Bölüm V01/P213Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb (s. V01/P213)
Orijinal Metin (AR): الصلاة معراج المؤمن . < > الفصل الثاني < > < > في مداخل الشيطان < > اعلم أن المداخل التي يأتي الشيطان من قبلها في الأصل ثلاثة : الشهوة والغضب والهوى فالشهوة بهيمية والغضب سبعية والهوى شيطانية فالشهوة آفة لكن الغضب أعظم منه والغضب آفة لكن الهوى أعظم منه فقوله تعالى : إن الصلاة تنهى عن الفحشاء [ العنكبوت : 45 ] المراد آثار الشهوة وقوله : ( والمنكر ) المراد منه آثار الغضب وقوله : والبغي [ العنكبوت : 45 ] المراد منه آثار الهوى فبالشهوة يصير الإنسان ظالما لنفسه وبالغضب يصير ظالما لغيره وبالهوى يتعدى ظلمه إلى حضرة جلال الله تعالى ولهذا قال عليه السلام : الظلم ثلاثة : فظلم لا يغفر وظلم لا يترك وظلم عسى الله أن يتركه . فالظلم الذي لا يغفر هو الشرك بالله والظلم الذي لا يترك هو ظلم العباد بعضهم بعضا والظلم الذي عسى الله أن يتركه هو ظلم الإنسان نفسه فمنشأ الظلم الذي لا يغفر هو الهوى ومنشأ الظلم الذي لا يترك هو الغضب ومنشأ الظلم الذي عسى الله أن يتركه هو الشهوة ثم لها نتائج : فالحرص والبخل نتيجة الشهوة والعجب والكبر نتيجة الغضب والكفر والبدعة نتيجة الهوى فإذا اجتمعت هذه الستة في بني آدم تولد منها سابع - وهو الحسد - وهو نهاية الأخلاق الذميمة . كما أن الشيطان هو النهاية في الأشخاص المذمومة ولهذا السبب ختم الله مجامع الشرور الإنسانية بالحسد وهو قوله ومن شر حاسد إذا حسد [ الفلق : 5 ] كما ختم مجامع الخبائث الشيطانية بالوسوسة وهو قوله : يوسوس في صدور الناس من الجنة والناس [ الناس : 6 ] فليس في بني آدم أشر من الحسد كما أنه ليس في الشياطين أشر من الوسواس بل قيل : الحاسد أشر من إبليس لأن إبليس روي أنه أتى باب فرعون وقرع الباب فقال فرعون من هذا ؟ فقال إبليس : لو كنت إلها لما جهلتني فلما دخل قال فرعون : أتعرف في الأرض شرا مني ومنك قال نعم الحاسد وبالحسد وقعت في هذه المحنة . إذا عرفت هذا فنقول : أصول الأخلاق القبيحة هي تلك الثلاثة والأولاد والنتائج هي هذه السبعة المذكورة فأنزل الله تعالى سورة الفاتحة وهي سبع آيات لحسم هذه الآفات السبع وأيضا أصل سورة الفاتحة هو التسمية وفيها الأسماء الثلاثة وهي في مقابلة تلك الأخلاق الأصلية الفاسدة . فالأسماء الثلاثة الأصلية في مقابلة الأخلاق الثلاثة الأصلية والآيات السبع التي هي الفاتحة في مقابلة الأخلاق السبعة ثم إن جملة القرآن كالنتائج والشعب من الفاتحة وكذا جميع الأخلاق الذميمة كالنتائج والشعب من تلك السبعة فلا جرم القرآن كله كالعلاج لجميع الأخلاق الذميمة . أما بيان أن الأمهات الثلاثة في مقابلة الأمهات الثلاثة فنقول : إن من عرف الله وعرف أنه لا إله إلا الله تباعد عنه الشيطان والهوى ؛ لأن الهوى إله سوى الله يعبد بدليل قوله تعالى : أفرأيت من اتخذ إلهه هواه [ الجاثية : 23 ] وقال تعالى لموسى
Türkçe Tercümesi (Ehl-i Sünnet): الصلاة معراج المؤمن . < > الفصل الثاني < > < > في مداخل الشيطان < > اعلم أن المداخل التي يأتي الشيطان من قبلها في الأصل ثلاثة : الشهوة والغضب والهوى فالشهوة بهيمية والغضب سبعية والهوى شيطانية فالشهوة آفة لكن الغضب أعظم منه والغضب آفة لكن الهوى أعظم منه فقوله تعالى : إن الصلاة تنهى عن الفحشاء [ العنكبوت : 45 ] المراد آثار الشهوة وقوله : ( والمنكر ) المراد منه آثار الغضب وقوله : والبغي [ العنكبوت : 45 ] المراد منه آثار الهوى فبالشهوة يصير الإنسان ظالما لنفسه وبالغضب يصير ظالما لغيره وبالهوى يتعدى ظلمه إلى حضرة جلال الله تعالى ولهذا قال عليه السلام : الظلم ثلاثة : فظلم لا يغفر وظلم لا يترك وظلم عسى الله أن يتركه . فالظلم الذي لا يغفر هو الشرك بالله والظلم الذي لا يترك هو ظلم العباد بعضهم بعضا والظلم الذي عسى الله أن يتركه هو ظلم الإنسان نفسه فمنشأ الظلم الذي لا يغفر هو الهوى ومنشأ الظلم الذي لا يترك هو الغضب ومنشأ الظلم الذي عسى الله أن يتركه هو الشهوة ثم لها نتائج : فالحرص والبخل نتيجة الشهوة والعجب والكبر نتيجة الغضب والكفر والبدعة نتيجة الهوى فإذا اجتمعت هذه الستة في بني آدم تولد منها سابع - وهو الحسد - وهو نهاية الأخلاق الذميمة . كما أن الشيطان هو النهاية في الأشخاص المذمومة ولهذا السبب ختم الله مجامع الشرور الإنسانية بالحسد وهو قوله ومن شر حاسد إذا حسد [ الفلق : 5 ] كما ختم مجامع الخبائث الشيطانية بالوسوسة وهو قوله : يوسوس في صدور الناس من الجنة والناس [ الناس : 6 ] فليس في بني آدم أشر من الحسد كما أنه ليس في الشياطين أشر من الوسواس بل قيل : الحاسد أشر من إبليس لأن إبليس روي أنه أتى باب فرعون وقرع الباب فقال فرعون من هذا ؟ فقال إبليس : لو كنت إلها لما جهلتني فلما دخل قال فرعون : أتعرف في الأرض شرا مني ومنك قال نعم الحاسد وبالحسد وقعت في هذه المحنة . إذا عرفت هذا فنقول : أصول الأخلاق القبيحة هي تلك الثلاثة والأولاد والنتائج هي هذه السبعة المذكورة فأنزل الله تعالى سورة الفاتحة وهي سبع آيات لحسم هذه الآفات السبع وأيضا أصل سورة الفاتحة هو التسمية وفيها الأسماء الثلاثة وهي في مقابلة تلك الأخلاق الأصلية الفاسدة . فالأسماء الثلاثة الأصلية في مقابلة الأخلاق الثلاثة الأصلية والآيات السبع التي هي الفاتحة في مقابلة الأخلاق السبعة ثم إن جملة القرآن كالنتائج والشعب من الفاتحة وكذا جميع الأخلاق الذميمة كالنتائج والشعب من تلك السبعة فلا جرم القرآن كله كالعلاج لجميع الأخلاق الذميمة . أما بيان أن الأمهات الثلاثة في مقابلة الأمهات الثلاثة فنقول : إن من عرف الله وعرف أنه لا إله إلا الله تباعد عنه الشيطان والهوى ؛ لأن الهوى إله سوى الله يعبد بدليل قوله تعالى : أفرأيت من اتخذ إلهه هواه [ الجاثية : 23 ] وقال تعالى لموسى
Bölüm V01/P213–V01/P214Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb (s. V01/P213–V01/P214)
Orijinal Metin (AR): يا موسى خالف هواك فإني ما خلقت خلقا نازعني في ملكي إلا الهوى ومن عرف أنه رحمن لا يغضب لأن منشأ الغضب طلب الولاية والولاية للرحمن لقوله تعالى : الملك يومئذ الحق للرحمن [ الفرقان : 26 ] ومن عرف أنه رحيم وجب أن يتشبه به في كونه رحيما وإذا صار رحيما لم يظلم نفسه ولم يلطخها بالأفعال البهيمية . وأما الأولاد السبعة فهي مقابلة الآيات السبع وقبل أن نخوض في بيان تلك المعارضة نذكر دقيقة أخرى وهي أنه تعالى ذكر أن تلك الأسماء الثلاثة المذكورة في التسمية في نفس السورة وذكر معها اسمين آخرين : وهما الرب والمالك ؛ فالرب قريب من الرحيم لقوله : سلام قولا من رب رحيم [ يس : 58 ] والمالك قريب من الرحمن لقوله تعالى الملك يومئذ الحق للرحمن [ الفرقان : 26 ] فحصلت هذه الأسماء الثلاثة : الرب والملك والإله فلهذا السبب ختم الله آخر سورة القرآن عليها والتقدير كأنه قيل : إن أتاك الشيطان من قبل الشهوة فقل أعوذ برب الناس [ الناس : 1 ] وإن أتاك من قبل الغضب فقل ملك الناس [ الناس : 2 ] وإن أتاك من قبل الهوى فقل إله الناس [ الناس : 3 ] . ولنرجع إلى بيان معارضة تلك السبعة فنقول : من قال