Qur'an&Sunnahالقرآن

Kurtubî — el-Câmi' li-Ahkâmi'l-Kur'ân

أبو عبد الله محمد بن أحمد الأنصاري القرطبي · AR

حصہ V03/P111–V03/P124Kurtubî — el-Câmi' li-Ahkâmi'l-Kur'ân (s. V03/P111–V03/P124)
Orijinal Metin (AR)

> قوله تعالى : ( والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء ) فيه خمس مسائل : الأولى قوله تعالى : ( والمطلقات ) لما ذكر الله تعالى الإيلاء وأن الطلاق قد يقع فيه بين تعالى حكم المرأة بعد التطليق وفي كتاب أبي داؤد والنسائي عن بن عباس قال في قول الله تعالى : والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء الآية وذلك أن الرجل كان إذا طلق امرأته فهو أحق بها وإن طلقها ثلاثا فنسخ ذلك وقال : الطلاق مرتان الآية والمطلقات لفظ عموم والمراد به الخصوص في المدخول بهن وخرجت المطلقة قبل البناء بآية الأحزاب : فما لكم عليهن من عدة تعتدونها على ما يأتي وكذلك الحامل بقوله : وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن والمقصود من الاقراء الاستبراء بخلاف عدة الوفاة التي هي عبادة وجعل الله عدة الصغيرة التى لم تحض والكبيرة التى قد يئست الشهور على ما يأتي وقال قوم : إن العموم في المطلقات يتناول هؤلاء ثم نسخن وهو ضعيف وإنما الآية فيمن تحيض خاصة وهو عرف النساء وعليه معظمهن الثانية قوله تعالى : ( يتربصن ) التربص الانتظار على ما قدمناه وهذا خبر والمراد الأمر كقوله تعالى : والوالدات يرضعن أولادهن وجمع رجل عليه ثيابه وحسبك درهم أي اكتف بدرهم هذا قول أهل اللسان من غير خلاف بينهم فيما ذكر بن الشجرى بن العربى : وهذا باطل وإنما هو خبر عن حكم الشرع فإن وجدت مطلقة لا تتربص فليس من الشرع ولا يلزم من ذلك وقوع خبر الله تعالى على خلاف مخبره وقيل : معناه ليتربصن فحذف اللام الثالثة قرأ جمهور الناس قروء على وزن فعول اللام همزة ويروى عن نافع قروء بكسر الواو وشدها من غير همز وقرأ الحسن قرء بفتح القاف وسكون الراء والتنوين وقروء جمع أقرؤ وأقراء والواحد قرء بضم القاف قاله الأصمعي وقال أبو زيد : قرء بفتح القاف وكلاهما قال : أقرأت المرأة إذا حاضت فهي مقرئ وأقرأت طهرت وقال الأخفش : أقرأت المرأة إذا صارت صاحبة حيض فإذا حاضت قلت : قرأت بلا ألف يقال : أقرأت المرأة حيضة أو حيضتين والقرء : انقطاع الحيض وقال بعضهم : ما بين الحيضتين وأقرأت حاجتك : دنت عن الجوهرى وقال أبو عمرو بن العلاء : من العرب من يسمى الحيض قرءا ومنهم من يسمى الطهر قرءا ومنهم من يجمعهما جميعا فيسمى الطهر مع الحيض قرءا ذكره النحاس الرابعة واختلف العلماء في الاقراء فقال أهل الكوفة : هي الحيض وهو قول عمر وعلي وبن مسعود أبي موسى ومجاهد وقتادة والضحاك وعكرمة والسدي وقال أهل الحجاز : هي الاطهار وهو قول عائشة وبن عمر وزيد بن ثابت والزهري وأبان بن عثمان والشافعي فمن جعل القرء اسما للحيض سماه بذلك لاجتماع الدم في الرحم ومن جعله اسما للطهر فلاجتماعه في البدن والذي يحقق لك هذا الأصل في القرء الوقت يقال : هبت الريح لقرئها وقارئها أي لوقتها قال الشاعر : كرهت العقر عقر بني شليل إذا هبت لقارئها الرياح فقيل للحيض : وقت وللطهر وقت لأنهما يرجعان لوقت معلوم وقال الأعشى في الأطهار : أفي كل عام أنت جاشم غزوة تسد لأقصاها عزيم عزائكا مورثة عزا وفي الحى رفعة لما ضاع فيها من قروء نسائكا وقال آخر في الحيض : يا رب ذي ضغن علي فارض له قروء كقروء الحائض يعنى أنه طعنه فكان له دم كدم الحائض وقال قوم : هو مأخوذ من قرء الماء في الحوض وهو جمعه ومنه القرآن لاجتماع المعاني ويقال لاجتماع حروفه ويقال : ما قرأت الناقة سلى قط أي لم تجمع في جوفها وقال عمرو بن كلثوم : ذراعى عيطل أدماء بكر هجان اللون لم تقرأ جنينا فكأن الرحم يجمع الدم وقت الحيض والجسم يجمعه وقت الطهر قال أبو عمر بن عبد البر : قول من قال : إن القرء مأخوذ من قولهم : قريت الماء في الحوض ليس بشيء لأن القرء مهموز وهذا غير مهموز قلت : هذا صحيح بنقل أهل اللغة : الجوهرى وغيره واسم ذلك الماء قرى ( بكسر القاف مقصور ) وقيل : القرء الخروج إما من طهر إلى حيض أو من حيض إلى طهر وعلى هذا قال الشافعي في قول : القرء الانتقال من الطهر إلى الحيض ولا يرى الخروج من الحيض إلى الطهر قرءا وكان يلزم بحكم الاشتقاق أن يكون قرءا ويكون معنى قوله تعالى : والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء أي ثلاثة أدوار أو ثلاثة انتقالات والمطلقة متصفة بحالتين فقط فتارة تنتقل من طهر إلى حيض وتارة من حيض إلى طهر فيستقيم معنى الكلام ودلالته على الطهر والحيض جميعا فيصير الاسم مشتركا ويقال : إذا ثبت أن القرء الانتقال فخروجها من طهر إلى حيض غير مراد بالآية أصلا ولذلك لم يكن الطلاق في الحيض طلاقا سنيا مأمورا به وهو الطلاق للعدة فإن الطلاق للعدة ما كان في الطهر وذلك يدل على كون القرء مأخوذا من الانتقال فإذا كان الطلاق في الطهر سنيا فتقدير الكلام : فعدتهن ثلاثة انتقالات فأولها الانتقال من الطهر الذي وقع فيه الطلاق والذي هو الانتقال من حيض إلى طهر لم يجعل قرءا لأن اللغة لا تدل عليه ولكن عرفنا بدليل آخر أن الله تعالى لم يرد الانتقال من حيض إلى طهر فإذا خرج أحدهما عن أن يكون مرادا بقي الآخر وهو الانتقال من الطهر إلى الحيض مرادا فعلى هذا عدتها ثلاثة انتقالات أولها الطهر وعلى هذا يمكن استيفاء ثلاثة أقراء كاملة إذا كان الطلاق في حالة الطهر ولا يكون ذلك حملا على المجاز بوجه ما قال الكيا الطبرى : وهذا نظر دقيق في غاية الاتجاه لمذهب الشافعي ويمكن أن نذكر في ذلك سرا لا يبعد فهمه من دقائق حكم الشريعة وهو أن الانتقال من الطهر إلى الحيض إنما جعل قرءا لدلالته على براءة الرحم فإن الحامل لا تحيض في الغالب فبحيضها علم براءة رحمها والانتقال من حيض إلى طهر بخلافه فإن الحائض يجوز أن تحبل في أعقاب حيضها وإذا تمادى أمد الحمل وقوى الولد انقطع دمها ولذلك تمتدح العرب بحمل نسائهم في حالة الطهر وقد مدحت عائشة رسول الله صلى الله عليه وسلم بقول الشاعر : ومبرإ من كل غبر حيضة وفساد مرضعة وداء مغيل يعنى أن أمه لم تحمل به في بقية حيضها فهذا ما للعلماء وأهل اللسان في تأويل القرء وقالوا : قرأت المرأة قرءا إذا حاضت أو طهرت وقرأت أيضا إذا حملت واتفقوا على أن القرء الوقت فإذا قلت : والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة أوقات صارت الآية مفسرة في العدد محتملة في المعدود فوجب طلب البيان للمعدود من غيرها فدليلنا قول الله تعالى : فطلقوهن لعدتهن ولا خلاف أنه يؤمر بالطلاق وقت الطهر فيجب أن يكون هو المعتبر في العدة فإنه قال : فطلقوهن يعنى وقتا تعتد به ثم قال تعالى : وأحصوا العدة يريد ما تعتد به المطلقة وهو الطهر الذي تطلق فيه وقال صلى الله عليه وسلم لعمر : ( مره فليراجعها ثم ليمسكها حتى تطهر ثم تحيض ثم تطهر فتلك العدة التى أمر الله أن تطلق لها النساء ( أخرجه مسلم وغيره وهو نص في أن زمن الطهر هو الذي يسمى عدة وهو الذي تطلق فيه النساء ولا خلاف أن من طلق في حال الحيض لم تعتد بذلك الحيض ومن طلق في حال الطهر فإنها تعتد عند الجمهور بذلك الطهر فكان ذلك أولى قال أبو بكر بن عبد الرحمن : ما أدركنا أحدا من فقهائنا إلا يقول بقول عائشة في أن الاقراء هي الاطهار فإذا طلق الرجل في طهر لم يطأ فيه اعتدت بما بقى منه ولو ساعة ولو لحظة ثم استقبلت طهرا ثانيا بعد حيضة ثم ثالثا بعد حيضة ثانية فإذا رأت الدم من الحيضة الثالثة حلت للأزواج وخرجت من العدة فإن طلق مطلق في طهر قد مس فيه لزمه الطلاق وقد أساء واعتدت بما بقى من ذلك الطهر وقال الزهري في امرأة طلقت في بعض طهرها : إنها تعتد بثلاثة أطهار سوى بقية ذلك الطهر قال أبو عمر : لا أعلم أحدا ممن قال : الاقراء الاطهار يقول هذا غير بن شهاب الزهري فإنه قال : تلغى الطهر الذى طلقت فيه ثم تعتد بثلاثة أطهار لأن الله عز وجل يقول : ثلاثة قروء قلت : فعلى قوله لا تحل المطلقة حتى تدخل في الحيضة الرابعة وقول بن القاسم ومالك وجمهور أصحابه والشافعي وعلماء المدينة : إن المطلقة إذا رأت أول نقطة من الحيضة الثالثة خرجت من العصمة وهو مذهب زيد بن ثابت وعائشة وبن عمر وبه قال أحمد بن حنبل وإليه ذهب داؤد بن علي وأصحابه والحجة على الزهري أن النبى صلى الله عليه وسلم أذن في طلاق الطاهر من غير جماع ولم يقل أول الطهر ولا آخره وقال أشهب : لا تنقطع العصمة والميراث حتى يتحقق أنه دم حيض لئلا تكون دفعة دم من غير الحيض احتج الكوفيون بقوله عليه السلام لفاطمة بنت أبي حبيش حين شكت إليه الدم : ( إنما ذلك عرق فانظرى فإذا أتى قرؤك فلا تصلى وإذا مر القرء فتطهرى ثم صلى من القرء إلى القرء ( وقال تعالى : واللائي يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر فجعل المأيوس منه المحيض فدل على أنه هو العدة وجعل العوض منه هو الأشهر إذا كان معدوما وقال عمر بحضرة الصحابة : عدة الأمة حيضتان نصف عدة الحرة ولو قدرت على أن أجعلها حيضة ونصفا لفعلت ولم ينكر عليه أحد فدل على أنه إجماع منهم وهو قول عشرة من الصحابة منهم الخلفاء الأربعة وحسبك ما قالوا وقوله تعالى : والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء يدل على ذلك لأن المعنى يتربصن ثلاثة أقراء يريد