Qur'an&Sunnahالقرآن

İbn Kesîr - Tefsîrü'l-Kur'âni'l-Azîm

İbn Kesîr · AR

Section V06/P181–V06/P182İbn Kesîr — Tefsîrü'l-Kur'âni'l-Azîm (s. V06/P181–V06/P182)
Orijinal Metin (AR)

وقوله : {يا أيها الناس علمنا منطق الطير وأوتينا من كل شيء} ، أي: أخبر سليمان بنعم الله عليه، فيما وهبه له من الملك التام، والتمكين العظيم، حتى إنه سخر له الإنس والجن والطير. وكان يعرف لغة الطير والحيوان أيضا، وهذا شيء لم يعطه أحد من البشر -فيما علمناه -مما أخبر الله به ورسوله. ومن زعم من الجهلة والرعاع أن الحيوانات كانت تنطق كنطق بني آدم قبل سليمان بن داود -كما يتفوه به كثير من الناس -فهو قول بلا علم. ولو كان الأمر كذلك لم يكن لتخصيص سليمان بذلك فائدة؛ إذ كلهم يسمع كلام الطيور والبهائم، ويعرف ما تقول، فليس الأمر كما زعموا ولا كما قالوا، بل لم تزل البهائم والطيور وسائر المخلوقات من وقت خلقت إلى زماننا هذا على هذا الشكل والمنوال. ولكن الله، سبحانه وتعالى، كان قد أفهم سليمان، عليه السلام، ما يتخاطب به الطيور في الهواء، وما تنطق به الحيوانات على اختلاف أصنافها؛ ولهذا قال: {علمنا منطق الطير وأوتينا من كل شيء} أي: مما يحتاج إليه الملك، {إن هذا لهو الفضل المبين} أي: الظاهر البين لله علينا. قال الإمام أحمد: حدثنا قتيبة، حدثنا يعقوب بن عبد الرحمن، عن عمرو بن أبي عمرو، عن المطلب، عن أبي هريرة، رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "كان داود، عليه السلام، فيه غيرة شديدة، فكان إذا خرج أغلقت الأبواب، فلم يدخل على أهله أحد حتى يرجع". قال: "فخرج ذات يوم وأغلقت الأبواب، فأقبلت امرأته تطلع إلى الدار، فإذا رجل قائم وسط الدار، فقالت لمن في البيت: من أين دخل هذا الرجل، والدار مغلقة؟ والله لنفتضحن بداود، فجاء داود، عليه السلام، فإذا الرجل قائم وسط الدار، فقال له داود: من أنت؟ قال: الذي لا يهاب الملوك، ولا يمتنع من الحجاب. فقال داود: أنت والله إذا ملك الموت. مرحبا بأمر الله، فتزمل داود، عليه السلام، مكانه حتى قبضت نفسه، حتى فرغ من شأنه وطلعت عليه الشمس، فقال سليمان، عليه السلام، للطير: أظلي على داود، فأظلت عليه الطير حتى أظلمت عليهما الأرض، فقال لها سليمان: اقبضي جناحا جناحا" قال أبو هريرة: يا رسول الله، كيف فعلت الطير؟ فقبض رسول الله صلى الله عليه وسلم يده، وغلبت عليه يومئذ المضرحية . قال أبو الفرج بن الجوزي: المضرحية النسور الحمر. وقوله تعالى: {وحشر لسليمان جنوده من الجن والإنس والطير فهم يوزعون} أي: وجمع لسليمان جنوده من الجن والإنس والطير يعني: ركب فيهم في أبهة وعظمة كبيرة في الإنس، وكانوا هم الذين يلونه، والجن وهم بعدهم [يكونون] في المنزلة، والطير ومنزلتها فوق رأسه، فإن كان حرا أظلته منه بأجنحتها. وقوله: {فهم يوزعون} أي: يكف أولهم على آخرهم؛ لئلا يتقدم أحد عن منزلته التي هي مرتبة له. قال مجاهد: جعل على كل صنف وزعة، يردون أولاها على أخراها، لئلا يتقدموا في المسير، كما يفعل الملوك اليوم. وقوله: {حتى إذا أتوا على وادي النمل} أي: حتى إذا مر سليمان، عليه السلام، بمن معه من الجيوش والجنود على وادي النمل، {قالت نملة يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم لا يحطمنكم سليمان وجنوده وهم لا يشعرون} . أورد ابن عساكر، من طريق إسحاق بن بشر، عن سعيد، عن قتادة، عن الحسن: أن اسم هذه النملة حرس، وأنها من قبيلة يقال لهم: بنو الشيصان، وأنها كانت عرجاء، وكانت بقدر الذيب . أي: خافت على النمل أن تحطمها الخيول بحوافرها، فأمرتهم بالدخول إلى مساكنها ففهم ذلك سليمان، عليه السلام، منها . {فتبسم ضاحكا من قولها وقال رب أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي وعلى والدي وأن أعمل صالحا ترضاه} أي: ألهمني أن أشكر نعمتك التي مننت بها علي، من تعليمي منطق الطير والحيوان، وعلى والدي بالإسلام لك، والإيمان بك، {وأن أعمل صالحا ترضاه} أي: عملا تحبه وترضاه، {وأدخلني برحمتك في عبادك الصالحين} أي: إذا توفيتني فألحقني بالصالحين من عبادك، والرفيق الأعلى من أوليائك.

Français Tercümesi (Ehl-i Sünnet)

وقوله : {يا أيها الناس علمنا منطق الطير وأوتينا من كل شيء} ، أي: أخبر سليمان بنعم الله عليه، فيما وهبه له من الملك التام، والتمكين العظيم، حتى إنه سخر له الإنس والجن والطير. وكان يعرف لغة الطير والحيوان أيضا، وهذا شيء لم يعطه أحد من البشر -فيما علمناه -مما أخبر الله به ورسوله. ومن زعم من الجهلة والرعاع أن الحيوانات كانت تنطق كنطق بني آدم قبل سليمان بن داود -كما يتفوه به كثير من الناس -فهو قول بلا علم. ولو كان الأمر كذلك لم يكن لتخصيص سليمان بذلك فائدة؛ إذ كلهم يسمع كلام الطيور والبهائم، ويعرف ما تقول، فليس الأمر كما زعموا ولا كما قالوا، بل لم تزل البهائم والطيور وسائر المخلوقات من وقت خلقت إلى زماننا هذا على هذا الشكل والمنوال. ولكن الله، سبحانه وتعالى، كان قد أفهم سليمان، عليه السلام، ما يتخاطب به الطيور في الهواء، وما تنطق به الحيوانات على اختلاف أصنافها؛ ولهذا قال: {علمنا منطق الطير وأوتينا من كل شيء} أي: مما يحتاج إليه الملك، {إن هذا لهو الفضل المبين} أي: الظاهر البين لله علينا. قال الإمام أحمد: حدثنا قتيبة، حدثنا يعقوب بن عبد الرحمن، عن عمرو بن أبي عمرو، عن المطلب، عن أبي هريرة، رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "كان داود، عليه السلام، فيه غيرة شديدة، فكان إذا خرج أغلقت الأبواب، فلم يدخل على أهله أحد حتى يرجع". قال: "فخرج ذات يوم وأغلقت الأبواب، فأقبلت امرأته تطلع إلى الدار، فإذا رجل قائم وسط الدار، فقالت لمن في البيت: من أين دخل هذا الرجل، والدار مغلقة؟ والله لنفتضحن بداود، فجاء داود، عليه السلام، فإذا الرجل قائم وسط الدار، فقال له داود: من أنت؟ قال: الذي لا يهاب الملوك، ولا يمتنع من الحجاب. فقال داود: أنت والله إذا ملك الموت. مرحبا بأمر الله، فتزمل داود، عليه السلام، مكانه حتى قبضت نفسه، حتى فرغ من شأنه وطلعت عليه الشمس، فقال سليمان، عليه السلام، للطير: أظلي على داود، فأظلت عليه الطير حتى أظلمت عليهما الأرض، فقال لها سليمان: اقبضي جناحا جناحا" قال أبو هريرة: يا رسول الله، كيف فعلت الطير؟ فقبض رسول الله صلى الله عليه وسلم يده، وغلبت عليه يومئذ المضرحية . قال أبو الفرج بن الجوزي: المضرحية النسور الحمر. وقوله تعالى: {وحشر لسليمان جنوده من الجن والإنس والطير فهم يوزعون} أي: وجمع لسليمان جنوده من الجن والإنس والطير يعني: ركب فيهم في أبهة وعظمة كبيرة في الإنس، وكانوا هم الذين يلونه، والجن وهم بعدهم [يكونون] في المنزلة، والطير ومنزلتها فوق رأسه، فإن كان حرا أظلته منه بأجنحتها. وقوله: {فهم يوزعون} أي: يكف أولهم على آخرهم؛ لئلا يتقدم أحد عن منزلته التي هي مرتبة له. قال مجاهد: جعل على كل صنف وزعة، يردون أولاها على أخراها، لئلا يتقدموا في المسير، كما يفعل الملوك اليوم. وقوله: {حتى إذا أتوا على وادي النمل} أي: حتى إذا مر سليمان، عليه السلام، بمن معه من الجيوش والجنود على وادي النمل، {قالت نملة يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم لا يحطمنكم سليمان وجنوده وهم لا يشعرون} . أورد ابن عساكر، من طريق إسحاق بن بشر، عن سعيد، عن قتادة، عن الحسن: أن اسم هذه النملة حرس، وأنها من قبيلة يقال لهم: بنو الشيصان، وأنها كانت عرجاء، وكانت بقدر الذيب . أي: خافت على النمل أن تحطمها الخيول بحوافرها، فأمرتهم بالدخول إلى مساكنها ففهم ذلك سليمان، عليه السلام، منها . {فتبسم ضاحكا من قولها وقال رب أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي وعلى والدي وأن أعمل صالحا ترضاه} أي: ألهمني أن أشكر نعمتك التي مننت بها علي، من تعليمي منطق الطير والحيوان، وعلى والدي بالإسلام لك، والإيمان بك، {وأن أعمل صالحا ترضاه} أي: عملا تحبه وترضاه، {وأدخلني برحمتك في عبادك الصالحين} أي: إذا توفيتني فألحقني بالصالحين من عبادك، والرفيق الأعلى من أوليائك.

Section V06/P182–V06/P184İbn Kesîr — Tefsîrü'l-Kur'âni'l-Azîm (s. V06/P182–V06/P184)
Orijinal Metin (AR)