الحمد لله فقد شكر الله واكتفى بالحاصل فزالت شهوته ومن عرف أنه رب العالمين زال حرصه فيما لم يجد وبخله فيما وجد فاندفعت عنه آفة الشهوة ولذاتها ومن عرف أنه مالك يوم الدين بعد أن عرف أنه الرحمن زال غضبه ومن قال إياك نعبد وإياك نستعين زال كبره بالأول وعجبه بالثاني فاندفعت عنه آفة الغضب بولديها فإذا قال اهدنا الصراط المستقيم اندفع عنه شيطان الهوى وإذا قال صراط الذين أنعمت عليهم زال عنه كفره وشبهته وإذا قال غير المغضوب عليهم ولا الضالين اندفعت عنه بدعته فثبت أن هذه الآيات السبع دافعة لتلك الأخلاق القبيحة السبعة . < > الفصل الثالث < > < > في تقرير أن سورة الفاتحة جامعة لكل ما يحتاج الإنسان < > < > إليه في معرفة المبدأ والوسط والمعاد < > اعلم أن قوله الحمد لله إشارة إلى إثبات الصانع المختار وتقريره : أن المعتمد في إثبات الصانع في القرآن هو الاستدلال بخلقة الإنسان على ذلك ألا ترى أن إبراهيم عليه السلام قال : ربي الذي يحيي ويميت وقال في موضع آخر : الذي خلقني فهو يهدين وقال موسى عليه السلام : ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى وقال في موضع آخر
Türkçe Tercümesi (Ehl-i Sünnet): يا موسى خالف هواك فإني ما خلقت خلقا نازعني في ملكي إلا الهوى ومن عرف أنه رحمن لا يغضب لأن منشأ الغضب طلب الولاية والولاية للرحمن لقوله تعالى : الملك يومئذ الحق للرحمن [ الفرقان : 26 ] ومن عرف أنه رحيم وجب أن يتشبه به في كونه رحيما وإذا صار رحيما لم يظلم نفسه ولم يلطخها بالأفعال البهيمية . وأما الأولاد السبعة فهي مقابلة الآيات السبع وقبل أن نخوض في بيان تلك المعارضة نذكر دقيقة أخرى وهي أنه تعالى ذكر أن تلك الأسماء الثلاثة المذكورة في التسمية في نفس السورة وذكر معها اسمين آخرين : وهما الرب والمالك ؛ فالرب قريب من الرحيم لقوله : سلام قولا من رب رحيم [ يس : 58 ] والمالك قريب من الرحمن لقوله تعالى الملك يومئذ الحق للرحمن [ الفرقان : 26 ] فحصلت هذه الأسماء الثلاثة : الرب والملك والإله فلهذا السبب ختم الله آخر سورة القرآن عليها والتقدير كأنه قيل : إن أتاك الشيطان من قبل الشهوة فقل أعوذ برب الناس [ الناس : 1 ] وإن أتاك من قبل الغضب فقل ملك الناس [ الناس : 2 ] وإن أتاك من قبل الهوى فقل إله الناس [ الناس : 3 ] . ولنرجع إلى بيان معارضة تلك السبعة فنقول : من قال الحمد لله فقد شكر الله واكتفى بالحاصل فزالت شهوته ومن عرف أنه رب العالمين زال حرصه فيما لم يجد وبخله فيما وجد فاندفعت عنه آفة الشهوة ولذاتها ومن عرف أنه مالك يوم الدين بعد أن عرف أنه الرحمن زال غضبه ومن قال إياك نعبد وإياك نستعين زال كبره بالأول وعجبه بالثاني فاندفعت عنه آفة الغضب بولديها فإذا قال اهدنا الصراط المستقيم اندفع عنه شيطان الهوى وإذا قال صراط الذين أنعمت عليهم زال عنه كفره وشبهته وإذا قال غير المغضوب عليهم ولا الضالين اندفعت عنه بدعته فثبت أن هذه الآيات السبع دافعة لتلك الأخلاق القبيحة السبعة . < > الفصل الثالث < > < > في تقرير أن سورة الفاتحة جامعة لكل ما يحتاج الإنسان < > < > إليه في معرفة المبدأ والوسط والمعاد < > اعلم أن قوله الحمد لله إشارة إلى إثبات الصانع المختار وتقريره : أن المعتمد في إثبات الصانع في القرآن هو الاستدلال بخلقة الإنسان على ذلك ألا ترى أن إبراهيم عليه السلام قال : ربي الذي يحيي ويميت وقال في موضع آخر : الذي خلقني فهو يهدين وقال موسى عليه السلام : ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى وقال في موضع آخر
Bölüm V01/P214–V01/P215Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb (s. V01/P214–V01/P215)
Orijinal Metin (AR): ربكم ورب آبائكم الأولين وقال تعالى في أول سورة البقرة : يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون [ البقرة : 21 ] وقال في أول ما أنزله على محمد عليه السلام : اقرأ باسم ربك الذي خلق خلق الإنسان من علق [ العلق : 1 ] فهذه الآيات الست تدل على أنه تعالى استدل بخلق الإنسان على وجود الصانع تعالى وإذا تأملت في القرآن وجدت هذا النوع من الاستدلال فيه كثيرا جدا . واعلم أن هذا الدليل كما أنه في نفسه هو دليل فكذلك هو نفسه إنعام عظيم فهذه الحالة من حيث أنها تعرف العبد وجود الإله دليل ومن حيث أنها نفع عظيم وصل من الله إلى العبد إنعام فلا جرم هو دليل من وجه وإنعام من وجه والإنعام متى وقع بقصد الفاعل إلى إيقاعه إنعاما كان يستحق هو الحمد وحدوث بدن الإنسان أيضا كذلك وذلك لأن تولد الأعضاء المختلفة الطبائع والصور والأشكال من النطفة المتشابهة الأجزاء لا يمكن إلا إذا قصد الخالق إيجاد تلك الأعضاء على تلك الصور والطبائع فحدوث هذه الأعضاء المختلفة يدل على وجود صانع عالم بالمعلومات قادر على كل المقصودات قصد بحكم رحمته وإحسانه خلق هذه الأعضاء على الوجه المطابق لمصالحنا الموافق لمنافعنا ومتى كان الأمر كذلك كان مستحقا للحمد والثناء فقوله : الحمد لله يدل على وجود الصانع وعلى علمه وقدرته ورحمته وكمال حكمته وعلى كونه مستحقا للحمد والثناء والتعظيم فكان قوله الحمد لله دالا على جملة هذه المعاني وأما قوله : رب العالمين ؛ فهو يدل على أن ذلك الإله واحد وأن كل العالمين ملكه وملكه وليس في العالم إله سواه ولا معبود غيره وأما قوله : الرحمن الرحيم فيدل على أن الإله الواحد الذي لا إله سواه موصوف بكمال الرحمة والكرم والفضل والإحسان قبل الموت وعند الموت وبعد الموت وأما قوله : مالك يوم الدين فيدل على أن من لوازم حكمته ورحمته أن يحصل بعد هذا اليوم يوم آخر يظهر فيه تمييز المحسن عن المسيء ويظهر فيه الانتصاف للمظلومين من الظالمين ولو لم يحصل هذا البعث والحشر لقدح ذلك في كونه رحمانا رحيما إذا عرفت هذا ظهر أن قوله : الحمد لله يدل على وجود الصانع المختار وقوله : رب العالمين يدل على وحدانيته وقوله : الرحمن الرحيم يدل على رحمته في الدنيا والآخرة وقوله : مالك يوم الدين يدل على كمال حكمته ورحمته بسبب خلق الدار الآخرة وإلى ههنا تم ما يحتاج إليه في معرفة الربوبية أما قوله : إياك نعبد إلى آخر السورة ؛ فهو إشارة إلى الأمور التي لا بد من معرفتها في تقرير العبودية وهي محصورة في نوعين : الأعمال التي يأتي بها العبد والآثار المتفرعة على تلك الأعمال التي يأتي بها العبد فلها ركنان : أحدهما : إتيانه بالعبادة وإليه الإشارة بقوله : إياك نعبد . والثاني : علمه بأن لا يمكنه الإتيان بها إلا بإعانة الله وإليه الإشارة بقوله : وإياك نستعين وههنا ينفتح البحر الواسع في الجبر والقدر وأما الآثار المتفرغة على تلك الأعمال فهي حصول الهداية والانكشاف والتجلي وإليه الإشارة بقوله : اهدنا الصراط المستقيم ثم إن أهل العالم ثلاث طوائف : الطائفة الأولى : الكاملون المحقون المخلصون وهم الذين جمعوا بين معرفة الحق لذاته ومعرفة الخير لأجل العمل به وإليهم الإشارة بقوله : أنعمت عليهم والطائفة الثانية : الذين أخلوا بالأعمال الصالحة وهم الفسقة وإليهم الإشارة بقوله : غير المغضوب عليهم والطائفة الثالثة : الذين أخلوا بالاعتقادات الصحيحة وهم أهل البدع والكفر وإليهم الإشارة بقوله : ولا الضالين .