كوامل وهذا لا يمكن أن يكون إلا على قولنا بأن الاقراء الحيض لأن من يقول : إنه الطهر يجوز أن تعتد بطهرين وبعض آخر لأنه إذا طلق حال الطهر اعتدت عنده ببقية ذلك الطهر قرءا وعندنا تستأنف من أول الحيض حتى يصدق الاسم فإذا طلق الرجل المرأة في طهر لم يطأ فيه استقبلت حيضة ثم حيضة ثم حيضة فإذا اغتسلت من الثالثة خرجت من العدة قلت : هذا يرده قوله تعالى : سخرها عليهم سبع ليال وثمانية أيام فأثبت الهاء في ثمانية أيام لأن اليوم مذكر وكذلك القرء فدل على أنه المراد ووافقنا أبو حنيفة على أنها إذا طلقت حائضا أنها لا تعتد بالحيضة التى طلقت فيها ولا بالطهر الذى بعدها وإنما تعتد بالحيض الذي بعد الطهر وعندنا تعتد بالطهر على ما بيناه وقد استجاز أهل اللغة أن يعبروا عن البعض باسم الجميع كما قال تعالى : الحج أشهر معلومات والمراد به شهران وبعض الثالث فكذلك قوله : ثلاثة قروء والله أعلم وقال بعض من يقول بالحيض : إذا طهرت من الثالثة انقضت العدة بعد الغسل وبطلت الرجعة قاله سعيد بن جبير وطاوس وبن شبرمة والأوزاعي وقال شريك : إذا فرطت المرأة في الغسل عشرين سنة فلزوجها عليها الرجعة ما لم تغتسل وروى عن إسحاق بن راهويه أنه قال : إذا طعنت المرأة في الحيضة الثالثة بانت وانقطعت رجعة الزوج إلا أنها لا يحل لها أن تتزوج حتى تغتسل من حيضتها وروى نحوه عن بن عباس وهو قول ضعيف بدليل قول الله تعالى : فإذا بلغن أجلهن فلا جناح عليكم فيما فعلن في أنفسهن على ما يأتى وأما ما ذكره الشافعى من أن نفس الانتقال من الطهر إلى الحيضة يسمى قرءا ففائدته تقصير العدة على المرأة وذلك أنه إذا طلق المرأة في آخر ساعة من طهرها فدخلت في الحيضة عدته قرءا وبنفس الانتقال من الطهر الثالث انقطعت العصمة وحلت والله أعلم الخامسة والجمهور من العلماء على أن عدة الأمة التى تحيض من طلاق زوجها حيضتان وروى عن بن سيرين أنه قال : ما أرى عدة الأمة إلا كعدة الحرة إلا أن تكون مضت في ذلك سنة : فإن السنة أحق أن تتبع وقال الأصم عبد الرحمن بن كيسان وداؤد بن علي وجماعة أهل الظاهر : إن الآيات في عدة الطلاق والوفاة بالأشهر والاقراء عامة في حق الأمة والحرة فعدة الحرة والأمة سواء واحتج الجمهور بقوله عليه السلام : ( طلاق الأمة تطليقتان وعدتها حيضتان ( رواه بن جريج عن عطاء عن مظاهر بن أسلم عن أبيه عن القاسم بن محمد عن عائشة قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( طلاق الأمة تطليقتان وقرؤها حيضتان ( فأضاف إليها الطلاق والعدة جميعا إلا أن مظاهر بن أسلم انفرد بهذا الحديث وهو ضعيف وروى عن بن عمر : أيهما رق نقص طلاقه وقالت به فرقة من العلماء قوله تعالى : ( ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن ) فيه مسألتان : الأولى قوله تعالى : ( ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن ) أي من الحيض قاله عكرمة والزهري والنخعي وقيل : الحمل قاله عمر وبن عباس وقال مجاهد : الحيض والحمل معا وهذا على أن الحامل تحيض والمعنى المقصود من الآية أنه لما دار أمر العدة على الحيض والاطهار ولا اطلاع عليهما إلا من جهة النساء جعل القول قولها إذا ادعت انقضاء العدة أو عدمها وجعلهن مؤتمنات على ذلك وهو مقتضى قوله تعالى : ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن وقال سليمان بن يسار : ولم نؤمر أن نفتح النساء فننظر إلى فروجهن ولكن وكل ذلك إليهن إذ كن مؤتمنات ومعنى النهى عن الكتمان النهى عن الإضرار بالزوج وإذهاب حقه فإذا قالت المطلقة : حضت وهى لم تحض ذهبت بحقه من الارتجاع وإذا قالت : لم أحض وهى قد حاضت ألزمته من النفقة ما لم يلزمه فأضرت به أو تقصد بكذبها في نفي الحيض ألا ترجع حتى تنقضى العدة ويقطع الشرع حقه وكذلك الحامل تكتم الحمل لتقطع حقه من الارتجاع قال قتادة : كانت عادتهن في الجاهلية أن يكتمن الحمل ليلحقن الولد بالزوج الجديد ففى ذلك نزلت الآية وحكى أن رجلا من أشجع أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله إنى طلقت امرأتى وهى حبلى ولست آمن أن تتزوج فيصير ولدى لغيرى فأنزل الله الآية وردت امرأة الأشجعى عليه الثانية قال بن المنذر : وقال كل من حفظت عنه من أهل العلم : إذا قالت المرأة في عشرة أيام : قد حضت ثلاث حيض وانقضت عدتى إنها لا تصدق ولا يقبل ذلك منها إلا أن تقول : قد أسقطت سقطا قد استبان خلقه واختلفوا في المدة التى تصدق فيها المرأة فقال مالك : إذا قالت انقضت عدتي في امد تنقضي في مثله العدة قبل قولها فإن أخبرت بانقضاء العدة في مدة تقع نادرا فقولان قال في المدونة : إذا قالت حضت ثلاث حيض في شهر صدقت إذا صدقها النساء وبه قال شريح وقال له على بن أبى طالب : قالون أي أصبت وأحسنت وقال في كتاب محمد : لا تصدق إلا في شهر ونصف ونحوه قول أبى ثور قال أبو ثور : أقل ما يكون ذلك في سبعة وأربعين يوما وذلك أن أقل الطهر خمسة عشر يوما وأقل الحيض يوم وقال النعمان : لا تصدق في أقل من ستين يوما وقال به الشافعي قوله تعالى : ( إن كن يؤمن بالله واليوم الآخر ) هذا وعيد عظيم شديد لتأكيد تحريم الكتمان وإيجاب لأداء الأمانة في الإخبار عن الرحم بحقيقة ما فيه أي فسبيل المؤمنات ألا يكتمن الحق وليس قوله : إن كن يؤمن بالله على أنه أبيح لمن لا يؤمن أن يكتم لأن ذلك لا يحل لمن لا يؤمن وإنما هو كقولك : إن كنت أخي فلا تظلمنى أي فينبغى أن يحجزك الإيمان عنه لأن هذا ليس من فعل أهل الإيمان قوله تعالى : ( وبعولتهن أحق بردهن ) فيه إحدى عشرة مسألة : الأولى قوله تعالى : ( وبعولتهن ) البعولة جمع البعل وهو الزوج سمى بعلا لعلوه على الزوجة بما قد ملكه من زوجيتها ومنه قوله تعالى : أتدعون بعلا أي ربا لعلوه في الربوبية يقال : بعل وبعولة كما يقال في جمع الذكر : ذكر وذكورة وفى جمع الفحل : فحل وفحولة وهذه الهاء زائدة مؤكدة لتأنيث الجماعة وهو شاذ لا يقاس عليه ويعتبر فيها السماع فلا يقال في لعب : لعوبة وقيل : هي هاء تأنيث دخلت على فعول والبعولة أيضا مصدر البعل وبعل الرجل يبعل ( مثل منع يمنع ) بعولة أي صار بعلا : والمباعلة والبعال : الجماع ومنه قوله عليه السلام لأيام التشريق : ( إنها أيام أكل وشرب وبعال ( وقد تقدم فالرجل بعل المرأة والمرأة بعلته وباعل مباعلة إذا باشرها وفلان بعل هذا أي مالكه وربه وله محامل كثيرة تأتى إن شاء الله تعالى الثانية قوله تعالى : ( أحق بردهن ) أي بمراجعتهن فالمراجعة على ضربين : مراجعة في العدة على حديث بن عمر ومراجعة بعد العدة على حديث معقل وإذا كان هذا فيكون في الآية دليل على تخصيص ما شمله العموم في المسميات لأن قوله تعالى : والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء عام في المطلقات ثلاثا وفيما دونها لا خلاف فيه ثم قوله : وبعولتهن أحق حكم خاص فيمن كان طلاقها دون الثلاث وأجمع العلماء على أن الحر إذا طلق زوجته الحرة وكانت مدخولا بها تطليقة أو تطليقتين أنه أحق برجعتها ما لم تنقض عدتها وإن كرهت المرأة فإن لم يراجعها المطلق حتى انقضت عدتها فهي أحق بنفسها وتصير أجنبية منه لا تحل له إلا بخطبة ونكاح مستأنف بولي وإشهاد ليس على سنة المراجعة وهذا إجماع من العلماء قال المهلب : وكل من راجع في العدة فإنه لا يلزمه شيء من أحكام النكاح غير الإشهاد على المراجعة فقط وهذا إجماع من العلماء لقوله تعالى : فإذا بلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو فارقوهن بمعروف وأشهدوا ذوى عدل منكم فذكر الإشهاد في الرجعة ولم يذكره في النكاح ولا في الطلاق قال بن المنذر : وفيما ذكرناه من كتاب الله مع إجماع أهل العلم كفاية عن ذكر ما روي عن الأوائل في هذا الباب والله تعالى أعلم الثالثة واختلفوا فيما يكون به الرجل مراجعا في العدة فقال مالك : إذا وطئها في العدة وهو يريد الرجعة وجهل أن يشهد فهي رجعة وينبغى للمرأة أن تمنعه الوطء حتى يشهد وبه قال إسحاق لقوله عليه السلام : ( إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى ( فإن وطىء في العدة لا ينوي الرجعة فقال مالك : يراجع في العدة ولا يطأ حتى يستبرئها من مائه الفاسد قال بن القاسم : فإن انقضت عدتها لم ينكحها هو ولا غيره في بقية مدة الاستبراء فإن فعل فسخ نكاحه ولا يتأبد تحريمها عليه لأن الماء ماؤه وقالت طائفة : إذا جامعها فقد راجعها هكذا قال سعيد بن المسيب والحسن البصري وبن سيرين والزهري وعطاء وطاوس والثوري قال : ويشهد وبه قال أصحاب الرأي والأوزاعي وبن أبى ليلى حكاه بن المنذر وقال أبو عمر : وقد قيل : وطؤه مراجعة على كل حال نواها أو لم ينوها ويروى ذلك عن طائفة من أصحاب مالك وإليه ذهب الليث ولم يختلفوا فيمن باع جاريته بالخيار أن له وطأها في مدة الخيار وأنه قد ارتجعها بذلك إلى ملكه واختار نقض البيع بفعله ذلك وللمطلقة الرجعية حكم من هذا والله أعلم الرابعة من قبل أو باشر ينوى بذلك الرجعة كانت رجعة وإن لم ينو بالقبلة والمباشرة الرجعة كان اثما وليس بمراجع والس ن ة أن يشهد قبل أن يطأ أو قبل أن يقبل أو يباشر وقال أبو حنيفة وأصحابه : إن وطئها أو لمسها بشهوة أو نظر إلى فرجها بشهوة فهي رجعة وهو قول الثوري وينبغى أن يشهد وفي قول مالك والشافعي وإسحاق وأبي عبيد وأبي ثور لا يكون رجعة قاله بن المنذر وفى المنتقى قال : ولا خلاف في صحة الارتجاع