Qur'an&Sunnahالقرآن

Fahreddin Râzî - Mefâtîhu'l-Gayb

Fahreddin Râzî · AR

Bölüm V06/P168–V06/P169Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb (s. V06/P168–V06/P169)
Orijinal Metin (AR)

الحجة الثانية : أنه تعالى سمى إبراهيم في كتابه خليلا ، فقال : { واتخذ الله إبراهيم خليلا } ( النساء : 125 ) وقال في موسى عليه السلام { وكلم الله موسى تكليما } ( النساء : 164 ) وقال في عيسى عليه السلام : { فنفخنا فيه من روحنا } ( التحريم : 12 ) وشيء من ذلك لم يقله في حق محمد عليه السلام . الحجة الثالثة : قوله عليه السلام : ( لا تفضلوني على يونس بن متى ) وقال صلى الله عليه وسلم : ( لا تخيروا بين الأنبياء ) . الحجة الرابعة : روي عن ابن عباس قال : كنا في المسجد نتذاكر فضل الأنبياء فذكرنا نوحا بطول عبادته ، وإبراهيم بخلته ، وموسى بتكليم الله تعالى إياه ، وعيسى برفعه إلى السماء ، وقلنا رسول الله أفضل منهم ، بعث إلى الناس كافة ، وغفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر ، وهو خاتم الأنبياء ، فدخل رسول الله فقال : فيم أنتم ؟ فذكرنا له فقال : ( لا ينبغي لأحد أن يكون خيرا من يحيى بن زكريا ) وذلك أنه لم يعمل سيئة قط ولم يهم بها . والجواب : أن كون آدم عليه السلام مسجودا للملائكة لا يوجب أن يكون أفضل من محمد عليه السلام ، بدليل قوله صلى الله عليه وسلم : ( آدم ومن دونه تحت لوائي يوم القيامة ) وقال : ( كنت نبيا وآدم بين الماء والطين ) ونقل أن جبريل عليه السلام أخذ بركاب محمد صلى الله عليه وسلم ليلة المعراج ، وهذا أعظم من السجود ، وأيضا أنه تعالى صلى بنفسه على محمد ، وأمر الملائكة والمؤمنين بالصلاة عليه ، وذلك أفضل من سجود الملائكة ، ويدل عليه وجوه الأول : أنه تعالى أمر الملائكة بسجود آدم تأديبا ، وأمرهم بالصلاة على محمد صلى الله عليه وسلم تقريبا والثاني : أن الصلاة على محمد عليه السلام دائمة إلى يوم القيامة ، وأما سجود الملائكة لآدم عليه السلام ما كان إلا مرة واحدة الثالث : أن السجود لآدم إنما تولاه الملائكة ، وأما الصلاة على محمد صلى الله عليه وسلم فإنما تولاها رب العالمين ثم أمر بها الملائكة والمؤمنين والرابع : أن الملائكة أمروا بالسجود / لآدم لأجل أن نور محمد عليه السلام في جبهة آدم . فإن قيل : إنه تعالى خص آدم بالعلم ، فقال : { وعلم ءادم الاسماء كلها } ( البقرة : 31 ) وأما محمد عليه السلام فقال في حقه : { ما كنت تدرى ما الكتاب ولا الإيمان } ( الشورى : 52 ) وقال : { ووجدك ضالا فهدى } ( الضحى : 7 ) وأيضا فمعلم آدم هو الله تعالى ، قال : { وعلم ءادم الاسماء } ومعلم محمد عليه السلام جبريل عليه السلام لقوله : { علمه شديد القوى } ( النجم : 5 ) . والجواب : أنه تعالى قال في علم محمد صلى الله عليه وسلم : { وعلمك ما لم تكن تعلم وكان فضل الله عليك عظيما } ( النساء : 113 ) وقال عليه السلام : ( أدبني ربي فأحسن تأديبي ) وقال تعالى : { الرحمان علم القرءان } ( الرحمن : 2 ) وكان عليه السلام يقول : ( أرنا الأشياء كما هي ) وقال تعالى لمحمد عليه السلام : { وقل رب زدنى علما } ( طه: 114 ) وأما الجمع بينه وبين قوله تعالى : { علمه شديد القوى } فذاك بحسب التلقين ، وأما التعليم فمن الله تعالى ، كما أنه تعالى قال : { قل يتوفاكم ملك الموت } ( السجدة : 11 ) ثم قال تعالى : { الله يتوفى الانفس حين موتها } ( الزمر : 42 ) .

Türkçe Tercümesi (Ehl-i Sünnet)

الحجة الثانية : أنه تعالى سمى إبراهيم في كتابه خليلا ، فقال : { واتخذ الله إبراهيم خليلا } ( النساء : 125 ) وقال في موسى عليه السلام { وكلم الله موسى تكليما } ( النساء : 164 ) وقال في عيسى عليه السلام : { فنفخنا فيه من روحنا } ( التحريم : 12 ) وشيء من ذلك لم يقله في حق محمد عليه السلام . الحجة الثالثة : قوله عليه السلام : ( لا تفضلوني على يونس بن متى ) وقال صلى الله عليه وسلم : ( لا تخيروا بين الأنبياء ) . الحجة الرابعة : روي عن ابن عباس قال : كنا في المسجد نتذاكر فضل الأنبياء فذكرنا نوحا بطول عبادته ، وإبراهيم بخلته ، وموسى بتكليم الله تعالى إياه ، وعيسى برفعه إلى السماء ، وقلنا رسول الله أفضل منهم ، بعث إلى الناس كافة ، وغفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر ، وهو خاتم الأنبياء ، فدخل رسول الله فقال : فيم أنتم ؟ فذكرنا له فقال : ( لا ينبغي لأحد أن يكون خيرا من يحيى بن زكريا ) وذلك أنه لم يعمل سيئة قط ولم يهم بها . والجواب : أن كون آدم عليه السلام مسجودا للملائكة لا يوجب أن يكون أفضل من محمد عليه السلام ، بدليل قوله صلى الله عليه وسلم : ( آدم ومن دونه تحت لوائي يوم القيامة ) وقال : ( كنت نبيا وآدم بين الماء والطين ) ونقل أن جبريل عليه السلام أخذ بركاب محمد صلى الله عليه وسلم ليلة المعراج ، وهذا أعظم من السجود ، وأيضا أنه تعالى صلى بنفسه على محمد ، وأمر الملائكة والمؤمنين بالصلاة عليه ، وذلك أفضل من سجود الملائكة ، ويدل عليه وجوه الأول : أنه تعالى أمر الملائكة بسجود آدم تأديبا ، وأمرهم بالصلاة على محمد صلى الله عليه وسلم تقريبا والثاني : أن الصلاة على محمد عليه السلام دائمة إلى يوم القيامة ، وأما سجود الملائكة لآدم عليه السلام ما كان إلا مرة واحدة الثالث : أن السجود لآدم إنما تولاه الملائكة ، وأما الصلاة على محمد صلى الله عليه وسلم فإنما تولاها رب العالمين ثم أمر بها الملائكة والمؤمنين والرابع : أن الملائكة أمروا بالسجود / لآدم لأجل أن نور محمد عليه السلام في جبهة آدم . فإن قيل : إنه تعالى خص آدم بالعلم ، فقال : { وعلم ءادم الاسماء كلها } ( البقرة : 31 ) وأما محمد عليه السلام فقال في حقه : { ما كنت تدرى ما الكتاب ولا الإيمان } ( الشورى : 52 ) وقال : { ووجدك ضالا فهدى } ( الضحى : 7 ) وأيضا فمعلم آدم هو الله تعالى ، قال : { وعلم ءادم الاسماء } ومعلم محمد عليه السلام جبريل عليه السلام لقوله : { علمه شديد القوى } ( النجم : 5 ) . والجواب : أنه تعالى قال في علم محمد صلى الله عليه وسلم : { وعلمك ما لم تكن تعلم وكان فضل الله عليك عظيما } ( النساء : 113 ) وقال عليه السلام : ( أدبني ربي فأحسن تأديبي ) وقال تعالى : { الرحمان علم القرءان } ( الرحمن : 2 ) وكان عليه السلام يقول : ( أرنا الأشياء كما هي ) وقال تعالى لمحمد عليه السلام : { وقل رب زدنى علما } ( طه: 114 ) وأما الجمع بينه وبين قوله تعالى : { علمه شديد القوى } فذاك بحسب التلقين ، وأما التعليم فمن الله تعالى ، كما أنه تعالى قال : { قل يتوفاكم ملك الموت } ( السجدة : 11 ) ثم قال تعالى : { الله يتوفى الانفس حين موتها } ( الزمر : 42 ) .