Türkçe Tercümesi (Ehl-i Sünnet): ربكم ورب آبائكم الأولين وقال تعالى في أول سورة البقرة : يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون [ البقرة : 21 ] وقال في أول ما أنزله على محمد عليه السلام : اقرأ باسم ربك الذي خلق خلق الإنسان من علق [ العلق : 1 ] فهذه الآيات الست تدل على أنه تعالى استدل بخلق الإنسان على وجود الصانع تعالى وإذا تأملت في القرآن وجدت هذا النوع من الاستدلال فيه كثيرا جدا . واعلم أن هذا الدليل كما أنه في نفسه هو دليل فكذلك هو نفسه إنعام عظيم فهذه الحالة من حيث أنها تعرف العبد وجود الإله دليل ومن حيث أنها نفع عظيم وصل من الله إلى العبد إنعام فلا جرم هو دليل من وجه وإنعام من وجه والإنعام متى وقع بقصد الفاعل إلى إيقاعه إنعاما كان يستحق هو الحمد وحدوث بدن الإنسان أيضا كذلك وذلك لأن تولد الأعضاء المختلفة الطبائع والصور والأشكال من النطفة المتشابهة الأجزاء لا يمكن إلا إذا قصد الخالق إيجاد تلك الأعضاء على تلك الصور والطبائع فحدوث هذه الأعضاء المختلفة يدل على وجود صانع عالم بالمعلومات قادر على كل المقصودات قصد بحكم رحمته وإحسانه خلق هذه الأعضاء على الوجه المطابق لمصالحنا الموافق لمنافعنا ومتى كان الأمر كذلك كان مستحقا للحمد والثناء فقوله : الحمد لله يدل على وجود الصانع وعلى علمه وقدرته ورحمته وكمال حكمته وعلى كونه مستحقا للحمد والثناء والتعظيم فكان قوله الحمد لله دالا على جملة هذه المعاني وأما قوله : رب العالمين ؛ فهو يدل على أن ذلك الإله واحد وأن كل العالمين ملكه وملكه وليس في العالم إله سواه ولا معبود غيره وأما قوله : الرحمن الرحيم فيدل على أن الإله الواحد الذي لا إله سواه موصوف بكمال الرحمة والكرم والفضل والإحسان قبل الموت وعند الموت وبعد الموت وأما قوله : مالك يوم الدين فيدل على أن من لوازم حكمته ورحمته أن يحصل بعد هذا اليوم يوم آخر يظهر فيه تمييز المحسن عن المسيء ويظهر فيه الانتصاف للمظلومين من الظالمين ولو لم يحصل هذا البعث والحشر لقدح ذلك في كونه رحمانا رحيما إذا عرفت هذا ظهر أن قوله : الحمد لله يدل على وجود الصانع المختار وقوله : رب العالمين يدل على وحدانيته وقوله : الرحمن الرحيم يدل على رحمته في الدنيا والآخرة وقوله : مالك يوم الدين يدل على كمال حكمته ورحمته بسبب خلق الدار الآخرة وإلى ههنا تم ما يحتاج إليه في معرفة الربوبية أما قوله : إياك نعبد إلى آخر السورة ؛ فهو إشارة إلى الأمور التي لا بد من معرفتها في تقرير العبودية وهي محصورة في نوعين : الأعمال التي يأتي بها العبد والآثار المتفرعة على تلك الأعمال التي يأتي بها العبد فلها ركنان : أحدهما : إتيانه بالعبادة وإليه الإشارة بقوله : إياك نعبد . والثاني : علمه بأن لا يمكنه الإتيان بها إلا بإعانة الله وإليه الإشارة بقوله : وإياك نستعين وههنا ينفتح البحر الواسع في الجبر والقدر وأما الآثار المتفرغة على تلك الأعمال فهي حصول الهداية والانكشاف والتجلي وإليه الإشارة بقوله : اهدنا الصراط المستقيم ثم إن أهل العالم ثلاث طوائف : الطائفة الأولى : الكاملون المحقون المخلصون وهم الذين جمعوا بين معرفة الحق لذاته ومعرفة الخير لأجل العمل به وإليهم الإشارة بقوله : أنعمت عليهم والطائفة الثانية : الذين أخلوا بالأعمال الصالحة وهم الفسقة وإليهم الإشارة بقوله : غير المغضوب عليهم والطائفة الثالثة : الذين أخلوا بالاعتقادات الصحيحة وهم أهل البدع والكفر وإليهم الإشارة بقوله : ولا الضالين .
Bölüm V01/P215–V01/P216Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb (s. V01/P215–V01/P216)
Orijinal Metin (AR)إذا عرفت هذا ؛ فنقول : استكمال النفس الإنسانية بالمعارف والعلوم على قسمين : أحدهما : أن يحاول تحصيلها بالفكر والنظر والاستدلال والثاني : أن تصل إليه محصولات المتقدمين فتستكمل نفسه وقوله : اهدنا الصراط المستقيم إشارة إلى القسم الأول وقوله : صراط الذين أنعمت عليهم إشارة إلى القسم الثاني ثم في هذا القسم طلب أن يكون اقتداؤه بأنوار عقول الطائفة المحقة الذين جمعوا بين العقائد الصحيحة والأعمال الصائبة وتبرأ من أن يكون اقتداؤه بطائفة الذين أخلوا بالأعمال الصحيحة وهم المغضوب عليهم أو بطائفة الذين أخلوا بالعقائد الصحيحة وهم الضالون وهذا آخر السورة وعند الوقوف على ما لخصناه يظهر أن هذه السورة جامعة لجميع المقامات المعتبرة في معرفة الربوبية ومعرفة العبودية . <
Türkçe Tercümesi (Ehl-i Sünnet)إذا عرفت هذا ؛ فنقول : استكمال النفس الإنسانية بالمعارف والعلوم على قسمين : أحدهما : أن يحاول تحصيلها بالفكر والنظر والاستدلال والثاني : أن تصل إليه محصولات المتقدمين فتستكمل نفسه وقوله : اهدنا الصراط المستقيم إشارة إلى القسم الأول وقوله : صراط الذين أنعمت عليهم إشارة إلى القسم الثاني ثم في هذا القسم طلب أن يكون اقتداؤه بأنوار عقول الطائفة المحقة الذين جمعوا بين العقائد الصحيحة والأعمال الصائبة وتبرأ من أن يكون اقتداؤه بطائفة الذين أخلوا بالأعمال الصحيحة وهم المغضوب عليهم أو بطائفة الذين أخلوا بالعقائد الصحيحة وهم الضالون وهذا آخر السورة وعند الوقوف على ما لخصناه يظهر أن هذه السورة جامعة لجميع المقامات المعتبرة في معرفة الربوبية ومعرفة العبودية . <
Bölüm V01/P216Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb (s. V01/P216)
Orijinal Metin (AR)> الفصل الرابع < > قال عليه السلام حكاية عن الله تعالى : قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين فإذا قال العبد : بسم الله الرحمن الرحيم يقول الله تعالى ذكرني عبدي وإذا قال الحمد لله رب العالمين يقول الله حمدني عبدي وإذا قال الرحمن الرحيم يقول الله عظمني عبدي وإذا قال مالك يوم الدين يقول الله مجدني عبدي وفي رواية أخرى فوض إلي عبدي وإذا قال إياك نعبد يقول الله عبدني عبدي وإذا قال وإياك نستعين يقول الله تعالى توكل علي عبدي وفي رواية أخرى فإذا قال إياك نعبد وإياك نستعين يقول الله تعالى هذا بيني وبين عبدي وإذا قال اهدنا الصراط المستقيم يقول الله هذا لعبدي ولعبدي ما سأل . فوائد هذا الحديث : الفائدة الأولى : قوله تعالى قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين يدل على أن مدار الشرائع على رعاية مصالح الخلق كما قال : إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم وإن أسأتم فلها [ الإسراء : 7 ] وذلك لأن أهم المهمات للعبد أن يستنير قلبه بمعرفة الربوبية ثم بمعرفة العبودية ؛ لأنه إنما خلق لرعاية هذا العهد كما قال وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون [ الذاريات : 56 ] وقال : إنا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج نبتليه فجعلناه سميعا بصيرا [ الإنسان : 2 ] وقال : يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم وأوفوا بعهدي أوف بعهدكم [ البقرة : 40 ] ولما كان الأمر كذلك لا جرم أنزل الله هذه السورة على