سول لهم الشيطان وزينه لهم؛ ولهذا توعدهم تعالى بقوله: {وما للظالمين من نصير} أي: من ناصر ينصرهم من الله، فيما يحل بهم من العذاب والنكال. ثم قال: {وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات} أي: وإذا ذكرت لهم آيات القرآن والحجج والدلائل الواضحات على توحيد الله، وأنه لا إله إلا هو، وأن رسله الكرام حق وصدق، {يكادون يسطون بالذين يتلون عليهم آياتنا} أي: يكادون يبادرون الذين يحتجون عليهم بالدلائل الصحيحة من القرآن، ويبسطون إليهم أيديهم وألسنتهم بالسوء! {قل} أي: يا محمد لهؤلاء. {أفأنبئكم بشر من ذلكم النار وعدها الله الذين كفروا } أي: النار وعذابها ونكالها أشد وأشق وأطم وأعظم مما تخوفون به أولياء الله المؤمنين في الدنيا، وعذاب الآخرة على صنيعكم هذا أعظم مما تنالون منهم، إن نلتم بزعمكم وإرادتكم. وقوله: {وبئس المصير} أي: وبئس النار منزلا ومقيلا ومرجعا وموئلا ومقاما، {إنها ساءت مستقرا ومقاما} [الفرقان: 66] . {يا أيها الناس ضرب مثل فاستمعوا له إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا له وإن يسلبهم الذباب شيئا لا يستنقذوه منه ضعف الطالب والمطلوب ما قدروا الله حق قدره إن الله لقوي عزيز } . يقول تعالى منبها على حقارة الأصنام وسخافة عقول عابديها: {يا أيها الناس ضرب مثل} أي: لما يعبده الجاهلون بالله المشركون به، {فاستمعوا له} أي: أنصتوا وتفهموا، {إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا له} أي: لو اجتمع جميع ما تعبدون من الأصنام والأنداد على أن يقدروا على خلق ذباب واحد ما قدروا على ذلك. كما قال الإمام أحمد. حدثنا أسود بن عامر، حدثنا شريك، عن عمارة بن القعقاع، عن أبي زرعة، عن أبي هريرة -رفع الحديث-قال: "ومن أظلم ممن خلق [خلقا] كخلقي؟ فليخلقوا مثل خلقي ذرة، أو ذبابة، أو حبة" . وأخرجه صاحبا الصحيح، من طريق عمارة، عن أبي زرعة، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: قال الله عز وجل: "ومن أظلم ممن ذهب يخلق كخلقي؟ فليخلقوا ذرة، فليخلقوا شعيرة" . ثم قال تعالى أيضا: {وإن يسلبهم الذباب شيئا لا يستنقذوه منه} أي: هم عاجزون عن خلق ذباب واحد، بل أبلغ من ذلك عاجزون عن مقاومته والانتصار منه، لو سلبها شيئا من الذي عليها من الطيب، ثم أرادت أن تستنقذه منه لما قدرت على ذلك. هذا والذباب من أضعف مخلوقات الله وأحقرها ولهذا [قال: {ضعف الطالب والمطلوب} ] . قال ابن عباس: الطالب: الصنم، والمطلوب: الذباب. واختاره ابن جرير، وهو ظاهر السياق. وقال السدي وغيره: الطالب: العابد، والمطلوب: الصنم. ثم قال: {ما قدروا الله حق قدره} أي: ما عرفوا قدر الله وعظمته حين عبدوا معه غيره، من هذه التي لا تقاوم الذباب لضعفها وعجزها، {إن الله لقوي عزيز} أي: هو القوي الذي بقدرته وقوته خلق كل شيء، {وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه} [الروم: 27] ، {إن بطش ربك لشديد. إنه هو يبدئ ويعيد} [البروج: 12، 13] ، {إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين} [الذاريات: 58] . وقوله: {عزيز} أي: قد عز كل شيء فقهره وغلبه، فلا يمانع ولا يغالب، لعظمته وسلطانه، وهو الواحد القهار. {الله يصطفي من الملائكة رسلا ومن الناس إن الله سميع بصير يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم وإلى الله ترجع الأمور } .
Français Tercümesi (Ehl-i Sünnet)يقول تعالى مخبرا عن المشركين فيما جهلوا وكفروا، وعبدوا من دون الله ما لم ينزل به سلطانا، يعني: حجة وبرهانا، كقوله: {ومن يدع مع الله إلها آخر لا برهان له به فإنما حسابه عند ربه إنه لا يفلح الكافرون} [المؤمنون: 117] . ولهذا قال هاهنا: {ما لم ينزل به سلطانا وما ليس لهم به علم} أي: ولا علم لهم فيما اختلقوه وائتفكوه، وإنما هو أمر تلقوه عن آبائهم وأسلافهم، بلا دليل ولا حجة، وأصله مما سول لهم الشيطان وزينه لهم؛ ولهذا توعدهم تعالى بقوله: {وما للظالمين من نصير} أي: من ناصر ينصرهم من الله، فيما يحل بهم من العذاب والنكال. ثم قال: {وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات} أي: وإذا ذكرت لهم آيات القرآن والحجج والدلائل الواضحات على توحيد الله، وأنه لا إله إلا هو، وأن رسله الكرام حق وصدق، {يكادون يسطون بالذين يتلون عليهم آياتنا} أي: يكادون يبادرون الذين يحتجون عليهم بالدلائل الصحيحة من القرآن، ويبسطون إليهم أيديهم وألسنتهم بالسوء! {قل} أي: يا محمد لهؤلاء. {أفأنبئكم بشر من ذلكم النار وعدها الله الذين كفروا } أي: النار وعذابها ونكالها أشد وأشق وأطم وأعظم مما تخوفون به أولياء الله المؤمنين في الدنيا، وعذاب الآخرة على صنيعكم هذا أعظم مما تنالون منهم، إن نلتم بزعمكم وإرادتكم. وقوله: {وبئس المصير} أي: وبئس النار منزلا ومقيلا ومرجعا وموئلا ومقاما، {إنها ساءت مستقرا ومقاما} [الفرقان: 66] . {يا أيها الناس ضرب مثل فاستمعوا له إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا له وإن يسلبهم الذباب شيئا لا يستنقذوه منه ضعف الطالب والمطلوب ما قدروا الله حق قدره إن الله لقوي عزيز } . يقول تعالى منبها على حقارة الأصنام وسخافة عقول عابديها: {يا أيها الناس ضرب مثل} أي: لما يعبده الجاهلون بالله المشركون به، {فاستمعوا له} أي: أنصتوا وتفهموا، {إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا له} أي: لو اجتمع جميع ما تعبدون من الأصنام والأنداد على أن يقدروا على خلق ذباب واحد ما قدروا على ذلك. كما قال الإمام أحمد. حدثنا أسود بن عامر، حدثنا شريك، عن عمارة بن القعقاع، عن أبي زرعة، عن أبي هريرة -رفع الحديث-قال: "ومن أظلم ممن خلق [خلقا] كخلقي؟ فليخلقوا مثل خلقي ذرة، أو ذبابة، أو حبة" . وأخرجه صاحبا الصحيح، من طريق عمارة، عن أبي زرعة، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: قال الله عز وجل: "ومن أظلم ممن ذهب يخلق كخلقي؟ فليخلقوا ذرة، فليخلقوا شعيرة" . ثم قال تعالى أيضا: {وإن يسلبهم الذباب شيئا لا يستنقذوه منه} أي: هم عاجزون عن خلق ذباب واحد، بل أبلغ من ذلك عاجزون عن مقاومته والانتصار منه، لو سلبها شيئا من الذي عليها من الطيب، ثم أرادت أن تستنقذه منه لما قدرت على ذلك. هذا والذباب من أضعف مخلوقات الله وأحقرها ولهذا [قال: {ضعف الطالب والمطلوب} ] . قال ابن عباس: الطالب: الصنم، والمطلوب: الذباب. واختاره ابن جرير، وهو ظاهر السياق. وقال السدي وغيره: الطالب: العابد، والمطلوب: الصنم. ثم قال: {ما قدروا الله حق قدره} أي: ما عرفوا قدر الله وعظمته حين عبدوا معه غيره، من هذه التي لا تقاوم الذباب لضعفها وعجزها، {إن الله لقوي عزيز} أي: هو القوي الذي بقدرته وقوته خلق كل شيء، {وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه} [الروم: 27] ، {إن بطش ربك لشديد. إنه هو يبدئ ويعيد} [البروج: 12، 13] ، {إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين} [الذاريات: 58] . وقوله: {عزيز} أي: قد عز كل شيء فقهره وغلبه، فلا يمانع ولا يغالب، لعظمته وسلطانه، وهو الواحد القهار. {الله يصطفي من الملائكة رسلا ومن الناس إن الله سميع بصير يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم وإلى الله ترجع الأمور } .
