Bölüm V03/P065–V03/P079Kurtubî — el-Câmi' li-Ahkâmi'l-Kur'ân (s. V03/P065–V03/P079)
Orijinal Metin (AR)> قوله تعالى : ( ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن ولأمة مؤمنة خير من مشركة ولو أعجبتكم ) فيه سبع مسائل الأولى قوله تعالى : ( ولا تنكحوا ) قراءة الجمهور بفتح التاء وقرئت في الشاذ بالضم كأن المعنى أن المتزوج لها أنكحها من نفسه ونكح أصله الجماع ويستعمل في التزوج تجوزا واتساعا وسيأتي بيانه إن شاء الله تعالى الثانية لما أذن الله سبحانه وتعالى في مخالطة الأيتام وفي مخالطة النكاح بين أن مناكحة المشركين لا تصح وقال مقاتل : نزلت هذه الآية في أبى مرثد الغنوى وقيل : في مرثد بن أبي مرثد واسمه كناز بن حصين الغنوى بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة سرا ليخرج رجلا من أصحابه وكانت له بمكة امرأة يحبها في الجاهلية يقال لها عناق فجاءته فقال لها : إن الإسلام حرم ما كان في الجاهلية قالت : فتزوجنى قال : حتى استأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فاستأذنه فنهاه عن التزوج بها لأنه كان مسلما وهى مشركة وسيأتي في النور بيانه إن شاء الله تعالى الثالثة واختلف العلماء في تأويل هذه الآية فقالت طائفة : حرم الله نكاح المشركات في سورة البقرة ثم نسخ من هذه الجملة نساء أهل الكتاب فأحلهن في سورة المائدة وروى هذا القول عن بن عباس وبه قال مالك بن أنس وسفيان بن سعيد الثورى وعبد الرحمن بن عمرو الأوزاعى وقال قتادة وسعيد بن جبير : لفظ الآية العموم في كل كافرة والمراد بها الخصوص في الكتابيات وبينت الخصوص آية المائدة ولم يتناول العموم قط الكتابيات وهذا أحد قولى الشافعى وعلى القول الأول يتناولهن العموم ثم نسخت آية المائدة بعض العموم وهذا مذهب مالك رحمه الله ذكره بن حبيب وقال : ونكاح اليهودية والنصرانية وإن كان قد أحله الله تعالى مستثقل مذموم وقال إسحاق بن إبراهيم الحربى : ذهب قوم فجعلوا الآية التى في البقرة هي الناسخة والتى في المائدة ) 9 هي المنسوخة فحرموا نكاح كل مشركة كتابية أو غير كتابية قال النحاس : ومن الحجة لقائل هذا مما صح سنده ما حدثناه محمد بن ريان قال : حدثنا محمد بن رمح قال : حدثنا الليث عن نافع أن عبد الله بن عمر كان إذا سئل عن نكاح الرجل النصرانية أو اليهودية قال : حرم الله المشركات على المؤمنين ولا أعرف شيئا من الإشراك أعظم من أن تقول المرأة ربها عيسى أو عبد من عباد الله قال النحاس : وهذا قول خارج عن قول الجماعة الذين تقوم بهم الحجة لأنه قد قال بتحليل نكاح نساء أهل الكتاب من الصحابة والتابعين جماعة منهم عثمان وطلحة وبن عباس وجابر وحذيفة ومن التابعين سعيد بن المسيب وسعيد بن جبير والحسن ومجاهد وطاوس وعكرمة والشعبى والضحاك وفقهاء الأمصار عليه وأيضا فيمتنع أن تكون هذه الآية من سورة البقرة ناسخة للاية التي في سورة المائدة لأن البقرة من أول ما نزل بالمدينة والمائدة من آخر ما نزل وإنما الآخر ينسخ الأول وأما حديث بن عمر فلا حجة فيه لأن بن عمر رحمه الله كان رجلا متوقفا فلما سمع الآيتين في واحدة التحليل وفى أخرى التحريم ولم يبلغه النسخ توقف ولم يؤخذ عنه ذكر النسخ وإنما تؤول عليه وليس يؤخذ الناسخ والمنسوخ بالتأويل وذكر بن عطية : وقال بن عباس في بعض ما روى عنه : إن الآية عامة في الوثنيات والمجوسيات والكتابيات وكل من على غير الإسلام حرام فعلى هذا هي ناسخة للاية التي في المائدة وينظر إلى هذا قول بن عمر في الموطأ : ولا أعلم إشراكا أعظم من أن تقول المرأة ربها عيسى وروى عن عمر أنه فرق بين طلحة بن عبيد الله وحذيفة بن اليمان وبين كتابيتين وقالا : نطلق يا أمير المؤمنين ولا تغضب فقال : لو جاز طلاقكما لجاز نكاحكما ولكن أفرق بينكما صغرة قمأة قال بن عطية : وهذا لا يستند جيدا وأسند منه أن عمر أراد التفريق بينهما فقال له حذيفة : أتزعم أنها حرام فأخلى سبيلها يا أمير المؤمنين فقال : لا أزعم أنها حرام ولكنى أخاف أن تعاطوا المومسات منهن وروى عن بن عباس نحو هذا وذكر بن المنذر جواز نكاح الكتابيات عن عمر بن الخطاب ومن ذكر من الصحابة والتابعين في قول النحاس وقال في آخر كلامه : ولا يصح عن أحد من الأوائل أنه حرم ذلك وقال بعض العلماء : واما الآيتان فلا تعارض بينهما فإن ظاهر لفظ الشرك لا يتناول أهل الكتاب لقوله تعالى : ما يود الذين كفروا من أهل الكتاب ولا المشركين أن ينزل عليكم من خير من ربكم وقال : لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين ففرق بينهم في اللفظ وظاهر العطف يقتضي مغايرة بين المعطوف والمعطوف عليه وأيضا فاسم الشرك عموم وليس بنص وقوله تعالى : والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب بعد قوله : والمحصنات من المؤمنات نص فلا تعارض بين المحتمل وبين ما لا يحتمل فإن قيل : أراد بقوله : والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم أي أوتوا الكتاب من قبلكم وأسلموا كقوله : ( وإن من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله الآية وقوله : من أهل الكتاب أمة قائمة الآية قيل له : هذا خلاف نص الآية في قوله : والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم وخلاف ما قاله الجمهور فإنه لا يشكل على أحد جواز التزويج ممن أسلم وصار من أعيان المسلمين فإن قالوا : فقد قال الله تعالى : أولئك يدعون إلى النار فجعل العلة في تحريم نكاحهن الدعاء إلى النار والجواب أن ذلك علة لقوله تعالى : ولأمة مؤمنة خير من مشركة لأن المشرك يدعو إلى النار وهذه العلة مطردة في جميع الكفار فالمسلم خير من الكافر مطلقا وهذا بين الرابعة وأما نكاح أهل الكتاب إذا كانوا حربا فلا يحل وسئل بن عباس عن ذلك فقال : لا يحل وتلا قول الله تعالى : قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الاخر إلى قوله : صاغرون قال المحدث : حدثت بذلك إبراهيم النخعي فأعجبه وكره مالك تزوج الحربيات لعلة ترك الولد في دار الحرب ولتصرفها في الخمر والخنزير الخامسة قوله تعالى : ( ولأمة مؤمنة خير من مشركة ) إخبار بأن المؤمنة المملوكة خير من المشركة وإن كانت ذات الحسب والمال ( ولو أعجبتكم ) في الحسن وغير ذلك هذا قول الطبرى وغيره ونزلت في خنساء وليدة سوداء كانت لحذيفة بن اليمان فقال لها حذيفة : يا خنساء قد ذكرت في الملأ الاعلى مع سوادك ودمامتك وأنزل الله تعالى ذكرك في كتابه فأعتقها حذيفة وتزوجها وقال السدى : نزلت في عبد الله بن رواحة كانت له أمة سوداء فلطمها في غضب ثم ندم فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره فقال : ( ما هي يا عبد الله ( قال : تصوم وتصلى وتحسن الوضوء وتشهد الشهادتين فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( هذه مؤمنة ( فقال بن رواحة : لأعتقنها ولأتزوجنها ففعل فطعن عليه ناس من المسلمين وقالوا : نكح أمة وكانوا يرون أن ينكحوا إلى المشركين وكانوا ينكحونهم رغبة في أحسابهم فنزلت هذه الآية والله أعلم السادسة واختلف العلماء في نكاح إماء أهل الكتاب فقال مالك : لا يجوز نكاح الأمة الكتابية وقال أشهب في كتاب محمد فيمن أسلم وتحته أمة كتابية : إنه لا يفرق بينهما وقال أبو حنيفة وأصحابه يجوز نكاح إماء أهل الكتاب قال بن العربى : درسنا الشيخ أبو بكر الشاشى بمدينة السلام قال : احتج أصحاب أبى حنيفة على جواز نكاح الأمة الكتابية بقوله تعالى : ولأمة مؤمنة خير من مشركة ووجه الدليل من الآية أن الله سبحانه خاير بين نكاح الأمة المؤمنة والمشركة فلولا أن نكاح الأمة المشركة جائز لما خاير الله تعالى بينهما لأن المخايرة إنما هي بين الجائزين لا بين جائز وممتنع ولا بين متضادين والجواب أن المخايرة بين الضدين تجوز لغة وقرآنا : لأن الله سبحانه قال : أصحاب الجنة يومئذ خير مستقرا وأحسن مقيلا وقال عمر في رسالته لأبي موسى : ( الرجوع إلى الحق خير من التمادي في الباطل ) جواب أخر : قوله تعالى : ولأمة لم يرد به الرق المملوك وإنما أراد به الآدمية والآدميات والآدميون بأجمعهم عبيد الله وإماؤه قاله القاضي بالبصرة أبو العباس الجرجانى السابعة واختلفوا في نكاح نساء المجوس فمنع مالك والشافعى وأبو حنيفة والأوزاعى وإسحاق من ذلك وقال بن حنبل : لا يعجبني وروى أن حذيفة بن اليمان تزوج مجوسية وأن عمر قال له : طلقها وقال بن القصار : قال بعض أصحابنا : يجب على أحد القولين أن لهم كتابا أن تجوز مناكحتهم وروى بن وهب عن مالك أن الأمة المجوسية لا يجوز أن توطأ بملك اليمين وكذلك الوثنيات وغيرهن من الكافرات وعلى هذا جماعة العلماء إلا ما رواه يحيى بن أيوب عن بن جريج عن عطاء وعمرو بن دينار انهما سئلا عن نكاح الإماء المجوسيات فقالا : لا بأس بذلك وتأولا قول الله عز وجل : ولا تنكحوا المشركات فهذا عندهما على عقد النكاح لا على الأمة المشتراة واحتجا بسبى أوطاس وأن الصحابة نكحوا الإماء منهن بملك اليمين قال النحاس : وهذا قول شاذ أما سبي أوطاس فقد يجوز أن يكون الإماء أسلمن فجاز نكاحهن وأما الاحتجاج بقوله تعالى : ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن فغلط لأنهم حملوا النكاح على العقد والنكاح في اللغة يقع على العقد وعلى الوطء فلما قال : ولا تنكحوا المشركات حرم كل نكاح يقع على المشركات من نكاح ووطء وقال أبو عمر بن عبد البر : وقال الأوزاعى : سألت الزهري عن الرجل يشترى المجوسية أيطؤها فقال : إذا شهدت أن لا إله إلا الله وطئها وعن يونس عن بن شهاب قال : لا يحل له أن يطأها حتى تسلم قال أبو عمر : قول بن شهاب لا يحل له أن يطأها حتى تسلم هذا وهو أعلم الناس بالمغازى والسير دليل على فساد قول من زعم أن سبي أوطاس وطئن ولم يسلمن روى ذلك عن طائفة منهم عطاء وعمرو بن دينار قالا : لا بأس بوطء المجوسية وهذا لم يلتفت إليه أحد من الفقهاء بالأمصار وقد جاء عن الحسن البصرى وهو ممن لم يكن غزوه ولا غزو أهل ناحيته إلا الفرس وما وراءهم من خراسان وليس منهم أحد أهل كتاب ما يبين لك كيف كانت السيرة في نسائهم إذا سبين قال : أخبرنا عبد الله بن محمد بن أسد قال : حدثنا إبراهيم بن أحمد بن فراس قال حدثنا على بن عبد العزيز قال : حدثنا أبو عبيد قال حدثنا هشام عن يونس عن الحسن قال قال رجل له : يا أبا سعيد كيف كنتم تصنعون إذا سبيتموهن قال : كنا نوجهها إلى القبلة ونأمرها أن تسلم وتشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ثم نأمرها أن تغتسل وإذا أراد صاحبها أن يصيبها لم يصبها حتى يستبرئها وعلى هذا تأويل جماعة العلماء في قول الله تعالى : ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن أنهن الوثنيات والمجوسيات لأن الله تعالى قد أحل الكتابيات بقوله : والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم يعنى العفائف لا من شهر زناها من المسلمات ومنهم من كره نكاحها ووطأها بملك اليمين ما لم يكن منهن توبة لما في ذلك من إفساد النسب قوله تعالى : ( ولا تنكحوا المشركين حتى يؤمنوا ولعبد مؤمن خير من مشرك ولو أعجبكم ) فيه إحدى عشرة مسألة : الأولى قوله تعالى : ( ولا تنكحوا ) أي لا تزوجوا المسلمة من المشرك وأجمعت الأمة على أن المشرك لا يطأ المؤمنة بوجه لما في ذلك من الغضاضة على الإسلام والقراء على ضم التاء من تنكحوا الثانية في هذه الآية دليل بالنص على أن لا نكاح إلا بولى قال محمد بن على بن الحسين : النكاح بولى في كتاب الله ثم قرأ ولا تنكحوا المشركين قال بن المنذر : ثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( لا نكاح إلا بولي ( وقد اختلف أهل العلم في النكاح بغير ولى فقال كثير من أهل العلم : لا نكاح إلا بولي روى هذا الحديث عن عمر بن الخطاب رضى الله عنه وعلى بن أبى طالب وبن مسعود وبن عباس وأبى هريرة رضى الله عنهم وبه قال سعيد بن المسيب والحسن البصرى وعمر بن عبد العزيز وجابر بن زيد وسفيان الثورى وبن أبى ليلى وبن شبرمة وبن المبارك والشافعى وعبيد الله بن الحسن وأحمد وإسحاق وأبو عبيد قلت : وهو قول مالك رضى الله عنهم أجمعين وأبى ثور والطبرى قال أبو عمر : حجة من قال : ( لا نكاح إلا بولي ( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد ثبت عنه أنه قال : ( لا نكاح إلا بولي ( روى هذا الحديث شعبة والثورى عن أبى إسحاق عن أبى بردة عن النبى صلى الله عليه وسلم مرسلا فمن يقبل المراسيل يلزمه قبوله وأما من لا يقبل المراسيل فيلزمه أيضا لأن الذين وصلوه من أهل الحفظ والثقة وممن وصله إسرائيل وأبو عوانة كلاهما عن أبى إسحاق عن أبى بردة عن أبى موسى عن النبى صلى الله عليه وسلم وإسرائيل ومن تابعه حفاظ والحافظ تقبل زيادته وهذه الزيادة يعضدها أصول قال الله عز وجل فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن وهذه الآية نزلت في معقل بن يسار إذ عضل أخته عن مراجعة زوجها قاله البخارى ولولا أن له حقا في الإنكاح ما نهى عن العضل قلت : ومما يدل على هذا أيضا من الكتاب قوله : فانكحوهن بإذن أهلهن وقوله : وأنكحوا الأيامى منكم فلم يخاطب تعالى بالنكاح غير الرجال ولو كان إلى النساء لذكرهن وسيأتي بيان هذا في النور وقال تعالى حكاية عن شعيب في قصة موسى عليهما السلام : إنى أريد أن أنكحك على ما يأتي بيانه في سورة القصص وقال تعالى : الرجال قوامون على النساء 9 ) فقد تعاضد الكتاب والسنة على أن لا نكاح إلا بولي قال الطبرى : في حديث حفصة حين تأيمت وعقد عمر عليها النكاح ولم تعقده هي إبطال قول من قال : إن للمرأة البالغة المالكة لنفسها تزويج نفسها وعقد النكاح دون وليها ولو كان ذلك لها لم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم ليدع خطبة حفصة لنفسها إذا كانت أولى بنفسها من أبيها وخطبها إلى من لا يملك أمرها ولا العقد عليها وفيه بيان قوله عليه السلام : ( الأيم أحق بنفسها من وليها ( أن معنى ذلك أنها أحق بنفسها في أنه لا يعقد عليها إلا برضاها لا أنها أحق بنفسها في أن تعقد عقد النكاح على نفسها دون وليها وروى الدارقطني عن أبى هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لا تزوج المرأة المرأة ولا تزوج المرأة نفسها فإن الزانية هي التى تزوج نفسها ( قال : حديث صحيح وروى أبو داؤد من حديث سفيان عن الزهري عن عروة عن عائشة قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل ثلاث مرات فإن دخل بها فالمهر لها بما أصاب منها فإن تشاجروا فالسلطان ولى من لا ولى له ( وهذا الحديث صحيح ولا اعتبار بقول بن علية عن بن جريج أنه قال : سألت عنه الزهري فلم يعرفه ولم يقل هذا أحد عن بن جريج غير بن علية وقد رواه جماعة عن الزهري لم يذكروا ذلك ولو ثبت هذا عن الزهري لم يكن في ذلك حجة لأنه قد نقله عنه ثقات منهم سليمان بن موسى وهو ثقة إمام وجعفر بن ربيعة فلو نسيه الزهري لم يضره ذلك لأن النسيان لا يعصم منه بن آدم قال صلى الله عليه وسلم : ( نسي آدم فنسيت ذريته ( وكان صلى الله عليه وسلم ينسى فمن سواه أحرى أن ينسى ومن حفظ فهو حجة على من نسى فإذا روى الخبر ثقة فلا يضره نسيان من نسيه هذا لو صح ما حكى بن علية عن بن جريج فكيف وقد أنكر أهل العلم ذلك من حكايته ولم يعرجوا عليها قلت : وقد أخرج هذا الحديث أبو حاتم محمد بن حبان التميمي البستى في المسند الصحيح له على التقاسيم والأنواع من غير وجود قطع في سندها ولا ثبوت جرح في ناقلها عن حفص بن غياث عن بن جريج عن سليمان بن موسى عن الزهري عن عروة عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل وما كان من نكاح على غير ذلك فهو باطل فإن تشاجروا فالسلطان ولي من لا ولي له ( قال أبو حاتم : لم يقل أحد في خبر بن جريج عن سليمان بن موسى عن الزهري هذا : ( وشاهدى عدل ( إلا ثلاثة أنفس : سويد بن يحيى الأموى عن حفص بن غياث وعبد الله بن عبد الوهاب الجمحي عن خالد بن الحارث وعبد الرحمن بن يونس الرقي عن عيسى بن يونس ولا يصح في الشاهدين غير هذا الخبر وإذا ثبت هذا الخبر فقد صرح الكتاب والسنة بأن لا نكاح إلا بولى فلا معنى لما خالفهما وقد كان الزهري والشعبى يقولان : إذا زوجت المرأة نفسها كفؤا بشاهدين فذلك نكاح جائز وكذلك كان أبو حنيفة يقول إذا زوجت المرأة نفسها كفؤا بشاهدين فذلك نكاح جائز وهو قول زفر وإن زوجت نفسها غير كفء فالنكاح جائز وللأولياء أن يفرقوا بينهما قال بن المنذر : وأما ما قاله النعمان فمخالف للسنة خارج عن قول أكثر أهل العلم وبالخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم نقول وقال أبو يوسف : لا يجوز النكاح إلا بولي فإن سلم الولي جاز وإن أبى أن يسلم والزوج كفء أجازه القاضي وإنما يتم النكاح في قوله حين يجيزه القاضي وهو قول محمد بن الحسن وقد كان محمد بن الحسن يقول : يأمر القاضي الولى بإجازته فإن لم يفعل استأنف عقدا ولا خلاف بين أبى حنيفة وأصحابه أنه إذا أذن لها وليها فعقدت النكاح بنفسها جاز وقال الأوزاعى : إذا ولت أمرها رجلا فزوجها كفؤا فالنكاح جائز وليس للولي أن يفرق بينهما إلا أن تكون عربية تزوجت مولى وهذا نحو مذهب مالك على ما يأتي وحمل القائلون بمذهب الزهري وأبي حنيفة والشعبى قوله عليه السلام : ( لا نكاح إلا بولى ( على الكمال لا على الوجوب كما قال عليه السلام : ( لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد ) ولا حظ في الاسلام لمن ترك الصلاة ( واستدلوا على هذا بقوله تعالى : فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن وقوله تعالى : فلا جناح عليكم فيما فعلن في أنفسهن بالمعروف وبما روى الدارقطني عن سماك بن حرب قال : جاء رجل إلى علي رضى الله عنه فقال : امرأة أنا وليها تزوجت بغير إذني فقال علي : ينظر فيما صنعت فإن كانت تزوجت كفؤا أجزنا ذلك لها وإن كانت تزوجت من ليس لها بكفء جعلنا ذلك إليك وفى الموطأ أن عائشة رضي الله عنها زوجت بنت أخيها عبد الرحمن وهو غائب الحديث وقد رواه بن جريج عن عبد الرحمن بن القاسم بن محمد بن أبي بكر عن أبيه عن عائشة رضى الله عنها أنها أنكحت رجلا هو المنذر بن الزبير امرأة من بنى أخيها فضربت بينهم بستر ثم تكلمت حتى إذا لم يبق إلا العقد أمرت رجلا فأنكح ثم قالت : ليس على النساء إنكاح فالوجه في حديث مالك أن عائشة قررت المهر وأحوال النكاح وتولى العقد أحد عصبتها ونسب العقد إلى عائشة لما كان تقريره إليها الثالثة ذكر بن خويز منداد : واختلفت الرواية عن مالك في الأولياء من هم فقال مرة : كل من وضع المرأة في منصب حسن فهو وليها سواء كان من العصبة أو من ذوي الأرحام أو الأجانب أو الإمام أو الوصي وقال مرة : الأولياء من العصبة فمن وضعها منهم في منصب حسن فهو ولي وقال أبو عمر : قال مالك فيما ذكر بن القاسم عنه : إن المرأة إذا زوجها غير وليها بإذنها فإن كانت شريفة لها في الناس حال كان وليها بالخيار في فسخ النكاح وإقراره وإن كانت دنيئة كالمعتقة والسوداء والسعاية والمسلمانية ومن لا حال لها جاز نكاحها ولا خيار لوليها لأن كل واحد كفء لها وقد روى عن مالك أن الشريفة والدنيئة لا يزوجها إلا وليها أو السلطان وهذا القول اختاره بن المنذر قال : وأما تفريق مالك بين المسكينة والتي لها قدر فغير جائز لأن النبي صلى الله عليه وسلم قد سوى بين أحكامهم في الدماء فقال : ( المسلمون تتكافؤ دماؤهم ( وإذا كانوا في الدماء سواء فهم في غير ذلك شيء واحد وقال إسماعيل بن إسحاق : لما أمر الله سبحانه بالنكاح جعل المؤمنين بعضهم أولياء بعض فقال تعالى : والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض والمؤمنون في الجملة هكذا يرث بعضهم بعضا فلو أن رجلا مات ولا وارث له لكان ميراثه لجماعة المسلمين ولو جنى جناية لعقل عنه المسلمون ثم تكون ولاية أقرب من ولاية وقرابة أقرب من قرابة وإذا كانت المرأة بموضع لا سلطان فيه ولا ولي لها فإنها تصير أمرها إلى من يوثق به من جيرانها فيزوجها ويكون هو وليها في هذه الحال لأن الناس لا بد لهم من التزويج وإنما يعملون فيه بأحسن ما يمكن وعلى هذا قال مالك في المرأة الضعيفة الحال : إنه يزوجها من تسند أمرها إليه لانها ممن تضعف عن السلطان فأشبهت من لا سلطان بحضرتها فرجعت في الجملة إلى أن المسلمين أولياؤها فأما إذا صيرت أمرها إلى رجل وتركت أولياءها فإنها أخذت الأمر من غير وجهه وفعلت ما ينكره الحاكم عليها والمسلمون فيفسخ ذلك النكاح من غير أن يعلم أن حقيقته حرام لما وصفنا من أن المؤمنين بعضهم أولياء بعض ولما في ذلك من الاختلاف ولكن يفسخ لتناول الأمر من غير وجهه ولانه أحوط للفروج ولتحصينها فإذا وقع الدخول وتطاول الأمر وولدت الأولاد وكان صوابا لم يجز الفسخ لأن الأمور إذا تفاوتت لم يرد منها إلا الحرام الذي لا يشك فيه ويشبه ما فات من ذلك بحكم الحاكم إذا حكم بحكم لم يفسخ إلا أن يكون خطأ لا شك فيه وأما الشافعي وأصحابه فالنكاح عندهم بغير ولى مفسوخ أبدا قبل الدخول وبعده ولا يتوارثان إن مات أحدهما والولي عندهم من فرائض النكاح لقيام الدليل عندهم من الكتاب والسنة : قال الله تعالى : وأنكحوا الأيامى منكم كما قال : فانكحوهن بإذن أهلهن وقال مخاطبا للأولياء فلا تعضلوهن وقال عليه السلام ( لا نكاح إلا بولي ( ولم يفرقوا بين دنية الحال وبين الشريفة لأجماع العلماء على أن لا فرق بينهم في الدماء لقوله عليه السلام : ( المسلمون تتكافؤ دماؤهم ( وسائر الاحكام كذلك وليس في شيء من ذلك فرق بين الرفيع والوضيع في كتاب ولا سنة الرابعة واختلفوا في النكاح يقع على غير ولى ثم يجيزه الولى قبل الدخول فقال مالك وأصحابه إلا عبد الملك : ذلك جائز إذا كانت إجازته لذلك بالقرب وسواء دخل أو لم يدخل هذا إذا عقد النكاح غير ولي ولم تعقده المرأة بنفسها فإن زوجت المرأة نفسها وعقدت عقدة النكاح من غير ولي قريب ولا بعيد من المسلمين فإن هذا النكاح لا يقر أبدا على حال وإن تطاول وولدت الأولاد ولكنه يلحق الولد إن دخل ويسقط الحد ولا بد من فسخ ذلك النكاح على كل حال وقال بن نافع عن مالك : الفسخ فيه بغير طلاق الخامسة واختلف العلماء في منازل الأولياء وترتيبهم فكان مالك يقول : أولهم البنون وإن سفلوا ثم