محمد عليه السلام وجعل النصف الأول منها في معرفة الربوبية والنصف الثاني منها في معرفة العبودية حتى تكون هذه السورة جامعة لكل ما يحتاج إليه في الوفاء بذلك العهد . الفائدة الثانية : الله تعالى سمى الفاتحة باسم الصلاة وهذا يدل على أحكام : الحكم الأول : أن عند عدم قراءة الفاتحة وجب أن لا تحصل الصلاة وذلك يدل على أن قراءة الفاتحة ركن من أركان الصلاة كما يقوله أصحابنا ويتأكد هذا الدليل بدلائل أخرى : أحدها : أنه عليه الصلاة والسلام واظب على قراءتها فوجب أن يجب علينا ذلك لقوله تعالى فاتبعوه [ الأنعام : 153 ] ولقوله عليه الصلاة والسلام : صلوا كما رأتيموني أصلي . وثانيها : أن الخلفاء الراشدين واظبوا على قراءتها فوجب أن يجب علينا ذلك لقوله عليه الصلاة والسلام : عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي . وثالثها : أن جميع المسلمين شرقا وغربا لا يصلون إلا بقراءة الفاتحة فوجب أن تكون متابعتهم واجبة في ذلك لقوله تعالى : ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم [ النساء : 115 ] ورابعها : قوله عليه الصلاة والسلام : لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب خامسها : قوله تعالى : ^ { فاقرؤا ما تيسر من القرآن } ^ [ المزمل : 20 ] وقوله فاقرؤا أمر وظاهره الوجوب فكانت قراءة ما تيسر من القرآن واجبة وقراءة غير الفاتحة ليست واجبة فوجب أن تكون قراءة الفاتحة واجبة عملا بظاهر الأمر وسادسها أن قراءة الفاتحة أحوط فوجب المصير إليها لقوله عليه السلام
Türkçe Tercümesi (Ehl-i Sünnet)> الفصل الرابع < > قال عليه السلام حكاية عن الله تعالى : قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين فإذا قال العبد : بسم الله الرحمن الرحيم يقول الله تعالى ذكرني عبدي وإذا قال الحمد لله رب العالمين يقول الله حمدني عبدي وإذا قال الرحمن الرحيم يقول الله عظمني عبدي وإذا قال مالك يوم الدين يقول الله مجدني عبدي وفي رواية أخرى فوض إلي عبدي وإذا قال إياك نعبد يقول الله عبدني عبدي وإذا قال وإياك نستعين يقول الله تعالى توكل علي عبدي وفي رواية أخرى فإذا قال إياك نعبد وإياك نستعين يقول الله تعالى هذا بيني وبين عبدي وإذا قال اهدنا الصراط المستقيم يقول الله هذا لعبدي ولعبدي ما سأل . فوائد هذا الحديث : الفائدة الأولى : قوله تعالى قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين يدل على أن مدار الشرائع على رعاية مصالح الخلق كما قال : إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم وإن أسأتم فلها [ الإسراء : 7 ] وذلك لأن أهم المهمات للعبد أن يستنير قلبه بمعرفة الربوبية ثم بمعرفة العبودية ؛ لأنه إنما خلق لرعاية هذا العهد كما قال وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون [ الذاريات : 56 ] وقال : إنا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج نبتليه فجعلناه سميعا بصيرا [ الإنسان : 2 ] وقال : يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم وأوفوا بعهدي أوف بعهدكم [ البقرة : 40 ] ولما كان الأمر كذلك لا جرم أنزل الله هذه السورة على محمد عليه السلام وجعل النصف الأول منها في معرفة الربوبية والنصف الثاني منها في معرفة العبودية حتى تكون هذه السورة جامعة لكل ما يحتاج إليه في الوفاء بذلك العهد . الفائدة الثانية : الله تعالى سمى الفاتحة باسم الصلاة وهذا يدل على أحكام : الحكم الأول : أن عند عدم قراءة الفاتحة وجب أن لا تحصل الصلاة وذلك يدل على أن قراءة الفاتحة ركن من أركان الصلاة كما يقوله أصحابنا ويتأكد هذا الدليل بدلائل أخرى : أحدها : أنه عليه الصلاة والسلام واظب على قراءتها فوجب أن يجب علينا ذلك لقوله تعالى فاتبعوه [ الأنعام : 153 ] ولقوله عليه الصلاة والسلام : صلوا كما رأتيموني أصلي . وثانيها : أن الخلفاء الراشدين واظبوا على قراءتها فوجب أن يجب علينا ذلك لقوله عليه الصلاة والسلام : عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي . وثالثها : أن جميع المسلمين شرقا وغربا لا يصلون إلا بقراءة الفاتحة فوجب أن تكون متابعتهم واجبة في ذلك لقوله تعالى : ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم [ النساء : 115 ] ورابعها : قوله عليه الصلاة والسلام : لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب خامسها : قوله تعالى : ^ { فاقرؤا ما تيسر من القرآن } ^ [ المزمل : 20 ] وقوله فاقرؤا أمر وظاهره الوجوب فكانت قراءة ما تيسر من القرآن واجبة وقراءة غير الفاتحة ليست واجبة فوجب أن تكون قراءة الفاتحة واجبة عملا بظاهر الأمر وسادسها أن قراءة الفاتحة أحوط فوجب المصير إليها لقوله عليه السلام
Bölüm V01/P216–V01/P217Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb (s. V01/P216–V01/P217)
Orijinal Metin (AR)دع ما يريبك إلى ما لا يريبك وسابعها : أن الرسول عليه السلام واظب على قراءتها فوجب أن يكون العدول عنه محرما لقوله تعالى فليحذر الذين يخالفون عن أمره [ النور : 63 ] وثامنها : أنه لا نزاع بين المسلمين أن قراءة الفاتحة في الصلاة أفضل وأكمل من قراءة غيرها إذا ثبت هذا فنقول : التكليف كان متوجها على العبد بإقامة الصلاة والأصل في الثابت البقاء حكمنا بالخروج عن هذه العهدة عند الإيتاء بالصلاة مؤداة بقراءة الفاتحة وقد دللنا على أن هذه الصلاة أفضل من الصلاة المؤداة بقراءة غير الفاتحة ولا يلزم من الخروج عن العهدة بالعمل الكامل الخروج عن العهدة بالعمل الناقص فعند إقامة الصلاة المشتملة على قراءة غير الفاتحة وجب البقاء في العهدة وتاسعها : أن المقصود من الصلاة حصول ذكر القلب لقوله تعالى : وأقم الصلاة لذكري [ طه : 14 ] وهذه السورة مع كونها مختصرة جامعة لمقامات الربوبية والعبودية والمقصود من جميع التكاليف حصول هذه المعارف ولهذا السبب جعل الله هذه السورة معادلة لكل القرآن في قوله : ولقد آتيناك سبعا من المثاني والقرآن العظيم [ الحجر : 87 ] فوجب أن لا يقوم غيرها مقامها البتة . وعاشرها : أن هذا الخبر الذي رويناه يدل على أن عند فقدان الفاتحة لا تحصل الصلاة . الفائدة الثالثة : أنه قال : إذا قال العبد بسم الله الرحمن الرحيم يقول الله تعالى ذكرني عبدي وفيه أحكام : أحدها : أنه تعالى قال : فاذكروني أذكركم [ البقرة : 152 ] فههنا لما أقدم العبد على ذكر الله لا جرم ذكره تعالى في ملأ خير من ملئه . وثانيها : أن هذا يدل على أن مقام الذكر مقام عال شريف في العبودية لأنه وقع الابتداء به ومما يدل على كماله أنه تعالى أمر بالذكر فقال اذكروني أذكركم [ البقرة : 152 ] ثم قال يا أيها الذين آمنوا اذكروا الله ذكرا كثيرا [ الأحزاب : 41 ] ثم قال : الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم [ آل عمران : 191 ] ثم قال إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون [ الأعراف : 201 ] فلم يبالغ في تقرير شيء من مقامات العبودية مثل ما بالغ في تقرير مقام الذكر . وثالثها : أن قوله ذكرني عبدي يدل على أن قولنا الله اسم علم لذاته المخصوصة إذ لو كان اسما مشتقا لكان مفهومه مفهوما كليا ولو كان كذلك لما صارت ذاته المخصوصة المعينة مذكورة بهذا اللفظ فظاهر أن لفظي الرحمن الرحيم لفظان كليان فثبت أن قوله ذكرني عبدي يدل على أن قولنا الله اسم علم أما قوله وإذا قال الحمد لله يقول الله تعالى حمدني عبدي فهذا يدل على أن مقام الحمد أعلى من مقام الذكر ويدل عليه أن أول كلام ذكر في أول خلق العالم هو الحمد بدليل قول الملائكة قبل خلق آدم : ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك [ البقرة : 30 ] وآخر كلام يذكر بعد فناء العالم هو الحمد أيضا بدليل قوله تعالى في صفة أهل الجنة : وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين [ يونس : 10 ] والعقل أيضا يدل عليه ؛ لأن الفكر في ذات الله غير ممكن لقوله عليه الصلاة والسلام