Bölüm V06/P169–V06/P170Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb (s. V06/P169–V06/P170)
Orijinal Metin (AR)

فإن قيل : قال نوح عليه السلام { وما أنا بطارد المؤمنين } ( الشعراء : 114 ) وقال الله تعالى لمحمد عليه السلام : { ولا تطرد الذين يدعون ربهم } ( الأنعام : 52 ) وهذا يدل على أن خلق نوح أحسن . قلنا : إنه تعالى قال : { إنا أرسلنا نوحا إلى قومه أن أنذر قومك من قبل أن يأتيهم عذاب أليم } ( نوح : 1 ) فكان أول أمره العذاب ، وأما محمد عليه السلام فقيل فيه : { وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين } ( الأنبياء : 107 ) ، لقد جاءكم رسول من أنفسكم } ( التوبة : 128 ) إلى قوله : { } ( التوبة : 128 ) إلى قوله : { رءوف رحيم } فكان عاقبة نوح أن قال : { رب لا تذر على الارض من الكافرين ديارا } ( نوح : 26 ) وعاقبة محمد عليه السلام الشفاعة { عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا } ( الإسراء : 79 ) وأما سائر المعجزات فقد ذكر في ( كتب دلائل النبوة ) في مقابلة كل واحد منها معجزة أفضل منها لمحمد صلى الله عليه وسلم ، وهذا الكتاب لا يحتمل أكثر مما ذكرناه ، والله أعلم . وأما قوله تعالى : { منهم من كلم الله } ففيه مسائل : المسألة الأولى : المراد منه من كلمه الله تعالى ، والهاء تحذف كثيرا كقوله تعالى : { وفيها ما تشتهيه الانفس وتلذ الاعين } ( الزخرف : 71 ) . المسألة الثانية : قرىء { كلام الله } بالنصب ، والقراءة الأولى أدل على الفضل ، لأن كل مؤمن فإنه يكلم الله على ما قال عليه السلام : ( المصلي مناج ربه ) إنما الشرف في أن يكلمه الله تعالى ، وقرأ اليماني : { عبد الله } من المكالمة ، ويدل عليه قولهم : كليم الله بمعنى مكالمه . المسألة الثالثة : اختلفوا في أن من كلمه الله فالمسموع هو الكلام القديم الأزلي ، الذي ليس بحرف ولا صوت أم غيره ؟ فقال الأشعري وأتباعه : المسموع هو ذلك فإنه لما لم يمتنع رؤية ما ليس بمكيف ، فكذا لا يستبعد سماع ما ليس بمكيف ، وقال الماتريدي : سماع ذلك الكلام محال ، وإنما المسموع هو الحرف والصوت . / المسألة الرابعة : اتفقوا على أن موسى عليه السلام مراد بقوله تعالى : { منهم من كلم الله } قالوا وقد سمع من قوم موسى السبعون المختارون وهم الذين أرادهم الله بقوله : { واختار موسى قومه سبعين رجلا } ( الأعراف : 155 ) وهل سمعه محمد صلى الله عليه وسلم ليلة المعراج ؟ اختلفوا فيه منهم من قال : نعم بدليل قوله : { فأوحى إلى عبده ما أوحى } ( النجم : 10 ) . فإن قيل : إن قوله تعالى : { منهم من كلم الله } المقصود منه بيان غاية منقبة أولئك الأنبياء الذين كلم الله تعالى ، ولهذا السبب لما بالغ في تعظيم موسى عليه السلام ، قال : { وكلم الله موسى تكليما } ثم جاء في القرآن مكالمة بين الله وبين إبليس ، حيث قال : { أنظرنى إلى يوم يبعثون لله قال فإنك من المنظرين إلى يوم الوقت المعلوم } ( ص: 79 81 ) إلى آخر هذه الآيات وظاهر هذه الآيات يدل على مكالمة كثيرة بين الله وبين إبليس فإن كان ذلك يوجب غاية الشرف فكيف حصل لإبليس الذم وإن لم يوجب شرفا فكيف ذكره في معرض التشريف لموسى عليه السلام حيث قال : { وكلم الله موسى تكليما } ؟ . والجواب : أن قصة إبليس ليس فيها ما يدل على أنه تعالى قال تلك الجوابات معه من غير واسطة فلعل الواسطة كانت موجودة .

Türkçe Tercümesi (Ehl-i Sünnet)

فإن قيل : قال نوح عليه السلام { وما أنا بطارد المؤمنين } ( الشعراء : 114 ) وقال الله تعالى لمحمد عليه السلام : { ولا تطرد الذين يدعون ربهم } ( الأنعام : 52 ) وهذا يدل على أن خلق نوح أحسن . قلنا : إنه تعالى قال : { إنا أرسلنا نوحا إلى قومه أن أنذر قومك من قبل أن يأتيهم عذاب أليم } ( نوح : 1 ) فكان أول أمره العذاب ، وأما محمد عليه السلام فقيل فيه : { وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين } ( الأنبياء : 107 ) ، لقد جاءكم رسول من أنفسكم } ( التوبة : 128 ) إلى قوله : { } ( التوبة : 128 ) إلى قوله : { رءوف رحيم } فكان عاقبة نوح أن قال : { رب لا تذر على الارض من الكافرين ديارا } ( نوح : 26 ) وعاقبة محمد عليه السلام الشفاعة { عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا } ( الإسراء : 79 ) وأما سائر المعجزات فقد ذكر في ( كتب دلائل النبوة ) في مقابلة كل واحد منها معجزة أفضل منها لمحمد صلى الله عليه وسلم ، وهذا الكتاب لا يحتمل أكثر مما ذكرناه ، والله أعلم . وأما قوله تعالى : { منهم من كلم الله } ففيه مسائل : المسألة الأولى : المراد منه من كلمه الله تعالى ، والهاء تحذف كثيرا كقوله تعالى : { وفيها ما تشتهيه الانفس وتلذ الاعين } ( الزخرف : 71 ) . المسألة الثانية : قرىء { كلام الله } بالنصب ، والقراءة الأولى أدل على الفضل ، لأن كل مؤمن فإنه يكلم الله على ما قال عليه السلام : ( المصلي مناج ربه ) إنما الشرف في أن يكلمه الله تعالى ، وقرأ اليماني : { عبد الله } من المكالمة ، ويدل عليه قولهم : كليم الله بمعنى مكالمه . المسألة الثالثة : اختلفوا في أن من كلمه الله فالمسموع هو الكلام القديم الأزلي ، الذي ليس بحرف ولا صوت أم غيره ؟ فقال الأشعري وأتباعه : المسموع هو ذلك فإنه لما لم يمتنع رؤية ما ليس بمكيف ، فكذا لا يستبعد سماع ما ليس بمكيف ، وقال الماتريدي : سماع ذلك الكلام محال ، وإنما المسموع هو الحرف والصوت . / المسألة الرابعة : اتفقوا على أن موسى عليه السلام مراد بقوله تعالى : { منهم من كلم الله } قالوا وقد سمع من قوم موسى السبعون المختارون وهم الذين أرادهم الله بقوله : { واختار موسى قومه سبعين رجلا } ( الأعراف : 155 ) وهل سمعه محمد صلى الله عليه وسلم ليلة المعراج ؟ اختلفوا فيه منهم من قال : نعم بدليل قوله : { فأوحى إلى عبده ما أوحى } ( النجم : 10 ) . فإن قيل : إن قوله تعالى : { منهم من كلم الله } المقصود منه بيان غاية منقبة أولئك الأنبياء الذين كلم الله تعالى ، ولهذا السبب لما بالغ في تعظيم موسى عليه السلام ، قال : { وكلم الله موسى تكليما } ثم جاء في القرآن مكالمة بين الله وبين إبليس ، حيث قال : { أنظرنى إلى يوم يبعثون لله قال فإنك من المنظرين إلى يوم الوقت المعلوم } ( ص: 79 81 ) إلى آخر هذه الآيات وظاهر هذه الآيات يدل على مكالمة كثيرة بين الله وبين إبليس فإن كان ذلك يوجب غاية الشرف فكيف حصل لإبليس الذم وإن لم يوجب شرفا فكيف ذكره في معرض التشريف لموسى عليه السلام حيث قال : { وكلم الله موسى تكليما } ؟ . والجواب : أن قصة إبليس ليس فيها ما يدل على أنه تعالى قال تلك الجوابات معه من غير واسطة فلعل الواسطة كانت موجودة .

Bölüm V06/P170–V06/P171Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb (s. V06/P170–V06/P171)
Orijinal Metin (AR)

أما قوله تعالى : { ورفع بعضهم درجات } ففيه قولان الأول : أن المراد منه بيان أن مراتب الرسل متفاوتة ، وذلك لأنه تعالى اتخذ إبراهيم خليلا ، ولم يؤت أحدا مثله هذه الفضيلة ، وجمع لداود الملك والنبوة ولم يحصل هذا لغيره ، وسخر لسليمان الإنس والجن والطير والريح ، ولم يكن هذا حاصلا لأبيه داود عليه السلام ، ومحمد عليه السلام مخصوص بأنه مبعوث إلى الجن والإنس وبأن شرعه ناسخ لكل الشرائع ، وهذا إن حملنا الدرجات على المناصب والمراتب ، أما إذا حملناها على المعجزات ففيه أيضا وجه ، لأن كل واحد من الأنبياء أوتي نوعا آخر من المعجزة لائقا بزمانه فمعجزات موسى عليه السلام ، وهي قلب العصا حية ، واليد البيضاء ، وفلق البحر ، كان كالشبيه بما كان أهل ذلك العصر متقدمين فيه وهو السحر ، ومعجزات عيسى عليه السلام وهي إبراء الأكمه والأبرص ، وإحياء الموتى ، كانت كالشبيه بما كان أهل ذلك العصر متقدمين فيه ، وهو الطب ، ومعجزة محمد عليه السلام ، وهي القرآن كانت من جنس البلاغة والفصاحة والخطب والأشعار ، وبالجملة فالمعجزات متفاوتة بالقلة والكثرة ، وبالبقاء وعدم البقاء ، وبالقوة وعدم القوة ، وفيه وجه ثالث ، وهو أن يكون المراد بتفاوت الدرجات ما يتعلق بالدنيا ، وهو كثرة الأمة والصحابة وقوة الدولة ، فإذا تأملت الوجوه الثلاثة علمت أن محمدا صلى الله عليه وسلم كان مستجمعا للكل فمنصبه أعلى ومعجزاته أبقى وأقوى وقومه أكثر ودولته أعظم وأوفر . القول الثاني : أن المراد بهذه الآية محمد عليه السلام ، لأنه هو المفضل على الكل ، وإنما قال : { ورفع بعضهم درجات } على سبيل التنبيه والرمز كمن فعل فعلا عظيما فيقال له : من فعل هذا / فيقول أحدكم أو بعضكم ويريد به نفسه ، ويكون ذلك أفخم من التصريح به ، وسئل الحطيئة عن أشعر الناس ، فذكر زهيرا والنابغة ، ثم قال : ولو شئت لذكرت الثالث أراد نفسه ، ولو قال : ولو شئت لذكرت نفسي لم يبق فيه فخامة . فإن قيل : المفهوم من قوله : { ورفع بعضهم درجات } هو المفهوم من قوله : { تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض } فما الفائدة في التكرير ؟ وأيضا قوله : { تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض } كلام كلي ، وقوله بعد ذلك : { منهم من كلم الله } شروع في تفصيل تلك الجملة ، وقوله بعد ذلك : { ورفع بعضهم درجات } إعادة لذلك الكلي ، ومعلوم أن إعادة الكلام بعد الشروع في تفصيل جزئياته يكون مستدركا . والجواب : أن قوله : { تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض } يدل على إثبات تفضيل البعض على البعض ، فأما أن يدل على أن ذلك التفضيل حصل بدرجات كثيرة أو بدرجات قليلة فليس فيه دلالة عليه فكان قوله : { ورفع بعضهم درجات } فيه فائدة زائدة فلم يكن تكريرا . أما قوله تعالى : { ولقد ءاتينا موسى الكتاب وقفينا } ففيه سؤالات : السؤال الأول : أنه تعالى قال في أول الآية : { فضلنا بعضهم على بعض } ثم عدل عن هذا النوع من الكلام إلى المغايبة فقال : { منهم من كلم الله ورفع بعضهم درجات } ثم عدل من المغايبة إلى النوع الأول فقال : { ولقد ءاتينا ابن مريم البينات } فما الفائدة في العدول عن المخاطبة إلى المغايبة ثم عنها إلى المخاطبة مرة أخرى ؟ . والجواب : أن قوله : { منهم من كلم الله } أهيب وأكثر وقعا من أن يقال منهم من كلمنا ، ولذلك قال : { وكلم الله موسى تكليما } فلهذا المقصود اختار لفظة الغيبة .