الأباء ثم الأخوة للأب والأم ثم للأب ثم بنو الإخوة للأب والأم ثم بنو الإخوة للأب ثم الأجداد للأب وإن علوا ثم العمومة على ترتيب الإخوة ثم بنوهم على ترتيب بنى الأخوة وإن سفلوا ثم المولى ثم السلطان أو قاضيه والوصى مقدم في إنكاح الأيتام على الأولياء وهو خليفة الأب ووكيله فأشبه حاله لو كان الأب حيا وقال الشافعى : لا ولاية لأحد مع الأب فإن مات فالجد ثم أب أب الجد لأنهم كلهم أباء والولاية بعد الجد للإخوة ثم الأقرب وقال المزني : قال في الجديد : من انفرد بأم كان أولى بالنكاح كالميراث وقال في القديم : هما سواء قلت : وروى المدنيون عن مالك مثل قول الشافعى وأن الأب أولى من الابن وهو أحد قولي أبى حنيفة حكاه الباجى وروى عن المغيرة أنه قال : الجد أولى من الإخوة والمشهور من المذهب ما قدمناه وقال أحمد : أحقهم بالمرأة أن يزوجها أبوها ثم الابن ثم الأخ ثم ابنه ثم العم وقال إسحاق : الابن أولى من الأب كما قاله مالك واختاره بن المنذر لأن عمر بن أم سلمة زوجها بإذنها من رسول الله صلى الله عليه وسلم قلت : أخرجه النسائي عن أم سلمة وترجم له ( إنكاح الابن أمه ) قلت : وكثيرا ما يستدل بهذا علماؤنا وليس بشيء والدليل على ذلك ما ثبت في الصحاح أن عمر بن أبى سلمة قال : كنت غلاما في حجر رسول الله صلى الله عليه وسلم وكانت يدي تطيش في الصحفة فقال : ( يا غلام سم الله وكل بيمينك وكل مما يليك ( وقال أبو عمر فى كتاب الاستيعاب : عمر بن أبى سلمة يكنى أبا حفص ولد في السنة الثانية من الهجرة بأرض الحبشة وقيل : إنه كان يوم قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم بن تسع سنين قلت : ومن كان سنه هذا لا يصلح أن يكون وليا ولكن ذكر أبو عمر أن لأبى سلمة من أم سلمة ابنا اخر اسمه سلمة وهو الذي عقد لرسول الله صلى الله عليه وسلم على أمه أم سلمة وكان سلمة أسن من أخيه عمر بن أبى سلمة ولا أحفظ له رواية عن النبى صلى الله عليه وسلم وقد روى عنه عمر أخوه السادسة واختلفوا في الرجل يزوج المرأة الأبعد من الأولياء كذا وقع والأقرب عبارة أن يقال : اختلف في المرأة يزوجها من أوليائها الأبعد والأقعد حاضر فقال الشافعى : النكاح باطل وقال مالك : النكاح جائز قال بن عبد البر : إن لم ينكر الأقعد شيئا من ذلك ولا رده نفذ وأن أنكره وهى ثيب أو بكر بالغ يتيمة ولا وصى لها فقد اختلف قول مالك وأصحابه وجماعة من أهل المدينة في ذلك فقال منهم قائلون : لا يرد ذلك وينفذ لأنه نكاح انعقد بإذن ولى من الفخذ والعشيرة ومن قال هذا منهم لا ينفذ قال : إنما جاءت الرتبة في الأولياء على الأفضل والأولى وذلك مستحب وليس بواجب وهذا تحصيل مذهب مالك عند أكثر أصحابه وإياه اختار إسماعيل بن إسحاق وأتباعه وقيل : ينظر السلطان في ذلك ويسأل الولى الأقرب على ما ينكره ثم إن رأى إمضاءه أمضاه وإن رأى أن يرده رده وقيل : بل للأقعد رده على كل حال لأنه حق له وقيل : له رده وإجازته ما لم يطل مكثها وتلد الأولاد وهذه كلها أقاويل أهل المدينة السابعة فلو كان الولي الأقرب محبوسا أو سفيها زوجها من يليه من أوليائها وعد كالميت منهم وكذلك إذا غاب الأقرب من أوليائها غيبة بعيدة أو غيبة لا يرجى لها أوبة سريعة زوجها من يليه من الأولياء وقد قيل : إذا غاب أقرب أوليائها لم يكن للذي يليه تزويجها ويزوجها الحاكم والأول قول مالك الثامنة وإذا كان الوليان قد استويا في القعدد وغاب أحدهما وفوضت المرأة عقد نكاحها إلى الحاضر لم يكن للغائب إن قدم نكرته وإن كانا حاضرين ففوضت أمرها إلى أحدهما لم يزوجها إلا بإذن صاحبه فإن اختلفا نظر الحاكم في ذلك وأجاز عليها رأي أحسنهما نظرا لها رواه بن وهب عن مالك التاسعة وأما الشهادة على النكاح فليست بركن عند مالك وأصحابه ويكفي من ذلك شهرته والإعلان به وخرج عن أن يكون نكاح سر قال بن القاسم عن مالك : لو زوج ببينة وأمرهم أن يكتموا ذلك لم يجز النكاح لأنه نكاح سر وإن تزوج بغير بينة على غير استسرار جاز واشهدا فيما يستقبلان وروى بن وهب عن مالك في الرجل يتزوج المرأة بشهادة رجلين ويستكتمهما قال : يفرق بينهما بتطليقة ولا يجوز النكاح ولها صداقها إن كان أصابها ولا يعاقب الشاهدان وقال أبو حنيفة والشافعى وأصحابهما : إذا تزوجها بشاهدين وقال لهما : اكتما جاز النكاح قال أبو عمر : وهذا قول يحيى بن يحيى الليثى الأندلسى صاحبنا قال : كل نكاح شهد عليه رجلان فقد خرج من حد السر وأظنه حكاه عن الليث بن سعد والسر عند الشافعى والكوفيين ومن تابعهم : كل نكاح لم يشهد عليه رجلان فصاعدا ويفسخ على كل حال قلت : قول الشافعى أصح للحديث الذى ذكرناه وروى عن بن عباس أنه قال : لا نكاح إلا بشاهدى عدل وولى مرشد ولا مخالف له من الصحابة فيما علمته واحتج مالك لمذهبه أن البيوع التي ذكرها الله تعالى فيها الأشهاد عند العقد وقد قامت الدلالة بأن ذلك ليس من فرائض البيوع والنكاح الذي لم يذكر الله تعالى فيه الأشهاد أحرى بألا يكون الإشهاد فيه من شروطه وفرائضه وإنما الغرض الإعلان والظهور لحفظ الأنساب والإشهاد يصلح بعد العقد للتداعى والاختلاف فيما ينعقد بين المتناكحين وقد روى عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( أعلنوا النكاح ( وقول مالك هذا قول بن شهاب وأكثر أهل المدينة العاشرة قوله تعالى : ( ولعبد مؤمن ) أي مملوك ( خير من مشرك ) أي حسيب ( ولو أعجبكم ) أي حسبه وماله حسب ما تقدم وقيل المعنى : ولرجل مؤمن وكذا ولأمة مؤمنة أي ولامرأة مؤمنة كما بيناه قال صلى الله عليه وسلم : ( كل رجالكم عبيد الله وكل نسائكم إماء الله ( وقال : ( لا تمنعوا إماء الله مساجد الله ( وقال تعالى : نعم العبد إنه أواب وهذا أحسن ما حمل عليه القول في هذه الآية وبه يرتفع النزاع ويزول الخلاف والله الموفق الحادية عشرة قوله تعالى : ( أولئك ) إشارة للمشركين والمشركات ( يدعون إلى النار ) أي إلى الأعمال الموجبة للنار فإن صحبتهم ومعاشرتهم توجب الانحطاط في كثير من هواهم مع تربيتهم النسل ( والله يدعو إلى الجنة ) أي إلى عمل أهل الجنة ( بإذنه ) أي بأمره قاله الزجاج < <
Türkçe Tercümesi (Ehl-i Sünnet)> قوله تعالى : ( ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن ولأمة مؤمنة خير من مشركة ولو أعجبتكم ) فيه سبع مسائل الأولى قوله تعالى : ( ولا تنكحوا ) قراءة الجمهور بفتح التاء وقرئت في الشاذ بالضم كأن المعنى أن المتزوج لها أنكحها من نفسه ونكح أصله الجماع ويستعمل في التزوج تجوزا واتساعا وسيأتي بيانه إن شاء الله تعالى الثانية لما أذن الله سبحانه وتعالى في مخالطة الأيتام وفي مخالطة النكاح بين أن مناكحة المشركين لا تصح وقال مقاتل : نزلت هذه الآية في أبى مرثد الغنوى وقيل : في مرثد بن أبي مرثد واسمه كناز بن حصين الغنوى بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة سرا ليخرج رجلا من أصحابه وكانت له بمكة امرأة يحبها في الجاهلية يقال لها عناق فجاءته فقال لها : إن الإسلام حرم ما كان في الجاهلية قالت : فتزوجنى قال : حتى استأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فاستأذنه فنهاه عن التزوج بها لأنه كان مسلما وهى مشركة وسيأتي في النور بيانه إن شاء الله تعالى الثالثة واختلف العلماء في تأويل هذه الآية فقالت طائفة : حرم الله نكاح المشركات في سورة البقرة ثم نسخ من هذه الجملة نساء أهل الكتاب فأحلهن في سورة المائدة وروى هذا القول عن بن عباس وبه قال مالك بن أنس وسفيان بن سعيد الثورى وعبد الرحمن بن عمرو الأوزاعى وقال قتادة وسعيد بن جبير : لفظ الآية العموم في كل كافرة والمراد بها الخصوص في الكتابيات وبينت الخصوص آية المائدة ولم يتناول العموم قط الكتابيات وهذا أحد قولى الشافعى وعلى القول الأول يتناولهن العموم ثم نسخت آية المائدة بعض العموم وهذا مذهب مالك رحمه الله ذكره بن حبيب وقال : ونكاح اليهودية والنصرانية وإن كان قد أحله الله تعالى مستثقل مذموم وقال إسحاق بن إبراهيم الحربى : ذهب قوم فجعلوا الآية التى في البقرة هي الناسخة والتى في المائدة ) 9 هي المنسوخة فحرموا نكاح كل مشركة كتابية أو غير كتابية قال النحاس : ومن الحجة لقائل هذا مما صح سنده ما حدثناه محمد بن ريان قال : حدثنا محمد بن رمح قال : حدثنا الليث عن نافع أن عبد الله بن عمر كان إذا سئل عن نكاح الرجل النصرانية أو اليهودية قال : حرم الله المشركات على المؤمنين ولا أعرف شيئا من الإشراك أعظم من أن تقول المرأة ربها عيسى أو عبد من عباد الله قال النحاس : وهذا قول خارج عن قول الجماعة الذين تقوم بهم الحجة لأنه قد قال بتحليل نكاح نساء أهل الكتاب من الصحابة والتابعين جماعة منهم عثمان وطلحة وبن عباس وجابر وحذيفة ومن التابعين سعيد بن المسيب وسعيد بن جبير والحسن ومجاهد وطاوس وعكرمة والشعبى والضحاك وفقهاء الأمصار عليه وأيضا فيمتنع أن تكون هذه الآية من سورة البقرة ناسخة للاية التي في سورة المائدة لأن البقرة من أول ما نزل بالمدينة والمائدة من آخر ما نزل وإنما الآخر ينسخ الأول وأما حديث بن عمر فلا حجة فيه لأن بن عمر رحمه الله كان رجلا متوقفا فلما سمع الآيتين في واحدة التحليل وفى أخرى التحريم ولم يبلغه النسخ توقف ولم يؤخذ عنه ذكر النسخ وإنما تؤول عليه وليس يؤخذ الناسخ والمنسوخ بالتأويل وذكر بن عطية : وقال بن عباس في بعض ما روى عنه : إن الآية عامة في الوثنيات والمجوسيات والكتابيات وكل من على غير الإسلام حرام فعلى هذا هي ناسخة للاية التي في المائدة وينظر إلى هذا قول بن عمر في الموطأ : ولا أعلم إشراكا أعظم من أن تقول المرأة ربها عيسى وروى عن عمر أنه فرق بين طلحة بن عبيد الله وحذيفة بن اليمان وبين كتابيتين وقالا : نطلق يا أمير المؤمنين ولا تغضب فقال : لو جاز طلاقكما لجاز نكاحكما ولكن أفرق بينكما صغرة قمأة قال بن عطية : وهذا لا يستند جيدا وأسند منه أن عمر أراد التفريق بينهما فقال له حذيفة : أتزعم أنها حرام فأخلى سبيلها يا أمير المؤمنين فقال : لا أزعم أنها حرام ولكنى أخاف أن تعاطوا المومسات منهن وروى عن بن عباس نحو هذا وذكر بن المنذر جواز نكاح الكتابيات عن عمر بن الخطاب ومن ذكر من الصحابة والتابعين في قول النحاس وقال في آخر كلامه : ولا يصح عن أحد من الأوائل أنه حرم ذلك وقال بعض العلماء : واما الآيتان فلا تعارض بينهما فإن ظاهر لفظ الشرك لا يتناول أهل الكتاب لقوله تعالى : ما يود الذين كفروا من أهل الكتاب ولا المشركين أن ينزل عليكم من خير من ربكم وقال : لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين ففرق بينهم في اللفظ وظاهر العطف يقتضي مغايرة بين المعطوف والمعطوف عليه وأيضا فاسم الشرك عموم وليس بنص وقوله تعالى : والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب بعد قوله : والمحصنات من المؤمنات نص فلا تعارض بين المحتمل وبين ما لا يحتمل فإن قيل : أراد بقوله : والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم أي أوتوا الكتاب من قبلكم وأسلموا كقوله : ( وإن من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله الآية وقوله : من أهل الكتاب أمة قائمة الآية قيل له : هذا خلاف نص الآية في قوله : والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم وخلاف ما قاله الجمهور فإنه لا يشكل على أحد جواز التزويج ممن أسلم وصار من أعيان المسلمين فإن قالوا : فقد قال الله تعالى : أولئك يدعون إلى النار فجعل العلة في تحريم نكاحهن الدعاء إلى النار والجواب أن ذلك علة لقوله تعالى : ولأمة مؤمنة خير من مشركة لأن المشرك يدعو إلى النار وهذه العلة مطردة في جميع الكفار فالمسلم خير من الكافر مطلقا وهذا بين الرابعة وأما نكاح أهل الكتاب إذا كانوا حربا فلا يحل وسئل بن عباس عن ذلك فقال : لا يحل وتلا قول الله تعالى : قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الاخر إلى قوله : صاغرون قال المحدث : حدثت بذلك إبراهيم النخعي فأعجبه وكره مالك تزوج الحربيات لعلة ترك الولد في دار الحرب ولتصرفها في الخمر والخنزير الخامسة قوله تعالى : ( ولأمة مؤمنة خير من مشركة ) إخبار بأن المؤمنة المملوكة خير من المشركة وإن كانت ذات الحسب والمال ( ولو أعجبتكم ) في الحسن وغير ذلك هذا قول الطبرى وغيره ونزلت في خنساء وليدة سوداء كانت لحذيفة بن اليمان فقال لها حذيفة : يا خنساء قد ذكرت في الملأ الاعلى مع سوادك ودمامتك وأنزل الله تعالى ذكرك في كتابه فأعتقها حذيفة وتزوجها وقال السدى : نزلت في عبد الله بن رواحة كانت له أمة سوداء فلطمها في غضب ثم ندم فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره فقال : ( ما هي يا عبد الله ( قال : تصوم وتصلى وتحسن الوضوء وتشهد الشهادتين فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( هذه مؤمنة ( فقال بن رواحة : لأعتقنها ولأتزوجنها ففعل فطعن عليه ناس من المسلمين وقالوا : نكح أمة وكانوا يرون أن ينكحوا إلى المشركين وكانوا ينكحونهم رغبة في أحسابهم فنزلت هذه الآية والله أعلم السادسة واختلف العلماء في نكاح إماء أهل الكتاب فقال مالك : لا يجوز نكاح الأمة الكتابية وقال أشهب في كتاب محمد فيمن أسلم وتحته أمة كتابية : إنه لا يفرق بينهما وقال أبو حنيفة وأصحابه يجوز نكاح إماء أهل الكتاب قال بن العربى : درسنا الشيخ أبو بكر الشاشى بمدينة السلام قال : احتج أصحاب أبى حنيفة على جواز نكاح الأمة الكتابية بقوله تعالى : ولأمة مؤمنة خير من مشركة ووجه الدليل من الآية أن الله سبحانه خاير بين نكاح الأمة المؤمنة والمشركة فلولا أن نكاح الأمة المشركة جائز لما خاير الله تعالى بينهما لأن المخايرة إنما هي بين الجائزين لا بين جائز وممتنع ولا بين متضادين والجواب أن المخايرة بين الضدين تجوز لغة وقرآنا : لأن الله سبحانه قال : أصحاب الجنة يومئذ خير مستقرا وأحسن مقيلا وقال عمر في رسالته لأبي موسى : ( الرجوع إلى الحق خير من التمادي في الباطل ) جواب أخر : قوله تعالى : ولأمة لم يرد به الرق المملوك وإنما أراد به الآدمية والآدميات والآدميون بأجمعهم عبيد الله وإماؤه قاله القاضي بالبصرة أبو العباس الجرجانى السابعة واختلفوا في نكاح نساء المجوس فمنع مالك والشافعى وأبو حنيفة والأوزاعى وإسحاق من ذلك وقال بن حنبل : لا يعجبني وروى أن حذيفة بن اليمان تزوج مجوسية وأن عمر قال له : طلقها وقال بن القصار : قال بعض أصحابنا : يجب على أحد القولين أن لهم كتابا أن تجوز مناكحتهم وروى بن وهب عن مالك أن الأمة المجوسية لا يجوز أن توطأ بملك اليمين وكذلك الوثنيات وغيرهن من الكافرات وعلى هذا جماعة العلماء إلا ما رواه يحيى بن أيوب عن بن جريج عن عطاء وعمرو بن دينار انهما سئلا عن نكاح الإماء المجوسيات فقالا : لا بأس بذلك وتأولا قول الله عز وجل : ولا تنكحوا المشركات فهذا عندهما على عقد النكاح لا على الأمة المشتراة واحتجا بسبى أوطاس وأن الصحابة نكحوا الإماء منهن بملك اليمين قال النحاس : وهذا قول شاذ أما سبي أوطاس فقد يجوز أن يكون الإماء أسلمن فجاز نكاحهن وأما الاحتجاج بقوله تعالى : ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن فغلط لأنهم حملوا النكاح على العقد والنكاح في اللغة يقع على العقد وعلى الوطء فلما قال : ولا تنكحوا المشركات حرم كل نكاح يقع على المشركات من نكاح ووطء وقال أبو عمر بن عبد البر : وقال الأوزاعى : سألت الزهري عن الرجل يشترى المجوسية أيطؤها فقال : إذا شهدت أن لا إله إلا الله وطئها وعن يونس عن بن شهاب قال : لا يحل له أن يطأها حتى تسلم قال أبو عمر : قول بن شهاب لا يحل له أن يطأها حتى تسلم هذا وهو أعلم الناس بالمغازى والسير دليل على فساد قول من زعم أن سبي أوطاس وطئن ولم يسلمن روى ذلك عن طائفة منهم عطاء وعمرو بن دينار قالا : لا بأس بوطء المجوسية وهذا لم يلتفت إليه أحد من الفقهاء بالأمصار وقد جاء عن الحسن البصرى وهو ممن لم يكن غزوه ولا غزو أهل ناحيته إلا الفرس وما وراءهم من خراسان وليس منهم أحد أهل كتاب ما يبين لك كيف كانت السيرة في نسائهم إذا سبين قال : أخبرنا عبد الله بن محمد بن أسد قال : حدثنا إبراهيم بن أحمد بن فراس قال حدثنا على بن عبد العزيز قال : حدثنا أبو عبيد قال حدثنا هشام عن يونس عن الحسن قال قال رجل له : يا أبا سعيد كيف كنتم تصنعون إذا سبيتموهن قال : كنا نوجهها إلى القبلة ونأمرها أن تسلم وتشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ثم نأمرها أن تغتسل وإذا أراد صاحبها أن يصيبها لم يصبها حتى يستبرئها وعلى هذا تأويل جماعة العلماء في قول الله تعالى : ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن أنهن الوثنيات والمجوسيات لأن الله تعالى قد أحل الكتابيات بقوله : والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم يعنى العفائف لا من شهر زناها من المسلمات ومنهم من كره نكاحها ووطأها بملك اليمين ما لم يكن منهن توبة لما في ذلك من إفساد النسب قوله تعالى : ( ولا تنكحوا المشركين حتى يؤمنوا ولعبد مؤمن خير من مشرك ولو أعجبكم ) فيه إحدى عشرة مسألة : الأولى قوله تعالى : ( ولا تنكحوا ) أي لا تزوجوا المسلمة من المشرك وأجمعت الأمة على أن المشرك لا يطأ المؤمنة بوجه لما في ذلك من الغضاضة على الإسلام والقراء على ضم التاء من تنكحوا الثانية في هذه الآية دليل بالنص على أن لا نكاح إلا بولى قال محمد بن على بن الحسين : النكاح بولى في كتاب الله ثم قرأ ولا تنكحوا المشركين قال بن المنذر : ثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( لا نكاح إلا بولي ( وقد اختلف أهل العلم في النكاح بغير ولى فقال كثير من أهل العلم : لا نكاح إلا بولي روى هذا الحديث عن عمر بن الخطاب رضى الله عنه وعلى بن أبى طالب وبن مسعود وبن عباس وأبى هريرة رضى الله عنهم وبه قال سعيد بن المسيب والحسن البصرى وعمر بن عبد العزيز وجابر بن زيد وسفيان الثورى وبن أبى ليلى وبن شبرمة وبن المبارك والشافعى وعبيد الله بن الحسن وأحمد وإسحاق وأبو عبيد قلت : وهو قول مالك رضى الله عنهم أجمعين وأبى ثور والطبرى قال أبو عمر : حجة من قال : ( لا نكاح إلا بولي ( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد ثبت عنه أنه قال : ( لا نكاح إلا بولي ( روى هذا الحديث شعبة والثورى عن أبى إسحاق عن أبى بردة عن النبى صلى الله عليه وسلم مرسلا فمن يقبل المراسيل يلزمه قبوله وأما من لا يقبل المراسيل فيلزمه أيضا لأن الذين وصلوه من أهل الحفظ والثقة وممن وصله إسرائيل وأبو عوانة كلاهما عن أبى إسحاق عن أبى بردة عن أبى موسى عن النبى صلى الله عليه وسلم وإسرائيل ومن تابعه حفاظ والحافظ تقبل زيادته وهذه الزيادة يعضدها أصول قال الله عز وجل فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن وهذه الآية نزلت في معقل بن يسار إذ عضل أخته عن مراجعة زوجها قاله البخارى ولولا أن له حقا في الإنكاح ما نهى عن العضل قلت : ومما يدل على هذا أيضا من الكتاب قوله : فانكحوهن بإذن أهلهن وقوله : وأنكحوا الأيامى منكم فلم يخاطب تعالى بالنكاح غير الرجال ولو كان إلى النساء لذكرهن وسيأتي بيان هذا في النور وقال تعالى حكاية عن شعيب في قصة موسى عليهما السلام : إنى أريد أن أنكحك على ما يأتي بيانه في سورة القصص وقال تعالى : الرجال قوامون على النساء 9 ) فقد تعاضد الكتاب والسنة على أن لا نكاح إلا بولي قال الطبرى : في حديث حفصة حين تأيمت وعقد عمر عليها النكاح ولم تعقده هي إبطال قول من قال : إن للمرأة البالغة المالكة لنفسها تزويج نفسها وعقد النكاح دون وليها ولو كان ذلك لها لم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم ليدع خطبة حفصة لنفسها إذا كانت أولى بنفسها من أبيها وخطبها إلى من لا يملك أمرها ولا العقد عليها وفيه بيان قوله عليه السلام : ( الأيم أحق بنفسها من وليها ( أن معنى ذلك أنها أحق بنفسها في أنه لا يعقد عليها إلا برضاها لا أنها أحق بنفسها في أن تعقد عقد النكاح على نفسها دون وليها وروى الدارقطني عن أبى هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لا تزوج المرأة المرأة ولا تزوج المرأة نفسها فإن الزانية هي التى تزوج نفسها ( قال : حديث صحيح وروى أبو داؤد من حديث سفيان عن الزهري عن عروة عن عائشة قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل ثلاث مرات فإن دخل بها فالمهر لها بما أصاب منها فإن تشاجروا فالسلطان ولى من لا ولى له ( وهذا الحديث صحيح ولا اعتبار بقول بن علية عن بن جريج أنه قال : سألت عنه الزهري فلم يعرفه ولم يقل هذا أحد عن بن جريج غير بن علية وقد رواه جماعة عن الزهري لم يذكروا ذلك ولو ثبت هذا عن الزهري لم يكن في ذلك حجة لأنه قد نقله عنه ثقات منهم سليمان بن موسى وهو ثقة إمام وجعفر بن ربيعة فلو نسيه الزهري لم يضره ذلك لأن النسيان لا يعصم منه بن آدم قال صلى الله عليه وسلم : ( نسي آدم فنسيت ذريته ( وكان صلى الله عليه وسلم ينسى فمن سواه أحرى أن ينسى ومن حفظ فهو حجة على من نسى فإذا روى الخبر ثقة فلا يضره نسيان من نسيه هذا لو صح ما حكى بن علية عن بن جريج فكيف وقد أنكر أهل العلم ذلك من حكايته ولم يعرجوا عليها قلت : وقد أخرج هذا الحديث أبو حاتم محمد بن حبان التميمي البستى في المسند الصحيح له على التقاسيم والأنواع من غير وجود قطع في سندها ولا ثبوت جرح في ناقلها عن حفص بن غياث عن بن جريج عن سليمان بن موسى عن الزهري عن عروة عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل وما كان من نكاح على غير ذلك فهو باطل فإن تشاجروا فالسلطان ولي من لا ولي له ( قال أبو حاتم : لم يقل أحد في خبر بن جريج عن سليمان بن موسى عن الزهري هذا : ( وشاهدى عدل ( إلا ثلاثة أنفس : سويد بن يحيى الأموى عن حفص بن غياث وعبد الله بن عبد الوهاب الجمحي عن خالد بن الحارث وعبد الرحمن بن يونس الرقي عن عيسى بن يونس ولا يصح في الشاهدين غير هذا الخبر وإذا ثبت هذا الخبر فقد صرح الكتاب والسنة بأن لا نكاح إلا بولى فلا معنى لما خالفهما وقد كان الزهري والشعبى يقولان : إذا زوجت