Türkçe Tercümesi (Ehl-i Sünnet)دع ما يريبك إلى ما لا يريبك وسابعها : أن الرسول عليه السلام واظب على قراءتها فوجب أن يكون العدول عنه محرما لقوله تعالى فليحذر الذين يخالفون عن أمره [ النور : 63 ] وثامنها : أنه لا نزاع بين المسلمين أن قراءة الفاتحة في الصلاة أفضل وأكمل من قراءة غيرها إذا ثبت هذا فنقول : التكليف كان متوجها على العبد بإقامة الصلاة والأصل في الثابت البقاء حكمنا بالخروج عن هذه العهدة عند الإيتاء بالصلاة مؤداة بقراءة الفاتحة وقد دللنا على أن هذه الصلاة أفضل من الصلاة المؤداة بقراءة غير الفاتحة ولا يلزم من الخروج عن العهدة بالعمل الكامل الخروج عن العهدة بالعمل الناقص فعند إقامة الصلاة المشتملة على قراءة غير الفاتحة وجب البقاء في العهدة وتاسعها : أن المقصود من الصلاة حصول ذكر القلب لقوله تعالى : وأقم الصلاة لذكري [ طه : 14 ] وهذه السورة مع كونها مختصرة جامعة لمقامات الربوبية والعبودية والمقصود من جميع التكاليف حصول هذه المعارف ولهذا السبب جعل الله هذه السورة معادلة لكل القرآن في قوله : ولقد آتيناك سبعا من المثاني والقرآن العظيم [ الحجر : 87 ] فوجب أن لا يقوم غيرها مقامها البتة . وعاشرها : أن هذا الخبر الذي رويناه يدل على أن عند فقدان الفاتحة لا تحصل الصلاة . الفائدة الثالثة : أنه قال : إذا قال العبد بسم الله الرحمن الرحيم يقول الله تعالى ذكرني عبدي وفيه أحكام : أحدها : أنه تعالى قال : فاذكروني أذكركم [ البقرة : 152 ] فههنا لما أقدم العبد على ذكر الله لا جرم ذكره تعالى في ملأ خير من ملئه . وثانيها : أن هذا يدل على أن مقام الذكر مقام عال شريف في العبودية لأنه وقع الابتداء به ومما يدل على كماله أنه تعالى أمر بالذكر فقال اذكروني أذكركم [ البقرة : 152 ] ثم قال يا أيها الذين آمنوا اذكروا الله ذكرا كثيرا [ الأحزاب : 41 ] ثم قال : الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم [ آل عمران : 191 ] ثم قال إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون [ الأعراف : 201 ] فلم يبالغ في تقرير شيء من مقامات العبودية مثل ما بالغ في تقرير مقام الذكر . وثالثها : أن قوله ذكرني عبدي يدل على أن قولنا الله اسم علم لذاته المخصوصة إذ لو كان اسما مشتقا لكان مفهومه مفهوما كليا ولو كان كذلك لما صارت ذاته المخصوصة المعينة مذكورة بهذا اللفظ فظاهر أن لفظي الرحمن الرحيم لفظان كليان فثبت أن قوله ذكرني عبدي يدل على أن قولنا الله اسم علم أما قوله وإذا قال الحمد لله يقول الله تعالى حمدني عبدي فهذا يدل على أن مقام الحمد أعلى من مقام الذكر ويدل عليه أن أول كلام ذكر في أول خلق العالم هو الحمد بدليل قول الملائكة قبل خلق آدم : ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك [ البقرة : 30 ] وآخر كلام يذكر بعد فناء العالم هو الحمد أيضا بدليل قوله تعالى في صفة أهل الجنة : وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين [ يونس : 10 ] والعقل أيضا يدل عليه ؛ لأن الفكر في ذات الله غير ممكن لقوله عليه الصلاة والسلام
Bölüm V01/P217–V01/P218Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb (s. V01/P217–V01/P218)
Orijinal Metin (AR)تفكروا في الخلق ولا تفكروا في الخالق ولأن الفكر في الشيء مسبوق بسبق تصوره وتصور كنه حقيقة الحق غير ممكن فالفكر فيه غير ممكن فعلى هذا الفكر لا يمكن إلا في أفعاله ومخلوقاته ثم ثبت بالدليل أن الخير مطلوب بالذات والشر بالعرض فكل من تفكر في مخلوقاته ومصنوعاته كان وقوفه على رحمته وفضله وإحسانه أكثر فلا جرم كان اشتغاله بالحمد والشكر أكثر فلهذا قال : الحمد لله رب العالمين وعند هذا يقول : حمدني عبدي فشهد الحق سبحانه بوقوف العبد بعقله وفكره على وجود فضله وإحسانه في ترتيب العالم الأعلى والعالم الأسفل وعلى أن لسانه صار موافقا لعقله ومطابقا له وإن غرق في بحر الإيمان به والإقرار بكرمه بقلبه ولسانه وعقله وبيانه فما أجل هذه الحالة . وأما قوله وإذا قال الرحمن الرحيم يقول الله عظمني عبدي فلقائل أن يقول : إنه لما قال بسم الله الرحمن الرحيم فقد ذكر الرحمن الرحيم وهناك لم يقل الله عظمني عبدي وههنا لما قال الرحمن الرحيم قال عظمني عبدي فما الفرق ؟ وجوابه أن قوله الحمد لله دل على إقرار العبد بكماله في ذاته وبكونه مكملا لغيره ثم قال بعده : رب العالمين وهذا يدل على أن الإله الكامل في ذاته المكمل لغيره واحد ليس له شريك فلما قال بعده الرحمن الرحيم دل ذلك على أن الإله الكامل في ذاته المكمل لغيره المنزه عن الشريك والنظير والمثل والضد والند في غاية الرحمة والفضل والكرم مع عباده ولا شك أن غاية ما يصل العقل والفهم والوهم إليه من تصور معنى الكمال والجلال ليس إلا هذا المقام فلهذا السبب قال الله تعالى ههنا : عظمني عبدي . وأما قوله وإذا قال مالك يوم الدين يقول الله مجدني عبدي أي : نزهني وقدسني عما لا ينبغي - فتقريره أنا نرى في دار الدنيا كون الظالمين متسلطين على المظلومين وكون الأقوياء مستولين على الضعفاء ونرى العالم الزاهد الكامل في أضيق العيش ونرى الكافر الفاسق في أعظم أنواع الراحة والغبطة وهذا العمل لا يليق برحمة أرحم الراحمين وأحكم الحاكمين فلو لم يحصل المعاد والبعث والحشر حتى ينتصف الله فيه للمظلومين من الظالمين ويوصل إلى أهل الطاعة الثواب وإلى أهل الكفر العقاب لكان هذه الإهمال والإمهال ظلما من الله على العباد أما لما حصل يوم الجزاء ويوم الدين اندفع وهم الظلم فلهذا السبب قال الله تعالى : ^ { ليجزي الذين أساءوا بما عملوا ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى } ^ [ النجم : 31 ] وهذا هو المراد من قوله تعالى : مجدني عبدي الذي نزهني عن الظلم وعن شيمه . وأما قوله
