Qur'an&Sunnahالقرآن

İbn Kayyim el-Cevziyye — Medâricü's-Sâlikîn

محمد بن أبي بكر أيوب الزرعي أبو عبد الله · AR

حصہ V02/P439–V02/P441İbn Kayyim el-Cevziyye — Medâricü's-Sâlikîn (s. V02/P439–V02/P441)
Orijinal Metin (AR)

وحقيقة الفقر وكماله كما قال بعضهم وقد سئل : متى يستحق الفقير اسم الفقر فقال : إذا لم يبق عليه بقية منه فقيل له : وكيف ذاك فقال : إذا كان له فليس له وإذا لم يكن له فهو له وهذه من أحسن العبارات عن معنى الفقر الذي يشير إليه القوم وهو أن يصير كله لله عز وجل لا يبقى عليه بقية من نفسه وحظه وهواه فمتى بقي عليه شيء من أحكام نفسه ففقره مدخول ثم فسر ذلك بقوله : إذا كان له فليس له أي إذا كان لنفسه فليس لله وإذا لم يكن لنفسه فهو لله فحقيقة الفقر أن لا تكون لنفسك ولا يكون لها منك شيء بحيث تكون كلك لله وإذا كنت لنفسك فثم ملك واستغناء مناف للفقر وهذا الفقر الذي يشيرون إليه : لا تنافيه الجدة ولا الأملاك فقد كان رسل الله وأنبياؤه في ذروته مع جدتهم وملكهم كإبراهيم الخليل كان أبا الضيفان وكانت له الأموال والمواشي وكذلك كان سليمان وداود عليهما السلام وكذلك كان نبينا كان كما قال الله تعالى : ووجدك عائلا فأغنى [ الضحى : 8 ] فكانوا أغنياء في فقرهم فقراء في غناهم فالفقر الحقيقي : دوام الافتقار إلى الله في كل حال وأن يشهد العبد في كل ذرة من ذراته الظاهرة والباطنة فاقة تامة إلى الله تعالى من كل وجه فالفقر ذاتي للعبد وإنما يتجدد له لشهوده ووجوده حالا وإلا فهو حقيقة كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه : والفقر لي وصف ذات لازم أبدا كما الغنى أبدا وصف له ذاتي وله آثار وعلامات وموجبات وأسباب أكثر إشارات القوم إليها كقول بعضهم : الفقير لا تسبق همته خطوته يريد : أنه ابن حاله ووقته فهمته مقصورة على وقته لاتتعداه وقيل : أركان الفقر أربعة : علم يسوسه وورع يحجزه ويقين يحمله وذكر يؤنسه وقال الشبلي : حقيقة الفقر أن لا يستغني بشيء دون الله وسئل سهل بن عبدالله : متى يستريح الفقير فقال : إذا لم ير لنفسه غير الوقت الذي هو فيه وقال أبو حفص : أحسن ما يتوسل به العبد إلى الله : دوام الافتقار إليه على جميع الأحوال وملازمة السنة في جميع الأفعال وطلب القوت من وجه حلال وقيل : من حكم الفقر : أن لا تكون له رغبة فإذا كان ولابد فلا تجاوز رغبته كفايته وقيل : الفقير من لا يملك ولا يملك وأتم من هذا : من يملك ولا يملكه مالك وقيل : من أراد الفقر لشرف الفقر مات فقيرا ومن أراده لئلا يشتغل عن الله بشيء مات غنيا و الفقر له بداية ونهاية وظاهر وباطن فبدايته : الذل ونهايته : العز وظاهره : العدم وباطنه : الغنى كما قال رجل لآخر : فقر وذل فقال : لا بل فقر وعز قال : فقر وثراء قال : لا بل فقر وعرش وكلاهما مصيب واتفقت كلمة القوم على أن دوام الافتقار إلى الله مع التخليط خير من دوام الصفاء مع رؤية النفس والعجب مع أنه لا صفاء معهما وإذا عرفت معنى الفقر علمت أنه عين الغنى بالله فلا معنى لسؤال من سأل : أي الحالين أكمل الافتقار إلى الله أم الاستغناء به فهذه مسألة غير صحيحة فإن الاستغناء به هو عين الافتقار إليه

اردو Tercümesi (Ehl-i Sünnet)

وحقيقة الفقر وكماله كما قال بعضهم وقد سئل : متى يستحق الفقير اسم الفقر فقال : إذا لم يبق عليه بقية منه فقيل له : وكيف ذاك فقال : إذا كان له فليس له وإذا لم يكن له فهو له وهذه من أحسن العبارات عن معنى الفقر الذي يشير إليه القوم وهو أن يصير كله لله عز وجل لا يبقى عليه بقية من نفسه وحظه وهواه فمتى بقي عليه شيء من أحكام نفسه ففقره مدخول ثم فسر ذلك بقوله : إذا كان له فليس له أي إذا كان لنفسه فليس لله وإذا لم يكن لنفسه فهو لله فحقيقة الفقر أن لا تكون لنفسك ولا يكون لها منك شيء بحيث تكون كلك لله وإذا كنت لنفسك فثم ملك واستغناء مناف للفقر وهذا الفقر الذي يشيرون إليه : لا تنافيه الجدة ولا الأملاك فقد كان رسل الله وأنبياؤه في ذروته مع جدتهم وملكهم كإبراهيم الخليل كان أبا الضيفان وكانت له الأموال والمواشي وكذلك كان سليمان وداود عليهما السلام وكذلك كان نبينا كان كما قال الله تعالى : ووجدك عائلا فأغنى [ الضحى : 8 ] فكانوا أغنياء في فقرهم فقراء في غناهم فالفقر الحقيقي : دوام الافتقار إلى الله في كل حال وأن يشهد العبد في كل ذرة من ذراته الظاهرة والباطنة فاقة تامة إلى الله تعالى من كل وجه فالفقر ذاتي للعبد وإنما يتجدد له لشهوده ووجوده حالا وإلا فهو حقيقة كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه : والفقر لي وصف ذات لازم أبدا كما الغنى أبدا وصف له ذاتي وله آثار وعلامات وموجبات وأسباب أكثر إشارات القوم إليها كقول بعضهم : الفقير لا تسبق همته خطوته يريد : أنه ابن حاله ووقته فهمته مقصورة على وقته لاتتعداه وقيل : أركان الفقر أربعة : علم يسوسه وورع يحجزه ويقين يحمله وذكر يؤنسه وقال الشبلي : حقيقة الفقر أن لا يستغني بشيء دون الله وسئل سهل بن عبدالله : متى يستريح الفقير فقال : إذا لم ير لنفسه غير الوقت الذي هو فيه وقال أبو حفص : أحسن ما يتوسل به العبد إلى الله : دوام الافتقار إليه على جميع الأحوال وملازمة السنة في جميع الأفعال وطلب القوت من وجه حلال وقيل : من حكم الفقر : أن لا تكون له رغبة فإذا كان ولابد فلا تجاوز رغبته كفايته وقيل : الفقير من لا يملك ولا يملك وأتم من هذا : من يملك ولا يملكه مالك وقيل : من أراد الفقر لشرف الفقر مات فقيرا ومن أراده لئلا يشتغل عن الله بشيء مات غنيا و الفقر له بداية ونهاية وظاهر وباطن فبدايته : الذل ونهايته : العز وظاهره : العدم وباطنه : الغنى كما قال رجل لآخر : فقر وذل فقال : لا بل فقر وعز قال : فقر وثراء قال : لا بل فقر وعرش وكلاهما مصيب واتفقت كلمة القوم على أن دوام الافتقار إلى الله مع التخليط خير من دوام الصفاء مع رؤية النفس والعجب مع أنه لا صفاء معهما وإذا عرفت معنى الفقر علمت أنه عين الغنى بالله فلا معنى لسؤال من سأل : أي الحالين أكمل الافتقار إلى الله أم الاستغناء به فهذه مسألة غير صحيحة فإن الاستغناء به هو عين الافتقار إليه

حصہ V02/P441–V02/P443İbn Kayyim el-Cevziyye — Medâricü's-Sâlikîn (s. V02/P441–V02/P443)
Orijinal Metin (AR)

وسئل عن ذلك محمد بن عبدالله الفرغاني فقال : إذا صح الافتقار إلى الله تعالى فقد صح الاستغناء بالله وإذا صح الاستغناء بالله كمل الغنى به فلا يقال أيهما أفضل : الافتقار أم الاستغناء لأنهما حالتان لا تتم إحداهما إلا بالأخرى وإما كلامهم في مسألة الفقير الصابر والغني الشاكر وترجيح أحدهما على صاحبه فعند أهل التحقيق والمعرفة : أن التفضيل لا يرجع إلى ذات الفقر والغنى وإنما يرجع إلى الأعمال والأحوال والحقائق فالمسألة أيضا فاسدة في نفسها فإن التفضيل : عند الله تعالى بالتقوى وحقائق الإيمان لا بفقر ولا غنى كما قال تعالى : إن أكرمكم عند الله أتقاكم [ الحجرات : 13 ] ولم يقل أفقركم ولا أغناكم قال شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه : والفقر والغنى ابتلاء من الله لعبده كما قال تعالى : فأما الإنسان إذا ما ابتلاه ربه فأكرمه ونعمه فيقول : ربي أكرمن وأما إذا ما ابتلاه فقدر عليه رزقه فيقول : ربي أهانن كلا [ الفحر : 1516 ] أي ليس كل من وسعت عليه وأعطيته : أكون قد أكرمته ولا كل من ضيقت عليه وقترت : أكون قد أهنته فالإكرام : أن يكرم الله العبد بطاعته والإيمان به ومحبته ومعرفته والإهانة : أن يسلبه ذلك قال يعني ابن تيمية ولا يقع التفاضل بالغني والفقر بل بالتقوى فإن استويا في التقوى استويا في الدرجة سمعته يقول ذلك وتذاكروا هذه المسألة عند يحيى بن معاذ فقال : لا يوزن غدا الفقر ولا الغنى وإنما يوزن الصبر والشكر وقال غيره : هذه المسألة محال من وجه آخر وهو أن كلا من الغني والفقير لابد له من صبر وشكر فإن الإيمان نصفان : نصف صبر ونصف شكر بل قد يكون نصيب الغني وقسطه من الصبر أوفر لأنه يصبر عن قدرة فصبره أتم من صبر من يصبر عن عجز ويكون شكر الفقير أتم لأن الشكر هو استفراغ الوسع في طاعة الله والفقير أعظم فراغا للشكر من الغني فكلاهما لا تقوم قائمة إيمانه إلا على ساقي الصبر والشكر نعم الذي يحكي الناس من هذه المسألة : فرعا من الشكر وفرعا من الصبر وأخذوا في الترجيح بينهما فجردوا غنيا منفقا متصدقا باذلا ماله في وجوه القرب شاكرا لله عليه وفقيرامتفرغا لطاعة الله ولأوراد العبادات من الطاعات صابرا على فقره فهل هو أكمل من ذلك الغني أم الغني أكمل منه فالصواب في مثل هذا : أن أكملهما أطوعهما فإن تساوت طاعتهما تساوت درجاتهما والله أعلم فصل قال صاحب المنازل رحمه الله : الفقر اسم للبراءة من الملكة عدل الشيخ عن لفظ عدم الملكة إلى قوله : البراءة من الملكة لأن عدم الملكة ثابت في نفس الأمر لكل أحد سوى الله تعالى فالله سبحانه هو المالك حقيقة فعدم الملكة : أمر ثابت لكل ما سواه لذاته والكلام في الفقر الذي يمدح به صاحبه : هو فقر الاختيار وهو أخص من مطلق الفقر وهو براءة العبد من دعوى الملك بحيث لا ينازع مالكه الحق ولما كانت نفس الإنسان ليست له وانما هي ملك لله فما لم يخرج عنها ويسلمها لمالكها ومولاها الحق : لم يثبت له في الفقر قدم فلذلك كان أول قدم الفقر : الخروج عن النفس وتسليمها لمالكها ومولاها فلا يخاصم لها ولا يتوكل لها ولا يحاجج عنها ولا ينتصر لها بل يفوض ذلك لمالكها وسيدها قال بندار بن الحسين : لا تخاصم لنفسك فإنها ليست لك دعها لمالكها يفعل بها ما يريد وقد أجمعت هذه الطائفة على أنه لا وصول إلى الله إلا من طريق الفقر ولا دخول عليه إلا من بابه والله اعلم فصل قال : وهو على ثلاث درجات الدرجة الاولى : فقر الزهاد وهو

