الفصل السادس والعشرون فيه كتاب ذكر مشاهدة أهل المراقبة
الفصل السادس والعشرون فيه كتاب ذكر مشاهدة أهل المراقبة
محمد بن علي بن عطية الحارثي المشهور بأبي طالب المكي · AR
الفصل السادس والعشرون فيه كتاب ذكر مشاهدة أهل المراقبة
الفصل السادس والعشرون فيه كتاب ذكر مشاهدة أهل المراقبة
أعلم أن مشاهدة المراقبين هي أول مراقبة المشاهدين ، وذلك إن من كان مقامه المراقبة كان حاله المحاسبة ومن كان مقامه المشاهدة كان وصفه المراقبة فأول شهادة المراقب هو أن يعلم يقينا أن لا يخلو في كل وقت وإن قصر من أحد ثلاثة معان : أن يكون لله عز وجل عليه فرض ، والفرض على ضربين شيء أمر بفعله أو شيء أمر بتركه وهو اجتناب المنهي ، والمعنى الثاني ندب حث عليه وهو المسابقة بخير يقربه إلى الله عز وجل والمسارعة بعمل بر يبتدره قبل فوته ، والمعنى الثالث شيء مباح فيه صلاح جسمه وقلبه وليس للمؤمن وقت رابع فإن أحدث وقتا رابعا فقد تعدى حدود الله ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه وقد أحدث في دين الله سبحانه وتعالى ومن أحدث في دين الله فقد سلك غير طريق المتقين ، ألم تسمع إلى قوله عز وجل : ( وهو الذي جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكورا ) الفرقان : 62 فهل ترى بين هذين وقتا يجهل أو هوى كما لا ترى بين الليل والنهار وقتا ثالثا ، فالذكر الإيمان والعلم ، فهذان ينتظمان جهل أعمال القلوب والشكر والعمل بأخلاق الإيمان وأحكام العلوم ، وهذان يشتملان على جميع أعمال الجوارح ، قال الله عز وجل : ( اعملوا آل داودشكرا ) سبأ : 12 وقال : ( فاتقوا الله لعلكم تشكرون ) آل عمران : 123 وقال : ( كما أرسلنا فيكم رسولا منكم ) البقرة : 151 إلى قوله : ( فاذكروني أذكركم واشكروا لي ولا تكفرون ) البقرة : 152 وقال الله تعالى : ( ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم وآمنتم ) النساء : 416 وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : وقد عوتب في طول قيامه حتى تورمت قدماه فقال : أفلا أكون عبدا شكورا ، ففسر الشكر بالعمل كما فسر الله عزوجل العمل بالشكر ، والوقت الثالث هو المباح داخل فيهما لأنه معين عليهما وبه استقامة العبد فيهما ، وقد كان بعض العلماء يقول : لنا في معاصي الطاعات هم وشغل عن معاصي المخالفات فيبتدئ العبد المراقب فينظر بيقظته في أدنى وقت هل عز وجل فيه فرض من أمر أو نهي ؟ فيبدأ بذلك حتى يفرغ منه فإن لم يجد فإنه لا يخلو من نوادب وفضائل فيبتدئ بالأفضل فإن لم يكن عمل في أدنى الفضيلتين فليأخذ العبد من نفسه لنفسه ومن يومه لأمسه ومن ساعته ليومه ومن دنياه لآخرته ، كما أمره مولاه في قوله سبحانه وتعالى : ( ولاتنس نصىبك من الدنيا ) القصص : 77 أي لا تترك أن تأخذ نصيبك للآخرة من دنياك وهو أن تحسن كما أحسن الله إليك ولا تطلب الفساد في الدنيا فتكون قد نسيت نصيبك من الد نيا ولا تترك أن تأخذ نصيبك من الآخرة فيتركك الله من جزيل ثوابه الدي أعد لأحبابه كما قال : ( نسوا الله فنسيهم ) التوبة : 67 أي تركوه فتركهم ، وتركهم له ترك نصيبهم منه وتركه عز وجل لهم ترك محابهم من الآخرة فيبتدئ العبد الفطن فيأخذ من عمره ووقته فيجعله لآخرته التي أيقن بها ثم يأخذ من وقته أعلى ما فيه مما يختص به الوقت ولا يوجد إلا فيه ويفوت دركه بفوت وقته وهو نأفضل ما يقدر عليه مما أداه علمه إليه فيجعله لمولاه ، ثم إن العبد لا يخلو في كل وقت وإن قل من أحد مقامين ، مقام نعمة ، أو مقام بلية فحاله عن مقام النعمة الشكر وحاله عن مقام البلية الصبر ، ثم ليس يفقد أحد مشاهدتين شهود نعمة أو شهود منعم من حيث لا يخلو من وجود مالك وحضور مملوك فعليه الخدمة للموجود وعليه الحضور في خدم المعبود والمراقبةعلامة الحضور والمحاسبة دليل المراقبة ويكون له أيضا في أدنى أوقاته وهو الوقت الثالث الذي هو لمباحه وهو أدنى أحوال المؤمن يكون له فيه مشاهدة منعم أو شهود نعمة لئلا يذهب وقته هذا أيضا فارغا من دنياه ولا يعود عليه شيء من ذكرمولاه أو يذكر نعمة تدله على منعم أو تخرجه إليه فينفعه ذلك في عقباه إذ العاقبة للمتقين فإن شهد منعما اقتطعه الحياء بالسكينة والوقار للهيبة وهذا مخصوص بخصوص ، وإن شهد نعمة استغرقه بالشكر والاعتبارفكان لديه تبصرة وتذكار ، وهذا العموم الخصوص قال الله عزوجل في وصف الأولين : ( ومن كل شيء خلقنا زوجين لعلكم تذكرون ) الذاريات : 49 ففروا إلى الله ، وقال في المقام الثاني : ( ولاتجعلوا مع الله إلها آخر ) الذاريات : 51 وقال في مقام الأولين : ( قل من بيده ملكوت كل شيء وهويجيرولا يجارعليه ) المؤمنون : 84 إلى قوله : ( أفلا تتقون ) الأعراف : 56 وقال في وصف الآخرين ؟
أعلم أن مشاهدة المراقبين هي أول مراقبة المشاهدين ، وذلك إن من كان مقامه المراقبة كان حاله المحاسبة ومن كان مقامه المشاهدة كان وصفه المراقبة فأول شهادة المراقب هو أن يعلم يقينا أن لا يخلو في كل وقت وإن قصر من أحد ثلاثة معان : أن يكون لله عز وجل عليه فرض ، والفرض على ضربين شيء أمر بفعله أو شيء أمر بتركه وهو اجتناب المنهي ، والمعنى الثاني ندب حث عليه وهو المسابقة بخير يقربه إلى الله عز وجل والمسارعة بعمل بر يبتدره قبل فوته ، والمعنى الثالث شيء مباح فيه صلاح جسمه وقلبه وليس للمؤمن وقت رابع فإن أحدث وقتا رابعا فقد تعدى حدود الله ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه وقد أحدث في دين الله سبحانه وتعالى ومن أحدث في دين الله فقد سلك غير طريق المتقين ، ألم تسمع إلى قوله عز وجل : ( وهو الذي جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكورا ) الفرقان : 62 فهل ترى بين هذين وقتا يجهل أو هوى كما لا ترى بين الليل والنهار وقتا ثالثا ، فالذكر الإيمان والعلم ، فهذان ينتظمان جهل أعمال القلوب والشكر والعمل بأخلاق الإيمان وأحكام العلوم ، وهذان يشتملان على جميع أعمال الجوارح ، قال الله عز وجل : ( اعملوا آل داودشكرا ) سبأ : 12 وقال : ( فاتقوا الله لعلكم تشكرون ) آل عمران : 123 وقال : ( كما أرسلنا فيكم رسولا منكم ) البقرة : 151 إلى قوله : ( فاذكروني أذكركم واشكروا لي ولا تكفرون ) البقرة : 152 وقال الله تعالى : ( ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم وآمنتم ) النساء : 416 وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : وقد عوتب في طول قيامه حتى تورمت قدماه فقال : أفلا أكون عبدا شكورا ، ففسر الشكر بالعمل كما فسر الله عزوجل العمل بالشكر ، والوقت الثالث هو المباح داخل فيهما لأنه معين عليهما وبه استقامة العبد فيهما ، وقد كان بعض العلماء يقول : لنا في معاصي الطاعات هم وشغل عن معاصي المخالفات فيبتدئ العبد المراقب فينظر بيقظته في أدنى وقت هل عز وجل فيه فرض من أمر أو نهي ؟ فيبدأ بذلك حتى يفرغ منه فإن لم يجد فإنه لا يخلو من نوادب وفضائل فيبتدئ بالأفضل فإن لم يكن عمل في أدنى الفضيلتين فليأخذ العبد من نفسه لنفسه ومن يومه لأمسه ومن ساعته ليومه ومن دنياه لآخرته ، كما أمره مولاه في قوله سبحانه وتعالى : ( ولاتنس نصىبك من الدنيا ) القصص : 77 أي لا تترك أن تأخذ نصيبك للآخرة من دنياك وهو أن تحسن كما أحسن الله إليك ولا تطلب الفساد في الدنيا فتكون قد نسيت نصيبك من الد نيا ولا تترك أن تأخذ نصيبك من الآخرة فيتركك الله من جزيل ثوابه الدي أعد لأحبابه كما قال : ( نسوا الله فنسيهم ) التوبة : 67 أي تركوه فتركهم ، وتركهم له ترك نصيبهم منه وتركه عز وجل لهم ترك محابهم من الآخرة فيبتدئ العبد الفطن فيأخذ من عمره ووقته فيجعله لآخرته التي أيقن بها ثم يأخذ من وقته أعلى ما فيه مما يختص به الوقت ولا يوجد إلا فيه ويفوت دركه بفوت وقته وهو نأفضل ما يقدر عليه مما أداه علمه إليه فيجعله لمولاه ، ثم إن العبد لا يخلو في كل وقت وإن قل من أحد مقامين ، مقام نعمة ، أو مقام بلية فحاله عن مقام النعمة الشكر وحاله عن مقام البلية الصبر ، ثم ليس يفقد أحد مشاهدتين شهود نعمة أو شهود منعم من حيث لا يخلو من وجود مالك وحضور مملوك فعليه الخدمة للموجود وعليه الحضور في خدم المعبود والمراقبةعلامة الحضور والمحاسبة دليل المراقبة ويكون له أيضا في أدنى أوقاته وهو الوقت الثالث الذي هو لمباحه وهو أدنى أحوال المؤمن يكون له فيه مشاهدة منعم أو شهود نعمة لئلا يذهب وقته هذا أيضا فارغا من دنياه ولا يعود عليه شيء من ذكرمولاه أو يذكر نعمة تدله على منعم أو تخرجه إليه فينفعه ذلك في عقباه إذ العاقبة للمتقين فإن شهد منعما اقتطعه الحياء بالسكينة والوقار للهيبة وهذا مخصوص بخصوص ، وإن شهد نعمة استغرقه بالشكر والاعتبارفكان لديه تبصرة وتذكار ، وهذا العموم الخصوص قال الله عزوجل في وصف الأولين : ( ومن كل شيء خلقنا زوجين لعلكم تذكرون ) الذاريات : 49 ففروا إلى الله ، وقال في المقام الثاني : ( ولاتجعلوا مع الله إلها آخر ) الذاريات : 51 وقال في مقام الأولين : ( قل من بيده ملكوت كل شيء وهويجيرولا يجارعليه ) المؤمنون : 84 إلى قوله : ( أفلا تتقون ) الأعراف : 56 وقال في وصف الآخرين ؟
: ( قل لمن الأرض ومن فيها ) المؤمنون : 84 إلى قوله : ( قل أفلا تذكرون ) المؤمنون : 85 . وا مع الله إلها آخر ) الذاريات : 51 وقال في مقام الأولين : ( قل من بيده ملكوت كل شيء وهويجيرولا يجارعليه ) المؤمنون : 84 إلى قوله : ( أفلا تتقون ) الأعراف : 56 وقال في وصف الآخرين ؟ : ( قل لمن الأرض ومن فيها ) المؤمنون : 84 إلى قوله : ( قل أفلا تذكرون ) المؤمنون : 85 . وقد روينا في الأثر من صفات العاقل وحال المراقب وحشو الأوقات بما ينبغي أن تملأ به جمل ما ذكرناه من حديث أبي ذر الطويل ولا يكون المؤمن ظاعنا إلا في ثلاث : تزود لمعاد أو مرمة لمعاش أو لذة في غير محرم وبمعناه وعلى العاقل أن يكون له أربع ساعات : ساعة يناجي فيها ربه عز وجل ، وساعة يحاسب فيها نفسه ، وساعة يفكر في صنع الله عز وجل ، وساعة يخلو فيها للمطعم والمشرب ، فإن في هذه الساعة عونا له على الساعات وفيه أيضا ثلاث مجملات من صفة العاقل ومن علامة العاقل أن يكون مقبلا على شانه حافظا للسانه عارفا بزمانه وفي بعضها مكرما لإخوانه فأول وقت المباح من الأوقات فالنوائب والحاجات تطرقه به والفاقات تدخله عليه فلا يتكلفه قبل وقته فيشغله عن وقته ثم إن العباد في مشاهدة الملك على أربع مقامات : كل عبد يشهد الملك من مقامه بعين حاله فمنهم من ينظر إلى الملك بعين التبصرة والعبرة فهؤلاء أولو الألباب الذين كشف عن قلوبهم الحجاب وهم أولو الأيدي والأبصار الذين أقامهم مقام الإعتبار وهذا مقام العلماء الذين هم ورثة الأنبياء ، ومنهم من ينظر إلى الملك وأهله بعين الرحمة والحكمة وهذا مقام الخائفين ، ومنهم من ينظر إلى الملك وأهله بعين المقت والبغضة وهذا مقام الزاهدين ومنهم من ينظر إلى الملك بعين الشهوة والغبطة وهذا مقام الهالكين وهم أبناء الدنيا الذين لها يسعون وعلى فوتها يتحسرون ، فإن أعطى العبدالنظر إلى الملك بعين العبرة والحكمة أدخله الملك على الملك فاستغنى به عما سواه وإن أعطى الخائف النظر إلى الملك بعين الرحمة اغتبط بمقامه وعظمت لربه تعالى عليه النعمة وإن أعطى الزاهد النظر إلى الملك بعين البغضة أخرجه الملك عن الملك بالزهد فيه فعوضه من فوت الملك الصغير درك الملك الكبير ، ومن ابتلى بالنظر إلى الملك بعين الغبطة والحسرة أوقعه الملك في الهلكة فسلك طريق المهالك ، ومن شاهد معنى خلق من أخلاق الذوات أو معنى وصف من الصفات كان مقتضاه ما يوجب الخلق أو الوصف من شهود نعيم أو عذاب وهو مقام له في التعريف يرفعه إلى مقام التعرف وهذه شهادة العارفين من كل ماشهدوه من الأفعال التي تدل على معاني الأخلاق والأوصاف لأنه أظهرها عنه ليستدل عليه بها وينظر إليه منها فأما من شهد شهوة من شهوات النفس بعين الهوى أخرجته إلى الأهواء فتخطفه الشياطين وهوت به الريح في مكان سحيق وتنكب طريق المسالك إلى المولى التي تخرجه إلى القريب وتقعده عند الحبيب في مقعد صدق عند مليك مقتدر ، فمن فاته القرب وقع في التيه والبعد فهو اليائس المغبون الخائن المفتون الذي يكون أبدا يومه شرا من أمسه وغده شرا من يومه ، فالموت خير له من حياته لأن حياته عن الحبيب تبعده وبقاءه عن السبيل يصده ووجده لهواه يفقده وظهور نفسه عليه من السوابق يقعده لأنه إذا كان في إدبار وكان إدباره في إقبال فقد فاته عمره عن آخره كفوت وقت واحد وفوت شيء واحد لأن العمر ليس مما يتأتى فوته دفعة واحدة كشيء واحد لأنه ينشأ وقتا بعد وقت وإنما يفوت جزءا جزءا على حكمة من الله عز وجل وتمهل واستدراج منه وقتا بعد وقت ويوما بعد يوم يستدرجه في ذلك كما يصعد الدراج في الدرج مرقاة مرقاة ، كذلك يشغله في وقت عنه ويفرغه وقتا آخر لغيره ويذكره في وقت سواه وينسيه وقتا آخر إياه فشغله حينئذ كفراغه وذكره يومئذ كنسيانه وعلى هذا سائر أوقاته تارة يقطعه عنه وتارة يصله بغيره حتى تفنى الأيام بالفوت وتنقضي الأوقات إلى الموت وفي ذلك يسبل عليه الستر ليغتر ويسبغ عليه النعم كيلا يعلم ويديم له العوافي لئلا يفطن ويبسط له الأمل ليزداد من سوء العمل ويقبض عنه الأجل ليقبض منه الوجل وينشر له الرجاء ويطوي عنه الخوف حتى يبغتهم فجأة من حيث أمنهم ويأخذهم بغتة في حال غمرتهم كما قال : ( ومكروا مكرا ومكرنا مكرا وهم لا يشعرون ) النمل : 50 ومن معنى ماذكرناه قوله تعالى : ( فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شيء ) الأنعام : 44 أي لماتركوا ما وعظوا به وخوفوا أسبغنا عليهم النعم وأنسيناهم الشكر فترادفت منهم الذنوب وأنسيناهم الإستغفار ، ثم قال : ( حتى إذا فرحوا بما أوتوا ) الأنعام : 44 أي سكنوا إلى ذلك واطمأنوا ولم يريدوا التحويل عنه ولا الاستعتاب منه : ( أخذناهم بغتة ) الكهف : 28 أي فجأة في حين أمنهم وقيل بغتة بعد أربعين سنة فإذا هم مبلسون متحيرون باهتون آيسون من كل خير ، واعلم أن العبد إذا كان بعد ساعة شرا منه قبلها وبعد يوم شرا منه قبله ثم لم يستعتب ولم يتدارك كانت أوقاته كلها وأيامه كيوم واحد في الشر ووقت سرمد في السوء فكان كمن فات عمره كله كفوت وقت واحد منه لأنه على هذا الوصف يكون فوت العمر لتراخيه وقتا بعد وقت وينساه شيئا بعد شيء ولتربية العبد بأوقاته وقتا بعد وقت إلا أنها في آخر الحساب ومجمله كيوم واحدأضاعة فكان مثله كما قال تعالى : ( ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه وكان أمره فرطا ) الكهف : 28 وكمن كان حاله الغفلة عن الوعد والوعيد فلما كشف عنه الغطاء حار بصره وبهت واحتد وبرق لمعاينة ما كان عنه غفل وحسرة على ما فيه فرط لقوله تعالى : ( لقد كنت في غفلة من هذا فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد ) ق : 22 ، قيل محدد إلى أعمالك السيئة أو ثقتك وقيل حديد إلى لسان الميزان يتوقع النقص والرجحان وكان كمن قال تعالى في قوله : ( وأنذرهم يوم الحسرة إذ قضي الأمر وهم في غفلة ) مريم : 39 قيل جاءهم الموت وهم مشغولون بأمور الدنيا وقيل : كانوا متشاغلين في شأن النساء وبوصف من قيل له وغرتكم الأماني يعني أماني الهوى حتى جاء أمر الله أي قدم الموت ولم تقدموا له شيئا يقدموا به عليه فمثلهم كمن وصفه بالإفلاس وأخبر عنه بالإياس في قوله عز وجل : ( حتى إذا جاءه لم يجده شيئا ووجد الله عنده فوفاه حسابه ) النور : 39 .
: ( قل لمن الأرض ومن فيها ) المؤمنون : 84 إلى قوله : ( قل أفلا تذكرون ) المؤمنون : 85 . وا مع الله إلها آخر ) الذاريات : 51 وقال في مقام الأولين : ( قل من بيده ملكوت كل شيء وهويجيرولا يجارعليه ) المؤمنون : 84 إلى قوله : ( أفلا تتقون ) الأعراف : 56 وقال في وصف الآخرين ؟ : ( قل لمن الأرض ومن فيها ) المؤمنون : 84 إلى قوله : ( قل أفلا تذكرون ) المؤمنون : 85 . وقد روينا في الأثر من صفات العاقل وحال المراقب وحشو الأوقات بما ينبغي أن تملأ به جمل ما ذكرناه من حديث أبي ذر الطويل ولا يكون المؤمن ظاعنا إلا في ثلاث : تزود لمعاد أو مرمة لمعاش أو لذة في غير محرم وبمعناه وعلى العاقل أن يكون له أربع ساعات : ساعة يناجي فيها ربه عز وجل ، وساعة يحاسب فيها نفسه ، وساعة يفكر في صنع الله عز وجل ، وساعة يخلو فيها للمطعم والمشرب ، فإن في هذه الساعة عونا له على الساعات وفيه أيضا ثلاث مجملات من صفة العاقل ومن علامة العاقل أن يكون مقبلا على شانه حافظا للسانه عارفا بزمانه وفي بعضها مكرما لإخوانه فأول وقت المباح من الأوقات فالنوائب والحاجات تطرقه به والفاقات تدخله عليه فلا يتكلفه قبل وقته فيشغله عن وقته ثم إن العباد في مشاهدة الملك على أربع مقامات : كل عبد يشهد الملك من مقامه بعين حاله فمنهم من ينظر إلى الملك بعين التبصرة والعبرة فهؤلاء أولو الألباب الذين كشف عن قلوبهم الحجاب وهم أولو الأيدي والأبصار الذين أقامهم مقام الإعتبار وهذا مقام العلماء الذين هم ورثة الأنبياء ، ومنهم من ينظر إلى الملك وأهله بعين الرحمة والحكمة وهذا مقام الخائفين ، ومنهم من ينظر إلى الملك وأهله بعين المقت والبغضة وهذا مقام الزاهدين ومنهم من ينظر إلى الملك بعين الشهوة والغبطة وهذا مقام الهالكين وهم أبناء الدنيا الذين لها يسعون وعلى فوتها يتحسرون ، فإن أعطى العبدالنظر إلى الملك بعين العبرة والحكمة أدخله الملك على الملك فاستغنى به عما سواه وإن أعطى الخائف النظر إلى الملك بعين الرحمة اغتبط بمقامه وعظمت لربه تعالى عليه النعمة وإن أعطى الزاهد النظر إلى الملك بعين البغضة أخرجه الملك عن الملك بالزهد فيه فعوضه من فوت الملك الصغير درك الملك الكبير ، ومن ابتلى بالنظر إلى الملك بعين الغبطة والحسرة أوقعه الملك في الهلكة فسلك طريق المهالك ، ومن شاهد معنى خلق من أخلاق الذوات أو معنى وصف من الصفات كان مقتضاه ما يوجب الخلق أو الوصف من شهود نعيم أو عذاب وهو مقام له في التعريف يرفعه إلى مقام التعرف وهذه شهادة العارفين من كل ماشهدوه من الأفعال التي تدل على معاني الأخلاق والأوصاف لأنه أظهرها عنه ليستدل عليه بها وينظر إليه منها فأما من شهد شهوة من شهوات النفس بعين الهوى أخرجته إلى الأهواء فتخطفه الشياطين وهوت به الريح في مكان سحيق وتنكب طريق المسالك إلى المولى التي تخرجه إلى القريب وتقعده عند الحبيب في مقعد صدق عند مليك مقتدر ، فمن فاته القرب وقع في التيه والبعد فهو اليائس المغبون الخائن المفتون الذي يكون أبدا يومه شرا من أمسه وغده شرا من يومه ، فالموت خير له من حياته لأن حياته عن الحبيب تبعده وبقاءه عن السبيل يصده ووجده لهواه يفقده وظهور نفسه عليه من السوابق يقعده لأنه إذا كان في إدبار وكان إدباره في إقبال فقد فاته عمره عن آخره كفوت وقت واحد وفوت شيء واحد لأن العمر ليس مما يتأتى فوته دفعة واحدة كشيء واحد لأنه ينشأ وقتا بعد وقت وإنما يفوت جزءا جزءا على حكمة من الله عز وجل وتمهل واستدراج منه وقتا بعد وقت ويوما بعد يوم يستدرجه في ذلك كما يصعد الدراج في الدرج مرقاة مرقاة ، كذلك يشغله في وقت عنه ويفرغه وقتا آخر لغيره ويذكره في وقت سواه وينسيه وقتا آخر إياه فشغله حينئذ كفراغه وذكره يومئذ كنسيانه وعلى هذا سائر أوقاته تارة يقطعه عنه وتارة يصله بغيره حتى تفنى الأيام بالفوت وتنقضي الأوقات إلى الموت وفي ذلك يسبل عليه الستر ليغتر ويسبغ عليه النعم كيلا يعلم ويديم له العوافي لئلا يفطن ويبسط له الأمل ليزداد من سوء العمل ويقبض عنه الأجل ليقبض منه الوجل وينشر له الرجاء ويطوي عنه الخوف حتى يبغتهم فجأة من حيث أمنهم ويأخذهم بغتة في حال غمرتهم كما قال : ( ومكروا مكرا ومكرنا مكرا وهم لا يشعرون ) النمل : 50 ومن معنى ماذكرناه قوله تعالى : ( فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شيء ) الأنعام : 44 أي لماتركوا ما وعظوا به وخوفوا أسبغنا عليهم النعم وأنسيناهم الشكر فترادفت منهم الذنوب وأنسيناهم الإستغفار ، ثم قال : ( حتى إذا فرحوا بما أوتوا ) الأنعام : 44 أي سكنوا إلى ذلك واطمأنوا ولم يريدوا التحويل عنه ولا الاستعتاب منه : ( أخذناهم بغتة ) الكهف : 28 أي فجأة في حين أمنهم وقيل بغتة بعد أربعين سنة فإذا هم مبلسون متحيرون باهتون آيسون من كل خير ، واعلم أن العبد إذا كان بعد ساعة شرا منه قبلها وبعد يوم شرا منه قبله ثم لم يستعتب ولم يتدارك كانت أوقاته كلها وأيامه كيوم واحد في الشر ووقت سرمد في السوء فكان كمن فات عمره كله كفوت وقت واحد منه لأنه على هذا الوصف يكون فوت العمر لتراخيه وقتا بعد وقت وينساه شيئا بعد شيء ولتربية العبد بأوقاته وقتا بعد وقت إلا أنها في آخر الحساب ومجمله كيوم واحدأضاعة فكان مثله كما قال تعالى : ( ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه وكان أمره فرطا ) الكهف : 28 وكمن كان حاله الغفلة عن الوعد والوعيد فلما كشف عنه الغطاء حار بصره وبهت واحتد وبرق لمعاينة ما كان عنه غفل وحسرة على ما فيه فرط لقوله تعالى : ( لقد كنت في غفلة من هذا فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد ) ق : 22 ، قيل محدد إلى أعمالك السيئة أو ثقتك وقيل حديد إلى لسان الميزان يتوقع النقص والرجحان وكان كمن قال تعالى في قوله : ( وأنذرهم يوم الحسرة إذ قضي الأمر وهم في غفلة ) مريم : 39 قيل جاءهم الموت وهم مشغولون بأمور الدنيا وقيل : كانوا متشاغلين في شأن النساء وبوصف من قيل له وغرتكم الأماني يعني أماني الهوى حتى جاء أمر الله أي قدم الموت ولم تقدموا له شيئا يقدموا به عليه فمثلهم كمن وصفه بالإفلاس وأخبر عنه بالإياس في قوله عز وجل : ( حتى إذا جاءه لم يجده شيئا ووجد الله عنده فوفاه حسابه ) النور : 39 .