Türkçe Tercümesi (Ehl-i Sünnet)

أما قوله تعالى : { ورفع بعضهم درجات } ففيه قولان الأول : أن المراد منه بيان أن مراتب الرسل متفاوتة ، وذلك لأنه تعالى اتخذ إبراهيم خليلا ، ولم يؤت أحدا مثله هذه الفضيلة ، وجمع لداود الملك والنبوة ولم يحصل هذا لغيره ، وسخر لسليمان الإنس والجن والطير والريح ، ولم يكن هذا حاصلا لأبيه داود عليه السلام ، ومحمد عليه السلام مخصوص بأنه مبعوث إلى الجن والإنس وبأن شرعه ناسخ لكل الشرائع ، وهذا إن حملنا الدرجات على المناصب والمراتب ، أما إذا حملناها على المعجزات ففيه أيضا وجه ، لأن كل واحد من الأنبياء أوتي نوعا آخر من المعجزة لائقا بزمانه فمعجزات موسى عليه السلام ، وهي قلب العصا حية ، واليد البيضاء ، وفلق البحر ، كان كالشبيه بما كان أهل ذلك العصر متقدمين فيه وهو السحر ، ومعجزات عيسى عليه السلام وهي إبراء الأكمه والأبرص ، وإحياء الموتى ، كانت كالشبيه بما كان أهل ذلك العصر متقدمين فيه ، وهو الطب ، ومعجزة محمد عليه السلام ، وهي القرآن كانت من جنس البلاغة والفصاحة والخطب والأشعار ، وبالجملة فالمعجزات متفاوتة بالقلة والكثرة ، وبالبقاء وعدم البقاء ، وبالقوة وعدم القوة ، وفيه وجه ثالث ، وهو أن يكون المراد بتفاوت الدرجات ما يتعلق بالدنيا ، وهو كثرة الأمة والصحابة وقوة الدولة ، فإذا تأملت الوجوه الثلاثة علمت أن محمدا صلى الله عليه وسلم كان مستجمعا للكل فمنصبه أعلى ومعجزاته أبقى وأقوى وقومه أكثر ودولته أعظم وأوفر . القول الثاني : أن المراد بهذه الآية محمد عليه السلام ، لأنه هو المفضل على الكل ، وإنما قال : { ورفع بعضهم درجات } على سبيل التنبيه والرمز كمن فعل فعلا عظيما فيقال له : من فعل هذا / فيقول أحدكم أو بعضكم ويريد به نفسه ، ويكون ذلك أفخم من التصريح به ، وسئل الحطيئة عن أشعر الناس ، فذكر زهيرا والنابغة ، ثم قال : ولو شئت لذكرت الثالث أراد نفسه ، ولو قال : ولو شئت لذكرت نفسي لم يبق فيه فخامة . فإن قيل : المفهوم من قوله : { ورفع بعضهم درجات } هو المفهوم من قوله : { تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض } فما الفائدة في التكرير ؟ وأيضا قوله : { تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض } كلام كلي ، وقوله بعد ذلك : { منهم من كلم الله } شروع في تفصيل تلك الجملة ، وقوله بعد ذلك : { ورفع بعضهم درجات } إعادة لذلك الكلي ، ومعلوم أن إعادة الكلام بعد الشروع في تفصيل جزئياته يكون مستدركا . والجواب : أن قوله : { تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض } يدل على إثبات تفضيل البعض على البعض ، فأما أن يدل على أن ذلك التفضيل حصل بدرجات كثيرة أو بدرجات قليلة فليس فيه دلالة عليه فكان قوله : { ورفع بعضهم درجات } فيه فائدة زائدة فلم يكن تكريرا . أما قوله تعالى : { ولقد ءاتينا موسى الكتاب وقفينا } ففيه سؤالات : السؤال الأول : أنه تعالى قال في أول الآية : { فضلنا بعضهم على بعض } ثم عدل عن هذا النوع من الكلام إلى المغايبة فقال : { منهم من كلم الله ورفع بعضهم درجات } ثم عدل من المغايبة إلى النوع الأول فقال : { ولقد ءاتينا ابن مريم البينات } فما الفائدة في العدول عن المخاطبة إلى المغايبة ثم عنها إلى المخاطبة مرة أخرى ؟ . والجواب : أن قوله : { منهم من كلم الله } أهيب وأكثر وقعا من أن يقال منهم من كلمنا ، ولذلك قال : { وكلم الله موسى تكليما } فلهذا المقصود اختار لفظة الغيبة .

Bölüm V06/P171–V06/P172Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb (s. V06/P171–V06/P172)
Orijinal Metin (AR)

وأما قوله : { ولقد ءاتينا موسى الكتاب وقفينا } فإنما اختار لفظ المخاطبة ، لأن الضمير في قوله : { وءاتينا } ضمير التعظيم وتعظيم المؤتى يدل على عظمة الإيتاء . السؤال الثاني : لم خص موسى وعيسى من بين الأنبياء بالذكر ؟ وهل يدل ذلك على أنهما أفضل من غيرهما ؟ . والجواب : سبب التخصيص أن معجزاتهما أبر وأقوى من معجزات غيرهما وأيضا فأمتهما موجودون حاضرون في هذا الزمان وأمم سائر الأنبياء ليسوا موجودين فتخصيصهما بالذكر تنبيه على الطعن في أمتهما ، كأنه قيل : هذان الرسولان مع علو درجتهما وكثرة معجزاتهما لم يحصل الانقياد من أمتهما ، بل نازعوا وخالفوا ، وعن الواجب عليهم في طاعتهما أعرضوا . السؤال الثالث : تخصيص عيسى بن مريم بإيتاء البينات ، يدل أو يوهم أن إيتاء البينات ما حصل في غيره ، ومعلوم أن ذلك غير جائز فإن قلت : إنما خصهما بالذكر لأن تلك البينات / أقوى ؟ فنقول : إن بينات موسى عليه السلام كانت أقوى من بينات عيسى عليه السلام ، فإن لم تكن أقوى فلا أقل من المساواة . الجواب : المقصود منه التنبيه على قبح أفعال اليهود ، حيث أنكروا نبوة عيسى عليه السلام مع ما ظهر على يديه من البينات اللائحة . السؤال الرابع : البينات جمع قلة ، وذلك لا يليق بهذا المقام . قلنا : لا نسلم أنه جمع قلة ، والله أعلم . أما قوله تعالى : { وأيدناه بروح القدس } ففيه مسألتان : المسألة الأولى : القدس تثقله أهل الحجاز وتخففه تميم . المسألة الثانية : في تفسيره أقوال الأول : قال الحسن : القدس هو الله تعالى ، وروحه جبريل عليه السلام ، والإضافة للتشريف ، والمعنى أعناه بجبريل عليه السلام في أول أمره وفي وسطه وفي آخره ، أما في أول الأمر فلقوله : { فنفخنا فيه من روحنا } ( التحريم : 12 ) وأما في وسطه فلأن جبريل عليه السلام علمه العلوم ، وحفظه من الأعداء ، وأما في آخر الأمر فحين أرادت اليهود قتله أعانه جبريل عليه السلام ورفعه إلى السماء والذي يدل على أن روح القدس جبريل عليه السلام قوله تعالى : { قل نزله روح القدس } ( النحل : 102 ) . والقول الثاني : وهو المنقول عن ابن عباس أن روح القدس هو الاسم الذي كان يحيي به عيسى عليه السلام الموتى . والقول الثالث : وهو قول أبي مسلم : أن روح القدس الذي أيد به يجوز أن يكون الروح الطاهرة التي نفخها الله تعالى فيه ، وأبانه بها عن غيره ممن خلق من اجتماع نطفتي الذكر والأنثى . ثم قال تعالى : { ولو شاء الله ما اقتتل الذين من بعدهم من بعد ما جاءتهم البينات } وفيه مسائل : المسألة الأولى : تعلق هذه بما قبلها هو أن الرسل بعدما جاءتهم البينات ، ووضحت لهم الدلائل والبراهين ، اختلفت أقوامهم ، فمنهم من آمن ومنهم من كفر ، وبسبب ذلك الاختلاف تقاتلوا وتحاربوا . المسألة الثانية : احتج القائلون بأن كل الحوادث بقضاء الله وقدره بهذه الآية ، وقالوا تقدير الآية : ولو شاء الله أن لا يقتتلوا لم يقتتلوا ، والمعنى أن عدم الاقتتال لازم لمشيئة عدم الاقتتال ، وعدم اللازم يدل على عدم اللزوم ، فحيث وجد الاقتتال علمنا أن مشيئه عدم الاقتتال مفقودة ، بل كان الحاصل هو مشيئة الاقتتال ، ولا شك أن ذلك الاقتتال معصية ، فدل ذلك على أن الكفر والإيمان والطاعة والعصيان بقضاء الله وقدره ومشيئته ، وعلى أن قتل الكفار وقتالهم للمؤمنين بإرادة الله تعالى .