Section V05/P453–V05/P455İbn Kesîr — Tefsîrü'l-Kur'âni'l-Azîm (s. V05/P453–V05/P455)
Orijinal Metin (AR)يخبر تعالى أنه يختار من الملائكة رسلا فيما يشاء من شرعه وقدره، ومن الناس لإبلاغ رسالاته، {إن الله سميع بصير} أي: سميع لأقوال عباده، بصير بهم، عليم بمن يستحق ذلك منهم، كما قال: {الله أعلم حيث يجعل رسالته} [الأنعام: 124] . وقوله: {يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم وإلى الله ترجع الأمور} أي: يعلم ما يفعل برسله فيما أرسلهم به، فلا يخفى عليه من أمورهم شيء، كما قال: {عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا. إلا من ارتضى من رسول [فإنه يسلك من بين يديه ومن خلفه رصدا. ليعلم أن قد أبلغوا رسالات ربهم وأحاط بما لديهم] وأحصى كل شيء عددا} [الجن: 26 -28] ، فهو سبحانه رقيب عليهم، شهيد على ما يقال لهم، حافظ لهم، ناصر لجنابهم؛ {يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس} الآية [المائدة: 67] . {يا أيها الذين آمنوا اركعوا واسجدوا واعبدوا ربكم وافعلوا الخير لعلكم تفلحون وجاهدوا في الله حق جهاده هو اجتباكم وما جعل عليكم في الدين من حرج ملة أبيكم إبراهيم هو سماكم المسلمين من قبل وفي هذا ليكون الرسول شهيدا عليكم وتكونوا شهداء على الناس فأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة واعتصموا بالله هو مولاكم فنعم المولى ونعم النصير } . اختلف الأئمة، رحمهم الله، في هذه السجدة الثانية من سورة الحج: هل هي مشروع السجود فيها أم لا؟ على قولين. وقد قدمنا عند الأولى حديث عقبة بن عامر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "فضلت سورة الحج بسجدتين، فمن لم يسجدهما فلا يقرأهما". وقوله: {وجاهدوا في الله حق جهاده} أي: بأموالكم وألسنتكم وأنفسكم، كما قال تعالى: {اتقوا الله حق تقاته} [آل عمران: 102] . وقوله: {هو اجتباكم} أي: يا هذه الأمة، الله اصطفاكم واختاركم على سائر الأمم، وفضلكم وشرفكم وخصكم بأكرم رسول، وأكمل شرع. {وما جعل عليكم في الدين من حرج} أي: ما كلفكم ما لا تطيقون، وما ألزمكم بشيء فشق عليكم إلا جعل الله لكم فرجا ومخرجا، فالصلاة -التي هي أكبر أركان الإسلام بعد الشهادتين-تجب في الحضر أربعا وفي السفر تقصر إلى ثنتين، وفي الخوف يصليها بعض الأئمة ركعة، كما ورد به الحديث، وتصلى رجالا وركبانا، مستقبلي القبلة وغير مستقبليها. وكذا في النافلة في السفر إلى القبلة وغيرها، والقيام فيها يسقط بعذر المرض، فيصليها المريض جالسا، فإن لم يستطع فعلى جنبه، إلى غير ذلك من الرخص والتخفيفات، في سائر الفرائض والواجبات؛ ولهذا قال، عليه السلام : "بعثت بالحنيفية السمحة" وقال لمعاذ وأبي موسى، حين بعثهما أميرين إلى اليمن: "بشرا ولا تنفرا، ويسرا ولا تعسرا" . والأحاديث في هذا كثيرة؛ ولهذا قال ابن عباس في قوله: {وما جعل عليكم في الدين من حرج} يعني: من ضيق. وقوله: {ملة أبيكم إبراهيم} : قال ابن جرير: نصب على تقدير: {وما جعل عليكم في الدين من حرج} أي: من ضيق، بل وسعه عليكم كملة أبيكم إبراهيم. [قال: ويحتمل أنه منصوب على تقدير: الزموا ملة أبيكم إبراهيم] . قلت: وهذا المعنى في هذه الآية كقوله: {قل إنني هداني ربي إلى صراط مستقيم دينا قيما ملة إبراهيم حنيفا} الآية [الأنعام: 161] . وقوله: {هو سماكم المسلمين من قبل وفي هذا} قال الإمام عبد الله بن المبارك، عن ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس في قوله: {هو سماكم المسلمين من قبل} قال: الله عز وجل. وكذا قال مجاهد، وعطاء، والضحاك، والسدي، وقتادة، ومقاتل بن حيان. وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: {هو سماكم المسلمين من قبل} يعني: إبراهيم، وذلك لقوله: {ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا أمة مسلمة لك} [البقرة: 128] . قال ابن جرير: وهذا لا وجه له؛ لأنه من المعلوم أن إبراهيم لم يسم هذه الأمة في القرآن مسلمين، وقد قال الله تعالى: {هو سماكم المسلمين من قبل وفي هذا} قال مجاهد: الله سماكم المسلمين من قبل في الكتب المتقدمة وفي الذكر، {وفي هذا} يعني: القرآن. وكذا قال غيره.