( أخذناهم بغتة ) الكهف : 28 أي فجأة في حين أمنهم وقيل بغتة بعد أربعين سنة فإذا هم مبلسون متحيرون باهتون آيسون من كل خير ، واعلم أن العبد إذا كان بعد ساعة شرا منه قبلها وبعد يوم شرا منه قبله ثم لم يستعتب ولم يتدارك كانت أوقاته كلها وأيامه كيوم واحد في الشر ووقت سرمد في السوء فكان كمن فات عمره كله كفوت وقت واحد منه لأنه على هذا الوصف يكون فوت العمر لتراخيه وقتا بعد وقت وينساه شيئا بعد شيء ولتربية العبد بأوقاته وقتا بعد وقت إلا أنها في آخر الحساب ومجمله كيوم واحدأضاعة فكان مثله كما قال تعالى : ( ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه وكان أمره فرطا ) الكهف : 28 وكمن كان حاله الغفلة عن الوعد والوعيد فلما كشف عنه الغطاء حار بصره وبهت واحتد وبرق لمعاينة ما كان عنه غفل وحسرة على ما فيه فرط لقوله تعالى : ( لقد كنت في غفلة من هذا فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد ) ق : 22 ، قيل محدد إلى أعمالك السيئة أو ثقتك وقيل حديد إلى لسان الميزان يتوقع النقص والرجحان وكان كمن قال تعالى في قوله : ( وأنذرهم يوم الحسرة إذ قضي الأمر وهم في غفلة ) مريم : 39 قيل جاءهم الموت وهم مشغولون بأمور الدنيا وقيل : كانوا متشاغلين في شأن النساء وبوصف من قيل له وغرتكم الأماني يعني أماني الهوى حتى جاء أمر الله أي قدم الموت ولم تقدموا له شيئا يقدموا به عليه فمثلهم كمن وصفه بالإفلاس وأخبر عنه بالإياس في قوله عز وجل : ( حتى إذا جاءه لم يجده شيئا ووجد الله عنده فوفاه حسابه ) النور : 39 . وقد كان أبو محمد يقول لايبلغ العبد منازل الصديقين حقيقة من هذا الأمر حتى يكون فيه هذه الأربع : أداء الفرائض بالسنة ، وأكل الحلال بالورع ، واجتناب النهي في الظاهر والباطن ، والصبر على ذلك إلى الممات ، وكان الحسن يقول : والله ما لعمل المؤمن انتهاء دون الموت والله ما المؤمن الذي يعمل الشهر والشهرين والسنة والسنتين إنما المؤمن المداوم على أمر الله ، الخائف من مكر الله ، إنما الإيمان شدة في لين وعزم في يقين واجتهاد في صبر وعلم في زهد وكان عمر رضي الله عنه إذا تلا قوله تعالى : ( إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا ) الأحقاف : 13 يقول قد قالها الناس ثم رجعوا ، فمن استقام على أمر الله في السر والعلانية والعسر واليسر ولم يخف في الله لومة لائم وقال مرة استقاموا والله لربهم ولم يروغوا روغان الثعالب ، وقال بعض العلماء : من كان طلب الفضائل أهم إليه من أداء الفرائض فهو مخدوع ومن شغل بغيره عن نفسه فقد مكر به ، وقال سفيان الثوري وغيره : إنما حرموا الوصول بتضييع الأصول فأفضل شيء للعبد معرفته بنفسه ووقوفه على حده وأحكامه لحاله التي أقيم فيها ، فابتداؤه بالعمل بما افترض عليه بعد اجتنابه مانهى عنه بعلم لم يدبره في جميع ذلك وورع يحجزه عن الهوى في ذلك ولا يشتغل بطلب فضل حتى يفرغ من فرض لأن الفضل لا يصح إلا بعد حوز السلامة كما لا يخلص الربح للتاجر إلا بعد حصول رأس المال فمن تعذرت عليه السلامة كان من الفضل أبعد والى الإغترار أقرب وقد تلتبس الفضائل بالفرائض لدقة معانيها وخفي علومها فيقدم العبد النفل وهو يحسب أنه الواجب ، فمن ذلك أن أبا سعيد رافع بن المعلى كان قائما يصلي فدعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يجبه فظن أن وقوفه بين يدي الله عز وجل بالغيب أفضل له فلما سلم جاءه فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : مامنعك أن تجيبني حين دعوتك فقال : كنت أصلي فقال : ألم تسمع الله عز وجل يقول : ( استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم ) الأنفال : 24 فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم دعاه وهو في الصلاة ليفيده باطن العلم أو لينظر مبلغ علمه كيف يعمل وكان إجابته لرسول الله صلى الله عليه وسلم أفضل من صلاته لأن صلاته نافلة له فهو مطيع الله عز وجل في الغيب باختياره وإجابته لرسول الله صلى الله عليه وسلم أفضل من صلاته لأنها فريضة عليه فهو مطيع لله تعالى في الشهادة بإيجابه ففضل استجابته لرسول الله صلى الله عليه وسلم على صلاته لنفسه كفضل الفرض على النفل ، وقد قال سبحانه : ( من يطع الرسول فقد أطاع الله ) النساء : 80 وقال تعالى : ( إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله ) الفتح : 10 والله تعالى معه في المكانين معا وهو عند الرسول عليه السلام على يقين ، فعبادة الله عز وجل ههنا أبلغ في مرضاته وأثوب له في آخرته ، وفي هذا الحديث دليل أن الخبر إذا ورد في أمر كان على جملة عمومه وكلية ما تعلق به حتى تخص السنة أو الإجماع بعض شأنه ومن ذلك أن قول الله عز وجل : ( استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم ) الأنفال : 24 ، إن ظاهره مقصور على الاستجابة للرسول لله بالإيمان بالطاعة في أوامر القرآن لا الإجابة له في التصويت خاصة في الصلاة وهذا هو الذي حمله أبو سعيد ابن المعلى عليه وتأوله من الآية فأشكل عليه ، ومثل هذا فعل عمار في التيمم لما نزلت آية الإباحة للتيمم في صلاة الفجر وهم في سفر ، فقال عز وجل : ( فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا فامسحوا بوجوهكم وأيديكم ) النساء : 43 ولم يكن يسمع من النبي صلى الله عليه وسلم في تخصيص بعض اليد شيئا قال : فتيممنا إلى المناكب واستوعب جملة اليد لعموم الخطاب حتى أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك فأمرهم بالتيمم إلى المرفقين ، وفي خبر : إلى الزندين باختلاف الروايتين فخص بعض اليد فلذلك اختلف العلماء في تبعيض اليد في المسح وكذلك العمل فيما ورد مجملا أن يستعمل في الجملة حتى تخصه السنة ، فمن ذلك ما روي أن رجلين على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم تآخيا في العبادة فاعتزلا الناس فقال أحدهما لصاحبه : هلم اليوم فلننفرد عن الناس ونلزم الصمت فلا نكلم من يكلمنا فإنه أبلغ في عبادتنا ، قال : فاعتزلا في خلوة وصمتا فمر بهما رسول الله صلى الله عليه وسلم فسلم عليهما فلم يردا عليه السلام ، قال : فسمعناه يقول حين جاوزنا : هلك المعتمقون المتنطعون فاعتذرا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وتابا من ذلك إلى الله عز وجل ، ومثل ذلك ماروي أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان يعس ذات ليلة فنظر إلى مصباح أبيض في خلل باب فاطلع فإذا قوم على شراب لهم فلم يدر كيف يصنع فدخل المسجد فأخرج عبد الرحمن بن عوف فجاء به إلى الباب فنظر وقال له : كيف ترى أن نعمل ؟
( أخذناهم بغتة ) الكهف : 28 أي فجأة في حين أمنهم وقيل بغتة بعد أربعين سنة فإذا هم مبلسون متحيرون باهتون آيسون من كل خير ، واعلم أن العبد إذا كان بعد ساعة شرا منه قبلها وبعد يوم شرا منه قبله ثم لم يستعتب ولم يتدارك كانت أوقاته كلها وأيامه كيوم واحد في الشر ووقت سرمد في السوء فكان كمن فات عمره كله كفوت وقت واحد منه لأنه على هذا الوصف يكون فوت العمر لتراخيه وقتا بعد وقت وينساه شيئا بعد شيء ولتربية العبد بأوقاته وقتا بعد وقت إلا أنها في آخر الحساب ومجمله كيوم واحدأضاعة فكان مثله كما قال تعالى : ( ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه وكان أمره فرطا ) الكهف : 28 وكمن كان حاله الغفلة عن الوعد والوعيد فلما كشف عنه الغطاء حار بصره وبهت واحتد وبرق لمعاينة ما كان عنه غفل وحسرة على ما فيه فرط لقوله تعالى : ( لقد كنت في غفلة من هذا فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد ) ق : 22 ، قيل محدد إلى أعمالك السيئة أو ثقتك وقيل حديد إلى لسان الميزان يتوقع النقص والرجحان وكان كمن قال تعالى في قوله : ( وأنذرهم يوم الحسرة إذ قضي الأمر وهم في غفلة ) مريم : 39 قيل جاءهم الموت وهم مشغولون بأمور الدنيا وقيل : كانوا متشاغلين في شأن النساء وبوصف من قيل له وغرتكم الأماني يعني أماني الهوى حتى جاء أمر الله أي قدم الموت ولم تقدموا له شيئا يقدموا به عليه فمثلهم كمن وصفه بالإفلاس وأخبر عنه بالإياس في قوله عز وجل : ( حتى إذا جاءه لم يجده شيئا ووجد الله عنده فوفاه حسابه ) النور : 39 . وقد كان أبو محمد يقول لايبلغ العبد منازل الصديقين حقيقة من هذا الأمر حتى يكون فيه هذه الأربع : أداء الفرائض بالسنة ، وأكل الحلال بالورع ، واجتناب النهي في الظاهر والباطن ، والصبر على ذلك إلى الممات ، وكان الحسن يقول : والله ما لعمل المؤمن انتهاء دون الموت والله ما المؤمن الذي يعمل الشهر والشهرين والسنة والسنتين إنما المؤمن المداوم على أمر الله ، الخائف من مكر الله ، إنما الإيمان شدة في لين وعزم في يقين واجتهاد في صبر وعلم في زهد وكان عمر رضي الله عنه إذا تلا قوله تعالى : ( إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا ) الأحقاف : 13 يقول قد قالها الناس ثم رجعوا ، فمن استقام على أمر الله في السر والعلانية والعسر واليسر ولم يخف في الله لومة لائم وقال مرة استقاموا والله لربهم ولم يروغوا روغان الثعالب ، وقال بعض العلماء : من كان طلب الفضائل أهم إليه من أداء الفرائض فهو مخدوع ومن شغل بغيره عن نفسه فقد مكر به ، وقال سفيان الثوري وغيره : إنما حرموا الوصول بتضييع الأصول فأفضل شيء للعبد معرفته بنفسه ووقوفه على حده وأحكامه لحاله التي أقيم فيها ، فابتداؤه بالعمل بما افترض عليه بعد اجتنابه مانهى عنه بعلم لم يدبره في جميع ذلك وورع يحجزه عن الهوى في ذلك ولا يشتغل بطلب فضل حتى يفرغ من فرض لأن الفضل لا يصح إلا بعد حوز السلامة كما لا يخلص الربح للتاجر إلا بعد حصول رأس المال فمن تعذرت عليه السلامة كان من الفضل أبعد والى الإغترار أقرب وقد تلتبس الفضائل بالفرائض لدقة معانيها وخفي علومها فيقدم العبد النفل وهو يحسب أنه الواجب ، فمن ذلك أن أبا سعيد رافع بن المعلى كان قائما