اردو Tercümesi (Ehl-i Sünnet)

وسئل عن ذلك محمد بن عبدالله الفرغاني فقال : إذا صح الافتقار إلى الله تعالى فقد صح الاستغناء بالله وإذا صح الاستغناء بالله كمل الغنى به فلا يقال أيهما أفضل : الافتقار أم الاستغناء لأنهما حالتان لا تتم إحداهما إلا بالأخرى وإما كلامهم في مسألة الفقير الصابر والغني الشاكر وترجيح أحدهما على صاحبه فعند أهل التحقيق والمعرفة : أن التفضيل لا يرجع إلى ذات الفقر والغنى وإنما يرجع إلى الأعمال والأحوال والحقائق فالمسألة أيضا فاسدة في نفسها فإن التفضيل : عند الله تعالى بالتقوى وحقائق الإيمان لا بفقر ولا غنى كما قال تعالى : إن أكرمكم عند الله أتقاكم [ الحجرات : 13 ] ولم يقل أفقركم ولا أغناكم قال شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه : والفقر والغنى ابتلاء من الله لعبده كما قال تعالى : فأما الإنسان إذا ما ابتلاه ربه فأكرمه ونعمه فيقول : ربي أكرمن وأما إذا ما ابتلاه فقدر عليه رزقه فيقول : ربي أهانن كلا [ الفحر : 1516 ] أي ليس كل من وسعت عليه وأعطيته : أكون قد أكرمته ولا كل من ضيقت عليه وقترت : أكون قد أهنته فالإكرام : أن يكرم الله العبد بطاعته والإيمان به ومحبته ومعرفته والإهانة : أن يسلبه ذلك قال يعني ابن تيمية ولا يقع التفاضل بالغني والفقر بل بالتقوى فإن استويا في التقوى استويا في الدرجة سمعته يقول ذلك وتذاكروا هذه المسألة عند يحيى بن معاذ فقال : لا يوزن غدا الفقر ولا الغنى وإنما يوزن الصبر والشكر وقال غيره : هذه المسألة محال من وجه آخر وهو أن كلا من الغني والفقير لابد له من صبر وشكر فإن الإيمان نصفان : نصف صبر ونصف شكر بل قد يكون نصيب الغني وقسطه من الصبر أوفر لأنه يصبر عن قدرة فصبره أتم من صبر من يصبر عن عجز ويكون شكر الفقير أتم لأن الشكر هو استفراغ الوسع في طاعة الله والفقير أعظم فراغا للشكر من الغني فكلاهما لا تقوم قائمة إيمانه إلا على ساقي الصبر والشكر نعم الذي يحكي الناس من هذه المسألة : فرعا من الشكر وفرعا من الصبر وأخذوا في الترجيح بينهما فجردوا غنيا منفقا متصدقا باذلا ماله في وجوه القرب شاكرا لله عليه وفقيرامتفرغا لطاعة الله ولأوراد العبادات من الطاعات صابرا على فقره فهل هو أكمل من ذلك الغني أم الغني أكمل منه فالصواب في مثل هذا : أن أكملهما أطوعهما فإن تساوت طاعتهما تساوت درجاتهما والله أعلم فصل قال صاحب المنازل رحمه الله : الفقر اسم للبراءة من الملكة عدل الشيخ عن لفظ عدم الملكة إلى قوله : البراءة من الملكة لأن عدم الملكة ثابت في نفس الأمر لكل أحد سوى الله تعالى فالله سبحانه هو المالك حقيقة فعدم الملكة : أمر ثابت لكل ما سواه لذاته والكلام في الفقر الذي يمدح به صاحبه : هو فقر الاختيار وهو أخص من مطلق الفقر وهو براءة العبد من دعوى الملك بحيث لا ينازع مالكه الحق ولما كانت نفس الإنسان ليست له وانما هي ملك لله فما لم يخرج عنها ويسلمها لمالكها ومولاها الحق : لم يثبت له في الفقر قدم فلذلك كان أول قدم الفقر : الخروج عن النفس وتسليمها لمالكها ومولاها فلا يخاصم لها ولا يتوكل لها ولا يحاجج عنها ولا ينتصر لها بل يفوض ذلك لمالكها وسيدها قال بندار بن الحسين : لا تخاصم لنفسك فإنها ليست لك دعها لمالكها يفعل بها ما يريد وقد أجمعت هذه الطائفة على أنه لا وصول إلى الله إلا من طريق الفقر ولا دخول عليه إلا من بابه والله اعلم فصل قال : وهو على ثلاث درجات الدرجة الاولى : فقر الزهاد وهو

حصہ V02/P443–V02/P445İbn Kayyim el-Cevziyye — Medâricü's-Sâlikîn (s. V02/P443–V02/P445)
Orijinal Metin (AR)

قبض اليد عن الدنيا ضبطا أو طلبا وإسكات اللسان عنها مدحا أو ذما والسلامة منها طلبا أو تركا وهذا هو الفقر الذي تكلموا في شرفه الدنيا عند القوم : ماسوى الله تعالى من المال والجاه والصور والمراتب واختلف المتكلمون فيها على قولين حكاهما أبو الحسن الأشعري في مقالاته احدهما : أنها اسم لمدة بقاء هذا العالم والثاني : أنها اسم لما بين السماء والأرض فما فوق السماء ليس من الدنيا وما تحت الأرض ليس منها فعلى الاول : تكون الدنيا زمانا وعلى الثاني : تكون مكانا ولما كان لها تعلق بالجوارح والقلب واللسان كان حقيقة الفقر : تعطيل هذه الثلاثة عن تعلقها بها وسلبها منها فلذلك قال : قبض اليد عن الدنيا ضبطا أو طلبا يعني يقبض يده عن إمساكها إذا حصلت له فإذا قبض يده عن الامساك جاد بها وإن كانت غير حاصلة له كف يده عن طلبها فلا يطلب معدومها ولا يبخل بموجودها واما تعطيلها عن اللسان فهو أن لا يمدحها ولا يذمها فإن اشتغاله بمدحها أو ذمها دليل على محبتها ورغبته فيها فاإن من أحب شيئا أكثر من ذكره وإنما اشتغل بذمها حيث فاتته كمن طلب العنقود فلم يصل إليه فقال : هو حامض ولا يتصدى لذم الدنيا إلا راغب محب مفارق فالواصل مادح والمفارق ذام وأما تعطيل القلب منها فالسلامة من آفات طلبها وتركها فإن لتركها آفات ولطلبها آفات والفقر سلامة القلب من آفات الطلب والترك بحيث لا يحجبه عن ربه بوجه من الوجوه الظاهرة والباطنة لا في طلبها وأخذها ولا في تركها والرغبة عنها فان قلت : عرفت الآفة في أخذها وطلبها فما وجه الآفة في تركها والرغبة عنها قلت : من وجوه شتى أحدها : أنه إذا تركها وهو بشر لا ملك تعلق قلبه بما يقيمه ويقيته ويعيشه وما هو محتاج اليه فيبقى في مجاهدة شديدة مع نفسه لترك معلومها وحظها من الدنيا وهذه قلة فقه في الطريق بل الفقيه العارف : يردها عنه بلقمة كما يرد الكلب إذا نبح عليه بكسرة ولا يقطع زمانه بمجاهدته ومدافعته بل أعطاها حظها وطالبها بما عليها من الحق هذه طريقة الرسل وهي طريقة العارفين من أرباب السلوك كما قال النبي : إنلنفسك عليك حقا ولربك عليك حقا ولزوجك عليك حقا ولضيفك عليك حقا فأعط كلع ذي حق حقه والعارف البصير يجعل عوض مجاهدته لنفسه في ترك شهوة مباحة : مجاهدته لأعداء الله من شياطين الإنس والجن وقطاع الطريق على القلوب كأهل البدع من بني العلم وبني الإرادة ويستفرغ قواه في حربهم ومجاهدتهم ويتقوى على حربهم بإعطاء النفس حقها من المباح ولا يشتغل بها ومن آفات الترك : تطلعه إلى ما في أيدي الناس إذا مسته الحاجة إلى ما تركه فاستدامتها كان أنفع له من هذا الترك ومن افات تركها وعدم أخذها : ما يداخله من الكبر والعجب والزهو وهذا يقابل الزهد فيها وتركها كما أن كسرة الآخذ وذلته وتواضعه : يقابل الآخذ التارك ففي الأخذ آفات وفي الترك آفات فالفقر الصحيح : السلامة من آفات الأخذ والترك وهذا لا يحصل الا بفقه في الفقر قوله رحمه الله فهذا هو الفقر الذي تكلموا في شرفه يعني تكلم فيه أرباب السلوك وفضلوه ومدحوه فصل قال : الدرجة الثانية : الرجوع إلى السبق بمطالعة الفضل وهو يورث الخلاص من رؤية الاعمال ويقطع شهود الاحوال ويمحص من أدناس مطالعة المقامات

اردو Tercümesi (Ehl-i Sünnet)