Türkçe Tercümesi (Ehl-i Sünnet)

وأما قوله : { ولقد ءاتينا موسى الكتاب وقفينا } فإنما اختار لفظ المخاطبة ، لأن الضمير في قوله : { وءاتينا } ضمير التعظيم وتعظيم المؤتى يدل على عظمة الإيتاء . السؤال الثاني : لم خص موسى وعيسى من بين الأنبياء بالذكر ؟ وهل يدل ذلك على أنهما أفضل من غيرهما ؟ . والجواب : سبب التخصيص أن معجزاتهما أبر وأقوى من معجزات غيرهما وأيضا فأمتهما موجودون حاضرون في هذا الزمان وأمم سائر الأنبياء ليسوا موجودين فتخصيصهما بالذكر تنبيه على الطعن في أمتهما ، كأنه قيل : هذان الرسولان مع علو درجتهما وكثرة معجزاتهما لم يحصل الانقياد من أمتهما ، بل نازعوا وخالفوا ، وعن الواجب عليهم في طاعتهما أعرضوا . السؤال الثالث : تخصيص عيسى بن مريم بإيتاء البينات ، يدل أو يوهم أن إيتاء البينات ما حصل في غيره ، ومعلوم أن ذلك غير جائز فإن قلت : إنما خصهما بالذكر لأن تلك البينات / أقوى ؟ فنقول : إن بينات موسى عليه السلام كانت أقوى من بينات عيسى عليه السلام ، فإن لم تكن أقوى فلا أقل من المساواة . الجواب : المقصود منه التنبيه على قبح أفعال اليهود ، حيث أنكروا نبوة عيسى عليه السلام مع ما ظهر على يديه من البينات اللائحة . السؤال الرابع : البينات جمع قلة ، وذلك لا يليق بهذا المقام . قلنا : لا نسلم أنه جمع قلة ، والله أعلم . أما قوله تعالى : { وأيدناه بروح القدس } ففيه مسألتان : المسألة الأولى : القدس تثقله أهل الحجاز وتخففه تميم . المسألة الثانية : في تفسيره أقوال الأول : قال الحسن : القدس هو الله تعالى ، وروحه جبريل عليه السلام ، والإضافة للتشريف ، والمعنى أعناه بجبريل عليه السلام في أول أمره وفي وسطه وفي آخره ، أما في أول الأمر فلقوله : { فنفخنا فيه من روحنا } ( التحريم : 12 ) وأما في وسطه فلأن جبريل عليه السلام علمه العلوم ، وحفظه من الأعداء ، وأما في آخر الأمر فحين أرادت اليهود قتله أعانه جبريل عليه السلام ورفعه إلى السماء والذي يدل على أن روح القدس جبريل عليه السلام قوله تعالى : { قل نزله روح القدس } ( النحل : 102 ) . والقول الثاني : وهو المنقول عن ابن عباس أن روح القدس هو الاسم الذي كان يحيي به عيسى عليه السلام الموتى . والقول الثالث : وهو قول أبي مسلم : أن روح القدس الذي أيد به يجوز أن يكون الروح الطاهرة التي نفخها الله تعالى فيه ، وأبانه بها عن غيره ممن خلق من اجتماع نطفتي الذكر والأنثى . ثم قال تعالى : { ولو شاء الله ما اقتتل الذين من بعدهم من بعد ما جاءتهم البينات } وفيه مسائل : المسألة الأولى : تعلق هذه بما قبلها هو أن الرسل بعدما جاءتهم البينات ، ووضحت لهم الدلائل والبراهين ، اختلفت أقوامهم ، فمنهم من آمن ومنهم من كفر ، وبسبب ذلك الاختلاف تقاتلوا وتحاربوا . المسألة الثانية : احتج القائلون بأن كل الحوادث بقضاء الله وقدره بهذه الآية ، وقالوا تقدير الآية : ولو شاء الله أن لا يقتتلوا لم يقتتلوا ، والمعنى أن عدم الاقتتال لازم لمشيئة عدم الاقتتال ، وعدم اللازم يدل على عدم اللزوم ، فحيث وجد الاقتتال علمنا أن مشيئه عدم الاقتتال مفقودة ، بل كان الحاصل هو مشيئة الاقتتال ، ولا شك أن ذلك الاقتتال معصية ، فدل ذلك على أن الكفر والإيمان والطاعة والعصيان بقضاء الله وقدره ومشيئته ، وعلى أن قتل الكفار وقتالهم للمؤمنين بإرادة الله تعالى .

Bölüm V06/P172–V06/P173Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb (s. V06/P172–V06/P173)
Orijinal Metin (AR)

/ وأما المعتزلة فقد أجابوا عن الاستدلال ، وقالوا : المقصود من الآية بيان أن الكفار إذا قتلوا فليس ذلك بغلبة منهم لله تعالى وهذا المقصود يحصل بأن يقال : إنه تعالى لو شاء لأهلكهم وأبادهم أو يقال : لو شاء لسلب القوى والقدر منهم أو يقال : لو شاء لمنعهم من القتال جبرا وقسرا وإذا كان كذلك فقوله : { ولو شاء الله } المراد منه هذه الأنواع من المشيئة ، وهذا كما يقال : لو شاء الإمام لم يعبد المجوس النار في مملكته ، ولم تشرب النصارى الخمر ، والمراد منه المشيئة التي ذكرناها ، وكذا ههنا ، ثم أكد القاضي هذه الأجوبة وقال : إذا كانت المشيئة تقع على وجوه وتنتفي على وجوه لم يكن في الظاهر دلالة على الوجه المخصوص ، لا سيما وهذه الأنواع من المشيئة متباينة متنافية . والجواب : أن أنواع المشيئة وإن اختلفت وتباينت إلا أنها مشتركة في عموم كونها مشيئة ، والمذكور في الآية في معرض الشرط هو المشيئة من حيث إنها مشيئة ، لا من حيث إنها مشيئة خاصة ، فوجب أن يكون هذا المسمى حاصلا ، وتخصيص المشيئة بمشيئة خاصة ، وهي إما مشيئة الهلاك ، أو مشيئة سلب القوى والقدر ، أو مشيئة القهر والإجبار ، تقييد للمطلق وهو غير جائز ، وكما أن هذا التخصيص على خلاف ظاهر اللفظ فهو على خلاف الدليل القاطع ، وذلك لأن الله تعالى إذا كان عالما بوقوع الاقتتال ، والعلم بوقوع الاقتتال حال عدم وقوع الاقتتال جمع بين النفي والإثبات ، وبين السلب والإيجاب ، فحال حصول العلم بوجود الاقتتال لو أراد عدم الاقتتال لكان قد أراد الجمع بين النفي والإثبات وذلك محال ، فثبت أن ظاهر الآية على ضد قولهم ، والبرهان القاطع على ضد قولهم وبالله التوفيق . ثم قال : { ولاكن اختلفوا فمنهم من ءامن ومنهم من كفر } فقد ذكرنا في أول الآية أن المعنى : ولو شاء لم يختلفوا ، وإذا لم يختلفوا لم يقتتلوا ، وإذا اختلفوا فلا جرم اقتتلوا ، وهذه الآية دالة على أن الفعل لا يقع إلا بعد حصول الداعي ، لأنه بين أن الاختلاف يستلزم التقاتل ، والمعنى أن اختلافهم في الدين يدعوهم إلى المقاتلة ، وذلك يدل على أن المقاتلة لا تقع إلا لهذا الداعي ، وعلى أنه متى حصل هذا الداعي وقعت المقاتلة ، فمن هذا الوجه يدل على أن الفعل ممتنع الوقوع عند عدم الداعي ، وواجب عند حصول الداعي ، ومتى ثبت ذلك ظهر أن الكل بقضاء الله وقدره ، لأن الدواعي تستند لا محالة إلى داعية يخلقها الله في العبد دفعا للتسلسل ، فكانت الآية دالة أيضا من هذا الوجه على صحة مذهبنا . ثم قال : { ولو شاء الله ما اقتتلوا } فإن قيل : فما الفائدة في التكرير ؟ . قلنا : قال الواحدي رحمه الله تعالى : إنما كرره تأكيدا للكلام وتكذيبا لمن زعم أنهم فعلوا ذلك من عند أنفسهم ولم يجر به قضاء ولا قدر من الله تعالى .