يصلي فدعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يجبه فظن أن وقوفه بين يدي الله عز وجل بالغيب أفضل له فلما سلم جاءه فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : مامنعك أن تجيبني حين دعوتك فقال : كنت أصلي فقال : ألم تسمع الله عز وجل يقول : ( استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم ) الأنفال : 24 فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم دعاه وهو في الصلاة ليفيده باطن العلم أو لينظر مبلغ علمه كيف يعمل وكان إجابته لرسول الله صلى الله عليه وسلم أفضل من صلاته لأن صلاته نافلة له فهو مطيع الله عز وجل في الغيب باختياره وإجابته لرسول الله صلى الله عليه وسلم أفضل من صلاته لأنها فريضة عليه فهو مطيع لله تعالى في الشهادة بإيجابه ففضل استجابته لرسول الله صلى الله عليه وسلم على صلاته لنفسه كفضل الفرض على النفل ، وقد قال سبحانه : ( من يطع الرسول فقد أطاع الله ) النساء : 80 وقال تعالى : ( إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله ) الفتح : 10 والله تعالى معه في المكانين معا وهو عند الرسول عليه السلام على يقين ، فعبادة الله عز وجل ههنا أبلغ في مرضاته وأثوب له في آخرته ، وفي هذا الحديث دليل أن الخبر إذا ورد في أمر كان على جملة عمومه وكلية ما تعلق به حتى تخص السنة أو الإجماع بعض شأنه ومن ذلك أن قول الله عز وجل : ( استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم ) الأنفال : 24 ، إن ظاهره مقصور على الاستجابة للرسول لله بالإيمان بالطاعة في أوامر القرآن لا الإجابة له في التصويت خاصة في الصلاة وهذا هو الذي حمله أبو سعيد ابن المعلى عليه وتأوله من الآية فأشكل عليه ، ومثل هذا فعل عمار في التيمم لما نزلت آية الإباحة للتيمم في صلاة الفجر وهم في سفر ، فقال عز وجل : ( فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا فامسحوا بوجوهكم وأيديكم ) النساء : 43 ولم يكن يسمع من النبي صلى الله عليه وسلم في تخصيص بعض اليد شيئا قال : فتيممنا إلى المناكب واستوعب جملة اليد لعموم الخطاب حتى أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك فأمرهم بالتيمم إلى المرفقين ، وفي خبر : إلى الزندين باختلاف الروايتين فخص بعض اليد فلذلك اختلف العلماء في تبعيض اليد في المسح وكذلك العمل فيما ورد مجملا أن يستعمل في الجملة حتى تخصه السنة ، فمن ذلك ما روي أن رجلين على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم تآخيا في العبادة فاعتزلا الناس فقال أحدهما لصاحبه : هلم اليوم فلننفرد عن الناس ونلزم الصمت فلا نكلم من يكلمنا فإنه أبلغ في عبادتنا ، قال : فاعتزلا في خلوة وصمتا فمر بهما رسول الله صلى الله عليه وسلم فسلم عليهما فلم يردا عليه السلام ، قال : فسمعناه يقول حين جاوزنا : هلك المعتمقون المتنطعون فاعتذرا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وتابا من ذلك إلى الله عز وجل ، ومثل ذلك ماروي أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان يعس ذات ليلة فنظر إلى مصباح أبيض في خلل باب فاطلع فإذا قوم على شراب لهم فلم يدر كيف يصنع فدخل المسجد فأخرج عبد الرحمن بن عوف فجاء به إلى الباب فنظر وقال له : كيف ترى أن نعمل ؟
فقال : أرى والله أنا قد أتينا مانهانا الله عنه لأنا تجسسنا على عورة فاطلعنا عليها وقد سترها الله دوننا وما كان لنا أن نكشف ستر الله عز وجل ، فقال : ماأراك إلا قد صدقت سبعا ما أنفذ عنك فانصرفنا ، وفي لفظ آخر أنه قال له : أرى أنا قد عصينا الله ورسوله ونهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن التجسس فقال : صدقت فأخذ بيده وانصرف . ونلزم الصمت فلا نكلم من يكلمنا فإنه أبلغ في عبادتنا ، قال : فاعتزلا في خلوة وصمتا فمر بهما رسول الله صلى الله عليه وسلم فسلم عليهما فلم يردا عليه السلام ، قال : فسمعناه يقول حين جاوزنا : هلك المعتمقون المتنطعون فاعتذرا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وتابا من ذلك إلى الله عز وجل ، ومثل ذلك ماروي أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان يعس ذات ليلة فنظر إلى مصباح أبيض في خلل باب فاطلع فإذا قوم على شراب لهم فلم يدر كيف يصنع فدخل المسجد فأخرج عبد الرحمن بن عوف فجاء به إلى الباب فنظر وقال له : كيف ترى أن نعمل ؟ فقال : أرى والله أنا قد أتينا مانهانا الله عنه لأنا تجسسنا على عورة فاطلعنا عليها وقد سترها الله دوننا وما كان لنا أن نكشف ستر الله عز وجل ، فقال : ماأراك إلا قد صدقت سبعا ما أنفذ عنك فانصرفنا ، وفي لفظ آخر أنه قال له : أرى أنا قد عصينا الله ورسوله ونهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن التجسس فقال : صدقت فأخذ بيده وانصرف . ورينا نحو هذا أن عمر رضي الله عنه كان يعس ليلة مع ابن مسعود فاطلع من خلل الباب فإذا شيخ بين زق خمر وقينة تغنيه فتسور عليه وقال : ماأقبح بشيخ مثلك أن يكون على مثل هذه الحال ، فقام إليه الرجل فقال : ياأمير المؤمنين أنشدك الله ألا أنصفتني حتى أتكلم فقال له : قل فقال : إن كنت قد عصيت الله عز وجل في واحدة فقد عصيته أنت في ثلاث ، قال : وماهي ؟ قال : قد تجسست وقد نهاك الله عز وجل عن ذلك وتسورت وقد قال الله عز وجل ( وليس البر بأن تأتوا البيوت من ظهورها ) البقرة : 189 ودخلت بغير إذن وقد قال الله عز وجل ( لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم حتى تستأنسوا وتسلموا على أهلها ) النور : 27 فقال عمر : صدقت فهل أنت غافر لي ذلك فقال : غفر الله لك فخرج عمر وهو يبكي حتى علا نشيجه وهو يقول : ويل لعمر إن لم يغفر الله له ، تجد الرجل كان يتخفى بهذا عن ولده وجاره فالآن يقول : رآني أمير المؤمنين ونحو ذلك ، وجاء في الخبر : إذا دعي أحدكم إلى طعام فإن كان مفطرا فليجب وإن كان صائما فليقل إني صائم ، فأمره بإظهار عمله وهو يعلم أن الإخفاء أفضل ولكن إظهار عمله من حيث لايؤثر في قلب أخيه وجدا أفضل من إخفائه لنفسه مع تأثير ذلك في قلب أخيه لتفضيل المؤمن وحرمته على الأعمال إذ الأعمال موقوفة على العامل وإنما يعطي الثواب على قدر العامل لا على قدر العمل لتضعيف الجزاء لمن يشاء على غيره في العمل الواحد فدل ذلك أن المؤمن أفضل من العمل فقيل له : ارفع التأثير والكراهة عن قلب أخيك بإظهار عملك فهو خير لك من إخفاء العمل مع وجد أخيك عليك لأن أخاك إذا دعاك إلى طعام صنعه لك فلم تجبه ولم تعتذر إليه عذرا بينا يقبله منك ويعرفه شق عليه إن كان صادقا في دعائك .
فقال : أرى والله أنا قد أتينا مانهانا الله عنه لأنا تجسسنا على عورة فاطلعنا عليها وقد سترها الله دوننا وما كان لنا أن نكشف ستر الله عز وجل ، فقال : ماأراك إلا قد صدقت سبعا ما أنفذ عنك فانصرفنا ، وفي لفظ آخر أنه قال له : أرى أنا قد عصينا الله ورسوله ونهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن التجسس فقال : صدقت فأخذ بيده وانصرف . ونلزم الصمت فلا نكلم من يكلمنا فإنه أبلغ في عبادتنا ، قال : فاعتزلا في خلوة وصمتا فمر بهما رسول الله صلى الله عليه وسلم فسلم عليهما فلم يردا عليه السلام ، قال : فسمعناه يقول حين جاوزنا : هلك المعتمقون المتنطعون فاعتذرا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وتابا من ذلك إلى الله عز وجل ، ومثل ذلك ماروي أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان يعس ذات ليلة فنظر إلى مصباح أبيض في خلل باب فاطلع فإذا قوم على شراب لهم فلم يدر كيف يصنع فدخل المسجد فأخرج عبد الرحمن بن عوف فجاء به إلى الباب فنظر وقال له : كيف ترى أن نعمل ؟ فقال : أرى والله أنا قد أتينا مانهانا الله عنه لأنا تجسسنا على عورة فاطلعنا عليها وقد سترها الله دوننا وما كان لنا أن نكشف ستر الله عز وجل ، فقال : ماأراك إلا قد صدقت سبعا ما أنفذ عنك فانصرفنا ، وفي لفظ آخر أنه قال له : أرى أنا قد عصينا الله ورسوله ونهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن التجسس فقال : صدقت فأخذ بيده وانصرف . ورينا نحو هذا أن عمر رضي الله عنه كان يعس ليلة مع ابن مسعود فاطلع من خلل الباب فإذا شيخ بين زق خمر وقينة تغنيه فتسور عليه وقال : ماأقبح بشيخ مثلك أن يكون على مثل هذه الحال ، فقام إليه الرجل فقال : ياأمير المؤمنين أنشدك الله ألا أنصفتني حتى أتكلم فقال له : قل فقال : إن كنت قد عصيت الله عز وجل في واحدة فقد عصيته أنت في ثلاث ، قال : وماهي ؟ قال : قد تجسست وقد نهاك الله عز وجل عن ذلك وتسورت وقد قال الله عز وجل ( وليس البر بأن تأتوا البيوت من ظهورها ) البقرة : 189 ودخلت بغير إذن وقد قال الله عز وجل ( لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم حتى تستأنسوا وتسلموا على أهلها ) النور : 27 فقال عمر : صدقت فهل أنت غافر لي ذلك فقال : غفر الله لك فخرج عمر وهو يبكي حتى علا نشيجه وهو يقول : ويل لعمر إن لم يغفر الله له ، تجد الرجل كان يتخفى بهذا عن ولده وجاره فالآن يقول : رآني أمير المؤمنين ونحو ذلك ، وجاء في الخبر : إذا دعي أحدكم إلى طعام فإن كان مفطرا فليجب وإن كان صائما فليقل إني صائم ، فأمره بإظهار عمله وهو يعلم أن الإخفاء أفضل ولكن إظهار عمله من حيث لايؤثر في قلب أخيه وجدا أفضل من إخفائه لنفسه مع تأثير ذلك في قلب أخيه لتفضيل المؤمن وحرمته على الأعمال إذ الأعمال موقوفة على العامل وإنما يعطي الثواب على قدر العامل لا على قدر العمل لتضعيف الجزاء لمن يشاء على غيره في العمل الواحد فدل ذلك أن المؤمن أفضل من العمل فقيل له : ارفع التأثير والكراهة عن قلب أخيك بإظهار عملك فهو خير لك من إخفاء العمل مع وجد أخيك عليك لأن أخاك إذا دعاك إلى طعام صنعه لك فلم تجبه ولم تعتذر إليه عذرا بينا يقبله منك ويعرفه شق عليه إن كان صادقا في دعائك .