قبض اليد عن الدنيا ضبطا أو طلبا وإسكات اللسان عنها مدحا أو ذما والسلامة منها طلبا أو تركا وهذا هو الفقر الذي تكلموا في شرفه الدنيا عند القوم : ماسوى الله تعالى من المال والجاه والصور والمراتب واختلف المتكلمون فيها على قولين حكاهما أبو الحسن الأشعري في مقالاته احدهما : أنها اسم لمدة بقاء هذا العالم والثاني : أنها اسم لما بين السماء والأرض فما فوق السماء ليس من الدنيا وما تحت الأرض ليس منها فعلى الاول : تكون الدنيا زمانا وعلى الثاني : تكون مكانا ولما كان لها تعلق بالجوارح والقلب واللسان كان حقيقة الفقر : تعطيل هذه الثلاثة عن تعلقها بها وسلبها منها فلذلك قال : قبض اليد عن الدنيا ضبطا أو طلبا يعني يقبض يده عن إمساكها إذا حصلت له فإذا قبض يده عن الامساك جاد بها وإن كانت غير حاصلة له كف يده عن طلبها فلا يطلب معدومها ولا يبخل بموجودها واما تعطيلها عن اللسان فهو أن لا يمدحها ولا يذمها فإن اشتغاله بمدحها أو ذمها دليل على محبتها ورغبته فيها فاإن من أحب شيئا أكثر من ذكره وإنما اشتغل بذمها حيث فاتته كمن طلب العنقود فلم يصل إليه فقال : هو حامض ولا يتصدى لذم الدنيا إلا راغب محب مفارق فالواصل مادح والمفارق ذام وأما تعطيل القلب منها فالسلامة من آفات طلبها وتركها فإن لتركها آفات ولطلبها آفات والفقر سلامة القلب من آفات الطلب والترك بحيث لا يحجبه عن ربه بوجه من الوجوه الظاهرة والباطنة لا في طلبها وأخذها ولا في تركها والرغبة عنها فان قلت : عرفت الآفة في أخذها وطلبها فما وجه الآفة في تركها والرغبة عنها قلت : من وجوه شتى أحدها : أنه إذا تركها وهو بشر لا ملك تعلق قلبه بما يقيمه ويقيته ويعيشه وما هو محتاج اليه فيبقى في مجاهدة شديدة مع نفسه لترك معلومها وحظها من الدنيا وهذه قلة فقه في الطريق بل الفقيه العارف : يردها عنه بلقمة كما يرد الكلب إذا نبح عليه بكسرة ولا يقطع زمانه بمجاهدته ومدافعته بل أعطاها حظها وطالبها بما عليها من الحق هذه طريقة الرسل وهي طريقة العارفين من أرباب السلوك كما قال النبي : إنلنفسك عليك حقا ولربك عليك حقا ولزوجك عليك حقا ولضيفك عليك حقا فأعط كلع ذي حق حقه والعارف البصير يجعل عوض مجاهدته لنفسه في ترك شهوة مباحة : مجاهدته لأعداء الله من شياطين الإنس والجن وقطاع الطريق على القلوب كأهل البدع من بني العلم وبني الإرادة ويستفرغ قواه في حربهم ومجاهدتهم ويتقوى على حربهم بإعطاء النفس حقها من المباح ولا يشتغل بها ومن آفات الترك : تطلعه إلى ما في أيدي الناس إذا مسته الحاجة إلى ما تركه فاستدامتها كان أنفع له من هذا الترك ومن افات تركها وعدم أخذها : ما يداخله من الكبر والعجب والزهو وهذا يقابل الزهد فيها وتركها كما أن كسرة الآخذ وذلته وتواضعه : يقابل الآخذ التارك ففي الأخذ آفات وفي الترك آفات فالفقر الصحيح : السلامة من آفات الأخذ والترك وهذا لا يحصل الا بفقه في الفقر قوله رحمه الله فهذا هو الفقر الذي تكلموا في شرفه يعني تكلم فيه أرباب السلوك وفضلوه ومدحوه فصل قال : الدرجة الثانية : الرجوع إلى السبق بمطالعة الفضل وهو يورث الخلاص من رؤية الاعمال ويقطع شهود الاحوال ويمحص من أدناس مطالعة المقامات

حصہ V02/P445–V02/P447İbn Kayyim el-Cevziyye — Medâricü's-Sâlikîn (s. V02/P445–V02/P447)
Orijinal Metin (AR)

يريد بالرجوع إلى السبق : الالتفات إلى ما سبقت به السابقة من الله بمطالعة فضله ومنته وجوده وأن العبد وكل ما فيه من خير فهو محض جود الله وإحسانه وليس للعبد من ذاته سوى العدم وذاته وصفاته وإيمانه وأعماله كلها من فضل الله عليه فإذا شهد هذا وأحضره قلبه وتحقق به : خلصه من رؤية أعماله فإنه لا يراها إلا من الله وبالله وليست منه هو ولا به واتفقت كلمة الطائفة على أن رؤية الأعمال حجاب بين العبد وبين الله ويخلصه منها : شهود السبق ومطالعة الفضل وقوله : ويقطع شهود الأحوال لأنه إذا طالع سبق فضل الله : علم أن كل ما حصل له من حال أو غيره فهو محض جوده فلا يشهد له حالا مع الله ولا مقاما كما لم يشهد له عملا فقد جعل عدته للقاء ربه : فقره من أعماله وأحواله فهو لا يقدم عليه إلا بالفقر المحض فالفقر خير العلاقة التي بينه وبين ربه والنسبة التي ينتسب بها إليه والباب الذي يدخل منه عليه وكذلك قوله : يمحص من أدناس مطالعة المقامات هو من جنس التخلص من رؤية الأعمال والانقطاع عن رؤية شهود الأحوال ومطالعة المقامات : دنس عند هذه الطائفة فمطالعة الفضل يمحص من هذا الدنس والفرق بين الحال والمقام : أن الحال معنى يرد على القلب من غير اجتلاب له ولا اكتساب ولا تعمد و المقام يتوصل إليه بنوع كسب وطلب فالأحوال عندهم مواهب والمقامات مكاسب فالمقام يحصل ببذل المجهود وأما الحال : فمن عين الجود ولما دخل الواسطى نيسابور سأل أصحاب أبي عثمان : بماذا كان يأمركم شيخكم فقالوا : كان يأمر بالتزام الطاعات ورؤية التقصير فيها فقال : أمركم بالمجوسية المحضة هلا أمركم بالغيبة عنها برؤية منشئها ومجريها قلت : لم يأمرهم أبو عثمان رحمه الله إلا بالحنيفية المحضة وهي القيام بالأمر ومطالعة التقصير فيه وليس في هذا من رائحة المجوسية شيء فإنه إذا بذل الطاعة لله وبالله صانه ذلك عن الاتحاد والشرك وإذا شهد تقصيره فيها صانه عن الإعجاب فيكون قائما بإياك نعبد وإياك نستعين وأما ما أشار إليه الواسطي : فمشهد الفناء ولا ريب أن مشهد البقاء أكمل فإن من غاب عن طاعاته : لم يشهد تقصيره فيها ومن تمام العبودية : شهود التقصير فمشهد أبي عثمان أتم من مشهد الواسطي وأبو عثمان هذا : هو سعيد بن إسماعيل النيسابوري من جلة شيوخ القوم وعارفيهم وكان يقال : في الدنيا ثلاثة لا رابع لهم : أبو عثمان النيسابوري بنيسابور والجنيد ببغداد وأبو عبدالله بن الجلا بالشام وله كلام رفيع عال في التصوف والمعرفة وكان شديد الوصية باتباع السنة وتحكيمها ولزومها ولما حضرته الوفاة مزق ابنه قميصا على نفسه ففتح أبو عثمان عينيه وهو في السياق فقال : يا بني خلاف السنة في الظاهر علامة رياء في الباطن فصل قال : الدرجة الثالثة : الاضطرار والوقوع في يد التقطع الوجداني أو الاحتباس في بيداء قيد التجريد وهذا فقر الصوفية الاضطرار شهود كمال الضرورة والفاقة علما وحالا ويريد بالوقوع في يد التقطع الوجداني : حضرة الجمع التي ليس عندها آغيار فهي منقطعة عن الأغيار وحدانية في نفسها والوقوع في يدها : الاستسلام والإذعان لها والدخول في رقها وقد تقدم أن حضرة الجمع عندهم : هي شهود الحقيقة الكونية ورؤيتها بنور الكشف حيث يشهدها منشأ جميع الكائنات والكائنات عدم بالنسبة إليها و أما الاحتباس في بيداء قيد التجريد فهو تجريد الفردانية أن يشهد معها غيرها وهو الفناء عن شهود السوى وسمعى ذلك احتباسا لأنه منع نفسه عن شهود الأغيار وجعل للتجريد قيدا وهو التقيد بشهود الحقيقة

اردو Tercümesi (Ehl-i Sünnet)

يريد بالرجوع إلى السبق : الالتفات إلى ما سبقت به السابقة من الله بمطالعة فضله ومنته وجوده وأن العبد وكل ما فيه من خير فهو محض جود الله وإحسانه وليس للعبد من ذاته سوى العدم وذاته وصفاته وإيمانه وأعماله كلها من فضل الله عليه فإذا شهد هذا وأحضره قلبه وتحقق به : خلصه من رؤية أعماله فإنه لا يراها إلا من الله وبالله وليست منه هو ولا به واتفقت كلمة الطائفة على أن رؤية الأعمال حجاب بين العبد وبين الله ويخلصه منها : شهود السبق ومطالعة الفضل وقوله : ويقطع شهود الأحوال لأنه إذا طالع سبق فضل الله : علم أن كل ما حصل له من حال أو غيره فهو محض جوده فلا يشهد له حالا مع الله ولا مقاما كما لم يشهد له عملا فقد جعل عدته للقاء ربه : فقره من أعماله وأحواله فهو لا يقدم عليه إلا بالفقر المحض فالفقر خير العلاقة التي بينه وبين ربه والنسبة التي ينتسب بها إليه والباب الذي يدخل منه عليه وكذلك قوله : يمحص من أدناس مطالعة المقامات هو من جنس التخلص من رؤية الأعمال والانقطاع عن رؤية شهود الأحوال ومطالعة المقامات : دنس عند هذه الطائفة فمطالعة الفضل يمحص من هذا الدنس والفرق بين الحال والمقام : أن الحال معنى يرد على القلب من غير اجتلاب له ولا اكتساب ولا تعمد و المقام يتوصل إليه بنوع كسب وطلب فالأحوال عندهم مواهب والمقامات مكاسب فالمقام يحصل ببذل المجهود وأما الحال : فمن عين الجود ولما دخل الواسطى نيسابور سأل أصحاب أبي عثمان : بماذا كان يأمركم شيخكم فقالوا : كان يأمر بالتزام الطاعات ورؤية التقصير فيها فقال : أمركم بالمجوسية المحضة هلا أمركم بالغيبة عنها برؤية منشئها ومجريها قلت : لم يأمرهم أبو عثمان رحمه الله إلا بالحنيفية المحضة وهي القيام بالأمر ومطالعة التقصير فيه وليس في هذا من رائحة المجوسية شيء فإنه إذا بذل الطاعة لله وبالله صانه ذلك عن الاتحاد والشرك وإذا شهد تقصيره فيها صانه عن الإعجاب فيكون قائما بإياك نعبد وإياك نستعين وأما ما أشار إليه الواسطي : فمشهد الفناء ولا ريب أن مشهد البقاء أكمل فإن من غاب عن طاعاته : لم يشهد تقصيره فيها ومن تمام العبودية : شهود التقصير فمشهد أبي عثمان أتم من مشهد الواسطي وأبو عثمان هذا : هو سعيد بن إسماعيل النيسابوري من جلة شيوخ القوم وعارفيهم وكان يقال : في الدنيا ثلاثة لا رابع لهم : أبو عثمان النيسابوري بنيسابور والجنيد ببغداد وأبو عبدالله بن الجلا بالشام وله كلام رفيع عال في التصوف والمعرفة وكان شديد الوصية باتباع السنة وتحكيمها ولزومها ولما حضرته الوفاة مزق ابنه قميصا على نفسه ففتح أبو عثمان عينيه وهو في السياق فقال : يا بني خلاف السنة في الظاهر علامة رياء في الباطن فصل قال : الدرجة الثالثة : الاضطرار والوقوع في يد التقطع الوجداني أو الاحتباس في بيداء قيد التجريد وهذا فقر الصوفية الاضطرار شهود كمال الضرورة والفاقة علما وحالا ويريد بالوقوع في يد التقطع الوجداني : حضرة الجمع التي ليس عندها آغيار فهي منقطعة عن الأغيار وحدانية في نفسها والوقوع في يدها : الاستسلام والإذعان لها والدخول في رقها وقد تقدم أن حضرة الجمع عندهم : هي شهود الحقيقة الكونية ورؤيتها بنور الكشف حيث يشهدها منشأ جميع الكائنات والكائنات عدم بالنسبة إليها و أما الاحتباس في بيداء قيد التجريد فهو تجريد الفردانية أن يشهد معها غيرها وهو الفناء عن شهود السوى وسمعى ذلك احتباسا لأنه منع نفسه عن شهود الأغيار وجعل للتجريد قيدا وهو التقيد بشهود الحقيقة