ومن قال من المفسرين: إن هذا الوادي كان بأرض الشام أو بغيره، وإن هذه النملة كانت ذات جناحين كالذباب، أو غير ذلك من الأقاويل، فلا حاصل لها. وعن نوف البكالي أنه قال: كان نمل سليمان أمثال الذئاب. هكذا رأيته مضبوطا بالياء المثناة من تحت. وإنما هو بالباء الموحدة، وذلك تصحيف، والله أعلم. والغرض أن سليمان، عليه السلام، فهم قولها، وتبسم ضاحكا من ذلك ، وهذا أمر عظيم جدا. وقد قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا محمد بن بشار، حدثنا يزيد بن هارون، أنبأنا مسعر، عن زيد العمي، عن أبي الصديق الناجي قال: خرج سليمان عليه السلام، يستسقي، فإذا هو بنملة مستلقية على ظهرها، رافعة قوائمها إلى السماء، وهي تقول: اللهم، إنا خلق من خلقك، ولا غنى بنا عن سقياك، وإلا تسقنا تهلكنا. فقال سليمان عليه السلام: ارجعوا فقد سقيتم بدعوة غيركم. وقد ثبت في الصحيح -عند مسلم -من طريق عبد الرزاق، عن معمر، عن همام، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم [قال] قرصت نبيا من الأنبياء نملة، فأمر بقرية النمل فأحرقت، فأوحى الله إليه، أفي أن قرصتك نملة أهلكت أمة من الأمم تسبح؟ فهلا نملة واحدة! " . {وتفقد الطير فقال ما لي لا أرى الهدهد أم كان من الغائبين لأعذبنه عذابا شديدا أو لأذبحنه أو ليأتيني بسلطان مبين } . قال مجاهد، وسعيد بن جبير، وغيرهما، عن ابن عباس وغيره: كان الهدهد مهندسا، يدل سليمان، عليه السلام، على الماء، إذا كان بأرض فلاة طلبه فنظر له الماء في تخوم الأرض، كما يرى الإنسان الشيء الظاهر على وجه الأرض، ويعرف كم مساحة بعده من وجه الأرض، فإذا دلهم عليه أمر سليمان، عليه السلام، الجان فحفروا له ذلك المكان، حتى يستنبط الماء من قراره، فنزل سليمان، عليه السلام [يوما] ، بفلاة من الأرض، فتفقد الطير ليرى الهدهد، فلم يره، {فقال ما لي لا أرى الهدهد أم كان من الغائبين} . حدث يوما عبد الله بن عباس بنحو هذا، وفي القوم رجل من الخوارج، يقال له: "نافع بن الأزرق"، وكان كثير الاعتراض على ابن عباس، فقال له: قف يا بن عباس، غلبت اليوم! قال: ولم؟ قال: إنك تخبر عن الهدهد أنه يرى الماء في تخوم الأرض، وإن الصبي ليضع له الحبة في الفخ، ويحثو على الفخ ترابا، فيجيء الهدهد ليأخذها فيقع في الفخ، فيصيده الصبي. فقال ابن عباس: لولا أن يذهب هذا فيقول: رددت على ابن عباس، لما أجبته. فقال له: ويحك! إنه إذا نزل القدر عمي البصر، وذهب الحذر. فقال له نافع: والله لا أجادلك في شيء من القرآن أبدا . وقد ذكر الحافظ ابن عساكر في ترجمة أبي عبد الله البرزي -من أهل "برزة" من غوطة دمشق، وكان من الصالحين يصوم [يوم] الاثنين والخميس، وكان أعور قد بلغ الثمانين -فروى ابن عساكر بسنده إلى أبي سليمان بن زيد: أنه سأله عن سبب عوره، فامتنع عليه، فألح عليه شهورا، فأخبره أن رجلين من أهل خراسان نزلا عنده جمعة في قرية برزة، وسألاه عن واد بها، فأريتهما إياه، فأخرجا مجامر وأوقدا فيها بخورا كثيرا، حتى عجعج الوادي بالدخان، فأخذا يعزمان والحيات تقبل من كل مكان إليهما، فلا يلتفتان إلى شيء منها، حتى أقبلت حية نحو الذراع، وعيناها توقدان مثل الدينار. فاستبشرا بها عظيما، وقالا الحمد لله الذي لم يخيب سفرنا من سنة، وكسرا المجامر، وأخذا الحية فأدخلا في عينها ميلا فاكتحلا به، فسألتهما أن يكحلاني، فأبيا، فألححت عليهما وقلت: لا بد من ذلك، وتوعدتهما بالدولة، فكحلا عيني الواحدة اليمنى، فحين وقع في عيني نظرت إلى الأرض تحتي مثل المرآة، أنظر ما تحتها كما تري المرآة، ثم قالا لي: سر معنا قليلا فسرت معهما وهما يحدثان، حتى إذا بعدت عن القرية، أخذاني فكتفاني، وأدخل أحدهما يده في عيني ففقأها، ورمى بها ومضيا. فلم أزل كذلك ملقى مكتوفا، حتى مر بي نفر ففك وثاقي. فهذا ما كان من خبر عيني .

Français Tercümesi (Ehl-i Sünnet)

ومن قال من المفسرين: إن هذا الوادي كان بأرض الشام أو بغيره، وإن هذه النملة كانت ذات جناحين كالذباب، أو غير ذلك من الأقاويل، فلا حاصل لها. وعن نوف البكالي أنه قال: كان نمل سليمان أمثال الذئاب. هكذا رأيته مضبوطا بالياء المثناة من تحت. وإنما هو بالباء الموحدة، وذلك تصحيف، والله أعلم. والغرض أن سليمان، عليه السلام، فهم قولها، وتبسم ضاحكا من ذلك ، وهذا أمر عظيم جدا. وقد قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا محمد بن بشار، حدثنا يزيد بن هارون، أنبأنا مسعر، عن زيد العمي، عن أبي الصديق الناجي قال: خرج سليمان عليه السلام، يستسقي، فإذا هو بنملة مستلقية على ظهرها، رافعة قوائمها إلى السماء، وهي تقول: اللهم، إنا خلق من خلقك، ولا غنى بنا عن سقياك، وإلا تسقنا تهلكنا. فقال سليمان عليه السلام: ارجعوا فقد سقيتم بدعوة غيركم. وقد ثبت في الصحيح -عند مسلم -من طريق عبد الرزاق، عن معمر، عن همام، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم [قال] قرصت نبيا من الأنبياء نملة، فأمر بقرية النمل فأحرقت، فأوحى الله إليه، أفي أن قرصتك نملة أهلكت أمة من الأمم تسبح؟ فهلا نملة واحدة! " . {وتفقد الطير فقال ما لي لا أرى الهدهد أم كان من الغائبين لأعذبنه عذابا شديدا أو لأذبحنه أو ليأتيني بسلطان مبين } . قال مجاهد، وسعيد بن جبير، وغيرهما، عن ابن عباس وغيره: كان الهدهد مهندسا، يدل سليمان، عليه السلام، على الماء، إذا كان بأرض فلاة طلبه فنظر له الماء في تخوم الأرض، كما يرى الإنسان الشيء الظاهر على وجه الأرض، ويعرف كم مساحة بعده من وجه الأرض، فإذا دلهم عليه أمر سليمان، عليه السلام، الجان فحفروا له ذلك المكان، حتى يستنبط الماء من قراره، فنزل سليمان، عليه السلام [يوما] ، بفلاة من الأرض، فتفقد الطير ليرى الهدهد، فلم يره، {فقال ما لي لا أرى الهدهد أم كان من الغائبين} . حدث يوما عبد الله بن عباس بنحو هذا، وفي القوم رجل من الخوارج، يقال له: "نافع بن الأزرق"، وكان كثير الاعتراض على ابن عباس، فقال له: قف يا بن عباس، غلبت اليوم! قال: ولم؟ قال: إنك تخبر عن الهدهد أنه يرى الماء في تخوم الأرض، وإن الصبي ليضع له الحبة في الفخ، ويحثو على الفخ ترابا، فيجيء الهدهد ليأخذها فيقع في الفخ، فيصيده الصبي. فقال ابن عباس: لولا أن يذهب هذا فيقول: رددت على ابن عباس، لما أجبته. فقال له: ويحك! إنه إذا نزل القدر عمي البصر، وذهب الحذر. فقال له نافع: والله لا أجادلك في شيء من القرآن أبدا . وقد ذكر الحافظ ابن عساكر في ترجمة أبي عبد الله البرزي -من أهل "برزة" من غوطة دمشق، وكان من الصالحين يصوم [يوم] الاثنين والخميس، وكان أعور قد بلغ الثمانين -فروى ابن عساكر بسنده إلى أبي سليمان بن زيد: أنه سأله عن سبب عوره، فامتنع عليه، فألح عليه شهورا، فأخبره أن رجلين من أهل خراسان نزلا عنده جمعة في قرية برزة، وسألاه عن واد بها، فأريتهما إياه، فأخرجا مجامر وأوقدا فيها بخورا كثيرا، حتى عجعج الوادي بالدخان، فأخذا يعزمان والحيات تقبل من كل مكان إليهما، فلا يلتفتان إلى شيء منها، حتى أقبلت حية نحو الذراع، وعيناها توقدان مثل الدينار. فاستبشرا بها عظيما، وقالا الحمد لله الذي لم يخيب سفرنا من سنة، وكسرا المجامر، وأخذا الحية فأدخلا في عينها ميلا فاكتحلا به، فسألتهما أن يكحلاني، فأبيا، فألححت عليهما وقلت: لا بد من ذلك، وتوعدتهما بالدولة، فكحلا عيني الواحدة اليمنى، فحين وقع في عيني نظرت إلى الأرض تحتي مثل المرآة، أنظر ما تحتها كما تري المرآة، ثم قالا لي: سر معنا قليلا فسرت معهما وهما يحدثان، حتى إذا بعدت عن القرية، أخذاني فكتفاني، وأدخل أحدهما يده في عيني ففقأها، ورمى بها ومضيا. فلم أزل كذلك ملقى مكتوفا، حتى مر بي نفر ففك وثاقي. فهذا ما كان من خبر عيني .

Section V06/P184–V06/P186İbn Kesîr — Tefsîrü'l-Kur'âni'l-Azîm (s. V06/P184–V06/P186)
Orijinal Metin (AR)

وقال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين، حدثنا هشام بن عمار، حدثنا صدقة بن عمرو الغساني، حدثنا عباد بن ميسرة المنقري، عن الحسن قال: اسم هدهد سليمان عليه السلام: عنبر. وقال محمد بن إسحاق: كان سليمان، عليه السلام، إذا غدا إلى مجلسه الذي كان يجلس فيه: تفقد الطير، وكان فيما يزعمون يأتيه نوب من كل صنف من الطير، كل يوم طائر، فنظر فرأى من أصناف الطير كلها من حضره إلا الهدهد، {فقال ما لي لا أرى الهدهد أم كان من الغائبين} أخطأه بصري من الطير، أم غاب فلم يحضر؟. وقوله: {لأعذبنه عذابا شديدا} : قال الأعمش، عن المنهال بن عمرو، عن سعيد، عن ابن عباس: يعني نتف ريشه. وقال عبد الله بن شداد: نتف ريشه وتشميسه. وكذا قال غير واحد من السلف: إنه نتف ريشه، وتركه ملقى يأكله الذر والنمل. وقوله: {أو لأذبحنه} يعني: قتله، {أو ليأتيني بسلطان مبين} أي: بعذر واضح بين. وقال سفيان بن عيينة، وعبد الله بن شداد: لما قدم الهدهد قال له الطير: ما خلفك، فقد نذر سليمان دمك! فقال: هل استثنى؟ فقالوا: نعم، قال: {لأعذبنه عذابا شديدا أو لأذبحنه أو ليأتيني بسلطان مبين} فقال: نجوت إذا. قال مجاهد: إنما دفع [الله] عنه ببره بأمه . {فمكث غير بعيد فقال أحطت بما لم تحط به وجئتك من سبإ بنبإ يقين } {إني وجدت امرأة تملكهم وأوتيت من كل شيء ولها عرش عظيم وجدتها وقومها يسجدون للشمس من دون الله وزين لهم الشيطان أعمالهم فصدهم عن السبيل فهم لا يهتدون ألا يسجدوا لله الذي يخرج الخبء في السموات والأرض ويعلم ما تخفون وما تعلنون الله لا إله إلا هو رب العرش العظيم } يقول تعالى: {فمكث} الهدهد {غير بعيد} أي: غاب زمانا يسيرا، ثم جاء فقال لسليمان: {أحطت بما لم تحط به} أي: اطلعت على ما لم تطلع عليه أنت ولا جنودك، {وجئتك من سبإ بنبإ يقين} أي: بخبر صدق حق يقين. وسبأ: هم: حمير، وهم ملوك اليمن. ثم قال: {إني وجدت امرأة تملكهم} ، قال الحسن البصري: وهي بلقيس بنت شراحيل ملكة سبأ. وقال قتادة: كانت أمها جنية، وكان مؤخر قدميها مثل حافر الدابة، من بيت مملكة. وقال زهير بن محمد: وهي بلقيس بنت شراحيل بن مالك بن الريان، وأمها فارعة الجنية. وقال ابن جريج: بلقيس بنت ذي شرخ، وأمها يلتقة. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين، حدثنا مسدد، حدثنا سفيان -يعني ابن عيينة -عن عطاء بن السائب، عن مجاهد، عن ابن عباس قال: كان مع صاحبة سليمان ألف قيل، تحت كل قيل مائة ألف [مقاتل] . وقال الأعمش، عن مجاهد: كان تحت يدي ملكة سبأ اثنا عشر ألف قيل، تحت كل قيل: مائة ألف مقاتل. وقال عبد الرزاق: أنبأنا معمر، عن قتادة في قوله: {إني وجدت امرأة تملكهم} : كانت من بيت مملكة، وكان أولو مشورتها ثلاثمائة واثني عشر رجلا كل رجل منهم على عشرة آلاف رجل. وكانت بأرض يقال لها مأرب، على ثلاثة أميال من صنعاء. وهذا القول هو أقرب، على أنه كثير على مملكة اليمن، والله أعلم. وقوله: {وأوتيت من كل شيء} أي: من متاع الدنيا ما يحتاج إليه الملك المتمكن، {ولها عرش عظيم} يعني: سرير تجلس عليه عظيم هائل مزخرف بالذهب، وأنواع الجواهر واللآلئ. قال زهير بن محمد: كان من ذهب صفحتاه، مرمول بالياقوت والزبرجد. [طوله ثمانون ذراعا، وعرضه أربعون ذراعا. وقال محمد بن إسحاق: كان من ذهب مفصص بالياقوت والزبرجد] واللؤلؤ، وكان إنما يخدمها النساء، لها ستمائة امرأة تلي الخدمة . قال علماء التاريخ: وكان هذا السرير في قصر عظيم مشيد رفيع البناء محكم، كان فيه ثلاثمائة وستون طاقة من شرقه ومثلها من غربه ، قد وضع بناؤه على أن تدخل الشمس كل يوم من طاقة، وتغرب من مقابلتها، فيسجدون لها صباحا ومساء؛ ولهذا قال: {وجدتها وقومها يسجدون للشمس من دون الله وزين لهم الشيطان أعمالهم فصدهم عن السبيل} أي: عن طريق الحق، {فهم لا يهتدون} .