وبمعنى هذا من خفي الأعمال ما يحكى عن بعض السلف أنه كان يكون في الجماعة فيقرأ في نفسه سرا لئلا يطلع على أعماله أحد فإذا مر بآية فيها سجدة سجد بين الملأ فكنا نعرف بسجوده أنه يقرأ فلعل فارغا قليل الفقه يقول : إن هذا قدأظهر عمله إذ فعل ما يدل عليه فلو ترك السجود ليخفي عمله كان أفضل لأنه قد أظهر ما أخفاه فهذا يدل على جهله بالمعاملة ، وقد سمعت بعض العلماء يطعن على هذا بفعله بمعنى ما ذكرناه من القول وهكذا يكون علم المريدين القصيرين العلم وليس الأمر كما قدره هذا المنكر بسجوده بل القائل المنكر لفعله قليل الفقه بدقائق الإخلاص جاهل بطريقة العاملين من العارفين والعامل الذي نقل عنه هذا الفعل فقيه مخلص وذلك لأنه قد حاز الفضلين معا لأنه كان فاضلا فيما أخفى إذ ابتدأ عمله بالخفية فلما جاء السجود الذي لايكون إلا ظاهرا لم يصلح أن يترك قربة إلى الله عز وجل من أجل الناس فكان يسجد كما أمر به ويقرأ كما ندب إليه فصار فاضلا في الحال الثاني لأنه أظهر لأجل الله عز وجل كما أخفى لأجله ولأنه ترك مراقبة الناس ولم يترك عمله لأجلهم ولو كان الفضل في ترك السجود لإخفاء العمل كان الأفضل لمن دخل عليه في منزله وهو يصلي أن يقعد لأجلهم . وقد وردت السنة في ذلك أن له أجرين : أجر السر وأجر العلانية ، كيف وقد كانوا يعدون أن الرياء ترك العمل لأجل الناس فأما العمل لأجلهم فشرك ، وقد قيل : لا تعمل للرياء و لا تترك العمل للحياء ، فالحياء من الخلق شرك كما إن الحياء من الخالق إيمان . وأيضا لو أنه أطاع العدو في ترك العمل لأجل الناس أطاعه مرة أخرى في العمل لأجلهم ، ومثل هذا كمثل من كان يصوم ويصلي يومه أجمع في منزله لا يعلم به مخلوق فلو نوى الاعتكاف ليضمه إلى صومه خرج إلى المسجد فكان يصلي مقيما فيه فظهر الناس على عمله فلم يكن ليدع مانواه من العكوف في المسجد لأجل نظرهم إليه ولم يضره ظهور عمله لثباته على نيته ولمزيد من الاعتكاف إذا كان عالما متمكنا ، وأيضا فان الإمام المتمكن المقتدى به لايضره ظهور الناس على أعماله إذا لم يقصد ذلك ولم يحب مدحهم وربما كان له أجر ، إن في ذلك لتنبيه الغافلين عن الذكر وتشويق العاملين إلى البر كيف وعند بعض العلماء أن سجود القرآن فرض وأن على من سمع آية سجدة أو تلاها وكان على غير وضوء أن يسجد لها إذا توضأ ، ونحو هذه المعاني ما هو حال للعبد وأولى به من حال غيره ما رواه أبو نصر التمار أن رجلا جاء يودع بشر بن الحرث قال : قد عزمت على الحج أفتأمرني بشيء ؟ فقال له بشر : كم أعددت للنفقة ؟ قال : ألفي درهم قال : فأي شيء تبتغي بحجك نزهة أو اشتياقا إلى البيت أو ابتغاء مرضاة الله عز وجل ، قال : ابتغاء مرضاة الله عز وجل قال : فإن أصبت رضا الله وأنت في منزلك وتنفق ألفي درهم وتكون على يقين من مرضاة الله عز وجل أتفعل ذلك ؟
وبمعنى هذا من خفي الأعمال ما يحكى عن بعض السلف أنه كان يكون في الجماعة فيقرأ في نفسه سرا لئلا يطلع على أعماله أحد فإذا مر بآية فيها سجدة سجد بين الملأ فكنا نعرف بسجوده أنه يقرأ فلعل فارغا قليل الفقه يقول : إن هذا قدأظهر عمله إذ فعل ما يدل عليه فلو ترك السجود ليخفي عمله كان أفضل لأنه قد أظهر ما أخفاه فهذا يدل على جهله بالمعاملة ، وقد سمعت بعض العلماء يطعن على هذا بفعله بمعنى ما ذكرناه من القول وهكذا يكون علم المريدين القصيرين العلم وليس الأمر كما قدره هذا المنكر بسجوده بل القائل المنكر لفعله قليل الفقه بدقائق الإخلاص جاهل بطريقة العاملين من العارفين والعامل الذي نقل عنه هذا الفعل فقيه مخلص وذلك لأنه قد حاز الفضلين معا لأنه كان فاضلا فيما أخفى إذ ابتدأ عمله بالخفية فلما جاء السجود الذي لايكون إلا ظاهرا لم يصلح أن يترك قربة إلى الله عز وجل من أجل الناس فكان يسجد كما أمر به ويقرأ كما ندب إليه فصار فاضلا في الحال الثاني لأنه أظهر لأجل الله عز وجل كما أخفى لأجله ولأنه ترك مراقبة الناس ولم يترك عمله لأجلهم ولو كان الفضل في ترك السجود لإخفاء العمل كان الأفضل لمن دخل عليه في منزله وهو يصلي أن يقعد لأجلهم . وقد وردت السنة في ذلك أن له أجرين : أجر السر وأجر العلانية ، كيف وقد كانوا يعدون أن الرياء ترك العمل لأجل الناس فأما العمل لأجلهم فشرك ، وقد قيل : لا تعمل للرياء و لا تترك العمل للحياء ، فالحياء من الخلق شرك كما إن الحياء من الخالق إيمان . وأيضا لو أنه أطاع العدو في ترك العمل لأجل الناس أطاعه مرة أخرى في العمل لأجلهم ، ومثل هذا كمثل من كان يصوم ويصلي يومه أجمع في منزله لا يعلم به مخلوق فلو نوى الاعتكاف ليضمه إلى صومه خرج إلى المسجد فكان يصلي مقيما فيه فظهر الناس على عمله فلم يكن ليدع مانواه من العكوف في المسجد لأجل نظرهم إليه ولم يضره ظهور عمله لثباته على نيته ولمزيد من الاعتكاف إذا كان عالما متمكنا ، وأيضا فان الإمام المتمكن المقتدى به لايضره ظهور الناس على أعماله إذا لم يقصد ذلك ولم يحب مدحهم وربما كان له أجر ، إن في ذلك لتنبيه الغافلين عن الذكر وتشويق العاملين إلى البر كيف وعند بعض العلماء أن سجود القرآن فرض وأن على من سمع آية سجدة أو تلاها وكان على غير وضوء أن يسجد لها إذا توضأ ، ونحو هذه المعاني ما هو حال للعبد وأولى به من حال غيره ما رواه أبو نصر التمار أن رجلا جاء يودع بشر بن الحرث قال : قد عزمت على الحج أفتأمرني بشيء ؟ فقال له بشر : كم أعددت للنفقة ؟ قال : ألفي درهم قال : فأي شيء تبتغي بحجك نزهة أو اشتياقا إلى البيت أو ابتغاء مرضاة الله عز وجل ، قال : ابتغاء مرضاة الله عز وجل قال : فإن أصبت رضا الله وأنت في منزلك وتنفق ألفي درهم وتكون على يقين من مرضاة الله عز وجل أتفعل ذلك ؟
قال نعم : قال : اذهب فأعطها عشرة أنفس ؛ مدين يقضي بها دينه ، وفقير يرم شعثه ، ومعيل يحيي عياله ، ومربي يتيم يفرحه ، وإن قوى قلبك أن تعطيها لواحد فافعل ، فإن ادخالك السرور على قلب امرئ مسلم وتغيث لهفان وتكشف ضر محتاج وتعين رجلا ضعيف اليقين أفضل من مائة حجة بعد حجة الإسلام قم فأخرجها كما أمرناك وإلا فقل لنا ما في قلبك فقال : ياأبا نصر سفري أقوى في قلبي فتبسم بشر وأقبل عليه ، وقال له : المال إذا جمع من وسخ التجارات والشبهات اقتضت النفس إلى أن تقضي به وطرا ويشرع إليه فظاهرت أعمال الصالحات وقد آلى على نفسه أن لا يقبل إلا عمل المتقين ، وفي نحوه قيل لبشر أيضا إن فلانا الغني كثير الصوم والصلاة فقال : المسكين ترك حاله ودخل في حال غيره إنما حال هذا إطعام الطعام للجياع والإنفاق على المساكين فهذا أفضل له من تجويعه نفسه ومن صلاته لنفسه مع جمعه للدنيا ومنعه للفقراء ، وقد يكون اختفاء الأوجب من الفرائض والتباسه بالفضائل محنة من الله عز وجل لعباده وحكمة له فيهم فيرتكبون التأويل للسعة ويتركون الضيق لخفائه عليهم لينفذ فيهم العلم ويجري عليهم الحكم ويكون ذلك تأديبا لهم وتعريفا ومزيدا في التسليم وتوفيقا ، وقد قال الله تعالى فيما عتب على نبيه صلى الله عليه وسلم ووعظه وزجره في قوله تعالى : ( عبس وتولى ) ( أن جاءه الأعمى ) ( ومايدريك لعله يزكى ) عبس : 1 - 2 - 3 ، يقال إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يغتم في عمره كغمه حين أنزل عليه سورة عبس لأن فيها عتبا شديدا على مثله لأنه الحبيب الرشيد ومع ذلك لم يقصده في الخطاب فيكون أيسر للعتاب بل كشف ذلك للمؤمنين ونبه على فعله عباده المتقين لأن معنى قوله عبس وتولى : أي انظروا أيها المؤمنون ، أو اعجبوا إلى الذي عبس وتولى أن جاءه الأعمى ، ولذلك روي أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه بلغه أن بعض المنافقين يؤم قومه فكان لا يقرأ بهم إلا بسورة عبس فأرسل فضرب عنقه يستدل بذلك على كفره ليضع من الرسول صلى الله عليه وسلم بذلك عنده وعند قومه ومثله قوله عز وجل عاتبا على رسوله صلى الله عليه وسلم ( عفا الله عنك لم أذنت لهم ) التوبة 43 ونحوه : ( لم تحرم ما أحل الله لك تبتغي مرضات أزواجك ) التحريم : 1 وبمعناه قوله عز وجل : ( وتخفي في نفسك ما الله مبديه وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه ) الأحزاب : 37 حتى قالت عائشة رضي الله عنها : لو كتم رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا من القرآن كتم هذه الآية ، ومن أعجب ما سمعت في هذا المعنى ماحدثونا في الإسرائيليات عن وهب بن منبه اليماني أن سليمان بن داود عليهما السلام لما قبضه الله عز وجل خلف رجالا من ولده يعمرون بيت المقدس ويعظمونه برهة من الدهر حتى خلفه بعدهم رجل من ولد سليمان فخالف طريقة آبائه وترك شريعتهم وتكبر في الأرض وطغى وقال بني جدي داود وأبي سليمان مسجدا فما لي لا أبني مسجدا مثل ما بنو وأدعو الناس إلى شريعتي كما دعوا فبنى مسجدا يضاهي به بيت المقدس وادعى على الله عز وجل أنه أمره بذلك وصرف الناس إليه وبذل لهم الأموال وأخرب مسجد بيت المقدس وهجره فدخل الناس في دينه رغبة ورهبة ، قال : فابتعث الله نبيا من بعض أهل القرى فقال : اركب أتانك هذه وأت هؤلاء القوم أحفل ما يكونون فناد في مسجدهم ومجمعهم بأعلى صوتك : يامسجد الضرار إن الله عز وجل حلف باسمه ليوحشنك من عمارك وليقتلن أهلك فيك وليشدخنهم بخشبك وجندلك ولتلغن الكلاب دماءهم وتأكل لحومهم فيك وناد في المدينة بأعلى صوتك بمثل ذلك ولا تأكل ولا تشرب ولا تستظل ولا تنزل عن أتانك هذه حتى ترجع إلى قريتك التي خرجت منها قال ففعل ذلك فثار الناس إليه يضربونه بالخشب ويشجونه بالحجارة وهو على أتانه لاينزل عنها فناله على ذلك أذى كثير وضرب عظيم ثم كر راجعا في آخر النهار يؤم قريته التي خرج منها وقد أدى الرسالة وصبر على الضرب والبلاء لله عز وجل فلما كان ببعض الطريق سمع به نبي آخر كان في بعض القرى استقبله وسلم