المرأة نفسها كفؤا بشاهدين فذلك نكاح جائز وكذلك كان أبو حنيفة يقول إذا زوجت المرأة نفسها كفؤا بشاهدين فذلك نكاح جائز وهو قول زفر وإن زوجت نفسها غير كفء فالنكاح جائز وللأولياء أن يفرقوا بينهما قال بن المنذر : وأما ما قاله النعمان فمخالف للسنة خارج عن قول أكثر أهل العلم وبالخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم نقول وقال أبو يوسف : لا يجوز النكاح إلا بولي فإن سلم الولي جاز وإن أبى أن يسلم والزوج كفء أجازه القاضي وإنما يتم النكاح في قوله حين يجيزه القاضي وهو قول محمد بن الحسن وقد كان محمد بن الحسن يقول : يأمر القاضي الولى بإجازته فإن لم يفعل استأنف عقدا ولا خلاف بين أبى حنيفة وأصحابه أنه إذا أذن لها وليها فعقدت النكاح بنفسها جاز وقال الأوزاعى : إذا ولت أمرها رجلا فزوجها كفؤا فالنكاح جائز وليس للولي أن يفرق بينهما إلا أن تكون عربية تزوجت مولى وهذا نحو مذهب مالك على ما يأتي وحمل القائلون بمذهب الزهري وأبي حنيفة والشعبى قوله عليه السلام : ( لا نكاح إلا بولى ( على الكمال لا على الوجوب كما قال عليه السلام : ( لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد ) ولا حظ في الاسلام لمن ترك الصلاة ( واستدلوا على هذا بقوله تعالى : فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن وقوله تعالى : فلا جناح عليكم فيما فعلن في أنفسهن بالمعروف وبما روى الدارقطني عن سماك بن حرب قال : جاء رجل إلى علي رضى الله عنه فقال : امرأة أنا وليها تزوجت بغير إذني فقال علي : ينظر فيما صنعت فإن كانت تزوجت كفؤا أجزنا ذلك لها وإن كانت تزوجت من ليس لها بكفء جعلنا ذلك إليك وفى الموطأ أن عائشة رضي الله عنها زوجت بنت أخيها عبد الرحمن وهو غائب الحديث وقد رواه بن جريج عن عبد الرحمن بن القاسم بن محمد بن أبي بكر عن أبيه عن عائشة رضى الله عنها أنها أنكحت رجلا هو المنذر بن الزبير امرأة من بنى أخيها فضربت بينهم بستر ثم تكلمت حتى إذا لم يبق إلا العقد أمرت رجلا فأنكح ثم قالت : ليس على النساء إنكاح فالوجه في حديث مالك أن عائشة قررت المهر وأحوال النكاح وتولى العقد أحد عصبتها ونسب العقد إلى عائشة لما كان تقريره إليها الثالثة ذكر بن خويز منداد : واختلفت الرواية عن مالك في الأولياء من هم فقال مرة : كل من وضع المرأة في منصب حسن فهو وليها سواء كان من العصبة أو من ذوي الأرحام أو الأجانب أو الإمام أو الوصي وقال مرة : الأولياء من العصبة فمن وضعها منهم في منصب حسن فهو ولي وقال أبو عمر : قال مالك فيما ذكر بن القاسم عنه : إن المرأة إذا زوجها غير وليها بإذنها فإن كانت شريفة لها في الناس حال كان وليها بالخيار في فسخ النكاح وإقراره وإن كانت دنيئة كالمعتقة والسوداء والسعاية والمسلمانية ومن لا حال لها جاز نكاحها ولا خيار لوليها لأن كل واحد كفء لها وقد روى عن مالك أن الشريفة والدنيئة لا يزوجها إلا وليها أو السلطان وهذا القول اختاره بن المنذر قال : وأما تفريق مالك بين المسكينة والتي لها قدر فغير جائز لأن النبي صلى الله عليه وسلم قد سوى بين أحكامهم في الدماء فقال : ( المسلمون تتكافؤ دماؤهم ( وإذا كانوا في الدماء سواء فهم في غير ذلك شيء واحد وقال إسماعيل بن إسحاق : لما أمر الله سبحانه بالنكاح جعل المؤمنين بعضهم أولياء بعض فقال تعالى : والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض والمؤمنون في الجملة هكذا يرث بعضهم بعضا فلو أن رجلا مات ولا وارث له لكان ميراثه لجماعة المسلمين ولو جنى جناية لعقل عنه المسلمون ثم تكون ولاية أقرب من ولاية وقرابة أقرب من قرابة وإذا كانت المرأة بموضع لا سلطان فيه ولا ولي لها فإنها تصير أمرها إلى من يوثق به من جيرانها فيزوجها ويكون هو وليها في هذه الحال لأن الناس لا بد لهم من التزويج وإنما يعملون فيه بأحسن ما يمكن وعلى هذا قال مالك في المرأة الضعيفة الحال : إنه يزوجها من تسند أمرها إليه لانها ممن تضعف عن السلطان فأشبهت من لا سلطان بحضرتها فرجعت في الجملة إلى أن المسلمين أولياؤها فأما إذا صيرت أمرها إلى رجل وتركت أولياءها فإنها أخذت الأمر من غير وجهه وفعلت ما ينكره الحاكم عليها والمسلمون فيفسخ ذلك النكاح من غير أن يعلم أن حقيقته حرام لما وصفنا من أن المؤمنين بعضهم أولياء بعض ولما في ذلك من الاختلاف ولكن يفسخ لتناول الأمر من غير وجهه ولانه أحوط للفروج ولتحصينها فإذا وقع الدخول وتطاول الأمر وولدت الأولاد وكان صوابا لم يجز الفسخ لأن الأمور إذا تفاوتت لم يرد منها إلا الحرام الذي لا يشك فيه ويشبه ما فات من ذلك بحكم الحاكم إذا حكم بحكم لم يفسخ إلا أن يكون خطأ لا شك فيه وأما الشافعي وأصحابه فالنكاح عندهم بغير ولى مفسوخ أبدا قبل الدخول وبعده ولا يتوارثان إن مات أحدهما والولي عندهم من فرائض النكاح لقيام الدليل عندهم من الكتاب والسنة : قال الله تعالى : وأنكحوا الأيامى منكم كما قال : فانكحوهن بإذن أهلهن وقال مخاطبا للأولياء فلا تعضلوهن وقال عليه السلام ( لا نكاح إلا بولي ( ولم يفرقوا بين دنية الحال وبين الشريفة لأجماع العلماء على أن لا فرق بينهم في الدماء لقوله عليه السلام : ( المسلمون تتكافؤ دماؤهم ( وسائر الاحكام كذلك وليس في شيء من ذلك فرق بين الرفيع والوضيع في كتاب ولا سنة الرابعة واختلفوا في النكاح يقع على غير ولى ثم يجيزه الولى قبل الدخول فقال مالك وأصحابه إلا عبد الملك : ذلك جائز إذا كانت إجازته لذلك بالقرب وسواء دخل أو لم يدخل هذا إذا عقد النكاح غير ولي ولم تعقده المرأة بنفسها فإن زوجت المرأة نفسها وعقدت عقدة النكاح من غير ولي قريب ولا بعيد من المسلمين فإن هذا النكاح لا يقر أبدا على حال وإن تطاول وولدت الأولاد ولكنه يلحق الولد إن دخل ويسقط الحد ولا بد من فسخ ذلك النكاح على كل حال وقال بن نافع عن مالك : الفسخ فيه بغير طلاق الخامسة واختلف العلماء في منازل الأولياء وترتيبهم فكان مالك يقول : أولهم البنون وإن سفلوا ثم الأباء ثم الأخوة للأب والأم ثم للأب ثم بنو الإخوة للأب والأم ثم بنو الإخوة للأب ثم الأجداد للأب وإن علوا ثم العمومة على ترتيب الإخوة ثم بنوهم على ترتيب بنى الأخوة وإن سفلوا ثم المولى ثم السلطان أو قاضيه والوصى مقدم في إنكاح الأيتام على الأولياء وهو خليفة الأب ووكيله فأشبه حاله لو كان الأب حيا وقال الشافعى : لا ولاية لأحد مع الأب فإن مات فالجد ثم أب أب الجد لأنهم كلهم أباء والولاية بعد الجد للإخوة ثم الأقرب وقال المزني : قال في الجديد : من انفرد بأم كان أولى بالنكاح كالميراث وقال في القديم : هما سواء قلت : وروى المدنيون عن مالك مثل قول الشافعى وأن الأب أولى من الابن وهو أحد قولي أبى حنيفة حكاه الباجى وروى عن المغيرة أنه قال : الجد أولى من الإخوة والمشهور من المذهب ما قدمناه وقال أحمد : أحقهم بالمرأة أن يزوجها أبوها ثم الابن ثم الأخ ثم ابنه ثم العم وقال إسحاق : الابن أولى من الأب كما قاله مالك واختاره بن المنذر لأن عمر بن أم سلمة زوجها بإذنها من رسول الله صلى الله عليه وسلم قلت : أخرجه النسائي عن أم سلمة وترجم له ( إنكاح الابن أمه ) قلت : وكثيرا ما يستدل بهذا علماؤنا وليس بشيء والدليل على ذلك ما ثبت في الصحاح أن عمر بن أبى سلمة قال : كنت غلاما في حجر رسول الله صلى الله عليه وسلم وكانت يدي تطيش في الصحفة فقال : ( يا غلام سم الله وكل بيمينك وكل مما يليك ( وقال أبو عمر فى كتاب الاستيعاب : عمر بن أبى سلمة يكنى أبا حفص ولد في السنة الثانية من الهجرة بأرض الحبشة وقيل : إنه كان يوم قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم بن تسع سنين قلت : ومن كان سنه هذا لا يصلح أن يكون وليا ولكن ذكر أبو عمر أن لأبى سلمة من أم سلمة ابنا اخر اسمه سلمة وهو الذي عقد لرسول الله صلى الله عليه وسلم على أمه أم سلمة وكان سلمة أسن من أخيه عمر بن أبى سلمة ولا أحفظ له رواية عن النبى صلى الله عليه وسلم وقد روى عنه عمر أخوه السادسة واختلفوا في الرجل يزوج المرأة الأبعد من الأولياء كذا وقع والأقرب عبارة أن يقال : اختلف في المرأة يزوجها من أوليائها الأبعد والأقعد حاضر فقال الشافعى : النكاح باطل وقال مالك : النكاح جائز قال بن عبد البر : إن لم ينكر الأقعد شيئا من ذلك ولا رده نفذ وأن أنكره وهى ثيب أو بكر بالغ يتيمة ولا وصى لها فقد اختلف قول مالك وأصحابه وجماعة من أهل المدينة في ذلك فقال منهم قائلون : لا يرد ذلك وينفذ لأنه نكاح انعقد بإذن ولى من الفخذ والعشيرة ومن قال هذا منهم لا ينفذ قال : إنما جاءت الرتبة في الأولياء على الأفضل والأولى وذلك مستحب وليس بواجب وهذا تحصيل مذهب مالك عند أكثر أصحابه وإياه اختار إسماعيل بن إسحاق وأتباعه وقيل : ينظر السلطان في ذلك ويسأل الولى الأقرب على ما ينكره ثم إن رأى إمضاءه أمضاه وإن رأى أن يرده رده وقيل : بل للأقعد رده على كل حال لأنه حق له وقيل : له رده وإجازته ما لم يطل مكثها وتلد الأولاد وهذه كلها أقاويل أهل المدينة السابعة فلو كان الولي الأقرب محبوسا أو سفيها زوجها من يليه من أوليائها وعد كالميت منهم وكذلك إذا غاب الأقرب من أوليائها غيبة بعيدة أو غيبة لا يرجى لها أوبة سريعة زوجها من يليه من الأولياء وقد قيل : إذا غاب أقرب أوليائها لم يكن للذي يليه تزويجها ويزوجها الحاكم والأول قول مالك الثامنة وإذا كان الوليان قد استويا في القعدد وغاب أحدهما وفوضت المرأة عقد نكاحها إلى الحاضر لم يكن للغائب إن قدم نكرته وإن كانا حاضرين ففوضت أمرها إلى أحدهما لم يزوجها إلا بإذن صاحبه فإن اختلفا نظر الحاكم في ذلك وأجاز عليها رأي أحسنهما نظرا لها رواه بن وهب عن مالك التاسعة وأما الشهادة على النكاح فليست بركن عند مالك وأصحابه ويكفي من ذلك شهرته والإعلان به وخرج عن أن يكون نكاح سر قال بن القاسم عن مالك : لو زوج ببينة وأمرهم أن يكتموا ذلك لم يجز النكاح لأنه نكاح سر وإن تزوج بغير بينة على غير استسرار جاز واشهدا فيما يستقبلان وروى بن وهب عن مالك في الرجل يتزوج المرأة بشهادة رجلين ويستكتمهما قال : يفرق بينهما بتطليقة ولا يجوز النكاح ولها صداقها إن كان أصابها ولا يعاقب الشاهدان وقال أبو حنيفة والشافعى وأصحابهما : إذا تزوجها بشاهدين وقال لهما : اكتما جاز النكاح قال أبو عمر : وهذا قول يحيى بن يحيى الليثى الأندلسى صاحبنا قال : كل نكاح شهد عليه رجلان فقد خرج من حد السر وأظنه حكاه عن الليث بن سعد والسر عند الشافعى والكوفيين ومن تابعهم : كل نكاح لم يشهد عليه رجلان فصاعدا ويفسخ على كل حال قلت : قول الشافعى أصح للحديث الذى ذكرناه وروى عن بن عباس أنه قال : لا نكاح إلا بشاهدى عدل وولى مرشد ولا مخالف له من الصحابة فيما علمته واحتج مالك لمذهبه أن البيوع التي ذكرها الله تعالى فيها الأشهاد عند العقد وقد قامت الدلالة بأن ذلك ليس من فرائض البيوع والنكاح الذي لم يذكر الله تعالى فيه الأشهاد أحرى بألا يكون الإشهاد فيه من شروطه وفرائضه وإنما الغرض الإعلان والظهور لحفظ الأنساب والإشهاد يصلح بعد العقد للتداعى والاختلاف فيما ينعقد بين المتناكحين وقد روى عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( أعلنوا النكاح ( وقول مالك هذا قول بن شهاب وأكثر أهل المدينة العاشرة قوله تعالى : ( ولعبد مؤمن ) أي مملوك ( خير من مشرك ) أي حسيب ( ولو أعجبكم ) أي حسبه وماله حسب ما تقدم وقيل المعنى : ولرجل مؤمن وكذا ولأمة مؤمنة أي ولامرأة مؤمنة كما بيناه قال صلى الله عليه وسلم : ( كل رجالكم عبيد الله وكل نسائكم إماء الله ( وقال : ( لا تمنعوا إماء الله مساجد الله ( وقال تعالى : نعم العبد إنه أواب وهذا أحسن ما حمل عليه القول في هذه الآية وبه يرتفع النزاع ويزول الخلاف والله الموفق الحادية عشرة قوله تعالى : ( أولئك ) إشارة للمشركين والمشركات ( يدعون إلى النار ) أي إلى الأعمال الموجبة للنار فإن صحبتهم ومعاشرتهم توجب الانحطاط في كثير من هواهم مع تربيتهم النسل ( والله يدعو إلى الجنة ) أي إلى عمل أهل الجنة ( بإذنه ) أي بأمره قاله الزجاج < <
Bölüm V03/P079Kurtubî — el-Câmi' li-Ahkâmi'l-Kur'ân (s. V03/P079)
Orijinal Metin (AR)البقرة : ( 222 ) ويسألونك عن المحيض . . . . . > > < > ( البقره 222 ) <
Türkçe Tercümesi (Ehl-i Sünnet)البقرة : ( 222 ) ويسألونك عن المحيض . . . . . > > < > ( البقره 222 ) <
Bölüm V03/P079–V03/P090Kurtubî — el-Câmi' li-Ahkâmi'l-Kur'ân (s. V03/P079–V03/P090)
Orijinal Metin (AR)> فيه أربع عشرة مسألة : الأولى : قوله تعالى : ( ويسألونك عن المحيض ) ذكر الطبرى عن السدى ان السائل ثابت بن الدحداح وقيل : أسيد بن حضير وعباد بن بشر وهو قول الأكثرين وسبب السؤال فيما قال قتادة وغيره : أن العرب في المدينة وما والاها كانوا قد استنوا بسنة بنى إسرائيل في تجنب مؤاكلة الحائض ومساكنتها فنزلت هذه الآية وقال مجاهد : كانوا يتجنبون النساء في الحيض ويأتونهن في أدبارهن مدة زمن الحيض فنزلت وفي صحيح مسلم عن أنس أن اليهود كانوا إذا حاضت المرأة فيهم لم يؤاكلوها ولم يجامعوهن في البيوت فسأل أصحاب النبى صلى الله عليه وسلم النبي صلى الله عليه وسلم فأنزل الله تعالى : ويسألونك عن المحيض قل هو أذى فاعتزلوا النساء في المحيض إلى أخر الآية فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( اصنعوا كل شيء إلا النكاح ( فبلغ ذلك اليهود فقالوا : ما يريد هذا الرجل أن يدع من أمرنا شيئا إلا خالفنا فيه فجاء أسيد بن حضير وعباد بن بشر فقالا : يا رسول الله إن اليهود تقول كذا وكذا أفلا نجامعهن فتغير وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى ظننا أن قد وجد عليهما فخرجا فاستقبلهما هدية من لبن إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأرسل في آثارهما فسقاهما فعرفا أن لم يجد عليهما قال علماؤنا : كانت اليهود والمجوس تجتنب الحائض وكانت النصارى يجامعون الحيض فأمر الله بالقصد بين هذين الثانية قوله تعالى : ( عن المحيض ) المحيض : الحيض وهو مصدر يقال : حاضت المرأة حيضا ومحاضا ومحيضا فهي حائض وحائضة أيضا عن الفراء وأنشد : كحائضة يزنى بها غير طاهر ونساء حيض وحوائض والحيضة : المرة الواحدة والحيضة ( بالكسر ) الاسم والجمع الحيض والحيضة أيضا : الخرقة التي تستثفر بها المرأة قالت عائشة رضى الله عنها : ليتنى كنت حيضة ملقاة وكذلك المحيضة والجمع المحائض وقيل : المحيض عبارة عن الزمان والمكان وعن الحيض نفسه وأصله في الزمان والمكان مجاز في الحيض وقال الطبرى : المحيض اسم للحيض ومثله قول رؤبة في العيش : إليك أشكو شدة المعيش ومر أعوام نتفن ريشى وأصل الكلمة من السيلان والانفجار يقال : حاض السيل وفاض وحاضت الشجرة أي سالت رطوبتها ومنه الحيض أي الحوض لأن الماء يحيض إليه أي يسيل والعرب تدخل الواو على الياء والياء على الواو لأنهما من حيز واحد قال بن عرفة : المحيض والحيض اجتماع الدم إلى ذلك الموضع وبه سمي الحوض لاجتماع الماء فيه يقال : حاضت المرأة وتحيضت ودرست وعركت وطمثت تحيض حيضا ومحاضا ومحيضا إذا سال الدم منها في أوقات معلومة فإذا سال في غير أيام معلومة ومن غير عرق المحيض قلت : استحيضت فهي مستحاضة بن العربى ولها ثمانية أسماء : الأول حائض الثانى عارك الثالث فارك الرابع طامس الخامس دارس السادس كابر السابع ضاحك الثامن طامث قال مجاهد في قوله تعالى : فضحكت يعنى حاضت وقيل في قوله تعالى : فلما رأينه أكبرنه يعنى حضن وسيأتى في موضعه إن شاء الله تعالى الثالثة أجمع العلماء على أن للمرأة ثلاثة أحكام في رؤيتها الدم الظاهر السائل من فرجها فمن ذلك الحيض المعروف ودمه أسود خاثر تعلوه حمرة تترك له الصلاة والصوم لا خلاف في ذلك وقد يتصل وينقطع فإن اتصل فالحكم ثابت له وإن انقطع فرأت الدم يوما والطهر يوما أو رأت الدم يومين والطهر يومين أو يوما فإنها تترك الصلاة في أيام الدم وتغتسل عند انقطاعه وتصلى ثم تلفق أيام الدم وتلغى أيام الطهر المتخللة لها ولا تحتسب بها طهرا في عدة ولا استبراء والحيض خلقه في النساء وطبع معتاد معروف منهن روى البخارى عن أبى سعيد الخدرى قال : خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في أضحى أو فطر إلى المصلى فمر على النساء فقال : ( يا معشر النساء تصدقن فإنى أريتكن أكثر أهل النار ( فقلن وبم يا رسول الله قال ( تكثرن اللعن وتكفرن العشير ما رأيت من ناقصات عقل ودين أذهب للب الرجل الحازم من إحداكن ( قلن : وما نقصان عقلنا وديننا يا رسول الله قال ( أليس شهادة المرأة مثل نصف شهادة الرجل ( قلن : بلى قال : ( فذلك من نقصان عقلها أليس إذا حاضت لم تصل ولم تصم ( قلن : بلى يا رسول الله قال ( فذلك من نقصان دينها وأجمع العلماء على أن الحائض تقضي الصوم ولا تقضى الصلاة لحديث معاذة قالت : سألت عائشة فقلت : ما بال الحائض تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة قالت : أحرورية أنت قلت : لست بحرورية ولكنى أسأل قالت : كان يصيبنا ذلك فنؤمر بقضاء الصوم ولا نؤمر بقضاء الصلاة خرجه مسلم فإذا انقطع عنها كان طهرها منه الغسل على ما يأتي الرابعة واختلف العلماء في مقدار الحيض فقال فقهاء المدينة : إن الحيض لا يكون أكثر من خمسة عشر يوما وجائز ان يكون خمسة عشر يوما فما دون وما زاد على خمسة عشر يوما لا يكون حيضا وإنما هو استحاضة هذا مذهب مالك وأصحابه وقد روى عن مالك أنه لا وقت لقليل الحيض ولا لكثيره إلا ما يوجد في النساء فكأنه ترك قوله الأول ورجع إلى عادة النساء وقال محمد بن سلمة : أقل الطهر خمسة عشر يوما وهو اختيار أكثر البغداديين من المالكيين وهو قول الشافعي وأبى حنيفة وأصحابهما والثورى وهو الصحيح في الباب لأن الله تعالى قد جعل عدة ذوات الأقراء ثلاث حيض وجعل عدة من لا تحيض من كبر أو صغر ثلاثة أشهر فكان كل قرء عوضا من شهر والشهر يجمع الطهر والحيض فإذا قل الحيض كثر الطهر وإذا كثر الحيض قل الطهر فلما كان أكثر الحيض خمسة عشر يوما وجب أن يكون بإزائه أقل الطهر خمسة عشر يوما ليكمل في الشهر الواحد حيض وطهر وهو المتعارف في الأغلب من خلقة النساء وجبلتهن مع دلائل القرأن والسنة وقال الشافعى : أقل الحيض يوم وليلة وأكثره خمسة عشر يوما وقد روى عنه مثل قول مالك : إن ذلك مردود إلى عرف النساء وقال أبو حنيفة وأصحابه : أقل الحيض ثلاثة أيام وأكثره عشرة قال بن عبد البر : ما نقص عند هؤلاء عن ثلاثة أيام فهو استحاضة لا يمنع من الصلاة إلا عند أول ظهوره لأنه لا يعلم مبلغ مدته ثم على المرأة قضاء صلاة تلك الأوقات وكذلك ما زاد على عشرة أيام عند الكوفيين وعند الحجازيين ما زاد على خمسة عشر يوما فهو استحاضة وما كان أقل من يوم وليلة عند الشافعي فهو استحاضة وهو قول الأوزاعي والطبرى وممن قال أقل الحيض يوم وليلة وأكثره خمسة عشر يوما عطاء بن أبى رباح وأبو ثور وأحمد بن حنبل قال الأوزاعى : وعندنا امرأة تحيض غدوة وتطهر عشية وقد أتينا على ما للعلماء في هذا الباب من أكثر الحيض وأقله وأقل الطهر وفى الاستظهار والحجة في ذلك في المقتبس في شرح موطأ مالك بن أنس فإن كانت بكرا مبتدأة فإنها تجلس أول ما ترى الدم في قول الشافعي خمسة عشر يوما ثم تغتسل وتعيد صلاة أربعة عشر يوما وقال مالك : لا تقضي الصلاة ويمسك عنها زوجها على بن زياد عنه : تجلس قدر لداتها وهذا قول عطاء والثورى وغيرهما بن حنبل : تجلس يوما وليلة ثم تغتسل وتصلى ولا يأتيها زوجها أبو حنيفة وأبو يوسف : تدع الصلاة عشرا ثم تغتسل وتصلى عشرين يوما ثم تترك الصلاة بعد العشرين عشرا فيكون هذا حالها حتى ينقطع الدم عنها أما التى لها أيام معلومة فإنها تستظهر على أيامها المعلومة بثلاثة أيام عن مالك : ما لم تجاوز خمسة عشر يوما الشافعى : تغتسل إذا انقضت أيامها بغير استظهار والثانى من الدماء : دم النفاس عند الولادة وله أيضا عند العلماء حد معلوم اختلفوا فيه فقيل : شهران وهو قول مالك وقيل أربعون يوما وهو قول الشافعى وقيل غير ذلك وطهرها عند انقطاعه والغسل منه كالغسل من الجنابة قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب : ودم الحيض والنفاس يمنعان أحد عشر شيئا : وهى وجوب الصلاة وصحة فعلها وفعل الصوم دون وجوبه وفائدة الفرق لزوم القضاء للصوم ونفيه في الصلاة والجماع في الفرج وما دونه والعدة والطلاق والطواف ومس المصحف ودخول المسجد والاعتكاف فيه وفى قراءة القرأن روايتان والثالث من الدماء : دم ليس بعادة ولا طبع منهن ولا خلقه وإنما هو عرق انقطع سائله دم أحمر لا انقطاع له إلا عند البرء منه فهذا حكمه أن تكون المرأة منه طاهرة لا يمنعها من صلاة ولا صوم بإجماع من العلماء واتفاق من الآثار المرفوعة إذا كان معلوما أنه دم عرق لا دم حيض روى مالك عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة رضى الله عنها أنها قالت : قالت فاطمة بنت أبى حبيش : يا رسول الله إنى لا أطهر أفأدع الصلاة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إنما ذلك عرق وليس بالحيضة إذا أقبلت الحيضة فدعى الصلاة فإذا ذهب قدرها فاغسلي عنك الدم وصلي ( وفي هذا الحديث مع صحته وقلة ألفاظه ما يفسر لك أحكام الحائض والمستحاضة وهو أصح ما روي في هذا الباب وهو يرد ما روى عن عقبة بن عامر ومكحول أن الحائض تغتسل وتتوضأ عند كل وقت صلاة وتستقبل القبلة ذاكرة الله عز وجل جالسة وفيه أن الحائض لا تصلي وهو إجماع من كافة العلماء إلا طوائف من الخوارج يرون على الحائض الصلاة وفيه ما يدل على أن المستحاضة لا يلزمها غير ذلك الغسل الذي تغتسل من حيضها ولو لزمها غيره لأمرها به وفيه رد لقول من رأى ذلك عليها لكل صلاة ولقول من رأى عليها أن تجمع بين صلاتي النهار بغسل واحد وصلاتي الليل بغسل واحد وتغتسل للصبح ولقول من قال : تغتسل من طهر إلى طهر ولقول سعيد بن المسيب من طهر إلى طهر لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يأمرها بشيء من ذلك وفيه رد لقول من قال بالاستظهار لأن النبى صلى الله عليه وسلم أمرها إذا علمت أن حيضتها قد أدبرت وذهبت أن تغتسل وتصلى ولم