Français Tercümesi (Ehl-i Sünnet)

وقال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين، حدثنا هشام بن عمار، حدثنا صدقة بن عمرو الغساني، حدثنا عباد بن ميسرة المنقري، عن الحسن قال: اسم هدهد سليمان عليه السلام: عنبر. وقال محمد بن إسحاق: كان سليمان، عليه السلام، إذا غدا إلى مجلسه الذي كان يجلس فيه: تفقد الطير، وكان فيما يزعمون يأتيه نوب من كل صنف من الطير، كل يوم طائر، فنظر فرأى من أصناف الطير كلها من حضره إلا الهدهد، {فقال ما لي لا أرى الهدهد أم كان من الغائبين} أخطأه بصري من الطير، أم غاب فلم يحضر؟. وقوله: {لأعذبنه عذابا شديدا} : قال الأعمش، عن المنهال بن عمرو، عن سعيد، عن ابن عباس: يعني نتف ريشه. وقال عبد الله بن شداد: نتف ريشه وتشميسه. وكذا قال غير واحد من السلف: إنه نتف ريشه، وتركه ملقى يأكله الذر والنمل. وقوله: {أو لأذبحنه} يعني: قتله، {أو ليأتيني بسلطان مبين} أي: بعذر واضح بين. وقال سفيان بن عيينة، وعبد الله بن شداد: لما قدم الهدهد قال له الطير: ما خلفك، فقد نذر سليمان دمك! فقال: هل استثنى؟ فقالوا: نعم، قال: {لأعذبنه عذابا شديدا أو لأذبحنه أو ليأتيني بسلطان مبين} فقال: نجوت إذا. قال مجاهد: إنما دفع [الله] عنه ببره بأمه . {فمكث غير بعيد فقال أحطت بما لم تحط به وجئتك من سبإ بنبإ يقين } {إني وجدت امرأة تملكهم وأوتيت من كل شيء ولها عرش عظيم وجدتها وقومها يسجدون للشمس من دون الله وزين لهم الشيطان أعمالهم فصدهم عن السبيل فهم لا يهتدون ألا يسجدوا لله الذي يخرج الخبء في السموات والأرض ويعلم ما تخفون وما تعلنون الله لا إله إلا هو رب العرش العظيم } يقول تعالى: {فمكث} الهدهد {غير بعيد} أي: غاب زمانا يسيرا، ثم جاء فقال لسليمان: {أحطت بما لم تحط به} أي: اطلعت على ما لم تطلع عليه أنت ولا جنودك، {وجئتك من سبإ بنبإ يقين} أي: بخبر صدق حق يقين. وسبأ: هم: حمير، وهم ملوك اليمن. ثم قال: {إني وجدت امرأة تملكهم} ، قال الحسن البصري: وهي بلقيس بنت شراحيل ملكة سبأ. وقال قتادة: كانت أمها جنية، وكان مؤخر قدميها مثل حافر الدابة، من بيت مملكة. وقال زهير بن محمد: وهي بلقيس بنت شراحيل بن مالك بن الريان، وأمها فارعة الجنية. وقال ابن جريج: بلقيس بنت ذي شرخ، وأمها يلتقة. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين، حدثنا مسدد، حدثنا سفيان -يعني ابن عيينة -عن عطاء بن السائب، عن مجاهد، عن ابن عباس قال: كان مع صاحبة سليمان ألف قيل، تحت كل قيل مائة ألف [مقاتل] . وقال الأعمش، عن مجاهد: كان تحت يدي ملكة سبأ اثنا عشر ألف قيل، تحت كل قيل: مائة ألف مقاتل. وقال عبد الرزاق: أنبأنا معمر، عن قتادة في قوله: {إني وجدت امرأة تملكهم} : كانت من بيت مملكة، وكان أولو مشورتها ثلاثمائة واثني عشر رجلا كل رجل منهم على عشرة آلاف رجل. وكانت بأرض يقال لها مأرب، على ثلاثة أميال من صنعاء. وهذا القول هو أقرب، على أنه كثير على مملكة اليمن، والله أعلم. وقوله: {وأوتيت من كل شيء} أي: من متاع الدنيا ما يحتاج إليه الملك المتمكن، {ولها عرش عظيم} يعني: سرير تجلس عليه عظيم هائل مزخرف بالذهب، وأنواع الجواهر واللآلئ. قال زهير بن محمد: كان من ذهب صفحتاه، مرمول بالياقوت والزبرجد. [طوله ثمانون ذراعا، وعرضه أربعون ذراعا. وقال محمد بن إسحاق: كان من ذهب مفصص بالياقوت والزبرجد] واللؤلؤ، وكان إنما يخدمها النساء، لها ستمائة امرأة تلي الخدمة . قال علماء التاريخ: وكان هذا السرير في قصر عظيم مشيد رفيع البناء محكم، كان فيه ثلاثمائة وستون طاقة من شرقه ومثلها من غربه ، قد وضع بناؤه على أن تدخل الشمس كل يوم من طاقة، وتغرب من مقابلتها، فيسجدون لها صباحا ومساء؛ ولهذا قال: {وجدتها وقومها يسجدون للشمس من دون الله وزين لهم الشيطان أعمالهم فصدهم عن السبيل} أي: عن طريق الحق، {فهم لا يهتدون} .

Section V06/P186–V06/P187İbn Kesîr — Tefsîrü'l-Kur'âni'l-Azîm (s. V06/P186–V06/P187)
Orijinal Metin (AR)

وقوله: {ألا يسجدوا لله} [معناه: {وزين لهم الشيطان أعمالهم فصدهم عن السبيل فهم لا يهتدون ألا يسجدوا لله} ] أي: لا يعرفون سبيل الحق التي هي إخلاص السجود لله وحده دون ما خلق من شيء من الكواكب وغيرها، كما قال تعالى: {ومن آياته الليل والنهار والشمس والقمر لا تسجدوا للشمس ولا للقمر واسجدوا لله الذي خلقهن إن كنتم إياه تعبدون} [فصلت: 37] . وقرأ بعض القراء: "ألا يا اسجدوا لله" جعلها "ألا" الاستفتاحية، و"يا" للنداء، وحذف المنادى، تقديره عنده: "ألا يا قوم، اسجدوا لله". وقوله: {الذي يخرج الخبء في السموات والأرض} : قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: يعلم كل خبيئة في السماء والأرض. وكذا قال عكرمة، ومجاهد، وسعيد بن جبير، وقتادة، وغير واحد. وقال سعيد بن المسيب: الخبء: الماء. وكذا قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: خبء السموات والأرض: ما جعل فيها من الأرزاق: المطر من السماء، والنبات من الأرض. وهذا مناسب من كلام الهدهد، الذي جعل الله فيه من الخاصية ما ذكره ابن عباس وغيره، من أنه يرى الماء يجري في تخوم الأرض ودواخلها. وقوله: {ويعلم ما تخفون وما تعلنون} أي: يعلم ما يخفيه العباد، وما يعلنونه من الأقوال والأفعال. وهذا كقوله تعالى: {سواء منكم من أسر القول ومن جهر به ومن هو مستخف بالليل وسارب بالنهار} [الرعد: 10] . وقوله: {الله لا إله إلا هو رب العرش العظيم} أي: هو المدعو الله، وهو الذي لا إله إلا هو رب العرش العظيم، الذي ليس في المخلوقات أعظم منه. ولما كان الهدهد داعيا إلى الخير، وعبادة الله وحده والسجود له، نهي عن قتله، كما رواه الإمام أحمد وأبو داود وابن ماجه، عن أبي هريرة، رضي الله عنه، قال: نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن قتل أربع من الدواب: النملة والنحلة والهدهد والصرد. وإسناده صحيح . {قال سننظر أصدقت أم كنت من الكاذبين اذهب بكتابي هذا فألقه إليهم ثم تول عنهم فانظر ماذا يرجعون قالت يا أيها الملأ إني ألقي إلي كتاب كريم إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم ألا تعلوا علي وأتوني مسلمين } . يخبر تعالى عن قيل سليمان، عليه السلام، للهدهد حين أخبره عن أهل سبأ وملكتهم: {قال سننظر أصدقت أم كنت من الكاذبين} أي: أصدقت في إخبارك هذا، {أم كنت من الكاذبين} في مقالتك، فتتخلص من الوعيد الذي أوعدتك؟. {اذهب بكتابي هذا فألقه إليهم ثم تول عنهم فانظر ماذا يرجعون} : وذلك أن سليمان، عليه السلام، كتب كتابا إلى بلقيس وقومها. وأعطاه لذلك الهدهد فحمله، قيل: في جناحه كما هي عادة الطير، وقيل: بمنقاره. وذهب إلى بلادهم فجاء إلى قصر بلقيس، إلى الخلوة التي كانت تختلي فيها بنفسها، فألقاه إليها من كوة هنالك بين يديها، ثم تولى ناحية أدبا ورياسة، فتحيرت مما رأت، وهالها ذلك، ثم عمدت إلى الكتاب فأخذته، ففتحت ختمه وقرأته، فإذا فيه: {إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم ألا تعلوا علي وأتوني مسلمين} فجمعت عند ذلك أمراءها ووزراءها وكبراء دولتها ومملكتها، ثم قالت لهم: {يا أيها الملأ إني ألقي إلي كتاب كريم} تعني بكرمه: ما رأته من عجيب أمره، كون طائر أتى به فألقاه إليها، ثم تولى عنها أدبا. وهذا أمر لا يقدر عليه أحد من الملوك، ولا سبيل لهم إلى ذلك، ثم قرأته عليهم. {إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم ألا تعلوا علي وأتوني مسلمين} .فعرفوا أنه من نبي الله سليمان، وأنه لا قبل لهم به. وهذا الكتاب في غاية البلاغة والوجازة والفصاحة، فإنه حصل المعنى بأيسر عبارة وأحسنها، قال العلماء: ولم يكتب أحد {بسم الله الرحمن الرحيم} قبل سليمان، عليه السلام.

Français Tercümesi (Ehl-i Sünnet)

وقوله: {ألا يسجدوا لله} [معناه: {وزين لهم الشيطان أعمالهم فصدهم عن السبيل فهم لا يهتدون ألا يسجدوا لله} ] أي: لا يعرفون سبيل الحق التي هي إخلاص السجود لله وحده دون ما خلق من شيء من الكواكب وغيرها، كما قال تعالى: {ومن آياته الليل والنهار والشمس والقمر لا تسجدوا للشمس ولا للقمر واسجدوا لله الذي خلقهن إن كنتم إياه تعبدون} [فصلت: 37] . وقرأ بعض القراء: "ألا يا اسجدوا لله" جعلها "ألا" الاستفتاحية، و"يا" للنداء، وحذف المنادى، تقديره عنده: "ألا يا قوم، اسجدوا لله". وقوله: {الذي يخرج الخبء في السموات والأرض} : قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: يعلم كل خبيئة في السماء والأرض. وكذا قال عكرمة، ومجاهد، وسعيد بن جبير، وقتادة، وغير واحد. وقال سعيد بن المسيب: الخبء: الماء. وكذا قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: خبء السموات والأرض: ما جعل فيها من الأرزاق: المطر من السماء، والنبات من الأرض. وهذا مناسب من كلام الهدهد، الذي جعل الله فيه من الخاصية ما ذكره ابن عباس وغيره، من أنه يرى الماء يجري في تخوم الأرض ودواخلها. وقوله: {ويعلم ما تخفون وما تعلنون} أي: يعلم ما يخفيه العباد، وما يعلنونه من الأقوال والأفعال. وهذا كقوله تعالى: {سواء منكم من أسر القول ومن جهر به ومن هو مستخف بالليل وسارب بالنهار} [الرعد: 10] . وقوله: {الله لا إله إلا هو رب العرش العظيم} أي: هو المدعو الله، وهو الذي لا إله إلا هو رب العرش العظيم، الذي ليس في المخلوقات أعظم منه. ولما كان الهدهد داعيا إلى الخير، وعبادة الله وحده والسجود له، نهي عن قتله، كما رواه الإمام أحمد وأبو داود وابن ماجه، عن أبي هريرة، رضي الله عنه، قال: نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن قتل أربع من الدواب: النملة والنحلة والهدهد والصرد. وإسناده صحيح . {قال سننظر أصدقت أم كنت من الكاذبين اذهب بكتابي هذا فألقه إليهم ثم تول عنهم فانظر ماذا يرجعون قالت يا أيها الملأ إني ألقي إلي كتاب كريم إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم ألا تعلوا علي وأتوني مسلمين } . يخبر تعالى عن قيل سليمان، عليه السلام، للهدهد حين أخبره عن أهل سبأ وملكتهم: {قال سننظر أصدقت أم كنت من الكاذبين} أي: أصدقت في إخبارك هذا، {أم كنت من الكاذبين} في مقالتك، فتتخلص من الوعيد الذي أوعدتك؟. {اذهب بكتابي هذا فألقه إليهم ثم تول عنهم فانظر ماذا يرجعون} : وذلك أن سليمان، عليه السلام، كتب كتابا إلى بلقيس وقومها. وأعطاه لذلك الهدهد فحمله، قيل: في جناحه كما هي عادة الطير، وقيل: بمنقاره. وذهب إلى بلادهم فجاء إلى قصر بلقيس، إلى الخلوة التي كانت تختلي فيها بنفسها، فألقاه إليها من كوة هنالك بين يديها، ثم تولى ناحية أدبا ورياسة، فتحيرت مما رأت، وهالها ذلك، ثم عمدت إلى الكتاب فأخذته، ففتحت ختمه وقرأته، فإذا فيه: {إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم ألا تعلوا علي وأتوني مسلمين} فجمعت عند ذلك أمراءها ووزراءها وكبراء دولتها ومملكتها، ثم قالت لهم: {يا أيها الملأ إني ألقي إلي كتاب كريم} تعني بكرمه: ما رأته من عجيب أمره، كون طائر أتى به فألقاه إليها، ثم تولى عنها أدبا. وهذا أمر لا يقدر عليه أحد من الملوك، ولا سبيل لهم إلى ذلك، ثم قرأته عليهم. {إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم ألا تعلوا علي وأتوني مسلمين} .فعرفوا أنه من نبي الله سليمان، وأنه لا قبل لهم به. وهذا الكتاب في غاية البلاغة والوجازة والفصاحة، فإنه حصل المعنى بأيسر عبارة وأحسنها، قال العلماء: ولم يكتب أحد {بسم الله الرحمن الرحيم} قبل سليمان، عليه السلام.