عليه فقال : إنك قد أديت رسالة ربك وإنك أمضيت أمره وإنك قد نصبت ولقيت عناء من هؤلاء القوم وأنت جائع عطشان تسيل دماؤك على جسدك وثيابك فاغد إلى منزلك فكل واشرب واسترح واغسل جسدك وثيابك فقال إن الله عز وجل لما أرسلني قد كان عهد إلي أن لا آكل ولا أشرب ولا أستظل حتى أرجع إلى أهلي فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : فإني من أهلك لأنني نبي مثلك وأخوك في الدين فلا أرى الله عز وجل عني بذلك إلا القوم الذين بعثك إليهم لأنهم أعداؤه فنهاك أن تأكل من طعامهم وتستظل عندهم ولا أحسب حرم عليك دخول منزلي ولا الأكل من طعامي لأني شريكك في الأخوة والنبوة قال : فصدقه وانصرف معه إلى منزله ، فلما وضع الطعام بين يديه وأهوى ليأكل عن جوع شديد قد أضر به أوحى الله عز وجل إلى ذلك النبي الذي دعاه إلى منزله قل له : آثرت شهوتك وبطنك على أمري ألم أعهد إليك أن لا تنزل ولا تستظل ولا تأكل حتى ترجع إلى قريتك التي خرجت منها ولولا أنك اجتهدت برأيك وقلت بمبلغ علمك لعمكما العقاب وهو أقل عندي عذرا منك لأني عهدت إليه فآثر هواه شهوته وترك عهدي ، فأخبره النبي صلى الله عليه وسلم بما أمر فوثب مذعورا يجر إزاره وجعل يرحل أتانه ويعجل ولا يعقل ما هو فيه فركبها طاردا لها على وجهه لجوعه وعطشه ودماؤه على ثيابه وجسده لاينثني ، فلما هبط عن عقبة تحتها غيضة عارضه سبع فافترسه وانتصب السبع مقعيا على قارعة الطريق يزأر يحرس أتانه ورحله كلما أقبل إنسان زأر الأسد عليه حتى يطرده فسمع بخبره ذاك النبي فأقبل نحوه فلما نظر إليه الأسد انصرف عنه وخلى بينه وبينه قال : فكفنه وواراه وانصرف برحله وأتانه إلى أهله ، فقال : يارب عبدك هذا الذي بلغ رسالتك وأمضى أمرك وقد كان أجهده البلاء فخالف ماأردت فلم يعلم فعاقبته بهذه العقوبة فأوحى الله عز وجل إليه ليست هذه عقوبة ولم أفعل ذلك لهوانه علي ولكن هذه مغفرة ورحمة ، إنه خالف أمري وكان قد اقترب أجله فكرهت له أن يلقاني على المخالفة فألقاه بما يكره فقيضت له كلبا من كلابي فطهره للقائي فكان ذلك له عندي شهادة ودرجة فوق نبوته فقال سبحانك وبحمدك أحكم الحاكمين وأرحم الراحمين فالعالم عند العلماء من علم خير الخيرين ، فسبق إليه قبل فوته وعلم شر الخيرين فأعرض عنه لئلا يشغله عن الأخير منهما وعلم أيضا خير الشرين ففعله إذا اضطر إليه وابتلى به وعلم شر الشرين فأمعن في الهرب منه واحتجب بحجابين عنه وفي هذه المعاني دقائق العلوم
قال نعم : قال : اذهب فأعطها عشرة أنفس ؛ مدين يقضي بها دينه ، وفقير يرم شعثه ، ومعيل يحيي عياله ، ومربي يتيم يفرحه ، وإن قوى قلبك أن تعطيها لواحد فافعل ، فإن ادخالك السرور على قلب امرئ مسلم وتغيث لهفان وتكشف ضر محتاج وتعين رجلا ضعيف اليقين أفضل من مائة حجة بعد حجة الإسلام قم فأخرجها كما أمرناك وإلا فقل لنا ما في قلبك فقال : ياأبا نصر سفري أقوى في قلبي فتبسم بشر وأقبل عليه ، وقال له : المال إذا جمع من وسخ التجارات والشبهات اقتضت النفس إلى أن تقضي به وطرا ويشرع إليه فظاهرت أعمال الصالحات وقد آلى على نفسه أن لا يقبل إلا عمل المتقين ، وفي نحوه قيل لبشر أيضا إن فلانا الغني كثير الصوم والصلاة فقال : المسكين ترك حاله ودخل في حال غيره إنما حال هذا إطعام الطعام للجياع والإنفاق على المساكين فهذا أفضل له من تجويعه نفسه ومن صلاته لنفسه مع جمعه للدنيا ومنعه للفقراء ، وقد يكون اختفاء الأوجب من الفرائض والتباسه بالفضائل محنة من الله عز وجل لعباده وحكمة له فيهم فيرتكبون التأويل للسعة ويتركون الضيق لخفائه عليهم لينفذ فيهم العلم ويجري عليهم الحكم ويكون ذلك تأديبا لهم وتعريفا ومزيدا في التسليم وتوفيقا ، وقد قال الله تعالى فيما عتب على نبيه صلى الله عليه وسلم ووعظه وزجره في قوله تعالى : ( عبس وتولى ) ( أن جاءه الأعمى ) ( ومايدريك لعله يزكى ) عبس : 1 - 2 - 3 ، يقال إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يغتم في عمره كغمه حين أنزل عليه سورة عبس لأن فيها عتبا شديدا على مثله لأنه الحبيب الرشيد ومع ذلك لم يقصده في الخطاب فيكون أيسر للعتاب بل كشف ذلك للمؤمنين ونبه على فعله عباده المتقين لأن معنى قوله عبس وتولى : أي انظروا أيها المؤمنون ، أو اعجبوا إلى الذي عبس وتولى أن جاءه الأعمى ، ولذلك روي أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه بلغه أن بعض المنافقين يؤم قومه فكان لا يقرأ بهم إلا بسورة عبس فأرسل فضرب عنقه يستدل بذلك على كفره ليضع من الرسول صلى الله عليه وسلم بذلك عنده وعند قومه ومثله قوله عز وجل عاتبا على رسوله صلى الله عليه وسلم ( عفا الله عنك لم أذنت لهم ) التوبة 43 ونحوه : ( لم تحرم ما أحل الله لك تبتغي مرضات أزواجك ) التحريم : 1 وبمعناه قوله عز وجل : ( وتخفي في نفسك ما الله مبديه وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه ) الأحزاب : 37 حتى قالت عائشة رضي الله عنها : لو كتم رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا من القرآن كتم هذه الآية ، ومن أعجب ما سمعت في هذا المعنى ماحدثونا في الإسرائيليات عن وهب بن منبه اليماني أن سليمان بن داود عليهما السلام لما قبضه الله عز وجل خلف رجالا من ولده يعمرون بيت المقدس ويعظمونه برهة من الدهر حتى خلفه بعدهم رجل من ولد سليمان فخالف طريقة آبائه وترك شريعتهم وتكبر في الأرض وطغى وقال بني جدي داود وأبي سليمان مسجدا فما لي لا أبني مسجدا مثل ما بنو وأدعو الناس إلى شريعتي كما دعوا فبنى مسجدا يضاهي به بيت المقدس وادعى على الله عز وجل أنه أمره بذلك وصرف الناس إليه وبذل لهم الأموال وأخرب مسجد بيت المقدس وهجره فدخل الناس في دينه رغبة ورهبة ، قال : فابتعث الله نبيا من بعض أهل القرى فقال : اركب أتانك هذه وأت هؤلاء القوم أحفل ما يكونون فناد في مسجدهم ومجمعهم بأعلى صوتك : يامسجد الضرار إن الله عز وجل حلف باسمه ليوحشنك من عمارك وليقتلن أهلك فيك وليشدخنهم بخشبك وجندلك ولتلغن الكلاب دماءهم وتأكل لحومهم فيك وناد في المدينة بأعلى صوتك بمثل ذلك ولا تأكل ولا تشرب ولا تستظل ولا تنزل عن أتانك هذه حتى ترجع إلى قريتك التي خرجت منها قال ففعل ذلك فثار الناس إليه يضربونه بالخشب ويشجونه بالحجارة وهو على أتانه لاينزل عنها فناله على ذلك أذى كثير وضرب عظيم ثم كر راجعا في آخر النهار يؤم قريته التي خرج منها وقد أدى الرسالة وصبر على الضرب والبلاء لله عز وجل فلما كان ببعض الطريق سمع به نبي آخر كان في بعض القرى استقبله وسلم عليه فقال : إنك قد أديت رسالة ربك وإنك أمضيت أمره وإنك قد نصبت ولقيت عناء من هؤلاء القوم وأنت جائع عطشان تسيل دماؤك على جسدك وثيابك فاغد إلى منزلك فكل واشرب واسترح واغسل جسدك وثيابك فقال إن الله عز وجل لما أرسلني قد كان عهد إلي أن لا آكل ولا أشرب ولا أستظل حتى أرجع إلى أهلي فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : فإني من أهلك لأنني نبي مثلك وأخوك في الدين فلا أرى الله عز وجل عني بذلك إلا القوم الذين بعثك إليهم لأنهم أعداؤه فنهاك أن تأكل من طعامهم وتستظل عندهم ولا أحسب حرم عليك دخول منزلي ولا الأكل من طعامي لأني شريكك في الأخوة والنبوة قال : فصدقه وانصرف معه إلى منزله ، فلما وضع الطعام بين يديه وأهوى ليأكل عن جوع شديد قد أضر به أوحى الله عز وجل إلى ذلك النبي الذي دعاه إلى منزله قل له : آثرت شهوتك وبطنك على أمري ألم أعهد إليك أن لا تنزل ولا تستظل ولا تأكل حتى ترجع إلى قريتك التي خرجت منها ولولا أنك اجتهدت برأيك وقلت بمبلغ علمك لعمكما العقاب وهو أقل عندي عذرا منك لأني عهدت إليه فآثر هواه شهوته وترك عهدي ، فأخبره النبي صلى الله عليه وسلم بما أمر فوثب مذعورا يجر إزاره وجعل يرحل أتانه ويعجل ولا يعقل ما هو فيه فركبها طاردا لها على وجهه لجوعه وعطشه ودماؤه على ثيابه وجسده لاينثني ، فلما هبط عن عقبة تحتها غيضة عارضه سبع فافترسه وانتصب السبع مقعيا على قارعة الطريق يزأر يحرس أتانه ورحله كلما أقبل إنسان زأر الأسد عليه حتى يطرده فسمع بخبره ذاك النبي فأقبل نحوه فلما نظر إليه الأسد انصرف عنه وخلى بينه وبينه قال : فكفنه وواراه وانصرف برحله وأتانه إلى أهله ، فقال : يارب عبدك هذا الذي بلغ رسالتك وأمضى أمرك وقد كان أجهده البلاء فخالف ماأردت فلم يعلم فعاقبته بهذه العقوبة فأوحى الله عز وجل إليه ليست هذه عقوبة ولم أفعل ذلك لهوانه علي ولكن هذه مغفرة ورحمة ، إنه خالف أمري وكان قد اقترب أجله فكرهت له أن يلقاني على المخالفة فألقاه بما يكره فقيضت له كلبا من كلابي فطهره للقائي فكان ذلك له عندي شهادة ودرجة فوق نبوته فقال سبحانك وبحمدك أحكم الحاكمين وأرحم الراحمين فالعالم عند العلماء من علم خير الخيرين ، فسبق إليه قبل فوته وعلم شر الخيرين فأعرض عنه لئلا يشغله عن الأخير منهما وعلم أيضا خير الشرين ففعله إذا اضطر إليه وابتلى به وعلم شر الشرين فأمعن في الهرب منه واحتجب بحجابين عنه وفي هذه المعاني دقائق العلوم
الفصل السابع والعشرون فيه كتاب أساس المريدين
الفصل السابع والعشرون فيه كتاب أساس المريدين