Français Tercümesi (Ehl-i Sünnet)يخبر تعالى أنه يختار من الملائكة رسلا فيما يشاء من شرعه وقدره، ومن الناس لإبلاغ رسالاته، {إن الله سميع بصير} أي: سميع لأقوال عباده، بصير بهم، عليم بمن يستحق ذلك منهم، كما قال: {الله أعلم حيث يجعل رسالته} [الأنعام: 124] . وقوله: {يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم وإلى الله ترجع الأمور} أي: يعلم ما يفعل برسله فيما أرسلهم به، فلا يخفى عليه من أمورهم شيء، كما قال: {عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا. إلا من ارتضى من رسول [فإنه يسلك من بين يديه ومن خلفه رصدا. ليعلم أن قد أبلغوا رسالات ربهم وأحاط بما لديهم] وأحصى كل شيء عددا} [الجن: 26 -28] ، فهو سبحانه رقيب عليهم، شهيد على ما يقال لهم، حافظ لهم، ناصر لجنابهم؛ {يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس} الآية [المائدة: 67] . {يا أيها الذين آمنوا اركعوا واسجدوا واعبدوا ربكم وافعلوا الخير لعلكم تفلحون وجاهدوا في الله حق جهاده هو اجتباكم وما جعل عليكم في الدين من حرج ملة أبيكم إبراهيم هو سماكم المسلمين من قبل وفي هذا ليكون الرسول شهيدا عليكم وتكونوا شهداء على الناس فأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة واعتصموا بالله هو مولاكم فنعم المولى ونعم النصير } . اختلف الأئمة، رحمهم الله، في هذه السجدة الثانية من سورة الحج: هل هي مشروع السجود فيها أم لا؟ على قولين. وقد قدمنا عند الأولى حديث عقبة بن عامر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "فضلت سورة الحج بسجدتين، فمن لم يسجدهما فلا يقرأهما". وقوله: {وجاهدوا في الله حق جهاده} أي: بأموالكم وألسنتكم وأنفسكم، كما قال تعالى: {اتقوا الله حق تقاته} [آل عمران: 102] . وقوله: {هو اجتباكم} أي: يا هذه الأمة، الله اصطفاكم واختاركم على سائر الأمم، وفضلكم وشرفكم وخصكم بأكرم رسول، وأكمل شرع. {وما جعل عليكم في الدين من حرج} أي: ما كلفكم ما لا تطيقون، وما ألزمكم بشيء فشق عليكم إلا جعل الله لكم فرجا ومخرجا، فالصلاة -التي هي أكبر أركان الإسلام بعد الشهادتين-تجب في الحضر أربعا وفي السفر تقصر إلى ثنتين، وفي الخوف يصليها بعض الأئمة ركعة، كما ورد به الحديث، وتصلى رجالا وركبانا، مستقبلي القبلة وغير مستقبليها. وكذا في النافلة في السفر إلى القبلة وغيرها، والقيام فيها يسقط بعذر المرض، فيصليها المريض جالسا، فإن لم يستطع فعلى جنبه، إلى غير ذلك من الرخص والتخفيفات، في سائر الفرائض والواجبات؛ ولهذا قال، عليه السلام : "بعثت بالحنيفية السمحة" وقال لمعاذ وأبي موسى، حين بعثهما أميرين إلى اليمن: "بشرا ولا تنفرا، ويسرا ولا تعسرا" . والأحاديث في هذا كثيرة؛ ولهذا قال ابن عباس في قوله: {وما جعل عليكم في الدين من حرج} يعني: من ضيق. وقوله: {ملة أبيكم إبراهيم} : قال ابن جرير: نصب على تقدير: {وما جعل عليكم في الدين من حرج} أي: من ضيق، بل وسعه عليكم كملة أبيكم إبراهيم. [قال: ويحتمل أنه منصوب على تقدير: الزموا ملة أبيكم إبراهيم] . قلت: وهذا المعنى في هذه الآية كقوله: {قل إنني هداني ربي إلى صراط مستقيم دينا قيما ملة إبراهيم حنيفا} الآية [الأنعام: 161] . وقوله: {هو سماكم المسلمين من قبل وفي هذا} قال الإمام عبد الله بن المبارك، عن ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس في قوله: {هو سماكم المسلمين من قبل} قال: الله عز وجل. وكذا قال مجاهد، وعطاء، والضحاك، والسدي، وقتادة، ومقاتل بن حيان. وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: {هو سماكم المسلمين من قبل} يعني: إبراهيم، وذلك لقوله: {ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا أمة مسلمة لك} [البقرة: 128] . قال ابن جرير: وهذا لا وجه له؛ لأنه من المعلوم أن إبراهيم لم يسم هذه الأمة في القرآن مسلمين، وقد قال الله تعالى: {هو سماكم المسلمين من قبل وفي هذا} قال مجاهد: الله سماكم المسلمين من قبل في الكتب المتقدمة وفي الذكر، {وفي هذا} يعني: القرآن. وكذا قال غيره.
Section V05/P455–V05/P457İbn Kesîr — Tefsîrü'l-Kur'âni'l-Azîm (s. V05/P455–V05/P457)
Orijinal Metin (AR)قلت: وهذا هو الصواب؛ لأنه تعالى قال: {هو اجتباكم وما جعل عليكم في الدين من حرج} ، ثم حثهم وأغراهم على ما جاء به الرسول، صلوات الله وسلامه عليه، بأنه ملة أبيهم إبراهيم الخليل، ثم ذكر منته تعالى على هذه الأمة بما نوه به من ذكرها والثناء عليها في سالف الدهر وقديم الزمان، في كتب الأنبياء، يتلى على الأحبار والرهبان، فقال: {هو سماكم المسلمين من قبل} أي: من قبل هذا القرآن {وفي هذا} ، وقد قال النسائي عند تفسير هذه الآية: أنبأنا هشام بن عمار، حدثنا محمد بن شعيب، أنبأنا معاوية بن سلام أن أخاه زيد بن سلام أخبره، عن أبي سلام أنه أخبره قال: أخبرني الحارث الأشعري، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من دعا بدعوى الجاهلية فإنه من جثي جهنم". قال رجل: يا رسول الله، وإن صام وصلى؟ قال: "نعم، وإن صام وصلى، فادعوا بدعوة الله التي سماكم بها المسلمين المؤمنين عباد الله" . وقد قدمنا هذا الحديث بطوله عند تفسير قوله: {يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون} من سورة البقرة [الآية: 21] ؛ ولهذا قال: {ليكون الرسول شهيدا عليكم وتكونوا شهداء على الناس} أي: إنما جعلناكم هكذا أمة وسطا عدولا خيارا، مشهودا بعدالتكم عند جميع الأمم، لتكونوا يوم القيامة {شهداء على الناس} لأن جميع الأمم معترفة يومئذ بسيادتها وفضلها على كل أمة سواها؛ فلهذا تقبل شهادتهم عليهم يوم القيامة، في أن الرسل بلغتهم رسالة ربهم، والرسول يشهد على هذه الأمة أنه بلغها ذلك. وقد تقدم الكلام على هذا عند قوله: {وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا} [البقرة: 143] ، وذكرنا حديث نوح وأمته بما أغنى عن إعادته. وقوله: {فأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة} أي: قابلوا هذه النعمة العظيمة بالقيام بشكرها، وأدوا حق الله عليكم في أداء ما افترض، وطاعة ما أوجب، وترك ما حرم. ومن أهم ذلك إقام الصلاة وإيتاء الزكاة، وهو الإحسان إلى خلق الله، بما أوجب، للفقير على الغني، من إخراج جزء نزر من ماله في السنة للضعفاء والمحاويج، كما تقدم بيانه وتفصيله في آية الزكاة من سورة "التوبة" . وقوله: {واعتصموا بالله} أي: اعتضدوا بالله ، واستعينوا به، وتوكلوا عليه، وتأيدوا به، {هو مولاكم} أي: حافظكم وناصركم ومظفركم على أعدائكم، {فنعم المولى ونعم النصير} يعني: [نعم] الولي ونعم الناصر من الأعداء. قال وهيب بن الورد: يقول الله تعالى: ابن آدم، اذكرني إذا غضبت أذكرك إذا غضبت، فلا أمحقك فيمن أمحق، وإذا ظلمت فاصبر، وارض بنصرتي، فإن نصرتي لك خير من نصرتك لنفسك. رواه ابن أبي حاتم. والله تعالى أعلم وله الحمد والمنة، والثناء الحسن والنعمة، وأسأله التوفيق والعصمة، في سائر الأفعال والأقوال. هذا آخر تفسير سورة "الحج"، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم وشرف وكرم، ورضي الله تعالى عن الصحابة والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين . تفسير سورة المؤمنون مكية. بسم الله الرحمن الرحيم {قد أفلح المؤمنون الذين هم في صلاتهم خاشعون والذين هم عن اللغو معرضون والذين هم للزكاة فاعلون والذين هم لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون والذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون والذين هم على صلواتهم يحافظون أولئك هم الوارثون الذين يرثون الفردوس هم فيها خالدون } . قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، أخبرني يونس بن سليم قال: أملى علي يونس بن يزيد الأيلي، عن ابن شهاب، عن عروة بن الزبير، عن عبد الرحمن بن عبد القاري قال: سمعت عمر بن الخطاب يقول: كان إذا نزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم الوحي، يسمع عند وجهه كدوي النحل فمكثنا ساعة، فاستقبل القبلة ورفع يديه، فقال:"اللهم، زدنا ولا تنقصنا، وأكرمنا ولا تهنا، وأعطنا ولا تحرمنا، وآثرنا ولا تؤثر [علينا، وارض عنا] وأرضنا"، ثم قال: "لقد أنزلت علي عشر آيات، من أقامهن دخل الجنة"، ثم قرأ: {قد أفلح المؤمنون} حتى ختم العشر.