Türkçe Tercümesi (Ehl-i Sünnet)تفكروا في الخلق ولا تفكروا في الخالق ولأن الفكر في الشيء مسبوق بسبق تصوره وتصور كنه حقيقة الحق غير ممكن فالفكر فيه غير ممكن فعلى هذا الفكر لا يمكن إلا في أفعاله ومخلوقاته ثم ثبت بالدليل أن الخير مطلوب بالذات والشر بالعرض فكل من تفكر في مخلوقاته ومصنوعاته كان وقوفه على رحمته وفضله وإحسانه أكثر فلا جرم كان اشتغاله بالحمد والشكر أكثر فلهذا قال : الحمد لله رب العالمين وعند هذا يقول : حمدني عبدي فشهد الحق سبحانه بوقوف العبد بعقله وفكره على وجود فضله وإحسانه في ترتيب العالم الأعلى والعالم الأسفل وعلى أن لسانه صار موافقا لعقله ومطابقا له وإن غرق في بحر الإيمان به والإقرار بكرمه بقلبه ولسانه وعقله وبيانه فما أجل هذه الحالة . وأما قوله وإذا قال الرحمن الرحيم يقول الله عظمني عبدي فلقائل أن يقول : إنه لما قال بسم الله الرحمن الرحيم فقد ذكر الرحمن الرحيم وهناك لم يقل الله عظمني عبدي وههنا لما قال الرحمن الرحيم قال عظمني عبدي فما الفرق ؟ وجوابه أن قوله الحمد لله دل على إقرار العبد بكماله في ذاته وبكونه مكملا لغيره ثم قال بعده : رب العالمين وهذا يدل على أن الإله الكامل في ذاته المكمل لغيره واحد ليس له شريك فلما قال بعده الرحمن الرحيم دل ذلك على أن الإله الكامل في ذاته المكمل لغيره المنزه عن الشريك والنظير والمثل والضد والند في غاية الرحمة والفضل والكرم مع عباده ولا شك أن غاية ما يصل العقل والفهم والوهم إليه من تصور معنى الكمال والجلال ليس إلا هذا المقام فلهذا السبب قال الله تعالى ههنا : عظمني عبدي . وأما قوله وإذا قال مالك يوم الدين يقول الله مجدني عبدي أي : نزهني وقدسني عما لا ينبغي - فتقريره أنا نرى في دار الدنيا كون الظالمين متسلطين على المظلومين وكون الأقوياء مستولين على الضعفاء ونرى العالم الزاهد الكامل في أضيق العيش ونرى الكافر الفاسق في أعظم أنواع الراحة والغبطة وهذا العمل لا يليق برحمة أرحم الراحمين وأحكم الحاكمين فلو لم يحصل المعاد والبعث والحشر حتى ينتصف الله فيه للمظلومين من الظالمين ويوصل إلى أهل الطاعة الثواب وإلى أهل الكفر العقاب لكان هذه الإهمال والإمهال ظلما من الله على العباد أما لما حصل يوم الجزاء ويوم الدين اندفع وهم الظلم فلهذا السبب قال الله تعالى : ^ { ليجزي الذين أساءوا بما عملوا ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى } ^ [ النجم : 31 ] وهذا هو المراد من قوله تعالى : مجدني عبدي الذي نزهني عن الظلم وعن شيمه . وأما قوله
Bölüm V01/P218–V01/P219Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb (s. V01/P218–V01/P219)
Orijinal Metin (AR): وإذا قال العبد إياك نعبد وإياك نستعين قال الله هذا بيني وبين عبدي فهو إشارة إلى سر مسألة الجبر والقدر فإن قوله إياك نعبد معناه إخبار العبد عن إقدامه على عمل الطاعة والعبادة ثم جاء بحث الجبر والقدر : وهو أنه مستقل بالإتيان بذلك العمل أو غير مستقل به والحق أنه غير مستقل به وذلك لأن قدرة العبد إما أن تكون صالحة للفعل والترك وإما أن لا تكون كذلك : فإن كان الحق هو الأول امتنع أن تصير تلك القدرة مصدرا للفعل دون الترك إلا لمرجح وذلك المرجح إن كان من العبد عاد البحث فيه وإن لم يكن من العبد فهو من الله تعالى فخلق تلك الداعية الخالصة عن المعارض هو الإعانة وهو المراد من قوله وإياك نستعين وهو المراد من قولنا ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا أي : لا تخلق في قلوبنا داعية تدعونا إلى العقائد الباطلة والأعمال الفاسدة وهب لنا من لدنك رحمة وهذه الرحمة خلق الداعية التي تدعونا إلى الأعمال الصالحة والعقائد الحقة فهذا هو المراد من الإعانة والاستعانة وكل من لم يقل بهذا القول لم يفهم البتة معنى قوله إياك نعبد وإياك نستعين وإذا ثبت هذا ظهر صحة قوله تعالى : هذا بيني وبين عبدي اما الذي منه فهو خلق الداعية الجازمة وأما الذي من العبد فهو أن عند حصول مجموع القدرة والداعية يصدر الأثر عنه وهذا كلام دقيق لا بد من التأمل فيه . وأما قوله وإذا قال اهدنا الصراط المستقيم يقول الله تعالى هذا لعبدي ولعبدي ما سأل وتقريره أنا نرى أهل العلم مختلفين في النفي والإثبات في جميع المسائل الإلهية وفي جميع مسائل النبوات وفي جميع مسائل المعاد والشبهات غالبة والظلمات مستولية ولم يصل إلى كنه الحق إلا القليل القليل من الكثير الكثير وقد حصلت هذه الحالة مع استواء الكل في العقول والأفكار والبحث الكثير والتأمل الشديد ؛ فلولا هداية الله تعالى وإعانته وأنه يزين الحق في عين عقل الطالب ويقبح الباطل في عينه كما قال ولكن الله حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان [ الحجرات : 7 ] وإلا لامتنع وصول أحد إلى الحق فقوله اهدنا الصراط المستقيم إشارة إلى هذه الحالة ويدل عليه أيضا أن المبطل لا يرضى بالباطل وإنما طلب الإعتقاد الحق والدين المتين والقول الصحيح فلو كان الأمر باختياره لوجب أن لا يقع أحد في الخطأ ؛ ولما رأينا الأكثرين غرقوا في بحر الضلالات علمنا أن الوصول إلى الحق ليس إلا بهداية الله تعالى ومما يقوي ذلك أن كل الملائكة والأنبياء أطبقوا على ذلك أما الملائكة فقالوا : سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم [ البقرة : 32 ] وقال آدم عليه السلام : وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين [ الأعراف : 23 ] وقال إبراهيم عليه السلام : لئن لم يهدني ربي لأكونن من القوم الضالين [ الأنعام : 77 ] وقال يوسف عليه السلام توفني مسلما وألحقني بالصالحين [ يوسف : 101 ] وقال موسى عليه السلام : ^ { رب اشرح لي صدري - الآية } ^ [ طه : 25 ] وقال محمد عليه السلام : ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب [ آل عمران : 8 ] فهذا هو الكلام في لطائف هذا الخبر والذي تركناه أكثر مما ذكرناه . الفائدة الرابعة : من فوائد هذا الخبر : أن آيات الفاتحة سبع والأعمال المحسوسة أيضا في الصلاة سبعة وهي : القيام والركوع والانتصاب والسجود الأول : والانتصاب فيه والسجود الثاني والقعدة فصار عدد آيات الفاتحة مساويا لعدد هذه الأعمال فصارت هذه الأعمال كالشخص والفاتحة لها كالروح والكمال إنما يحصل عند اتصال الروح بالجسد فقوله : بسم الله الرحمن الرحيم بإزاء القيام ألا ترى أن الباء في بسم الله لما اتصل باسم الله بقي قائما مرتفعا وأيضا فالتسمية لبداية الأمور قال عليه الصلاة والسلام