Section V06/P187–V06/P189İbn Kesîr — Tefsîrü'l-Kur'âni'l-Azîm (s. V06/P187–V06/P189)
Orijinal Metin (AR)

وقد روى ابن أبي حاتم في ذلك حديثا في تفسيره، حيث قال: حدثنا أبي، حدثنا هارون بن الفضل أبو يعلى الحناط ، حدثنا أبو يوسف، عن سلمة بن صالح، [عن عبد الكريم] أبي أمية، عن ابن بريدة، عن أبيه قال: كنت أمشي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "إني أعلم آية لم تنزل على نبي قبلي بعد سليمان بن داود" قال: قلت: يا رسول الله، أي آية؟ قال: "سأعلمكها قبل أن أخرج من المسجد". قال: فانتهى إلى الباب، فأخرج إحدى قدميه، فقلت: نسي، ثم التفت إلي وقال {إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم} . هذا حديث غريب، وإسناده ضعيف. وقال ميمون بن مهران: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكتب: باسمك اللهم، حتى نزلت هذه الآية، فكتب: {بسم الله الرحمن الرحيم} . وقوله: {ألا تعلوا علي} : يقول قتادة: لا تجيروا علي {وأتوني مسلمين} . وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: لا تمتنعوا ولا تتكبروا علي. {وأتوني مسلمين} : قال ابن عباس: موحدين. وقال غيره: مخلصين. وقال سفيان بن عيينة: طائعين. {قالت يا أيها الملأ أفتوني في أمري ما كنت قاطعة أمرا حتى تشهدون قالوا نحن أولو قوة وأولو بأس شديد والأمر إليك فانظري ماذا تأمرين قالت إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها وجعلوا أعزة أهلها أذلة وكذلك يفعلون وإني مرسلة إليهم بهدية فناظرة بم يرجع المرسلون } . لما قرأت عليهم كتاب سليمان استشارتهم في أمرها، وما قد نزل بها؛ ولهذا قالت: {يا أيها الملأ أفتوني في أمري ما كنت قاطعة أمرا حتى تشهدون} أي: حتى تحضرون وتشيرون. {قالوا نحن أولو قوة وأولو بأس شديد} أي: منوا إليها بعددهم وعددهم وقوتهم، ثم فوضوا إليها بعد ذلك الأمر فقالوا: {والأمر إليك فانظري ماذا تأمرين} أي: نحن ليس لنا عاقة [ولا بنا بأس، إن شئت أن تقصديه وتحاربيه، فما لنا عاقة] عنه. وبعد هذا فالأمر إليك، مري فينا برأيك نمتثله ونطيعه. قال الحسن البصري، رحمه الله: فوضوا أمرهم إلى علجة تضطرب ثدياها، فلما قالوا لها ما قالوا، كانت هي أحزم رأيا منهم، وأعلم بأمر سليمان، وأنه لا قبل لها بجنوده وجيوشه، وما سخر له من الجن والإنس والطير، وقد شاهدت من قضية الكتاب مع الهدهد أمرا عجيبا بديعا، فقالت لهم: إني أخشى أن نحاربه ونمتنع عليه، فيقصدنا بجنوده، ويهلكنا بمن معه، ويخلص إلي وإليكم الهلاك والدمار دون غيرنا؛ ولهذا قالت: {إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها} . قال ابن عباس: أي إذا دخلوا بلدا عنوة أفسدوه، أي: خربوه، {وجعلوا أعزة أهلها أذلة} أي: وقصدوا من فيها من الولاة والجنود، فأهانوهم غاية الهوان، إما بالقتل أو بالأسر. قال ابن عباس: قالت بلقيس: {إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها وجعلوا أعزة أهلها أذلة} ، قال الرب، عز وجل {وكذلك يفعلون} . ثم عدلت إلى المهادنة والمصالحة والمسالمة والمخادعة والمصانعة، فقالت: {وإني مرسلة إليهم بهدية فناظرة بم يرجع المرسلون} أي: سأبعث إليه بهدية تليق به وأنظر ماذا يكون جوابه بعد ذلك، فلعله يقبل ذلك ويكف عنا، أو يضرب علينا خراجا نحمله إليه في كل عام، ونلتزم له بذلك ويترك قتالنا ومحاربتنا. قال قتادة: رحمها الله ورضي عنها، ما كان أعقلها في إسلامها وفي شركها!! علمت أن الهدية تقع موقعا من الناس. وقال ابن عباس وغير واحد: قالت لقومها: إن قبل الهدية فهو ملك فقاتلوه، وإن لم يقبلها فهو نبي فاتبعوه. {فلما جاء سليمان قال أتمدونني بمال فما آتاني الله خير مما آتاكم بل أنتم بهديتكم تفرحون ارجع إليهم فلنأتينهم بجنود لا قبل لهم بها ولنخرجنهم منها أذلة وهم صاغرون } . ذكر غير واحد من المفسرين، من السلف وغيرهم: أنها بعثت إليه بهدية عظيمة من ذهب وجواهر ولآلئ وغير ذلك. وقال بعضهم: أرسلت بلبنة من ذهب. والصحيح أنها أرسلت [إليه] بآنية من ذهب.

Français Tercümesi (Ehl-i Sünnet)

وقد روى ابن أبي حاتم في ذلك حديثا في تفسيره، حيث قال: حدثنا أبي، حدثنا هارون بن الفضل أبو يعلى الحناط ، حدثنا أبو يوسف، عن سلمة بن صالح، [عن عبد الكريم] أبي أمية، عن ابن بريدة، عن أبيه قال: كنت أمشي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "إني أعلم آية لم تنزل على نبي قبلي بعد سليمان بن داود" قال: قلت: يا رسول الله، أي آية؟ قال: "سأعلمكها قبل أن أخرج من المسجد". قال: فانتهى إلى الباب، فأخرج إحدى قدميه، فقلت: نسي، ثم التفت إلي وقال {إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم} . هذا حديث غريب، وإسناده ضعيف. وقال ميمون بن مهران: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكتب: باسمك اللهم، حتى نزلت هذه الآية، فكتب: {بسم الله الرحمن الرحيم} . وقوله: {ألا تعلوا علي} : يقول قتادة: لا تجيروا علي {وأتوني مسلمين} . وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: لا تمتنعوا ولا تتكبروا علي. {وأتوني مسلمين} : قال ابن عباس: موحدين. وقال غيره: مخلصين. وقال سفيان بن عيينة: طائعين. {قالت يا أيها الملأ أفتوني في أمري ما كنت قاطعة أمرا حتى تشهدون قالوا نحن أولو قوة وأولو بأس شديد والأمر إليك فانظري ماذا تأمرين قالت إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها وجعلوا أعزة أهلها أذلة وكذلك يفعلون وإني مرسلة إليهم بهدية فناظرة بم يرجع المرسلون } . لما قرأت عليهم كتاب سليمان استشارتهم في أمرها، وما قد نزل بها؛ ولهذا قالت: {يا أيها الملأ أفتوني في أمري ما كنت قاطعة أمرا حتى تشهدون} أي: حتى تحضرون وتشيرون. {قالوا نحن أولو قوة وأولو بأس شديد} أي: منوا إليها بعددهم وعددهم وقوتهم، ثم فوضوا إليها بعد ذلك الأمر فقالوا: {والأمر إليك فانظري ماذا تأمرين} أي: نحن ليس لنا عاقة [ولا بنا بأس، إن شئت أن تقصديه وتحاربيه، فما لنا عاقة] عنه. وبعد هذا فالأمر إليك، مري فينا برأيك نمتثله ونطيعه. قال الحسن البصري، رحمه الله: فوضوا أمرهم إلى علجة تضطرب ثدياها، فلما قالوا لها ما قالوا، كانت هي أحزم رأيا منهم، وأعلم بأمر سليمان، وأنه لا قبل لها بجنوده وجيوشه، وما سخر له من الجن والإنس والطير، وقد شاهدت من قضية الكتاب مع الهدهد أمرا عجيبا بديعا، فقالت لهم: إني أخشى أن نحاربه ونمتنع عليه، فيقصدنا بجنوده، ويهلكنا بمن معه، ويخلص إلي وإليكم الهلاك والدمار دون غيرنا؛ ولهذا قالت: {إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها} . قال ابن عباس: أي إذا دخلوا بلدا عنوة أفسدوه، أي: خربوه، {وجعلوا أعزة أهلها أذلة} أي: وقصدوا من فيها من الولاة والجنود، فأهانوهم غاية الهوان، إما بالقتل أو بالأسر. قال ابن عباس: قالت بلقيس: {إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها وجعلوا أعزة أهلها أذلة} ، قال الرب، عز وجل {وكذلك يفعلون} . ثم عدلت إلى المهادنة والمصالحة والمسالمة والمخادعة والمصانعة، فقالت: {وإني مرسلة إليهم بهدية فناظرة بم يرجع المرسلون} أي: سأبعث إليه بهدية تليق به وأنظر ماذا يكون جوابه بعد ذلك، فلعله يقبل ذلك ويكف عنا، أو يضرب علينا خراجا نحمله إليه في كل عام، ونلتزم له بذلك ويترك قتالنا ومحاربتنا. قال قتادة: رحمها الله ورضي عنها، ما كان أعقلها في إسلامها وفي شركها!! علمت أن الهدية تقع موقعا من الناس. وقال ابن عباس وغير واحد: قالت لقومها: إن قبل الهدية فهو ملك فقاتلوه، وإن لم يقبلها فهو نبي فاتبعوه. {فلما جاء سليمان قال أتمدونني بمال فما آتاني الله خير مما آتاكم بل أنتم بهديتكم تفرحون ارجع إليهم فلنأتينهم بجنود لا قبل لهم بها ولنخرجنهم منها أذلة وهم صاغرون } . ذكر غير واحد من المفسرين، من السلف وغيرهم: أنها بعثت إليه بهدية عظيمة من ذهب وجواهر ولآلئ وغير ذلك. وقال بعضهم: أرسلت بلبنة من ذهب. والصحيح أنها أرسلت [إليه] بآنية من ذهب.