Français Tercümesi (Ehl-i Sünnet)قلت: وهذا هو الصواب؛ لأنه تعالى قال: {هو اجتباكم وما جعل عليكم في الدين من حرج} ، ثم حثهم وأغراهم على ما جاء به الرسول، صلوات الله وسلامه عليه، بأنه ملة أبيهم إبراهيم الخليل، ثم ذكر منته تعالى على هذه الأمة بما نوه به من ذكرها والثناء عليها في سالف الدهر وقديم الزمان، في كتب الأنبياء، يتلى على الأحبار والرهبان، فقال: {هو سماكم المسلمين من قبل} أي: من قبل هذا القرآن {وفي هذا} ، وقد قال النسائي عند تفسير هذه الآية: أنبأنا هشام بن عمار، حدثنا محمد بن شعيب، أنبأنا معاوية بن سلام أن أخاه زيد بن سلام أخبره، عن أبي سلام أنه أخبره قال: أخبرني الحارث الأشعري، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من دعا بدعوى الجاهلية فإنه من جثي جهنم". قال رجل: يا رسول الله، وإن صام وصلى؟ قال: "نعم، وإن صام وصلى، فادعوا بدعوة الله التي سماكم بها المسلمين المؤمنين عباد الله" . وقد قدمنا هذا الحديث بطوله عند تفسير قوله: {يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون} من سورة البقرة [الآية: 21] ؛ ولهذا قال: {ليكون الرسول شهيدا عليكم وتكونوا شهداء على الناس} أي: إنما جعلناكم هكذا أمة وسطا عدولا خيارا، مشهودا بعدالتكم عند جميع الأمم، لتكونوا يوم القيامة {شهداء على الناس} لأن جميع الأمم معترفة يومئذ بسيادتها وفضلها على كل أمة سواها؛ فلهذا تقبل شهادتهم عليهم يوم القيامة، في أن الرسل بلغتهم رسالة ربهم، والرسول يشهد على هذه الأمة أنه بلغها ذلك. وقد تقدم الكلام على هذا عند قوله: {وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا} [البقرة: 143] ، وذكرنا حديث نوح وأمته بما أغنى عن إعادته. وقوله: {فأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة} أي: قابلوا هذه النعمة العظيمة بالقيام بشكرها، وأدوا حق الله عليكم في أداء ما افترض، وطاعة ما أوجب، وترك ما حرم. ومن أهم ذلك إقام الصلاة وإيتاء الزكاة، وهو الإحسان إلى خلق الله، بما أوجب، للفقير على الغني، من إخراج جزء نزر من ماله في السنة للضعفاء والمحاويج، كما تقدم بيانه وتفصيله في آية الزكاة من سورة "التوبة" . وقوله: {واعتصموا بالله} أي: اعتضدوا بالله ، واستعينوا به، وتوكلوا عليه، وتأيدوا به، {هو مولاكم} أي: حافظكم وناصركم ومظفركم على أعدائكم، {فنعم المولى ونعم النصير} يعني: [نعم] الولي ونعم الناصر من الأعداء. قال وهيب بن الورد: يقول الله تعالى: ابن آدم، اذكرني إذا غضبت أذكرك إذا غضبت، فلا أمحقك فيمن أمحق، وإذا ظلمت فاصبر، وارض بنصرتي، فإن نصرتي لك خير من نصرتك لنفسك. رواه ابن أبي حاتم. والله تعالى أعلم وله الحمد والمنة، والثناء الحسن والنعمة، وأسأله التوفيق والعصمة، في سائر الأفعال والأقوال. هذا آخر تفسير سورة "الحج"، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم وشرف وكرم، ورضي الله تعالى عن الصحابة والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين . تفسير سورة المؤمنون مكية. بسم الله الرحمن الرحيم {قد أفلح المؤمنون الذين هم في صلاتهم خاشعون والذين هم عن اللغو معرضون والذين هم للزكاة فاعلون والذين هم لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون والذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون والذين هم على صلواتهم يحافظون أولئك هم الوارثون الذين يرثون الفردوس هم فيها خالدون } . قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، أخبرني يونس بن سليم قال: أملى علي يونس بن يزيد الأيلي، عن ابن شهاب، عن عروة بن الزبير، عن عبد الرحمن بن عبد القاري قال: سمعت عمر بن الخطاب يقول: كان إذا نزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم الوحي، يسمع عند وجهه كدوي النحل فمكثنا ساعة، فاستقبل القبلة ورفع يديه، فقال:"اللهم، زدنا ولا تنقصنا، وأكرمنا ولا تهنا، وأعطنا ولا تحرمنا، وآثرنا ولا تؤثر [علينا، وارض عنا] وأرضنا"، ثم قال: "لقد أنزلت علي عشر آيات، من أقامهن دخل الجنة"، ثم قرأ: {قد أفلح المؤمنون} حتى ختم العشر.
Section V05/P457–V05/P460İbn Kesîr — Tefsîrü'l-Kur'âni'l-Azîm (s. V05/P457–V05/P460)
Orijinal Metin (AR)وكذا روى الترمذي في تفسيره، والنسائي في الصلاة، من حديث عبد الرزاق، به . وقال الترمذي: منكر، لا نعرف أحدا رواه غير يونس بن سليم، ويونس لا نعرفه. وقال النسائي في تفسيره: أنبأنا قتيبة بن سعيد، حدثنا جعفر، عن أبي عمران عن يزيد بن بابنوس قال: قلنا لعائشة: يا أم المؤمنين، كيف كان خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قالت: كان خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم القرآن، فقرأت: {قد أفلح المؤمنون} حتى انتهت إلى: {والذين هم على صلواتهم يحافظون} ، قالت: هكذا كان خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقد روي عن كعب الأحبار، ومجاهد، وأبي العالية، وغيرهم: لما خلق الله جنة عدن، وغرسها بيده، نظر إليها وقال لها. تكلمي. فقالت: {قد أفلح المؤمنون} ، قال كعب الأحبار: لما أعد لهم فيها من الكرامة. وقال أبو العالية: فأنزل الله ذلك في كتابه. وقد روي ذلك عن أبي سعيد الخدري مرفوعا، فقال أبو بكر البزار: حدثنا محمد بن المثنى، حدثنا المغيرة بن سلمة، حدثنا وهيب، عن الجريري، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد قال: خلق الله الجنة، لبنة من ذهب ولبنة من فضة، وغرسها، وقال لها: تكلمي. فقالت: {قد أفلح المؤمنون} ، فدخلتها الملائكة فقالت: طوبى لك، منزل الملوك! . ثم قال : وحدثنا بشر بن آدم، وحدثنا يونس بن عبيد الله العمري، حدثنا عدي بن الفضل، حدثنا الجريري، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "خلق الله الجنة، لبنة من ذهب ولبنة من فضة، وملاطها المسك". قال أبو بكر: ورأيت في موضع آخر في هذا الحديث: "حائط الجنة، لبنة ذهب ولبنة فضة، وملاطها المسك. فقال لها: تكلمي. فقالت: {قد أفلح المؤمنون} فقالت الملائكة: طوبى لك، منزل الملوك! ". ثم قال البزار: لا نعلم أحدا رفعه إلا عدي بن الفضل، وليس هو بالحافظ، وهو شيخ متقدم الموت . وقال الحافظ أبو القاسم الطبراني: حدثنا أحمد بن علي، حدثنا هشام بن خالد، حدثنا بقية، عن ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "لما خلق الله جنة عدن، خلق فيها ما لا عين رأت، [ولا أذن سمعت] ، ولا خطر على قلب بشر. ثم قال لها: تكلمي. فقالت: {قد أفلح المؤمنون} . بقية: عن الحجازيين ضعيف. وقال الطبراني: حدثنا محمد بن عثمان بن أبي شيبة، حدثنا منجاب بن الحارث، حدثنا حماد ابن عيسى العبسي، عن إسماعيل السدي، عن أبي صالح، عن ابن عباس -يرفعه-: "لما خلق الله جنة عدن بيده، ودلى فيها ثمارها، وشق فيها أنهارها، ثم نظر إليها فقال: {قد أفلح المؤمنون} . قال: وعزتي لا يجاورني فيك بخيل" . وقال أبو بكر بن أبي الدنيا: حدثنا محمد بن المثنى البزار، حدثنا محمد بن زياد الكلبي، حدثنا يعيش بن حسين، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن أنس، رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "خلق الله جنة عدن بيده، لبنة من درة بيضاء، ولبنة من ياقوتة حمراء، ولبنة من زبرجدة خضراء، ملاطها المسك، وحصباؤها اللؤلؤ، وحشيشها الزعفران، ثم قال لها: انطقي. قالت: {قد أفلح المؤمنون} فقال الله: وعزتي، وجلالي لا يجاورني فيك بخيل". ثم تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم: {ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون} [الحشر: 9] فقوله تعالى: {قد أفلح المؤمنون} أي: قد فازوا وسعدوا وحصلوا على الفلاح، وهم المؤمنون المتصفون بهذه الأوصاف. {الذين هم في صلاتهم خاشعون} " قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: {خاشعون} : خائفون ساكنون. وكذا روي عن مجاهد، والحسن، وقتادة، والزهري . وعن علي بن أبي طالب، رضي الله عنه: الخشوع: خشوع القلب. وكذا قال إبراهيم النخعي. وقال الحسن البصري: كان خشوعهم في قلوبهم، فغضوا بذلك أبصارهم، وخفضوا الجناح.