بالقول فأما بالفعل نحو الجماع والقبلة فقال القاضي أبو محمد : يصح بها وبسائر الاستمتاع للذة قال بن المواز : ومثل الجسة للذة أو أن ينظر إلى فرجها أو ما قارب ذلك من محاسنها إذا أراد بذلك الرجعة خلافا للشافعي في قوله : لا تصح الرجعة إلا بالقول وحكاه بن المنذر عن أبي ثور وجابر بن زيد وأبي قلابة الخامسة قال الشافعى : إن جامعها ينوى الرجعة أو لا ينويها فليس برجعة ولها عليه مهر مثلها وقال مالك : لا شيء لها : لأنه لو ارتجعها لم يكن عليه مهر فلا يكون الوطء دون الرجعة أولى بالمهر من الرجعة وقال أبو عمر : ولا أعلم أحدا أوجب عليه مهر المثل غير الشافعي وليس قوله بالقوي لأنها في حكم الزوجات وترثه ويرثها فكيف يجب مهر المثل في وطء امرأة حكمها في أكثر أحكامها حكم الزوجة إلا أن الشبهة في قول الشافعي قوية لأنها عليه محرمة إلا برجعة لها وقد أجمعوا على أن الموطوءة بشبهة يجب لها المهر وحسبك بهذا السادسة واختلفوا هل يسافر بها قبل أن يرتجعها فقال مالك والشافعي : لا يسافر بها حتى يراجعها وكذلك قال أبو حنيفة وأصحابه إلا زفر فإنه روى عنه الحسن بن زياد أن له أن يسافر بها قبل الرجعة وروى عنه عمرو بن خالد لا يسافر بها حتى يراجع السابعة واختلفوا هل له أن يدخل عليها ويرى شيئا من محاسنها وهل تتزين له وتتشرف فقال مالك لا يخلو معها ولا يدخل عليها إلا بإذن ولا ينظر إليها إلا وعليها ثيابها ولا ينظر إلى شعرها ولا بأس أن يأكل معها إذا كان معهما غيرهما ولا يبيت معها في بيت وينتقل عنها وقال بن القاسم : رجع مالك عن ذلك فقال : لا يدخل عليها ولا يرى شعرها ولم يختلف أبو حنيفة وأصحابه في أنها تتزين له وتتطيب وتلبس الحلى وتتشرف وعن سعيد بن المسيب قال : إذا طلق الرجل امرأته تطليقة فإنه يستأذن عليها وتلبس ما شاءت من الثياب والحلي فإن لم يكن لهما إلا بيت واحد فليجعلا بينهما سترا ويسلم إذا دخل ونحوه عن قتادة ويشعرها إذا دخل بالتنخم والتنحنح وقال الشافعى : المطلقة طلاقا يملك رجعتها محرمة على مطلقها تحريم المبتوتة حتى يراجع ولا يراجع إلا بالكلام على ما تقدم الثامنة أجمع العلماء على أن المطلق إذا قال بعد انقضاء العدة : إني كنت راجعتك في العدة وأنكرت أن القول قولها مع يمينها ولا سبيل له إليها غير أن النعمان كان لا يرى يمينا في النكاح ولا في الرجعة وخالفه صاحباه فقالا كقول سائر أهل العلم وكذلك إذا كانت الزوجة أمة واختلف المولى والجارية والزوج يدعى الرجعة في العدة بعد انقضاء العدة وأنكرت فالقول قول الزوجة الأمة وإن كذبها مولاها هذا قول الشافعي وأبى ثور والنعمان وقال يعقوب ومحمد : القول قول المولى وهو أحق بها التاسعة لفظ الرد يقتضي زوال العصمة إلا أن علماؤنا قالوا : إن الرجعية محرمة الوطء فيكون الرد عائدا إلى الحل وقال الليث بن سعد وأبو حنيفة ومن قال بقولهما في أن الرجعة محللة الوطء : أن الطلاق فائدته تنقيص العدد الذي جعل له خاصة وأن أحكام الزوجية باقية لم ينحل منها شيء قالوا : وأحكام الزوجية وإن كانت باقية فالمرأة ما دامت في العدة سائرة في سبيل الزوال بانقضاء العدة فالرجعة رد عن هذه السبيل التى أخذت المرأة في سلوكها وهذا رد مجازى والرد الذي حكمنا به رد حقيقي فإن هناك زوال مستنجز وهو تحريم الوطء فوقع الرد عنه حقيقة والله أعلم العاشرة لفظ أحق يطلق عند تعارض حقين ويترجح أحدهما فالمعنى حق الزوج في مدة التربص أحق من حقها بنفسها فإنها إنما تملك نفسها بعد انقضاء العدة ومثل هذا قوله عليه السلام : ( الأيم أحق بنفسها من وليها ( وقد تقدم الحادية عشرة الرجل مندوب إلى المراجعة ولكن إذا قصد الإصلاح بإصلاح حاله معها وإزالة الوحشة بينهما فأما إذا قصد الإضرار وتطويل العدة والقطع بها عن الخلاص من ربقة النكاح فمحرم لقوله تعالى : ولا تمسكوهن ضرارا لتعتدوا ثم من فعل ذلك فالرجعة صحيحة وإن ارتكب النهى وظلم نفسه ولو علمنا نحن ذلك المقصد طلقنا عليه قوله تعالى : ( ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف ) فيه ثلاث مسائل : الأولى قوله تعالى : ولهن أي لهن من حقوق الزوجية على الرجال مثل ما للرجال عليهن ولهذا قال بن عباس : إنى لأتزين لامرأتي كما تتزين لي وما أحب أن أستنظف كل حقي الذي لى عليها فتستوجب حقها الذي لها على لأن الله تعالى قال : ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف أي زينة من غير مأثم وعنه أيضا : أي لهن من حسن الصحبة والعشرة بالمعروف على أزواجهن مثل الذي عليهن من الطاعة فيما أوجبه عليهن لأزواجهن وقيل : إن لهن على أزواجهن ترك مضارتهن كما كان ذلك عليهن لأزواجهن قاله الطبري : وقال بن زيد : تتقون الله فيهن كما عليهن أن يتقين الله عز وجل فيكم والمعنى متقارب والآية تعم جميع ذلك من حقوق الزوجية الثانية قول بن عباس : إنى لأتزين لامرأتي قال العلماء : أما زينة الرجال فعلى تفاوت أحوالهم فإنهم يعملون ذلك على اللبق والوفاق فربما كانت زينة تليق في وقت ولا تليق في وقت وزينة تليق بالشباب وزينة تليق بالشيوخ ولا تليق بالشباب ألا ترى أن الشيخ والكهل إذا حف شاربه ليق به ذلك وزانه والشاب إذا فعل ذلك س مج وم ق ت لأن اللحية لم توفر بعد فإذا حف شاربه في أول ما خرج وجهه سمج وإذا وفرت لحيته وحف شاربه زانه ذلك وروى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال ( أمرنى ربي أن أعفي لحيتي وأحفي شاربي ( وكذلك في شأن الكسوة ففي هذا كله ابتغاء الحقوق فإنما يعمل على اللبق والوفاق ليكون عند امرأته في زينة تسرها ويعفها عن غيره من الرجال وكذلك الكحل من الرجال منهم من يليق به ومنهم من لا يليق بهم فأما الطيب والسواك والخلال والرمي بالدرن وفضول الشعر والتطهير وقلم الأظفار فهو بين موافق للجميع والخضاب للشيوخ والخاتم للجميع من الشباب والشيوخ زينة وهو حلى الرجال على ما يأتى بيانه في سورة النحل ثم عليه أن يتوخى أوقات حاجتها إلى الرجل فيعفها ويغنيها عن التطلع إلى غيره وإن رأى الرجل من نفسه عجزا عن إقامة حقها في مضجعها أخذ من الأدوية التى تزيد في باهه وتقوي شهوته حتى يعفها الثالثة قوله تعالى : ( وللرجال عليهن درجة ) أي منزلة ومدرجة الطريق : قارعته والأصل فيه الطي يقال : درجوا أي طووا عمرهم ومنها الدرجة التى يرتقي عليها ويقال : رجل بين الرجلة أي القوة وهو أرجل الرجلين أي أقواهما وفرس رجيل أي قوي ومنه الرجل لقوتها على المشي فزيادة درجة الرجل بعقله وقوته على الإنفاق وبالدية والميراث والجهاد وقال حميد : الدرجة اللحية وهذا إن صح عنه فهو ضعيف لا يقتضيه لفظ الآية ولا معناها قال بن العربي : فطوبى لعبد أمسك عما لا يعلم وخصوصا في كتاب الله تعالى ولا يخفى على لبيب فضل الرجال على النساء ولو لم يكن إلا أن المرأة خلقت من الرجل فهو أصلها وله أن يمنعها من التصرف إلا بإذنه فلا تصوم إلا بإذنه ولا تحج إلا معه وقيل : الدرجة الصداق قاله الشعبي وقيل : جواز الأدب وعلى الجملة فدرجة تقتضي التفضيل وتشعر بأن حق الزوج عليها أوجب من حقها عليه ولهذا قال عليه السلام : ( ولو أمرت أحدا بالسجود لغير الله لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها ( وقال بن عباس : الدرجة إشارة إلى حض الرجال على حسن العشرة والتوسع للنساء في المال والخلق أي أن الأفضل ينبغي أن يتحامل على نفسه قال بن عطية : وهذا قول حسن بارع قال الماوردي يحتمل أنها في حقوق النكاح له رفع العقد دونها ويلزمها إجابته إلى الفراش ولا يلزمه إجابتها قلت : ومن هذا قوله عليه السلام : ( إيما امرأة دعاها زوجها إلى فراشه فأبت عليه لعنتها الملائكة حتى تصبح ( والله عزيز ) أي منيع السلطان لا معترض عليه ( حكيم ) أي عالم مصيب فيما يفعل < <

اردو Tercümesi (Ehl-i Sünnet)

> قوله تعالى : ( والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء ) فيه خمس مسائل : الأولى قوله تعالى : ( والمطلقات ) لما ذكر الله تعالى الإيلاء وأن الطلاق قد يقع فيه بين تعالى حكم المرأة بعد التطليق وفي كتاب أبي داؤد والنسائي عن بن عباس قال في قول الله تعالى : والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء الآية وذلك أن الرجل كان إذا طلق امرأته فهو أحق بها وإن طلقها ثلاثا فنسخ ذلك وقال : الطلاق مرتان الآية والمطلقات لفظ عموم والمراد به الخصوص في المدخول بهن وخرجت المطلقة قبل البناء بآية الأحزاب : فما لكم عليهن من عدة تعتدونها على ما يأتي وكذلك الحامل بقوله : وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن والمقصود من الاقراء الاستبراء بخلاف عدة الوفاة التي هي عبادة وجعل الله عدة الصغيرة التى لم تحض والكبيرة التى قد يئست الشهور على ما يأتي وقال قوم : إن العموم في المطلقات يتناول هؤلاء ثم نسخن وهو ضعيف وإنما الآية فيمن تحيض خاصة وهو عرف النساء وعليه معظمهن الثانية قوله تعالى : ( يتربصن ) التربص الانتظار على ما قدمناه وهذا خبر والمراد الأمر كقوله تعالى : والوالدات يرضعن أولادهن وجمع رجل عليه ثيابه وحسبك درهم أي اكتف بدرهم هذا قول أهل اللسان من غير خلاف بينهم فيما ذكر بن الشجرى بن العربى : وهذا باطل وإنما هو خبر عن حكم الشرع فإن وجدت مطلقة لا تتربص فليس من الشرع ولا يلزم من ذلك وقوع خبر الله تعالى على خلاف مخبره وقيل : معناه