يأمرها أن تترك الصلاة ثلاثة أيام لانتظار حيض يجيء أو لا يجيء والاحتياط أنما يكون في عمل الصلاة لا في تركها الخامسة قوله تعالى : ( قل هو أذى ) أي هو شيء تتأذى به المرأة وغيرها أي برائحة دم الحيض والأذى كناية عن القذر على الجملة ويطلق على القول المكروه ومنه قوله تعالى : لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى أي بما تسمعه من المكروه ومنه قوله تعالى : ودع أذاهم أي دع أذى المنافقين لا تجازهم إلا أن تؤمر فيهم وفى الحديث ( وأميطوا عنه الأذى ( يعنى ب الأذى الشعر الذي يكون على رأس الصبي حين يولد يحلق عنه يوم اسبوعه وهي العقيقة وفي حديث الإيمان : ( وأدناها إماطة الأذى عن الطريق ( أي تنحيته يعنى الشوك والحجر وما أشبه ذلك مما يتأذى به المار وقوله تعالى : ولا جناح عليكم إن كان بكم أذى من مطر وسيأتي السادسة استدل من منع وطء المستحاضة بسيلان دم الاستحاضة فقالوا : كل دم فهو أذى يجب غسله من الثوب والبدن فلا فرق في المباشرة بين دم الحيض والاستحاضة لأنه كله رجس وأما الصلاة فرخصة وردت بها السنة كما يصلى بسلس البول هذا قول إبراهيم النخعي وسليمان بن يسار والحكم بن عيينة وعامر الشعبى وبن سيرين والزهرى واختلف فيه عن الحسن وهو قول عائشة : لا يأتيها زوجها وبه قال بن علية والمغيرة بن عبد الرحمن وكان من أعلى أصحاب مالك وأبو مصعب وبه كان يفتى وقال جمهور العلماء : المستحاضة تصوم وتصلي وتطوف وتقرأ ويأتيها زوجها قال مالك : أمر أهل الفقه والعلم على هذا وإن كان دمها كثيرا رواه عنه بن وهب وكان أحمد يقول : أحب إلى ألا يطأها إلا أن يطول ذلك بها وعن بن عباس في المستحاضة : لا بأس أن يصيبها زوجها وإن كان الدم يسيل على عقبيها وقال مالك : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إنما ذلك عرق وليس بالحيضة ( فإذا لم تكن حيضة فما يمنعه أن يصيبها وهى تصلى قال بن عبد البر : لما حكم الله عز وجل في دم المستحاضة بأنه لا يمنع الصلاة وتعبد فيه بعبادة غير عبادة الحائض وجب ألا يحكم له بشيء من حكم الحيض إلا فيما أجمعوا عليه من غسله كسائر الدماء السابعة قوله تعالى : ( فاعتزلوا النساء في المحيض ) أي في زمن الحيض إن حملت المحيض على المصدر أو في محل الحيض إن حملته على الاسم ومقصود هذا النهى ترك المجامعة وقد اختلف العلماء في مباشرة الحائض وما يستباح منها فروى عن بن عباس وعبيدة السلمانى أنه يجب أن يعتزل الرجل فراش زوجته إذا حاضت وهذا قول شاذ خارج عن قول العلماء وإن كان عموم الآية يقتضيه فالسنة الثابتة بخلافه وقد وقفت على بن عباس خالته ميمونة وقالت له : أراغب أنت عن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال مالك والشافعي والأوزاعي وأبو حنيفة وأبو يوسف وجماعة عظيمة من العلماء : له منها ما فوق الإزار لقوله عليه السلام للسائل حين سأله : ما يحل لي من امراتي وهي حائض فقال : لتشد عليها إزارها ثم شأنك بأعلاها ( وقوله عليه السلام لعائشة حين حاضت : ( شدي على نفسك إزارك ثم عودي إلى مضجعك ( وقال الثوري ومحمد بن الحسن وبعض أصحاب الشافعى : يجتنب موضع الدم لقوله عليه السلام : ( اصنعوا كل شيء إلا النكاح ( وقد تقدم وهو قول داؤد وهو الصحيح من قول الشافعي وروى أبو معشر عن إبراهيم عن مسروق قال : سألت عائشة ما يحل لى من امرأتي وهى حائض فقالت كل شيء إلا الفرج قال العلماء : مباشرة الحائض وهى متزرة على الاحتياط والقطع للذريعة ولأنه لو أباح فخذيها كان ذلك منه ذريعة إلى موضع الدم المحرم بإجماع فأمر بذلك احتياطا والمحرم نفسه موضع الدم فتتفق بذلك معاني الآثار ولا تضاد وبالله التوفيق الثامنة واختلفوا في الذي يأتي امرأته وهى حائض ماذا عليه فقال مالك والشافعى وأبو حنيفة : يستغفر الله ولا شيء عليه وهو قول ربيعة ويحيى بن سعيد وبه قال داؤد وروى عن محمد بن الحسن : يتصدق بنصف دينار وقال أحمد : ما أحسن حديث عبد الحميد عن مقسم عن بن عباس عن النبى صلى الله عليه وسلم : ( يتصدق بدينار أو نصف دينار ( أخرجه أبو داؤد وقال : هكذا الرواية الصحيحة قال : دينار أو نصف دينار واستحبه الطبرى فإن لم يفعل فلا شيء عليه وهو قول الشافعي ببغداد وقالت فرقة من أهل الحديث : إن وطىء في الدم فعليه دينار وإن وطىء في إنقطاعه فنصف دينار وقال الأوزاعي : من وطىء امرأته وهي حائض تصدق بخمسي دينار والطرق لهذا كله في سنن أبى داؤد والدارقطني وغيرهما وفي كتاب الترمذى عن بن عباس عن النبى صلى الله عليه وسلم قال : ( إذا كان دما أحمر فدينار وإن كان دما أصفر فنصف دينار قال أبو عمر : حجة من لم يوجب عليه كفارة إلا الاستغفار والتوبة اضطراب هذا الحديث عن بن عباس وأن مثله لا تقوم به حجة وإن الذمة على البراءة ولا يجب أن يثبت فيها شيء لمسكين ولا غيره إلا بدليل لا مدفع فيه ولا مطعن عليه وذلك معدوم في هذه المسألة التاسعة قوله تعالى : ( ولا تقربوهن حتى يطهرن ) قال بن العربي : سمعت الشاشي في مجلس النظر يقول : إذا قيل لا تقرب ( بفتح الراء ) كان معناه : لا تلبس بالفعل وإن كان بضم الراء كان معناه : لا تدن منه وقرأ نافع وأبو عمرو وبن كثير وبن عامر وعاصم في رواية حفص عنه يطهرن بسكون الطاء وضم الهاء وقرأ حمزة والكسائي وعاصم في رواية أبي بكر والمفضل ي ط ه رن بتشديد الطاء والهاء وفتحهما وفي مصحف أبى وعبد الله يتطهرن وفي مصحف أنس بن مالك ( ولا تقربوا النساء في محيضهن واعتزلوهن حتى يتطهرن ) ورجح الطبرى قراءة تشديد الطاء وقال : هي بمعنى يغتسلن لإجماع الجميع على أن حراما على الرجل أن يقرب امرأته بعد انقطاع الدم حتى تطهر قال : وإنما الخلاف في الطهر ما هو فقال قوم : هو الاغتسال بالماء وقال قوم : هو وضوء كوضوء الصلاة وقال قوم : هو غسل الفرج وذلك يحلها لزوجها وإن لم تغتسل من الحيضة ورجح أبو على الفارسي قراءة تخفيف الطاء إذ هو ثلاثي مضاد لطمث وهو ثلاثي العاشرة قوله تعالى : ( فإذا تطهرن ) يعني بالماء وإليه ذهب مالك وجمهور العلماء وأن الطهر الذي يحل به جماع الحائض الذي يذهب عنها الدم هو تطهرها بالماء كطهر الجنب ولا يجزئ من ذلك تيمم ولا غيره وبه قال مالك والشافعى والطبرى ومحمد بن مسلمة وأهل المدينة وغيرهم وقال يحيى بن بكير ومحمد بن كعب القرظي : إذا طهرت الحائض وتيممت حيث لا ماء حلت لزوجها وإن لم تغتسل وقال مجاهد وعكرمة وطاووس : انقطاع الدم يحلها لزوجها ولكن بأن تتوضأ وقال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد : إن انقطع دمها بعد مضى عشرة أيام جاز له أن يطأها قبل الغسل وإن كان أنقطاعه قبل العشرة لم يجز حتى تغتسل أو يدخل عليها وقت الصلاة وهذا تحكم لا وجه له وقد حكموا للحائض بعد انقطاع دمها بحكم الحبس في العدة وقالوا لزوجها : عليها الرجعة ما لم تغتسل من الحيضة الثالثة فعلى قياس قولهم هذا لا يجب أن توطأ حتى تغتسل مع موافقة أهل المدينة ودليلنا أن الله سبحانه علق الحكم فيها على شرطين : أحدهما انقطاع الدم وهو قوله تعالى : حتى يطهرن والثانى الاغتسال بالماء وهو قوله تعالى : فإذا تطهرن أي يفعلن الغسل بالماء وهذا مثل قوله تعالى : وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح الآية فعلق الحكم وهو جواز دفع المال على شرطين : أحدهما بلوغ المكلف النكاح والثانى إيناس الرشد وكذلك قوله تعالى في المطلقة : فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره ثم جاءت السنة باشتراط العسيلة فوقف التحليل على الأمرين جميعا وهو انعقاد النكاح ووجود الوطء احتج أبو حنيفة فقال : إن معنى الآية الغاية في الشرط هو المذكور في الغاية قبلها فيكون قوله : حتى يطهرن مخففا هو بمعنى قوله : يطهرن مشددا بعينه ولكنه جمع بين اللغتين في الآية كما قال تعالى : فيه رجال يحبون أن يتطهروا والله يحب المطهرين التوبة قال الكميت : وما كانت الانصار فيها أذلة ولا غيبا فيها إذا الناس غيب وأيضا فإن القراءتين كالآيتين فيجب أن يعمل بهما ونحن نحمل كل واحدة منهما على معنى فنحمل المخففة على ما إذا انقطع دمها للأقل فإنا لا نجوز وطأها حتى تغتسل لأنه لا يؤمن عوده : ونحمل القراءة الاخرى على ما إذا إنقطع دمها للأكثر فيجوز وطؤها وإن لم تغتسل قال بن العربى : وهذا أقوى ما لهم فالجواب عن الاول : أن ذلك ليس من كلام الفصحاء ولا السن البلغاء فإن ذلك يقتضي التكرار في التعداد وإذا أمكن حمل اللفظ على فائدة مجردة لم يحمل على التكرار في كلام الناس فكيف في كلام العليم الحكيم وعن الثانى : أن كل واحدة منهما محمولة على معنى دون معنى الاخرى فيلزمهم إذا انقطع الدم ألا يحكم لها بحكم الحيض قبل أن تغتسل في الرجعة وهم لا يقولون ذلك كما بيناه فهي إذا حائض والحائض لا يجوز وطؤها اتفاقا وأيضا فإن ما قالوه يقتضى إباحة الوطء عند انقطاع الدم للأكثر وما قلناه يقتضي الحظر وإذا تعارض ما يقتضي الحظر وما يقتضي الإباحة ويغلب باعثاهما غلب باعث الحظر كما قال علي وعثمان في الجمع بين الأختين بملك اليمين أحلتهما أية وحرمتهما أخرى والتحريم أولى والله أعلم الحادية عشرة واختلف علماؤنا في الكتابية هل تجبر على الاغتسال أم لا فقال مالك في رواية بن القاسم : نعم ليحل للزوج وطؤها قال الله تعالى : ولا تقربوهن حتى يطهرن فإذا تطهرن يقول بالماء ولم يخص مسلمة من غيرها وروى أشهب عن مالك أنها لا تجبر على الاغتسال من المحيض لأنها غير معتقدة لذلك لقوله تعالى : ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن إن كن يؤمن بالله واليوم الآخر وهو الحيض والحمل وإنما خاطب الله عز وجل بذلك المؤمنات وقال : لا إكراه في الدين وبهذا كان يقول محمود بن عبد الحكم الثانية عشرة وصفة غسل الحائض صفة غسلها من الجنابة وليس عليها نقض شعرها في ذلك لما رواه مسلم عن أم سلمة قالت قلت : يا رسول الله إنى أشد ضفر رأسي أفأنقضه لغسل الجنابة قال : ( لا إنما يكفيك أن تحثى على رأسك ثلاث حثيات ثم تفيضين عليك الماء فتطهرين ( وفي رواية : أفأنقضه للحيضة والجنابة فقال : ( لا ( زاد أبو داؤد : ( واغمزي قرونك عند كل حفنة ( الثالثة عشرة قوله تعالى : ( فأتوهن من حيث أمركم الله ) أي فجامعوهن وهو أمر إباحة وكنى بالإتيان عن الوطء وهذا الأمر يقوي ما قلناه من أن المراد بالتطهر الغسل بالماء لأن صيغة الأمر من الله تعالى لا تقع إلا على الوجه الأكمل والله أعلم ومن بمعنى في أي في حيث أمركم الله تعالى وهو القبل ونظيره قوله تعالى : أرونى ماذا خلقوا من الأرض أي في الأرض : وقوله : إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة أي في يوم الجمعة وقيل : المعنى أي من الوجه الذي أذن لكم فيه أي من غير صوم وإحرام واعتكاف قاله الأصم وقال بن عباس وأبو رزين : من قبل الطهر لا من قبل الحيض وقاله الضحاك وقال محمد بن الحنفية : المعنى من قبل الحلال لا من قبل الزنى الرابعة عشرة قوله تعالى : ( إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين ) اختلف فيه فقيل : التوابون من الذنوب والشرك والمتطهرون أي بالماء من الجنابة والأحداث قاله عطاء وغيره وقال مجاهد : من الذنوب وعنه ايضا من : اتيان النساء في أدبارهن بن عطية : كأنه نظر إلى قوله تعالى حكاية عن قوم لوط : أخرجوهم من قريتكم إنهم أناس يتطهرون وقيل المتطهرون الذين لم يذنبوا فإن قيل : كيف قدم بالذكر الذي أذنب على من لم يذنب قيل : قدمه لئلا يقنط التائب من الرحمة ولا يعجب المتطهر بنفسه كما ذكر في آية أخرى : فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات على ما يأتى بيانه إن شاء الله تعالى < <
Türkçe Tercümesi (Ehl-i Sünnet)> فيه أربع عشرة مسألة : الأولى : قوله تعالى : ( ويسألونك عن المحيض ) ذكر الطبرى عن السدى ان السائل ثابت بن الدحداح وقيل : أسيد بن حضير وعباد بن بشر وهو قول الأكثرين وسبب السؤال فيما قال قتادة وغيره : أن العرب في المدينة وما والاها كانوا قد استنوا بسنة بنى إسرائيل في تجنب مؤاكلة الحائض ومساكنتها فنزلت هذه الآية وقال مجاهد : كانوا يتجنبون النساء في الحيض ويأتونهن في أدبارهن مدة زمن الحيض فنزلت وفي صحيح مسلم عن أنس أن اليهود كانوا إذا حاضت المرأة فيهم لم يؤاكلوها ولم يجامعوهن في البيوت فسأل أصحاب النبى صلى الله عليه وسلم النبي صلى الله عليه وسلم فأنزل الله تعالى : ويسألونك عن المحيض قل هو أذى فاعتزلوا النساء في المحيض إلى أخر الآية فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( اصنعوا كل شيء إلا النكاح ( فبلغ ذلك اليهود فقالوا : ما يريد هذا الرجل أن يدع من أمرنا شيئا إلا خالفنا فيه فجاء أسيد بن حضير وعباد بن بشر فقالا : يا رسول الله إن اليهود تقول كذا وكذا أفلا نجامعهن فتغير وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى ظننا أن قد وجد عليهما فخرجا فاستقبلهما هدية من لبن إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأرسل في آثارهما فسقاهما فعرفا أن لم يجد عليهما قال علماؤنا : كانت اليهود والمجوس تجتنب الحائض وكانت النصارى يجامعون الحيض فأمر الله بالقصد بين هذين الثانية قوله تعالى : ( عن المحيض ) المحيض : الحيض وهو مصدر يقال : حاضت المرأة حيضا ومحاضا ومحيضا فهي حائض وحائضة أيضا عن الفراء وأنشد : كحائضة يزنى بها غير طاهر ونساء حيض وحوائض والحيضة : المرة الواحدة والحيضة ( بالكسر ) الاسم والجمع الحيض والحيضة أيضا : الخرقة التي تستثفر بها المرأة قالت عائشة رضى الله عنها : ليتنى كنت حيضة ملقاة وكذلك المحيضة والجمع المحائض وقيل : المحيض عبارة عن الزمان والمكان وعن الحيض نفسه وأصله في الزمان والمكان مجاز في الحيض وقال الطبرى : المحيض اسم للحيض ومثله قول رؤبة في العيش : إليك أشكو شدة المعيش ومر أعوام نتفن ريشى وأصل الكلمة من السيلان والانفجار يقال : حاض السيل وفاض وحاضت الشجرة أي سالت رطوبتها ومنه الحيض أي الحوض لأن الماء يحيض إليه أي يسيل والعرب تدخل الواو على الياء والياء على الواو لأنهما من حيز واحد قال بن عرفة : المحيض والحيض اجتماع الدم إلى ذلك الموضع وبه سمي الحوض لاجتماع الماء فيه يقال : حاضت المرأة وتحيضت ودرست وعركت وطمثت تحيض حيضا ومحاضا ومحيضا إذا سال الدم منها في أوقات معلومة فإذا سال في غير أيام معلومة ومن غير عرق المحيض قلت : استحيضت فهي مستحاضة بن العربى ولها ثمانية أسماء : الأول حائض الثانى عارك الثالث فارك الرابع طامس الخامس دارس السادس كابر السابع ضاحك الثامن طامث قال مجاهد في قوله تعالى : فضحكت يعنى حاضت وقيل في قوله تعالى : فلما رأينه أكبرنه يعنى حضن وسيأتى في موضعه إن شاء الله تعالى الثالثة أجمع العلماء على أن للمرأة ثلاثة أحكام في رؤيتها الدم الظاهر السائل من فرجها فمن ذلك الحيض المعروف ودمه أسود خاثر تعلوه حمرة تترك له الصلاة والصوم لا خلاف في ذلك وقد يتصل وينقطع فإن اتصل فالحكم ثابت له وإن انقطع فرأت الدم يوما والطهر يوما أو رأت الدم يومين والطهر يومين أو يوما فإنها تترك الصلاة في أيام الدم وتغتسل عند انقطاعه وتصلى ثم تلفق أيام الدم وتلغى أيام الطهر المتخللة لها ولا تحتسب بها طهرا في عدة ولا استبراء والحيض خلقه في النساء وطبع معتاد معروف منهن روى البخارى عن أبى سعيد الخدرى قال : خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في أضحى أو فطر إلى المصلى فمر على النساء فقال : ( يا معشر النساء تصدقن فإنى أريتكن أكثر أهل النار ( فقلن وبم يا رسول الله قال ( تكثرن اللعن وتكفرن العشير ما رأيت من ناقصات عقل ودين أذهب للب الرجل الحازم من إحداكن ( قلن : وما نقصان عقلنا وديننا يا رسول الله قال ( أليس شهادة المرأة مثل نصف شهادة الرجل ( قلن : بلى قال : ( فذلك من نقصان عقلها أليس إذا حاضت لم تصل ولم تصم ( قلن : بلى يا رسول الله قال ( فذلك من نقصان دينها وأجمع العلماء على أن الحائض تقضي الصوم ولا تقضى الصلاة لحديث معاذة قالت : سألت عائشة فقلت : ما بال الحائض تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة قالت : أحرورية أنت قلت : لست بحرورية ولكنى أسأل قالت : كان يصيبنا ذلك فنؤمر بقضاء الصوم ولا نؤمر بقضاء الصلاة خرجه مسلم فإذا انقطع عنها كان طهرها منه الغسل على ما يأتي الرابعة واختلف العلماء في مقدار الحيض فقال فقهاء المدينة : إن الحيض لا يكون أكثر من خمسة عشر يوما وجائز ان يكون خمسة عشر يوما فما دون وما زاد على خمسة عشر يوما لا يكون حيضا وإنما هو استحاضة هذا مذهب مالك وأصحابه وقد روى عن مالك أنه لا وقت لقليل الحيض ولا لكثيره إلا ما يوجد في النساء فكأنه ترك قوله الأول ورجع إلى عادة النساء وقال محمد بن سلمة : أقل الطهر خمسة عشر يوما وهو اختيار أكثر البغداديين من المالكيين وهو قول الشافعي وأبى حنيفة وأصحابهما والثورى وهو الصحيح في الباب لأن الله تعالى قد جعل عدة ذوات الأقراء ثلاث حيض وجعل عدة من لا تحيض من كبر أو صغر ثلاثة أشهر فكان كل قرء عوضا من شهر والشهر يجمع الطهر والحيض فإذا قل الحيض كثر الطهر وإذا كثر الحيض قل الطهر فلما كان أكثر الحيض خمسة عشر يوما وجب أن يكون بإزائه أقل الطهر خمسة عشر يوما ليكمل في الشهر الواحد حيض وطهر وهو المتعارف في الأغلب من خلقة النساء وجبلتهن مع دلائل القرأن والسنة وقال الشافعى : أقل الحيض يوم وليلة وأكثره خمسة عشر يوما وقد روى عنه مثل قول مالك : إن ذلك مردود إلى عرف النساء وقال أبو حنيفة وأصحابه : أقل الحيض ثلاثة أيام وأكثره عشرة قال بن عبد البر : ما نقص عند هؤلاء عن ثلاثة أيام فهو استحاضة لا يمنع من الصلاة إلا عند أول ظهوره لأنه لا يعلم مبلغ مدته ثم على المرأة قضاء صلاة تلك الأوقات وكذلك ما زاد على عشرة أيام عند الكوفيين وعند الحجازيين ما زاد على خمسة عشر يوما فهو استحاضة وما كان أقل من يوم وليلة عند الشافعي فهو استحاضة وهو قول الأوزاعي والطبرى وممن قال أقل الحيض يوم وليلة وأكثره خمسة عشر يوما عطاء بن أبى رباح وأبو ثور وأحمد بن حنبل قال الأوزاعى : وعندنا امرأة تحيض غدوة وتطهر عشية وقد أتينا على ما للعلماء في هذا الباب من أكثر الحيض وأقله وأقل الطهر وفى الاستظهار والحجة في ذلك في المقتبس في شرح موطأ مالك بن أنس فإن كانت بكرا مبتدأة فإنها تجلس أول ما ترى الدم في قول الشافعي خمسة عشر يوما ثم تغتسل وتعيد صلاة أربعة عشر يوما وقال مالك : لا تقضي الصلاة ويمسك عنها زوجها على بن زياد عنه : تجلس قدر لداتها وهذا قول عطاء والثورى وغيرهما بن حنبل : تجلس يوما وليلة ثم تغتسل وتصلى ولا يأتيها زوجها أبو حنيفة وأبو يوسف : تدع الصلاة عشرا ثم تغتسل وتصلى عشرين يوما ثم تترك الصلاة بعد العشرين عشرا فيكون هذا حالها حتى ينقطع الدم عنها أما التى لها أيام معلومة فإنها تستظهر على أيامها المعلومة بثلاثة أيام عن مالك : ما لم تجاوز خمسة عشر يوما الشافعى : تغتسل إذا انقضت أيامها بغير استظهار والثانى من الدماء : دم النفاس عند الولادة وله أيضا عند العلماء حد معلوم اختلفوا فيه فقيل : شهران وهو قول مالك وقيل أربعون يوما وهو قول الشافعى وقيل غير ذلك وطهرها عند انقطاعه والغسل منه كالغسل من الجنابة قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب : ودم الحيض والنفاس يمنعان أحد عشر شيئا : وهى وجوب الصلاة وصحة فعلها وفعل الصوم دون وجوبه وفائدة الفرق لزوم القضاء للصوم ونفيه في الصلاة والجماع في الفرج وما دونه والعدة والطلاق والطواف ومس المصحف ودخول المسجد والاعتكاف فيه وفى قراءة القرأن روايتان والثالث من الدماء : دم ليس بعادة ولا طبع منهن ولا خلقه وإنما هو عرق انقطع سائله دم أحمر لا انقطاع له إلا عند البرء منه فهذا حكمه أن تكون المرأة منه طاهرة لا يمنعها من صلاة ولا صوم بإجماع من العلماء واتفاق من الآثار المرفوعة إذا كان معلوما أنه دم عرق لا دم حيض روى مالك عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة رضى الله عنها أنها قالت : قالت فاطمة بنت أبى حبيش : يا رسول الله إنى لا أطهر أفأدع الصلاة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إنما ذلك عرق وليس بالحيضة إذا أقبلت الحيضة فدعى الصلاة فإذا ذهب قدرها فاغسلي عنك الدم وصلي ( وفي هذا الحديث مع صحته وقلة ألفاظه ما يفسر لك أحكام الحائض والمستحاضة وهو أصح ما روي في هذا الباب وهو يرد ما روى عن عقبة بن عامر ومكحول أن الحائض تغتسل وتتوضأ عند كل وقت صلاة وتستقبل القبلة ذاكرة الله عز وجل جالسة وفيه أن الحائض لا تصلي وهو إجماع من كافة العلماء إلا طوائف من الخوارج يرون على الحائض الصلاة وفيه ما يدل على أن المستحاضة لا يلزمها غير ذلك الغسل الذي تغتسل من حيضها ولو لزمها غيره لأمرها به وفيه رد لقول من رأى ذلك عليها لكل صلاة ولقول من رأى عليها أن تجمع بين صلاتي النهار بغسل واحد وصلاتي الليل بغسل واحد وتغتسل للصبح ولقول من قال : تغتسل من طهر إلى طهر ولقول سعيد بن المسيب من طهر إلى طهر لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يأمرها بشيء من ذلك وفيه رد لقول من قال بالاستظهار لأن النبى صلى الله عليه وسلم أمرها إذا علمت أن حيضتها قد أدبرت وذهبت أن تغتسل وتصلى ولم يأمرها أن تترك الصلاة ثلاثة أيام لانتظار حيض يجيء أو لا يجيء والاحتياط أنما يكون في عمل الصلاة لا في تركها الخامسة قوله تعالى : ( قل هو أذى ) أي هو شيء تتأذى به المرأة وغيرها أي برائحة دم الحيض والأذى كناية عن القذر على الجملة ويطلق على القول المكروه ومنه قوله تعالى : لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى أي بما تسمعه من المكروه ومنه قوله تعالى : ودع أذاهم أي دع أذى المنافقين لا تجازهم إلا أن تؤمر فيهم وفى الحديث ( وأميطوا عنه الأذى ( يعنى ب الأذى الشعر الذي يكون على رأس الصبي حين يولد يحلق عنه يوم اسبوعه وهي العقيقة وفي حديث الإيمان : ( وأدناها إماطة الأذى عن الطريق ( أي تنحيته يعنى الشوك والحجر وما أشبه ذلك مما يتأذى به المار وقوله تعالى : ولا جناح عليكم إن كان بكم أذى من مطر وسيأتي السادسة استدل من منع وطء