حصہ V02/P447–V02/P450İbn Kayyim el-Cevziyye — Medâricü's-Sâlikîn (s. V02/P447–V02/P450)
Orijinal Metin (AR)

وجعل القيد بيداء لوجهين أحدهما : أن الأغيار تبيد فيه وتنعدم ولا يكون معه سواه والثاني : لسعته وفضائه فصاحب مشهده : في بيداء واسعة وإن احتبس في قيد شهوده وقوله : وهذا فقر الصوفية قد يفهم منه : أن التصوف أعلى عنده من الفقر فإن هذه الدرجة الثالثة التي هي أعلى درجات الفقر عنده هي من بعض مقامات الصوفية وطائفة تنازعه في ذلك وتقول : التصوف دون هذا المقام بكثير والتصوف وسيلة إلى هذا الفقر فإن التصوف خلق وهذا الفقر حقيقة وغاية لا غاية وراءها وقد تقدم ذكر الخلاف بين القوم في هذه المسألة وحكينا فيها ثلاثة أقوال هدين والثالث : أنه لا يفضل أحدهما على الآخر فإن كل واحد منهما لا تتم حقيقته إلا بالآخر وهذا قول الشاميين والله أعلم فصل ومن منازل إياك نعبد وإياك نستعين منزلة الغنى العالي وهو نوعان : غنى بالله وغنى عن غير الله وهما حقيقة الفقر ولكن أرباب الطريق أفردوا للغنى منزلة قال صاحب المنازل رحمه الله باب الغني قال الله تعالى : ووجدك عائلا فأغنى [ الضحى : 8 ] وفي الآية ثلاثة أقوال أحدها : أنه أغناه من المال بعد فقره : وهذا قول أكثر المفسرين لأنه قابله بقوله عائلا والعائل : هو المحتاج ليس ذا العيلة فأغناه من المال والثاني : أنه أرضاه بما أعطاه وأغناه به عن سواه فهو غنى قلب ونفس لا غنى مال وهو حقيقة الغنى والثالث : وهو الصحيح أنه يعم النوعين : نوعي الغنى فأغنى قلبه به وأغناه من المال ثم قال : الغنى اسم للملك التام يعني أن من كان مالكا من وجه دون وجه فليس بغني وعلى هذا : فلا يستحق اسم الغنى بالحقيقة إلا الله وكل ما سواه فقير إليه بالذات قال : وهو على ثلاث درجات الدرجة الأولى : غنى القلب وهو سلامته من السبب ومسالمته للحكم وخلاصه من الخصومة حقيقة غني القلب : تعلقه بالله وحده وحقيقة فقره المذموم : تعلقه بغيره فإذا تعلق بالله حصلت له هذه الثلاثة التي ذكرها سلامته من السبب أي من التعلق به لا من القيام به والغني عند أهل الغفلة بالسبب ولذلك قلوبهم معلقة به وعند العارفين بالمسبب وكذلك الصناعة والقوة فهذه الثلاثة : هي جهات الغنى عند الناس وهي التي أشار إليها النبي في قوله : إن الصدقة لا تحل لغني ولا لذي مرة سوى وفي رواية ولا لقوي مكتسب وهو غني بالشيء فصاحبها غني بها إذا سكنت نفسه إليها وإن كان سكونه إلى ربه : فهو غني به وكل ما سكنت النفس إليه فهي فقيرة إليه وأما مسالمة الحكم فعلى نوعين أحدهما : مسالمة الحكم الديني الأمري وهي معانقته وموافقته ضد محاربته والثاني : مسالمة الحكم الكوني القدري الذي يجري عليه بغير اختباره ولا قدره له على دفعه وهو غير مأمور بدفعه وفي مسالمة الحكم نكتة لابد منها وهي تجريد إضافته ونسبته إلى من صدر عنه بحيث لا ينسبه إلى غيره وهذا يتضمن توحيد الربوبية في مسالمة الحكم الكوني وتوحيد الإلهية في مسألمة الحكم الديني وهما حقيقة إياك نعبد وإياك نستعين وأما الخلاص من الخصومة فإنما يحمد منه : الخلاص من الخصومة بنفسه لنفسه وأما إذا خاصم بالله ولله : فهذا من كمال العبودية وكان النبي يقول في استفتاحه : اللهم لك أسلمت وبك آمنت وعليك توكلت وإليك أنبت وبك خاصمت وإليك حاكمت فصل قال : الدرجة الثانية : غنى النفس وهو استقامتها على المرغوب

اردو Tercümesi (Ehl-i Sünnet)

وجعل القيد بيداء لوجهين أحدهما : أن الأغيار تبيد فيه وتنعدم ولا يكون معه سواه والثاني : لسعته وفضائه فصاحب مشهده : في بيداء واسعة وإن احتبس في قيد شهوده وقوله : وهذا فقر الصوفية قد يفهم منه : أن التصوف أعلى عنده من الفقر فإن هذه الدرجة الثالثة التي هي أعلى درجات الفقر عنده هي من بعض مقامات الصوفية وطائفة تنازعه في ذلك وتقول : التصوف دون هذا المقام بكثير والتصوف وسيلة إلى هذا الفقر فإن التصوف خلق وهذا الفقر حقيقة وغاية لا غاية وراءها وقد تقدم ذكر الخلاف بين القوم في هذه المسألة وحكينا فيها ثلاثة أقوال هدين والثالث : أنه لا يفضل أحدهما على الآخر فإن كل واحد منهما لا تتم حقيقته إلا بالآخر وهذا قول الشاميين والله أعلم فصل ومن منازل إياك نعبد وإياك نستعين منزلة الغنى العالي وهو نوعان : غنى بالله وغنى عن غير الله وهما حقيقة الفقر ولكن أرباب الطريق أفردوا للغنى منزلة قال صاحب المنازل رحمه الله باب الغني قال الله تعالى : ووجدك عائلا فأغنى [ الضحى : 8 ] وفي الآية ثلاثة أقوال أحدها : أنه أغناه من المال بعد فقره : وهذا قول أكثر المفسرين لأنه قابله بقوله عائلا والعائل : هو المحتاج ليس ذا العيلة فأغناه من المال والثاني : أنه أرضاه بما أعطاه وأغناه به عن سواه فهو غنى قلب ونفس لا غنى مال وهو حقيقة الغنى والثالث : وهو الصحيح أنه يعم النوعين : نوعي الغنى فأغنى قلبه به وأغناه من المال ثم قال : الغنى اسم للملك التام يعني أن من كان مالكا من وجه دون وجه فليس بغني وعلى هذا : فلا يستحق اسم الغنى بالحقيقة إلا الله وكل ما سواه فقير إليه بالذات قال : وهو على ثلاث درجات الدرجة الأولى : غنى القلب وهو سلامته من السبب ومسالمته للحكم وخلاصه من الخصومة حقيقة غني القلب : تعلقه بالله وحده وحقيقة فقره المذموم : تعلقه بغيره فإذا تعلق بالله حصلت له هذه الثلاثة التي ذكرها سلامته من السبب أي من التعلق به لا من القيام به والغني عند أهل الغفلة بالسبب ولذلك قلوبهم معلقة به وعند العارفين بالمسبب وكذلك الصناعة والقوة فهذه الثلاثة : هي جهات الغنى عند الناس وهي التي أشار إليها النبي في قوله : إن الصدقة لا تحل لغني ولا لذي مرة سوى وفي رواية ولا لقوي مكتسب وهو غني بالشيء فصاحبها غني بها إذا سكنت نفسه إليها وإن كان سكونه إلى ربه : فهو غني به وكل ما سكنت النفس إليه فهي فقيرة إليه وأما مسالمة الحكم فعلى نوعين أحدهما : مسالمة الحكم الديني الأمري وهي معانقته وموافقته ضد محاربته والثاني : مسالمة الحكم الكوني القدري الذي يجري عليه بغير اختباره ولا قدره له على دفعه وهو غير مأمور بدفعه وفي مسالمة الحكم نكتة لابد منها وهي تجريد إضافته ونسبته إلى من صدر عنه بحيث لا ينسبه إلى غيره وهذا يتضمن توحيد الربوبية في مسالمة الحكم الكوني وتوحيد الإلهية في مسألمة الحكم الديني وهما حقيقة إياك نعبد وإياك نستعين وأما الخلاص من الخصومة فإنما يحمد منه : الخلاص من الخصومة بنفسه لنفسه وأما إذا خاصم بالله ولله : فهذا من كمال العبودية وكان النبي يقول في استفتاحه : اللهم لك أسلمت وبك آمنت وعليك توكلت وإليك أنبت وبك خاصمت وإليك حاكمت فصل قال : الدرجة الثانية : غنى النفس وهو استقامتها على المرغوب

حصہ V02/P450–V02/P452İbn Kayyim el-Cevziyye — Medâricü's-Sâlikîn (s. V02/P450–V02/P452)
Orijinal Metin (AR)