ليتربصن فحذف اللام الثالثة قرأ جمهور الناس قروء على وزن فعول اللام همزة ويروى عن نافع قروء بكسر الواو وشدها من غير همز وقرأ الحسن قرء بفتح القاف وسكون الراء والتنوين وقروء جمع أقرؤ وأقراء والواحد قرء بضم القاف قاله الأصمعي وقال أبو زيد : قرء بفتح القاف وكلاهما قال : أقرأت المرأة إذا حاضت فهي مقرئ وأقرأت طهرت وقال الأخفش : أقرأت المرأة إذا صارت صاحبة حيض فإذا حاضت قلت : قرأت بلا ألف يقال : أقرأت المرأة حيضة أو حيضتين والقرء : انقطاع الحيض وقال بعضهم : ما بين الحيضتين وأقرأت حاجتك : دنت عن الجوهرى وقال أبو عمرو بن العلاء : من العرب من يسمى الحيض قرءا ومنهم من يسمى الطهر قرءا ومنهم من يجمعهما جميعا فيسمى الطهر مع الحيض قرءا ذكره النحاس الرابعة واختلف العلماء في الاقراء فقال أهل الكوفة : هي الحيض وهو قول عمر وعلي وبن مسعود أبي موسى ومجاهد وقتادة والضحاك وعكرمة والسدي وقال أهل الحجاز : هي الاطهار وهو قول عائشة وبن عمر وزيد بن ثابت والزهري وأبان بن عثمان والشافعي فمن جعل القرء اسما للحيض سماه بذلك لاجتماع الدم في الرحم ومن جعله اسما للطهر فلاجتماعه في البدن والذي يحقق لك هذا الأصل في القرء الوقت يقال : هبت الريح لقرئها وقارئها أي لوقتها قال الشاعر : كرهت العقر عقر بني شليل إذا هبت لقارئها الرياح فقيل للحيض : وقت وللطهر وقت لأنهما يرجعان لوقت معلوم وقال الأعشى في الأطهار : أفي كل عام أنت جاشم غزوة تسد لأقصاها عزيم عزائكا مورثة عزا وفي الحى رفعة لما ضاع فيها من قروء نسائكا وقال آخر في الحيض : يا رب ذي ضغن علي فارض له قروء كقروء الحائض يعنى أنه طعنه فكان له دم كدم الحائض وقال قوم : هو مأخوذ من قرء الماء في الحوض وهو جمعه ومنه القرآن لاجتماع المعاني ويقال لاجتماع حروفه ويقال : ما قرأت الناقة سلى قط أي لم تجمع في جوفها وقال عمرو بن كلثوم : ذراعى عيطل أدماء بكر هجان اللون لم تقرأ جنينا فكأن الرحم يجمع الدم وقت الحيض والجسم يجمعه وقت الطهر قال أبو عمر بن عبد البر : قول من قال : إن القرء مأخوذ من قولهم : قريت الماء في الحوض ليس بشيء لأن القرء مهموز وهذا غير مهموز قلت : هذا صحيح بنقل أهل اللغة : الجوهرى وغيره واسم ذلك الماء قرى ( بكسر القاف مقصور ) وقيل : القرء الخروج إما من طهر إلى حيض أو من حيض إلى طهر وعلى هذا قال الشافعي في قول : القرء الانتقال من الطهر إلى الحيض ولا يرى الخروج من الحيض إلى الطهر قرءا وكان يلزم بحكم الاشتقاق أن يكون قرءا ويكون معنى قوله تعالى : والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء أي ثلاثة أدوار أو ثلاثة انتقالات والمطلقة متصفة بحالتين فقط فتارة تنتقل من طهر إلى حيض وتارة من حيض إلى طهر فيستقيم معنى الكلام ودلالته على الطهر والحيض جميعا فيصير الاسم مشتركا ويقال : إذا ثبت أن القرء الانتقال فخروجها من طهر إلى حيض غير مراد بالآية أصلا ولذلك لم يكن الطلاق في الحيض طلاقا سنيا مأمورا به وهو الطلاق للعدة فإن الطلاق للعدة ما كان في الطهر وذلك يدل على كون القرء مأخوذا من الانتقال فإذا كان الطلاق في الطهر سنيا فتقدير الكلام : فعدتهن ثلاثة انتقالات فأولها الانتقال من الطهر الذي وقع فيه الطلاق والذي هو الانتقال من حيض إلى طهر لم يجعل قرءا لأن اللغة لا تدل عليه ولكن عرفنا بدليل آخر أن الله تعالى لم يرد الانتقال من حيض إلى طهر فإذا خرج أحدهما عن أن يكون مرادا بقي الآخر وهو الانتقال من الطهر إلى الحيض مرادا فعلى هذا عدتها ثلاثة انتقالات أولها الطهر وعلى هذا يمكن استيفاء ثلاثة أقراء كاملة إذا كان الطلاق في حالة الطهر ولا يكون ذلك حملا على المجاز بوجه ما قال الكيا الطبرى : وهذا نظر دقيق في غاية الاتجاه لمذهب الشافعي ويمكن أن نذكر في ذلك سرا لا يبعد فهمه من دقائق حكم الشريعة وهو أن الانتقال من الطهر إلى الحيض إنما جعل قرءا لدلالته على براءة الرحم فإن الحامل لا تحيض في الغالب فبحيضها علم براءة رحمها والانتقال من حيض إلى طهر بخلافه فإن الحائض يجوز أن تحبل في أعقاب حيضها وإذا تمادى أمد الحمل وقوى الولد انقطع دمها ولذلك تمتدح العرب بحمل نسائهم في حالة الطهر وقد مدحت عائشة رسول الله صلى الله عليه وسلم بقول الشاعر : ومبرإ من كل غبر حيضة وفساد مرضعة وداء مغيل يعنى أن أمه لم تحمل به في بقية حيضها فهذا ما للعلماء وأهل اللسان في تأويل القرء وقالوا : قرأت المرأة قرءا إذا حاضت أو طهرت وقرأت أيضا إذا حملت واتفقوا على أن القرء الوقت فإذا قلت : والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة أوقات صارت الآية مفسرة في العدد محتملة في المعدود فوجب طلب البيان للمعدود من غيرها فدليلنا قول الله تعالى : فطلقوهن لعدتهن ولا خلاف أنه يؤمر بالطلاق وقت الطهر فيجب أن يكون هو المعتبر في العدة فإنه قال : فطلقوهن يعنى وقتا تعتد به ثم قال تعالى : وأحصوا العدة يريد ما تعتد به المطلقة وهو الطهر الذي تطلق فيه وقال صلى الله عليه وسلم لعمر : ( مره فليراجعها ثم ليمسكها حتى تطهر ثم تحيض ثم تطهر فتلك العدة التى أمر الله أن تطلق لها النساء ( أخرجه مسلم وغيره وهو نص في أن زمن الطهر هو الذي يسمى عدة وهو الذي تطلق فيه النساء ولا خلاف أن من طلق في حال الحيض لم تعتد بذلك الحيض ومن طلق في حال الطهر فإنها تعتد عند الجمهور بذلك الطهر فكان ذلك أولى قال أبو بكر بن عبد الرحمن : ما أدركنا أحدا من فقهائنا إلا يقول بقول عائشة في أن الاقراء هي الاطهار فإذا طلق الرجل في طهر لم يطأ فيه اعتدت بما بقى منه ولو ساعة ولو لحظة ثم استقبلت طهرا ثانيا بعد حيضة ثم ثالثا بعد حيضة ثانية فإذا رأت الدم من الحيضة الثالثة حلت للأزواج وخرجت من العدة فإن طلق مطلق في طهر قد مس فيه لزمه الطلاق وقد أساء واعتدت بما بقى من ذلك الطهر وقال الزهري في امرأة طلقت في بعض طهرها : إنها تعتد بثلاثة أطهار سوى بقية ذلك الطهر قال أبو عمر : لا أعلم أحدا ممن قال : الاقراء الاطهار يقول هذا غير بن شهاب الزهري فإنه قال : تلغى الطهر الذى طلقت فيه ثم تعتد بثلاثة أطهار لأن الله عز وجل يقول : ثلاثة قروء قلت : فعلى قوله لا تحل المطلقة حتى تدخل في الحيضة الرابعة وقول بن القاسم ومالك وجمهور أصحابه والشافعي وعلماء المدينة : إن المطلقة إذا رأت أول نقطة من الحيضة الثالثة خرجت من العصمة وهو مذهب زيد بن ثابت وعائشة وبن عمر وبه قال أحمد بن حنبل وإليه ذهب داؤد بن علي وأصحابه والحجة على الزهري أن النبى صلى الله عليه وسلم أذن في طلاق الطاهر من غير جماع ولم يقل أول الطهر ولا آخره وقال أشهب : لا تنقطع العصمة والميراث حتى يتحقق أنه دم حيض لئلا تكون دفعة دم من غير الحيض احتج الكوفيون بقوله عليه السلام لفاطمة بنت أبي حبيش حين شكت إليه الدم : ( إنما ذلك عرق فانظرى فإذا أتى قرؤك فلا تصلى وإذا مر القرء فتطهرى ثم صلى من القرء إلى القرء ( وقال تعالى : واللائي يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر فجعل المأيوس منه المحيض فدل على أنه هو العدة وجعل العوض منه هو الأشهر إذا كان معدوما وقال عمر بحضرة الصحابة : عدة الأمة حيضتان نصف عدة الحرة ولو قدرت على أن أجعلها حيضة ونصفا لفعلت ولم ينكر عليه أحد فدل على أنه إجماع منهم وهو قول عشرة من الصحابة منهم الخلفاء الأربعة وحسبك ما قالوا وقوله تعالى : والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء يدل على ذلك لأن المعنى يتربصن ثلاثة أقراء يريد كوامل وهذا لا يمكن أن يكون إلا على قولنا بأن الاقراء الحيض لأن من يقول : إنه الطهر يجوز أن تعتد بطهرين وبعض آخر لأنه إذا طلق حال الطهر اعتدت عنده ببقية ذلك الطهر قرءا وعندنا تستأنف من أول الحيض حتى يصدق الاسم فإذا طلق الرجل المرأة في طهر لم يطأ فيه استقبلت حيضة ثم حيضة ثم حيضة فإذا اغتسلت من الثالثة خرجت من العدة قلت : هذا يرده قوله تعالى : سخرها عليهم سبع ليال وثمانية أيام فأثبت الهاء في ثمانية أيام لأن اليوم مذكر وكذلك القرء فدل على أنه المراد ووافقنا أبو حنيفة على أنها إذا طلقت حائضا أنها لا تعتد بالحيضة التى طلقت فيها ولا بالطهر الذى بعدها وإنما تعتد بالحيض الذي بعد الطهر وعندنا تعتد بالطهر على ما بيناه وقد استجاز أهل اللغة أن يعبروا عن البعض باسم الجميع كما قال تعالى : الحج أشهر معلومات والمراد به شهران وبعض الثالث فكذلك قوله : ثلاثة قروء والله أعلم وقال بعض من يقول بالحيض : إذا طهرت من الثالثة انقضت العدة بعد الغسل وبطلت الرجعة قاله سعيد بن جبير وطاوس وبن شبرمة والأوزاعي وقال شريك : إذا فرطت المرأة في الغسل عشرين سنة فلزوجها عليها الرجعة ما لم تغتسل وروى عن إسحاق بن راهويه أنه قال : إذا طعنت المرأة في الحيضة الثالثة بانت وانقطعت رجعة الزوج إلا أنها لا يحل لها أن تتزوج حتى تغتسل من حيضتها وروى نحوه عن بن عباس وهو قول ضعيف بدليل قول الله تعالى : فإذا بلغن أجلهن فلا جناح عليكم فيما فعلن في أنفسهن على ما يأتى وأما ما ذكره الشافعى من أن نفس الانتقال من الطهر إلى الحيضة يسمى قرءا ففائدته تقصير العدة على المرأة وذلك أنه إذا طلق المرأة في آخر ساعة من طهرها فدخلت في الحيضة عدته قرءا وبنفس الانتقال من الطهر الثالث انقطعت العصمة وحلت والله أعلم الخامسة والجمهور من