المستحاضة بسيلان دم الاستحاضة فقالوا : كل دم فهو أذى يجب غسله من الثوب والبدن فلا فرق في المباشرة بين دم الحيض والاستحاضة لأنه كله رجس وأما الصلاة فرخصة وردت بها السنة كما يصلى بسلس البول هذا قول إبراهيم النخعي وسليمان بن يسار والحكم بن عيينة وعامر الشعبى وبن سيرين والزهرى واختلف فيه عن الحسن وهو قول عائشة : لا يأتيها زوجها وبه قال بن علية والمغيرة بن عبد الرحمن وكان من أعلى أصحاب مالك وأبو مصعب وبه كان يفتى وقال جمهور العلماء : المستحاضة تصوم وتصلي وتطوف وتقرأ ويأتيها زوجها قال مالك : أمر أهل الفقه والعلم على هذا وإن كان دمها كثيرا رواه عنه بن وهب وكان أحمد يقول : أحب إلى ألا يطأها إلا أن يطول ذلك بها وعن بن عباس في المستحاضة : لا بأس أن يصيبها زوجها وإن كان الدم يسيل على عقبيها وقال مالك : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إنما ذلك عرق وليس بالحيضة ( فإذا لم تكن حيضة فما يمنعه أن يصيبها وهى تصلى قال بن عبد البر : لما حكم الله عز وجل في دم المستحاضة بأنه لا يمنع الصلاة وتعبد فيه بعبادة غير عبادة الحائض وجب ألا يحكم له بشيء من حكم الحيض إلا فيما أجمعوا عليه من غسله كسائر الدماء السابعة قوله تعالى : ( فاعتزلوا النساء في المحيض ) أي في زمن الحيض إن حملت المحيض على المصدر أو في محل الحيض إن حملته على الاسم ومقصود هذا النهى ترك المجامعة وقد اختلف العلماء في مباشرة الحائض وما يستباح منها فروى عن بن عباس وعبيدة السلمانى أنه يجب أن يعتزل الرجل فراش زوجته إذا حاضت وهذا قول شاذ خارج عن قول العلماء وإن كان عموم الآية يقتضيه فالسنة الثابتة بخلافه وقد وقفت على بن عباس خالته ميمونة وقالت له : أراغب أنت عن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال مالك والشافعي والأوزاعي وأبو حنيفة وأبو يوسف وجماعة عظيمة من العلماء : له منها ما فوق الإزار لقوله عليه السلام للسائل حين سأله : ما يحل لي من امراتي وهي حائض فقال : لتشد عليها إزارها ثم شأنك بأعلاها ( وقوله عليه السلام لعائشة حين حاضت : ( شدي على نفسك إزارك ثم عودي إلى مضجعك ( وقال الثوري ومحمد بن الحسن وبعض أصحاب الشافعى : يجتنب موضع الدم لقوله عليه السلام : ( اصنعوا كل شيء إلا النكاح ( وقد تقدم وهو قول داؤد وهو الصحيح من قول الشافعي وروى أبو معشر عن إبراهيم عن مسروق قال : سألت عائشة ما يحل لى من امرأتي وهى حائض فقالت كل شيء إلا الفرج قال العلماء : مباشرة الحائض وهى متزرة على الاحتياط والقطع للذريعة ولأنه لو أباح فخذيها كان ذلك منه ذريعة إلى موضع الدم المحرم بإجماع فأمر بذلك احتياطا والمحرم نفسه موضع الدم فتتفق بذلك معاني الآثار ولا تضاد وبالله التوفيق الثامنة واختلفوا في الذي يأتي امرأته وهى حائض ماذا عليه فقال مالك والشافعى وأبو حنيفة : يستغفر الله ولا شيء عليه وهو قول ربيعة ويحيى بن سعيد وبه قال داؤد وروى عن محمد بن الحسن : يتصدق بنصف دينار وقال أحمد : ما أحسن حديث عبد الحميد عن مقسم عن بن عباس عن النبى صلى الله عليه وسلم : ( يتصدق بدينار أو نصف دينار ( أخرجه أبو داؤد وقال : هكذا الرواية الصحيحة قال : دينار أو نصف دينار واستحبه الطبرى فإن لم يفعل فلا شيء عليه وهو قول الشافعي ببغداد وقالت فرقة من أهل الحديث : إن وطىء في الدم فعليه دينار وإن وطىء في إنقطاعه فنصف دينار وقال الأوزاعي : من وطىء امرأته وهي حائض تصدق بخمسي دينار والطرق لهذا كله في سنن أبى داؤد والدارقطني وغيرهما وفي كتاب الترمذى عن بن عباس عن النبى صلى الله عليه وسلم قال : ( إذا كان دما أحمر فدينار وإن كان دما أصفر فنصف دينار قال أبو عمر : حجة من لم يوجب عليه كفارة إلا الاستغفار والتوبة اضطراب هذا الحديث عن بن عباس وأن مثله لا تقوم به حجة وإن الذمة على البراءة ولا يجب أن يثبت فيها شيء لمسكين ولا غيره إلا بدليل لا مدفع فيه ولا مطعن عليه وذلك معدوم في هذه المسألة التاسعة قوله تعالى : ( ولا تقربوهن حتى يطهرن ) قال بن العربي : سمعت الشاشي في مجلس النظر يقول : إذا قيل لا تقرب ( بفتح الراء ) كان معناه : لا تلبس بالفعل وإن كان بضم الراء كان معناه : لا تدن منه وقرأ نافع وأبو عمرو وبن كثير وبن عامر وعاصم في رواية حفص عنه يطهرن بسكون الطاء وضم الهاء وقرأ حمزة والكسائي وعاصم في رواية أبي بكر والمفضل ي ط ه رن بتشديد الطاء والهاء وفتحهما وفي مصحف أبى وعبد الله يتطهرن وفي مصحف أنس بن مالك ( ولا تقربوا النساء في محيضهن واعتزلوهن حتى يتطهرن ) ورجح الطبرى قراءة تشديد الطاء وقال : هي بمعنى يغتسلن لإجماع الجميع على أن حراما على الرجل أن يقرب امرأته بعد انقطاع الدم حتى تطهر قال : وإنما الخلاف في الطهر ما هو فقال قوم : هو الاغتسال بالماء وقال قوم : هو وضوء كوضوء الصلاة وقال قوم : هو غسل الفرج وذلك يحلها لزوجها وإن لم تغتسل من الحيضة ورجح أبو على الفارسي قراءة تخفيف الطاء إذ هو ثلاثي مضاد لطمث وهو ثلاثي العاشرة قوله تعالى : ( فإذا تطهرن ) يعني بالماء وإليه ذهب مالك وجمهور العلماء وأن الطهر الذي يحل به جماع الحائض الذي يذهب عنها الدم هو تطهرها بالماء كطهر الجنب ولا يجزئ من ذلك تيمم ولا غيره وبه قال مالك والشافعى والطبرى ومحمد بن مسلمة وأهل المدينة وغيرهم وقال يحيى بن بكير ومحمد بن كعب القرظي : إذا طهرت الحائض وتيممت حيث لا ماء حلت لزوجها وإن لم تغتسل وقال مجاهد وعكرمة وطاووس : انقطاع الدم يحلها لزوجها ولكن بأن تتوضأ وقال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد : إن انقطع دمها بعد مضى عشرة أيام جاز له أن يطأها قبل الغسل وإن كان أنقطاعه قبل العشرة لم يجز حتى تغتسل أو يدخل عليها وقت الصلاة وهذا تحكم لا وجه له وقد حكموا للحائض بعد انقطاع دمها بحكم الحبس في العدة وقالوا لزوجها : عليها الرجعة ما لم تغتسل من الحيضة الثالثة فعلى قياس قولهم هذا لا يجب أن توطأ حتى تغتسل مع موافقة أهل المدينة ودليلنا أن الله سبحانه علق الحكم فيها على شرطين : أحدهما انقطاع الدم وهو قوله تعالى : حتى يطهرن والثانى الاغتسال بالماء وهو قوله تعالى : فإذا تطهرن أي يفعلن الغسل بالماء وهذا مثل قوله تعالى : وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح الآية فعلق الحكم وهو جواز دفع المال على شرطين : أحدهما بلوغ المكلف النكاح والثانى إيناس الرشد وكذلك قوله تعالى في المطلقة : فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره ثم جاءت السنة باشتراط العسيلة فوقف التحليل على الأمرين جميعا وهو انعقاد النكاح ووجود الوطء احتج أبو حنيفة فقال : إن معنى الآية الغاية في الشرط هو المذكور في الغاية قبلها فيكون قوله : حتى يطهرن مخففا هو بمعنى قوله : يطهرن مشددا بعينه ولكنه جمع بين اللغتين في الآية كما قال تعالى : فيه رجال يحبون أن يتطهروا والله يحب المطهرين التوبة قال الكميت : وما كانت الانصار فيها أذلة ولا غيبا فيها إذا الناس غيب وأيضا فإن القراءتين كالآيتين فيجب أن يعمل بهما ونحن نحمل كل واحدة منهما على معنى فنحمل المخففة على ما إذا انقطع دمها للأقل فإنا لا نجوز وطأها حتى تغتسل لأنه لا يؤمن عوده : ونحمل القراءة الاخرى على ما إذا إنقطع دمها للأكثر فيجوز وطؤها وإن لم تغتسل قال بن العربى : وهذا أقوى ما لهم فالجواب عن الاول : أن ذلك ليس من كلام الفصحاء ولا السن البلغاء فإن ذلك يقتضي التكرار في التعداد وإذا أمكن حمل اللفظ على فائدة مجردة لم يحمل على التكرار في كلام الناس فكيف في كلام العليم الحكيم وعن الثانى : أن كل واحدة منهما محمولة على معنى دون معنى الاخرى فيلزمهم إذا انقطع الدم ألا يحكم لها بحكم الحيض قبل أن تغتسل في الرجعة وهم لا يقولون ذلك كما بيناه فهي إذا حائض والحائض لا يجوز وطؤها اتفاقا وأيضا فإن ما قالوه يقتضى إباحة الوطء عند انقطاع الدم للأكثر وما قلناه يقتضي الحظر وإذا تعارض ما يقتضي الحظر وما يقتضي الإباحة ويغلب باعثاهما غلب باعث الحظر كما قال علي وعثمان في الجمع بين الأختين بملك اليمين أحلتهما أية وحرمتهما أخرى والتحريم أولى والله أعلم الحادية عشرة واختلف علماؤنا في الكتابية هل تجبر على الاغتسال أم لا فقال مالك في رواية بن القاسم : نعم ليحل للزوج وطؤها قال الله تعالى : ولا تقربوهن حتى يطهرن فإذا تطهرن يقول بالماء ولم يخص مسلمة من غيرها وروى أشهب عن مالك أنها لا تجبر على الاغتسال من المحيض لأنها غير معتقدة لذلك لقوله تعالى : ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن إن كن يؤمن بالله واليوم الآخر وهو الحيض والحمل وإنما خاطب الله عز وجل بذلك المؤمنات وقال : لا إكراه في الدين وبهذا كان يقول محمود بن عبد الحكم الثانية عشرة وصفة غسل الحائض صفة غسلها من الجنابة وليس عليها نقض شعرها في ذلك لما رواه مسلم عن أم سلمة قالت قلت : يا رسول الله إنى أشد ضفر رأسي أفأنقضه لغسل الجنابة قال : ( لا إنما يكفيك أن تحثى على رأسك ثلاث حثيات ثم تفيضين عليك الماء فتطهرين ( وفي رواية : أفأنقضه للحيضة والجنابة فقال : ( لا ( زاد أبو داؤد : ( واغمزي قرونك عند كل حفنة ( الثالثة عشرة قوله تعالى : ( فأتوهن من حيث أمركم الله ) أي فجامعوهن وهو أمر إباحة وكنى بالإتيان عن الوطء وهذا الأمر يقوي ما قلناه من أن المراد بالتطهر الغسل بالماء لأن صيغة الأمر من الله تعالى لا تقع إلا على الوجه الأكمل والله أعلم ومن بمعنى في أي في حيث أمركم الله تعالى وهو القبل ونظيره قوله تعالى : أرونى ماذا خلقوا من الأرض أي في الأرض : وقوله : إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة أي في يوم الجمعة وقيل : المعنى أي من الوجه الذي أذن لكم فيه أي من غير صوم وإحرام واعتكاف قاله الأصم وقال بن عباس وأبو رزين : من قبل الطهر لا من قبل الحيض وقاله الضحاك وقال محمد بن الحنفية : المعنى من قبل الحلال لا من قبل الزنى الرابعة عشرة قوله تعالى : ( إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين ) اختلف فيه فقيل : التوابون من الذنوب والشرك والمتطهرون أي بالماء من الجنابة والأحداث قاله عطاء وغيره وقال مجاهد : من الذنوب وعنه ايضا من : اتيان النساء في أدبارهن بن عطية : كأنه نظر إلى قوله تعالى حكاية عن قوم لوط : أخرجوهم من قريتكم إنهم أناس يتطهرون وقيل المتطهرون الذين لم يذنبوا فإن قيل : كيف قدم بالذكر الذي أذنب على من لم يذنب قيل : قدمه لئلا يقنط التائب من الرحمة ولا يعجب المتطهر بنفسه كما ذكر في آية أخرى : فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات على ما يأتى بيانه إن شاء الله تعالى < <
Bölüm V03/P090Kurtubî — el-Câmi' li-Ahkâmi'l-Kur'ân (s. V03/P090)
Orijinal Metin (AR)البقرة : ( 223 ) نساؤكم حرث لكم . . . . . > > < > ( البقره 223 ) <
Türkçe Tercümesi (Ehl-i Sünnet)البقرة : ( 223 ) نساؤكم حرث لكم . . . . . > > < > ( البقره 223 ) <
Bölüm V03/P090–V03/P095Kurtubî — el-Câmi' li-Ahkâmi'l-Kur'ân (s. V03/P090–V03/P095)
Orijinal Metin (AR)> فيه ست مسائل : الأولى قوله تعالى : ( نساؤكم حرث لكم ) روى الأئمة واللفظ لمسلم عن جابر بن عبد الله قال : كانت اليهود تقول : إذا أتى الرجل امرأته من دبرها في قبلها كان الولد أحول فنزلت الآية : نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم زاد في رواية عن الزهري : إن شاء مجببة وإن شاء غير مجببة غير إن ذلك في صمام واحد ويروى : في سمام واحد بالسين قاله الترمذي وروى البخارى عن نافع قال : كان بن عمر إذا قرأ القرآن لم يتكلم حتى يفرغ منه فأخذت عليه يوما فقرأ سورة البقرة حتى انتهى إلى مكان قال : أتدرى فيم أنزلت قلت : لا قال : نزلت في كذا وكذا ثم مضى وعن عبد الصمد قال : حدثني أبي قال حدثني أيوب عن نافع عن بن عمر : فأتوا حرثكم أنى شئتم قال : يأتيها في قال الحميدي : يعنى الفرج وروى أبو داؤد عن بن عباس قال : إن بن عمر والله يغفر له وهم إنما كان هذا الحي من الأنصار وهم أهل وثن مع هذا الحي من يهود وهم أهل كتاب : وكانوا يرون لهم فضلا عليهم في العلم فكانوا يقتدون بكثير من فعلهم وكان من أمر أهل الكتاب إلا يأتوا النساء إلا على حرف وذلك أستر ما تكون المرأة فكان هذا الحي من الأنصار قد أخذوا بذلك من فعلهم وكان هذا الحي من قريش يشرحون النساء شرحا منكرا ويتلذذون منهن مقبلات ومدبرات ومستلقيات فلما قدم المهاجرون المدينة تزوج رجل منهم امرأة من الأنصار فذهب يصنع بها ذلك فأنكرته عليه وقالت إنما كنا نؤتى على حرف فاصنع ذلك وإلا فاجتنبني حتى شرى أمرهما فبلغ ذلك النبى صلى الله عليه وسلم فأنزل الله عز وجل : فأتوا حرثكم أنى شئتم أي مقبلات ومدبرات ومستلقيات يعنى بذلك موضع الولد وروى الترمذي عن بن عباس قال : جاء عمر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله هلكت قال : ( وما أهلك ( قال : حولت رحلى الليلة قال : فلم يرد عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا قال : فأوحى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية : نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم ( أقبل وأدبر واتق الدبر والحيضة ( قال : هذا حديث حسن صحيح وروى النسائي عن أبي النضر أنه قال لنافع مولى بن عمر : قد أكثر عليك القول إنك تقول عن بن عمر : أنه أفتى بأن يؤتى النساء في أدبارهن قال نافع : لقد كذبوا علي ولكن سأخبرك كيف كان الامر : إن بن عمر عرض علي المصحف يوما وأنا عنده حتى بلغ : نساؤكم حرث لكم قال نافع : هل تدري ما أمر هذه الآية إنا كنا معشر قريش نجبي النساء فلما دخلنا المدينة ونكحنا نساء الأنصار أردنا منهن ما كنا نريد من نسائنا فإذا هن قد كرهن ذلك وأعظمنه وكان نساء الأنصار إنما يؤتين على جنوبهن فأنزل الله سبحانه : نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم الثانية هذه الأحاديث نص في إباحة الحال والهيئات كلها إذا كان الوطء في موضع الحرث أي كيف شئتم من خلف ومن قدام وباركة ومستلقية ومضطجعة فأما الإتيان في غير المأتى فما كان مباحا ولا يباح وذكر الحرث يدل على أن الاتيان في غير المأتى محرم وحرث تشبيه لأنهن مزدرع الذرية فلفظ الحرث يعطى أن الاباحة لم تقع إلا في الفرج خاصة إذ هو المزدرع وأنشد ثعلب : إنما الأرحام أر ضون لنا محترثات فعلينا الزرع فيها وعلى الله النبات ففرج المرأة كالأرض والنطفة كالبذر والولد كالنبات فالحرث بمعنى المحترث ووحد الحرث لأنه مصدر كما يقال : رجل صوم وقوم صوم الثالثة قوله تعالى : ( أنى شئتم ) معناه عند الجمهور من الصحابة والتابعين وأئمة الفتوى : من أي وجه شئتم مقبلة ومدبرة كما ذكرنا أنفا وأنى تجيء سؤالا وإخبارا عن أمر له جهات فهو أعم في اللغة من كيف ومن أين ومن متى هذا هو الاستعمال العربي في أنى وقد فسر الناس أنى في هذه الآية بهذه الالفاظ وفسرها سيبويه ب كيف ومن أين باجتماعهما وذهبت فرقة ممن فسرها ب أين إلى أن الوطء في الدبر مباح وممن نسب إليه هذا القول : سعيد بن المسيب ونافع وبن عمر ومحمد بن كعب القرظى وعبد الملك بن الماجشون وحكى ذلك عن مالك في كتاب له يسمى كتاب السر وحذاق أصحاب مالك ومشايخهم ينكرون ذلك الكتاب ومالك أجل من أن يكون له كتاب سر ووقع هذا القول في العتبية وذكر بن العربي أن بن شعبان أسند جواز هذا القول إلى زمرة كبيرة من الصحابة والتابعين وإلى مالك من روايات كثيرة في كتاب جماع النسوان وأحكام القران وقال الكيا الطبرى : وروى عن محمد بن كعب القرظى أنه كان لا يرى بذلك بأسا ويتأول فيه قول الله عز وجل : : أتأتون الذكران من العالمين وتذرون ما خلق لكم ربكم من أزواجكم وقال : فتقديره تتركون مثل ذلك من أزواجكم ولو لم يبح مثل ذلك من الأزواج لما صح ذلك وليس المباح من الموضع الآخر مثلا له حتى يقال : تفعلون ذلك وتتركون مثله من المباح قال الكيا : وهذا فيه نظر إذ معناه : وتذرون ما خلق لكم ربكم من أزواجكم مما فيه تسكين شهوتكم ولذة الوقاع حاصلة بهما جميعا فيجوز التوبيخ على هذا المعنى وفي قوله تعالى : فإذا تطهرن فأتوهن من حيث أمركم الله مع قوله : فأتوا حرثكم ما يدل على أن في المأتي اختصاصا وأنه مقصور على موضع الولد قلت : هذا هو الحق في المسألة وقد ذكر أبو عمر بن عبد البر أن العلماء لم يختلفوا في الرتقاء التى لا يوصل إلى وطئها أنه عيب ترد به إلا شيئا جاء عن عمر بن عبد العزيز من وجه ليس بالقوى أنه لا ترد الرتقاء ولا غيرها والفقهاء كلهم على خلاف ذلك لأن المسيس هو المبتغى بالنكاح وفي إجماعهم على هذا دليل على أن الدبر ليس بموضع وطء ولو كان موضعا للوطء ما ردت من لا يوصل إلى وطئها في الفرج وفي إجماعهم أيضا على أن العقيم التي لا تلد لا ترد والصحيح في هذه المسألة ما بيناه وما نسب إلى مالك وأصحابه من هذا باطل وهم مبرءون من ذلك لأن إباحة الاتيان مختصة بموضع الحرث لقوله تعالى : فأتوا حرثكم ولأن الحكمة في خلق الأزواج بث النسل فغير موضع النسل لا يناله ملك النكاح وهذا هو الحق وقد قال أصحاب أبى حنيفة : إنه عندنا ولائط الذكر سواء في الحكم ولأن القذر والأذى في موضع النجو أكثر من دم الحيض فكان أشنع وأما صمام البول فغير صمام الرحم وقال بن العربى في قبسه : قال لنا الشيخ الإمام فخر الإسلام أبو بكر محمد بن أحمد بن الحسين فقيه الوقت وإمامه : الفرج أشبه شيء بخمسة وثلاثين وأخرج يده عاقدا بها وقال : مسلك البول ما تحت الثلاثين ومسلك الذكر والفرج ما اشتملت عليه الخمسة وقد حرم الله تعالى الفرج حال الحيض لأجل النجاسة العارضة فأولى أن يحرم الدبر لأجل النجاسة اللازمة وقال مالك لابن وهب وعلي بن زياد لما أخبراه أن ناسا بمصر يتحدثون عنه أنه يجيز ذلك فنفر من ذلك وبادر إلى تكذيب الناقل فقال : كذبوا علي كذبوا علي كذبوا علي ثم قال : ألستم قوما عربا ألم يقل الله تعالى : نساؤكم حرث لكم وهل يكون الحرث إلا في موضع المنبت وما استدل به المخالف من أن قوله عز وجل : أنى شئتم شامل للمسالك بحكم عمومها فلا حجة فيها إذ هي مخصصة بما ذكرناه وبأحاديث صحيحة حسان وشهيرة رواها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم اثنا عشر صحابيا بمتون مختلفة كلها متواردة على تحريم إتيان النساء في الإدبار ذكرها أحمد بن حنبل في مسنده وأبو داؤد والنسائى والترمذي وغيرهم وقد جمعها أبو الفرج بن الجوزى بطرقها في جزء سماه تحريم المحل المكروه ولشيخنا أبى العباس أيضا في ذلك جزء سماه إظهار إدبار من أجاز الوطء في الأدبار قلت : وهذا هو الحق المتبع والصحيح في المسألة ولا ينبغي لمؤمن بالله واليوم الأخر أن يعرج في هذه النازلة على زلة عالم بعد أن تصح عنه وقد حذرنا من زلة العالم وقد روي عن بن عمر خلاف هذا وتكفير من فعله وهذا هو اللائق به رضى الله عنه وكذلك كذب نافع من أخبر عنه بذلك كما ذكر النسائي وقد تقدم وأنكر ذلك مالك واستعظمه وكذب من نسب ذلك إليه وروى الدارمى أبو محمد في مسنده عن سعيد بن يسار أبى الحباب قال : قلت لابن عمر : ما تقول في الجوارى حين أحمض بهن قال : وما التحميض فذكرت له الدبر فقال : هل يفعل ذلك أحد من المسلمين وأسند عن خزيمة بن ثابت : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( أيها الناس إن الله لا يستحي من الحق لا تأتوا النساء في أعجازهن ( ومثله عن على بن طلق وأسند عن أبى هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( من أتى امرأة في دبرها لم ينظر الله تعالى إليه يوم القيامة ( وروى أبو داؤد الطيالسي في مسنده عن قتادة عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن عبد الله بن عمرو عن النبى صلى الله عليه وسلم قال : ( تلك اللوطية الصغرى ( يعني إتيان المرأة في دبرها وروى عن طاوس أنه قال : كان بدء عمل قوم لوط إتيان النساء في أدبارهن قال بن المنذر : وإذا ثبت الشيء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم استغنى به عما سواه الرابعة قوله تعالى : ( وقدموا لأنفسكم ) أي قدموا ما ينفعكم غدا فحذف المفعول وقد صرح به في قوله تعالى : وما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه عند الله فالمعنى قدموا لأنفسكم الطاعة والعمل الصالح وقيل ابتغاء الولد والنسل لأن الولد خير الدنيا والاخرة فقد يكون شفيعا وجنة وقيل : هو التزوج بالعفائف ليكون الولد صالحا طاهرا وقيل : هو تقدم الأفراط كما قال النبى صلى الله عليه وسلم : ( من قدم ثلاثة من الولد لم يبلغوا الحنث لم تمسه النار إلا تحلة القسم ( الحديث وسيأتى في مريم إن شاء الله تعالى وقال بن عباس وعطاء : أي قدموا ذكر الله عند الجماع كما قال عليه السلام : ( لو أن أحدكم إذا أتى امرأته قال بسم الله اللهم جنبنا الشيطان وجنب الشيطان ما رزقتنا فإنه إن يقدر بينهما ولد لم يضره شيطان أبدا ( أخرجه مسلم الخامسة قوله تعالى : ( واتقوا الله ) تحذير ( واعلموا أنكم ملاقوه ) خبر يقتضي المبالغة في التحذير أي فهو مجازيكم على البر والإثم وروى بن عيينة عن عمرو بن دينار قال : سمعت سعيد بن جبير عن بن عباس قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يخطب يقول : ( إنكم ملاقو الله حفاة عراة مشاة غرلا ( ثم تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم ( وأتقوا الله واعلموا أنكم ملاقوه ( أخرجه مسلم بمعناه السادسة قوله تعالى : ( وبشر المؤمنين ) تأنيس لفاعل البر ومبتغي سنن الهدى < <