Türkçe Tercümesi (Ehl-i Sünnet)

/ وأما المعتزلة فقد أجابوا عن الاستدلال ، وقالوا : المقصود من الآية بيان أن الكفار إذا قتلوا فليس ذلك بغلبة منهم لله تعالى وهذا المقصود يحصل بأن يقال : إنه تعالى لو شاء لأهلكهم وأبادهم أو يقال : لو شاء لسلب القوى والقدر منهم أو يقال : لو شاء لمنعهم من القتال جبرا وقسرا وإذا كان كذلك فقوله : { ولو شاء الله } المراد منه هذه الأنواع من المشيئة ، وهذا كما يقال : لو شاء الإمام لم يعبد المجوس النار في مملكته ، ولم تشرب النصارى الخمر ، والمراد منه المشيئة التي ذكرناها ، وكذا ههنا ، ثم أكد القاضي هذه الأجوبة وقال : إذا كانت المشيئة تقع على وجوه وتنتفي على وجوه لم يكن في الظاهر دلالة على الوجه المخصوص ، لا سيما وهذه الأنواع من المشيئة متباينة متنافية . والجواب : أن أنواع المشيئة وإن اختلفت وتباينت إلا أنها مشتركة في عموم كونها مشيئة ، والمذكور في الآية في معرض الشرط هو المشيئة من حيث إنها مشيئة ، لا من حيث إنها مشيئة خاصة ، فوجب أن يكون هذا المسمى حاصلا ، وتخصيص المشيئة بمشيئة خاصة ، وهي إما مشيئة الهلاك ، أو مشيئة سلب القوى والقدر ، أو مشيئة القهر والإجبار ، تقييد للمطلق وهو غير جائز ، وكما أن هذا التخصيص على خلاف ظاهر اللفظ فهو على خلاف الدليل القاطع ، وذلك لأن الله تعالى إذا كان عالما بوقوع الاقتتال ، والعلم بوقوع الاقتتال حال عدم وقوع الاقتتال جمع بين النفي والإثبات ، وبين السلب والإيجاب ، فحال حصول العلم بوجود الاقتتال لو أراد عدم الاقتتال لكان قد أراد الجمع بين النفي والإثبات وذلك محال ، فثبت أن ظاهر الآية على ضد قولهم ، والبرهان القاطع على ضد قولهم وبالله التوفيق . ثم قال : { ولاكن اختلفوا فمنهم من ءامن ومنهم من كفر } فقد ذكرنا في أول الآية أن المعنى : ولو شاء لم يختلفوا ، وإذا لم يختلفوا لم يقتتلوا ، وإذا اختلفوا فلا جرم اقتتلوا ، وهذه الآية دالة على أن الفعل لا يقع إلا بعد حصول الداعي ، لأنه بين أن الاختلاف يستلزم التقاتل ، والمعنى أن اختلافهم في الدين يدعوهم إلى المقاتلة ، وذلك يدل على أن المقاتلة لا تقع إلا لهذا الداعي ، وعلى أنه متى حصل هذا الداعي وقعت المقاتلة ، فمن هذا الوجه يدل على أن الفعل ممتنع الوقوع عند عدم الداعي ، وواجب عند حصول الداعي ، ومتى ثبت ذلك ظهر أن الكل بقضاء الله وقدره ، لأن الدواعي تستند لا محالة إلى داعية يخلقها الله في العبد دفعا للتسلسل ، فكانت الآية دالة أيضا من هذا الوجه على صحة مذهبنا . ثم قال : { ولو شاء الله ما اقتتلوا } فإن قيل : فما الفائدة في التكرير ؟ . قلنا : قال الواحدي رحمه الله تعالى : إنما كرره تأكيدا للكلام وتكذيبا لمن زعم أنهم فعلوا ذلك من عند أنفسهم ولم يجر به قضاء ولا قدر من الله تعالى .

Bölüm V06/P173–V06/P174Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb (s. V06/P173–V06/P174)
Orijinal Metin (AR)

ثم قال : { ولاكن الله يفعل ما يريد } فيوفق من يشاء ويخذل من يشاء لا اعتراض عليه في فعله / واحتج الأصحاب بهذه الآية على أنه تعالى هو الخالق لإيمان المؤمنين ، وقالوا : لأن الخصم يساعد على أنه تعالى يريد الإيمان من المؤمن ، ودلت الآية على أنه يفعل كل ما يريد ، فوجب أن يكون الفاعل لإيمان المؤمن هو الله تعالى ، وأيضا لما دل على أنه يفعل كل ما يريد فلو كان يريد الإيمان من الكفار لفعل فيهم الإيمان ، ولكانوا مؤمنين ، ولما لم يكن كذلك دل على أنه تعالى لا يريد الإيمان منهم ، فكانت هذه الآية دالة على مسألة خلق الأعمال ، وعلى مسألة إرادة الكائنات والمعتزلة يقيدون المطلق ويقولون : المراد يفعل كل ما يريد من أفعال نفسه ، وهذا ضعيف لوجوه أحدها : أنه تقييد للمطلق والثاني : أنه على هذا التقييد تصير الآية بيانا للواضحات فإنه يصير معنى الآية أنه يفعل ما يفعله الثالث : أن كل أحد كذلك فلا يكون في وصف الله تعالى بذلك دليلا على كمال قدرته وعلو مرتبته والله أعلم . ! 7 < { ياأيها الذين ءامنوا أنفقوا مما رزقناكم من قبل أن يأتى يوم لا بيع فيه ولا خلة ولا شفاعة والكافرون هم الظالمون } . > 7 ! < < البقرة : ( 254 ) يا أيها الذين . . . . . > > اعلم أن أصعب الأشياء على الإنسان بذل النفس في القتال ، وبذل المال في الإنفاق فلما قدم الأمر بالقتال أعقبه بالأمر بالإنفاق ، وأيضا فيه وجه آخر ، وهو أنه تعالى أمر بالقتال فيما سبق بقوله : { وقاتلوا في سبيل الله } ثم أعقبه بقوله : { من ذا الذى يقرض الله قرضا حسنا } ( البقرة : 245 ) والمقصود منه إنفاق المال في الجهاد ، ثم إنه مرة ثانية أكد الأمر بالقتال وذكر فيه قصة طالوت ، ثم أعقبه بالأمر بالإنفاق في الجهاد ، وهو قوله : { يريد يأيها الذين ءامنوا أنفقوا } . إذا عرفت وجه النظم فنقول في الآية مسائل : المسألة الأولى : المعتزلة احتجوا على أن الرزق لا يكون إلا حلالا بقوله : { أنفقوا مما رزقناكم } فنقول : الله تعالى أمر بالإنفاق من كل ما كان رزقا بالإجماع أما ما كان حراما فإنه لا يجوز إنفاقه ، وهذا يفيد القطع بأن الرزق لا يكون حراما ، والأصحاب قالوا : ظاهر الآية وإن كان يدل على الأمر بإنفاق كل ما كان رزقا إلا أنا نخصص هذا الأمر بإنفاق كل ما كان رزقا حلالا . المسألة الثانية : اختلفوا في أن قوله : { أنفقوا } مختص بالإنفاق الواجب كالزكاة أم هو عام / في كل الإنفاقات سواء كانت واجبة أو مندوبة ، فقال الحسن : هذا الأمر مختص بالزكاة ، قال لأن قوله : { من قبل أن يأتى يوم لا بيع فيه ولا خلة } كالوعد والوعيد لا يتوجه إلا على الواجب وقال الأكثرون : هذا الأمر يتناول الواجب والمندوب ، وليس في الآية وعيد ، فكأنه قيل : حصلوا منافع الآخرة حين تكونون في الدنيا ، فإنكم إذا خرجتم من الدنيا لا يمكنكم تحصيلها واكتسابها في الآخرة والقول الثالث : أن المراد منه الإنفاق في الجهاد : والدليل عليه أنه مذكور بعد الأمر بالجهاد ، فكان المراد منه الإنفاق في الجهاد ، وهذا قول الأصم .

Türkçe Tercümesi (Ehl-i Sünnet)

ثم قال : { ولاكن الله يفعل ما يريد } فيوفق من يشاء ويخذل من يشاء لا اعتراض عليه في فعله / واحتج الأصحاب بهذه الآية على أنه تعالى هو الخالق لإيمان المؤمنين ، وقالوا : لأن الخصم يساعد على أنه تعالى يريد الإيمان من المؤمن ، ودلت الآية على أنه يفعل كل ما يريد ، فوجب أن يكون الفاعل لإيمان المؤمن هو الله تعالى ، وأيضا لما دل على أنه يفعل كل ما يريد فلو كان يريد الإيمان من الكفار لفعل فيهم الإيمان ، ولكانوا مؤمنين ، ولما لم يكن كذلك دل على أنه تعالى لا يريد الإيمان منهم ، فكانت هذه الآية دالة على مسألة خلق الأعمال ، وعلى مسألة إرادة الكائنات والمعتزلة يقيدون المطلق ويقولون : المراد يفعل كل ما يريد من أفعال نفسه ، وهذا ضعيف لوجوه أحدها : أنه تقييد للمطلق والثاني : أنه على هذا التقييد تصير الآية بيانا للواضحات فإنه يصير معنى الآية أنه يفعل ما يفعله الثالث : أن كل أحد كذلك فلا يكون في وصف الله تعالى بذلك دليلا على كمال قدرته وعلو مرتبته والله أعلم . ! 7 < { ياأيها الذين ءامنوا أنفقوا مما رزقناكم من قبل أن يأتى يوم لا بيع فيه ولا خلة ولا شفاعة والكافرون هم الظالمون } . > 7 ! < < البقرة : ( 254 ) يا أيها الذين . . . . . > > اعلم أن أصعب الأشياء على الإنسان بذل النفس في القتال ، وبذل المال في الإنفاق فلما قدم الأمر بالقتال أعقبه بالأمر بالإنفاق ، وأيضا فيه وجه آخر ، وهو أنه تعالى أمر بالقتال فيما سبق بقوله : { وقاتلوا في سبيل الله } ثم أعقبه بقوله : { من ذا الذى يقرض الله قرضا حسنا } ( البقرة : 245 ) والمقصود منه إنفاق المال في الجهاد ، ثم إنه مرة ثانية أكد الأمر بالقتال وذكر فيه قصة طالوت ، ثم أعقبه بالأمر بالإنفاق في الجهاد ، وهو قوله : { يريد يأيها الذين ءامنوا أنفقوا } . إذا عرفت وجه النظم فنقول في الآية مسائل : المسألة الأولى : المعتزلة احتجوا على أن الرزق لا يكون إلا حلالا بقوله : { أنفقوا مما رزقناكم } فنقول : الله تعالى أمر بالإنفاق من كل ما كان رزقا بالإجماع أما ما كان حراما فإنه لا يجوز إنفاقه ، وهذا يفيد القطع بأن الرزق لا يكون حراما ، والأصحاب قالوا : ظاهر الآية وإن كان يدل على الأمر بإنفاق كل ما كان رزقا إلا أنا نخصص هذا الأمر بإنفاق كل ما كان رزقا حلالا . المسألة الثانية : اختلفوا في أن قوله : { أنفقوا } مختص بالإنفاق الواجب كالزكاة أم هو عام / في كل الإنفاقات سواء كانت واجبة أو مندوبة ، فقال الحسن : هذا الأمر مختص بالزكاة ، قال لأن قوله : { من قبل أن يأتى يوم لا بيع فيه ولا خلة } كالوعد والوعيد لا يتوجه إلا على الواجب وقال الأكثرون : هذا الأمر يتناول الواجب والمندوب ، وليس في الآية وعيد ، فكأنه قيل : حصلوا منافع الآخرة حين تكونون في الدنيا ، فإنكم إذا خرجتم من الدنيا لا يمكنكم تحصيلها واكتسابها في الآخرة والقول الثالث : أن المراد منه الإنفاق في الجهاد : والدليل عليه أنه مذكور بعد الأمر بالجهاد ، فكان المراد منه الإنفاق في الجهاد ، وهذا قول الأصم .