العلماء على أن عدة الأمة التى تحيض من طلاق زوجها حيضتان وروى عن بن سيرين أنه قال : ما أرى عدة الأمة إلا كعدة الحرة إلا أن تكون مضت في ذلك سنة : فإن السنة أحق أن تتبع وقال الأصم عبد الرحمن بن كيسان وداؤد بن علي وجماعة أهل الظاهر : إن الآيات في عدة الطلاق والوفاة بالأشهر والاقراء عامة في حق الأمة والحرة فعدة الحرة والأمة سواء واحتج الجمهور بقوله عليه السلام : ( طلاق الأمة تطليقتان وعدتها حيضتان ( رواه بن جريج عن عطاء عن مظاهر بن أسلم عن أبيه عن القاسم بن محمد عن عائشة قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( طلاق الأمة تطليقتان وقرؤها حيضتان ( فأضاف إليها الطلاق والعدة جميعا إلا أن مظاهر بن أسلم انفرد بهذا الحديث وهو ضعيف وروى عن بن عمر : أيهما رق نقص طلاقه وقالت به فرقة من العلماء قوله تعالى : ( ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن ) فيه مسألتان : الأولى قوله تعالى : ( ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن ) أي من الحيض قاله عكرمة والزهري والنخعي وقيل : الحمل قاله عمر وبن عباس وقال مجاهد : الحيض والحمل معا وهذا على أن الحامل تحيض والمعنى المقصود من الآية أنه لما دار أمر العدة على الحيض والاطهار ولا اطلاع عليهما إلا من جهة النساء جعل القول قولها إذا ادعت انقضاء العدة أو عدمها وجعلهن مؤتمنات على ذلك وهو مقتضى قوله تعالى : ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن وقال سليمان بن يسار : ولم نؤمر أن نفتح النساء فننظر إلى فروجهن ولكن وكل ذلك إليهن إذ كن مؤتمنات ومعنى النهى عن الكتمان النهى عن الإضرار بالزوج وإذهاب حقه فإذا قالت المطلقة : حضت وهى لم تحض ذهبت بحقه من الارتجاع وإذا قالت : لم أحض وهى قد حاضت ألزمته من النفقة ما لم يلزمه فأضرت به أو تقصد بكذبها في نفي الحيض ألا ترجع حتى تنقضى العدة ويقطع الشرع حقه وكذلك الحامل تكتم الحمل لتقطع حقه من الارتجاع قال قتادة : كانت عادتهن في الجاهلية أن يكتمن الحمل ليلحقن الولد بالزوج الجديد ففى ذلك نزلت الآية وحكى أن رجلا من أشجع أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله إنى طلقت امرأتى وهى حبلى ولست آمن أن تتزوج فيصير ولدى لغيرى فأنزل الله الآية وردت امرأة الأشجعى عليه الثانية قال بن المنذر : وقال كل من حفظت عنه من أهل العلم : إذا قالت المرأة في عشرة أيام : قد حضت ثلاث حيض وانقضت عدتى إنها لا تصدق ولا يقبل ذلك منها إلا أن تقول : قد أسقطت سقطا قد استبان خلقه واختلفوا في المدة التى تصدق فيها المرأة فقال مالك : إذا قالت انقضت عدتي في امد تنقضي في مثله العدة قبل قولها فإن أخبرت بانقضاء العدة في مدة تقع نادرا فقولان قال في المدونة : إذا قالت حضت ثلاث حيض في شهر صدقت إذا صدقها النساء وبه قال شريح وقال له على بن أبى طالب : قالون أي أصبت وأحسنت وقال في كتاب محمد : لا تصدق إلا في شهر ونصف ونحوه قول أبى ثور قال أبو ثور : أقل ما يكون ذلك في سبعة وأربعين يوما وذلك أن أقل الطهر خمسة عشر يوما وأقل الحيض يوم وقال النعمان : لا تصدق في أقل من ستين يوما وقال به الشافعي قوله تعالى : ( إن كن يؤمن بالله واليوم الآخر ) هذا وعيد عظيم شديد لتأكيد تحريم الكتمان وإيجاب لأداء الأمانة في الإخبار عن الرحم بحقيقة ما فيه أي فسبيل المؤمنات ألا يكتمن الحق وليس قوله : إن كن يؤمن بالله على أنه أبيح لمن لا يؤمن أن يكتم لأن ذلك لا يحل لمن لا يؤمن وإنما هو كقولك : إن كنت أخي فلا تظلمنى أي فينبغى أن يحجزك الإيمان عنه لأن هذا ليس من فعل أهل الإيمان قوله تعالى : ( وبعولتهن أحق بردهن ) فيه إحدى عشرة مسألة : الأولى قوله تعالى : ( وبعولتهن ) البعولة جمع البعل وهو الزوج سمى بعلا لعلوه على الزوجة بما قد ملكه من زوجيتها ومنه قوله تعالى : أتدعون بعلا أي ربا لعلوه في الربوبية يقال : بعل وبعولة كما يقال في جمع الذكر : ذكر وذكورة وفى جمع الفحل : فحل وفحولة وهذه الهاء زائدة مؤكدة لتأنيث الجماعة وهو شاذ لا يقاس عليه ويعتبر فيها السماع فلا يقال في لعب : لعوبة وقيل : هي هاء تأنيث دخلت على فعول والبعولة أيضا مصدر البعل وبعل الرجل يبعل ( مثل منع يمنع ) بعولة أي صار بعلا : والمباعلة والبعال : الجماع ومنه قوله عليه السلام لأيام التشريق : ( إنها أيام أكل وشرب وبعال ( وقد تقدم فالرجل بعل المرأة والمرأة بعلته وباعل مباعلة إذا باشرها وفلان بعل هذا أي مالكه وربه وله محامل كثيرة تأتى إن شاء الله تعالى الثانية قوله تعالى : ( أحق بردهن ) أي بمراجعتهن فالمراجعة على ضربين : مراجعة في العدة على حديث بن عمر ومراجعة بعد العدة على حديث معقل وإذا كان هذا فيكون في الآية دليل على تخصيص ما شمله العموم في المسميات لأن قوله تعالى : والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء عام في المطلقات ثلاثا وفيما دونها لا خلاف فيه ثم قوله : وبعولتهن أحق حكم خاص فيمن كان طلاقها دون الثلاث وأجمع العلماء على أن الحر إذا طلق زوجته الحرة وكانت مدخولا بها تطليقة أو تطليقتين أنه أحق برجعتها ما لم تنقض عدتها وإن كرهت المرأة فإن لم يراجعها المطلق حتى انقضت عدتها فهي أحق بنفسها وتصير أجنبية منه لا تحل له إلا بخطبة ونكاح مستأنف بولي وإشهاد ليس على سنة المراجعة وهذا إجماع من العلماء قال المهلب : وكل من راجع في العدة فإنه لا يلزمه شيء من أحكام النكاح غير الإشهاد على المراجعة فقط وهذا إجماع من العلماء لقوله تعالى : فإذا بلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو فارقوهن بمعروف وأشهدوا ذوى عدل منكم فذكر الإشهاد في الرجعة ولم يذكره في النكاح ولا في الطلاق قال بن المنذر : وفيما ذكرناه من كتاب الله مع إجماع أهل العلم كفاية عن ذكر ما روي عن الأوائل في هذا الباب والله تعالى أعلم الثالثة واختلفوا فيما يكون به الرجل مراجعا في العدة فقال مالك : إذا وطئها في العدة وهو يريد الرجعة وجهل أن يشهد فهي رجعة وينبغى للمرأة أن تمنعه الوطء حتى يشهد وبه قال إسحاق لقوله عليه السلام : ( إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى ( فإن وطىء في العدة لا ينوي الرجعة فقال مالك : يراجع في العدة ولا يطأ حتى يستبرئها من مائه الفاسد قال بن القاسم : فإن انقضت عدتها لم ينكحها هو ولا غيره في بقية مدة الاستبراء فإن فعل فسخ نكاحه ولا يتأبد تحريمها عليه لأن الماء ماؤه وقالت طائفة : إذا جامعها فقد راجعها هكذا قال سعيد بن المسيب والحسن البصري وبن سيرين والزهري وعطاء وطاوس والثوري قال : ويشهد وبه قال أصحاب الرأي والأوزاعي وبن أبى ليلى حكاه بن المنذر وقال أبو عمر : وقد قيل : وطؤه مراجعة على كل حال نواها أو لم ينوها ويروى ذلك عن طائفة من أصحاب مالك وإليه ذهب الليث ولم يختلفوا فيمن باع جاريته بالخيار أن له وطأها في مدة الخيار وأنه قد ارتجعها بذلك إلى ملكه واختار نقض البيع بفعله ذلك وللمطلقة الرجعية حكم من هذا والله أعلم الرابعة من قبل أو باشر ينوى بذلك الرجعة كانت رجعة وإن لم ينو بالقبلة والمباشرة الرجعة كان اثما وليس بمراجع والس ن ة أن يشهد قبل أن يطأ أو قبل أن يقبل أو يباشر وقال أبو حنيفة وأصحابه : إن وطئها أو لمسها بشهوة أو نظر إلى فرجها بشهوة فهي رجعة وهو قول الثوري وينبغى أن يشهد وفي قول مالك والشافعي وإسحاق وأبي عبيد وأبي ثور لا يكون رجعة قاله بن المنذر وفى المنتقى قال : ولا خلاف في صحة الارتجاع بالقول فأما بالفعل نحو الجماع والقبلة فقال القاضي أبو محمد : يصح بها وبسائر الاستمتاع للذة قال بن المواز : ومثل الجسة للذة أو أن ينظر إلى فرجها أو ما قارب ذلك من محاسنها إذا أراد بذلك الرجعة خلافا للشافعي في قوله : لا تصح الرجعة إلا بالقول وحكاه بن المنذر عن أبي ثور وجابر بن زيد وأبي قلابة الخامسة قال الشافعى : إن جامعها ينوى الرجعة أو لا ينويها فليس برجعة ولها عليه مهر مثلها وقال مالك : لا شيء لها : لأنه لو ارتجعها لم يكن عليه مهر فلا يكون الوطء دون الرجعة أولى بالمهر من الرجعة وقال أبو عمر : ولا أعلم أحدا أوجب عليه مهر المثل غير الشافعي وليس قوله بالقوي لأنها في حكم الزوجات وترثه ويرثها فكيف يجب مهر المثل في وطء امرأة حكمها في أكثر أحكامها حكم الزوجة إلا أن الشبهة في قول الشافعي قوية لأنها عليه محرمة إلا برجعة لها وقد أجمعوا على أن الموطوءة بشبهة يجب لها المهر وحسبك بهذا السادسة واختلفوا هل يسافر بها قبل أن يرتجعها فقال مالك والشافعي : لا يسافر بها حتى يراجعها وكذلك قال أبو حنيفة وأصحابه إلا زفر فإنه روى عنه الحسن بن زياد أن له أن يسافر بها قبل الرجعة وروى عنه عمرو بن خالد لا يسافر بها حتى يراجع السابعة واختلفوا هل له أن يدخل عليها ويرى شيئا من محاسنها وهل تتزين له وتتشرف فقال مالك لا يخلو معها ولا يدخل عليها إلا بإذن ولا ينظر إليها إلا وعليها ثيابها ولا ينظر إلى شعرها ولا بأس أن يأكل معها إذا كان معهما غيرهما ولا يبيت معها في بيت وينتقل عنها وقال بن القاسم : رجع مالك عن ذلك فقال : لا يدخل عليها ولا يرى شعرها ولم يختلف أبو حنيفة وأصحابه في أنها تتزين له وتتطيب وتلبس الحلى وتتشرف وعن سعيد بن المسيب قال : إذا طلق الرجل امرأته تطليقة فإنه يستأذن عليها وتلبس