Türkçe Tercümesi (Ehl-i Sünnet)> فيه ست مسائل : الأولى قوله تعالى : ( نساؤكم حرث لكم ) روى الأئمة واللفظ لمسلم عن جابر بن عبد الله قال : كانت اليهود تقول : إذا أتى الرجل امرأته من دبرها في قبلها كان الولد أحول فنزلت الآية : نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم زاد في رواية عن الزهري : إن شاء مجببة وإن شاء غير مجببة غير إن ذلك في صمام واحد ويروى : في سمام واحد بالسين قاله الترمذي وروى البخارى عن نافع قال : كان بن عمر إذا قرأ القرآن لم يتكلم حتى يفرغ منه فأخذت عليه يوما فقرأ سورة البقرة حتى انتهى إلى مكان قال : أتدرى فيم أنزلت قلت : لا قال : نزلت في كذا وكذا ثم مضى وعن عبد الصمد قال : حدثني أبي قال حدثني أيوب عن نافع عن بن عمر : فأتوا حرثكم أنى شئتم قال : يأتيها في قال الحميدي : يعنى الفرج وروى أبو داؤد عن بن عباس قال : إن بن عمر والله يغفر له وهم إنما كان هذا الحي من الأنصار وهم أهل وثن مع هذا الحي من يهود وهم أهل كتاب : وكانوا يرون لهم فضلا عليهم في العلم فكانوا يقتدون بكثير من فعلهم وكان من أمر أهل الكتاب إلا يأتوا النساء إلا على حرف وذلك أستر ما تكون المرأة فكان هذا الحي من الأنصار قد أخذوا بذلك من فعلهم وكان هذا الحي من قريش يشرحون النساء شرحا منكرا ويتلذذون منهن مقبلات ومدبرات ومستلقيات فلما قدم المهاجرون المدينة تزوج رجل منهم امرأة من الأنصار فذهب يصنع بها ذلك فأنكرته عليه وقالت إنما كنا نؤتى على حرف فاصنع ذلك وإلا فاجتنبني حتى شرى أمرهما فبلغ ذلك النبى صلى الله عليه وسلم فأنزل الله عز وجل : فأتوا حرثكم أنى شئتم أي مقبلات ومدبرات ومستلقيات يعنى بذلك موضع الولد وروى الترمذي عن بن عباس قال : جاء عمر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله هلكت قال : ( وما أهلك ( قال : حولت رحلى الليلة قال : فلم يرد عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا قال : فأوحى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية : نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم ( أقبل وأدبر واتق الدبر والحيضة ( قال : هذا حديث حسن صحيح وروى النسائي عن أبي النضر أنه قال لنافع مولى بن عمر : قد أكثر عليك القول إنك تقول عن بن عمر : أنه أفتى بأن يؤتى النساء في أدبارهن قال نافع : لقد كذبوا علي ولكن سأخبرك كيف كان الامر : إن بن عمر عرض علي المصحف يوما وأنا عنده حتى بلغ : نساؤكم حرث لكم قال نافع : هل تدري ما أمر هذه الآية إنا كنا معشر قريش نجبي النساء فلما دخلنا المدينة ونكحنا نساء الأنصار أردنا منهن ما كنا نريد من نسائنا فإذا هن قد كرهن ذلك وأعظمنه وكان نساء الأنصار إنما يؤتين على جنوبهن فأنزل الله سبحانه : نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم الثانية هذه الأحاديث نص في إباحة الحال والهيئات كلها إذا كان الوطء في موضع الحرث أي كيف شئتم من خلف ومن قدام وباركة ومستلقية ومضطجعة فأما الإتيان في غير المأتى فما كان مباحا ولا يباح وذكر الحرث يدل على أن الاتيان في غير المأتى محرم وحرث تشبيه لأنهن مزدرع الذرية فلفظ الحرث يعطى أن الاباحة لم تقع إلا في الفرج خاصة إذ هو المزدرع وأنشد ثعلب : إنما الأرحام أر ضون لنا محترثات فعلينا الزرع فيها وعلى الله النبات ففرج المرأة كالأرض والنطفة كالبذر والولد كالنبات فالحرث بمعنى المحترث ووحد الحرث لأنه مصدر كما يقال : رجل صوم وقوم صوم الثالثة قوله تعالى : ( أنى شئتم ) معناه عند الجمهور من الصحابة والتابعين وأئمة الفتوى : من أي وجه شئتم مقبلة ومدبرة كما ذكرنا أنفا وأنى تجيء سؤالا وإخبارا عن أمر له جهات فهو أعم في اللغة من كيف ومن أين ومن متى هذا هو الاستعمال العربي في أنى وقد فسر الناس أنى في هذه الآية بهذه الالفاظ وفسرها سيبويه ب كيف ومن أين باجتماعهما وذهبت فرقة ممن فسرها ب أين إلى أن الوطء في الدبر مباح وممن نسب إليه هذا القول : سعيد بن المسيب ونافع وبن عمر ومحمد بن كعب القرظى وعبد الملك بن الماجشون وحكى ذلك عن مالك في كتاب له يسمى كتاب السر وحذاق أصحاب مالك ومشايخهم ينكرون ذلك الكتاب ومالك أجل من أن يكون له كتاب سر ووقع هذا القول في العتبية وذكر بن العربي أن بن شعبان أسند جواز هذا القول إلى زمرة كبيرة من الصحابة والتابعين وإلى مالك من روايات كثيرة في كتاب جماع النسوان وأحكام القران وقال الكيا الطبرى : وروى عن محمد بن كعب القرظى أنه كان لا يرى بذلك بأسا ويتأول فيه قول الله عز وجل : : أتأتون الذكران من العالمين وتذرون ما خلق لكم ربكم من أزواجكم وقال : فتقديره تتركون مثل ذلك من أزواجكم ولو لم يبح مثل ذلك من الأزواج لما صح ذلك وليس المباح من الموضع الآخر مثلا له حتى يقال : تفعلون ذلك وتتركون مثله من المباح قال الكيا : وهذا فيه نظر إذ معناه : وتذرون ما خلق لكم ربكم من أزواجكم مما فيه تسكين شهوتكم ولذة الوقاع حاصلة بهما جميعا فيجوز التوبيخ على هذا المعنى وفي قوله تعالى : فإذا تطهرن فأتوهن من حيث أمركم الله مع قوله : فأتوا حرثكم ما يدل على أن في المأتي اختصاصا وأنه مقصور على موضع الولد قلت : هذا هو الحق في المسألة وقد ذكر أبو عمر بن عبد البر أن العلماء لم يختلفوا في الرتقاء التى لا يوصل إلى وطئها أنه عيب ترد به إلا شيئا جاء عن عمر بن عبد العزيز من وجه ليس بالقوى أنه لا ترد الرتقاء ولا غيرها والفقهاء كلهم على خلاف ذلك لأن المسيس هو المبتغى بالنكاح وفي إجماعهم على هذا دليل على أن الدبر ليس بموضع وطء ولو كان موضعا للوطء ما ردت من لا يوصل إلى وطئها في الفرج وفي إجماعهم أيضا على أن العقيم التي لا تلد لا ترد والصحيح في هذه المسألة ما بيناه وما نسب إلى مالك وأصحابه من هذا باطل وهم مبرءون من ذلك لأن إباحة الاتيان مختصة بموضع الحرث لقوله تعالى : فأتوا حرثكم ولأن الحكمة في خلق الأزواج بث النسل فغير موضع النسل لا يناله ملك النكاح وهذا هو الحق وقد قال أصحاب أبى حنيفة : إنه عندنا ولائط الذكر سواء في الحكم ولأن القذر والأذى في موضع النجو أكثر من دم الحيض فكان أشنع وأما صمام البول فغير صمام الرحم وقال بن العربى في قبسه : قال لنا الشيخ الإمام فخر الإسلام أبو بكر محمد بن أحمد بن الحسين فقيه الوقت وإمامه : الفرج أشبه شيء بخمسة وثلاثين وأخرج يده عاقدا بها وقال : مسلك البول ما تحت الثلاثين ومسلك الذكر والفرج ما اشتملت عليه الخمسة وقد حرم الله تعالى الفرج حال الحيض لأجل النجاسة العارضة فأولى أن يحرم الدبر لأجل النجاسة اللازمة وقال مالك لابن وهب وعلي بن زياد لما أخبراه أن ناسا بمصر يتحدثون عنه أنه يجيز ذلك فنفر من ذلك وبادر إلى تكذيب الناقل فقال : كذبوا علي كذبوا علي كذبوا علي ثم قال : ألستم قوما عربا ألم يقل الله تعالى : نساؤكم حرث لكم وهل يكون الحرث إلا في موضع المنبت وما استدل به المخالف من أن قوله عز وجل : أنى شئتم شامل للمسالك بحكم عمومها فلا حجة فيها إذ هي مخصصة بما ذكرناه وبأحاديث صحيحة حسان وشهيرة رواها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم اثنا عشر صحابيا بمتون مختلفة كلها متواردة على تحريم إتيان النساء في الإدبار ذكرها أحمد بن حنبل في مسنده وأبو داؤد والنسائى والترمذي وغيرهم وقد جمعها أبو الفرج بن الجوزى بطرقها في جزء سماه تحريم المحل المكروه ولشيخنا أبى العباس أيضا في ذلك جزء سماه إظهار إدبار من أجاز الوطء في الأدبار قلت : وهذا هو الحق المتبع والصحيح في المسألة ولا ينبغي لمؤمن بالله واليوم الأخر أن يعرج في هذه النازلة على زلة عالم بعد أن تصح عنه وقد حذرنا من زلة العالم وقد روي عن بن عمر خلاف هذا وتكفير من فعله وهذا هو اللائق به رضى الله عنه وكذلك كذب نافع من أخبر عنه بذلك كما ذكر النسائي وقد تقدم وأنكر ذلك مالك واستعظمه وكذب من نسب ذلك إليه وروى الدارمى أبو محمد في مسنده عن سعيد بن يسار أبى الحباب قال : قلت لابن عمر : ما تقول في الجوارى حين أحمض بهن قال : وما التحميض فذكرت له الدبر فقال : هل يفعل ذلك أحد من المسلمين وأسند عن خزيمة بن ثابت : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( أيها الناس إن الله لا يستحي من الحق لا تأتوا النساء في أعجازهن ( ومثله عن على بن طلق وأسند عن أبى هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( من أتى امرأة في دبرها لم ينظر الله تعالى إليه يوم القيامة ( وروى أبو داؤد الطيالسي في مسنده عن قتادة عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن عبد الله بن عمرو عن النبى صلى الله عليه وسلم قال : ( تلك اللوطية الصغرى ( يعني إتيان المرأة في دبرها وروى عن طاوس أنه قال : كان بدء عمل قوم لوط إتيان النساء في أدبارهن قال بن المنذر : وإذا ثبت الشيء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم استغنى به عما سواه الرابعة قوله تعالى : ( وقدموا لأنفسكم ) أي قدموا ما ينفعكم غدا فحذف المفعول وقد صرح به في قوله تعالى : وما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه عند الله فالمعنى قدموا لأنفسكم الطاعة والعمل الصالح وقيل ابتغاء الولد والنسل لأن الولد خير الدنيا والاخرة فقد يكون شفيعا وجنة وقيل : هو التزوج بالعفائف ليكون الولد صالحا طاهرا وقيل : هو تقدم الأفراط كما قال النبى صلى الله عليه وسلم : ( من قدم ثلاثة من الولد لم يبلغوا الحنث لم تمسه النار إلا تحلة القسم ( الحديث وسيأتى في مريم إن شاء الله تعالى وقال بن عباس وعطاء : أي قدموا ذكر الله عند الجماع كما قال عليه السلام : ( لو أن أحدكم إذا أتى امرأته قال بسم الله اللهم جنبنا الشيطان وجنب الشيطان ما رزقتنا فإنه إن يقدر بينهما ولد لم يضره شيطان أبدا ( أخرجه مسلم الخامسة قوله تعالى : ( واتقوا الله ) تحذير ( واعلموا أنكم ملاقوه ) خبر يقتضي المبالغة في التحذير أي فهو مجازيكم على البر والإثم وروى بن عيينة عن عمرو بن دينار قال : سمعت سعيد بن جبير عن بن عباس قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يخطب يقول : ( إنكم ملاقو الله حفاة عراة مشاة غرلا ( ثم تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم ( وأتقوا الله واعلموا أنكم ملاقوه ( أخرجه مسلم بمعناه السادسة قوله تعالى : ( وبشر المؤمنين ) تأنيس لفاعل البر ومبتغي سنن الهدى < <
Bölüm V03/P095–V03/P098Kurtubî — el-Câmi' li-Ahkâmi'l-Kur'ân (s. V03/P095–V03/P098)
Orijinal Metin (AR)البقرة : ( 224 ) ولا تجعلوا الله . . . . . > > < > ( 224 ) < > فيه أربع مسائل : الأولى قال العلماء : لما أمر الله تعالى بالإنفاق وصحبة الأيتام والنساء بجميل المعاشرة قال : لا تمتنعوا عن شيء من المكارم تعللا بأنا حلفنا ألا نفعل كذا قال معناه بن عباس والنخعى ومجاهد والربيع وغيرهم قال سعيد بن جبير : هو الرجل يحلف ألا يبر ولا يصل ولا يصلح بين الناس فيقال له : بر فيقول : قد حلفت وقال بعض المتأولين : المعنى ولا تحلفوا بالله كاذبين إذا أردتم البر والتقوى والإصلاح فلا يحتاج إلى تقدير لا بعد أن وقيل : المعنى لا تستكثروا من اليمين بالله فإنه أهيب للقلوب ولهذا قال تعالى : واحفظوا أيمانكم وذم من كثر اليمين فقال تعالى : ولا تطع كل حلاف مهين والعرب تمتدح بقلة الأيمان حتى قال قائلهم : قليل الألايا حافظ ليمينه وإن صدرت منه الألية برت وعلى هذا أن تبروا معناه : أقلوا الأيمان لما فيه من البر والتقوى فإن الإكثار يكون معه الحنث وقلة رعي لحق الله تعالى وهذا تأويل حسن مالك بن أنس : بلغني أنه الحلف بالله في كل شيء وقيل : المعنى لا تجعلوا اليمين مبتذلة في كل حق وباطل وقال الزجاج وغيره : معنى الآية أن يكون الرجل إذا طلب منه فعل خير اعتل بالله فقال : على يمين وهو لم يحلف القتبى : المعنى إذا حلفتم على ألا تصلوا أرحامكم ولا تتصدقوا ولا تصلحوا وعلى أشباه ذلك من أبواب البر فكفروا اليمين قلت : وهذا حسن لما بيناه وهو الذي يدل عليه سبب النزول على ما نبينه في المسألة بعد هذا الثانية قيل : نزلت بسبب الصديق إذ حلف ألا ينفق على مسطح حين تكلم في عائشة رضى الله عنها كما في حديث الإفك وسيأتي بيانه في النور عن بن جريج وقيل : نزلت في الصديق أيضا حين حلف ألا يأكل مع الأضياف وقيل نزلت في عبد الله بن رواحة حين حلف ألا يكلم بشير بن النعمان وكان ختنه على أخته والله أعلم الثالثة قوله تعالى : ( عرضة لأيمانكم ) أي نصبا عن الجوهرى وفلان عرضة ذاك أي عرضة لذلك أي مقرن له قوى عليه والعرضة : الهمة قال : هم الأنصار عرضتها اللقاء وفلان عرضة للناس : لا يزالون يقعون فيه وجعلت فلانا عرضة لكذا أي نصبته له وقيل : العرضة من الشدة والقوة ومنه قولهم للمرأة : عرضة للنكاح إذا صلحت له وقويت عليه ولفلان عرضة : أي قوة على السفر والحرب قال كعب بن زهير : من كل نضاخة الذفرى إذا عرفت عرضتها طامس الأعلام مجهول وقال عبد الله بن الزبير : فهذى لأيام الحروب وهذه للهوى وهذى عرضة لارتحالنا أي عدة وقال اخر : فلا تجعلنى عرضة للوائم وقال أوس بن حجر : وأدماء مثل الفحل يوما عرضتها لرحلي وفيها هزة وتقاذف والمعنى : لا تجعلوا اليمين بالله قوة لأنفسكم وعدة في الامتناع من البر الرابعة قوله تعالى : ( أن تبروا وتتقوا ) مبتدأ وخبره محذوف أي البر والتقوى والإصلاح أولى وأمثل مثل طاعة وقول معروف عن الزجاج والنحاس وقيل : محله النصب أي لا تمنعكم اليمين بالله عز وجل البر والتقوى والإصلاح عن الزجاج أيضا وقيل : مفعول من أجله وقيل : معناه ألا تبروا فحذف لا كقوله تعالى : يبين الله لكم أن تضلوا أي لئلا تضلوا قاله الطبرى والنحاس ووجه رابع من وجوه النصب : كراهة أن تبروا ثم حذفت ذكره النحاس والمهدوى وقيل : هو في موضع خفض على قول الخليل والكسائي التقدير : في أن تبروا فأضمرت في وخفضت بها و ( سميع ) أي لأقوال العباد ( عليم ) بنياتهم < < البقرة : ( 225 ) لا يؤاخذكم الله . . . . . > > < > ( البقره 225 ) <
Türkçe Tercümesi (Ehl-i Sünnet)البقرة : ( 224 ) ولا تجعلوا الله . . . . . > > < > ( 224 ) < > فيه أربع مسائل : الأولى قال العلماء : لما أمر الله تعالى بالإنفاق وصحبة الأيتام والنساء بجميل المعاشرة قال : لا تمتنعوا عن شيء من المكارم تعللا بأنا حلفنا ألا نفعل كذا قال معناه بن عباس والنخعى ومجاهد والربيع وغيرهم قال سعيد بن جبير : هو الرجل يحلف ألا يبر ولا يصل ولا يصلح بين الناس فيقال له : بر فيقول : قد حلفت وقال بعض المتأولين : المعنى ولا تحلفوا بالله كاذبين إذا أردتم البر والتقوى والإصلاح فلا يحتاج إلى تقدير لا بعد أن وقيل : المعنى لا تستكثروا من اليمين بالله فإنه أهيب للقلوب ولهذا قال تعالى : واحفظوا أيمانكم وذم من كثر اليمين فقال تعالى : ولا تطع كل حلاف مهين والعرب تمتدح بقلة الأيمان حتى قال قائلهم : قليل الألايا حافظ ليمينه وإن صدرت منه الألية برت وعلى هذا أن تبروا معناه : أقلوا الأيمان لما فيه من البر والتقوى فإن الإكثار يكون معه الحنث وقلة رعي لحق الله تعالى وهذا تأويل حسن مالك بن أنس : بلغني أنه الحلف بالله في كل شيء وقيل : المعنى لا تجعلوا اليمين مبتذلة في كل حق وباطل وقال الزجاج وغيره : معنى الآية أن يكون الرجل إذا طلب منه فعل خير اعتل بالله فقال : على يمين وهو لم يحلف القتبى : المعنى إذا حلفتم على ألا تصلوا أرحامكم ولا تتصدقوا ولا تصلحوا وعلى أشباه ذلك من أبواب البر فكفروا اليمين قلت : وهذا حسن لما بيناه وهو الذي يدل عليه سبب النزول على ما نبينه في المسألة بعد هذا الثانية قيل : نزلت بسبب الصديق إذ حلف ألا ينفق على مسطح حين تكلم في عائشة رضى الله عنها كما في حديث الإفك وسيأتي بيانه في النور عن بن جريج وقيل : نزلت في الصديق أيضا حين حلف ألا يأكل مع الأضياف وقيل نزلت في عبد الله بن رواحة حين حلف ألا يكلم بشير بن النعمان وكان ختنه على أخته والله أعلم الثالثة قوله تعالى : ( عرضة لأيمانكم ) أي نصبا عن الجوهرى وفلان عرضة ذاك أي عرضة لذلك أي مقرن له قوى عليه والعرضة : الهمة قال : هم الأنصار عرضتها اللقاء وفلان عرضة للناس : لا يزالون يقعون فيه وجعلت فلانا عرضة لكذا أي نصبته له وقيل : العرضة من الشدة والقوة ومنه قولهم للمرأة : عرضة للنكاح إذا صلحت له وقويت عليه ولفلان عرضة : أي قوة على السفر والحرب قال كعب بن زهير : من كل نضاخة الذفرى إذا عرفت عرضتها طامس الأعلام مجهول وقال عبد الله بن الزبير : فهذى لأيام الحروب وهذه للهوى وهذى عرضة لارتحالنا أي عدة وقال اخر : فلا تجعلنى عرضة للوائم وقال أوس بن حجر : وأدماء مثل الفحل يوما عرضتها لرحلي وفيها هزة وتقاذف والمعنى : لا تجعلوا اليمين بالله قوة لأنفسكم وعدة في الامتناع من البر الرابعة قوله تعالى : ( أن تبروا وتتقوا ) مبتدأ وخبره محذوف أي البر والتقوى والإصلاح أولى وأمثل مثل طاعة وقول معروف عن الزجاج والنحاس وقيل : محله النصب أي لا تمنعكم اليمين بالله عز وجل البر والتقوى والإصلاح عن الزجاج أيضا وقيل : مفعول من أجله وقيل : معناه ألا تبروا فحذف لا كقوله تعالى : يبين الله لكم أن تضلوا أي لئلا تضلوا قاله الطبرى والنحاس ووجه رابع من وجوه النصب : كراهة أن تبروا ثم حذفت ذكره النحاس والمهدوى وقيل : هو في موضع خفض على قول الخليل والكسائي التقدير : في أن تبروا فأضمرت في وخفضت بها و ( سميع ) أي لأقوال العباد ( عليم ) بنياتهم < < البقرة : ( 225 ) لا يؤاخذكم الله . . . . . > > < > ( البقره 225 ) <
Bölüm V03/P098–V03/P101Kurtubî — el-Câmi' li-Ahkâmi'l-Kur'ân (s. V03/P098–V03/P101)
Orijinal Metin (AR)> فيه أربع مسائل : الأولى قوله تعالى : ( باللغو ) اللغو : مصدر لغا يلغو ويلغي ولغى يلغى لغا إذا أتى بما لا يحتاج إليه في الكلام أو بما لا خير فيه أو بما يلغي إثمه وفي الحديث : ( إذا قلت لصاحبك والإمام يخطب يوم الجمعة أنصت فقد لغوت ( ولغة أبى هريرة ( فقد لغيت ( وقال الشاعر : ورب أسراب حجيج كظم عن اللغا ورفث التكلم وقال آخر : ولست بمأخوذ بلغو تقوله إذا لم تعمد عاقدات العزائم الثانية واختلف العلماء في اليمين التى هي لغو فقال بن عباس : هو قول الرجل في درج كلامه واستعجاله في المحاورة : لا والله وبلى والله دون قصد لليمين قال المروزى : لغو اليمين التي اتفق العلماء على أنها لغو هو قول الرجل : لا والله وبلى والله في حديثه وكلامه غير معتقد لليمين ولا مريدها وروى بن وهب عن يونس عن بن شهاب أن عروة حدثه أن عائشة زوج النبى صلى الله عليه وسلم قالت : أيمان اللغو ما كانت في المراء والهزل والمزاحة والحديث الذي لا ينعقد عليه القلب وفي البخارى عن عائشة رضى الله عنها قالت : نزل قوله تعالى : لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم في قول الرجل : لا والله وبلى والله وقيل : اللغو ما يحلف به على الظن فيكون بخلافه قاله مالك حكاه عن بن القاسم عنه وقال به جماعة من السلف قال أبو هريرة : إذا حلف الرجل على الشيء لا يظن إلا أنه إياه فإذا ليس هو فهو اللغو وليس فيه كفارة ونحوه عن بن عباس وروى : أن قوما تراجعوا القول عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم يرمون بحضرته فحلف أحدهم لقد أصبت وأخطأت يا فلان فإذا الأمر بخلاف ذلك فقال الرجل : حنث يا رسول الله فقال النبى صلى الله عليه وسلم : ( أيمان الرماة لغو لا حنث فيها ولا كفارة ( وفى الموطأ قال مالك : أحسن ما سمعت في هذا أن اللغو حلف الانسان على الشيء يستيقن أنه كذلك ثم يوجد بخلافه فلا كفارة فيه والذي يحلف على الشيء وهو يعلم أنه فيه آثم كاذب ليرضي به أحدا أو يعتذر لمخلوق أو يقتطع به مالا فهذا أعظم من أن يكون فيه كفارة وإنما الكفارة على من حلف ألا يفعل الشيء المباح له فعله ثم يفعله أو أن يفعله ثم لا يفعله مثل إن حلف ألا يبيع ثوبه بعشرة دراهم ثم يبيعه بمثل ذلك أو حلف ليضربن غلامه ثم لا يضربه وروى عن بن عباس إن صح عنه قال لغو اليمين أن تحلف وأنت غضبان وقاله طاوس وروى بن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( لا يمين في غضب ( أخرجه مسلم وقال سعيد بن جبير : هو تحريم الحلال فيقول : مالي على حرام إن فعلت كذا والحلال علي حرام وقاله مكحول الدمشقي ومالك أيضا إلا في الزوجة فإنه ألزم فيها التحريم إلا أن يخرجها الحالف بقلبه وقيل : هو يمين المعصية قاله سعيد بن المسيب وأبو بكر بن عبد الرحمن وعروة وعبد الله ابنا الزبير كالذي يقسم ليشربن الخمر أو ليقطعن الرحم فبره ترك ذلك الفعل ولا كفارة عليه وحجتهم حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبى صلى الله عليه وسلم قال : ( من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها فليتركها فإن تركها كفارتها ( أخرجه بن ماجه في سننه وسيأتى في المائدة أيضا وقال زيد بن أسلم : لغو اليمين دعاء الرجل على نفسه : أعمى الله بصره أذهب الله ماله هو يهودى هو مشرك هو لغية إن فعل كذا مجاهد : هما الرجلان يتبايعان فيقول أحدهما : والله لا أبيعك بكذا ويقول الآخر : والله لا أشتريه بكذا النخعي : هو الرجل يحلف ألا يفعل الشيء ثم ينسى فيفعله وقال بن عباس أيضا والضحاك : إن لغو اليمين هي المكفرة أي إذا كفرت اليمين سقطت وصارت لغوا ولا يؤاخذ الله بتكفيرها والرجوع إلى الذي هو خير وحكى بن عبد البر قولا : أن اللغو أيمان المكره قال بن العربى : أما اليمين مع النسيان فلا شك في إلغائها لأنها جاءت على خلاف قصده فهي لغو محض قلت : ويمين المكره بمثابتها وسيأتى حكم من حلف مكرها في النحل إن شاء الله تعالى قال بن العربى : وأما من قال أنه يمين المعصية فباطل لأن الحالف على ترك المعصية تنعقد يمينه عبادة والحالف على فعل المعصية تنعقد يمينه معصية ويقال له : لا تفعل وكفر فإن أقدم على الفعل أثم في إقدامه وبر فى قسمه وأما من قال : إنه دعاء الانسان على نفسه إن لم يكن كذا فينزل به كذا فهو قول لغو في طريق الكفارة ولكنه منعقد في القصد مكروه وربما يؤاخذ به لأن النبى صلى الله عليه وسلم قال : ( لا يدعون أحدكم على نفسه فربما صادف ساعة لا يسأل الله أحد فيها شيئا إلا أعطاه إياه ( وأما من قال أنه يمين الغضب فإنه يرده حلف النبى صلى الله عليه وسلم غاضبا ألا يحمل الأشعريين وحملهم وكفر عن يمينه وسيأتى في براءة قال بن العربى : وأما من قال : إنه اليمين المكفرة فلا متعلق له يحكى وضعفه بن عطية أيضا وقال : قد رفع الله عز وجل المؤاخذة بالاطلاق في اللغو فحقيقتها لا إثم فيه ولا كفارة والمؤاخذة في الايمان هي بعقوبة الاخرة في اليمين الغموس المصبورة وفيما ترك تكفيره مما فيه كفارة وبعقوبة الدنيا في إلزام الكفارة فيضعف القول بأنها اليمين المكفرة لأن المؤاخذة قد وقعت فيها وتخصيص المؤاخذة بأنها في الآخرة فقط تحكم الثالثة قوله تعالى : ( في أيمانكم ) الأيمان جمع يمين واليمين الحلف وأصله أن العرب كانت إذا تحالفت أو تعاقدت أخذ الرجل يمين صاحبه بيمينه ثم كثر ذلك حتى سمي الحلف والعهد نفسه يمينا وقيل : يمين فعيل من اليمن وهو البركة سماها الله تعالى بذلك لأنها تحفظ الحقوق ويمين تذكر وتؤنث وتجمع أيمان وأيمن قال زهير : فتجمع أيمن منا ومنكم الرابعة قوله تعالى : ( ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم ) مثل قوله : ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان وهناك يأتى الكلام فيه مستوفى إن شاء الله تعالى وقال زيد بن أسلم : قوله تعالى : ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم هو في الرجل يقول : هو مشرك إن فعل أي هذا اللغو إلا أن يعقد الإشراك بقلبه ويكسبه وغفور حليم صفتان لائقتان بما ذكر من طرح المؤاخذة إذ هو باب رفق وتوسعة < <