Section V06/P189–V06/P191İbn Kesîr — Tefsîrü'l-Kur'âni'l-Azîm (s. V06/P189–V06/P191)
Orijinal Metin (AR)

قال مجاهد، وسعيد بن جبير، وغيرهما: وأرسلت جواري في زي الغلمان، وغلمان في زي الجواري، وقالت: إن عرف هؤلاء من هؤلاء فهو نبي. قالوا: فأمرهم [سليمان] عليه السلام، أن يتوضؤوا، فجعلت الجارية تفرغ على يدها من الماء، وجعل الغلام يغترف، فميزهم بذلك. وقيل: بل جعلت الجارية تغسل باطن يدها قبل ظاهرها، والغلام بالعكس. وقيل: بل جعلت الجواري يغتسلن من أكفهن إلى مرافقهن، والغلمان من مرافقهم إلى أكفهم. ولا منافاة بين ذلك كله، والله أعلم. وذكر بعضهم: أنها أرسلت إليه بقدح ليملأه ماء رواء، لا من السماء ولا من الأرض، فأجرى الخيل حتى عرقت، ثم ملأه من ذلك، وبخرزة وسلك ليجعله فيها، ففعل ذلك. والله أعلم أكان ذلك أم لا وأكثره مأخوذ من الإسرائيليات. والظاهر أن سليمان، عليه السلام، لم ينظر إلى ما جاءوا به بالكلية، ولا اعتنى به، بل أعرض عنه، وقال منكرا عليهم: {أتمدونني بمال} أي: أتصانعونني بمال لأترككم على شرككم وملككم؟! {فما آتاني الله خير مما آتاكم} أي: الذي أعطاني الله من الملك والمال والجنود خير مما أنتم فيه، {بل أنتم بهديتكم تفرحون} أي: أنتم الذين تنقادون للهدايا والتحف، وأما أنا فلا أقبل منكم إلا الإسلام أو السيف. قال الأعمش، عن المنهال بن عمرو، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، رضي الله عنه: أمر سليمان الشياطين فموهوا له ألف قصر من ذهب وفضة. فلما رأت رسلها ذلك قالوا: ما يصنع هذا بهديتنا. وفي هذا دلالة على جواز تهيؤ الملوك وإظهارهم الزينة للرسل والقصاد. {ارجع إليهم} أي: بهديتهم، {فلنأتينهم بجنود لا قبل لهم بها} أي: لا طاقة لهم بقتالهم، {ولنخرجنهم منها} أي: من بلدهم، {أذلة وهم صاغرون} أي: مهانون مدحورون. فلما رجعت إليها رسلها بهديتها، وبما قال سليمان، سمعت وأطاعت هي وقومها، وأقبلت تسير إليه في جنودها خاضعة ذليلة، معظمة لسليمان، ناوية متابعته في الإسلام. ولما تحقق سليمان، عليه السلام، قدومهم عليه ووفودهم إليه، فرح بذلك وسره. {قال يا أيها الملأ أيكم يأتيني بعرشها قبل أن يأتوني مسلمين قال عفريت من الجن أنا آتيك به قبل أن تقوم من مقامك وإني عليه لقوي أمين قال الذي عنده علم من الكتاب أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك فلما رآه مستقرا عنده قال هذا من فضل ربي ليبلوني أأشكر أم أكفر ومن شكر فإنما يشكر لنفسه ومن كفر فإن ربي غني كريم } . قال محمد بن إسحاق، عن يزيد بن رومان قال: فلما رجعت إليها الرسل بما قال سليمان قالت: قد -والله -عرفت، ما هذا بملك، وما لنا به من طاقة، وما نصنع بمكاثرته شيئا. وبعثت إليه: إني قادمة عليك بملوك قومي، لأنظر ما أمرك وما تدعونا إليه من دينك. ثم أمرت بسرير ملكها الذي كانت تجلس عليه -وكان من ذهب مفصص بالياقوت والزبرجد واللؤلؤ -فجعل في سبعة أبيات، بعضها في بعض، ثم أقفلت عليه الأبواب، ثم قالت لمن خلفت على سلطانها: احتفظ بما قبلك، وسرير ملكي، فلا يخلص إليه أحد من عباد الله، ولا يرينه أحد حتى آتيك. ثم شخصت إلى سليمان في اثني عشر ألف قيل من ملوك اليمن، تحت يدي كل قيل منهم ألوف كثيرة. فجعل سليمان يبعث الجن يأتونه بمسيرها ومنتهاها كل يوم وليلة، حتى إذا دنت جمع من عنده من الجن والإنس، ممن تحت يديه، فقال: {يا أيها الملأ أيكم يأتيني بعرشها قبل أن يأتوني مسلمين} . وقال قتادة: لما بلغ سليمان أنها جائية، وكان قد ذكر له عرشها فأعجبه، وكان من ذهب، وقوائمه لؤلؤ وجوهر، وكان مسترا بالديباج والحرير، وكانت عليه تسعة مغاليق ، فكره أن يأخذه بعد إسلامهم. وقد علم نبي الله أنهم متى أسلموا تحرم أموالهم مع دمائهم فقال: {يا أيها الملأ أيكم يأتيني بعرشها قبل أن يأتوني مسلمين} . وهكذا قال عطاء الخراساني، والسدي، وزهير بن محمد: {قبل أن يأتوني مسلمين} فتحرم علي أموالهم بإسلامهم. {قال عفريت من الجن} قال مجاهد: أي مارد من الجن.

Français Tercümesi (Ehl-i Sünnet)

قال مجاهد، وسعيد بن جبير، وغيرهما: وأرسلت جواري في زي الغلمان، وغلمان في زي الجواري، وقالت: إن عرف هؤلاء من هؤلاء فهو نبي. قالوا: فأمرهم [سليمان] عليه السلام، أن يتوضؤوا، فجعلت الجارية تفرغ على يدها من الماء، وجعل الغلام يغترف، فميزهم بذلك. وقيل: بل جعلت الجارية تغسل باطن يدها قبل ظاهرها، والغلام بالعكس. وقيل: بل جعلت الجواري يغتسلن من أكفهن إلى مرافقهن، والغلمان من مرافقهم إلى أكفهم. ولا منافاة بين ذلك كله، والله أعلم. وذكر بعضهم: أنها أرسلت إليه بقدح ليملأه ماء رواء، لا من السماء ولا من الأرض، فأجرى الخيل حتى عرقت، ثم ملأه من ذلك، وبخرزة وسلك ليجعله فيها، ففعل ذلك. والله أعلم أكان ذلك أم لا وأكثره مأخوذ من الإسرائيليات. والظاهر أن سليمان، عليه السلام، لم ينظر إلى ما جاءوا به بالكلية، ولا اعتنى به، بل أعرض عنه، وقال منكرا عليهم: {أتمدونني بمال} أي: أتصانعونني بمال لأترككم على شرككم وملككم؟! {فما آتاني الله خير مما آتاكم} أي: الذي أعطاني الله من الملك والمال والجنود خير مما أنتم فيه، {بل أنتم بهديتكم تفرحون} أي: أنتم الذين تنقادون للهدايا والتحف، وأما أنا فلا أقبل منكم إلا الإسلام أو السيف. قال الأعمش، عن المنهال بن عمرو، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، رضي الله عنه: أمر سليمان الشياطين فموهوا له ألف قصر من ذهب وفضة. فلما رأت رسلها ذلك قالوا: ما يصنع هذا بهديتنا. وفي هذا دلالة على جواز تهيؤ الملوك وإظهارهم الزينة للرسل والقصاد. {ارجع إليهم} أي: بهديتهم، {فلنأتينهم بجنود لا قبل لهم بها} أي: لا طاقة لهم بقتالهم، {ولنخرجنهم منها} أي: من بلدهم، {أذلة وهم صاغرون} أي: مهانون مدحورون. فلما رجعت إليها رسلها بهديتها، وبما قال سليمان، سمعت وأطاعت هي وقومها، وأقبلت تسير إليه في جنودها خاضعة ذليلة، معظمة لسليمان، ناوية متابعته في الإسلام. ولما تحقق سليمان، عليه السلام، قدومهم عليه ووفودهم إليه، فرح بذلك وسره. {قال يا أيها الملأ أيكم يأتيني بعرشها قبل أن يأتوني مسلمين قال عفريت من الجن أنا آتيك به قبل أن تقوم من مقامك وإني عليه لقوي أمين قال الذي عنده علم من الكتاب أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك فلما رآه مستقرا عنده قال هذا من فضل ربي ليبلوني أأشكر أم أكفر ومن شكر فإنما يشكر لنفسه ومن كفر فإن ربي غني كريم } . قال محمد بن إسحاق، عن يزيد بن رومان قال: فلما رجعت إليها الرسل بما قال سليمان قالت: قد -والله -عرفت، ما هذا بملك، وما لنا به من طاقة، وما نصنع بمكاثرته شيئا. وبعثت إليه: إني قادمة عليك بملوك قومي، لأنظر ما أمرك وما تدعونا إليه من دينك. ثم أمرت بسرير ملكها الذي كانت تجلس عليه -وكان من ذهب مفصص بالياقوت والزبرجد واللؤلؤ -فجعل في سبعة أبيات، بعضها في بعض، ثم أقفلت عليه الأبواب، ثم قالت لمن خلفت على سلطانها: احتفظ بما قبلك، وسرير ملكي، فلا يخلص إليه أحد من عباد الله، ولا يرينه أحد حتى آتيك. ثم شخصت إلى سليمان في اثني عشر ألف قيل من ملوك اليمن، تحت يدي كل قيل منهم ألوف كثيرة. فجعل سليمان يبعث الجن يأتونه بمسيرها ومنتهاها كل يوم وليلة، حتى إذا دنت جمع من عنده من الجن والإنس، ممن تحت يديه، فقال: {يا أيها الملأ أيكم يأتيني بعرشها قبل أن يأتوني مسلمين} . وقال قتادة: لما بلغ سليمان أنها جائية، وكان قد ذكر له عرشها فأعجبه، وكان من ذهب، وقوائمه لؤلؤ وجوهر، وكان مسترا بالديباج والحرير، وكانت عليه تسعة مغاليق ، فكره أن يأخذه بعد إسلامهم. وقد علم نبي الله أنهم متى أسلموا تحرم أموالهم مع دمائهم فقال: {يا أيها الملأ أيكم يأتيني بعرشها قبل أن يأتوني مسلمين} . وهكذا قال عطاء الخراساني، والسدي، وزهير بن محمد: {قبل أن يأتوني مسلمين} فتحرم علي أموالهم بإسلامهم. {قال عفريت من الجن} قال مجاهد: أي مارد من الجن.

Section V06/P191–V06/P192İbn Kesîr — Tefsîrü'l-Kur'âni'l-Azîm (s. V06/P191–V06/P192)
Orijinal Metin (AR)

قال شعيب الجبائي: وكان اسمه كوزن. وكذا قال محمد بن إسحاق، عن يزيد بن رومان. وكذا قال أيضا وهب بن منبه. قال أبو صالح: وكان كأنه جبل. {أنا آتيك به قبل أن تقوم من مقامك} قال ابن عباس: يعني: قبل أن تقوم من مجلسك. وقال مجاهد: مقعدك، وقال السدي، وغيره: كان يجلس للناس للقضاء والحكومات وللطعام من أول النهار إلى أن تزول الشمس. {وإني عليه لقوي أمين} : قال ابن عباس: أي قوي على حمله، أمين على ما فيه من الجوهر. فقال سليمان، عليه السلام: أريد أعجل من ذلك. ومن هاهنا يظهر أن النبي سليمان أراد بإحضار هذا السرير إظهار عظمة ما وهبه الله له من الملك، وسخر له من الجنود، الذي لم يعطه أحد قبله، ولا يكون لأحد من بعده. وليتخذ ذلك حجة على نبوته عند بلقيس وقومها؛ لأن هذا خارق عظيم أن يأتي بعرشها كما هو من بلادها قبل أن يقدموا عليه. هذا وقد حجبته بالأغلاق والأقفال والحفظة. فلما قال سليمان: أريد أعجل من ذلك، {قال الذي عنده علم من الكتاب} قال ابن عباس: وهو آصف كاتب سليمان. وكذا روى محمد بن إسحاق، عن يزيد بن رومان: أنه آصف بن برخياء، وكان صديقا يعلم الاسم الأعظم. وقال قتادة: كان مؤمنا من الإنس، واسمه آصف. وكذا قال أبو صالح، والضحاك، وقتادة: إنه كان من الإنس -زاد قتادة: من بني إسرائيل. وقال مجاهد: كان اسمه أسطوم. وقال قتادة -في رواية عنه -: كان اسمه بليخا. وقال زهير بن محمد: هو رجل من الأندلس يقال له: ذو النور. وزعم عبد الله بن لهيعة: أنه الخضر. وهو غريب جدا. وقوله: {أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك} أي: ارفع بصرك وانظر مد بصرك مما تقدر عليه، فإنك لا يكل بصرك إلا وهو حاضر عندك. وقال وهب بن منبه: امدد بصرك، فلا يبلغ مداه حتى آتيك به. فذكروا أنه أمره أن ينظر نحو اليمن التي فيها هذا العرش المطلوب، ثم قام فتوضأ، ودعا الله عز وجل. قال مجاهد: قال: يا ذا الجلال والإكرام. وقال الزهري: قال: يا إلهنا وإله كل شيء، إلها واحدا، لا إله إلا أنت، ائتني بعرشها. قال: فتمثل له بين يديه. قال مجاهد، وسعيد بن جبير، ومحمد بن إسحاق، وزهير بن محمد، وغيرهم: لما دعا الله، عز وجل، وسأله أن يأتيه بعرش بلقيس -وكان في اليمن، وسليمان عليه السلام ببيت المقدس -غاب السرير، وغاص في الأرض، ثم نبع من بين يدي سليمان، عليه السلام. وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، لم يشعر سليمان إلا وعرشها يحمل بين يديه. قال: وكان هذا الذي جاء به من عباد البحر، فلما عاين سليمان وملؤه ذلك، ورآه مستقرا عنده {قال هذا من فضل ربي} أي: هذا من نعم الله علي {ليبلوني} أي: ليختبرني، {أأشكر أم أكفر ومن شكر فإنما يشكر لنفسه} ، كقوله {من عمل صالحا فلنفسه ومن أساء فعليها} [فصلت: 46] ، وكقوله {ومن عمل صالحا فلأنفسهم يمهدون} [الروم: 44] . وقوله: {ومن كفر فإن ربي غني كريم} أي: هو غني عن العباد وعبادتهم، {كريم} أي: كريم في نفسه، وإن لم يعبده أحد، فإن عظمته ليست مفتقرة إلى أحد، وهذا كما قال موسى: {إن تكفروا أنتم ومن في الأرض جميعا فإن الله لغني حميد} [إبراهيم: 8] . وفي صحيح مسلم: "يقول الله تعالى: يا عبادي لو أن أولكم وآخركم، وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل منكم، ما زاد ذلك في ملكي شيئا. يا عبادي، لو أن أولكم وآخركم، وإنسكم وجنكم، كانوا على أفجر قلب رجل منكم، ما نقص ذلك من ملكي شيئا. يا عبادي، إنما هي أعمالكم أحصيها لكم [ثم أوفيكم إياها] فمن وجد خيرا فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه" .