ما شاءت من الثياب والحلي فإن لم يكن لهما إلا بيت واحد فليجعلا بينهما سترا ويسلم إذا دخل ونحوه عن قتادة ويشعرها إذا دخل بالتنخم والتنحنح وقال الشافعى : المطلقة طلاقا يملك رجعتها محرمة على مطلقها تحريم المبتوتة حتى يراجع ولا يراجع إلا بالكلام على ما تقدم الثامنة أجمع العلماء على أن المطلق إذا قال بعد انقضاء العدة : إني كنت راجعتك في العدة وأنكرت أن القول قولها مع يمينها ولا سبيل له إليها غير أن النعمان كان لا يرى يمينا في النكاح ولا في الرجعة وخالفه صاحباه فقالا كقول سائر أهل العلم وكذلك إذا كانت الزوجة أمة واختلف المولى والجارية والزوج يدعى الرجعة في العدة بعد انقضاء العدة وأنكرت فالقول قول الزوجة الأمة وإن كذبها مولاها هذا قول الشافعي وأبى ثور والنعمان وقال يعقوب ومحمد : القول قول المولى وهو أحق بها التاسعة لفظ الرد يقتضي زوال العصمة إلا أن علماؤنا قالوا : إن الرجعية محرمة الوطء فيكون الرد عائدا إلى الحل وقال الليث بن سعد وأبو حنيفة ومن قال بقولهما في أن الرجعة محللة الوطء : أن الطلاق فائدته تنقيص العدد الذي جعل له خاصة وأن أحكام الزوجية باقية لم ينحل منها شيء قالوا : وأحكام الزوجية وإن كانت باقية فالمرأة ما دامت في العدة سائرة في سبيل الزوال بانقضاء العدة فالرجعة رد عن هذه السبيل التى أخذت المرأة في سلوكها وهذا رد مجازى والرد الذي حكمنا به رد حقيقي فإن هناك زوال مستنجز وهو تحريم الوطء فوقع الرد عنه حقيقة والله أعلم العاشرة لفظ أحق يطلق عند تعارض حقين ويترجح أحدهما فالمعنى حق الزوج في مدة التربص أحق من حقها بنفسها فإنها إنما تملك نفسها بعد انقضاء العدة ومثل هذا قوله عليه السلام : ( الأيم أحق بنفسها من وليها ( وقد تقدم الحادية عشرة الرجل مندوب إلى المراجعة ولكن إذا قصد الإصلاح بإصلاح حاله معها وإزالة الوحشة بينهما فأما إذا قصد الإضرار وتطويل العدة والقطع بها عن الخلاص من ربقة النكاح فمحرم لقوله تعالى : ولا تمسكوهن ضرارا لتعتدوا ثم من فعل ذلك فالرجعة صحيحة وإن ارتكب النهى وظلم نفسه ولو علمنا نحن ذلك المقصد طلقنا عليه قوله تعالى : ( ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف ) فيه ثلاث مسائل : الأولى قوله تعالى : ولهن أي لهن من حقوق الزوجية على الرجال مثل ما للرجال عليهن ولهذا قال بن عباس : إنى لأتزين لامرأتي كما تتزين لي وما أحب أن أستنظف كل حقي الذي لى عليها فتستوجب حقها الذي لها على لأن الله تعالى قال : ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف أي زينة من غير مأثم وعنه أيضا : أي لهن من حسن الصحبة والعشرة بالمعروف على أزواجهن مثل الذي عليهن من الطاعة فيما أوجبه عليهن لأزواجهن وقيل : إن لهن على أزواجهن ترك مضارتهن كما كان ذلك عليهن لأزواجهن قاله الطبري : وقال بن زيد : تتقون الله فيهن كما عليهن أن يتقين الله عز وجل فيكم والمعنى متقارب والآية تعم جميع ذلك من حقوق الزوجية الثانية قول بن عباس : إنى لأتزين لامرأتي قال العلماء : أما زينة الرجال فعلى تفاوت أحوالهم فإنهم يعملون ذلك على اللبق والوفاق فربما كانت زينة تليق في وقت ولا تليق في وقت وزينة تليق بالشباب وزينة تليق بالشيوخ ولا تليق بالشباب ألا ترى أن الشيخ والكهل إذا حف شاربه ليق به ذلك وزانه والشاب إذا فعل ذلك س مج وم ق ت لأن اللحية لم توفر بعد فإذا حف شاربه في أول ما خرج وجهه سمج وإذا وفرت لحيته وحف شاربه زانه ذلك وروى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال ( أمرنى ربي أن أعفي لحيتي وأحفي شاربي ( وكذلك في شأن الكسوة ففي هذا كله ابتغاء الحقوق فإنما يعمل على اللبق والوفاق ليكون عند امرأته في زينة تسرها ويعفها عن غيره من الرجال وكذلك الكحل من الرجال منهم من يليق به ومنهم من لا يليق بهم فأما الطيب والسواك والخلال والرمي بالدرن وفضول الشعر والتطهير وقلم الأظفار فهو بين موافق للجميع والخضاب للشيوخ والخاتم للجميع من الشباب والشيوخ زينة وهو حلى الرجال على ما يأتى بيانه في سورة النحل ثم عليه أن يتوخى أوقات حاجتها إلى الرجل فيعفها ويغنيها عن التطلع إلى غيره وإن رأى الرجل من نفسه عجزا عن إقامة حقها في مضجعها أخذ من الأدوية التى تزيد في باهه وتقوي شهوته حتى يعفها الثالثة قوله تعالى : ( وللرجال عليهن درجة ) أي منزلة ومدرجة الطريق : قارعته والأصل فيه الطي يقال : درجوا أي طووا عمرهم ومنها الدرجة التى يرتقي عليها ويقال : رجل بين الرجلة أي القوة وهو أرجل الرجلين أي أقواهما وفرس رجيل أي قوي ومنه الرجل لقوتها على المشي فزيادة درجة الرجل بعقله وقوته على الإنفاق وبالدية والميراث والجهاد وقال حميد : الدرجة اللحية وهذا إن صح عنه فهو ضعيف لا يقتضيه لفظ الآية ولا معناها قال بن العربي : فطوبى لعبد أمسك عما لا يعلم وخصوصا في كتاب الله تعالى ولا يخفى على لبيب فضل الرجال على النساء ولو لم يكن إلا أن المرأة خلقت من الرجل فهو أصلها وله أن يمنعها من التصرف إلا بإذنه فلا تصوم إلا بإذنه ولا تحج إلا معه وقيل : الدرجة الصداق قاله الشعبي وقيل : جواز الأدب وعلى الجملة فدرجة تقتضي التفضيل وتشعر بأن حق الزوج عليها أوجب من حقها عليه ولهذا قال عليه السلام : ( ولو أمرت أحدا بالسجود لغير الله لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها ( وقال بن عباس : الدرجة إشارة إلى حض الرجال على حسن العشرة والتوسع للنساء في المال والخلق أي أن الأفضل ينبغي أن يتحامل على نفسه قال بن عطية : وهذا قول حسن بارع قال الماوردي يحتمل أنها في حقوق النكاح له رفع العقد دونها ويلزمها إجابته إلى الفراش ولا يلزمه إجابتها قلت : ومن هذا قوله عليه السلام : ( إيما امرأة دعاها زوجها إلى فراشه فأبت عليه لعنتها الملائكة حتى تصبح ( والله عزيز ) أي منيع السلطان لا معترض عليه ( حكيم ) أي عالم مصيب فيما يفعل < <

حصہ V03/P124Kurtubî — el-Câmi' li-Ahkâmi'l-Kur'ân (s. V03/P124)
Orijinal Metin (AR)

البقرة : ( 229 ) الطلاق مرتان فإمساك . . . . . > > < > ( 229 ) <

اردو Tercümesi (Ehl-i Sünnet)

البقرة : ( 229 ) الطلاق مرتان فإمساك . . . . . > > < > ( 229 ) <

حصہ V03/P124–V03/P145Kurtubî — el-Câmi' li-Ahkâmi'l-Kur'ân (s. V03/P124–V03/P145)
Orijinal Metin (AR)

> قوله تعالى : ( الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان ) فيه سبع مسائل : الأولى قوله تعالى : ( الطلاق مرتان ) ثبت أن أهل الجاهلية لم يكن عندهم للطلاق عدد وكانت عندهم العدة معلومة مقدرة وكان هذا في أول الأسلام برهة يطلق الرجل امرأته ما شاء من الطلاق فإذا كادت تحل من طلاقه راجعها ما شاء فقال رجل لامرأته على عهد النبى صلى الله عليه وسلم : لا أويك ولا أدعك تحلين قالت : وكيف قال : أطلقك فإذا دنا مضى عدتك راجعتك فشكت المرأة ذلك إلى عائشة فذكرت ذلك للنبى صلى الله عليه وسلم فأنزل الله تعالى هذه الآية بيانا لعدد الطلاق الذي للمرء فيه أن يرتجع دون تجديد مهر وولي ونسخ ما كانوا عليه قال معناه عروة بن الزبير وقتادة وبن زيد وغيرهم وقال بن مسعود وبن عباس ومجاهد وغيرهم : المراد بالآية التعريف بسنة الطلاق أي من طلق اثنتين فليتق الله في الثالثة فإما تركها غير مظلومة شيئا من حقها وإما أمسكها محسنا عشرتها والآية تتضمن هذين المعنيين الثانية الطلاق هو حل العصمة المنعقدة بين الأزواج بألفاظ مخصوصة والطلاق مباح بهذه الآية وبغيرها وبقوله عليه السلام في حديث بن عمر : ( فإن شاء أمسك وإن شاء طلق ( وقد طلق رسول الله صلى الله عليه وسلم حفصة ثم راجعها خرجه بن ماجه وأجمع العلماء على أن من طلق امرأته طاهرا في طهر لم يمسها فيه أنه مطلق للسنة وللعدة التى أمر الله تعالى بها وأن له الرجعة إذا كانت مدخولا بها قبل أن تنقضي عدتها فإذا انقضت فهو خاطب من الخطاب فدل الكتاب والسنة وإجماع الأمة على أن الطلاق مباح غير محظور قال بن المنذر : وليس في المنع منه خبر يثبت الثالثة روى الدارقطني حدثنى أبو العباس محمد بن موسى بن علي الدولابي ويعقوب بن إبراهيم قالا حدثنا الحسن بن عرفة حدثنا إسماعيل بن عياش بن حميد بن مالك اللخمى عن مكحول عن معاذ بن جبل قال قال لى رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( يا معاذ ما خلق الله شيئا على وجه الأرض أحب إليه من العتاق ولا خلق الله تعالى شيئا على وجه الأرض أبغض إليه من الطلاق فإذا قال الرجل لمملوكه أنت حر إن شاء الله فهو حر ولا استثناء له وإذا قال الرجل لامرأته أنت طالق إن شاء الله فله استثناؤه ولا طلاق عليه ( حدثنا محمد بن موسى بن علي حدثنا حميد بن الربيع حدثنا يزيد بن هارون أنبأنا إسماعيل بن عياش بإسناده نحوه قال حميد قال لي يزيد بن هارون : وأي حديث لو كان حميد بن مالك اللخمى معروفا قلت : هو جدي قال يزيد : سررتنى الان صار حديثا قال بن المنذر : وممن رأي الاستثناء في الطلاق طاوس وحماد والشافعي وأبو ثور وأصحاب الرأي ولا يجوز الاستثناء في الطلاق في قول مالك والاوزاعي وهو قول الحسن وقتادة في الطلاق خاصة قال : وبالقول الأول أقول الرابعة قوله تعالى : ( فإمساك بمعروف ) ابتداء والخبر أمثل أو أحسن ويصح أن يرتفع على خبر ابتداء محذوف أي فعليكم إمساك بمعروف أو فالواجب عليكم إمساك