Türkçe Tercümesi (Ehl-i Sünnet)> فيه أربع مسائل : الأولى قوله تعالى : ( باللغو ) اللغو : مصدر لغا يلغو ويلغي ولغى يلغى لغا إذا أتى بما لا يحتاج إليه في الكلام أو بما لا خير فيه أو بما يلغي إثمه وفي الحديث : ( إذا قلت لصاحبك والإمام يخطب يوم الجمعة أنصت فقد لغوت ( ولغة أبى هريرة ( فقد لغيت ( وقال الشاعر : ورب أسراب حجيج كظم عن اللغا ورفث التكلم وقال آخر : ولست بمأخوذ بلغو تقوله إذا لم تعمد عاقدات العزائم الثانية واختلف العلماء في اليمين التى هي لغو فقال بن عباس : هو قول الرجل في درج كلامه واستعجاله في المحاورة : لا والله وبلى والله دون قصد لليمين قال المروزى : لغو اليمين التي اتفق العلماء على أنها لغو هو قول الرجل : لا والله وبلى والله في حديثه وكلامه غير معتقد لليمين ولا مريدها وروى بن وهب عن يونس عن بن شهاب أن عروة حدثه أن عائشة زوج النبى صلى الله عليه وسلم قالت : أيمان اللغو ما كانت في المراء والهزل والمزاحة والحديث الذي لا ينعقد عليه القلب وفي البخارى عن عائشة رضى الله عنها قالت : نزل قوله تعالى : لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم في قول الرجل : لا والله وبلى والله وقيل : اللغو ما يحلف به على الظن فيكون بخلافه قاله مالك حكاه عن بن القاسم عنه وقال به جماعة من السلف قال أبو هريرة : إذا حلف الرجل على الشيء لا يظن إلا أنه إياه فإذا ليس هو فهو اللغو وليس فيه كفارة ونحوه عن بن عباس وروى : أن قوما تراجعوا القول عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم يرمون بحضرته فحلف أحدهم لقد أصبت وأخطأت يا فلان فإذا الأمر بخلاف ذلك فقال الرجل : حنث يا رسول الله فقال النبى صلى الله عليه وسلم : ( أيمان الرماة لغو لا حنث فيها ولا كفارة ( وفى الموطأ قال مالك : أحسن ما سمعت في هذا أن اللغو حلف الانسان على الشيء يستيقن أنه كذلك ثم يوجد بخلافه فلا كفارة فيه والذي يحلف على الشيء وهو يعلم أنه فيه آثم كاذب ليرضي به أحدا أو يعتذر لمخلوق أو يقتطع به مالا فهذا أعظم من أن يكون فيه كفارة وإنما الكفارة على من حلف ألا يفعل الشيء المباح له فعله ثم يفعله أو أن يفعله ثم لا يفعله مثل إن حلف ألا يبيع ثوبه بعشرة دراهم ثم يبيعه بمثل ذلك أو حلف ليضربن غلامه ثم لا يضربه وروى عن بن عباس إن صح عنه قال لغو اليمين أن تحلف وأنت غضبان وقاله طاوس وروى بن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( لا يمين في غضب ( أخرجه مسلم وقال سعيد بن جبير : هو تحريم الحلال فيقول : مالي على حرام إن فعلت كذا والحلال علي حرام وقاله مكحول الدمشقي ومالك أيضا إلا في الزوجة فإنه ألزم فيها التحريم إلا أن يخرجها الحالف بقلبه وقيل : هو يمين المعصية قاله سعيد بن المسيب وأبو بكر بن عبد الرحمن وعروة وعبد الله ابنا الزبير كالذي يقسم ليشربن الخمر أو ليقطعن الرحم فبره ترك ذلك الفعل ولا كفارة عليه وحجتهم حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبى صلى الله عليه وسلم قال : ( من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها فليتركها فإن تركها كفارتها ( أخرجه بن ماجه في سننه وسيأتى في المائدة أيضا وقال زيد بن أسلم : لغو اليمين دعاء الرجل على نفسه : أعمى الله بصره أذهب الله ماله هو يهودى هو مشرك هو لغية إن فعل كذا مجاهد : هما الرجلان يتبايعان فيقول أحدهما : والله لا أبيعك بكذا ويقول الآخر : والله لا أشتريه بكذا النخعي : هو الرجل يحلف ألا يفعل الشيء ثم ينسى فيفعله وقال بن عباس أيضا والضحاك : إن لغو اليمين هي المكفرة أي إذا كفرت اليمين سقطت وصارت لغوا ولا يؤاخذ الله بتكفيرها والرجوع إلى الذي هو خير وحكى بن عبد البر قولا : أن اللغو أيمان المكره قال بن العربى : أما اليمين مع النسيان فلا شك في إلغائها لأنها جاءت على خلاف قصده فهي لغو محض قلت : ويمين المكره بمثابتها وسيأتى حكم من حلف مكرها في النحل إن شاء الله تعالى قال بن العربى : وأما من قال أنه يمين المعصية فباطل لأن الحالف على ترك المعصية تنعقد يمينه عبادة والحالف على فعل المعصية تنعقد يمينه معصية ويقال له : لا تفعل وكفر فإن أقدم على الفعل أثم في إقدامه وبر فى قسمه وأما من قال : إنه دعاء الانسان على نفسه إن لم يكن كذا فينزل به كذا فهو قول لغو في طريق الكفارة ولكنه منعقد في القصد مكروه وربما يؤاخذ به لأن النبى صلى الله عليه وسلم قال : ( لا يدعون أحدكم على نفسه فربما صادف ساعة لا يسأل الله أحد فيها شيئا إلا أعطاه إياه ( وأما من قال أنه يمين الغضب فإنه يرده حلف النبى صلى الله عليه وسلم غاضبا ألا يحمل الأشعريين وحملهم وكفر عن يمينه وسيأتى في براءة قال بن العربى : وأما من قال : إنه اليمين المكفرة فلا متعلق له يحكى وضعفه بن عطية أيضا وقال : قد رفع الله عز وجل المؤاخذة بالاطلاق في اللغو فحقيقتها لا إثم فيه ولا كفارة والمؤاخذة في الايمان هي بعقوبة الاخرة في اليمين الغموس المصبورة وفيما ترك تكفيره مما فيه كفارة وبعقوبة الدنيا في إلزام الكفارة فيضعف القول بأنها اليمين المكفرة لأن المؤاخذة قد وقعت فيها وتخصيص المؤاخذة بأنها في الآخرة فقط تحكم الثالثة قوله تعالى : ( في أيمانكم ) الأيمان جمع يمين واليمين الحلف وأصله أن العرب كانت إذا تحالفت أو تعاقدت أخذ الرجل يمين صاحبه بيمينه ثم كثر ذلك حتى سمي الحلف والعهد نفسه يمينا وقيل : يمين فعيل من اليمن وهو البركة سماها الله تعالى بذلك لأنها تحفظ الحقوق ويمين تذكر وتؤنث وتجمع أيمان وأيمن قال زهير : فتجمع أيمن منا ومنكم الرابعة قوله تعالى : ( ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم ) مثل قوله : ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان وهناك يأتى الكلام فيه مستوفى إن شاء الله تعالى وقال زيد بن أسلم : قوله تعالى : ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم هو في الرجل يقول : هو مشرك إن فعل أي هذا اللغو إلا أن يعقد الإشراك بقلبه ويكسبه وغفور حليم صفتان لائقتان بما ذكر من طرح المؤاخذة إذ هو باب رفق وتوسعة < <
Bölüm V03/P101Kurtubî — el-Câmi' li-Ahkâmi'l-Kur'ân (s. V03/P101)
Orijinal Metin (AR)البقرة : ( 226 ) للذين يؤلون من . . . . . > > < > ( البقره 226 : 227 ) <
Türkçe Tercümesi (Ehl-i Sünnet)البقرة : ( 226 ) للذين يؤلون من . . . . . > > < > ( البقره 226 : 227 ) <
Bölüm V03/P101–V03/P111Kurtubî — el-Câmi' li-Ahkâmi'l-Kur'ân (s. V03/P101–V03/P111)
Orijinal Metin (AR)> فيه أربع وعشرون مسألة : الأولى قوله تعالى : ( للذين يؤلون ) يؤلون معناه يحلفون والمصدر إيلاء وألية وألوة وإلوة وقرأ أبى وبن عباس للذين يقسمون ومعلوم أن يقسمون تفسير يؤلون وقرئ للذين آلوا يقال : آلى يؤلي إيلاء وتألى تأليا وائتلى ائتلاء أي حلف ومنه ولا يأتل أولوا الفضل منكم وقال الشاعر : فآليت لا أنفك أحدو قصيدة تكون وإياها بها مثلا بعدى وقال اخر : قليل الألايا حافظ ليمينه وإن سبقت منه الألية برت وقال بن دريد : ألية باليعملات يرتمي بها النجاء بين أجواز الفلا قال عبد الله بن عباس : كان إيلاء الجاهلية السنة والسنتين وأكثر من ذلك يقصدون بذلك إيذاء المرأة عند المساءة فوقت لهم أربعة أشهر فمن آلى بأقل من ذلك فليس بإيلاء حكمى قلت : وقد آلى النبى صلى الله عليه وسلم وطلق وسبب إيلائه سؤال نسائه إياه من النفقة ما ليس عنده كذا في صحيح مسلم وقيل : لأن زينب ردت عليه هديته فغضب صلى الله عليه وسلم فآلى منهن ذكره بن ماجه الثانية ويلزم الإيلاء كل من يلزمه الطلاق فالحر والعبد والسكران يلزمه الإيلاء وكذلك السفيه والمولى عليه إذا كان بالغا غير مجنون وكذلك الخصي إذا لم يكن مجبوبا والشيخ إذا كان فيه بقية رمق ونشاط واختلف قول الشافعي في المجبوب إذا آلى ففي قول : لا إيلاء له وفي قول : يصح إيلاؤه والأول أصح وأقرب إلى الكتاب والسنة فإن الفيء هو الذي يسقط اليمين والفيء بالقول لا يسقطها فإذا بقيت اليمين المانعة من الحنث بقى حكم الإيلاء وإيلاء الأخرس بما يفهم عنه من كتابة أو إشارة مفهومة لازم له وكذلك الأعجمى إذا آلى من نسائه الثالثة واختلف العلماء فيما يقع به الإيلاء من اليمين فقال قوم : لا يقع الإيلاء إلا باليمين بالله تعالى وحده لقوله عليه السلام : ( من كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت ( وبه قال الشافعى في الجديد وقال بن عباس : كل يمين منعت جماعا فهي إيلاء وبه قال الشعبى والنخعى ومالك وأهل الحجاز وسفيان الثورى وأهل العراق والشافعى في القول الآخر وأبو ثور وأبو عبيد وبن المنذر والقاضي أبو بكر بن العربى قال بن عبد البر : وكل يمين لا يقدر صاحبها على جماع امرأته من أجلها إلا بأن يحنث فهو بها مول إذا كانت يمينه على أكثر من أربعة أشهر فكل من حلف بالله أو بصفة من صفاته أو قال : أقسم بالله أو أشهد بالله أو على عهد الله وكفالته وميثاقه وذمته فإنه يلزمه الإيلاء فإن قال : أقسم أو أعزم ولم يذكر ب الله فقيل : لا يدخل عليه الإيلاء إلا أن يكون أراد ب الله ونواه ومن قال أنه يمين يدخل عليه وسيأتى بيانه في المائدة إن شاء الله تعالى فإن حلف بالصيام ألا يطأ امرأته فقال : إن وطئتك فعلى صيام شهر أو سنة فهو مول وكذلك كل ما يلزمه من حج أو طلاق أو عتق أو صلاة أو صدقة والأصل في هذه الجملة عموم قوله تعالى : للذين يؤلون ولم يفرق فإذا إلى بصدقة أو عتق عبد معين أو غير معين لزم الإيلاء الرابعة فإن حلف بالله ألا يطأ واستثنى فقال : إن شاء الله فإنه يكون موليا فإن وطئها فلا كفارة عليه في رواية بن القاسم عن مالك وقال بن الماجشون في المبسوط : ليس بمول وهو أصح لأن الاستثناء يحل اليمين ويجعل الحالف كأنه لم يحلف وهو مذهب فقهاء الأمصار لأنه بين بالاستثناء أنه غير عازم على الفعل ووجه ما رواه بن القاسم مبني على أن الاستثناء لا يحل اليمين ولكنه يؤثر في إسقاط الكفارة على ما يأتى بيانه في المائدة فلما كانت يمينه باقية منعقدة لزمه حكم الإيلاء وإن لم تجب عليه كفارة الخامسة فإن حلف بالنبى أو الملائكة أو الكعبة ألا يطأها أو قال هو يهودى أو نصرانى أو زان إن وطئها فهذا ليس بمول قاله مالك وغيره قال الباجى : ومعنى ذلك عندى أنه أورده على غير وجه القسم وأما لو أورده على أنه مول بما قاله من ذلك أو غيره ففي المبسوط : ان بن القاسم سئل عن الرجل يقول لامرأته : لا مرحبا يريد بذلك الإيلاء يكون موليا قال قال مالك : كل كلام نوى به الطلاق فهو طلاق وهذا والطلاق سواء السادسة واختلف العلماء في الإيلاء المذكور في القرآن فقال بن عباس : لا يكون موليا حتى يحلف ألا يمسها أبدا وقالت طائفة : إذا حلف ألا يقرب امرأته يوما أو أقل أو أكثر ثم لم يطأ أربعة أشهر بانت منه بالإيلاء روى هذا عن بن مسعود والنخعي وبن أبى ليلى والحكم وحماد بن أبى سليمان وقتادة وبه قال إسحاق قال بن المنذر : وأنكر هذا القول كثير من أهل العلم وقال الجمهور : الإيلاء هو أن يحلف ألا يطأ أكثر من أربعة أشهر فإن حلف على أربعة فما دونها لا يكون موليا وكانت عندهم يمينا محضا لو وطىء في هذه المدة لم يكن عليه شيء كسائر الايمان هذا قول مالك والشافعي وأحمد وأبى ثور وقال الثورى والكوفيون : الإيلاء أن يحلف على أربعة أشهر فصاعدا وهو قول عطاء قال الكوفيون : جعل الله التربص في الإيلاء أربعة أشهر كما جعل عدة الوفاة أربعة أشهر وعشرا وفى العدة ثلاثة قروء فلا تربص بعد قالوا : فيجب بعد المدة سقوط الإيلاء ولا يسقط إلا بالفيء وهو الجماع في داخل المدة والطلاق بعد انقضاء الأربعة الأشهر واحتج مالك والشافعي فقالا جعل الله للمولي أربعة أشهر فهي له بكمالها لا اعتراض لزوجته عليه فيها كما أن الدين المؤجل لا يستحق صاحبه المطالبة به إلا بعد تمام الأجل ووجه قول إسحاق في قليل الأمد يكون صاحبه به موليا إذا لم يطأ القياس على من حلف على أكثر من أربعة أشهر فإنه يكون موليا لانه قصد الإضرار باليمين وهذا المعنى موجود في المدة القصيرة السابعة واختلفوا أن من حلف ألا يطأ امرأته أكثر من أربعة أشهر فانقضت الأربعة الأشهر ولم تطالبه امرأته ولا رفعته إلى السلطان ليوقفه لم يلزمه شيء عند مالك وأصحابه وأكثر أهل المدينة ومن علمائنا من يقول يلزمه بانقضاء الأربعة الأشهر طلقة رجعية ومنهم ومن غيرهم من يقول : يلزمه طلقة بائنة بانقضاء الأربعة الأشهر والصحيح ما ذهب إليه مالك وأصحابه وذلك أن المولي لا يلزمه طلاق حتى يوقفه السلطان بمطالبة زوجته له ليفيء فيراجع امرأته بالوطء ويكفر يمينه أو يطلق ولا يتركه حتى يفيء أو يطلق والفيء : الجماع فيمن يمكن مجامعتها قال سليمان بن يسار : كان تسعة رجال من أصحاب النبى صلى الله عليه وسلم يوقفون في الإيلاء قال مالك : وذلك الأمر عندنا وبه قال الليث والشافعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور واختاره بن المنذر الثامنة وأجل المولي من يوم حلف لا من يوم تخاصمه امرأته وترفعه إلى الحاكم فإن خاصمته ولم ترض بامتناعه من الوطء ضرب له السلطان أجل أربعة أشهر من يوم حلف فإن وطىء فقد فاء إلى حق الزوجة وكفر عن يمينه وإن لم يفئ طلق عليه طلقة رجعية قال مالك : فإن راجع لا تصح رجعته حتى يطأ في العدة قال الأبهرى : وذلك أن الطلاق إنما وقع لدفع الضرر فمتى لم يطأ فالضرر باق فلا معنى للرجعة إلا أن يكون له عذر يمنعه من الوطء فتصح رجعته لأن الضرر قد زال وامتناعه من الوطء ليس من أجل الضرر وإنما هو من أجل العذر التاسعة واختلف العلماء في الإيلاء في غير حال الغضب فقال بن عباس : لا إيلاء إلا بغضب وروى عن علي بن أبى طالب رضى الله عنه في المشهور عنه وقاله الليث والشعبى والحسن وعطاء كلهم يقولون : الإيلاء لا يكون إلا على وجه مغاضبة ومشارة وحرجة ومناكدة ألا يجامعها في فرجها إضرارا بها وسواء كان في ضمن ذلك إصلاح ولد أم لم يكن فإن لم يكن عن غضب فليس بإيلاء وقال بن سيرين : سواء كانت اليمين في غضب أو غير غضب هو إيلاء وقاله بن مسعود والثورى ومالك وأهل العراق والشافعى وأصحابه وأحمد إلا أن مالكا قال : ما لم يرد إصلاح ولد قال بن المنذر : وهذا أصح لأنهم لما أجمعوا أن الظهار والطلاق وسائر الأيمان سواء في حال الغضب والرضا كان الإيلاء كذلك قلت : ويدل عليه عموم القرآن وتخصيص حالة الغضب يحتاج إلى دليل ولا يؤخذ من وجه يلزم والله أعلم العاشرة قال علماؤنا : ومن امتنع من وطء امرأته بغير يمين حلفها إضرارا بها أمر بوطئها فإن أبى وأقام على امتناعه مضرا بها فرق بينه وبينها من غير ضرب أجل وقد قيل : يضرب أجل الإيلاء وقد قيل : لا يدخل على الرجل الإيلاء في هجرته من زوجته وإن أقام سنين لا يغشاها ولكنه يوعظ ويؤمر بتقوى الله تعالى في ألا يمسكها ضرارا الحادية عشرة واختلفوا فيمن حلف ألا يطأ امرأته حتى تفطم ولدها لئلا يمغل ولدها ولم يرد إضرارا بها حتى ينقضى أمد الرضاع لم يكن لزوجته عند مالك مطالبة لقصد إصلاح الولد قال مالك : وقد بلغنى أن علي بن أبى طالب سئل عن ذلك فلم يره إيلاء وبه قال الشافعي في أحد قوليه والقول الآخر يكون موليا ولا اعتبار برضاع الولد وبه قال أبو حنيفة الثانية عشرة وذهب مالك والشافعي وأبو حنيفة وأصحابهم والأوزاعي وأحمد بن حنبل إلى أنه لا يكون موليا من حلف ألا يطأ زوجته في هذا البيت أو في هذه الدار لأنه يجد السبيل إلى وطئها في غير ذلك المكان قال بن أبى ليلى وإسحاق : إن تركها أربعة أشهر بانت بالإيلاء ألا ترى أنه يوقف عند الأشهر الأربعة فإن حلف ألا يطأها في مصره أو بلده فهو مول عند مالك وهذا إنما يكون في سفر يتكلف المئونة والكلفة دون جنته أو مزرعته القريبة الثالثة عشرة قوله تعالى : ( من نسائهم ) يدخل فيه الحرائر والذميات والإماء إذا تزوجن والعبد يلزمه الإيلاء من زوجته قال الشافعي وأحمد وأبو ثور : إيلاؤه مثل إيلاء الحر وحجتهم ظاهر قوله تعالى : للذين يؤلون من نسائهم فكان ذلك لجميع الأزواج قال بن المنذر : وبه أقول وقال مالك والزهري وعطاء بن أبى رباح وإسحاق : أجله شهران وقال الحسن والنخعي : إيلاؤه من زوجته الأمة شهران ومن الحرة أربعة أشهر وبه قال أبو حنيفة وقال الشعبى : إيلاء الأمة نصف إيلاء الحرة الرابعة عشرة قال مالك وأصحابه وأبو حنيفة وأصحابه والأوزاعي والنخعي وغيرهم : المدخول بها وغير المدخول بها سواء في لزوم الإيلاء فيهما وقال الزهري وعطاء والثورى : لا إيلاء إلا بعد الدخول وقال مالك : ولا إيلاء من صغيرة لم تبلغ فإن آلى منها فبلغت لزم الإيلاء من يوم بلوغها الخامسة عشرة وأما الذمى فلا يصح إيلاؤه كما لا يصح ظهاره ولا طلاقه وذلك أن نكاح أهل الشرك ليس عندنا بنكاح صحيح وإنما لهم شبهة يد ولأنهم لا يكلفون الشرائع فتلزمهم كفارات الأيمان فلو ترافعوا إلينا في حكم الإيلاء لم ينبغ لحاكمنا أن يحكم بينهم ويذهبون إلى حكامهم فإن جرى ذلك مجرى التظالم بينهم حكم بحكم الإسلام كما لو ترك المسلم وطء زوجته ضرارا من غير يمين السادسة عشرة قوله تعالى : ( تربص أربعة أشهر ) التربص : التأني والتأخر مقلوب التصبر قال الشاعر : تربص بها ريب المنون لعلها تطلق يوما أو يموت حليلها وأما فائدة توقيت الأربعة الأشهر فيما ذكر بن عباس عن أهل الجاهلية كما تقدم فمنع الله من ذلك وجعل للزوج مدة أربعة أشهر في تأديب المرأة بالهجر لقوله تعالى : واهجروهن في المضاجع وقد آلى النبى صلى الله عليه وسلم من أزواجه شهرا تأديبا لهن وقد قيل : الأربعة الأشهر هي التى لا تستطيع ذات الزوج أن تصبر عنه أكثر منها وقد روى أن عمر بن الخطاب رضى الله عنه كان يطوف ليلة بالمدينة فسمع امرأة تنشد : ألا طال هذا الليل واسود جانبه وأرقني أن لا حبيب ألاعبه فوالله لولا الله لا شيء غيره لزعزع من هذا السرير جوانبه مخافة ربى والحياء يكفنى وإكرام بعلي أن تنال مراكبه فلما كان من الغد استدعى عمر بتلك المرأة وقال لها : أين زوجك فقالت : بعثت به إلى العراق فاستدعى نساء فسألهن عن المرأة كم مقدار ما تصبر عن زوجها فقلن شهرين ويقل صبرها في ثلاثة أشهر وينفد صبرها في أربعة أشهر فجعل عمر مدة غزو الرجل أربعة أشهر فإذا مضت أربعة أشهر استرد الغازين ووجه بقوم آخرين وهذا والله أعلم يقوى اختصاص مدة الإيلاء بأربعة أشهر السابعة عشرة قوله تعالى : ( فإن فاءوا ) معناه رجعوا ومنه حتى تفيء إلى أمر الله ومنه قيل للظل بعد الزوال : فيء لأنه رجع من جانب المشرق إلى جانب المغرب يقال : فاء يفيء فيئة وفيوءا وإنه لسريع الفيئة يعني الرجوع قال : ففاءت ولم تقض الذى أقبلت له ومن حاجة الإنسان ما ليس قاضيا الثامنة عشرة قال بن المنذر : أجمع كل من يحفظ عنه من أهل العلم على أن الفيء الجماع لمن لا عذر له فإن كان له عذر مرض أو سجن أو شبه ذلك فإن ارتجاعه صحيح وهى امرأته فإذا زال العذر بقدومه من سفره أو إقامته من مرضه أو انطلاقه من سجنه فأبى الوطء فرق بينهما إن كانت المدة قد انقضت قاله مالك في المدونة والمبسوط وقال عبد الملك : وتكون بائنا منه يوم انقضت المدة فإن صدق عذره بالفيئة إذا أمكنته حكم بصدقه فيما مضى فإن أكذب ما ادعاه من الفيئة بالامتناع حين القدرة عليها حمل أمره على الكذب فيها واللدد وأمضيت الأحكام على ما كانت تجب في ذلك الوقت وقالت طائفة : إذا شهدت بينة بفيئته في حال العذر أجزأه قاله الحسن وعكرمة والنخعي وبه قال الأوزاعي وقال النخعي أيضا : يصح الفيء بالقول والإشهاد فقط ويسقط حكم الإيلاء أرأيت إن لم ينتشر للوطء قال بن عطية : ويرجع هذا القول إن لم يطأ إلى باب الضرر وقال أحمد بن حنبل : إذا كان له عذر يفيء بقلبه وبه قال أبو قلابة وقال أبو حنيفة : إن لم يقدر على الجماع فيقول : قد فئت إليها قال الكيا الطبري : أبو حنيفة يقول فيمن آلى وهو مريض وبينه وبينها مدة أربعة أشهر وهى رتقاء أو صغيرة أو هو مجبوب : إنه إذا فاء إليها بلسانه ومضت المدة والعذر قائم فذلك فيء صحيح والشافعي يخالفه على أحد مذهبيه وقالت طائفة : لا يكون الفيء إلا بالجماع في حال العذر وغيره وكذلك قال سعيد بن جبير قال : وكذلك إن كان في سفر أو سجن التاسعة عشرة أوجب مالك والشافعى وأبو حنيفة وأصحابهم وجمهور العلماء الكفارة على المولي إذا فاء بجماع امرأته وقال الحسن : لا كفارة عليه وبه قال النخعي قال النخعي : كانوا يقولون إذا فاء لا كفارة عليه وقال إسحاق : قال بعض أهل التأويل في قوله تعالى فإن فاءوا يعنى لليمين التى حنثوا فيها وهو مذهب في الأيمان لبعض التابعين فيمن حلف على بر أو تقوى أو باب من الخير ألا يفعله فإنه يفعله ولا كفارة عليه والحجة له قوله تعالى : فإن فاءوا فإن الله غفور رحيم ولم يذكر كفارة وأيضا فإن هذا يتركب على أن لغو اليمين ما حلف على معصية وترك وطء الزوجة معصية قلت : وقد يستدل لهذا القول من السنة بحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبى صلى الله عليه وسلم قال : ( من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها فليتركها فإن تركها كفارتها ( خرجه بن ماجه في سننه وسيأتي لهذا مزيد بيان في آية الأيمان إن شاء الله تعالى