وسلامتها من الحظوظ وبراءتها من المراءاة جعل الشيخ : غنى النفس فوق غنى القلب ومعلوم : أن أمور القلب أكمل وأقوى من أمور النفس لكن في هذا الترتيب نكتة لطيفة وهي أن النفس من جند القلب ورعيته وهي من أشد جنده خلافا عليه وشقاقا له ومن قبلها تتشوش عليه المملكة ويدخل عليه الداخل فإذا حصل له كمال بالغنى : لم يتم له إلا بغناها أيضا فإنها متى كانت فقيرة عاد حكم فقرها عليه وتشوش عليه غناه فكان غناها تماما لغناه وكمالا له وغناه أصلا بغناها فمنه يصل الغنى إليها ومنها يصل الفقر والضرر والعنت إليه إذا عرف هذا فالشيخ جعل غناها بثلاثة أشياء : استقامتها على المرغوب وهو الحق تعالى واستقامتها عليه : استدامة طلبه وقطع المنازل بالسير إليه الثاني : سلامتها من الحظوظ وهي تعلقاتها الظاهرة والباطنة بما سوى الله الثالث : براءتها من المراءاة وهي إرادة غير الله بشيء من أعمالها وأقوالها فمراءاتها دليل على شدة فقرها وتعلقها بالحظوظ من فقرها أيضا وعدم استقامتها على مطلوبها الحق أيضا : من فقرها وذلك يدل على أنها غير واجدة لله إذ لو وجدته لاستقامت على السير إليه ولقطعت تعلقاتها وحظوظها من غيره ولما أرادت بعملها غيره فلا تستقيم هذه الثلاثة إلا لمن قد ظفر بنفسه ووجد مطلوبه وما لم يجد ربه تعالى فلا استقامة له ولا سلامة لها من الحظوظ ولا براءة لها من الرياء فصل قال : الدرجة الثالثة : الغنى بالحق وهو على ثلاث مراتب المرتبة الأولى : شهود ذكره إياك والثانية : دوام مطالعة أوليته والثالثة : الفوز بوجوده أما شهود ذكره إياك فقد تقدم قريبا وأما مطالعة أوليته فهو سبقه للأشياء جميعا فهو الأول الذي ليس قبله شيء قال بعضهم : ما رأيت شيئا إلا وقد رأيت الله قبله فإن قلت : وأي غنى يحصل للقلب للقلب من مطالعة أولية الرب وسبقه لكل شيء ومعلوم أن هذا حاصل لكل أحد من غني أو فقير فما وجه الغنى الحاصل به قلت : إذا شهد القلب سبقه للأسباب وأنها كانت في حيز العدم وهو الذي كساها حلة الوجود فهي معدومة بالذات فقيرة إليه بالذات وهو الموجود بذاته والغني بذاته لا بغيره فليس الغنى في الحقيقة إلا به كما أنه ليس في الحقيقة إلا له فالغنى بغيره : عين الفقر فإنه غني بمعدوم فقير وفقير كيف يستغني بفقير مثله وأما الفوز بوجوده فإشارة القوم كلهم إلى هذا المعنى وهو نهاية سفرهم وفي الأثر الإلهي : ابن آدم اطلبني تجدني فإن وجدتني وجدت كل شيء وإن فتك فاتك كل شيء وأنا أحب إليك من كل شيء ومن لم يعلم معنى وجوده لله عز وجل والفوز به : فليحث على رأسه الرماد وليبك على نفسه والله أعلم فصل ومن منازل إياك نعبد وإياك نستعين منزلة المراد أفردها القوم بالذكر وفي الحقيقة : فكل مريد مراد بل لم يصر مريدا إلا بعد أن كان مرادا لكن القوم خصوا المريد بالمبتدىء و المراد بالمنتهي قال أبو علي الدقاق : المريد متحمل والمراد محمول وقد كان موسى مريدا إذ : قال : رب اشرح لي صدري [ طه : 25 ] ونبينا كان مرادا إذ قيل له : ألم نشرح لك صدرك وسئل الجنيد عن المريد والمراد فقال : المريد يتولى سياسته العلم والمراد : يتولى رعايته الحق لأن المريد يسير والمراد يطير فمتى يلحق السائر الطائر فصل قال صاحب المنازل : باب المراد قال الله تعالى : وما كنت ترجو أن يلقى إليك الكتاب إلا رحمة من ربك [ القصص : 86 ] أكثر المتكلمين في هذا العلم جعلوا المريد والمراد اثنين وجعلوا مقام المراد فوق مقام المريد وإنما أشاروا باسم المراد إلى الضنائن الذين ورد فيهم الخبر

اردو Tercümesi (Ehl-i Sünnet)

وسلامتها من الحظوظ وبراءتها من المراءاة جعل الشيخ : غنى النفس فوق غنى القلب ومعلوم : أن أمور القلب أكمل وأقوى من أمور النفس لكن في هذا الترتيب نكتة لطيفة وهي أن النفس من جند القلب ورعيته وهي من أشد جنده خلافا عليه وشقاقا له ومن قبلها تتشوش عليه المملكة ويدخل عليه الداخل فإذا حصل له كمال بالغنى : لم يتم له إلا بغناها أيضا فإنها متى كانت فقيرة عاد حكم فقرها عليه وتشوش عليه غناه فكان غناها تماما لغناه وكمالا له وغناه أصلا بغناها فمنه يصل الغنى إليها ومنها يصل الفقر والضرر والعنت إليه إذا عرف هذا فالشيخ جعل غناها بثلاثة أشياء : استقامتها على المرغوب وهو الحق تعالى واستقامتها عليه : استدامة طلبه وقطع المنازل بالسير إليه الثاني : سلامتها من الحظوظ وهي تعلقاتها الظاهرة والباطنة بما سوى الله الثالث : براءتها من المراءاة وهي إرادة غير الله بشيء من أعمالها وأقوالها فمراءاتها دليل على شدة فقرها وتعلقها بالحظوظ من فقرها أيضا وعدم استقامتها على مطلوبها الحق أيضا : من فقرها وذلك يدل على أنها غير واجدة لله إذ لو وجدته لاستقامت على السير إليه ولقطعت تعلقاتها وحظوظها من غيره ولما أرادت بعملها غيره فلا تستقيم هذه الثلاثة إلا لمن قد ظفر بنفسه ووجد مطلوبه وما لم يجد ربه تعالى فلا استقامة له ولا سلامة لها من الحظوظ ولا براءة لها من الرياء فصل قال : الدرجة الثالثة : الغنى بالحق وهو على ثلاث مراتب المرتبة الأولى : شهود ذكره إياك والثانية : دوام مطالعة أوليته والثالثة : الفوز بوجوده أما شهود ذكره إياك فقد تقدم قريبا وأما مطالعة أوليته فهو سبقه للأشياء جميعا فهو الأول الذي ليس قبله شيء قال بعضهم : ما رأيت شيئا إلا وقد رأيت الله قبله فإن قلت : وأي غنى يحصل للقلب للقلب من مطالعة أولية الرب وسبقه لكل شيء ومعلوم أن هذا حاصل لكل أحد من غني أو فقير فما وجه الغنى الحاصل به قلت : إذا شهد القلب سبقه للأسباب وأنها كانت في حيز العدم وهو الذي كساها حلة الوجود فهي معدومة بالذات فقيرة إليه بالذات وهو الموجود بذاته والغني بذاته لا بغيره فليس الغنى في الحقيقة إلا به كما أنه ليس في الحقيقة إلا له فالغنى بغيره : عين الفقر فإنه غني بمعدوم فقير وفقير كيف يستغني بفقير مثله وأما الفوز بوجوده فإشارة القوم كلهم إلى هذا المعنى وهو نهاية سفرهم وفي الأثر الإلهي : ابن آدم اطلبني تجدني فإن وجدتني وجدت كل شيء وإن فتك فاتك كل شيء وأنا أحب إليك من كل شيء ومن لم يعلم معنى وجوده لله عز وجل والفوز به : فليحث على رأسه الرماد وليبك على نفسه والله أعلم فصل ومن منازل إياك نعبد وإياك نستعين منزلة المراد أفردها القوم بالذكر وفي الحقيقة : فكل مريد مراد بل لم يصر مريدا إلا بعد أن كان مرادا لكن القوم خصوا المريد بالمبتدىء و المراد بالمنتهي قال أبو علي الدقاق : المريد متحمل والمراد محمول وقد كان موسى مريدا إذ : قال : رب اشرح لي صدري [ طه : 25 ] ونبينا كان مرادا إذ قيل له : ألم نشرح لك صدرك وسئل الجنيد عن المريد والمراد فقال : المريد يتولى سياسته العلم والمراد : يتولى رعايته الحق لأن المريد يسير والمراد يطير فمتى يلحق السائر الطائر فصل قال صاحب المنازل : باب المراد قال الله تعالى : وما كنت ترجو أن يلقى إليك الكتاب إلا رحمة من ربك [ القصص : 86 ] أكثر المتكلمين في هذا العلم جعلوا المريد والمراد اثنين وجعلوا مقام المراد فوق مقام المريد وإنما أشاروا باسم المراد إلى الضنائن الذين ورد فيهم الخبر

حصہ V02/P452–V02/P455İbn Kayyim el-Cevziyye — Medâricü's-Sâlikîn (s. V02/P452–V02/P455)
Orijinal Metin (AR)

قلت : وجه استشهاده بالآية : أن الله سبحانه ألقى إلى رسوله كتابه وخصه بكرامته وأهله لرسالته ونبوته من غير أن يكون ذلك منه على رجاء أو ناله بكسب أو توسل إليه بعمل بل هو أمر أريد به فهو المراد حقيقة وقوله : إن أكثرهم جعلوا المريد والمراد اثنين فهو تعرض إلى أن منهم من اكتفى عن ذكر مقام المراد بمنزلة الإرادة لأن صاحبها مريد مرادوأما إشارتهم إلى الضنائن فالمراد به : حديث يروى مرفوعا إلى النبي : إن لله ضنائن من خلقه يحييهم في عافية ويميتهم في عافية و الضنائن الخصائص يقال : هو ضنتي من بين الناس بكسر الضاد أي الذي أختص به وأضن بجودته أي أبخل بها أن أضيعها وقد مثل للمريد والمراد بقوم بعث إليهم سلطانهم يستدعيهم إلى حضرته من بلاد نائية وأرسل إليهم بالأدلة والأموال والمراكب وأنواع الزاد وأمرهم بأن يتجشموا إليه قطع السبل والمفاوز وأن يجتهدوا في المسير حتى يلحقوا به وبعث خيلا له ومماليك إلى طائفة منهم فقال : احملوهم على هذه الخيل التي تسبق الركاب واخدموهم في طريقهم ولا تدعوهم يعانون مؤنة الشد والربط بل إذا نزلوا فأريحوهم ثم احملوهم حتى تقدموهم عليفلم يجد هؤلاء من مجاهدة السير ومكابدته ووعثاء السفر ما وجده غيرهم ومن الناس من يقول : المريد ينتقل من منزلة الإرادة إلى أن يصير مرادا فكان محبا فصار محبوبا فكل مريد صادق نهاية أمره : أن يكون مرادا وأكثرهم على هذا وصاحب المنازل كأن عنده المراد هو المجذوب و المريد هو السالك على طريق الجادة فصل قال : وللمراد ثلاث درجات الأولى أن يعصم العبد وهو مستشرف للجفاء اضطرارا بتنغيص الشهوات وتعويق الملاذ وسد مسالك المعاطب عليه إكراها يعني : أن العبد إذا استشرفت نفسه للجفاء بينه وبين سيده بموافقة شهواته عصمه سيده اضطرارا بأن ينغص عليه الشهوات فلا تصفو له ألبتة بل لا ينال ما ينال منها إلا مشوبا بأنواع التنغيص الذي ربما أربى على لذتها واستهلكها بحيث تكون اللذة في جنب التنغيص كالخلسة والغفوة وكذلك يعوق الملاذ عليه بأن يحول بينه وبينها حتى لا يركن إليها ولا يطمئن إليها ويساكنها فيحول بينه وبين أسبابها فإن هيئت له قيض له مدافع يحول بينه وبين استيفائها فيقول : من أين دهيت وإنما هي عين العناية والحمية والصيانة وكذلك يسد عنه طرق المعاصي فإنها طرق المعاطب وإن كان كارها عناية به وصيانة له فصل قال : الدرجة الثانية : أن يضع عن العبد عوارض النقص ويعافيه من سمة اللائمة ويملكه عواقب الهفوات كما فعل بسليمان عليه السلام حين قتل الخيل فحمله على الريح الرخاء فأغناه عن الخيل وفعل بموسى عليه السلام حين ألقى الألواح وأخذ برأس أخيه ولم يعتب عليه كما عتب على آدم عليه السلام ونوح ودواد ويونس عليهم السلام والفرق بين هذه الدرجة والتي قبلها : أن في التي قبلها منعا من مواقعة أسباب الجفاء اضطرارا وفي هذه : إذا عرضت له أسباب النقيصة التي يستحق عليها اللائمة لم يعتبه عليها ولم يلمه وهذا نوع من الدلال وصاحبه من ضنائن الله وأحبابه فإن الحبيب يسامح بما لا يسامح به سواه لأن المحبة أكبر شفعائه وإذا هفا هفوة ملكه عاقبتها بأن جعلها سببا لرفعته وعلو درجته فيجعل تلك الهفوة سببا لتوبة نصوح وذل خاص وانكسار بين يديه وأعمال صالحة تزيد في قربه منه أضعاف ما كان عليه قبل الهفوة فتكون تلك الهفوة أنفع له من حسنات كثيرة وهذا من علامات اعتناء الله بالعبد وكونه من أحبابه وحزبه وقد استشهد الشيخ بقصة سليمان عليه السلام حين ألهته الخيل عن صلاة العصر فأخذته الغضبة لله والحمية فحملته على أن مسح عراقيبها وأعناقها بالسيف وأتلف مالا شغله عن الله في الله فعوضه الله منه : أن حمله على متن الريح فملكه الله تعالى عاقبة هذه الهفوة وجعلها سببا لنيل تلك المنزلة الرفيعة