بما يعرف أنه الحق ويجوز في غير القرآن فإمساكا على المصدر ومعنى بإحسان أي لا يظلمها شيئا من حقها ولا يتعدى في قول والإمساك : خلاف الإطلاق والتسريح : إرسال الشيء ومنه تسريح الشعر ليخلص البعض من البعض وسرح الماشية : أرسلها والتسريح يحتمل لفظه معنيين : أحدهما تركها حتى تتم العدة من الطلقة الثانية وتكون أملك لنفسها وهذا قول السدي والضحاك والمعنى الاخر أن يطلقها ثالثة فيسرحها هذا قول مجاهد وعطاء وغيرهما وهو أصح لوجوه ثلاثة : أحدها ما رواه الدارقطني عن أنس أن رجلا قال : يا رسول الله قال الله تعالى : الطلاق مرتان فلم صار ثلاثا قال : ( إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان في رواية هي الثالثة ( ذكره بن المنذر الثانى أن التسريح من ألفاظ الطلاق ألا ترى أنه قد قرئ إن عزموا السراح الثالثة أن فعل تفعيلا يعطى أنه أحدث فعلا مكررا على الطلقة الثانية وليس في الترك إحداث فعل يعبر عنه بالتفعيل قال أبو عمر : وأجمع العلماء على أن قوله تعالى : أو تسريح بإحسان هي الطلقة الثالثة بعد الطلقتين وإياها عني بقوله تعالى : فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره وأجمعوا على أن من طلق امرأته طلقة أو طلقتين فله مراجعتها فإن طلقها الثالثة لم تحل له حتى تنكح زوجا غيره وكان هذا من محكم القرآن الذي لم يختلف في تأويله وقد روى من أخبار العدول مثل ذلك أيضا : حدثنا سعيد بن نصر قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا محمد بن وضاح قال حدثنا أبو بكر بن أبى شيبة قال حدثنا أبو معاوية عن إسماعيل بن سميع عن أبى رزين قال : جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله أرأيت قول الله تعالى : الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان فأين الثالثة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان ( ورواه الثورى وغيره عن إسماعيل بن سميع عن أبى رزين مثله قلت : وذكر الكيا الطبرى هذا الخبر وقال : إنه غير ثابت من جهة النقل ورجح قول الضحاك والسدي وأن الطلقة الثالثة إنما هي مذكورة في مساق الخطاب في قوله تعالى : فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره فالثالثة مذكورة في صلب هذا الخطاب مفيدة للبينونة الموجبة للتحريم إلا بعد زوج فوجب حمل قوله أو تسريح بإحسان على فائدة مجددة وهو وقوع البينونة بالثنتين عند انقضاء العدة وعلى أن المقصود من الآية بيان عدد الطلاق الموجب للتحريم ونسخ ما كان جائزا من إيقاع الطلاق بلا عدد محصور فلو كان قوله : أو تسريح بإحسان هو الثالثة لما أبان عن المقصد في إيقاع التحريم بالثلاث إذ لو اقتصر عليه لما دل على وقوع البينونة المحرمة لها إلا بعد زوج وإنما علم التحريم بقوله تعالى : فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره فوجب ألا يكون معنى قوله : أو تسريح بإحسان الثالثة ولو كان قوله أو تسريح بإحسان بمعنى الثالثة كان قوله عقيب ذلك فإن طلقها الرابعة لأن الفاء للتعقيب وقد اقتضى طلاقا مستقبلا بعد ما تقدم ذكره فثبت بذلك أن قوله تعالى : أو تسريح بإحسان هو تركها حتى تنقضى عدتها الخامسة ترجم البخاري على هذه الآية باب من أجاز الطلاق الثلاث بقوله تعالى : الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان وهذا إشارة منه إلى أن هذا التعديد إنما هو فسحة لهم فمن ضيق على نفسه لزمه قال علماؤنا : واتفق أئمة الفتوى على لزوم إيقاع الطلاق الثلاث في كلمة واحدة وهو قول جمهور السلف وشذ طاوس وبعض أهل الظاهر إلى أن طلاق الثلاث في كلمة واحدة يقع واحدة ويروى هذا عن محمد بن إسحاق والحجاج بن أرطاة وقيل عنهما : لا يلزم منه شيء وهو قول مقاتل ويحكى عن داؤد أنه قال لا يقع والمشهور عن الحجاج بن أرطاة وجمهور السلف والأئمة أنه لازم واقع ثلاثا ولا فرق بين أن يوقع ثلاثا مجتمعة في كلمة أو متفرقة في كلمات فأما من ذهب إلى أنه لا يلزم منه شيء فاحتج بدليل قوله تعالى : والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء وهذا يعم كل مطلقة إلا ما خص منه وقد تقدم وقال : الطلاق مرتان والثالثة فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان ومن طلق ثلاثا في كلمة فلا يلزم إذ هو غير مذكور في القرآن وأما من ذهب إلى أنه واقع واحدة فاستدل بأحاديث ثلاثة : أحدها حديث بن عباس من رواية طاوس وأبي الصهباء وعكرمة وثانيها حديث بن عمر على رواية من روى أنه طلق امرأته ثلاثا وأنه عليه السلام أمره برجعتها واحتسبت له واحدة وثالثها أن ركانة طلق امرأته ثلاثا فأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم برجعتها والرجعة تقتضي وقوع واحدة والجواب عن الأحاديث ما ذكره الطحاوي أن سعيد بن جبير ومجاهدا وعطاء وعمرو بن دينار ومالك بن الحويرث ومحمد بن إياس بن البكير والنعمان بن أبى عياش رووا عن بن عباس فيمن طلق امرأته ثلاثا أنه قد عصى ربه وبانت منه امرأته ولا ينكحها إلا بعد زوج وفيما رواه هؤلاء الأئمة عن بن عباس مما يوافق الجماعة ما يدل على وهن رواية طاوس وغيره وما كان بن عباس ليخالف الصحابة إلى رأي نفسه قال بن عبد البر : ورواية طاوس وهو وغلط لم يعرج عليها أحد من فقهاء الأمصار بالحجاز والشام والعراق والمشرق والمغرب وقد قيل : إن أبا الصهباء لا يعرف في موالى بن عباس قال القاضي أبو الوليد الباجي : وعندى أن الرواية عن بن طاوس بذلك صحيحة فقد روى عنه الأئمة : معمر وبن جريج وغيرهما وبن طاوس إمام والحديث الذي يشيرون إليه هو ما رواه بن طاوس عن أبيه عن بن عباس قال : كان الطلاق على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبى بكر وسنتين من خلافة عمر بن الخطاب طلاق الثلاث واحدة فقال عمر رضى الله عنه : إن الناس قد استعجلوا في أمر كانت لهم فيه أناة فلو أمضيناه عليهم فأمضاه عليهم ومعنى الحديث أنهم كانوا يوقعون طلقة واحدة بدل إيقاع الناس الان ثلاث تطليقات ويدل على صحة هذا التأويل أن عمر قال : إن الناس قد استعجلوا في أمر كانت لهم فيه أناة فأنكر عليهم أن أحدثوا في الطلاق استعجال أمر كانت لهم فيه أناة فلو كان حالهم ذلك في أول الإسلام في زمن النبى صلى الله عليه وسلم ما قاله ولا عاب عليهم أنهم استعجلوا في أمر كانت لهم فيه أناة ويدل على صحة هذا التأويل ما روى عن بن عباس من غير طريق أنه أفتى بلزوم الطلاق الثلاث لمن أوقعها مجتمعة فإن كان هذا معنى حديث بن طاوس فهو الذي قلناه وإن حمل حديث بن عباس على ما يتأول فيه من لا يعبأ بقوله فقد رجع بن عباس إلى قول الجماعة وانعقد به الإجماع ودليلنا من جهة القياس أن هذا طلاق أوقعه من يملكه فوجب أن يلزمه أصل ذلك إذا أوقعه مفردا قلت : ما تأوله الباجي هو الذي ذكر معناه الكيا الطبرى عن علماء الحديث أي إنهم كانوا يطلقون طلقة واحدة هذا الذي يطلقون ثلاثا أي ما كانوا يطلقون في كل قرء طلقة وإنما كانوا يطلقون في جميع العدة واحدة إلى أن تبين وتنقضي العدة وقال القاضي أبو محمد عبد الوهاب : معناه أن الناس كانوا يقتصرون على طلقة واحدة ثم أكثروا أيام عمر من إيقاع الثلاث قال القاضي : وهذا هو الأشبه بقول الراوي : إن الناس في أيام عمر استعجلوا الثلاث فعجل عليهم معناه ألزمهم حكمها وأما حديث بن عمر فإن الدارقطني روى عن أحمد بن صبيح عن طريف بن ناصح عن معاوية بن عمار الدهنى عن أبى الزبير قال : سألت بن عمر عن رجل طلق امرأته ثلاثا وهي حائض فقال لى : أتعرف بن عمر قلت : نعم قال : طلقت امرأتى ثلاثا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ( وهى حائض فردها رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى السنة فقال الدارقطني : كلهم من الشيعة والمحفوظ ان بن عمر طلق امرأته واحدة في الحيض قال عبيد الله : وكان تطليقه إياها في الحيض واحدة غير أنه خالف السنة وكذلك قال صالح بن كيسان وموسى بن عقبة وإسماعيل بن أمية وليث بن سعد وبن أبى ذئب وبن جريج وجابر وإسماعيل بن إبراهيم بن عقبة عن نافع : أن بن عمر طلق تطليقة واحدة وكذا قال الزهري عن سالم عن أبيه ويونس بن جبير والشعبي والحسن وأما حديث ركانة فقيل : إنه حديث مضطرب منقطع لا يستند من وجه يحتج به رواه أبو داؤد من حديث بن جريج عن بعض بنى أبى رافع وليس فيهم من يحتج به عن عكرمة عن بن عباس وقال فيه : إن ركانة بن عبد يزيد طلق امرأته ثلاثا فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( أرجعها ( وقد رواه أيضا من طرق عن نافع بن عجير أن ركانة بن عبد يزيد طلق امرأته البتة فاستحلفه رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أراد بها فحلف ما أراد إلا واحدة فردها إليه فهذا اضطراب في الاسم والفعل ولا يحتج بشيء من مثل هذا قلت : قد أخرج هذا الحديث من طرق الدارقطني في سننه قال في بعضها : حدثنا محمد بن يحيى بن مرداس حدثنا أبو داؤد السجستانى حدثنا أحمد بن عمرو بن السرح وأبو ثور إبراهيم بن خالد الكلبى واخرون قالوا : حدثنا محمد بن إدريس الشافعى حدثنى عمى محمد بن على بن شافع عن عبد الله بن على بن السائب عن نافع بن عجير بن عبد يزيد : أن ركانة بن عبد يزيد طلق امرأته سهيمة المزنية البتة فأخبر النبى صلى الله عليه وسلم بذلك فقال : والله ما أردت إلا واحدة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( والله