Français Tercümesi (Ehl-i Sünnet)

قال شعيب الجبائي: وكان اسمه كوزن. وكذا قال محمد بن إسحاق، عن يزيد بن رومان. وكذا قال أيضا وهب بن منبه. قال أبو صالح: وكان كأنه جبل. {أنا آتيك به قبل أن تقوم من مقامك} قال ابن عباس: يعني: قبل أن تقوم من مجلسك. وقال مجاهد: مقعدك، وقال السدي، وغيره: كان يجلس للناس للقضاء والحكومات وللطعام من أول النهار إلى أن تزول الشمس. {وإني عليه لقوي أمين} : قال ابن عباس: أي قوي على حمله، أمين على ما فيه من الجوهر. فقال سليمان، عليه السلام: أريد أعجل من ذلك. ومن هاهنا يظهر أن النبي سليمان أراد بإحضار هذا السرير إظهار عظمة ما وهبه الله له من الملك، وسخر له من الجنود، الذي لم يعطه أحد قبله، ولا يكون لأحد من بعده. وليتخذ ذلك حجة على نبوته عند بلقيس وقومها؛ لأن هذا خارق عظيم أن يأتي بعرشها كما هو من بلادها قبل أن يقدموا عليه. هذا وقد حجبته بالأغلاق والأقفال والحفظة. فلما قال سليمان: أريد أعجل من ذلك، {قال الذي عنده علم من الكتاب} قال ابن عباس: وهو آصف كاتب سليمان. وكذا روى محمد بن إسحاق، عن يزيد بن رومان: أنه آصف بن برخياء، وكان صديقا يعلم الاسم الأعظم. وقال قتادة: كان مؤمنا من الإنس، واسمه آصف. وكذا قال أبو صالح، والضحاك، وقتادة: إنه كان من الإنس -زاد قتادة: من بني إسرائيل. وقال مجاهد: كان اسمه أسطوم. وقال قتادة -في رواية عنه -: كان اسمه بليخا. وقال زهير بن محمد: هو رجل من الأندلس يقال له: ذو النور. وزعم عبد الله بن لهيعة: أنه الخضر. وهو غريب جدا. وقوله: {أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك} أي: ارفع بصرك وانظر مد بصرك مما تقدر عليه، فإنك لا يكل بصرك إلا وهو حاضر عندك. وقال وهب بن منبه: امدد بصرك، فلا يبلغ مداه حتى آتيك به. فذكروا أنه أمره أن ينظر نحو اليمن التي فيها هذا العرش المطلوب، ثم قام فتوضأ، ودعا الله عز وجل. قال مجاهد: قال: يا ذا الجلال والإكرام. وقال الزهري: قال: يا إلهنا وإله كل شيء، إلها واحدا، لا إله إلا أنت، ائتني بعرشها. قال: فتمثل له بين يديه. قال مجاهد، وسعيد بن جبير، ومحمد بن إسحاق، وزهير بن محمد، وغيرهم: لما دعا الله، عز وجل، وسأله أن يأتيه بعرش بلقيس -وكان في اليمن، وسليمان عليه السلام ببيت المقدس -غاب السرير، وغاص في الأرض، ثم نبع من بين يدي سليمان، عليه السلام. وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، لم يشعر سليمان إلا وعرشها يحمل بين يديه. قال: وكان هذا الذي جاء به من عباد البحر، فلما عاين سليمان وملؤه ذلك، ورآه مستقرا عنده {قال هذا من فضل ربي} أي: هذا من نعم الله علي {ليبلوني} أي: ليختبرني، {أأشكر أم أكفر ومن شكر فإنما يشكر لنفسه} ، كقوله {من عمل صالحا فلنفسه ومن أساء فعليها} [فصلت: 46] ، وكقوله {ومن عمل صالحا فلأنفسهم يمهدون} [الروم: 44] . وقوله: {ومن كفر فإن ربي غني كريم} أي: هو غني عن العباد وعبادتهم، {كريم} أي: كريم في نفسه، وإن لم يعبده أحد، فإن عظمته ليست مفتقرة إلى أحد، وهذا كما قال موسى: {إن تكفروا أنتم ومن في الأرض جميعا فإن الله لغني حميد} [إبراهيم: 8] . وفي صحيح مسلم: "يقول الله تعالى: يا عبادي لو أن أولكم وآخركم، وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل منكم، ما زاد ذلك في ملكي شيئا. يا عبادي، لو أن أولكم وآخركم، وإنسكم وجنكم، كانوا على أفجر قلب رجل منكم، ما نقص ذلك من ملكي شيئا. يا عبادي، إنما هي أعمالكم أحصيها لكم [ثم أوفيكم إياها] فمن وجد خيرا فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه" .

Section V06/P192–V06/P194İbn Kesîr — Tefsîrü'l-Kur'âni'l-Azîm (s. V06/P192–V06/P194)
Orijinal Metin (AR)

{قال نكروا لها عرشها ننظر أتهتدي أم تكون من الذين لا يهتدون فلما جاءت قيل أهكذا عرشك قالت كأنه هو وأوتينا العلم من قبلها وكنا مسلمين وصدها ما كانت تعبد من دون الله إنها كانت من قوم كافرين قيل لها ادخلي الصرح فلما رأته حسبته لجة وكشفت عن ساقيها قال إنه صرح ممرد من قوارير قالت رب إني ظلمت نفسي وأسلمت مع سليمان لله رب العالمين } لما جيء سليمان، عليه السلام، بعرش بلقيس قبل قدومها، أمر به أن يغير بعض صفاته، ليختبر معرفتها وثباتها عند رؤيته، هل تقدم على أنه عرشها أو أنه ليس به، فقال: {نكروا لها عرشها ننظر أتهتدي أم تكون من الذين لا يهتدون} . قال ابن عباس: نزع عنه فصوصه ومرافقه. وقال مجاهد: أمر به فغير ما كان أحمر جعل أصفر، وما كان أصفر جعل أحمر: وما كان أخضر جعل أحمر، غير كل شيء عن حاله. وقال عكرمة: زادوا فيه ونقصوا. [وقال قتادة: جعل أسفله أعلاه ومقدمه مؤخره، وزادوا فيه ونقصوا] . {فلما جاءت قيل أهكذا عرشك} أي: عرض عليها عرشها، وقد غير ونكر، وزيد فيه ونقص منه، فكان فيها ثبات وعقل، ولها لب ودهاء وحزم، فلم تقدم على أنه هو لبعد مسافته عنها، ولا أنه غيره، لما رأت من آثاره وصفاته، وإن غير وبدل ونكر، فقالت: {كأنه هو} أي: يشبهه ويقاربه. وهذا غاية في الذكاء والحزم. وقوله: {وأوتينا العلم من قبلها وكنا مسلمين} : قال مجاهد: سليمان يقوله. وقوله: {وصدها ما كانت تعبد من دون الله إنها كانت من قوم كافرين} : هذا من تمام كلام سليمان، عليه السلام -في قول مجاهد، وسعيد بن جبير، رحمهما الله -أي: قال سليمان: {وأوتينا العلم من قبلها وكنا مسلمين} ، وهي كانت قد صدها، أي: منعها من عبادة الله وحده. {ما كانت تعبد من دون الله إنها كانت من قوم كافرين} . وهذا الذي قاله مجاهد وسعيد حسن ، وقاله ابن جرير أيضا. ثم قال ابن جرير: ويحتمل أن يكون في قوله: {وصدها} ضمير يعود إلى سليمان، أو إلى الله، عز وجل، تقديره: ومنعها {ما كانت تعبد من دون الله} أي: صدها عن عبادة غير الله {إنها كانت من قوم كافرين} . قلت: ويؤيد قول مجاهد: أنها إنما أظهرت الإسلام بعد دخولها إلى الصرح، كما سيأتي. وقوله: {قيل لها ادخلي الصرح فلما رأته حسبته لجة وكشفت عن ساقيها} وذلك أن سليمان، عليه السلام أمر الشياطين فبنوا لها قصرا عظيما من قوارير، أي: من زجاج، وأجرى تحته الماء، فالذي لا يعرف أمره يحسب أنه ماء، ولكن الزجاج يحول بين الماشي وبينه. واختلفوا في السبب الذي دعا سليمان، عليه السلام، إلى اتخاذه، فقيل: إنه لما عزم على تزويجها واصطفائها لنفسه؛ ذكر له جمالها وحسنها، ولكن في ساقيها هلب عظيم، ومؤخر أقدامها كمؤخر الدابة. فساءه ذلك، فاتخذ هذا ليعلم صحته أم لا؟ -هذا قول محمد بن كعب القرظي، وغيره -فلما دخلت وكشفت عن ساقيها، رأى أحسن الناس وأحسنه قدما، ولكن رأى على رجليها شعرا؛ لأنها ملكة ليس لها بعل فأحب أن يذهب ذلك عنها فقيل لها: الموسى؟ فقالت: لا أستطيع ذلك. وكره سليمان ذلك، وقال للجن: اصنعوا شيئا غير الموسى يذهب به هذا الشعر، فصنعوا له النورة. وكان أول من اتخذت له النورة، قاله ابن عباس، ومجاهد، وعكرمة، ومحمد بن كعب القرظي، والسدي، وابن جريج، وغيرهم. وقال محمد بن إسحاق، عن يزيد بن رومان: ثم قال لها: ادخلي الصرح، ليريها ملكا هو أعز من ملكها، وسلطانا هو أعظم من سلطانها. فلما رأته حسبته لجة وكشفت عن ساقيها، لا تشك أنه ماء تخوضه، فقيل لها: إنه صرح ممرد من قوارير. فلما وقفت على سليمان، دعاها إلى عبادة الله وعاتبها في عبادتها الشمس من دون الله. وقال الحسن البصري: لما رأت العلجة الصرح عرفت -والله -أن قد رأت ملكا أعظم من ملكها.

Français Tercümesi (Ehl-i Sünnet)