Français Tercümesi (Ehl-i Sünnet)وكذا روى الترمذي في تفسيره، والنسائي في الصلاة، من حديث عبد الرزاق، به . وقال الترمذي: منكر، لا نعرف أحدا رواه غير يونس بن سليم، ويونس لا نعرفه. وقال النسائي في تفسيره: أنبأنا قتيبة بن سعيد، حدثنا جعفر، عن أبي عمران عن يزيد بن بابنوس قال: قلنا لعائشة: يا أم المؤمنين، كيف كان خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قالت: كان خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم القرآن، فقرأت: {قد أفلح المؤمنون} حتى انتهت إلى: {والذين هم على صلواتهم يحافظون} ، قالت: هكذا كان خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقد روي عن كعب الأحبار، ومجاهد، وأبي العالية، وغيرهم: لما خلق الله جنة عدن، وغرسها بيده، نظر إليها وقال لها. تكلمي. فقالت: {قد أفلح المؤمنون} ، قال كعب الأحبار: لما أعد لهم فيها من الكرامة. وقال أبو العالية: فأنزل الله ذلك في كتابه. وقد روي ذلك عن أبي سعيد الخدري مرفوعا، فقال أبو بكر البزار: حدثنا محمد بن المثنى، حدثنا المغيرة بن سلمة، حدثنا وهيب، عن الجريري، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد قال: خلق الله الجنة، لبنة من ذهب ولبنة من فضة، وغرسها، وقال لها: تكلمي. فقالت: {قد أفلح المؤمنون} ، فدخلتها الملائكة فقالت: طوبى لك، منزل الملوك! . ثم قال : وحدثنا بشر بن آدم، وحدثنا يونس بن عبيد الله العمري، حدثنا عدي بن الفضل، حدثنا الجريري، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "خلق الله الجنة، لبنة من ذهب ولبنة من فضة، وملاطها المسك". قال أبو بكر: ورأيت في موضع آخر في هذا الحديث: "حائط الجنة، لبنة ذهب ولبنة فضة، وملاطها المسك. فقال لها: تكلمي. فقالت: {قد أفلح المؤمنون} فقالت الملائكة: طوبى لك، منزل الملوك! ". ثم قال البزار: لا نعلم أحدا رفعه إلا عدي بن الفضل، وليس هو بالحافظ، وهو شيخ متقدم الموت . وقال الحافظ أبو القاسم الطبراني: حدثنا أحمد بن علي، حدثنا هشام بن خالد، حدثنا بقية، عن ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "لما خلق الله جنة عدن، خلق فيها ما لا عين رأت، [ولا أذن سمعت] ، ولا خطر على قلب بشر. ثم قال لها: تكلمي. فقالت: {قد أفلح المؤمنون} . بقية: عن الحجازيين ضعيف. وقال الطبراني: حدثنا محمد بن عثمان بن أبي شيبة، حدثنا منجاب بن الحارث، حدثنا حماد ابن عيسى العبسي، عن إسماعيل السدي، عن أبي صالح، عن ابن عباس -يرفعه-: "لما خلق الله جنة عدن بيده، ودلى فيها ثمارها، وشق فيها أنهارها، ثم نظر إليها فقال: {قد أفلح المؤمنون} . قال: وعزتي لا يجاورني فيك بخيل" . وقال أبو بكر بن أبي الدنيا: حدثنا محمد بن المثنى البزار، حدثنا محمد بن زياد الكلبي، حدثنا يعيش بن حسين، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن أنس، رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "خلق الله جنة عدن بيده، لبنة من درة بيضاء، ولبنة من ياقوتة حمراء، ولبنة من زبرجدة خضراء، ملاطها المسك، وحصباؤها اللؤلؤ، وحشيشها الزعفران، ثم قال لها: انطقي. قالت: {قد أفلح المؤمنون} فقال الله: وعزتي، وجلالي لا يجاورني فيك بخيل". ثم تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم: {ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون} [الحشر: 9] فقوله تعالى: {قد أفلح المؤمنون} أي: قد فازوا وسعدوا وحصلوا على الفلاح، وهم المؤمنون المتصفون بهذه الأوصاف. {الذين هم في صلاتهم خاشعون} " قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: {خاشعون} : خائفون ساكنون. وكذا روي عن مجاهد، والحسن، وقتادة، والزهري . وعن علي بن أبي طالب، رضي الله عنه: الخشوع: خشوع القلب. وكذا قال إبراهيم النخعي. وقال الحسن البصري: كان خشوعهم في قلوبهم، فغضوا بذلك أبصارهم، وخفضوا الجناح.
Section V05/P460–V05/P462İbn Kesîr — Tefsîrü'l-Kur'âni'l-Azîm (s. V05/P460–V05/P462)
Orijinal Metin (AR)وقال محمد بن سيرين: كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يرفعون أبصارهم إلى السماء في الصلاة، فلما نزلت هذه الآية: {قد أفلح المؤمنون. الذين هم في صلاتهم خاشعون} خفضوا أبصارهم إلى موضع سجودهم. [و] قال ابن سيرين: وكانوا يقولون: لا يجاوز بصره مصلاه، فإن كان قد اعتاد النظر فليغمض. رواه ابن جرير وابن أبي حاتم. ثم روى ابن جرير عنه، وعن عطاء بن أبي رباح أيضا مرسلا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يفعل ذلك، حتى نزلت هذه الآية. والخشوع في الصلاة إنما يحصل بمن فرغ قلبه لها، واشتغل بها عما عداها، وآثرها على غيرها، وحينئذ تكون راحة له وقرة عين، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم، في الحديث الذي رواه الإمام أحمد والنسائي، عن أنس، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "حبب إلي الطيب والنساء، وجعلت قرة عيني في الصلاة" . وقال الإمام أحمد: حدثنا وكيع، حدثنا مسعر، عن عمرو بن مرة، عن سالم بن أبي الجعد، عن رجل من أسلم، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "يا بلال، أرحنا بالصلاة" . وقال الإمام أحمد أيضا؛ حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، حدثنا إسرائيل، عن عثمان بن المغيرة، عن سالم ابن أبي الجعد، أن محمد بن الحنفية قال: دخلت مع أبي على صهر لنا من الأنصار، فحضرت الصلاة، فقال: يا جارية، ائتني بوضوء لعلي أصلي فأستريح. فرآنا أنكرنا عليه ذلك ، فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "قم يا بلال، فأرحنا بالصلاة" . وقال : {والذين هم عن اللغو معرضون} أي: عن الباطل، وهو يشمل: الشرك -كما قاله بعضهم-والمعاصي -كما قاله آخرون -وما لا فائدة فيه من الأقوال والأفعال، كما قال تعالى: {وإذا مروا باللغو مروا كراما} [الفرقان: 72] . قال قتادة: أتاهم والله من أمر الله ما وقذهم عن ذلك. وقوله: {والذين هم للزكاة فاعلون} : الأكثرون على أن المراد بالزكاة هاهنا زكاة الأموال، مع أن هذه [الآية] مكية، وإنما فرضت الزكاة بالمدينة في سنة اثنتين من الهجرة. والظاهر أن التي فرضت بالمدينة إنما هي ذات النصب والمقادير الخاصة، وإلا فالظاهر أن أصل الزكاة كان واجبا بمكة، كما قال تعالى في سورة الأنعام، وهي مكية: {وآتوا حقه يوم حصاده} [الأنعام: 141] . وقد يحتمل أن يكون المراد بالزكاة هاهنا: زكاة النفس من الشرك والدنس، كقوله: {قد أفلح من زكاها. وقد خاب من دساها} [الشمس: 9، 10] ، وكقوله: {وويل للمشركين. الذين لا يؤتون الزكاة} [فصلت: 6، 7] ، على أحد القولين في تفسيرها. وقد يحتمل أن يكون كلا الأمرين مرادا، وهو زكاة النفوس وزكاة الأموال؛ فإنه من جملة زكاة النفوس، والمؤمن الكامل هو الذي يتعاطى هذا وهذا، والله أعلم. وقوله: {والذين هم لفروجهم حافظون. إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون} أي: والذين قد حفظوا فروجهم من الحرام، فلا يقعون فيما نهاهم الله عنه من زنا أو لواط، ولا يقربون سوى أزواجهم التي أحلها الله لهم، وما ملكت أيمانهم من السراري، ومن تعاطى ما أحله الله له فلا لوم عليه ولا حرج؛ ولهذا قال: {فإنهم غير ملومين فمن ابتغى وراء ذلك} أي: غير الأزواج والإماء، {فأولئك هم العادون} أي: المعتدون. وقال ابن جرير: حدثنا محمد بن بشار، حدثنا عبد الأعلى، حدثنا سعيد، عن قتادة، أن امرأة اتخذت مملوكها، وقالت: تأولت آية من كتاب الله: {أو ما ملكت أيمانهم} [قال] : فأتي بها عمر ابن الخطاب، فقال له ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: تأولت آية من كتاب الله على غير وجهها. قال: فغرب العبد وجز رأسه: وقال: أنت بعده حرام على كل مسلم. هذا أثر غريب منقطع، ذكره ابن جرير في أول تفسير سورة المائدة ، وهو هاهنا أليق، وإنما حرمها على الرجال معاملة لها بنقيض قصدها، والله أعلم.