Bölüm V06/P174Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb (s. V06/P174)
Orijinal Metin (AR)

المسألة الثالثة : قرأ ابن كثير وأبو عمرو { لا بيع ولا خلة ولا شفاعة } بالنصب ، وفي سورة إبراهيم عليه السلام { لا بيع فيه ولا خلال } ( إبراهيم : 31 ) وفي الطور { لا لغو فيها ولا تأثيم } ( الطور : 23 ) والباقون جميعا بالرفع ، والفرق بين النصب والرفع قد ذكرناه في قوله : { فلا رفث ولا فسوق ولا جدال } ( البقرة : 197 ) . المسألة الرابعة : المقصود من الآية أن الإنسان يجىء وحده ، ولا يكون معه شيء مما حصله في الدنيا ، قال تعالى : { ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول مرة وتركتم ما خولناكم وراء ظهوركم } ( الأنعام : 94 ) وقال : { ونرثه ما يقول ويأتينا فردا } ( مريم : 80 ) . أما قوله : { لا بيع فيه } ففيه وجهان الأول : أن البيع ههنا بمعنى الفدية ، كما قال : { فاليوم لا يؤخذ منكم فدية } ( الحديد : 15 ) وقال : { ولا يقبل منها عدل } ( البقرة : 123 ) وقال : { وإن تعدل كل عدل لا يؤخذ منها } ( الأنعام : 7 ) فكأنه قال : من قبل أن يأتي يوم لا تجارة فيه فتكتسب ما تفتدي به من العذاب والثاني : أن يكون المعنى : قدموا لأنفسكم من المال الذي هو في ملككم قبل أن يأتي اليوم الذي لا يكون فيه تجارة ولا مبايعة حتى يكتسب شيء من المال . أما قوله : { ولا خلة } فالمراد المودة / ونظيره من الآيات قوله تعالى : { الاخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين } ( الزخرف : 67 ) وقال : { وتقطعت بهم الاسباب } ( البقرة : 166 ) وقال : { ويوم القيامة يكفرون بعضكم ببعض ويلعن بعضكم بعضا } ( العنكبوت : 25 ) وقال حكاية عن الكفار : { فما لنا من شافعين ولا صديق حميم } ( الشعراء : 100 ) وقال : { وما للظالمين من أنصار } ( البقرة : 270 ) وأما قوله : { ولا شفاعة } يقتضي نفي كل الشفاعات . واعلم أن قوله : { ولا خلة ولا شفاعة } عام في الكل ، إلا أن سائر الدلائل دلت على ثبوت المودة والمحبة بين المؤمنين ، وعلى ثبوت الشفاعة للمؤمنين ، وقد بيناه في تفسير قوله تعالى : { واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله } ( البقرة : 281 ) { لا تجزى نفس عن نفس شيئا ولا يقبل منها شفاعة } ( البقرة : 48 ) . واعلم أن السبب في عدم الخلة والشفاعة يوم القيامة أمور أحدها : أن كل أحد يكون مشغولا بنفسه ، على ما قال تعالى : { لكل امرىء منهم يومئذ شأن } ( عبس : 37 ) والثاني : أن الخوف الشديد غالب على كل أحد ، على ما قال : { عظيم يوم ترونها تذهل كل مرضعة عما أرضعت وتضع كل ذات حمل حملها وترى الناس سكارى وما هم بسكارى } ( الحج : 2 ) والثالث : أنه إذا نزل العذاب بسبب الكفر والفسق صار / مبغضا لهذين الأمرين ، وإذا صار مبغضا لهما صار مبغضا لمن كان موصوفا بهما .

Türkçe Tercümesi (Ehl-i Sünnet)

المسألة الثالثة : قرأ ابن كثير وأبو عمرو { لا بيع ولا خلة ولا شفاعة } بالنصب ، وفي سورة إبراهيم عليه السلام { لا بيع فيه ولا خلال } ( إبراهيم : 31 ) وفي الطور { لا لغو فيها ولا تأثيم } ( الطور : 23 ) والباقون جميعا بالرفع ، والفرق بين النصب والرفع قد ذكرناه في قوله : { فلا رفث ولا فسوق ولا جدال } ( البقرة : 197 ) . المسألة الرابعة : المقصود من الآية أن الإنسان يجىء وحده ، ولا يكون معه شيء مما حصله في الدنيا ، قال تعالى : { ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول مرة وتركتم ما خولناكم وراء ظهوركم } ( الأنعام : 94 ) وقال : { ونرثه ما يقول ويأتينا فردا } ( مريم : 80 ) . أما قوله : { لا بيع فيه } ففيه وجهان الأول : أن البيع ههنا بمعنى الفدية ، كما قال : { فاليوم لا يؤخذ منكم فدية } ( الحديد : 15 ) وقال : { ولا يقبل منها عدل } ( البقرة : 123 ) وقال : { وإن تعدل كل عدل لا يؤخذ منها } ( الأنعام : 7 ) فكأنه قال : من قبل أن يأتي يوم لا تجارة فيه فتكتسب ما تفتدي به من العذاب والثاني : أن يكون المعنى : قدموا لأنفسكم من المال الذي هو في ملككم قبل أن يأتي اليوم الذي لا يكون فيه تجارة ولا مبايعة حتى يكتسب شيء من المال . أما قوله : { ولا خلة } فالمراد المودة / ونظيره من الآيات قوله تعالى : { الاخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين } ( الزخرف : 67 ) وقال : { وتقطعت بهم الاسباب } ( البقرة : 166 ) وقال : { ويوم القيامة يكفرون بعضكم ببعض ويلعن بعضكم بعضا } ( العنكبوت : 25 ) وقال حكاية عن الكفار : { فما لنا من شافعين ولا صديق حميم } ( الشعراء : 100 ) وقال : { وما للظالمين من أنصار } ( البقرة : 270 ) وأما قوله : { ولا شفاعة } يقتضي نفي كل الشفاعات . واعلم أن قوله : { ولا خلة ولا شفاعة } عام في الكل ، إلا أن سائر الدلائل دلت على ثبوت المودة والمحبة بين المؤمنين ، وعلى ثبوت الشفاعة للمؤمنين ، وقد بيناه في تفسير قوله تعالى : { واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله } ( البقرة : 281 ) { لا تجزى نفس عن نفس شيئا ولا يقبل منها شفاعة } ( البقرة : 48 ) . واعلم أن السبب في عدم الخلة والشفاعة يوم القيامة أمور أحدها : أن كل أحد يكون مشغولا بنفسه ، على ما قال تعالى : { لكل امرىء منهم يومئذ شأن } ( عبس : 37 ) والثاني : أن الخوف الشديد غالب على كل أحد ، على ما قال : { عظيم يوم ترونها تذهل كل مرضعة عما أرضعت وتضع كل ذات حمل حملها وترى الناس سكارى وما هم بسكارى } ( الحج : 2 ) والثالث : أنه إذا نزل العذاب بسبب الكفر والفسق صار / مبغضا لهذين الأمرين ، وإذا صار مبغضا لهما صار مبغضا لمن كان موصوفا بهما .

Bölüm V06/P174–V06/P176Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb (s. V06/P174–V06/P176)
Orijinal Metin (AR)

أما قوله تعالى : { والكافرون هم الظالمون } فنقل عن عطاء بن يسار أنه كان يقول : الحمد لله الذي قال : { والكافرون هم الظالمون } ولم يقل الظالمون هم الكافرون ، ثم ذكروا في تأويل هذه الآية وجوها أحدها : أنه تعالى لما قال : { ولا خلة ولا شفاعة } أوهم ذلك نفي الخلة والشفاعة مطلقا ، فذكر تعالى عقيبه : { والكافرون هم الظالمون } ليدل على أن ذلك النفي مختص بالكافرين ، وعلى هذا التقدير تصير الآية دالة على إثبات الشفاعة في حق الفساق ، قال القاضي : هذا التأويل غير صحيح لأن قوله : { والكافرون هم الظالمون } كلام مبتدأ فلم يجب تعليقه بما تقدم . والجواب : أنا لو جعلنا هذا الكلام مبتدأ تطرق الخلف إلى كلام الله تعالى ، لأن غير الكافرين قد يكون ظالما ، أما إذا علقناه بما تقدم زال الإشكال فوجب المصير إلى تعليقه بما قبله . التأويل الثاني : أن الكافرين إذا دخلوا النار عجزوا عن التخلص عن ذلك العذاب ، فالله تعالى لم يظلمهم بذلك العذاب ، بل هم الذين ظلموا أنفسهم حيث اختاروا الكفر والفسق حتى صاروا مستحقين لهذا العذاب ، ونظيره قوله تعالى : { ووجدوا ما عملوا حاضرا ولا يظلم ربك أحدا } ( الكهف : 49 ) . والتأويل الثالث : أن الكافرين هم الظالمون حيث تركوا تقديم الخيرات ليوم فاقتهم وحاجتهم وأنتم أيها الحاضرون لا تقتدوا بهم في هذا الاختيار الردىء ، ولكن قدموا لأنفسكم ما تجعلونه يوم القيامة فدية لأنفسكم من عذاب الله . والتأويل الرابع : الكافرون هم الظالمون لأنفسهم بوضع الأمور في غير مواضعها ، لتوقعهم الشفاعة ممن لا يشفع لهم عند الله ، فإنهم كانوا يقولون في الأوثان : { هؤلاء شفعاؤنا عند الله } ( يونس : 18 ) ، وقالوا أيضا : { ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى } ( الزمر : 3 ) فمن عبد جمادا وتوقع أن يكون شفيعا له عند الله فقد ظلم نفسه حيث توقع الخير ممن لا يجوز التوقع منه . والتأويل الخامس : المراد من الظلم ترك الإنفاق ، قال تعالى : { اتت أكلها ولم تظلم منه شيئا } ( الكهف : 3 ) أي أعطت ولم تمنع فيكون معنى الآية والكافرون التاركون للإنفاق في سبيل الله ، وأما المسلم فلا بد وأن ينفق منه شيئا قل أو كثر . والتأويل السادس : { والكافرون هم الظالمون } أي هم الكاملون في الظلم البالغون المبلغ العظيم فيه كما يقال : العلماء هم المتكلمون أي هم الكاملون في العلم فكذا ههنا ، وأكثر هذه الوجوه قد ذكرها القفال رحمه الله والله أعلم . ! 7 < { الله لا إلاه إلا هو الحى القيوم لا تأخذه سنة ولا نوم له ما في السماوات وما في الا رض من ذا الذى يشفع عنده إلا بإذنه يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شآء وسع كرسيه السماوات والا رض ولا يؤوده حفظهما وهو العلى العظيم } . > 7 ! < < البقرة : ( 255 ) الله لا إله . . . . .