{قال نكروا لها عرشها ننظر أتهتدي أم تكون من الذين لا يهتدون فلما جاءت قيل أهكذا عرشك قالت كأنه هو وأوتينا العلم من قبلها وكنا مسلمين وصدها ما كانت تعبد من دون الله إنها كانت من قوم كافرين قيل لها ادخلي الصرح فلما رأته حسبته لجة وكشفت عن ساقيها قال إنه صرح ممرد من قوارير قالت رب إني ظلمت نفسي وأسلمت مع سليمان لله رب العالمين } لما جيء سليمان، عليه السلام، بعرش بلقيس قبل قدومها، أمر به أن يغير بعض صفاته، ليختبر معرفتها وثباتها عند رؤيته، هل تقدم على أنه عرشها أو أنه ليس به، فقال: {نكروا لها عرشها ننظر أتهتدي أم تكون من الذين لا يهتدون} . قال ابن عباس: نزع عنه فصوصه ومرافقه. وقال مجاهد: أمر به فغير ما كان أحمر جعل أصفر، وما كان أصفر جعل أحمر: وما كان أخضر جعل أحمر، غير كل شيء عن حاله. وقال عكرمة: زادوا فيه ونقصوا. [وقال قتادة: جعل أسفله أعلاه ومقدمه مؤخره، وزادوا فيه ونقصوا] . {فلما جاءت قيل أهكذا عرشك} أي: عرض عليها عرشها، وقد غير ونكر، وزيد فيه ونقص منه، فكان فيها ثبات وعقل، ولها لب ودهاء وحزم، فلم تقدم على أنه هو لبعد مسافته عنها، ولا أنه غيره، لما رأت من آثاره وصفاته، وإن غير وبدل ونكر، فقالت: {كأنه هو} أي: يشبهه ويقاربه. وهذا غاية في الذكاء والحزم. وقوله: {وأوتينا العلم من قبلها وكنا مسلمين} : قال مجاهد: سليمان يقوله. وقوله: {وصدها ما كانت تعبد من دون الله إنها كانت من قوم كافرين} : هذا من تمام كلام سليمان، عليه السلام -في قول مجاهد، وسعيد بن جبير، رحمهما الله -أي: قال سليمان: {وأوتينا العلم من قبلها وكنا مسلمين} ، وهي كانت قد صدها، أي: منعها من عبادة الله وحده. {ما كانت تعبد من دون الله إنها كانت من قوم كافرين} . وهذا الذي قاله مجاهد وسعيد حسن ، وقاله ابن جرير أيضا. ثم قال ابن جرير: ويحتمل أن يكون في قوله: {وصدها} ضمير يعود إلى سليمان، أو إلى الله، عز وجل، تقديره: ومنعها {ما كانت تعبد من دون الله} أي: صدها عن عبادة غير الله {إنها كانت من قوم كافرين} . قلت: ويؤيد قول مجاهد: أنها إنما أظهرت الإسلام بعد دخولها إلى الصرح، كما سيأتي. وقوله: {قيل لها ادخلي الصرح فلما رأته حسبته لجة وكشفت عن ساقيها} وذلك أن سليمان، عليه السلام أمر الشياطين فبنوا لها قصرا عظيما من قوارير، أي: من زجاج، وأجرى تحته الماء، فالذي لا يعرف أمره يحسب أنه ماء، ولكن الزجاج يحول بين الماشي وبينه. واختلفوا في السبب الذي دعا سليمان، عليه السلام، إلى اتخاذه، فقيل: إنه لما عزم على تزويجها واصطفائها لنفسه؛ ذكر له جمالها وحسنها، ولكن في ساقيها هلب عظيم، ومؤخر أقدامها كمؤخر الدابة. فساءه ذلك، فاتخذ هذا ليعلم صحته أم لا؟ -هذا قول محمد بن كعب القرظي، وغيره -فلما دخلت وكشفت عن ساقيها، رأى أحسن الناس وأحسنه قدما، ولكن رأى على رجليها شعرا؛ لأنها ملكة ليس لها بعل فأحب أن يذهب ذلك عنها فقيل لها: الموسى؟ فقالت: لا أستطيع ذلك. وكره سليمان ذلك، وقال للجن: اصنعوا شيئا غير الموسى يذهب به هذا الشعر، فصنعوا له النورة. وكان أول من اتخذت له النورة، قاله ابن عباس، ومجاهد، وعكرمة، ومحمد بن كعب القرظي، والسدي، وابن جريج، وغيرهم. وقال محمد بن إسحاق، عن يزيد بن رومان: ثم قال لها: ادخلي الصرح، ليريها ملكا هو أعز من ملكها، وسلطانا هو أعظم من سلطانها. فلما رأته حسبته لجة وكشفت عن ساقيها، لا تشك أنه ماء تخوضه، فقيل لها: إنه صرح ممرد من قوارير. فلما وقفت على سليمان، دعاها إلى عبادة الله وعاتبها في عبادتها الشمس من دون الله. وقال الحسن البصري: لما رأت العلجة الصرح عرفت -والله -أن قد رأت ملكا أعظم من ملكها.

Section V06/P194–V06/P196İbn Kesîr — Tefsîrü'l-Kur'âni'l-Azîm (s. V06/P194–V06/P196)
Orijinal Metin (AR)

وقال محمد بن إسحاق، عن بعض أهل العلم، عن وهب بن منبه قال: أمر سليمان بالصرح، وقد عملته له الشياطين من زجاج، كأنه الماء بياضا. ثم أرسل الماء تحته، ثم وضع له فيه سريره، فجلس عليه، وعكفت عليه الطير والجن والإنس، ثم قال: ادخلي الصرح، ليريها ملكا هو أعز من ملكها، وسلطانا هو أعظم من سلطانها {فلما رأته حسبته لجة وكشفت عن ساقيها} ، لا تشك أنه ماء تخوضه، قيل لها: {إنه صرح ممرد من قوارير} ، فلما وقفت على سليمان، دعاها إلى عبادة الله، عز وجل، وعاتبها في عبادتها الشمس من دون الله. فقالت بقول الزنادقة، فوقع سليمان ساجدا إعظاما لما قالت، وسجد معه الناس، فسقط في يديها حين رأت سليمان صنع ما صنع، فلما رفع سليمان رأسه قال: ويحك! ماذا قلت؟ -قال: وأنسيت ما قالت فقالت: {رب إني ظلمت نفسي وأسلمت مع سليمان لله رب العالمين} ، فأسلمت وحسن إسلامها. وقد روى الإمام أبو بكر بن أبي شيبة في هذا أثرا غريبا عن ابن عباس، قال: حدثنا الحسين بن علي، عن زائدة، حدثني عطاء بن السائب، حدثنا مجاهد، ونحن في الأزد -قال: حدثنا ابن عباس قال: كان سليمان، عليه السلام، يجلس على سريره، ثم توضع كراسي حوله، فيجلس عليها الإنس، ثم يجلس الجن، ثم الشياطين، ثم تأتي الريح فترفعهم، ثم تظلهم الطير، ثم يغدون قدر ما يشتهي الراكب أن ينزل شهرا ورواحها شهرا، قال: فبينما هو ذات يوم في مسير له، إذ تفقد الطير ففقد الهدهد فقال: {ما لي لا أرى الهدهد أم كان من الغائبين لأعذبنه عذابا شديدا أو لأذبحنه أو ليأتيني بسلطان مبين} ، قال: فكان عذابه إياه أن ينتفه، ثم يلقيه في الأرض، فلا يمتنع من نملة ولا من شيء من هوام الأرض. قال عطاء: وذكر سعيد بن جبير عن ابن عباس مثل حديث مجاهد {فمكث غير بعيد} -فقرأ حتى انتهى إلى قوله - {قال سننظر أصدقت أم كنت من الكاذبين اذهب بكتابي هذا} وكتب {بسم الله الرحمن الرحيم} ، إلى بلقيس: {ألا تعلوا علي وأتوني مسلمين} ، فلما ألقى الهدهد بالكتاب إليها، ألقي في روعها: إنه كتاب كريم، وإنه من سليمان، وأن لا تعلوا علي وأتوني مسلمين. قالوا: نحن أولو قوة. قالت: إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها، وإني مرسلة إليهم بهدية. فلما جاءت الهدية سليمان قال: أتمدونني بمال، ارجع إليهم. فلما نظر إلى الغبار -أخبرنا ابن عباس قال: وكان بين سليمان وبين ملكة سبأ ومن معها حين نظر إلى الغبار كما بيننا وبين الحيرة، قال عطاء: ومجاهد حينئذ في الأزد -قال سليمان: أيكم يأتيني بعرشها؟ قال: وبين عرشها وبين سليمان حين نظر إلى الغبار مسيرة شهرين، {قال عفريت من الجن أنا آتيك به قبل أن تقوم من مقامك} . قال: وكان لسليمان مجلس يجلس فيه للناس، كما يجلس الأمراء ثم يقوم -قال: {أنا آتيك به قبل أن تقوم من مقامك} . قال سليمان: أريد أعجل من ذلك. فقال الذي عنده علم من الكتاب: أنا أنظر في كتاب ربي، ثم آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك. قال: [فنظر إليه سليمان فلما قطع كلامه رد سليمان بصره] ، فنبع عرشها من تحت قدم سليمان، من تحت كرسي كان سليمان يضع عليه رجله، ثم يصعد إلى السرير. قال: فلما رأى سليمان عرشها [مستقرا عنده] قال: {هذا من فضل ربي} ، {قال نكروا لها عرشها} ، فلما جاءت قيل لها: أهكذا عرشك؟ قالت: كأنه هو. قال: فسألته عن أمرين، قالت لسليمان: أريد ماء [من زبد رواء] ليس من أرض ولا من سماء -وكان سليمان إذا سئل عن شيء، سأل الإنس ثم الجن ثم الشياطين. [قال] فقالت الشياطين: هذا هين، أجر الخيل ثم خذ عرقها، ثم املأ منه الآنية. قال: فأمر بالخيل فأجريت، ثم أخذ عرقها فملأ منه الآنية. قال: وسألت عن لون الله عز وجل. قال: فوثب سليمان عن سريره، فخر ساجدا، فقال: يا رب، لقد سألتني عن أمر إنه يتكايد ، أي: يتعاظم في قلبي أن أذكره لك. قال: ارجع فقد كفيتكهم، قال: فرجع إلى سريره فقال: ما سألت عنه؟ قالت: ما سألتك إلا عن الماء. فقال لجنوده: ما سألت عنه؟ فقالوا: ما سألتك إلا عن الماء. قال: ونسوه كلهم. قال: وقالت الشياطين لسليمان: تريد أن تتخذها لنفسك ، فإن اتخذها لنفسه ثم ولد بينهما ولد، لم ننفك من عبوديته. قال: فجعلوا صرحا ممردا من قوارير، فيه السمك. قال: فقيل لها: ادخلي الصرح فلما رأته حسبته لجة، وكشفت عن ساقيها، فإذا هي شعراء. فقال سليمان: هذا قبيح، ما يذهبه؟ فقالوا: تذهبه المواسي. فقال: أثر الموسى قبيح! قال: فجعلت الشياطين النورة. قال: فهو أول من جعلت له النورة.

Français Tercümesi (Ehl-i Sünnet)

وقال محمد بن إسحاق، عن بعض أهل العلم، عن وهب بن منبه قال: أمر سليمان بالصرح، وقد عملته له الشياطين من زجاج، كأنه الماء بياضا. ثم أرسل الماء تحته، ثم وضع له فيه سريره، فجلس عليه، وعكفت عليه الطير والجن والإنس، ثم قال: ادخلي الصرح، ليريها ملكا هو أعز من ملكها، وسلطانا هو أعظم من سلطانها {فلما رأته حسبته لجة وكشفت عن ساقيها} ، لا تشك أنه ماء تخوضه، قيل لها: {إنه صرح ممرد من قوارير} ، فلما وقفت على سليمان، دعاها إلى عبادة الله، عز وجل، وعاتبها في عبادتها الشمس من دون الله. فقالت بقول الزنادقة، فوقع سليمان ساجدا إعظاما لما قالت، وسجد معه الناس، فسقط في يديها حين رأت سليمان صنع ما صنع، فلما رفع سليمان رأسه قال: ويحك! ماذا قلت؟ -قال: وأنسيت ما قالت فقالت: {رب إني ظلمت نفسي وأسلمت مع سليمان لله رب العالمين} ، فأسلمت وحسن إسلامها. وقد روى الإمام أبو بكر بن أبي شيبة في هذا أثرا غريبا عن ابن عباس، قال: حدثنا الحسين بن علي، عن زائدة، حدثني عطاء بن السائب، حدثنا مجاهد، ونحن في الأزد -قال: حدثنا ابن عباس قال: كان سليمان، عليه السلام، يجلس على سريره، ثم توضع كراسي حوله، فيجلس عليها الإنس، ثم يجلس الجن، ثم الشياطين، ثم تأتي الريح فترفعهم، ثم تظلهم الطير، ثم يغدون قدر ما يشتهي الراكب أن ينزل شهرا ورواحها شهرا، قال: فبينما هو ذات يوم في مسير له، إذ تفقد الطير ففقد الهدهد فقال: {ما لي لا أرى الهدهد أم كان من الغائبين لأعذبنه عذابا شديدا أو لأذبحنه أو ليأتيني بسلطان مبين} ، قال: فكان عذابه إياه أن ينتفه، ثم يلقيه في الأرض، فلا يمتنع من نملة ولا من شيء من هوام الأرض. قال عطاء: وذكر سعيد بن جبير عن ابن عباس مثل حديث مجاهد {فمكث غير بعيد} -فقرأ حتى انتهى إلى قوله - {قال سننظر أصدقت أم كنت من الكاذبين اذهب بكتابي هذا} وكتب {بسم الله الرحمن الرحيم} ، إلى بلقيس: {ألا تعلوا علي وأتوني مسلمين} ، فلما ألقى الهدهد بالكتاب إليها، ألقي في روعها: إنه كتاب كريم، وإنه من سليمان، وأن لا تعلوا علي وأتوني مسلمين. قالوا: نحن أولو قوة. قالت: إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها، وإني مرسلة إليهم بهدية. فلما جاءت الهدية سليمان قال: أتمدونني بمال، ارجع إليهم. فلما نظر إلى الغبار -أخبرنا ابن عباس قال: وكان بين سليمان وبين ملكة سبأ ومن معها حين نظر إلى الغبار كما بيننا وبين الحيرة، قال عطاء: ومجاهد حينئذ في الأزد -قال سليمان: أيكم يأتيني بعرشها؟ قال: وبين عرشها وبين سليمان حين نظر إلى الغبار مسيرة شهرين، {قال عفريت من الجن أنا آتيك به قبل أن تقوم من مقامك} . قال: وكان لسليمان مجلس يجلس فيه للناس، كما يجلس الأمراء ثم يقوم -قال: {أنا آتيك به قبل أن تقوم من مقامك} . قال سليمان: أريد أعجل من ذلك. فقال الذي عنده علم من الكتاب: أنا أنظر في كتاب ربي، ثم آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك. قال: [فنظر إليه سليمان فلما قطع كلامه رد سليمان بصره] ، فنبع عرشها من تحت قدم سليمان، من تحت كرسي كان سليمان يضع عليه رجله، ثم يصعد إلى السرير. قال: فلما رأى سليمان عرشها [مستقرا عنده] قال: {هذا من فضل ربي} ، {قال نكروا لها عرشها} ، فلما جاءت قيل لها: أهكذا عرشك؟ قالت: كأنه هو. قال: فسألته عن أمرين، قالت لسليمان: أريد ماء [من زبد رواء] ليس من أرض ولا من سماء -وكان سليمان إذا سئل عن شيء، سأل الإنس ثم الجن ثم الشياطين. [قال] فقالت الشياطين: هذا هين، أجر الخيل ثم خذ عرقها، ثم املأ منه الآنية. قال: فأمر بالخيل فأجريت، ثم أخذ عرقها فملأ منه الآنية. قال: وسألت عن لون الله عز وجل. قال: فوثب سليمان عن سريره، فخر ساجدا، فقال: يا رب، لقد سألتني عن أمر إنه يتكايد ، أي: يتعاظم في قلبي أن أذكره لك. قال: ارجع فقد كفيتكهم، قال: فرجع إلى سريره فقال: ما سألت عنه؟ قالت: ما سألتك إلا عن الماء. فقال لجنوده: ما سألت عنه؟ فقالوا: ما سألتك إلا عن الماء. قال: ونسوه كلهم. قال: وقالت الشياطين لسليمان: تريد أن تتخذها لنفسك ، فإن اتخذها لنفسه ثم ولد بينهما ولد، لم ننفك من عبوديته. قال: فجعلوا صرحا ممردا من قوارير، فيه السمك. قال: فقيل لها: ادخلي الصرح فلما رأته حسبته لجة، وكشفت عن ساقيها، فإذا هي شعراء. فقال سليمان: هذا قبيح، ما يذهبه؟ فقالوا: تذهبه المواسي. فقال: أثر الموسى قبيح! قال: فجعلت الشياطين النورة. قال: فهو أول من جعلت له النورة.