Français Tercümesi (Ehl-i Sünnet)وقال محمد بن سيرين: كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يرفعون أبصارهم إلى السماء في الصلاة، فلما نزلت هذه الآية: {قد أفلح المؤمنون. الذين هم في صلاتهم خاشعون} خفضوا أبصارهم إلى موضع سجودهم. [و] قال ابن سيرين: وكانوا يقولون: لا يجاوز بصره مصلاه، فإن كان قد اعتاد النظر فليغمض. رواه ابن جرير وابن أبي حاتم. ثم روى ابن جرير عنه، وعن عطاء بن أبي رباح أيضا مرسلا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يفعل ذلك، حتى نزلت هذه الآية. والخشوع في الصلاة إنما يحصل بمن فرغ قلبه لها، واشتغل بها عما عداها، وآثرها على غيرها، وحينئذ تكون راحة له وقرة عين، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم، في الحديث الذي رواه الإمام أحمد والنسائي، عن أنس، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "حبب إلي الطيب والنساء، وجعلت قرة عيني في الصلاة" . وقال الإمام أحمد: حدثنا وكيع، حدثنا مسعر، عن عمرو بن مرة، عن سالم بن أبي الجعد، عن رجل من أسلم، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "يا بلال، أرحنا بالصلاة" . وقال الإمام أحمد أيضا؛ حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، حدثنا إسرائيل، عن عثمان بن المغيرة، عن سالم ابن أبي الجعد، أن محمد بن الحنفية قال: دخلت مع أبي على صهر لنا من الأنصار، فحضرت الصلاة، فقال: يا جارية، ائتني بوضوء لعلي أصلي فأستريح. فرآنا أنكرنا عليه ذلك ، فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "قم يا بلال، فأرحنا بالصلاة" . وقال : {والذين هم عن اللغو معرضون} أي: عن الباطل، وهو يشمل: الشرك -كما قاله بعضهم-والمعاصي -كما قاله آخرون -وما لا فائدة فيه من الأقوال والأفعال، كما قال تعالى: {وإذا مروا باللغو مروا كراما} [الفرقان: 72] . قال قتادة: أتاهم والله من أمر الله ما وقذهم عن ذلك. وقوله: {والذين هم للزكاة فاعلون} : الأكثرون على أن المراد بالزكاة هاهنا زكاة الأموال، مع أن هذه [الآية] مكية، وإنما فرضت الزكاة بالمدينة في سنة اثنتين من الهجرة. والظاهر أن التي فرضت بالمدينة إنما هي ذات النصب والمقادير الخاصة، وإلا فالظاهر أن أصل الزكاة كان واجبا بمكة، كما قال تعالى في سورة الأنعام، وهي مكية: {وآتوا حقه يوم حصاده} [الأنعام: 141] . وقد يحتمل أن يكون المراد بالزكاة هاهنا: زكاة النفس من الشرك والدنس، كقوله: {قد أفلح من زكاها. وقد خاب من دساها} [الشمس: 9، 10] ، وكقوله: {وويل للمشركين. الذين لا يؤتون الزكاة} [فصلت: 6، 7] ، على أحد القولين في تفسيرها. وقد يحتمل أن يكون كلا الأمرين مرادا، وهو زكاة النفوس وزكاة الأموال؛ فإنه من جملة زكاة النفوس، والمؤمن الكامل هو الذي يتعاطى هذا وهذا، والله أعلم. وقوله: {والذين هم لفروجهم حافظون. إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون} أي: والذين قد حفظوا فروجهم من الحرام، فلا يقعون فيما نهاهم الله عنه من زنا أو لواط، ولا يقربون سوى أزواجهم التي أحلها الله لهم، وما ملكت أيمانهم من السراري، ومن تعاطى ما أحله الله له فلا لوم عليه ولا حرج؛ ولهذا قال: {فإنهم غير ملومين فمن ابتغى وراء ذلك} أي: غير الأزواج والإماء، {فأولئك هم العادون} أي: المعتدون. وقال ابن جرير: حدثنا محمد بن بشار، حدثنا عبد الأعلى، حدثنا سعيد، عن قتادة، أن امرأة اتخذت مملوكها، وقالت: تأولت آية من كتاب الله: {أو ما ملكت أيمانهم} [قال] : فأتي بها عمر ابن الخطاب، فقال له ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: تأولت آية من كتاب الله على غير وجهها. قال: فغرب العبد وجز رأسه: وقال: أنت بعده حرام على كل مسلم. هذا أثر غريب منقطع، ذكره ابن جرير في أول تفسير سورة المائدة ، وهو هاهنا أليق، وإنما حرمها على الرجال معاملة لها بنقيض قصدها، والله أعلم.