Türkçe Tercümesi (Ehl-i Sünnet)

أما قوله تعالى : { والكافرون هم الظالمون } فنقل عن عطاء بن يسار أنه كان يقول : الحمد لله الذي قال : { والكافرون هم الظالمون } ولم يقل الظالمون هم الكافرون ، ثم ذكروا في تأويل هذه الآية وجوها أحدها : أنه تعالى لما قال : { ولا خلة ولا شفاعة } أوهم ذلك نفي الخلة والشفاعة مطلقا ، فذكر تعالى عقيبه : { والكافرون هم الظالمون } ليدل على أن ذلك النفي مختص بالكافرين ، وعلى هذا التقدير تصير الآية دالة على إثبات الشفاعة في حق الفساق ، قال القاضي : هذا التأويل غير صحيح لأن قوله : { والكافرون هم الظالمون } كلام مبتدأ فلم يجب تعليقه بما تقدم . والجواب : أنا لو جعلنا هذا الكلام مبتدأ تطرق الخلف إلى كلام الله تعالى ، لأن غير الكافرين قد يكون ظالما ، أما إذا علقناه بما تقدم زال الإشكال فوجب المصير إلى تعليقه بما قبله . التأويل الثاني : أن الكافرين إذا دخلوا النار عجزوا عن التخلص عن ذلك العذاب ، فالله تعالى لم يظلمهم بذلك العذاب ، بل هم الذين ظلموا أنفسهم حيث اختاروا الكفر والفسق حتى صاروا مستحقين لهذا العذاب ، ونظيره قوله تعالى : { ووجدوا ما عملوا حاضرا ولا يظلم ربك أحدا } ( الكهف : 49 ) . والتأويل الثالث : أن الكافرين هم الظالمون حيث تركوا تقديم الخيرات ليوم فاقتهم وحاجتهم وأنتم أيها الحاضرون لا تقتدوا بهم في هذا الاختيار الردىء ، ولكن قدموا لأنفسكم ما تجعلونه يوم القيامة فدية لأنفسكم من عذاب الله . والتأويل الرابع : الكافرون هم الظالمون لأنفسهم بوضع الأمور في غير مواضعها ، لتوقعهم الشفاعة ممن لا يشفع لهم عند الله ، فإنهم كانوا يقولون في الأوثان : { هؤلاء شفعاؤنا عند الله } ( يونس : 18 ) ، وقالوا أيضا : { ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى } ( الزمر : 3 ) فمن عبد جمادا وتوقع أن يكون شفيعا له عند الله فقد ظلم نفسه حيث توقع الخير ممن لا يجوز التوقع منه . والتأويل الخامس : المراد من الظلم ترك الإنفاق ، قال تعالى : { اتت أكلها ولم تظلم منه شيئا } ( الكهف : 3 ) أي أعطت ولم تمنع فيكون معنى الآية والكافرون التاركون للإنفاق في سبيل الله ، وأما المسلم فلا بد وأن ينفق منه شيئا قل أو كثر . والتأويل السادس : { والكافرون هم الظالمون } أي هم الكاملون في الظلم البالغون المبلغ العظيم فيه كما يقال : العلماء هم المتكلمون أي هم الكاملون في العلم فكذا ههنا ، وأكثر هذه الوجوه قد ذكرها القفال رحمه الله والله أعلم . ! 7 < { الله لا إلاه إلا هو الحى القيوم لا تأخذه سنة ولا نوم له ما في السماوات وما في الا رض من ذا الذى يشفع عنده إلا بإذنه يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شآء وسع كرسيه السماوات والا رض ولا يؤوده حفظهما وهو العلى العظيم } . > 7 ! < < البقرة : ( 255 ) الله لا إله . . . . .

Bölüm V06/P176–V07/P003Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb (s. V06/P176–V07/P003)
Orijinal Metin (AR)

> > اعلم أن من عادته سبحانه وتعالى في هذا الكتاب الكريم أنه يخلط هذه الأنواع الثلاثة بعضها بالبعض ، أعني علم التوحيد ، وعلم الأحكام ، وعلم القصص ، والمقصود من ذكر القصص إما تقرير دلائل التوحيد ، وإما المبالغة في إلزام الأحكام والتكاليف ، وهذا الطريق هو الطريق الأحسن لا إبقاء الإنسان في النوع الواحد لأنه يوجب الملال ، فأما إذا انتقل من نوع من العلوم إلى نوع آخر فكأنه يشرح به الصدر ويفرح به القلب ، فكأنه سافر من بلد إلى بلد آخر وانتقل من بستان إلى بستان آخر ، وانتقل من تناول طعام لذيذ إلى تناول نوع آخر ، ولا شك أنه يكون ألذ وأشهى ، ولما ذكر فيما تقدم من علم الأحكام ومن علم القصص ما رآه مصلحة ذكر الآن ما يتعلق بعلم التوحيد ، فقال : { الله لا إلاه إلا هو الحى القيوم } وفي الآية مسائل : المسألة الأولى : في فضائل هذه الآية روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : / ( ما قرئت هذه الآية في دار إلا اهتجرتها الشياطين ثلاثين يوما ولا يدخلها ساحر ولا ساحرة أربعين ليلة ) وعن علي أنه قال : سمعت نبيكم على أعواد المنبر وهو يقول : ( من قرأ آية الكرسي في دبر كل صلاة مكتوبة لم يمنعه من دخول الجنة إلا الموت ، ولا يواظب عليها إلا صديق أو عابد ، ومن قرأها إذا أخذ مضجعه أمنه الله على نفسه وجاره وجار جاره والأبيات التي حوله ) وتذاكر الصحابة أفضل ما في القرآن فقال لهم علي : أين أنتم من آية الكرسي ، ثم قال قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( يا علي سيد البشر آدم ، وسيد العرب محمد ولا فخر ، وسيد الكلام القرآن ، وسيد القرآن البقرة ، وسيد البقرة آية الكرسي ) وعن علي أنه قال : لما كان يوم بدر قاتلت ثم جئت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أنظر ماذا يصنع ، قال فجئت وهو ساجد يقول : يا حي يا قيوم ، لا يزيد على ذلك ، ثم رجعت إلى القتال ثم جئت وهو يقول ذلك ، فلا أزال أذهب وأرجع وأنظر إليه ، وكان لا يزيد على ذلك إلى أن فتح الله له . واعلم أن الذكر والعلم يتبعان المذكور والمعلوم فكلما كان المذكور والمعلوم أشرف كان الذكر والعلم أشرف ، وأشرف المذكورات والمعلومات هو الله سبحانه بل هو متعال عن أن يقال : إنه أشرف من غيره ، لأن ذلك يقتضي نوع مجانسة ومشاكلة ، وهو مقدس عن مجانسة ما سواه ، فلهذا السبب كل كلام اشتمل على نعوت جلاله وصفات كبريائه ، كان ذلك الكلام في نهاية الجلال والشرف ، ولما كانت هذه الآية كذلك لا جرم كانت هذه الآية بالغة في الشرف إلى أقصى الغايات وأبلغ النهايات .