قال بعض العلماء : الخلق محجوبون بثلاث ؛ حب الدرهم ، وطلب الرياسة وطاعة النساء ، وقال بعض العارفين : الذي قطع العباد عن الله عز وجل ثلاثة أشياء ؛ قلة الصدق في الإرادة ، ، والجهل بالطريق ، ونطق علماء السوء بالهوى ، وقال بعض علمائنا : إذا كان المطلوب محجوبا والدليل مفقودا والاختلاف موجودا لم ينكشف الحق ، وإذا لم ينكشف الحق تحير المريد ، واعلم أن المريد لابد له من خصال سبع : الصدق في الإرادة وعلامته إعداد العدة ولا بد له من التسبب إلى الطاعة وعلامة ذلك هجر قرناء السوء ولا بد له من المعرفة بحال نفسه وعلامة ذلك استكشاف آفات النفس ولا بد له من مجالسة عالم بالله وعلامة ذلك إيثاره على ماسواه ولا بد له من توبة نصوح فبذلك يجد حلاوة الطاعة ويثبت على المداومة وعلامة التوبة قطع أسباب الهوى والزهد فيما كانت النفس راغبة فيه ولا بد له من طعمة حلال لا يذمها العلم وعلامة ذلك الحلال المطالبة عنه وحلول العلم فيه يكون بسبب مباح وافق فيه حكم الشرع ولا بد له من قرين صالح يؤازره على ذلك وعلامة القرين الصالح معاونته على البر والتقوى ونهيه إياه عن الإثم والعدوان ، فهذه الخصال السبع قوت الإرادة لا قوام لها إلا بها ويستعين على هذه السبع بأربع هن أساس بنيانه وبها قوة أركانه ؛ أولها الجوع ، ثم السهر ، ثم الصمت ، ثم الخلوة ، فهذه الأربع سجن النفس وضيقها وضرب النفس وتقييدها بهن يضعف صفاتها وعليهن تحسن معاملاتها ولكل واحدة من الأربع صنعة حسنة في القلب ، فأما الجوع فإنه ينقص من دم القلب فيبيض وفي بياضه نوره ويذيب شحم الفؤاد وفي ذوبه رقته ورقته مفتاح كل خير لأن في القسوة مفتاح كل شر وإذا نقص دم القلب ضاق مسلك العدو منه لأن دم القلب مكانه فإذا رق القلب ضعف سلطان العدو منه لأن في غلظ القلب سلطانه والفلاسفة يقولون إن النفس كلية الدم وحجتهم في ذلك أن الإنسان إذا مات لم يفقد من جسمه إلا دمه مع روحه ، والعلماء منهم قالوا : الدم هو مكان النفس وهذا هو الصحيح لأنه مواطئ لما في التوراة سمعت أن في التوراة مكتوبا : ياموسى لا تأكل العروق فإنها مأوى كل نفس وهذا مصدق للحديث الذي روي أن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم فضيقوا مجاريه بالجوع والعطش ، وقدعبر علماء الكوفة عن الدم بالنفس فقالوا : إذا مات في الماء من الهوام ماليس له نفس سائلة لم ينجس يعنون الخنافس والصراصر والعناكب ، ففي الجوع نقصان الدم ونقصانه ضيق مسلك العدو وضعف مسكن النفس لسقوط مكانها ، وفي خبر عن عيسى عليه السلام : يامعشر الحواريين جوعوا بطونكم وعطشوا أكبادكم وأعروا أجسادكم لعل قلوبكم ترى الله عز وجل يعني بحقيقة الزهد وصفاء القلب ، فالجوع مفتاح الزهد وباب الآخرة وفيه ذل النفس واستكانتها وضعفها وانكسارها وفي ذلك حياة القلب وصلاحه وأقل ما في الجوع إيثار الصمت وفي الصمت السلامة وهي غاية للعقلاء ، وقال سهل رحمه الله : اجتمع الخير كله في هذه الأربع خصال ، وبها صار الإبدال إبدالا إخماص البطون والصمت والسهر والاعتزال عن الناس ، وقال : من لم يصبر على الجوع والضر لم يتحقق بهذا الأمر وكان عبد الواحد بن زيد يحلف بالله ما تحول الصديقون صديقين إلا بالجوع والسهر فإنه ينير القلب ويجلوه وفي استنارته معاينة الغيب وفي جلائه صفاء اليقين فتدخل الاستنارة والجلاء على البياض والرقة فيصير القلب كأنه كوكب دري في مرآة مجلوة ويشهد الغيب بالغيب فيزهد في الفاني لما عاين من الباقي وتقل رغبته في عاجل حظوظ هواه لما أبصر من وبال العقاب ويرغب في الطاعات لمشاهدة الآخرة ورفيع الدرجات فيصير الآجل عاجلا ويكون العاجل غائبا ويصير الغائب حاضرا والحاضر آفلا يطلبه ويرغب فيه فلا يحب الآفل ولا يبتغيه ويطلب الآجل ويرغب فيه وينكشف له عوار الدار ويظهر له بواطن الأسرار ويزول عنه كامن الإغترار فهناك صار العبد مؤمنا حقا بوصف حارثة الأنصاري إذ يقول : عزفت نفسي عن الدنيا وكأني أنظر إلى عرش ربي تعالى بارزا وكأني أنظر إلى أهل الجنة يتزاورون وإلى أهل النار يتعادون ، وكذلك وصف رسول الله صلى الله عليه وسلم قلب المؤن في قوله : القلوب أربعة ؛ قلب أجرد فيه سراج يزهر فذلك قلب المؤمن وانجراد القلب بالزهد في الدنيا وتجرده من الهوى وسراجه الذي يزهر فيه هو نور اليقين به يبصر الغيب وقال بعض علمائنا : من سهر أربعين ليلة خالصا كوشف بملكوت السماء وكان يقول اجتمع الخير كله في أربع ذكر منها سهر الليل واعلم أن نوم العلماء عن غلبة المنام بعد طول السهر بالقيام مكاشفة لهم وشهود وتقريب لهم منه وورود ومن صفة الإبدال أن يكون أكلهم فاقة ونومهم غلبة وكلامهم ضرورة ومن سهر بالليل لأجل الحبيب لم يخالفه بالنهار فإنه أسهره بالليل في خدمته ودخل الحسن ذات يوم إلى السوق فسمع لغطهم وكثرة كلامهم فقال أظن ليل هؤلاء ليل سوء ما يقيلون وفي الخبر قيلوا فإن الشياطين لا تقيل واستعينوا على قيام الليل بقائلة النهار وقد قيل في قوله عز وجل : ( واستعينوا بالصبر والصلاة ) البقرة : 54 قيل بالصوم على قيام الليل وقيل : استعينوا بالجوع وصلاة الليل على مجاهدة النفس وقيل : استعينوا بالصبر والصلاة على اجتناب النهي .
قال بعض العلماء : الخلق محجوبون بثلاث ؛ حب الدرهم ، وطلب الرياسة وطاعة النساء ، وقال بعض العارفين : الذي قطع العباد عن الله عز وجل ثلاثة أشياء ؛ قلة الصدق في الإرادة ، ، والجهل بالطريق ، ونطق علماء السوء بالهوى ، وقال بعض علمائنا : إذا كان المطلوب محجوبا والدليل مفقودا والاختلاف موجودا لم ينكشف الحق ، وإذا لم ينكشف الحق تحير المريد ، واعلم أن المريد لابد له من خصال سبع : الصدق في الإرادة وعلامته إعداد العدة ولا بد له من التسبب إلى الطاعة وعلامة ذلك هجر قرناء السوء ولا بد له من المعرفة بحال نفسه وعلامة ذلك استكشاف آفات النفس ولا بد له من مجالسة عالم بالله وعلامة ذلك إيثاره على ماسواه ولا بد له من توبة نصوح فبذلك يجد حلاوة الطاعة ويثبت على المداومة وعلامة التوبة قطع أسباب الهوى والزهد فيما كانت النفس راغبة فيه ولا بد له من طعمة حلال لا يذمها العلم وعلامة ذلك الحلال المطالبة عنه وحلول العلم فيه يكون بسبب مباح وافق فيه حكم الشرع ولا بد له من قرين صالح يؤازره على ذلك وعلامة القرين الصالح معاونته على البر والتقوى ونهيه إياه عن الإثم والعدوان ، فهذه الخصال السبع قوت الإرادة لا قوام لها إلا بها ويستعين على هذه السبع بأربع هن أساس بنيانه وبها قوة أركانه ؛ أولها الجوع ، ثم السهر ، ثم الصمت ، ثم الخلوة ، فهذه الأربع سجن النفس وضيقها وضرب النفس وتقييدها بهن يضعف صفاتها وعليهن تحسن معاملاتها ولكل واحدة من الأربع صنعة حسنة في القلب ، فأما الجوع فإنه ينقص من دم القلب فيبيض وفي بياضه نوره ويذيب شحم الفؤاد وفي ذوبه رقته ورقته مفتاح كل خير لأن في القسوة مفتاح كل شر وإذا نقص دم القلب ضاق مسلك العدو منه لأن دم القلب مكانه فإذا رق القلب ضعف سلطان العدو منه لأن في غلظ القلب سلطانه والفلاسفة يقولون إن النفس كلية الدم وحجتهم في ذلك أن الإنسان إذا مات لم يفقد من جسمه إلا دمه مع روحه ، والعلماء منهم قالوا : الدم هو مكان النفس وهذا هو الصحيح لأنه مواطئ لما في التوراة سمعت أن في التوراة مكتوبا : ياموسى لا تأكل العروق فإنها مأوى كل نفس وهذا مصدق للحديث الذي روي أن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم فضيقوا مجاريه بالجوع والعطش ، وقدعبر علماء الكوفة عن الدم بالنفس فقالوا : إذا مات في الماء من الهوام ماليس له نفس سائلة لم ينجس يعنون الخنافس والصراصر والعناكب ، ففي الجوع نقصان الدم ونقصانه ضيق مسلك العدو وضعف مسكن النفس لسقوط مكانها ، وفي خبر عن عيسى عليه السلام : يامعشر الحواريين جوعوا بطونكم وعطشوا أكبادكم وأعروا أجسادكم لعل قلوبكم ترى الله عز وجل يعني بحقيقة الزهد وصفاء القلب ، فالجوع مفتاح الزهد وباب الآخرة وفيه ذل النفس واستكانتها وضعفها وانكسارها وفي ذلك حياة القلب وصلاحه وأقل ما في الجوع إيثار الصمت وفي الصمت السلامة وهي غاية للعقلاء ، وقال سهل رحمه الله : اجتمع الخير كله في هذه الأربع خصال ، وبها صار الإبدال إبدالا إخماص البطون والصمت والسهر والاعتزال عن الناس ، وقال : من لم يصبر على الجوع والضر لم يتحقق بهذا الأمر وكان عبد الواحد بن زيد يحلف بالله ما تحول الصديقون صديقين إلا بالجوع والسهر فإنه ينير القلب ويجلوه وفي استنارته معاينة الغيب وفي جلائه صفاء اليقين فتدخل الاستنارة والجلاء على البياض والرقة فيصير القلب كأنه كوكب دري في مرآة مجلوة ويشهد الغيب بالغيب فيزهد في الفاني لما عاين من الباقي وتقل رغبته في عاجل حظوظ هواه لما أبصر من وبال العقاب ويرغب في الطاعات لمشاهدة الآخرة ورفيع الدرجات فيصير الآجل عاجلا ويكون العاجل غائبا ويصير الغائب حاضرا والحاضر آفلا يطلبه ويرغب فيه فلا يحب الآفل ولا يبتغيه ويطلب الآجل ويرغب فيه وينكشف له عوار الدار ويظهر له بواطن الأسرار ويزول عنه كامن الإغترار فهناك صار العبد مؤمنا حقا بوصف حارثة الأنصاري إذ يقول : عزفت نفسي عن الدنيا وكأني أنظر إلى عرش ربي تعالى بارزا وكأني أنظر إلى أهل الجنة يتزاورون وإلى أهل النار يتعادون ، وكذلك وصف رسول الله صلى الله عليه وسلم قلب المؤن في قوله : القلوب أربعة ؛ قلب أجرد فيه سراج يزهر فذلك قلب المؤمن وانجراد القلب بالزهد في الدنيا وتجرده من الهوى وسراجه الذي يزهر فيه هو نور اليقين به يبصر الغيب وقال بعض علمائنا : من سهر أربعين ليلة خالصا كوشف بملكوت السماء وكان يقول اجتمع الخير كله في أربع ذكر منها سهر الليل واعلم أن نوم العلماء عن غلبة المنام بعد طول السهر بالقيام مكاشفة لهم وشهود وتقريب لهم منه وورود ومن صفة الإبدال أن يكون أكلهم فاقة ونومهم غلبة وكلامهم ضرورة ومن سهر بالليل لأجل الحبيب لم يخالفه بالنهار فإنه أسهره بالليل في خدمته ودخل الحسن ذات يوم إلى السوق فسمع لغطهم وكثرة كلامهم فقال أظن ليل هؤلاء ليل سوء ما يقيلون وفي الخبر قيلوا فإن الشياطين لا تقيل واستعينوا على قيام الليل بقائلة النهار وقد قيل في قوله عز وجل : ( واستعينوا بالصبر والصلاة ) البقرة : 54 قيل بالصوم على قيام الليل وقيل : استعينوا بالجوع وصلاة الليل على مجاهدة النفس وقيل : استعينوا بالصبر والصلاة على اجتناب النهي .