وحجة الجمهور قوله عليه السلام ( من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها فليأت الذي هو خير وليكفر عن يمينه ( الموفية عشرين إذا كفر عن يمينه سقط عنه الإيلاء قاله علماؤنا وفى ذلك دليل على تقديم الكفارة على الحنث في المذهب وذلك إجماع في مسألة الإيلاء ودليل على أبى حنيفة في مسألة الأيمان إذ لا يرى جواز تقديم الكفارة على الحنث قاله بن العربى الحادية والعشرين قلت : بهذه الآية استدل محمد بن الحسن على امتناع جواز الكفارة قبل الحنث فقال : لما حكم الله تعالى للمولي بأحد الحكمين من فيء أو عزيمة الطلاق فلو جاز تقديم الكفارة على الحنث لبطل الإيلاء بغير فيء أو عزيمة الطلاق لأنه إن حنث لا يلزمه بالحنث شيء ومتى لم يلزم الحانث بالحنث شيء لم يكن موليا وفي جواز تقديم الكفارة إسقاط حكم الإيلاء بغير ما ذكر الله وذلك خلاف الكتاب الثانية والعشرون قال الله تعالى : ( وإن عزموا الطلاق فإن الله سميع عليم ) العزيمة : تتميم العقد على الشيء يقال : عزم عليه يعزم عزما ( بالضم ) وعزيمة وعزيما وعزمانا واعتزم اعتزاما وعزمت عليك لتفعلن أي أقسمت عليك قال شمر : العزيمة والعزم ما عقدت عليه نفسك من أمر أنك فاعله والطلاق من طلقت المرأة تطلق ( على وزن نصر ينصر ) طلاقا فهي طالق وطالقة أيضا قال الأعشى : أيا جارتا بينى فإنك طالقة ويجوز طلقت ( بضم اللام ) مثل عظم يعظم وأنكره الأخفش والطلاق حل عقدة النكاح وأصله الانطلاق والمطلقات المخليات والطلاق : التخلية يقال : نعجة طالق وناقة طالق أي مهملة قد تركت في المرعى لا قيد عليها ولا راعى وبعير طلق ( بضم الطاء واللام ) غير مقيد والجمع أطلاق وحبس فلان في السجن طلقا أي بغير قيد والطالق من الإبل : التى يتركها الراعي لنفسه لا يحتلبها على الماء يقال : استطلق الراعي ناقة لنفسه فسميت المرأة المخلى سبيلها بما سميت به النعجة أو الناقة المهمل أمرها وقيل : إنه مأخوذ كمن طلق الفرس وهو ذهابه شوطا لا يمنع فسميت المرأة المخلاة طالقا لا تمنع من نفسها بعد أن كانت ممنوعة الثالثة والعشرون في قوله تعالى : ( وإن عزموا الطلاق ) دليل على أنها لا تطلق بمضى مدة أربعة أشهر كما قال مالك ما لم يقع إنشاء تطليق بعد المدة وأيضا فإنه قال : سميع وسميع يقتضي مسموعا بعد المضى وقال أبو حنيفة : سميع لإيلائه عليم بعزمه الذي دل عليه مضى أربعة أشهر وروى سهيل بن أبى صالح عن أبيه قال : سألت اثنى عشر رجلا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الرجل يولي من امرأته فكلهم يقول : ليس عليه شيء حتى تمضي أربعة أشهر فيوقف فإن فاء وإلا طلق قال القاضي بن العربى : وتحقيق الأمر أن تقدير الآية عندنا : للذين يؤلون من نسائهم تربص أربعة أشهر فإن فاءوا بعد انقضائها فإن الله غفور رحيم وإن عزموا الطلاق فإن الله سميع عليم وتقديرها عندهم : للذين يؤلون من نسائهم تربص أربعة أشهر فإن فاءوا فيها فإن الله غفور رحيم وإن عزموا الطلاق بترك الفيئة فيها يريد مدة التربص فيها فإن الله سميع عليم بن العربى : وهذا احتمال متساو ولأجل تساويه توقفت الصحابة فيه قلت : وإذا تساوى الاحتمال كان قول الكوفيين أقوى قياسا على المعتدة بالشهور والاقراء إذ كل ذلك أجل ضربه الله تعالى فبانقضائه انقطعت العصمة وأبينت من غير خلاف ولم يكن لزوجها سبيل عليها إلا بإذنها فكذلك الإيلاء حتى لو نسى الفيء وانقضت المدة لوقع الطلاق والله أعلم الرابعة والعشرون قوله تعالى : ( وإن عزموا الطلاق ) دليل على أن الأمة بملك اليمين لا يكون فيها إيلاء إذ لا يقع عليها طلاق والله أعلم < <
Türkçe Tercümesi (Ehl-i Sünnet)> فيه أربع وعشرون مسألة : الأولى قوله تعالى : ( للذين يؤلون ) يؤلون معناه يحلفون والمصدر إيلاء وألية وألوة وإلوة وقرأ أبى وبن عباس للذين يقسمون ومعلوم أن يقسمون تفسير يؤلون وقرئ للذين آلوا يقال : آلى يؤلي إيلاء وتألى تأليا وائتلى ائتلاء أي حلف ومنه ولا يأتل أولوا الفضل منكم وقال الشاعر : فآليت لا أنفك أحدو قصيدة تكون وإياها بها مثلا بعدى وقال اخر : قليل الألايا حافظ ليمينه وإن سبقت منه الألية برت وقال بن دريد : ألية باليعملات يرتمي بها النجاء بين أجواز الفلا قال عبد الله بن عباس : كان إيلاء الجاهلية السنة والسنتين وأكثر من ذلك يقصدون بذلك إيذاء المرأة عند المساءة فوقت لهم أربعة أشهر فمن آلى بأقل من ذلك فليس بإيلاء حكمى قلت : وقد آلى النبى صلى الله عليه وسلم وطلق وسبب إيلائه سؤال نسائه إياه من النفقة ما ليس عنده كذا في صحيح مسلم وقيل : لأن زينب ردت عليه هديته فغضب صلى الله عليه وسلم فآلى منهن ذكره بن ماجه الثانية ويلزم الإيلاء كل من يلزمه الطلاق فالحر والعبد والسكران يلزمه الإيلاء وكذلك السفيه والمولى عليه إذا كان بالغا غير مجنون وكذلك الخصي إذا لم يكن مجبوبا والشيخ إذا كان فيه بقية رمق ونشاط واختلف قول الشافعي في المجبوب إذا آلى ففي قول : لا إيلاء له وفي قول : يصح إيلاؤه والأول أصح وأقرب إلى الكتاب والسنة فإن الفيء هو الذي يسقط اليمين والفيء بالقول لا يسقطها فإذا بقيت اليمين المانعة من الحنث بقى حكم الإيلاء وإيلاء الأخرس بما يفهم عنه من كتابة أو إشارة مفهومة لازم له وكذلك الأعجمى إذا آلى من نسائه الثالثة واختلف العلماء فيما يقع به الإيلاء من اليمين فقال قوم : لا يقع الإيلاء إلا باليمين بالله تعالى وحده لقوله عليه السلام : ( من كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت ( وبه قال الشافعى في الجديد وقال بن عباس : كل يمين منعت جماعا فهي إيلاء وبه قال الشعبى والنخعى ومالك وأهل الحجاز وسفيان الثورى وأهل العراق والشافعى في القول الآخر وأبو ثور وأبو عبيد وبن المنذر والقاضي أبو بكر بن العربى قال بن عبد البر : وكل يمين لا يقدر صاحبها على جماع امرأته من أجلها إلا بأن يحنث فهو بها مول إذا كانت يمينه على أكثر من أربعة أشهر فكل من حلف بالله أو بصفة من صفاته أو قال : أقسم بالله أو أشهد بالله أو على عهد الله وكفالته وميثاقه وذمته فإنه يلزمه الإيلاء فإن قال : أقسم أو أعزم ولم يذكر ب الله فقيل : لا يدخل عليه الإيلاء إلا أن يكون أراد ب الله ونواه ومن قال أنه يمين يدخل عليه وسيأتى بيانه في المائدة إن شاء الله تعالى فإن حلف بالصيام ألا يطأ امرأته فقال : إن وطئتك فعلى صيام شهر أو سنة فهو مول وكذلك كل ما يلزمه من حج أو طلاق أو عتق أو صلاة أو صدقة والأصل في هذه الجملة عموم قوله تعالى : للذين يؤلون ولم يفرق فإذا إلى بصدقة أو عتق عبد معين أو غير معين لزم الإيلاء الرابعة فإن حلف بالله ألا يطأ واستثنى فقال : إن شاء الله فإنه يكون موليا فإن وطئها فلا كفارة عليه في رواية بن القاسم عن مالك وقال بن الماجشون في المبسوط : ليس بمول وهو أصح لأن الاستثناء يحل اليمين ويجعل الحالف كأنه لم يحلف وهو مذهب فقهاء الأمصار لأنه بين بالاستثناء أنه غير عازم على الفعل ووجه ما رواه بن القاسم مبني على أن الاستثناء لا يحل اليمين ولكنه يؤثر في إسقاط الكفارة على ما يأتى بيانه في المائدة فلما كانت يمينه باقية منعقدة لزمه حكم الإيلاء وإن لم تجب عليه كفارة الخامسة فإن حلف بالنبى أو الملائكة أو الكعبة ألا يطأها أو قال هو يهودى أو نصرانى أو زان إن وطئها فهذا ليس بمول قاله مالك وغيره قال الباجى : ومعنى ذلك عندى أنه أورده على غير وجه القسم وأما لو أورده على أنه مول بما قاله من ذلك أو غيره ففي المبسوط : ان بن القاسم سئل عن الرجل يقول لامرأته : لا مرحبا يريد بذلك الإيلاء يكون موليا قال قال مالك : كل كلام نوى به الطلاق فهو طلاق وهذا والطلاق سواء السادسة واختلف العلماء في الإيلاء المذكور في القرآن فقال بن عباس : لا يكون موليا حتى يحلف ألا يمسها أبدا وقالت طائفة : إذا حلف ألا يقرب امرأته يوما أو أقل أو أكثر ثم لم يطأ أربعة أشهر بانت منه بالإيلاء روى هذا عن بن مسعود والنخعي وبن أبى ليلى والحكم وحماد بن أبى سليمان وقتادة وبه قال إسحاق قال بن المنذر : وأنكر هذا القول كثير من أهل العلم وقال الجمهور : الإيلاء هو أن يحلف ألا يطأ أكثر من أربعة أشهر فإن حلف على أربعة فما دونها لا يكون موليا وكانت عندهم يمينا محضا لو وطىء في هذه المدة لم يكن عليه شيء كسائر الايمان هذا قول مالك والشافعي وأحمد وأبى ثور وقال الثورى والكوفيون : الإيلاء أن يحلف على أربعة أشهر فصاعدا وهو قول عطاء قال الكوفيون : جعل الله التربص في الإيلاء أربعة أشهر كما جعل عدة الوفاة أربعة أشهر وعشرا وفى العدة ثلاثة قروء فلا تربص بعد قالوا : فيجب بعد المدة سقوط الإيلاء ولا يسقط إلا بالفيء وهو الجماع في داخل المدة والطلاق بعد انقضاء الأربعة الأشهر واحتج مالك والشافعي فقالا جعل الله للمولي أربعة أشهر فهي له بكمالها لا اعتراض لزوجته عليه فيها كما أن الدين المؤجل لا يستحق صاحبه المطالبة به إلا بعد تمام الأجل ووجه قول إسحاق في قليل الأمد يكون صاحبه به موليا إذا لم يطأ القياس على من حلف على أكثر من أربعة أشهر فإنه يكون موليا لانه قصد الإضرار باليمين وهذا المعنى موجود في المدة القصيرة السابعة واختلفوا أن من حلف ألا يطأ امرأته أكثر من أربعة أشهر فانقضت الأربعة الأشهر ولم تطالبه امرأته ولا رفعته إلى السلطان ليوقفه لم يلزمه شيء عند مالك وأصحابه وأكثر أهل المدينة ومن علمائنا من يقول يلزمه بانقضاء الأربعة الأشهر طلقة رجعية ومنهم ومن غيرهم من يقول : يلزمه طلقة بائنة بانقضاء الأربعة الأشهر والصحيح ما ذهب إليه مالك وأصحابه وذلك أن المولي لا يلزمه طلاق حتى يوقفه السلطان بمطالبة زوجته له ليفيء فيراجع امرأته بالوطء ويكفر يمينه أو يطلق ولا يتركه حتى يفيء أو يطلق والفيء : الجماع فيمن يمكن مجامعتها قال سليمان بن يسار : كان تسعة رجال من أصحاب النبى صلى الله عليه وسلم يوقفون في الإيلاء قال مالك : وذلك الأمر عندنا وبه قال الليث والشافعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور واختاره بن المنذر الثامنة وأجل المولي من يوم حلف لا من يوم تخاصمه امرأته وترفعه إلى الحاكم فإن خاصمته ولم ترض بامتناعه من الوطء ضرب له السلطان أجل أربعة أشهر من يوم حلف فإن وطىء فقد فاء إلى حق الزوجة وكفر عن يمينه وإن لم يفئ طلق عليه طلقة رجعية قال مالك : فإن راجع لا تصح رجعته حتى يطأ في العدة قال الأبهرى : وذلك أن الطلاق إنما وقع لدفع الضرر فمتى لم يطأ فالضرر باق فلا معنى للرجعة إلا أن يكون له عذر يمنعه من الوطء فتصح رجعته لأن الضرر قد زال وامتناعه من الوطء ليس من أجل الضرر وإنما هو من أجل العذر التاسعة واختلف العلماء في الإيلاء في غير حال الغضب فقال بن عباس : لا إيلاء إلا بغضب وروى عن علي بن أبى طالب رضى الله عنه في المشهور عنه وقاله الليث والشعبى والحسن وعطاء كلهم يقولون : الإيلاء لا يكون إلا على وجه مغاضبة ومشارة وحرجة ومناكدة ألا يجامعها في فرجها إضرارا بها وسواء كان في ضمن ذلك إصلاح ولد أم لم يكن فإن لم يكن عن غضب فليس بإيلاء وقال بن سيرين : سواء كانت اليمين في غضب أو غير غضب هو إيلاء وقاله بن مسعود والثورى ومالك وأهل العراق والشافعى وأصحابه وأحمد إلا أن مالكا قال : ما لم يرد إصلاح ولد قال بن المنذر : وهذا أصح لأنهم لما أجمعوا أن الظهار والطلاق وسائر الأيمان سواء في حال الغضب والرضا كان الإيلاء كذلك قلت : ويدل عليه عموم القرآن وتخصيص حالة الغضب يحتاج إلى دليل ولا يؤخذ من وجه يلزم والله أعلم العاشرة قال علماؤنا : ومن امتنع من وطء امرأته بغير يمين حلفها إضرارا بها أمر بوطئها فإن أبى وأقام على امتناعه مضرا بها فرق بينه وبينها من غير ضرب أجل وقد قيل : يضرب أجل الإيلاء وقد قيل : لا يدخل على الرجل الإيلاء في هجرته من زوجته وإن أقام سنين لا يغشاها ولكنه يوعظ ويؤمر بتقوى الله تعالى في ألا يمسكها ضرارا الحادية عشرة واختلفوا فيمن حلف ألا يطأ امرأته حتى تفطم ولدها لئلا يمغل ولدها ولم يرد إضرارا بها حتى ينقضى أمد الرضاع لم يكن لزوجته عند مالك مطالبة لقصد إصلاح الولد قال مالك : وقد بلغنى أن علي بن أبى طالب سئل عن ذلك فلم يره إيلاء وبه قال الشافعي في أحد قوليه والقول الآخر يكون موليا ولا اعتبار برضاع الولد وبه قال أبو حنيفة الثانية عشرة وذهب مالك والشافعي وأبو حنيفة وأصحابهم والأوزاعي وأحمد بن حنبل إلى أنه لا يكون موليا من حلف ألا يطأ زوجته في هذا البيت أو في هذه الدار لأنه يجد السبيل إلى وطئها في غير ذلك المكان قال بن أبى ليلى وإسحاق : إن تركها أربعة أشهر بانت بالإيلاء ألا ترى أنه يوقف عند الأشهر الأربعة فإن حلف ألا يطأها في مصره أو بلده فهو مول عند مالك وهذا إنما يكون في سفر يتكلف المئونة والكلفة دون جنته أو مزرعته القريبة الثالثة عشرة قوله تعالى : ( من نسائهم ) يدخل فيه الحرائر والذميات والإماء إذا تزوجن والعبد يلزمه الإيلاء من زوجته قال الشافعي وأحمد وأبو ثور : إيلاؤه مثل إيلاء الحر وحجتهم ظاهر قوله تعالى : للذين يؤلون من نسائهم فكان ذلك لجميع الأزواج قال بن المنذر : وبه أقول وقال مالك والزهري وعطاء بن أبى رباح وإسحاق : أجله شهران وقال الحسن والنخعي : إيلاؤه من زوجته الأمة شهران ومن الحرة أربعة أشهر وبه قال أبو حنيفة وقال الشعبى : إيلاء الأمة نصف إيلاء الحرة الرابعة عشرة قال مالك وأصحابه وأبو حنيفة وأصحابه والأوزاعي والنخعي وغيرهم : المدخول بها وغير المدخول بها سواء في لزوم الإيلاء فيهما وقال الزهري وعطاء والثورى : لا إيلاء إلا بعد الدخول وقال مالك : ولا إيلاء من صغيرة لم تبلغ فإن آلى منها فبلغت لزم الإيلاء من يوم بلوغها الخامسة عشرة وأما الذمى فلا يصح إيلاؤه كما لا يصح ظهاره ولا طلاقه وذلك أن نكاح أهل الشرك ليس عندنا بنكاح صحيح وإنما لهم شبهة يد ولأنهم لا يكلفون الشرائع فتلزمهم كفارات الأيمان فلو ترافعوا إلينا في حكم الإيلاء لم ينبغ لحاكمنا أن يحكم بينهم ويذهبون إلى حكامهم فإن جرى ذلك مجرى التظالم بينهم حكم بحكم الإسلام كما لو ترك المسلم وطء زوجته ضرارا من غير يمين السادسة عشرة قوله تعالى : ( تربص أربعة أشهر ) التربص : التأني والتأخر مقلوب التصبر قال الشاعر : تربص بها ريب المنون لعلها تطلق يوما أو يموت حليلها وأما فائدة توقيت الأربعة الأشهر فيما ذكر بن عباس عن أهل الجاهلية كما تقدم فمنع الله من ذلك وجعل للزوج مدة أربعة أشهر في تأديب المرأة بالهجر لقوله تعالى : واهجروهن في المضاجع وقد آلى النبى صلى الله عليه وسلم من أزواجه شهرا تأديبا لهن وقد قيل : الأربعة الأشهر هي التى لا تستطيع ذات الزوج أن تصبر عنه أكثر منها وقد روى أن عمر بن الخطاب رضى الله عنه كان يطوف ليلة بالمدينة فسمع امرأة تنشد : ألا طال هذا الليل واسود جانبه وأرقني أن لا حبيب ألاعبه فوالله لولا الله لا شيء غيره لزعزع من هذا السرير جوانبه مخافة ربى والحياء يكفنى وإكرام بعلي أن تنال مراكبه فلما كان من الغد استدعى عمر بتلك المرأة وقال لها : أين زوجك فقالت : بعثت به إلى العراق فاستدعى نساء فسألهن عن المرأة كم مقدار ما تصبر عن زوجها فقلن شهرين ويقل صبرها في ثلاثة أشهر وينفد صبرها في أربعة أشهر فجعل عمر مدة غزو الرجل أربعة أشهر فإذا مضت أربعة أشهر استرد الغازين ووجه بقوم آخرين وهذا والله أعلم يقوى اختصاص مدة الإيلاء بأربعة أشهر السابعة عشرة قوله تعالى : ( فإن فاءوا ) معناه رجعوا ومنه حتى تفيء إلى أمر الله ومنه قيل للظل بعد الزوال : فيء لأنه رجع من جانب المشرق إلى جانب المغرب يقال : فاء يفيء فيئة وفيوءا وإنه لسريع الفيئة يعني الرجوع قال : ففاءت ولم تقض الذى أقبلت له ومن حاجة الإنسان ما ليس قاضيا الثامنة عشرة قال بن المنذر : أجمع كل من يحفظ عنه من أهل العلم على أن الفيء الجماع لمن لا عذر له فإن كان له عذر مرض أو سجن أو شبه ذلك فإن ارتجاعه صحيح وهى امرأته فإذا زال العذر بقدومه من سفره أو إقامته من مرضه أو انطلاقه من سجنه فأبى الوطء فرق بينهما إن كانت المدة قد انقضت قاله مالك في المدونة والمبسوط وقال عبد الملك : وتكون بائنا منه يوم انقضت المدة فإن صدق عذره بالفيئة إذا أمكنته حكم بصدقه فيما مضى فإن أكذب ما ادعاه من الفيئة بالامتناع حين القدرة عليها حمل أمره على الكذب فيها واللدد وأمضيت الأحكام على ما كانت تجب في ذلك الوقت وقالت طائفة : إذا شهدت بينة بفيئته في حال العذر أجزأه قاله الحسن وعكرمة والنخعي وبه قال الأوزاعي وقال النخعي أيضا : يصح الفيء بالقول والإشهاد فقط ويسقط حكم الإيلاء أرأيت إن لم ينتشر للوطء قال بن عطية : ويرجع هذا القول إن لم يطأ إلى باب الضرر وقال أحمد بن حنبل : إذا كان له عذر يفيء بقلبه وبه قال أبو قلابة وقال أبو حنيفة : إن لم يقدر على الجماع فيقول : قد فئت إليها قال الكيا الطبري : أبو حنيفة يقول فيمن آلى وهو مريض وبينه وبينها مدة أربعة أشهر وهى رتقاء أو صغيرة أو هو مجبوب : إنه إذا فاء إليها بلسانه ومضت المدة والعذر قائم فذلك فيء صحيح والشافعي يخالفه على أحد مذهبيه وقالت طائفة : لا يكون الفيء إلا بالجماع في حال العذر وغيره وكذلك قال سعيد بن جبير قال : وكذلك إن كان في سفر أو سجن التاسعة عشرة أوجب مالك والشافعى وأبو حنيفة وأصحابهم وجمهور العلماء الكفارة على المولي إذا فاء بجماع امرأته وقال الحسن : لا كفارة عليه وبه قال النخعي قال النخعي : كانوا يقولون إذا فاء لا كفارة عليه وقال إسحاق : قال بعض أهل التأويل في قوله تعالى فإن فاءوا يعنى لليمين التى حنثوا فيها وهو مذهب في الأيمان لبعض التابعين فيمن حلف على بر أو تقوى أو باب من الخير ألا يفعله فإنه يفعله ولا كفارة عليه والحجة له قوله تعالى : فإن فاءوا فإن الله غفور رحيم ولم يذكر كفارة وأيضا فإن هذا يتركب على أن لغو اليمين ما حلف على معصية وترك وطء الزوجة معصية قلت : وقد يستدل لهذا القول من السنة بحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبى صلى الله عليه وسلم قال : ( من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها فليتركها فإن تركها كفارتها ( خرجه بن ماجه في سننه وسيأتي لهذا مزيد بيان في آية الأيمان إن شاء الله تعالى وحجة الجمهور قوله عليه السلام ( من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها فليأت الذي هو خير وليكفر عن يمينه ( الموفية عشرين إذا كفر عن يمينه سقط عنه الإيلاء قاله علماؤنا وفى ذلك دليل على تقديم الكفارة على الحنث في المذهب وذلك إجماع في مسألة الإيلاء ودليل على أبى حنيفة في مسألة الأيمان إذ لا يرى جواز تقديم الكفارة على الحنث قاله بن العربى الحادية والعشرين قلت : بهذه الآية استدل محمد بن الحسن على امتناع جواز الكفارة قبل الحنث فقال : لما حكم الله تعالى للمولي بأحد الحكمين من فيء أو عزيمة الطلاق فلو جاز تقديم الكفارة على الحنث لبطل الإيلاء بغير فيء أو عزيمة الطلاق لأنه إن حنث لا يلزمه بالحنث شيء ومتى لم يلزم الحانث بالحنث شيء لم يكن موليا وفي جواز تقديم الكفارة إسقاط حكم الإيلاء بغير ما ذكر الله وذلك خلاف الكتاب الثانية والعشرون قال الله تعالى : ( وإن عزموا الطلاق فإن الله سميع عليم ) العزيمة : تتميم العقد على الشيء يقال : عزم عليه يعزم عزما ( بالضم ) وعزيمة وعزيما وعزمانا واعتزم اعتزاما وعزمت عليك لتفعلن أي أقسمت عليك قال شمر : العزيمة والعزم ما عقدت عليه نفسك من أمر أنك فاعله والطلاق من طلقت المرأة تطلق ( على وزن نصر ينصر ) طلاقا فهي طالق وطالقة أيضا قال الأعشى : أيا جارتا بينى فإنك طالقة ويجوز طلقت ( بضم اللام ) مثل عظم يعظم وأنكره الأخفش والطلاق حل عقدة النكاح وأصله الانطلاق والمطلقات المخليات والطلاق : التخلية يقال : نعجة طالق وناقة طالق أي مهملة قد تركت في المرعى لا قيد عليها ولا راعى وبعير طلق ( بضم الطاء واللام ) غير مقيد والجمع أطلاق وحبس فلان في السجن طلقا أي بغير قيد والطالق من الإبل : التى يتركها الراعي لنفسه لا يحتلبها على الماء يقال : استطلق الراعي ناقة لنفسه فسميت المرأة المخلى سبيلها بما سميت به النعجة أو الناقة المهمل أمرها وقيل : إنه مأخوذ كمن طلق الفرس وهو ذهابه شوطا لا يمنع فسميت المرأة المخلاة طالقا لا تمنع من نفسها بعد أن كانت ممنوعة الثالثة والعشرون في قوله تعالى : ( وإن عزموا الطلاق ) دليل على أنها لا تطلق بمضى مدة أربعة أشهر كما قال مالك ما لم يقع إنشاء تطليق بعد المدة وأيضا فإنه قال : سميع وسميع يقتضي مسموعا بعد المضى وقال أبو حنيفة : سميع لإيلائه عليم بعزمه الذي دل عليه مضى أربعة أشهر وروى سهيل بن أبى صالح عن أبيه قال : سألت اثنى عشر رجلا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الرجل يولي من امرأته فكلهم يقول : ليس عليه شيء حتى تمضي أربعة أشهر فيوقف فإن فاء وإلا طلق قال القاضي بن العربى : وتحقيق الأمر أن تقدير الآية عندنا : للذين يؤلون من نسائهم تربص أربعة أشهر فإن فاءوا بعد انقضائها فإن الله غفور رحيم وإن عزموا الطلاق فإن الله سميع عليم وتقديرها عندهم : للذين يؤلون من نسائهم تربص أربعة أشهر فإن فاءوا فيها فإن الله غفور رحيم وإن عزموا الطلاق بترك الفيئة فيها يريد مدة التربص فيها فإن الله سميع عليم بن العربى : وهذا احتمال متساو ولأجل تساويه توقفت الصحابة فيه قلت : وإذا تساوى الاحتمال كان قول الكوفيين أقوى قياسا على المعتدة بالشهور والاقراء إذ كل ذلك أجل ضربه الله تعالى فبانقضائه انقطعت العصمة وأبينت من غير خلاف ولم يكن لزوجها سبيل عليها إلا بإذنها فكذلك الإيلاء حتى لو نسى الفيء وانقضت المدة لوقع الطلاق والله أعلم الرابعة والعشرون قوله تعالى : ( وإن عزموا الطلاق ) دليل على أن الأمة بملك اليمين لا يكون فيها إيلاء إذ لا يقع عليها طلاق والله أعلم < <
Bölüm V03/P111Kurtubî — el-Câmi' li-Ahkâmi'l-Kur'ân (s. V03/P111)
Orijinal Metin (AR)البقرة : ( 228 ) والمطلقات يتربصن بأنفسهن . . . . . > > < > ( البقره 228 ) <
Türkçe Tercümesi (Ehl-i Sünnet)البقرة : ( 228 ) والمطلقات يتربصن بأنفسهن . . . . . > > < > ( البقره 228 ) <