Section V05/P462–V05/P464İbn Kesîr — Tefsîrü'l-Kur'âni'l-Azîm (s. V05/P462–V05/P464)
Orijinal Metin (AR)وقد استدل الإمام الشافعي، رحمه الله، ومن وافقه على تحريم الاستمناء باليد بهذه الآية الكريمة {والذين هم لفروجهم حافظون. إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم} قال: فهذا الصنيع خارج عن هذين القسمين، وقد قال: {فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون} وقد استأنسوا بحديث رواه الإمام الحسن بن عرفة في جزئه المشهور حيث قال: حدثني علي بن ثابت الجزري، عن مسلمة بن جعفر، عن حسان بن حميد ، عن أنس بن مالك، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "سبعة لا ينظر الله إليهم يوم القيامة، ولا يزكيهم، ولا يجمعهم مع العاملين، ويدخلهم النار أول الداخلين، إلا أن يتوبوا، فمن تاب تاب الله عليه: ناكح يده ، والفاعل، والمفعول به، ومدمن الخمر، والضارب والديه حتى يستغيثا، والمؤذي جيرانه حتى يلعنوه، والناكح حليلة جاره" . هذا حديث غريب، وإسناده فيه من لا يعرف؛ لجهالته، والله أعلم. وقوله: {والذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون} أي: إذا اؤتمنوا لم يخونوا، بل يؤدونها إلى أهلها، وإذا عاهدوا أو عاقدوا أوفوا بذلك، لا كصفات المنافقين الذين قال فيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: "آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان". وقوله: {والذين هم على صلواتهم يحافظون} أي: يواظبون عليها في مواقيتها، كما قال ابن مسعود: سألت النبي صلى الله عليه وسلم فقلت: يا رسول الله، أي العمل أحب إلى الله؟ قال: "الصلاة على وقتها". قلت: ثم أي؟ قال: "بر الوالدين". قلت: ثم أي؟ قال: "الجهاد في سبيل الله". أخرجاه في الصحيحين . وفي مستدرك الحاكم قال: "الصلاة في أول وقتها" . وقال ابن مسعود، ومسروق في قوله: {والذين هم على صلواتهم يحافظون} يعني: مواقيت الصلاة. وكذا قال أبو الضحى، وعلقمة بن قيس، وسعيد بن جبير، وعكرمة. وقال قتادة: على مواقيتها وركوعها وسجودها. وقد افتتح الله ذكر هذه الصفات الحميدة بالصلاة، واختتمها بالصلاة، فدل على أفضليتها، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "استقيموا ولن تحصوا، واعلموا أن خير أعمالكم الصلاة، ولا يحافظ على الوضوء إلا مؤمن" . ولما وصفهم [الله] تعالى بالقيام بهذه الصفات الحميدة والأفعال الرشيدة قال: {أولئك هم الوارثون الذين يرثون الفردوس هم فيها خالدون} وثبت في الصحيحين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إذا سألتم الله الجنة فاسألوه الفردوس، فإنه أعلى الجنة وأوسط الجنة، ومنه تفجر أنهار الجنة، وفوقه عرش الرحمن" . وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن سنان، حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما منكم من أحد إلا وله منزلان: منزل في الجنة ومنزل في النار، فإن مات فدخل النار ورث أهل الجنة منزله، فذلك قوله: {أولئك هم الوارثون} . وقال ابن جريج، عن ليث، عن مجاهد: {أولئك هم الوارثون} قال: ما من عبد إلا وله منزلان: منزل في الجنة، ومنزل في النار، فأما المؤمن فيبنى بيته الذي في الجنة، ويهدم بيته الذي في النار ، وأما الكافر فيهدم بيته الذي في الجنة، ويبنى بيته الذي في النار. وروي عن سعيد بن جبير نحو ذلك. فالمؤمنون يرثون منازل الكفار؛ لأنهم [كلهم] خلقوا لعبادة الله تعالى ، فلما قام هؤلاء المؤمنون بما وجب عليهم من العبادة، وترك أولئك ما أمروا به مما خلقوا له -أحرز هؤلاء نصيب أولئك لو كانوا أطاعوا ربهم عز وجل، بل أبلغ من هذا أيضا، وهو ما ثبت في صحيح مسلم، عن أبي بردة ، عن أبيه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "يجيء يوم القيامة ناس من المسلمين بذنوب أمثال الجبال، فيغفرها الله لهم، ويضعها على اليهود والنصارى" .
Français Tercümesi (Ehl-i Sünnet)وقد استدل الإمام الشافعي، رحمه الله، ومن وافقه على تحريم الاستمناء باليد بهذه الآية الكريمة {والذين هم لفروجهم حافظون. إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم} قال: فهذا الصنيع خارج عن هذين القسمين، وقد قال: {فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون} وقد استأنسوا بحديث رواه الإمام الحسن بن عرفة في جزئه المشهور حيث قال: حدثني علي بن ثابت الجزري، عن مسلمة بن جعفر، عن حسان بن حميد ، عن أنس بن مالك، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "سبعة لا ينظر الله إليهم يوم القيامة، ولا يزكيهم، ولا يجمعهم مع العاملين، ويدخلهم النار أول الداخلين، إلا أن يتوبوا، فمن تاب تاب الله عليه: ناكح يده ، والفاعل، والمفعول به، ومدمن الخمر، والضارب والديه حتى يستغيثا، والمؤذي جيرانه حتى يلعنوه، والناكح حليلة جاره" . هذا حديث غريب، وإسناده فيه من لا يعرف؛ لجهالته، والله أعلم. وقوله: {والذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون} أي: إذا اؤتمنوا لم يخونوا، بل يؤدونها إلى أهلها، وإذا عاهدوا أو عاقدوا أوفوا بذلك، لا كصفات المنافقين الذين قال فيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: "آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان". وقوله: {والذين هم على صلواتهم يحافظون} أي: يواظبون عليها في مواقيتها، كما قال ابن مسعود: سألت النبي صلى الله عليه وسلم فقلت: يا رسول الله، أي العمل أحب إلى الله؟ قال: "الصلاة على وقتها". قلت: ثم أي؟ قال: "بر الوالدين". قلت: ثم أي؟ قال: "الجهاد في سبيل الله". أخرجاه في الصحيحين . وفي مستدرك الحاكم قال: "الصلاة في أول وقتها" . وقال ابن مسعود، ومسروق في قوله: {والذين هم على صلواتهم يحافظون} يعني: مواقيت الصلاة. وكذا قال أبو الضحى، وعلقمة بن قيس، وسعيد بن جبير، وعكرمة. وقال قتادة: على مواقيتها وركوعها وسجودها. وقد افتتح الله ذكر هذه الصفات الحميدة بالصلاة، واختتمها بالصلاة، فدل على أفضليتها، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "استقيموا ولن تحصوا، واعلموا أن خير أعمالكم الصلاة، ولا يحافظ على الوضوء إلا مؤمن" . ولما وصفهم [الله] تعالى بالقيام بهذه الصفات الحميدة والأفعال الرشيدة قال: {أولئك هم الوارثون الذين يرثون الفردوس هم فيها خالدون} وثبت في الصحيحين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إذا سألتم الله الجنة فاسألوه الفردوس، فإنه أعلى الجنة وأوسط الجنة، ومنه تفجر أنهار الجنة، وفوقه عرش الرحمن" . وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن سنان، حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما منكم من أحد إلا وله منزلان: منزل في الجنة ومنزل في النار، فإن مات فدخل النار ورث أهل الجنة منزله، فذلك قوله: {أولئك هم الوارثون} . وقال ابن جريج، عن ليث، عن مجاهد: {أولئك هم الوارثون} قال: ما من عبد إلا وله منزلان: منزل في الجنة، ومنزل في النار، فأما المؤمن فيبنى بيته الذي في الجنة، ويهدم بيته الذي في النار ، وأما الكافر فيهدم بيته الذي في الجنة، ويبنى بيته الذي في النار. وروي عن سعيد بن جبير نحو ذلك. فالمؤمنون يرثون منازل الكفار؛ لأنهم [كلهم] خلقوا لعبادة الله تعالى ، فلما قام هؤلاء المؤمنون بما وجب عليهم من العبادة، وترك أولئك ما أمروا به مما خلقوا له -أحرز هؤلاء نصيب أولئك لو كانوا أطاعوا ربهم عز وجل، بل أبلغ من هذا أيضا، وهو ما ثبت في صحيح مسلم، عن أبي بردة ، عن أبيه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "يجيء يوم القيامة ناس من المسلمين بذنوب أمثال الجبال، فيغفرها الله لهم، ويضعها على اليهود والنصارى" .