Türkçe Tercümesi (Ehl-i Sünnet): وإذا قال العبد إياك نعبد وإياك نستعين قال الله هذا بيني وبين عبدي فهو إشارة إلى سر مسألة الجبر والقدر فإن قوله إياك نعبد معناه إخبار العبد عن إقدامه على عمل الطاعة والعبادة ثم جاء بحث الجبر والقدر : وهو أنه مستقل بالإتيان بذلك العمل أو غير مستقل به والحق أنه غير مستقل به وذلك لأن قدرة العبد إما أن تكون صالحة للفعل والترك وإما أن لا تكون كذلك : فإن كان الحق هو الأول امتنع أن تصير تلك القدرة مصدرا للفعل دون الترك إلا لمرجح وذلك المرجح إن كان من العبد عاد البحث فيه وإن لم يكن من العبد فهو من الله تعالى فخلق تلك الداعية الخالصة عن المعارض هو الإعانة وهو المراد من قوله وإياك نستعين وهو المراد من قولنا ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا أي : لا تخلق في قلوبنا داعية تدعونا إلى العقائد الباطلة والأعمال الفاسدة وهب لنا من لدنك رحمة وهذه الرحمة خلق الداعية التي تدعونا إلى الأعمال الصالحة والعقائد الحقة فهذا هو المراد من الإعانة والاستعانة وكل من لم يقل بهذا القول لم يفهم البتة معنى قوله إياك نعبد وإياك نستعين وإذا ثبت هذا ظهر صحة قوله تعالى : هذا بيني وبين عبدي اما الذي منه فهو خلق الداعية الجازمة وأما الذي من العبد فهو أن عند حصول مجموع القدرة والداعية يصدر الأثر عنه وهذا كلام دقيق لا بد من التأمل فيه . وأما قوله وإذا قال اهدنا الصراط المستقيم يقول الله تعالى هذا لعبدي ولعبدي ما سأل وتقريره أنا نرى أهل العلم مختلفين في النفي والإثبات في جميع المسائل الإلهية وفي جميع مسائل النبوات وفي جميع مسائل المعاد والشبهات غالبة والظلمات مستولية ولم يصل إلى كنه الحق إلا القليل القليل من الكثير الكثير وقد حصلت هذه الحالة مع استواء الكل في العقول والأفكار والبحث الكثير والتأمل الشديد ؛ فلولا هداية الله تعالى وإعانته وأنه يزين الحق في عين عقل الطالب ويقبح الباطل في عينه كما قال ولكن الله حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان [ الحجرات : 7 ] وإلا لامتنع وصول أحد إلى الحق فقوله اهدنا الصراط المستقيم إشارة إلى هذه الحالة ويدل عليه أيضا أن المبطل لا يرضى بالباطل وإنما طلب الإعتقاد الحق والدين المتين والقول الصحيح فلو كان الأمر باختياره لوجب أن لا يقع أحد في الخطأ ؛ ولما رأينا الأكثرين غرقوا في بحر الضلالات علمنا أن الوصول إلى الحق ليس إلا بهداية الله تعالى ومما يقوي ذلك أن كل الملائكة والأنبياء أطبقوا على ذلك أما الملائكة فقالوا : سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم [ البقرة : 32 ] وقال آدم عليه السلام : وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين [ الأعراف : 23 ] وقال إبراهيم عليه السلام : لئن لم يهدني ربي لأكونن من القوم الضالين [ الأنعام : 77 ] وقال يوسف عليه السلام توفني مسلما وألحقني بالصالحين [ يوسف : 101 ] وقال موسى عليه السلام : ^ { رب اشرح لي صدري - الآية } ^ [ طه : 25 ] وقال محمد عليه السلام : ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب [ آل عمران : 8 ] فهذا هو الكلام في لطائف هذا الخبر والذي تركناه أكثر مما ذكرناه . الفائدة الرابعة : من فوائد هذا الخبر : أن آيات الفاتحة سبع والأعمال المحسوسة أيضا في الصلاة سبعة وهي : القيام والركوع والانتصاب والسجود الأول : والانتصاب فيه والسجود الثاني والقعدة فصار عدد آيات الفاتحة مساويا لعدد هذه الأعمال فصارت هذه الأعمال كالشخص والفاتحة لها كالروح والكمال إنما يحصل عند اتصال الروح بالجسد فقوله : بسم الله الرحمن الرحيم بإزاء القيام ألا ترى أن الباء في بسم الله لما اتصل باسم الله بقي قائما مرتفعا وأيضا فالتسمية لبداية الأمور قال عليه الصلاة والسلام
Bölüm V01/P219–V01/P220Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb (s. V01/P219–V01/P220)
Orijinal Metin (AR): كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه ببسم الله فهو أبتر وقال تعالى : قد أفلح من تزكى وذكر اسم ربه فصلى [ الأعلى : 14 ] وأيضا القيام لبداية الأعمال فحصلت المناسبة بين التسمية وبين القيام من هذه الوجوه وقوله تعالى : الحمد لله رب العالمين بإزاء الركوع وذلك لأن العبد في مقام التحميد ناظر إلى الحق وإلى الخلق ؛ لأن التحميد عبارة عن الثناء بسبب الإنعام الصادر منه والعبد في هذا المقام ناظر إلى المنعم وإلى النعمة فهو حالة متوسطة بين الإعراض وبين الاستغراق والركوع حالة متوسطة بين القيام وبين السجود وأيضا الحمد يدل على النعم الكثيرة والنعم الكثيرة مما تثقل ظهره فينحني ظهره للركوع وقوله : الرحمن الرحيم مناسب للانتصاب لأن العبد لما تضرع إلى الله في الركوع فيليق برحمته أن يرده إلى الانتصاب ولذلك قال عليه السلام : إذا قال العبد سمع الله لمن حمده نظر الله إليه بالرحمة وقوله : مالك يوم الدين مناسب للسجدة الأولى ؛ لأن قولك مالك يوم الدين يدل على كمال القهر والجلال والكبرياء وذلك يوجب الخوف الشديد فيليق به الإتيان بغاية الخضوع والخشوع وهو السجدة . وقوله : إياك نعبد وإياك نستعين مناسب للقعدة بين السجدتين لأن قوله إياك نعبد إخبار عن السجدة التي تقدمت وقوله وإياك نستعين استعانة بالله في أن يوفقه للسجدة الثانية وأما قوله : اهدنا الصراط المستقيم فهو سؤال لأهم الأشياء فيليق به السجدة الثانية الدالة على نهاية الخضوع . وأما قوله : ^ { صراط الذين أنعمت عليهم - إلى آخره } ^ فهو مناسب للقعدة وذلك لأن العبد لما أتى بغاية التواضع قابل الله تواضعه بالإكرام وهو أن أمره بالقعود بين يديه وذلك إنعام عظيم من الله على العبد فهو شديد المناسبة لقوله أنعمت عليهم وأيضا أن محمدا عليه السلام لما أنعم الله عليه بأن رفعه إلى قاب قوسين قال عند ذلك : التحيات المباركات الصلوات الطيبات لله والصلاة معراج المؤمن فلما وصل المؤمن في معراجه إلى غاية الإكرام - وهي أن جلس بين يدي الله - وجب أن يقرأ الكلمات التي ذكرها محمد عليه السلام فهو أيضا يقرأ التحيات ويصير هذا كالتنبيه على أن هذا المعراج الذي حصل له شعلة من شمس معراج محمد عليه السلام وقطرة من بحره وهو تحقيق قوله ^ { فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين - الآية } ^ [ النساء : 69 ] . واعلم أن آيات الفاتحة وهي سبع صارت كالروح لهذه الأعمال السبعة وهذه الأعمال السبعة صارت كالروح للمراتب السبعة المذكورة في خلقة الإنسان وهي قوله : ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين [ المؤمنون : 12 ] إلى قوله : فتبارك الله أحسن الخالقين [ المؤمنون : 14 ] وعند هذا ينكشف أن مراتب الأجساد كثيرة ومراتب الأرواح كثيرة وروح الأرواح ونور الأنوار هو الله تعالى كما قال سبحانه وتعالى : وأن إلى ربك المنتهى [ النجم : 42 ] . < > الفصل الخامس < > < > في الصلاة معراج العارفين <