اردو Tercümesi (Ehl-i Sünnet)

قلت : وجه استشهاده بالآية : أن الله سبحانه ألقى إلى رسوله كتابه وخصه بكرامته وأهله لرسالته ونبوته من غير أن يكون ذلك منه على رجاء أو ناله بكسب أو توسل إليه بعمل بل هو أمر أريد به فهو المراد حقيقة وقوله : إن أكثرهم جعلوا المريد والمراد اثنين فهو تعرض إلى أن منهم من اكتفى عن ذكر مقام المراد بمنزلة الإرادة لأن صاحبها مريد مرادوأما إشارتهم إلى الضنائن فالمراد به : حديث يروى مرفوعا إلى النبي : إن لله ضنائن من خلقه يحييهم في عافية ويميتهم في عافية و الضنائن الخصائص يقال : هو ضنتي من بين الناس بكسر الضاد أي الذي أختص به وأضن بجودته أي أبخل بها أن أضيعها وقد مثل للمريد والمراد بقوم بعث إليهم سلطانهم يستدعيهم إلى حضرته من بلاد نائية وأرسل إليهم بالأدلة والأموال والمراكب وأنواع الزاد وأمرهم بأن يتجشموا إليه قطع السبل والمفاوز وأن يجتهدوا في المسير حتى يلحقوا به وبعث خيلا له ومماليك إلى طائفة منهم فقال : احملوهم على هذه الخيل التي تسبق الركاب واخدموهم في طريقهم ولا تدعوهم يعانون مؤنة الشد والربط بل إذا نزلوا فأريحوهم ثم احملوهم حتى تقدموهم عليفلم يجد هؤلاء من مجاهدة السير ومكابدته ووعثاء السفر ما وجده غيرهم ومن الناس من يقول : المريد ينتقل من منزلة الإرادة إلى أن يصير مرادا فكان محبا فصار محبوبا فكل مريد صادق نهاية أمره : أن يكون مرادا وأكثرهم على هذا وصاحب المنازل كأن عنده المراد هو المجذوب و المريد هو السالك على طريق الجادة فصل قال : وللمراد ثلاث درجات الأولى أن يعصم العبد وهو مستشرف للجفاء اضطرارا بتنغيص الشهوات وتعويق الملاذ وسد مسالك المعاطب عليه إكراها يعني : أن العبد إذا استشرفت نفسه للجفاء بينه وبين سيده بموافقة شهواته عصمه سيده اضطرارا بأن ينغص عليه الشهوات فلا تصفو له ألبتة بل لا ينال ما ينال منها إلا مشوبا بأنواع التنغيص الذي ربما أربى على لذتها واستهلكها بحيث تكون اللذة في جنب التنغيص كالخلسة والغفوة وكذلك يعوق الملاذ عليه بأن يحول بينه وبينها حتى لا يركن إليها ولا يطمئن إليها ويساكنها فيحول بينه وبين أسبابها فإن هيئت له قيض له مدافع يحول بينه وبين استيفائها فيقول : من أين دهيت وإنما هي عين العناية والحمية والصيانة وكذلك يسد عنه طرق المعاصي فإنها طرق المعاطب وإن كان كارها عناية به وصيانة له فصل قال : الدرجة الثانية : أن يضع عن العبد عوارض النقص ويعافيه من سمة اللائمة ويملكه عواقب الهفوات كما فعل بسليمان عليه السلام حين قتل الخيل فحمله على الريح الرخاء فأغناه عن الخيل وفعل بموسى عليه السلام حين ألقى الألواح وأخذ برأس أخيه ولم يعتب عليه كما عتب على آدم عليه السلام ونوح ودواد ويونس عليهم السلام والفرق بين هذه الدرجة والتي قبلها : أن في التي قبلها منعا من مواقعة أسباب الجفاء اضطرارا وفي هذه : إذا عرضت له أسباب النقيصة التي يستحق عليها اللائمة لم يعتبه عليها ولم يلمه وهذا نوع من الدلال وصاحبه من ضنائن الله وأحبابه فإن الحبيب يسامح بما لا يسامح به سواه لأن المحبة أكبر شفعائه وإذا هفا هفوة ملكه عاقبتها بأن جعلها سببا لرفعته وعلو درجته فيجعل تلك الهفوة سببا لتوبة نصوح وذل خاص وانكسار بين يديه وأعمال صالحة تزيد في قربه منه أضعاف ما كان عليه قبل الهفوة فتكون تلك الهفوة أنفع له من حسنات كثيرة وهذا من علامات اعتناء الله بالعبد وكونه من أحبابه وحزبه وقد استشهد الشيخ بقصة سليمان عليه السلام حين ألهته الخيل عن صلاة العصر فأخذته الغضبة لله والحمية فحملته على أن مسح عراقيبها وأعناقها بالسيف وأتلف مالا شغله عن الله في الله فعوضه الله منه : أن حمله على متن الريح فملكه الله تعالى عاقبة هذه الهفوة وجعلها سببا لنيل تلك المنزلة الرفيعة

حصہ V02/P455–V02/P457İbn Kayyim el-Cevziyye — Medâricü's-Sâlikîn (s. V02/P455–V02/P457)
Orijinal Metin (AR)

واستشهد بقصة موسى حين ألقى الألواح وفيها كلام الله عن رأسه وكسرها وجر بلحية أخيه وهو نبي مثله ولم يعاتبه الله على ذلك كما عتب على آدم عليه السلام في أكل لقمة من الشجرة وعلى نوح في ابنه حين سأل ربه أن ينجيه وعلى داود في شأن امرأة أوريا وعلى يونس في شأن المغاضبة وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله يقول : وكذلك لطم موسى عين ملك الموت ففقأها ولم يعتب عليه ربه وفي ليلة الإسراء عاتب ربه في النبي إذ رفعه فوقه ورفع صوته بذلك ولم يعتبه الله على ذلك قال : لأن موسى عليه السلام قام تلك المقامات العظيمة التي أوجبت له هذا الدلال فإنه قاوم فرعون أكبر أعداء الله تعالى وتصدى له ولقومه وعالج بني إسرائيل أشد المعالجة وجاهد في الله أعداء الله أشد الجهاد وكان شديد الغضب لربه فاحتمل له ما لم يحتمله لغيره وذو النون لما لم يكن في هذا المقام : سجنه في بطن الحوت من غضبة وقد جعل الله لكل شيء قدرا فصل قال : الدرجة الثالثة : اجتباء الحق عبده واستخلاصه إياه بخالصته كما ابتدأ موسى وقد خرج يقتبس نارا فاصطنعه لنفسه وأبقى منه رسما معارا قلت : الاجتباء الاصطفاء والإيثار والتخصيص وهو افتعال من جبيت الشيء : إذا حزته وأحرزته إليك كجباية المال وغيره و الاصطناع أيضا الاصطفاء والاختيار يعني أنه اصطفى موسى واستخلصه لنفسه وجعله خالصا له من غير سبب كان من موسى ولا وسيلة فإنه خرج ليقتبس النار فرجع وهو كليم الواحد القهار وأكرم الخلق عليه ابتداء منه سبحانه من غير سابقة استحقاق ولا تقدم وسيلة وفي مثل هذا قيل : أيها العبد كن لما لست ترجو من صلاح أرجى لما أنت راجي إن موسى أتى ليقبس نارا من ضياء رآه والليل داجي فانثنى راجعا وقد كلمه الله وناجاه وهو خير مناجي وقوله : وأبقى منه رسما معارا يحتمل أن يريد بالرسم : البقية التي تقدم بها عليه محمد ورفع فوقه بدرجات لأجل بقائها منه ويحتمل وهو الأظهر أنه أخذه من نفسه واصطنعه لنفسه واختاره من بين العالمين وخصه بكلامه ولم يبق له من نفسه إلا رسما مجردا يصحب به الخلق وتجري عليه فيه أحكام البشرية إتماما لحكمته وإظهارا لقدرته فهو عارية معه فإذا قضى ما عليه : استرد منه ذلك الرسم وجعله من ماله فتكملت إذ ذاك مرتبة الاجتباء ظاهرا وباطنا حقيقة ورسما ورجعت العارية إلى مالكها الحق الذي يرجع إليه الأمر كله فكما ابتدأت منه عادت إليه وموسى عليه السلام كان في مظهر الجلال ولهذا كانت شريعته شريعة جلال وقهر أمروا بقتل نفوسهم وحرمت عليهم الشحوم وذوات الظفر وغيرها من الطيبات وحرمت عليهم الغنائم وعجل لهم من العقوبات ما عجل وحملوا من الآصار والأغلال ما لم يحمله غيرهم وكان موسى من أعظم خلق الله هيبة ووقارا وأشدهم بأسا وغضبا لله وبطشا بأعداء الله وكان لا يستطاع النظر إليه وعيسى : كان في مظهر الجمال وكانت شريعته شريعة فضل وإحسان وكان لا يقاتل ولا يحارب وليس في شريعته قتال ألبتة والنصارى يحرم عليهم دينهم القتال وهم به عصاة لشرعه فإن الإنجيل يأمرهم فيه : أن : من لطمك على خدك الأيمن فأدر له خدك الأيسر ومن نازعك ثوبك فأعطه رداءك ومن سخرك ميلا فامش معه ميلين ونحو هذا وليس في شريعتهم مشقة ولا آصار ولا أغلال وإنما النصارى ابتدعوا تلك الرهبانية من قبل أنفسهم ولم تكتب عليهم

اردو Tercümesi (Ehl-i Sünnet)