Section V05/P464–V05/P465İbn Kesîr — Tefsîrü'l-Kur'âni'l-Azîm (s. V05/P464–V05/P465)
Orijinal Metin (AR)وفي لفظ له: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا كان يوم القيامة دفع الله لكل مسلم يهوديا أو نصرانيا، فيقال : هذا فكاكك من النار". فاستحلف عمر بن عبد العزيز أبا بردة بالله الذي لا إله إلا هو، ثلاث مرات، أن أباه حدثه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: فحلف له . قلت: وهذه الآية كقوله تعالى: {تلك الجنة التي نورث من عبادنا من كان تقيا} [مريم: 63] ، وكقوله: {وتلك الجنة التي أورثتموها بما كنتم تعملون} [الزخرف: 73] . وقد قال مجاهد، وسعيد بن جبير: الجنة بالرومية هي الفردوس. وقال بعض السلف: لا يسمى البستان فردوسا إلا إذا كان فيه عنب، فالله أعلم . {ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين ثم جعلناه نطفة في قرار مكين ثم خلقنا النطفة علقة فخلقنا العلقة مضغة فخلقنا المضغة عظاما فكسونا العظام لحما ثم أنشأناه خلقا آخر فتبارك الله أحسن الخالقين ثم إنكم بعد ذلك لميتون ثم إنكم يوم القيامة تبعثون } . يقول تعالى مخبرا عن ابتداء خلق الإنسان من سلالة من طين، وهو آدم، عليه السلام، خلقه الله من صلصال من حمأ مسنون. وقال الأعمش، عن المنهال بن عمرو، عن أبي يحيى، عن ابن عباس: {من سلالة من طين} قال: صفوة الماء. وقال مجاهد: {من سلالة} أي: من مني آدم. قال ابن جرير: وإنما سمي آدم طينا لأنه مخلوق منه. وقال قتادة: استل آدم من الطين. وهذا أظهر في المعنى، وأقرب إلى السياق، فإن آدم، عليه السلام، خلق من طين لازب، وهو الصلصال من الحمأ المسنون، وذلك مخلوق من التراب، كما قال تعالى: {ومن آياته أن خلقكم من تراب ثم إذا أنتم بشر تنتشرون} [الروم: 20] . وقال الإمام أحمد: حدثنا يحيى بن سعيد، حدثنا عوف، حدثنا قسامة بن زهير، عن أبي موسى، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن الله خلق آدم من قبضة قبضها من جميع الأرض، فجاء بنو آدم على قدر الأرض، جاء منهم الأحمر والأسود والأبيض، وبين ذلك، والخبيث والطيب، وبين ذلك". وقد رواه أبو داود والترمذي، من طرق، عن عوف الأعرابي، به نحوه . وقال الترمذي: حسن صحيح. {ثم جعلناه نطفة} : هذا الضمير عائد على جنس الإنسان، كما قال في الآية الأخرى: {وبدأ خلق الإنسان من طين ثم جعل نسله من سلالة من ماء مهين} [السجدة: 7، 8] أي: ضعيف، كما قال: {ألم نخلقكم من ماء مهين. فجعلناه في قرار مكين} ، يعني: الرحم معد لذلك مهيأ له، {إلى قدر معلوم فقدرنا فنعم القادرون} [المرسلات: 22، 23] ، أي: [إلى] مدة معلومة وأجل معين حتى استحكم وتنقل من حال إلى حال، وصفة إلى صفة؛ ولهذا قال هاهنا: {ثم خلقنا النطفة علقة} أي: ثم صيرنا النطفة، وهي الماء الدافق الذي يخرج من صلب الرجل -وهو ظهره-وترائب المرأة-وهي عظام صدرها ما بين الترقوة إلى الثندوة-فصارت علقة حمراء على شكل العلقة مستطيلة. قال عكرمة: وهي دم. {فخلقنا العلقة مضغة} : وهي قطعة كالبضعة من اللحم، لا شكل فيها ولا تخطيط، {فخلقنا المضغة عظاما} يعني: شكلناها ذات رأس ويدين ورجلين بعظامها وعصبها وعروقها. وقرأ آخرون: {فخلقنا المضغة عظاما } . قال ابن عباس: وهو عظم الصلب. وفي الصحيح، من حديث أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كل جسد ابن آدم يبلى إلا عجب الذنب، منه خلق ومنه يركب" . {فكسونا العظام لحما} أي: وجعلنا على ذلك ما يستره ويشده ويقويه، {ثم أنشأناه خلقا آخر} أي: ثم نفخنا فيه الروح، فتحرك وصار {خلقا آخر} ذا سمع وبصر وإدراك وحركة واضطراب {فتبارك الله أحسن الخالقين}
Français Tercümesi (Ehl-i Sünnet)وفي لفظ له: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا كان يوم القيامة دفع الله لكل مسلم يهوديا أو نصرانيا، فيقال : هذا فكاكك من النار". فاستحلف عمر بن عبد العزيز أبا بردة بالله الذي لا إله إلا هو، ثلاث مرات، أن أباه حدثه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: فحلف له . قلت: وهذه الآية كقوله تعالى: {تلك الجنة التي نورث من عبادنا من كان تقيا} [مريم: 63] ، وكقوله: {وتلك الجنة التي أورثتموها بما كنتم تعملون} [الزخرف: 73] . وقد قال مجاهد، وسعيد بن جبير: الجنة بالرومية هي الفردوس. وقال بعض السلف: لا يسمى البستان فردوسا إلا إذا كان فيه عنب، فالله أعلم . {ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين ثم جعلناه نطفة في قرار مكين ثم خلقنا النطفة علقة فخلقنا العلقة مضغة فخلقنا المضغة عظاما فكسونا العظام لحما ثم أنشأناه خلقا آخر فتبارك الله أحسن الخالقين ثم إنكم بعد ذلك لميتون ثم إنكم يوم القيامة تبعثون } . يقول تعالى مخبرا عن ابتداء خلق الإنسان من سلالة من طين، وهو آدم، عليه السلام، خلقه الله من صلصال من حمأ مسنون. وقال الأعمش، عن المنهال بن عمرو، عن أبي يحيى، عن ابن عباس: {من سلالة من طين} قال: صفوة الماء. وقال مجاهد: {من سلالة} أي: من مني آدم. قال ابن جرير: وإنما سمي آدم طينا لأنه مخلوق منه. وقال قتادة: استل آدم من الطين. وهذا أظهر في المعنى، وأقرب إلى السياق، فإن آدم، عليه السلام، خلق من طين لازب، وهو الصلصال من الحمأ المسنون، وذلك مخلوق من التراب، كما قال تعالى: {ومن آياته أن خلقكم من تراب ثم إذا أنتم بشر تنتشرون} [الروم: 20] . وقال الإمام أحمد: حدثنا يحيى بن سعيد، حدثنا عوف، حدثنا قسامة بن زهير، عن أبي موسى، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن الله خلق آدم من قبضة قبضها من جميع الأرض، فجاء بنو آدم على قدر الأرض، جاء منهم الأحمر والأسود والأبيض، وبين ذلك، والخبيث والطيب، وبين ذلك". وقد رواه أبو داود والترمذي، من طرق، عن عوف الأعرابي، به نحوه . وقال الترمذي: حسن صحيح. {ثم جعلناه نطفة} : هذا الضمير عائد على جنس الإنسان، كما قال في الآية الأخرى: {وبدأ خلق الإنسان من طين ثم جعل نسله من سلالة من ماء مهين} [السجدة: 7، 8] أي: ضعيف، كما قال: {ألم نخلقكم من ماء مهين. فجعلناه في قرار مكين} ، يعني: الرحم معد لذلك مهيأ له، {إلى قدر معلوم فقدرنا فنعم القادرون} [المرسلات: 22، 23] ، أي: [إلى] مدة معلومة وأجل معين حتى استحكم وتنقل من حال إلى حال، وصفة إلى صفة؛ ولهذا قال هاهنا: {ثم خلقنا النطفة علقة} أي: ثم صيرنا النطفة، وهي الماء الدافق الذي يخرج من صلب الرجل -وهو ظهره-وترائب المرأة-وهي عظام صدرها ما بين الترقوة إلى الثندوة-فصارت علقة حمراء على شكل العلقة مستطيلة. قال عكرمة: وهي دم. {فخلقنا العلقة مضغة} : وهي قطعة كالبضعة من اللحم، لا شكل فيها ولا تخطيط، {فخلقنا المضغة عظاما} يعني: شكلناها ذات رأس ويدين ورجلين بعظامها وعصبها وعروقها. وقرأ آخرون: {فخلقنا المضغة عظاما } . قال ابن عباس: وهو عظم الصلب. وفي الصحيح، من حديث أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كل جسد ابن آدم يبلى إلا عجب الذنب، منه خلق ومنه يركب" . {فكسونا العظام لحما} أي: وجعلنا على ذلك ما يستره ويشده ويقويه، {ثم أنشأناه خلقا آخر} أي: ثم نفخنا فيه الروح، فتحرك وصار {خلقا آخر} ذا سمع وبصر وإدراك وحركة واضطراب {فتبارك الله أحسن الخالقين}