ولا يزال المقبل على ذلك يستغويه الشيطان بما يكتسب من العلوم الرياضية » أو بما قد يتراءى له من صدق الخاطر وغير ذلك حتى يركن إليه كل الركون ويظنّ أنه قد فاز بالمقصود من الخلوة . ولا يعلم أن هذا الفنٌ من الفائدة غير ممنوع من النصارى والبراهمة وليست هي المقصودة من الخلوة ؛ لقول بعضهم « الحقّ يطلب منك الاستقامة وأنت تطالبه بالكرامة » . وقد يفتح على الصادقين بشيء من خرق العادات وصدق الفراسة وتبيّن ما سيحدث في ١ لمستقبل الاستقامة , وما يفتح من ذلك على الصادقين يصير سبب مزيد انتفاعهم والداعي لهم إلى صدق المجاهدة والمعاملة والزهد في الدنيا والتخلق بالأخلاق الحميدة . وما يفتح من ذلك على من ليس تحت سياسة الشرع يصير سببا لمزيد بعده » وغروره » وحماقته » واستطالته على الناس » وازدرائه بالخلق ؛ ولا يزال به حتى يخلع ربقة الإسلام من عنقه » وينكر الحدود والأحكام » والحلال والحرام ؛ 567 : : ثم يتدرج من ذلك إلى الإلحاد والزندقة » نعوذ باللّه من الضلال . وقد يلوح لأقدام خيالات يظنونها وقائع ويسمّونها بوقائع المشايخ من غير علم بحقيقة ذلك » انتهى كلامه رحمه الله وهو في غاية الحسن ونهاية التحقيق فبمداومة العبد على مثل هذه الأساليب التي ذكرناها » مشاهدا لتوفيق ربّه عز وجل » وتأييده له يحصل له من الله مزيد كثير » وعند ذلك يتطهّر باطنه من جميع الآفات وخبائث الصفات » وتستنير سريرته بأنوار المكاشفات والملاطفات . وقد عبّر الإمام أبو القاسم القشيري » رضي الله عنه » عن طريق موت النفس بعبارات صحيحة مليحة فقال : « قتل النفس في الحقيقة : التبرري من حولها وقوتها » أو شهود شيء منها وردّ دواعيها إليها » وتشويش تدبيرها عليها » وتسليم الآمور إلى الحق سبحانه بجملتها » وانسلاخها من اختيارها وإرادتها » وانمحاء آثار بشريتها عنها . فأمّا بقاء الرسوم والهياكل فلا خطر لها ولا عبرة » انتهى . فهذه هي السبيل إلى موت النفس المفضي إلى حضرة القدس ؛ لكونه جاريا على مقتضى الشريعة ولا بد للمريد في هذه الطريقة من صحبة شيخ محقق مرشد قد فرغ من تهذيب نفسه » وتخلص من هواه » فليسلم نفسه إليه وليلتزم طاعته والانقياد إليه في كل ما يشير 47 54 « 309 » به عليه » من خ غير ارتياب ولا تأويل ولا تردد ؛ فقد قالوا : من لم يكن له شيخ فالشيطان شيخه . وقد قال أبو علي الثقفي » رضي الله تعالى عنه : لو أن رجلا جمع العلوم كلها » وصحب طوائف الناس لا يبلغ مبلغ الرجال إلا بالرياضة من شيخ أو إمام » أو مؤدب ناصح » ومن لم يأخذ أدبه من أمر له وناه يرويه عيوب نفسه ورعونات أعماله لا يجوز الاقتداء به في تصحيح المعاملات. وقال سيدي أبو مدين » رضي الله تعالى عنه : «من لم يأخذ الأدب من المتأدبين أفسد من يتبعه». وقال المؤلف - رحمه الله - في « لطائف المنن » : « إنما يكون الاقتداء بوليّ دلّك الله عليه , وأطلعك على ما أودعه من الخصوصية لديه » فطوى عنك شهود بشريته في وجود خصوصيته » فألقيت إليه القياد » فسلك بك سبيل الرشاد » يعرّفك برعونات نفسك في كمائنها ودقائقها » ويدّك على الجمع على الله » ويعلّمك الفرار عمّا سوى الله » ويسايرك في طريقك حتى تصل إلى الله » يوقفك على إساءة نفسك » ويعرّفك بإحسان الله إليك » فيفيدك معرفة إساءة نفسك الهرب عنها » وعدم الركون إليها » ويفيدك العلم بإحسان الله إليك الإقبال عليه » والقيام بالشكر إليه » والدوام على ممرّ الساعات بين يديه . قال : فإن قلت : فأين من هذا وصفه ؟ ! لقد دللتني على أغرب من عنقاء مغرب « 1 » !