قال بعض علمائنا : من سهر أربعين ليلة خالصا كوشف بملكوت السماء وكان يقول اجتمع الخير كله في أربع ذكر منها سهر الليل واعلم أن نوم العلماء عن غلبة المنام بعد طول السهر بالقيام مكاشفة لهم وشهود وتقريب لهم منه وورود ومن صفة الإبدال أن يكون أكلهم فاقة ونومهم غلبة وكلامهم ضرورة ومن سهر بالليل لأجل الحبيب لم يخالفه بالنهار فإنه أسهره بالليل في خدمته ودخل الحسن ذات يوم إلى السوق فسمع لغطهم وكثرة كلامهم فقال أظن ليل هؤلاء ليل سوء ما يقيلون وفي الخبر قيلوا فإن الشياطين لا تقيل واستعينوا على قيام الليل بقائلة النهار وقد قيل في قوله عز وجل : ( واستعينوا بالصبر والصلاة ) البقرة : 54 قيل بالصوم على قيام الليل وقيل : استعينوا بالجوع وصلاة الليل على مجاهدة النفس وقيل : استعينوا بالصبر والصلاة على اجتناب النهي . وأما الصمت فإنه يلقح العقل ويعلم الورع ويجلب التقوى ويجعل الله عز وجل به للعبد بالتأويل الصحيح والعلم الرجيح مخرجا ويوفقه بإيثار الصمت للقول السديد والعمل الرشيد ، وقد قال بعض السلف : تعلمت الصمت بحصاة جعلتها في فمي ثلاثين سنة كنت إذا هممت بالكلمة تلجلج بها لساني فيسكت ، وقال بعضهم : جعلت على نفسي بكل كلمة أتكلم بها فيما لا يعنيني صلاة ركعتين فسهل ذلك علي فجعلت على نفسي بكل كلمة صوم يوم فسهل علي فلم أنته حتى جعلت على نفسي بكل كلمة أن أتصدق بدرهم فصعب ذلك فانتهيت ، وقال عقبة بن عامر : يارسول الله فيم النجاة ؟ قال : أملك عليك لسانك وليسعك بيتك وابك على خطيئتك وقال صلى الله عليه وسلم في الخبر الجامع المختصر : من سره أن يسلم فليلزم الصمت وأوصى رسول الله صلى الله عليه وسلم معاذا بالصلاة والصيام وغير ذلك ثم قال في آخر وصيته : ألا أدلك على ماهو أملك لك من ذلك كله ، هذا وأومأ بيده إلى لسانه فقلت : يارسول الله وإنا لمؤاخذون بما تتكلم به ألسنتنا فقال : ثكلتك أمك يامعاذ وهل يكب الناس على مناخرهم في جهنم إلا حصائد ألسنتهم إنك ماسكت فإنك سالم فإذا تكلمت فإنما هو لك أو عليك وقال عبد الله بن سفيان عن أبيه ، قال : قلت يارسول الله أوصني بشيء في الإسلام لا أسأل عنه أحدا بعدك فقال : قل ربي الله ثم استقم قال : قلت فما أتقى بعد ذلك ، وفي لفظ آخر ذلك وفي لفط آخر فأخبرني بأضر شيء علي فقال هذا وأومأ إلى لسانه ، وفي الخبر لا يتقي العبد ربه تعالى حق تقاته حتى يخزن من لسانه . وفي الحديث لايصلح العبد حتى يستقيم قلبه ولا يستقيم قلبه حتى يستقيم لسانه وقال ابن مسعود : ليس شيء أحق بطول سجن من لسان ، وقال بعض السلف : فتشت الورع فما وجدت في شيء أقل منه في اللسان ، وقال بعض العلماء : مااستقام لسان عبد إلا عرفت الصلاح في سائر عمله وما اختلف لسانه إلا عرفت الفساد في سائر عمله وقال بعض الحكماء : إذا كثر العقل قل الكلام ، وإذا قل العقل كثر الكلام ، وقال أحمد بن حنبل : علماء أهل الكلام زنادقة ، وقال بعض هذه الطائفة : من تكلم فأحسن كثير ولكن الشأن فيمن يحسن أن يسكت ، وقال ذو النون المصري : الخوف يقلق والحياء يسكت ، وقال بعض العارفين : قد جزئ العلم على قسمين : نصفه سكوت ونصفه أن تدري أين تضعه ، وقال الضحاك بن مزاحم : أدركتهم وما يتعلمون إلا الصمت والورع وهم اليوم يتعلمون الكلام ، وقال الحسن عن أنس بن مالك : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أربع لا يصبن إلا بعجب الصمت وهو : أول العبادة ، والتواضع ، وذكر الله عز وجل ، وقلة الشيء ، وقال حماد بن زيد : قلت لأيوب : العلم اليوم أكثر أو فيما مضى ؟
قال بعض علمائنا : من سهر أربعين ليلة خالصا كوشف بملكوت السماء وكان يقول اجتمع الخير كله في أربع ذكر منها سهر الليل واعلم أن نوم العلماء عن غلبة المنام بعد طول السهر بالقيام مكاشفة لهم وشهود وتقريب لهم منه وورود ومن صفة الإبدال أن يكون أكلهم فاقة ونومهم غلبة وكلامهم ضرورة ومن سهر بالليل لأجل الحبيب لم يخالفه بالنهار فإنه أسهره بالليل في خدمته ودخل الحسن ذات يوم إلى السوق فسمع لغطهم وكثرة كلامهم فقال أظن ليل هؤلاء ليل سوء ما يقيلون وفي الخبر قيلوا فإن الشياطين لا تقيل واستعينوا على قيام الليل بقائلة النهار وقد قيل في قوله عز وجل : ( واستعينوا بالصبر والصلاة ) البقرة : 54 قيل بالصوم على قيام الليل وقيل : استعينوا بالجوع وصلاة الليل على مجاهدة النفس وقيل : استعينوا بالصبر والصلاة على اجتناب النهي . وأما الصمت فإنه يلقح العقل ويعلم الورع ويجلب التقوى ويجعل الله عز وجل به للعبد بالتأويل الصحيح والعلم الرجيح مخرجا ويوفقه بإيثار الصمت للقول السديد والعمل الرشيد ، وقد قال بعض السلف : تعلمت الصمت بحصاة جعلتها في فمي ثلاثين سنة كنت إذا هممت بالكلمة تلجلج بها لساني فيسكت ، وقال بعضهم : جعلت على نفسي بكل كلمة أتكلم بها فيما لا يعنيني صلاة ركعتين فسهل ذلك علي فجعلت على نفسي بكل كلمة صوم يوم فسهل علي فلم أنته حتى جعلت على نفسي بكل كلمة أن أتصدق بدرهم فصعب ذلك فانتهيت ، وقال عقبة بن عامر : يارسول الله فيم النجاة ؟ قال : أملك عليك لسانك وليسعك بيتك وابك على خطيئتك وقال صلى الله عليه وسلم في الخبر الجامع المختصر : من سره أن يسلم فليلزم الصمت وأوصى رسول الله صلى الله عليه وسلم معاذا بالصلاة والصيام وغير ذلك ثم قال في آخر وصيته : ألا أدلك على ماهو أملك لك من ذلك كله ، هذا وأومأ بيده إلى لسانه فقلت : يارسول الله وإنا لمؤاخذون بما تتكلم به ألسنتنا فقال : ثكلتك أمك يامعاذ وهل يكب الناس على مناخرهم في جهنم إلا حصائد ألسنتهم إنك ماسكت فإنك سالم فإذا تكلمت فإنما هو لك أو عليك وقال عبد الله بن سفيان عن أبيه ، قال : قلت يارسول الله أوصني بشيء في الإسلام لا أسأل عنه أحدا بعدك فقال : قل ربي الله ثم استقم قال : قلت فما أتقى بعد ذلك ، وفي لفظ آخر ذلك وفي لفط آخر فأخبرني بأضر شيء علي فقال هذا وأومأ إلى لسانه ، وفي الخبر لا يتقي العبد ربه تعالى حق تقاته حتى يخزن من لسانه . وفي الحديث لايصلح العبد حتى يستقيم قلبه ولا يستقيم قلبه حتى يستقيم لسانه وقال ابن مسعود : ليس شيء أحق بطول سجن من لسان ، وقال بعض السلف : فتشت الورع فما وجدت في شيء أقل منه في اللسان ، وقال بعض العلماء : مااستقام لسان عبد إلا عرفت الصلاح في سائر عمله وما اختلف لسانه إلا عرفت الفساد في سائر عمله وقال بعض الحكماء : إذا كثر العقل قل الكلام ، وإذا قل العقل كثر الكلام ، وقال أحمد بن حنبل : علماء أهل الكلام زنادقة ، وقال بعض هذه الطائفة : من تكلم فأحسن كثير ولكن الشأن فيمن يحسن أن يسكت ، وقال ذو النون المصري : الخوف يقلق والحياء يسكت ، وقال بعض العارفين : قد جزئ العلم على قسمين : نصفه سكوت ونصفه أن تدري أين تضعه ، وقال الضحاك بن مزاحم : أدركتهم وما يتعلمون إلا الصمت والورع وهم اليوم يتعلمون الكلام ، وقال الحسن عن أنس بن مالك : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أربع لا يصبن إلا بعجب الصمت وهو : أول العبادة ، والتواضع ، وذكر الله عز وجل ، وقلة الشيء ، وقال حماد بن زيد : قلت لأيوب : العلم اليوم أكثر أو فيما مضى ؟