واستشهد بقصة موسى حين ألقى الألواح وفيها كلام الله عن رأسه وكسرها وجر بلحية أخيه وهو نبي مثله ولم يعاتبه الله على ذلك كما عتب على آدم عليه السلام في أكل لقمة من الشجرة وعلى نوح في ابنه حين سأل ربه أن ينجيه وعلى داود في شأن امرأة أوريا وعلى يونس في شأن المغاضبة وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله يقول : وكذلك لطم موسى عين ملك الموت ففقأها ولم يعتب عليه ربه وفي ليلة الإسراء عاتب ربه في النبي إذ رفعه فوقه ورفع صوته بذلك ولم يعتبه الله على ذلك قال : لأن موسى عليه السلام قام تلك المقامات العظيمة التي أوجبت له هذا الدلال فإنه قاوم فرعون أكبر أعداء الله تعالى وتصدى له ولقومه وعالج بني إسرائيل أشد المعالجة وجاهد في الله أعداء الله أشد الجهاد وكان شديد الغضب لربه فاحتمل له ما لم يحتمله لغيره وذو النون لما لم يكن في هذا المقام : سجنه في بطن الحوت من غضبة وقد جعل الله لكل شيء قدرا فصل قال : الدرجة الثالثة : اجتباء الحق عبده واستخلاصه إياه بخالصته كما ابتدأ موسى وقد خرج يقتبس نارا فاصطنعه لنفسه وأبقى منه رسما معارا قلت : الاجتباء الاصطفاء والإيثار والتخصيص وهو افتعال من جبيت الشيء : إذا حزته وأحرزته إليك كجباية المال وغيره و الاصطناع أيضا الاصطفاء والاختيار يعني أنه اصطفى موسى واستخلصه لنفسه وجعله خالصا له من غير سبب كان من موسى ولا وسيلة فإنه خرج ليقتبس النار فرجع وهو كليم الواحد القهار وأكرم الخلق عليه ابتداء منه سبحانه من غير سابقة استحقاق ولا تقدم وسيلة وفي مثل هذا قيل : أيها العبد كن لما لست ترجو من صلاح أرجى لما أنت راجي إن موسى أتى ليقبس نارا من ضياء رآه والليل داجي فانثنى راجعا وقد كلمه الله وناجاه وهو خير مناجي وقوله : وأبقى منه رسما معارا يحتمل أن يريد بالرسم : البقية التي تقدم بها عليه محمد ورفع فوقه بدرجات لأجل بقائها منه ويحتمل وهو الأظهر أنه أخذه من نفسه واصطنعه لنفسه واختاره من بين العالمين وخصه بكلامه ولم يبق له من نفسه إلا رسما مجردا يصحب به الخلق وتجري عليه فيه أحكام البشرية إتماما لحكمته وإظهارا لقدرته فهو عارية معه فإذا قضى ما عليه : استرد منه ذلك الرسم وجعله من ماله فتكملت إذ ذاك مرتبة الاجتباء ظاهرا وباطنا حقيقة ورسما ورجعت العارية إلى مالكها الحق الذي يرجع إليه الأمر كله فكما ابتدأت منه عادت إليه وموسى عليه السلام كان في مظهر الجلال ولهذا كانت شريعته شريعة جلال وقهر أمروا بقتل نفوسهم وحرمت عليهم الشحوم وذوات الظفر وغيرها من الطيبات وحرمت عليهم الغنائم وعجل لهم من العقوبات ما عجل وحملوا من الآصار والأغلال ما لم يحمله غيرهم وكان موسى من أعظم خلق الله هيبة ووقارا وأشدهم بأسا وغضبا لله وبطشا بأعداء الله وكان لا يستطاع النظر إليه وعيسى : كان في مظهر الجمال وكانت شريعته شريعة فضل وإحسان وكان لا يقاتل ولا يحارب وليس في شريعته قتال ألبتة والنصارى يحرم عليهم دينهم القتال وهم به عصاة لشرعه فإن الإنجيل يأمرهم فيه : أن : من لطمك على خدك الأيمن فأدر له خدك الأيسر ومن نازعك ثوبك فأعطه رداءك ومن سخرك ميلا فامش معه ميلين ونحو هذا وليس في شريعتهم مشقة ولا آصار ولا أغلال وإنما النصارى ابتدعوا تلك الرهبانية من قبل أنفسهم ولم تكتب عليهم

حصہ V02/P457–V02/P460İbn Kayyim el-Cevziyye — Medâricü's-Sâlikîn (s. V02/P457–V02/P460)
Orijinal Metin (AR)

وأما نبينا : فكان في مظهر الكمال الجامع لتلك القوة والعدل والشدة في الله وهذا اللين والرأفة والرحمة وشريعته أكمل الشرائع فهو نبي الكمال وشريعته شريعة الكمال وأمته أكمل الأمم وأحوالهم ومقاماتهم أكمل الأحوال والمقامات ولذلك تأتي شريعته بالعدل إيجابا له وفرضا وبالفضل ندبا إليه واستحبابا وبالشدة في موضع الشدة وباللين في موضع اللين ووضع السيف موضعه ووضع الندى موضعه فيذكر الظلم ويحرمه والعدل ويوجبه والفضل ويندب إليه في بعض آيات كقوله تعالى : وجزاء سيئة سيئة مثلها [ الشورى : 40 ] فهذا عدل فمن عفى وأصلح فأجره على الله فهذا فضل إنه لا يحب الظالمين فهذا تحريم للظلم وقوله : وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به [ النحل : 126 ] فهذا إيجاب للعدل وتحريم للظلم ولئن صبرتم لهو خير للصابرين ندب إلى الفضل وقوله : فأن تبتم فلكم رءوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون [ البقرة : 279280 تحريم للظلم وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة عدل وأن تصدقوا خير لكم إن كنتم تعلمون فضل وكذلك تحريم ما حرم على أمته صيانة وحمية حرم عليهم كل خبيث وضار وأباح لهم كل طيب ونافع فتحريمه عليهم رحمة وعلى من قبلهم لم يخل من عقوبة وهداهم لما ضلت عنه الأمم قبلهم ووهب لهم من علمه وحلمه وجعلهم خير أمة أخرجت للناس وكمل لهم من المحاسن ما فرقه في الأمم قبلهم كما كمل نبيهم من المحاسن بما فرقه في الأنبياء قبله وكمل في كتابه من المحاسن بما فرقها في الكتب قبله وكذلك في شريعته فهؤلاء الضنائن وهم المجتبون الأخيار كما قال تعالى لهم : هو اجتباكم وما جعل عليكم في الدين من حرج [ الحج : 78 ] وجعلهم شهداء على الناس فأقامهم في ذلك مقام الأنبياء الشاهدين على أممهم وتفصيل تفضيل هذه الأمة وخصائصها يستدعي سفرا بل أسفارا وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم فصل ومن منازل إياك نعبد وإياك نستعين منزلة الإحسان وهي لب الإيمان وروحه وكماله وهذه المنزلة تجمع جميع المنازل فجميعها منطوية فيها وكل ما قيل من أول الكتاب إلى ههنا فهو من الإحسان قال صاحب المنازل رحمه الله وقد استشهد على هذه المنزلة بقوله تعالى : هل جزاء الإحسان إلا الإحسان [ الرحمن : 60 ] : فالإحسان جامع لجميع أبواب الحقائق وهو أن تعبد الله كأنك تراه أما الآية : فقال ابن عباس رضي الله عنه والمفسرون : هل جزاء من قال : لا إله إلا الله وعمل بما جاء به محمد إلا الجنة وقد روى عن النبي أنه قرأ هل جزاء الإحسان إلا الإحسان [ الرحمن : 60 ] ثم قال : هل تدورن ماذا قال ربكم قالوا : الله ورسوله أعلم قال : يقول : هل جزاء من أنعمت عليه بالتوحيد إلا الجنة وأما الحديث : فإشارة إلى كمال الحضور مع الله عز وجل ومراقبته الجامعة لخشيته ومحبته ومعرفته والإنابة إليه والإخلاص له ولجميع مقامات الإيمان قال : وهو على ثلاث درجات الدرجة الأولى : الإحسان في القصد بتهذيبه علما وإبرامه عزما وتصفيته حالا يعني إحسان القصد يكون بثلاثة أشياء أحدها : تهذيبه علما بأن يجعله تابعا للعلم على مقتضاه مهذبا به منقى من شوائب الحظوظ فلا يقصد إلا ما يجوز في العلم و العلم هو اتباع الأمر والشرع والثاني : إبرامه عزما و الإبرام الإحكام والقوة أي يقارنه عزم يمضيه ولا يصحبه فتور وتوان يضعفه ويوهنه الثالث : تصفيته حالا أي يكون حال صاحبه صافيا من الأكدار والشوائب التي تدل على كدر قصده فإن الحال مظهر القصد وثمرته وهو أيضا مادته وباعثه فكل منهما ينفعل عن الآخر فصفاؤه وتخليصه من تمام صفاء الآخر وتخليصه فصل قال : الدرجة الثانية : الإحسان في الأحوال وهو أن تراعيها غيرة وتسترها تظرفا وتصححها تحقيقا

اردو Tercümesi (Ehl-i Sünnet)

وأما نبينا : فكان في مظهر الكمال الجامع لتلك القوة والعدل والشدة في الله وهذا اللين والرأفة والرحمة وشريعته أكمل الشرائع فهو نبي الكمال وشريعته شريعة الكمال وأمته أكمل الأمم وأحوالهم ومقاماتهم أكمل الأحوال والمقامات ولذلك تأتي شريعته بالعدل إيجابا له وفرضا وبالفضل ندبا إليه واستحبابا وبالشدة في موضع الشدة وباللين في موضع اللين ووضع السيف موضعه ووضع الندى موضعه فيذكر الظلم ويحرمه والعدل ويوجبه والفضل ويندب إليه في بعض آيات كقوله تعالى : وجزاء سيئة سيئة مثلها [ الشورى : 40 ] فهذا عدل فمن عفى وأصلح فأجره على الله فهذا فضل إنه لا يحب الظالمين فهذا تحريم للظلم وقوله : وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به [ النحل : 126 ] فهذا إيجاب للعدل وتحريم للظلم ولئن صبرتم لهو خير للصابرين ندب إلى الفضل وقوله : فأن تبتم فلكم رءوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون [ البقرة : 279280 تحريم للظلم وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة عدل وأن تصدقوا خير لكم إن كنتم تعلمون فضل وكذلك تحريم ما حرم على أمته صيانة وحمية حرم عليهم كل خبيث وضار وأباح لهم كل طيب ونافع فتحريمه عليهم رحمة وعلى من قبلهم لم يخل من عقوبة وهداهم لما ضلت عنه الأمم قبلهم ووهب لهم من علمه وحلمه وجعلهم خير أمة أخرجت للناس وكمل لهم من المحاسن ما فرقه في الأمم قبلهم كما كمل نبيهم من المحاسن بما فرقه في الأنبياء قبله وكمل في كتابه من المحاسن بما فرقها في الكتب قبله وكذلك في شريعته فهؤلاء الضنائن وهم المجتبون الأخيار كما قال تعالى لهم : هو اجتباكم وما جعل عليكم في الدين من حرج [ الحج : 78 ] وجعلهم شهداء على الناس فأقامهم في ذلك مقام الأنبياء الشاهدين على أممهم وتفصيل تفضيل هذه الأمة وخصائصها يستدعي سفرا بل أسفارا وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم فصل ومن منازل إياك نعبد وإياك نستعين منزلة الإحسان وهي لب الإيمان وروحه وكماله وهذه المنزلة تجمع جميع المنازل فجميعها منطوية فيها وكل ما قيل من أول الكتاب إلى ههنا فهو من الإحسان قال صاحب المنازل رحمه الله وقد استشهد على هذه المنزلة بقوله تعالى : هل جزاء الإحسان إلا الإحسان [ الرحمن : 60 ] : فالإحسان جامع لجميع أبواب الحقائق وهو أن تعبد الله كأنك تراه أما الآية : فقال ابن عباس رضي الله عنه والمفسرون : هل جزاء من قال : لا إله إلا الله وعمل بما جاء به محمد إلا الجنة وقد روى عن النبي أنه قرأ هل جزاء الإحسان إلا الإحسان [ الرحمن : 60 ] ثم قال : هل تدورن ماذا قال ربكم قالوا : الله ورسوله أعلم قال : يقول : هل جزاء من أنعمت عليه بالتوحيد إلا الجنة وأما الحديث : فإشارة إلى كمال الحضور مع الله عز وجل ومراقبته الجامعة لخشيته ومحبته ومعرفته والإنابة إليه والإخلاص له ولجميع مقامات الإيمان قال : وهو على ثلاث درجات الدرجة الأولى : الإحسان في القصد بتهذيبه علما وإبرامه عزما وتصفيته حالا يعني إحسان القصد يكون بثلاثة أشياء أحدها : تهذيبه علما بأن يجعله تابعا للعلم على مقتضاه مهذبا به منقى من شوائب الحظوظ فلا يقصد إلا ما يجوز في العلم و العلم هو اتباع الأمر والشرع والثاني : إبرامه عزما و الإبرام الإحكام والقوة أي يقارنه عزم يمضيه ولا يصحبه فتور وتوان يضعفه ويوهنه الثالث : تصفيته حالا أي يكون حال صاحبه صافيا من الأكدار والشوائب التي تدل على كدر قصده فإن الحال مظهر القصد وثمرته وهو أيضا مادته وباعثه فكل منهما ينفعل عن الآخر فصفاؤه وتخليصه من تمام صفاء الآخر وتخليصه فصل قال : الدرجة الثانية : الإحسان في الأحوال وهو أن تراعيها غيرة وتسترها تظرفا وتصححها تحقيقا