ولا يزال المقبل على ذلك يستغويه الشيطان بما يكتسب من العلوم الرياضية » أو بما قد يتراءى له من صدق الخاطر وغير ذلك حتى يركن إليه كل الركون ويظنّ أنه قد فاز بالمقصود من الخلوة . ولا يعلم أن هذا الفنٌ من الفائدة غير ممنوع من النصارى والبراهمة وليست هي المقصودة من الخلوة ؛ لقول بعضهم « الحقّ يطلب منك الاستقامة وأنت تطالبه بالكرامة » . وقد يفتح على الصادقين بشيء من خرق العادات وصدق الفراسة وتبيّن ما سيحدث في ١ لمستقبل الاستقامة , وما يفتح من ذلك على الصادقين يصير سبب مزيد انتفاعهم والداعي لهم إلى صدق المجاهدة والمعاملة والزهد في الدنيا والتخلق بالأخلاق الحميدة . وما يفتح من ذلك على من ليس تحت سياسة الشرع يصير سببا لمزيد بعده » وغروره » وحماقته » واستطالته على الناس » وازدرائه بالخلق ؛ ولا يزال به حتى يخلع ربقة الإسلام من عنقه » وينكر الحدود والأحكام » والحلال والحرام ؛ 567 : : ثم يتدرج من ذلك إلى الإلحاد والزندقة » نعوذ باللّه من الضلال . وقد يلوح لأقدام خيالات يظنونها وقائع ويسمّونها بوقائع المشايخ من غير علم بحقيقة ذلك » انتهى كلامه رحمه الله وهو في غاية الحسن ونهاية التحقيق فبمداومة العبد على مثل هذه الأساليب التي ذكرناها » مشاهدا لتوفيق ربّه عز وجل » وتأييده له يحصل له من الله مزيد كثير » وعند ذلك يتطهّر باطنه من جميع الآفات وخبائث الصفات » وتستنير سريرته بأنوار المكاشفات والملاطفات . وقد عبّر الإمام أبو القاسم القشيري » رضي الله عنه » عن طريق موت النفس بعبارات صحيحة مليحة فقال : « قتل النفس في الحقيقة : التبرري من حولها وقوتها » أو شهود شيء منها وردّ دواعيها إليها » وتشويش تدبيرها عليها » وتسليم الآمور إلى الحق سبحانه بجملتها » وانسلاخها من اختيارها وإرادتها » وانمحاء آثار بشريتها عنها . فأمّا بقاء الرسوم والهياكل فلا خطر لها ولا عبرة » انتهى . فهذه هي السبيل إلى موت النفس المفضي إلى حضرة القدس ؛ لكونه جاريا على مقتضى الشريعة ولا بد للمريد في هذه الطريقة من صحبة شيخ محقق مرشد قد فرغ من تهذيب نفسه » وتخلص من هواه » فليسلم نفسه إليه وليلتزم طاعته والانقياد إليه في كل ما يشير 47 54 « 309 » به عليه » من خ غير ارتياب ولا تأويل ولا تردد ؛ فقد قالوا : من لم يكن له شيخ فالشيطان شيخه . وقد قال أبو علي الثقفي » رضي الله تعالى عنه : لو أن رجلا جمع العلوم كلها » وصحب طوائف الناس لا يبلغ مبلغ الرجال إلا بالرياضة من شيخ أو إمام » أو مؤدب ناصح » ومن لم يأخذ أدبه من أمر له وناه يرويه عيوب نفسه ورعونات أعماله لا يجوز الاقتداء به في تصحيح المعاملات. وقال سيدي أبو مدين » رضي الله تعالى عنه : «من لم يأخذ الأدب من المتأدبين أفسد من يتبعه». وقال المؤلف - رحمه الله - في « لطائف المنن » : « إنما يكون الاقتداء بوليّ دلّك الله عليه , وأطلعك على ما أودعه من الخصوصية لديه » فطوى عنك شهود بشريته في وجود خصوصيته » فألقيت إليه القياد » فسلك بك سبيل الرشاد » يعرّفك برعونات نفسك في كمائنها ودقائقها » ويدّك على الجمع على الله » ويعلّمك الفرار عمّا سوى الله » ويسايرك في طريقك حتى تصل إلى الله » يوقفك على إساءة نفسك » ويعرّفك بإحسان الله إليك » فيفيدك معرفة إساءة نفسك الهرب عنها » وعدم الركون إليها » ويفيدك العلم بإحسان الله إليك الإقبال عليه » والقيام بالشكر إليه » والدوام على ممرّ الساعات بين يديه . قال : فإن قلت : فأين من هذا وصفه ؟ ! لقد دللتني على أغرب من عنقاء مغرب « 1 » !