Türkçe Tercümesi (Ehl-i Sünnet)

> > اعلم أن من عادته سبحانه وتعالى في هذا الكتاب الكريم أنه يخلط هذه الأنواع الثلاثة بعضها بالبعض ، أعني علم التوحيد ، وعلم الأحكام ، وعلم القصص ، والمقصود من ذكر القصص إما تقرير دلائل التوحيد ، وإما المبالغة في إلزام الأحكام والتكاليف ، وهذا الطريق هو الطريق الأحسن لا إبقاء الإنسان في النوع الواحد لأنه يوجب الملال ، فأما إذا انتقل من نوع من العلوم إلى نوع آخر فكأنه يشرح به الصدر ويفرح به القلب ، فكأنه سافر من بلد إلى بلد آخر وانتقل من بستان إلى بستان آخر ، وانتقل من تناول طعام لذيذ إلى تناول نوع آخر ، ولا شك أنه يكون ألذ وأشهى ، ولما ذكر فيما تقدم من علم الأحكام ومن علم القصص ما رآه مصلحة ذكر الآن ما يتعلق بعلم التوحيد ، فقال : { الله لا إلاه إلا هو الحى القيوم } وفي الآية مسائل : المسألة الأولى : في فضائل هذه الآية روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : / ( ما قرئت هذه الآية في دار إلا اهتجرتها الشياطين ثلاثين يوما ولا يدخلها ساحر ولا ساحرة أربعين ليلة ) وعن علي أنه قال : سمعت نبيكم على أعواد المنبر وهو يقول : ( من قرأ آية الكرسي في دبر كل صلاة مكتوبة لم يمنعه من دخول الجنة إلا الموت ، ولا يواظب عليها إلا صديق أو عابد ، ومن قرأها إذا أخذ مضجعه أمنه الله على نفسه وجاره وجار جاره والأبيات التي حوله ) وتذاكر الصحابة أفضل ما في القرآن فقال لهم علي : أين أنتم من آية الكرسي ، ثم قال قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( يا علي سيد البشر آدم ، وسيد العرب محمد ولا فخر ، وسيد الكلام القرآن ، وسيد القرآن البقرة ، وسيد البقرة آية الكرسي ) وعن علي أنه قال : لما كان يوم بدر قاتلت ثم جئت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أنظر ماذا يصنع ، قال فجئت وهو ساجد يقول : يا حي يا قيوم ، لا يزيد على ذلك ، ثم رجعت إلى القتال ثم جئت وهو يقول ذلك ، فلا أزال أذهب وأرجع وأنظر إليه ، وكان لا يزيد على ذلك إلى أن فتح الله له . واعلم أن الذكر والعلم يتبعان المذكور والمعلوم فكلما كان المذكور والمعلوم أشرف كان الذكر والعلم أشرف ، وأشرف المذكورات والمعلومات هو الله سبحانه بل هو متعال عن أن يقال : إنه أشرف من غيره ، لأن ذلك يقتضي نوع مجانسة ومشاكلة ، وهو مقدس عن مجانسة ما سواه ، فلهذا السبب كل كلام اشتمل على نعوت جلاله وصفات كبريائه ، كان ذلك الكلام في نهاية الجلال والشرف ، ولما كانت هذه الآية كذلك لا جرم كانت هذه الآية بالغة في الشرف إلى أقصى الغايات وأبلغ النهايات .

Bölüm V07/P003–V07/P004Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb (s. V07/P003–V07/P004)
Orijinal Metin (AR)

المسألة الثانية : اعلم أن تفسير لفظة { الله } قد تقدم في أول الكتاب وتفسير قوله { لا إلاه إلا هو } قد تقدم في قوله { وإلاهكم إلاه واحد لا إلاه إلا هو } ( البقرة : 163 ) بقي هاهنا أن نتكلم في تفسير قوله : { الحى القيوم } وعن ابن عباس رضي الله عنه أنه كان يقول : أعظم أسماء الله { الحى القيوم } وما روينا أنه صلوات الله وسلامه عليه ما كان يزيد على ذكره في السجود يوم بدر يدل على عظمة هذا الاسم والبراهين العقلية دالة على صحته وتقريره / ومن الله التوفيق : أنه لا شك في وجود الموجودات فهي إما أن تكون بأسراها ممكنة ، وإما أن تكون بأسراها واجبة وإما أن تكون بعضها ممكنة وبعضها واجبة لا جائز أن تكون بأسراها ممكنة ، لأن كل مجموع فهو مفتقر إلى كل واحد من أجزائه وكل واحد من أجزاء هذا المجموع ممكن والمفتقر إلى الممكن أولى بالإمكان ، فهذا المجموع ممكن بذاته وكل واحد من أجزائه ممكن فإنه لا يترجح وجوده على عدمه إلا لمرجح مغاير له ، فهذا المجموع مفتقر بحسب كونه مجموعا وبحسب كل واحد من أجزائه إلى مرجح مغاير له وكل ما كان مغايرا لكل الممكنات لم يكن ممكنا فقد وجد موجود ليس بممكن ، فبطل القول بأن كل موجود ممكن وأما القسم الثاني وهو أن يقال الموجودات بأسرها واجبة فهذا أيضا باطل . لأنه لو حصل / وجودان كل واحد منهما واجب لذاته لكانا مشتركين في الوجوب بالذات ومتغايرين بالنفي ، وما به المشاركة مغاير لما به الممايزة ، فيكون كل واحد منهما مركبا في الوجوب الذي به المشاركة ، ومن الغير الذي به الممايزة ، وكل مركب فهو مفتقر إلى كل واحد من جزئه وجزء غيره ، وكل مركب فهو مفتقر إلى غيره ، وكل مفتقر إلى غيره فهو ممكن لذاته ، فلو كان واجب الوجود أكثر من واحد لما كان شيء منها واجب الوجود وذلك محال ، ولما بطلل هذان القسمان ثبت أنه حصل في مجموع الموجودات موجود واحد واجب الوجود لذاته وإن كل ما عداه فهو ممكن لذاته موجود بإيجاد ذلك الموجود الذي هو واجب الوجود لذاته ، ولما بطل هذان فالواجب لذاته موجود لذاته وبذاته ، ومستغن في وجوده عن كل ما سواه ، وأما كل ما سواه فمفتقر في وجوده وماهيته إلى إيجاد الواجب لذاته ، فالواجب لذاته قائم بذاته وسبب لتقوم كل ما سواه في ماهيته وفي وجوده ، فهو القيوم الحي بالنسبة إلى كل الموجودات ، فالقيوم هو المتقوم بذاته ، المقوم لكل ما عداه في ماهيته ووجوده ، ولما كان واجب الوجود لذاته كان هو القيوم الحق بالنسبة إلى الكل ، ثم إنه لما كان المؤثر في الغير إما أن يكون مؤثرا على سبيل العلية والإيجاب وإما أن يكون مؤثرا على سبيل الفعل والاختيار : لا جرم أزال وهم كونه مؤثرا بالعلية والإيجاب بقوله { الحى القيوم } فإن { الحى } هو الدرك الفعال ، فبقوله { الحى } دل على كونه عالما قادرا ، وبقوله { القيوم } دل على كونه قائما بذاته ومقوما لكل ما عداه ، ومن هذين الأصلين تتشعب جميع المسائل المعتبرة في علم التوحيد .

Türkçe Tercümesi (Ehl-i Sünnet)

المسألة الثانية : اعلم أن تفسير لفظة { الله } قد تقدم في أول الكتاب وتفسير قوله { لا إلاه إلا هو } قد تقدم في قوله { وإلاهكم إلاه واحد لا إلاه إلا هو } ( البقرة : 163 ) بقي هاهنا أن نتكلم في تفسير قوله : { الحى القيوم } وعن ابن عباس رضي الله عنه أنه كان يقول : أعظم أسماء الله { الحى القيوم } وما روينا أنه صلوات الله وسلامه عليه ما كان يزيد على ذكره في السجود يوم بدر يدل على عظمة هذا الاسم والبراهين العقلية دالة على صحته وتقريره / ومن الله التوفيق : أنه لا شك في وجود الموجودات فهي إما أن تكون بأسراها ممكنة ، وإما أن تكون بأسراها واجبة وإما أن تكون بعضها ممكنة وبعضها واجبة لا جائز أن تكون بأسراها ممكنة ، لأن كل مجموع فهو مفتقر إلى كل واحد من أجزائه وكل واحد من أجزاء هذا المجموع ممكن والمفتقر إلى الممكن أولى بالإمكان ، فهذا المجموع ممكن بذاته وكل واحد من أجزائه ممكن فإنه لا يترجح وجوده على عدمه إلا لمرجح مغاير له ، فهذا المجموع مفتقر بحسب كونه مجموعا وبحسب كل واحد من أجزائه إلى مرجح مغاير له وكل ما كان مغايرا لكل الممكنات لم يكن ممكنا فقد وجد موجود ليس بممكن ، فبطل القول بأن كل موجود ممكن وأما القسم الثاني وهو أن يقال الموجودات بأسرها واجبة فهذا أيضا باطل . لأنه لو حصل / وجودان كل واحد منهما واجب لذاته لكانا مشتركين في الوجوب بالذات ومتغايرين بالنفي ، وما به المشاركة مغاير لما به الممايزة ، فيكون كل واحد منهما مركبا في الوجوب الذي به المشاركة ، ومن الغير الذي به الممايزة ، وكل مركب فهو مفتقر إلى كل واحد من جزئه وجزء غيره ، وكل مركب فهو مفتقر إلى غيره ، وكل مفتقر إلى غيره فهو ممكن لذاته ، فلو كان واجب الوجود أكثر من واحد لما كان شيء منها واجب الوجود وذلك محال ، ولما بطلل هذان القسمان ثبت أنه حصل في مجموع الموجودات موجود واحد واجب الوجود لذاته وإن كل ما عداه فهو ممكن لذاته موجود بإيجاد ذلك الموجود الذي هو واجب الوجود لذاته ، ولما بطل هذان فالواجب لذاته موجود لذاته وبذاته ، ومستغن في وجوده عن كل ما سواه ، وأما كل ما سواه فمفتقر في وجوده وماهيته إلى إيجاد الواجب لذاته ، فالواجب لذاته قائم بذاته وسبب لتقوم كل ما سواه في ماهيته وفي وجوده ، فهو القيوم الحي بالنسبة إلى كل الموجودات ، فالقيوم هو المتقوم بذاته ، المقوم لكل ما عداه في ماهيته ووجوده ، ولما كان واجب الوجود لذاته كان هو القيوم الحق بالنسبة إلى الكل ، ثم إنه لما كان المؤثر في الغير إما أن يكون مؤثرا على سبيل العلية والإيجاب وإما أن يكون مؤثرا على سبيل الفعل والاختيار : لا جرم أزال وهم كونه مؤثرا بالعلية والإيجاب بقوله { الحى القيوم } فإن { الحى } هو الدرك الفعال ، فبقوله { الحى } دل على كونه عالما قادرا ، وبقوله { القيوم } دل على كونه قائما بذاته ومقوما لكل ما عداه ، ومن هذين الأصلين تتشعب جميع المسائل المعتبرة في علم التوحيد .

%0
10 Bölüm

Sorular