Türkçe Tercümesi (Ehl-i Sünnet): كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه ببسم الله فهو أبتر وقال تعالى : قد أفلح من تزكى وذكر اسم ربه فصلى [ الأعلى : 14 ] وأيضا القيام لبداية الأعمال فحصلت المناسبة بين التسمية وبين القيام من هذه الوجوه وقوله تعالى : الحمد لله رب العالمين بإزاء الركوع وذلك لأن العبد في مقام التحميد ناظر إلى الحق وإلى الخلق ؛ لأن التحميد عبارة عن الثناء بسبب الإنعام الصادر منه والعبد في هذا المقام ناظر إلى المنعم وإلى النعمة فهو حالة متوسطة بين الإعراض وبين الاستغراق والركوع حالة متوسطة بين القيام وبين السجود وأيضا الحمد يدل على النعم الكثيرة والنعم الكثيرة مما تثقل ظهره فينحني ظهره للركوع وقوله : الرحمن الرحيم مناسب للانتصاب لأن العبد لما تضرع إلى الله في الركوع فيليق برحمته أن يرده إلى الانتصاب ولذلك قال عليه السلام : إذا قال العبد سمع الله لمن حمده نظر الله إليه بالرحمة وقوله : مالك يوم الدين مناسب للسجدة الأولى ؛ لأن قولك مالك يوم الدين يدل على كمال القهر والجلال والكبرياء وذلك يوجب الخوف الشديد فيليق به الإتيان بغاية الخضوع والخشوع وهو السجدة . وقوله : إياك نعبد وإياك نستعين مناسب للقعدة بين السجدتين لأن قوله إياك نعبد إخبار عن السجدة التي تقدمت وقوله وإياك نستعين استعانة بالله في أن يوفقه للسجدة الثانية وأما قوله : اهدنا الصراط المستقيم فهو سؤال لأهم الأشياء فيليق به السجدة الثانية الدالة على نهاية الخضوع . وأما قوله : ^ { صراط الذين أنعمت عليهم - إلى آخره } ^ فهو مناسب للقعدة وذلك لأن العبد لما أتى بغاية التواضع قابل الله تواضعه بالإكرام وهو أن أمره بالقعود بين يديه وذلك إنعام عظيم من الله على العبد فهو شديد المناسبة لقوله أنعمت عليهم وأيضا أن محمدا عليه السلام لما أنعم الله عليه بأن رفعه إلى قاب قوسين قال عند ذلك : التحيات المباركات الصلوات الطيبات لله والصلاة معراج المؤمن فلما وصل المؤمن في معراجه إلى غاية الإكرام - وهي أن جلس بين يدي الله - وجب أن يقرأ الكلمات التي ذكرها محمد عليه السلام فهو أيضا يقرأ التحيات ويصير هذا كالتنبيه على أن هذا المعراج الذي حصل له شعلة من شمس معراج محمد عليه السلام وقطرة من بحره وهو تحقيق قوله ^ { فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين - الآية } ^ [ النساء : 69 ] . واعلم أن آيات الفاتحة وهي سبع صارت كالروح لهذه الأعمال السبعة وهذه الأعمال السبعة صارت كالروح للمراتب السبعة المذكورة في خلقة الإنسان وهي قوله : ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين [ المؤمنون : 12 ] إلى قوله : فتبارك الله أحسن الخالقين [ المؤمنون : 14 ] وعند هذا ينكشف أن مراتب الأجساد كثيرة ومراتب الأرواح كثيرة وروح الأرواح ونور الأنوار هو الله تعالى كما قال سبحانه وتعالى : وأن إلى ربك المنتهى [ النجم : 42 ] . < > الفصل الخامس < > < > في الصلاة معراج العارفين <
Bölüm V01/P220Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb (s. V01/P220)
Orijinal Metin (AR)> اعلم أنه كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم معراجان : أحدهما من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى والآخر من الأقصى إلى أعالي ملكوت الله تعالى فهذا ما يتعلق بالظاهر وأما ما يتعلق بعالم الأرواح فله معراجان : أحدهما : من عالم الشهادة إلى عالم الغيب . والثاني : من عالم الغيب إلى عالم غيب الغيب وهما بمنزلة قاب قوسين متلاصقين فتخطاهما محمد عليه السلام وهو المراد من قوله تعالى : فكان قاب قوسين أو أدنى [ النجم : 9 ] وقوله أو أدنى إشارة إلى فنائه في نفسه أما الانتقال من عالم الشهادة إلى عالم الغيب فاعلم أن كل ما يتعلق بالجسم والجسمانيات فهو من عالم الشهادة لأنك تشاهد هذه الأشياء ببصرك فانتقال الروح من عالم الأجساد إلى عالم الأرواح هو السفر من عالم الشهادة إلى عالم الغيب وأما عالم الأرواح فعالم لا نهاية له وذلك لأن آخر مراتب الأرواح هو الأرواح البشرية ثم تترقى في معارج الكمالات ومصاعد السعادات حتى تصل إلى الأرواح المتعلقة بسماء الدنيا ثم تصير أعلى وهي أرواح السماء الثانية وهكذا حتى تصل إلى الأرواح الذين هم سكان درجات الكرسي وهي أيضا متفاوتة في الاستعلاء ثم تصير أعلى وهم الملائكة المشار إليهم بقوله تعالى : وترى الملائكة حافين من حول العرش [ الزمر : 75 ] ثم تصير أعلى وأعظم وهم المشار إليهم بقوله تعالى : ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية [ الحاقة : 17 ] وفي عدد الثمانية أسرار لا يجوز ذكرها ههنا ثم تترقى فتنتهي إلى الأرواح المقدسة عن التعلقات بالأجسام وهم الذين طعامهم ذكر الله وشرابهم محبة الله وأنسهم بالثناء على الله ولذتهم في خدمة الله وإليهم الإشارة بقوله : ومن عنده لا يستكبرون عن عبادته وبقوله : يسبحون الليل والنهار لا يفترون [ الأنبياء : 20 ] ثم لهم أيضا درجات متفاوته ومراتب متباعدة والعقول البشرية قاصرة عن الإحاطة بأحوالها والوقوف على شرح صفاتها ولا يزال هذا الترقي والتصاعد حاصلا كما قال تعالى : وفوق كل ذي علم عليم [ يوسف : 76 ] إلى أن ينتهي الأمر إلى نور الأنوار ومسبب الأسباب ومبدأ الكل وينبوع الرحمة ومبدأ الخير وهو الله تعالى فثبت أن عالم الأرواح هو عالم الغيب وحضرة جلال الربوبية هي غيب الغيب ولذلك قال عليه الصلاة والسلام
Türkçe Tercümesi (Ehl-i Sünnet)> اعلم أنه كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم معراجان : أحدهما من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى والآخر من الأقصى إلى أعالي ملكوت الله تعالى فهذا ما يتعلق بالظاهر وأما ما يتعلق بعالم الأرواح فله معراجان : أحدهما : من عالم الشهادة إلى عالم الغيب . والثاني : من عالم الغيب إلى عالم غيب الغيب وهما بمنزلة قاب قوسين متلاصقين فتخطاهما محمد عليه السلام وهو المراد من قوله تعالى : فكان قاب قوسين أو أدنى [ النجم : 9 ] وقوله أو أدنى إشارة إلى فنائه في نفسه أما الانتقال من عالم الشهادة إلى عالم الغيب فاعلم أن كل ما يتعلق بالجسم والجسمانيات فهو من عالم الشهادة لأنك تشاهد هذه الأشياء ببصرك فانتقال الروح من عالم الأجساد إلى عالم الأرواح هو السفر من عالم الشهادة إلى عالم الغيب وأما عالم الأرواح فعالم لا نهاية له وذلك لأن آخر مراتب الأرواح هو الأرواح البشرية ثم تترقى في معارج الكمالات ومصاعد السعادات حتى تصل إلى الأرواح المتعلقة بسماء الدنيا ثم تصير أعلى وهي أرواح السماء الثانية وهكذا حتى تصل إلى الأرواح الذين هم سكان درجات الكرسي وهي أيضا متفاوتة في الاستعلاء ثم تصير أعلى وهم الملائكة المشار إليهم بقوله تعالى : وترى الملائكة حافين من حول العرش [ الزمر : 75 ] ثم تصير أعلى وأعظم وهم المشار إليهم بقوله تعالى : ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية [ الحاقة : 17 ] وفي عدد الثمانية أسرار لا يجوز ذكرها ههنا ثم تترقى فتنتهي إلى الأرواح المقدسة عن التعلقات بالأجسام وهم الذين طعامهم ذكر الله وشرابهم محبة الله وأنسهم بالثناء على الله ولذتهم في خدمة الله وإليهم الإشارة بقوله : ومن عنده لا يستكبرون عن عبادته وبقوله : يسبحون الليل والنهار لا يفترون [ الأنبياء : 20 ] ثم لهم أيضا درجات متفاوته ومراتب متباعدة والعقول البشرية قاصرة عن الإحاطة بأحوالها والوقوف على شرح صفاتها ولا يزال هذا الترقي والتصاعد حاصلا كما قال تعالى : وفوق كل ذي علم عليم [ يوسف : 76 ] إلى أن ينتهي الأمر إلى نور الأنوار ومسبب الأسباب ومبدأ الكل وينبوع الرحمة ومبدأ الخير وهو الله تعالى فثبت أن عالم الأرواح هو عالم الغيب وحضرة جلال الربوبية هي غيب الغيب ولذلك قال عليه الصلاة والسلام