Section V06/P196–V06/P197İbn Kesîr — Tefsîrü'l-Kur'âni'l-Azîm (s. V06/P196–V06/P197)
Orijinal Metin (AR)

ثم قال أبو بكر بن أبي شيبة: ما أحسنه من حديث. قلت: بل هو منكر غريب جدا، ولعله من أوهام عطاء بن السائب على ابن عباس، والله أعلم. والأقرب في مثل هذه السياقات أنها متلقاة عن أهل الكتاب، مما يوجد في صحفهم، كروايات كعب ووهب -سامحهما الله تعالى -فيما نقلاه إلى هذه الأمة من أخبار بني إسرائيل، من الأوابد والغرائب والعجائب، مما كان وما لم يكن، ومما حرف وبدل ونسخ. وقد أغنانا الله، سبحانه، عن ذلك بما هو أصح منه وأنفع وأوضح وأبلغ، ولله الحمد والمنة. أصل الصرح في كلام العرب: هو القصر، وكل بناء مرتفع، قال الله، سبحانه وتعالى، إخبارا عن فرعون -لعنه الله -أنه قال لوزيره هامان {ابن لي صرحا لعلي أبلغ الأسباب أسباب السموات فأطلع إلى إله موسى} الآية [غافر:36، 37] . والصرح: قصر في اليمن عالي البناء، والممرد أي: المبني بناء محكما أملس {من قوارير} أي: زجاج. وتمريد البناء تمليسه. ومارد: حصن بدومة الجندل. والغرض أن سليمان، عليه السلام، اتخذ قصرا عظيما منيفا من زجاج لهذه الملكة؛ ليريها عظمة سلطانه وتمكنه، فلما رأت ما آتاه الله، تعالى، وجلالة ما هو فيه، وتبصرت في أمره انقادت لأمر الله وعرفت أنه نبي كريم، وملك عظيم، فأسلمت لله، عز وجل، وقالت: {رب إني ظلمت نفسي} أي: بما سلف من كفرها وشركها وعبادتها وقومها الشمس من دون الله، {وأسلمت مع سليمان لله رب العالمين} أي: متابعة لدين سليمان في عبادته لله وحده، لا شريك له، الذي خلق كل شيء فقدره تقديرا. {ولقد أرسلنا إلى ثمود أخاهم صالحا أن اعبدوا الله فإذا هم فريقان يختصمون قال يا قوم لم تستعجلون بالسيئة قبل الحسنة لولا تستغفرون الله لعلكم ترحمون قالوا اطيرنا بك وبمن معك قال طائركم عند الله بل أنتم قوم تفتنون } يخبر تعالى عن ثمود وما كان من أمرها مع نبيها صالح، عليه السلام، حين بعثه الله إليهم، فدعاهم إلى عبادة الله وحده لا شريك له، {فإذا هم فريقان يختصمون} قال مجاهد: مؤمن وكافر -كقوله تعالى: {قال الملأ الذين استكبروا من قومه للذين استضعفوا لمن آمن منهم أتعلمون أن صالحا مرسل من ربه قالوا إنا بما أرسل به مؤمنون قال الذين استكبروا إنا بالذي آمنتم به كافرون} [الأعراف: 75، 76] . {قال يا قوم لم تستعجلون بالسيئة قبل الحسنة} ، أي: لم تدعون بحضور العذاب، ولا تطلبون من الله رحمته؟ ولهذا قال: {لولا تستغفرون الله لعلكم ترحمون قالوا اطيرنا بك وبمن معك} أي: ما رأينا على وجهك ووجوه من اتبعك خيرا. وذلك أنهم -لشقائهم -كان لا يصيب أحدا منهم سوء إلا قال: هذا من قبل صالح وأصحابه. قال مجاهد: تشاءموا بهم. وهذا كما قال تعالى إخبارا عن قوم فرعون: {فإذا جاءتهم الحسنة قالوا لنا هذه وإن تصبهم سيئة يطيروا بموسى ومن معه ألا إنما طائرهم عند الله} [الأعراف: 131] . وقال تعالى: {وإن تصبهم حسنة يقولوا هذه من عند الله وإن تصبهم سيئة يقولوا هذه من عندك قل كل من عند الله} [النساء: 78] أي: بقضاء الله وقدره . وقال مخبرا عن أهل القرية إذ جاءها المرسلون: {قالوا إنا تطيرنا بكم لئن لم تنتهوا لنرجمنكم وليمسنكم منا عذاب أليم. قالوا طائركم معكم} [يس: 18، 19] . وقال هؤلاء: {اطيرنا بك وبمن معك قال طائركم عند الله} أي: الله يجازيكم على ذلك {بل أنتم قوم تفتنون} قال قتادة: تبتلون بالطاعة والمعصية. والظاهر أن المراد بقوله: {تفتنون} أي: تستدرجون فيما أنتم فيه من الضلال. {وكان في المدينة تسعة رهط يفسدون في الأرض ولا يصلحون قالوا تقاسموا بالله لنبيتنه وأهله ثم لنقولن لوليه ما شهدنا مهلك أهله وإنا لصادقون ومكروا مكرا ومكرنا مكرا وهم لا يشعرون فانظر كيف كان عاقبة مكرهم أنا دمرناهم وقومهم أجمعين فتلك بيوتهم خاوية بما ظلموا إن في ذلك لآية لقوم يعلمون وأنجينا الذين آمنوا وكانوا يتقون } .

Français Tercümesi (Ehl-i Sünnet)

ثم قال أبو بكر بن أبي شيبة: ما أحسنه من حديث. قلت: بل هو منكر غريب جدا، ولعله من أوهام عطاء بن السائب على ابن عباس، والله أعلم. والأقرب في مثل هذه السياقات أنها متلقاة عن أهل الكتاب، مما يوجد في صحفهم، كروايات كعب ووهب -سامحهما الله تعالى -فيما نقلاه إلى هذه الأمة من أخبار بني إسرائيل، من الأوابد والغرائب والعجائب، مما كان وما لم يكن، ومما حرف وبدل ونسخ. وقد أغنانا الله، سبحانه، عن ذلك بما هو أصح منه وأنفع وأوضح وأبلغ، ولله الحمد والمنة. أصل الصرح في كلام العرب: هو القصر، وكل بناء مرتفع، قال الله، سبحانه وتعالى، إخبارا عن فرعون -لعنه الله -أنه قال لوزيره هامان {ابن لي صرحا لعلي أبلغ الأسباب أسباب السموات فأطلع إلى إله موسى} الآية [غافر:36، 37] . والصرح: قصر في اليمن عالي البناء، والممرد أي: المبني بناء محكما أملس {من قوارير} أي: زجاج. وتمريد البناء تمليسه. ومارد: حصن بدومة الجندل. والغرض أن سليمان، عليه السلام، اتخذ قصرا عظيما منيفا من زجاج لهذه الملكة؛ ليريها عظمة سلطانه وتمكنه، فلما رأت ما آتاه الله، تعالى، وجلالة ما هو فيه، وتبصرت في أمره انقادت لأمر الله وعرفت أنه نبي كريم، وملك عظيم، فأسلمت لله، عز وجل، وقالت: {رب إني ظلمت نفسي} أي: بما سلف من كفرها وشركها وعبادتها وقومها الشمس من دون الله، {وأسلمت مع سليمان لله رب العالمين} أي: متابعة لدين سليمان في عبادته لله وحده، لا شريك له، الذي خلق كل شيء فقدره تقديرا. {ولقد أرسلنا إلى ثمود أخاهم صالحا أن اعبدوا الله فإذا هم فريقان يختصمون قال يا قوم لم تستعجلون بالسيئة قبل الحسنة لولا تستغفرون الله لعلكم ترحمون قالوا اطيرنا بك وبمن معك قال طائركم عند الله بل أنتم قوم تفتنون } يخبر تعالى عن ثمود وما كان من أمرها مع نبيها صالح، عليه السلام، حين بعثه الله إليهم، فدعاهم إلى عبادة الله وحده لا شريك له، {فإذا هم فريقان يختصمون} قال مجاهد: مؤمن وكافر -كقوله تعالى: {قال الملأ الذين استكبروا من قومه للذين استضعفوا لمن آمن منهم أتعلمون أن صالحا مرسل من ربه قالوا إنا بما أرسل به مؤمنون قال الذين استكبروا إنا بالذي آمنتم به كافرون} [الأعراف: 75، 76] . {قال يا قوم لم تستعجلون بالسيئة قبل الحسنة} ، أي: لم تدعون بحضور العذاب، ولا تطلبون من الله رحمته؟ ولهذا قال: {لولا تستغفرون الله لعلكم ترحمون قالوا اطيرنا بك وبمن معك} أي: ما رأينا على وجهك ووجوه من اتبعك خيرا. وذلك أنهم -لشقائهم -كان لا يصيب أحدا منهم سوء إلا قال: هذا من قبل صالح وأصحابه. قال مجاهد: تشاءموا بهم. وهذا كما قال تعالى إخبارا عن قوم فرعون: {فإذا جاءتهم الحسنة قالوا لنا هذه وإن تصبهم سيئة يطيروا بموسى ومن معه ألا إنما طائرهم عند الله} [الأعراف: 131] . وقال تعالى: {وإن تصبهم حسنة يقولوا هذه من عند الله وإن تصبهم سيئة يقولوا هذه من عندك قل كل من عند الله} [النساء: 78] أي: بقضاء الله وقدره . وقال مخبرا عن أهل القرية إذ جاءها المرسلون: {قالوا إنا تطيرنا بكم لئن لم تنتهوا لنرجمنكم وليمسنكم منا عذاب أليم. قالوا طائركم معكم} [يس: 18، 19] . وقال هؤلاء: {اطيرنا بك وبمن معك قال طائركم عند الله} أي: الله يجازيكم على ذلك {بل أنتم قوم تفتنون} قال قتادة: تبتلون بالطاعة والمعصية. والظاهر أن المراد بقوله: {تفتنون} أي: تستدرجون فيما أنتم فيه من الضلال. {وكان في المدينة تسعة رهط يفسدون في الأرض ولا يصلحون قالوا تقاسموا بالله لنبيتنه وأهله ثم لنقولن لوليه ما شهدنا مهلك أهله وإنا لصادقون ومكروا مكرا ومكرنا مكرا وهم لا يشعرون فانظر كيف كان عاقبة مكرهم أنا دمرناهم وقومهم أجمعين فتلك بيوتهم خاوية بما ظلموا إن في ذلك لآية لقوم يعلمون وأنجينا الذين آمنوا وكانوا يتقون } .

%0
10 Bölüm

Questions