حصہ V02/P460–V02/P462İbn Kayyim el-Cevziyye — Medâricü's-Sâlikîn (s. V02/P460–V02/P462)
Orijinal Metin (AR)

يريد بمراعاتها : حفظها وصونها غيرة عليها أن تحول فإنها تمر مر السحاب فإن لم يرع حقوقها حالت ومراعاتها : بدوام الوفاء وتجنب الجفاء ويراعيها أيضا بإكرام نزلها فإنها ضيف والضيف إن لم تكرم نزله ارتحل ويراعيها أيضا بضبطها ملكة وشد يده عليها وأن لا يسمح بها لقاطع طريق ولا ناهب ويراعيها أيضا : بالانقياد إلى حكمها والإذعان لسلطانها إذا وافق الأمر ويراعيها أيضا : بسترها تظرفا وهو أن يسترها عن الناس ما أمكنه لئلا يعلموا بها ولا يظهرها إلا لحجة أو حاجة أو مصلحة راجحة فإن في إظهارها بدون ذلك آفات عديدة مع تعريضها للصوص والسراق والمغيرين وإظهار الحال للناس عند الصادقين : حمق وعجز وهو من حظوظ النفس والشيطان وأهل الصدق والعزم لها أستر وأكتم من أرباب الكنوز من الأموال لأموالهم حتى إن منهم من يظهر أضدادها نفيا وجحدا وهم أصحاب الملامتيه ولهم طريقة معروفة وكان شيخ هذه الطائفة عبدالله بن منازل واتفقت الطائفة على أن من أطلع الناس على حاله مع الله : فقد دنس طريقته إلا لحجة أو حاجة أو ضرورة وقوله : وتصحيحها تحقيقا أي يجتهد في تحقيق أحواله وتصحيحها وتخليصها فإن الحال قد يمتزج بحق وباطل ولا يميزه إلا أولو البصائر والعلم وأهل هذه الطريق يقولون : إن الوارد الذي يبتدىء العبد من جانبه الأيمن والهواتف والخطاب : يكون في الغالب حقا والذي يبتدىء من الجانب الأيسر : يكون في الغالب باطلا وكذبا فإن أهل اليمين : هم أهل الحق وبأيمانهم يأخذون كتبهم ونورهم الظاهر على الصراط يكون بأيمانهم وكان رسول الله يعجبه التيمن في تنعله وترجله وطهوره وشأنه كله والله وملائكته يصلون على ميامن الصفوف وأخبر أن الشيطان يأكل بشماله ويشرب بشماله وحظه من ابن آدم جهة الشمال ولهذا تكون اليد الشمال للاستجمار وإزالة النجاسة والأذى ويبدأ بالرجل الشمال عند دخول الخلاء ومن الفرقان أيضا : أن كل وارد يبقي الإنسان بعد انفصاله نشيطا مسرورا نشوانا : فإنه وارد ملكي وكل وارد يبقي الإنسان بعد انفصالة خبيث النفس كسلان ثقيل الأعضاء والروح يجنح إلى فتور : فهو وارد شيطاني ومن الفرقان أيضا : أن كل وارد أعقب في القلب : معرفة بالله ومحبة له وأنسا به وطمأنينة بذكره وسكونا إليه : فهو ملكي إلهي وخلافه بخلافه ومن الفرقان أيضا : أن كل وارد أعقب صاحبه تقدما إلى الله تعالى والدار الآخرة وحضورا فيها حتى كأنه يشاهد الجنة قد أزلفت والجحيم قد سعرت : فهو إلهي ملكي وخلافه شيطاني نفساني ومن الفرقان أيضا : أن كل وارد كان سببه النصيحة في امتثال الأمر والإخلاص والصدق فيه : فهو إلهي ملكي وإلا فهو شيطاني ومن الفرقان أيضا : أن كل وارد استنار به القلب وانشرح له الصدر وقوي به القلب : إلهي ملكي وإلا فهو شيطاني ومن الفرقان أيضا : أن كل وارد جمعك على الله فهو منه وكل وارد فرقك عنه وأخذك عنه : فمن الشيطان ومن الفرقان أيضا : أن الوارد الإلهي لا يصرف إلا في قربة وطاعة ولا يكون سببه إلا قربة وطاعة فمستخرجه الأمر ومصرفه الأمر والشيطاني بخلافه ومن الفرقان أيضا : أن الوارد الرحماني لا يتناقض ولا يتفاوت ولا يختلف بل يصدق بعضه بعضا والشيطاني بخلافه يكذب بعضه بعضا والله سبحانه أعلم فصل قال : الدرجة الثالثة : الإحسان في الوقت وهو أن لا تزايل المشاهدة أبدا ولا تخلط بهمتك أحدا وتجعل هجرتك إلى الحق سرمدا أي لا تفارق حال الشهود وهذا إنما يقدر عليه أهل التمكن الذين ظفروا بنفوسهم وقطعوا المسافات التي بين النفس وبين القلب والمسافات التي بين القلب وبين الله بمجاهدة القطاع التي على تلك المسافات وقوله : ولا تخلط بهمتك أحدا

اردو Tercümesi (Ehl-i Sünnet)

يريد بمراعاتها : حفظها وصونها غيرة عليها أن تحول فإنها تمر مر السحاب فإن لم يرع حقوقها حالت ومراعاتها : بدوام الوفاء وتجنب الجفاء ويراعيها أيضا بإكرام نزلها فإنها ضيف والضيف إن لم تكرم نزله ارتحل ويراعيها أيضا بضبطها ملكة وشد يده عليها وأن لا يسمح بها لقاطع طريق ولا ناهب ويراعيها أيضا : بالانقياد إلى حكمها والإذعان لسلطانها إذا وافق الأمر ويراعيها أيضا : بسترها تظرفا وهو أن يسترها عن الناس ما أمكنه لئلا يعلموا بها ولا يظهرها إلا لحجة أو حاجة أو مصلحة راجحة فإن في إظهارها بدون ذلك آفات عديدة مع تعريضها للصوص والسراق والمغيرين وإظهار الحال للناس عند الصادقين : حمق وعجز وهو من حظوظ النفس والشيطان وأهل الصدق والعزم لها أستر وأكتم من أرباب الكنوز من الأموال لأموالهم حتى إن منهم من يظهر أضدادها نفيا وجحدا وهم أصحاب الملامتيه ولهم طريقة معروفة وكان شيخ هذه الطائفة عبدالله بن منازل واتفقت الطائفة على أن من أطلع الناس على حاله مع الله : فقد دنس طريقته إلا لحجة أو حاجة أو ضرورة وقوله : وتصحيحها تحقيقا أي يجتهد في تحقيق أحواله وتصحيحها وتخليصها فإن الحال قد يمتزج بحق وباطل ولا يميزه إلا أولو البصائر والعلم وأهل هذه الطريق يقولون : إن الوارد الذي يبتدىء العبد من جانبه الأيمن والهواتف والخطاب : يكون في الغالب حقا والذي يبتدىء من الجانب الأيسر : يكون في الغالب باطلا وكذبا فإن أهل اليمين : هم أهل الحق وبأيمانهم يأخذون كتبهم ونورهم الظاهر على الصراط يكون بأيمانهم وكان رسول الله يعجبه التيمن في تنعله وترجله وطهوره وشأنه كله والله وملائكته يصلون على ميامن الصفوف وأخبر أن الشيطان يأكل بشماله ويشرب بشماله وحظه من ابن آدم جهة الشمال ولهذا تكون اليد الشمال للاستجمار وإزالة النجاسة والأذى ويبدأ بالرجل الشمال عند دخول الخلاء ومن الفرقان أيضا : أن كل وارد يبقي الإنسان بعد انفصاله نشيطا مسرورا نشوانا : فإنه وارد ملكي وكل وارد يبقي الإنسان بعد انفصالة خبيث النفس كسلان ثقيل الأعضاء والروح يجنح إلى فتور : فهو وارد شيطاني ومن الفرقان أيضا : أن كل وارد أعقب في القلب : معرفة بالله ومحبة له وأنسا به وطمأنينة بذكره وسكونا إليه : فهو ملكي إلهي وخلافه بخلافه ومن الفرقان أيضا : أن كل وارد أعقب صاحبه تقدما إلى الله تعالى والدار الآخرة وحضورا فيها حتى كأنه يشاهد الجنة قد أزلفت والجحيم قد سعرت : فهو إلهي ملكي وخلافه شيطاني نفساني ومن الفرقان أيضا : أن كل وارد كان سببه النصيحة في امتثال الأمر والإخلاص والصدق فيه : فهو إلهي ملكي وإلا فهو شيطاني ومن الفرقان أيضا : أن كل وارد استنار به القلب وانشرح له الصدر وقوي به القلب : إلهي ملكي وإلا فهو شيطاني ومن الفرقان أيضا : أن كل وارد جمعك على الله فهو منه وكل وارد فرقك عنه وأخذك عنه : فمن الشيطان ومن الفرقان أيضا : أن الوارد الإلهي لا يصرف إلا في قربة وطاعة ولا يكون سببه إلا قربة وطاعة فمستخرجه الأمر ومصرفه الأمر والشيطاني بخلافه ومن الفرقان أيضا : أن الوارد الرحماني لا يتناقض ولا يتفاوت ولا يختلف بل يصدق بعضه بعضا والشيطاني بخلافه يكذب بعضه بعضا والله سبحانه أعلم فصل قال : الدرجة الثالثة : الإحسان في الوقت وهو أن لا تزايل المشاهدة أبدا ولا تخلط بهمتك أحدا وتجعل هجرتك إلى الحق سرمدا أي لا تفارق حال الشهود وهذا إنما يقدر عليه أهل التمكن الذين ظفروا بنفوسهم وقطعوا المسافات التي بين النفس وبين القلب والمسافات التي بين القلب وبين الله بمجاهدة القطاع التي على تلك المسافات وقوله : ولا تخلط بهمتك أحدا

%0
10 Bölüm