ما أردت إلا واحدة ( فقال ركانة : والله ما أردت بها إلا واحدة فردها إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فطلقها الثانية في زمان عمر بن الخطاب والثالثة في زمان عثمان قال أبو داؤد : هذا حديث صحيح فالذى صح من حديث ركانة أنه طلق امرأته البتة لا ثلاثا وطلاق البتة قد اختلف فيه على ما يأتى بيانه فسقط الاحتجاج والحمد لله والله أعلم وقال أبو عمر : رواية الشافعى لحديث ركانة عن عمه أتم وقد زاد زيادة لا تردها الأصول فوجب قبولها لثقة ناقليها والشافعى وعمه وجده أهل بيت ركانة كلهم من بنى عبد المطلب بن عبد مناف وهم أعلم بالقصة التى عرضت لهم فصل ذكر أحمد بن محمد بن مغيث الطليطلى هذه المسألة في وثائقه فقال : الطلاق ينقسم على ضربين : طلاق سنة وطلاق بدعة فطلاق السنة هو الواقع على الوجه الذي ندب الشرع إليه وطلاق البدعة نقيضه وهو أن يطلقها في حيض أو نفاس أو ثلاثا في كلمة واحدة فإن فعل لزمه الطلاق ثم اختلف أهل العلم بعد إجماعهم على أنه مطلق كم يلزمه من الطلاق فقال علي بن أبى طالب وبن مسعود : يلزمه طلقة واحدة وقاله بن عباس وقال : قوله ثلاثا لا معنى له لأنه لم يطلق ثلاث مرات وإنما يجوز قوله في ثلاث إذا كان مخبرا عما مضى فيقول : طلقت ثلاثا فيكون مخبرا عن ثلاثة أفعال كانت منه في ثلاثة أوقات كرجل قال : قرأت أمس سورة كذا ثلاث مرات فذلك يصح ولو قرأها مرة واحدة فقال : قرأتها ثلاث مرات كان كاذبا وكذلك لو حلف بالله ثلاثا يردد الحلف كانت ثلاثة أيمان وأما لو حلف فقال : أحلف بالله ثلاثا لم يكن حلف إلا يمينا واحدة والطلاق مثله وقاله الزبير بن العوام وعبد الرحمن بن عوف وروينا ذلك كله عن بن وضاح وبه قال من شيوخ قرطبة بن زنباع شيخ هدى ومحمد بن تقي بن مخلد ومحمد بن عبد السلام الحسنى فريد وقته وفقيه عصره وأصبغ بن الحباب وجماعة سواهم وكان من حجة بن عباس أن الله تعالى فرق في كتابه لفظ الطلاق فقال عز اسمه : الطلاق مرتان يريد أكثر الطلاق الذي يكون بعده الإمساك بالمعروف وهو الرجعة في العدة ومعنى قوله : أو تسريح بإحسان يريد تركها بلا ارتجاع حتى تنقضى عدتها وفى ذلك إحسان إليها إن وقع ندم بينهما قال الله تعالى لا تدرى لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا يريد الندم على الفرقة والرغبة في الرجعة وموقع الثلاث غير حسن لأن فيه ترك المندوحة التى وسع الله بها ونبه عليها فذكر الله سبحانه الطلاق مفرقا يدل على أنه إذا جمع أنه لفظ واحد وقد يخرج بقياس من غير ما مسألة من المدونة ما يدل على ذلك من ذلك قول الإنسان : مالي صدقة في المساكين أن الثلث يجزيه من ذلك وفى الإشراف لابن المنذر : وكان سعيد بن جبير وطاوس وأبو الشعثاء وعطاء وعمرو بن دينار يقولون : من طلق البكر ثلاثا فهي واحدة قلت : وربما اعتلوا فقالوا : غير المدخول بها لا عدة عليها فإذا قال : أنت طالق ثلاثا فقد بانت بنفس فراغه من قوله : أنت طالق فيرد ثلاثا عليها وهى بائن فلا يؤثر شيئا ولأن قوله : أنت طالق مستقل بنفسه فوجب ألا تقف البينونة في غير المدخول بها على ما يرد بعده أصله إذا قال : أنت طالق السادسة استدل الشافعي بقوله تعالى : أو تسريح بإحسان وقوله : وسرحوهن على أن هذا اللفظ من صريح الطلاق وقد اختلف العلماء في هذا المعنى فذهب القاضي أبو محمد إلى أن الصريح ما تضمن لفظ الطلاق على أي وجه مثل أن يقول : أنت طالق أو أنت مطلقة أو قد طلقتك أو الطلاق له لازم وما عدا ذلك من ألفاظ الطلاق مما يستعمل فيه فهو كناية وبهذا قال أبو حنيفة وقال القاضي أبو الحسن : صريح ألفاظ الطلاق كثيرة وبعضها أبين من بعض : الطلاق والسراح والفراق والحرام والخلية والبرية وقال الشافعى : الصريح ثلاثة ألفاظ وهو ما ورد به القرآن من لفظ الطلاق والسراح والفراق قال الله تعالى : أو فارقوهن بمعروف وقال : أو تسريح بإحسان وقال : فطلقوهن لعدتهن قلت : وإذا تقرر هذا فالطلاق على ضربين : صريح وكناية فالصريح ما ذكرنا والكناية ما عداه والفرق بينهما أن الصريح لا يفتقر إلى نية بل بمجرد اللفظ يقع الطلاق والكناية تفتقر إلى نية والحجة لمن قال : إن الحرام والخلية والبرية من صريح الطلاق كثرة استعمالها في الطلاق حتى عرفت به فصارت بينة واضحة في إيقاع الطلاق كالغائط الذي وضع للمطمئن من الأرض ثم استعمل على وجه المجاز في إتيان قضاء الحاجة فكان فيه أبين وأظهر وأشهر منه فيما وضع له وكذلك في مسألتنا مثله ثم إن عمر بن عبد العزيز قد قال : لو كان الطلاق ألفا ما أبقت البتة منه شيئا فمن قال : البتة فقد رمى الغاية القصوى أخرجه مالك وقد روى الدارقطني عن علي قال : الخلية والبرية والبتة والبائن والحرام ثلاث لا تحل له حتى تنكح زوجا غيره وقد جاء عن النبى صلى الله عليه وسلم أن البتة ثلاث من طريق فيه لين خرجه الدارقطني وسيأتى عند قوله تعالى : ولا تتخذوا آيات الله هزوا إن شاء الله تعالى السابعة لم يختلف العلماء فيمن قال لامرأته : قد طلقتك أنه من صريح الطلاق في المدخول بها وغير المدخول بها فمن قال لامرأته : أنت طالق فهي واحدة إلا أن ينوى أكثر من ذلك فإن نوى اثنتين أو ثلاثا لزمه ما نواه فإن لم ينو شيئا فهي واحدة تملك الرجعة ولو قال : أنت طالق وقال : أردت من وثاق لم يقبل قوله ولزمه إلا أن يكون هناك ما يدل على صدقه ومن قال : أنت طالق واحدة لا رجعة لى عليك فقوله : لا رجعة لى عليك باطل وله الرجعة لقوله واحدة لأن الواحدة لا تكون ثلاثا فإن نوى بقوله : لا رجعة لي عليك ثلاثا فهي ثلاث عند مالك واختلفوا فيمن قال لامرأته : قد فارقتك أو سرحتك أو انت خلية أو برية أو بائن أو حبلك على غاربك أو أنت على حرام أو الحقي بأهلك أو قد وهبتك لأهلك أو قد خليت سبيلك أو لا سبيل لي عليك فقال أبو حنيفة وأبو يوسف : هو طلاق بائن وروى عن بن مسعود وقال : إذا قال الرجل لامرأته استقلى بأمرك أو أمرك لك أو الحقى بأهلك فقبلوها فواحدة بائنة وروى عن مالك فيمن قال لامرأته : قد فارقتك أو سرحتك أنه من صريح الطلاق كقوله : أنت طالق وروى عنه أنه كناية يرجع فيها إلى نية قائلها ويسأل ما أراد من العدد مدخولا بها كانت أو غير مدخول بها قال بن المواز : وأصح قوليه في التى لم يدخل بها أنها واحدة إلا أن ينوي أكثر وقاله بن القاسم وبن عبد الحكم وقال أبو يوسف : هي ثلاث ومثله خلعتك أو لا ملك لى عليك وأما سائر الكنايات فهي ثلاث عند مالك في كل من دخل بها لا ينوى فيها قائلها وينوى في غير المدخول بها فإن حلف وقال أردت واحدة كان خاطبا من الخطاب لأنه لا يخلى المرأة التى قد دخل بها زوجها ولا يبينها ولا يبريها إلا ثلاث تطليقات والتى لم يدخل بها يخليها ويبريها ويبينها الواحدة وقد روى عن مالك وطائفة من أصحابه وهو قول جماعة من أهل المدينة أنه ينوي في هذه الألفاظ كلها ويلزمه من الطلاق ما نوى وقد روى عنه في البتة خاصة من بين سائر الكنايات أنه لا ينوي فيها لا في المدخول بها ولا في غير المدخول بها وقال الثوري وأبو حنيفة وأصحابه : له نيته في ذلك كله فإن نوى ثلاثا فهي ثلاث وإن نوى واحدة فهي واحدة بائنة وهى أحق بنفسها وإن نوى اثنتين فهي واحدة وقال زفر : إن نوى أثنتين فهي اثنتان وقال الشافعي : هو في ذلك كله غير مطلق حتى يقول : أردت بمخرج الكلام منى طلاقا فيكون ما نوى فإن نوى دون الثلاث كان رجعيا ولو طلقها واحدة بائنة كانت رجعية وقال إسحاق : كل كلام يشبه الطلاق فهو ما نوى من الطلاق وقال أبو ثور : هي تطليقة رجعية ولا يسأل عن نيته وروى عن بن مسعود أنه كان لا يرى طلاقا بائنا إلا في خلع أو إيلاء وهو المحفوظ عنه قاله أبو عبيد وقد ترجم البخارى باب إذا قال فارقتك أو سرحتك أو البرية أو الخلية أو ما عنى به الطلاق فهو على نيته وهذا منه إشارة إلى قول الكوفيين والشافعي وإسحاق في قوله : أو ما عنى به من الطلاق والحجة في ذلك أن كل كلمة تحتمل أن تكون طلاقا أو غير طلاق فلا يجوز أن يلزم بها الطلاق إلا أن يقول المتكلم : إنه أراد بها الطلاق فيلزمه ذلك بإقراره ولا يجوز إبطال النكاح لأنهم قد أجمعوا على صحته بيقين قال أبو عمر : واختلف قول مالك في معنى قول الرجل لامرأته : اعتدى أو قد خليتك أو حبلك على غاربك فقال مرة : لا ينوى فيها وهى ثلاث وقال مرة : ينوى فيها كلها في المدخول بها وغير المدخول بها وبه أقول قلت : ما ذهب إليه الجمهور وما روى عن مالك أنه ينوى في هذه الألفاظ ويحكم عليه بذلك هو الصحيح لما ذكرناه من الدليل وللحديث الصحيح الذي خرجه أبو داؤد وبن ماجه والدارقطني وغيرهم عن يزيد بن ركانة : أن ركانة بن عبد يزيد طلق امرأته سهيمة البتة فأخبر النبى صلى الله عليه وسلم بذلك فقال : ( ألله ما أردت إلا واحدة ( فقال ركانة : والله ما أردت إلا واحدة فردها إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم قال بن ماجه : سمعت أبا الحسن الطنافسي : يقول : ما أشرف هذا الحديث وقال مالك فى الرجل يقول لامرأته : أنت علي كالميتة والدم ولحم الخنزير : أراها البتة وإن لم تكن له نية فلا تحل إلا بعد زوج وفي قول الشافعي : إن أراد طلاقا فهو طلاق وما أراد من عدد الطلاق وإن لم يرد طلاقا فليس بشيء بعد أن يحلف وقال أبو عمر : أصل هذا الباب في كل كناية عن الطلاق ما روى عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال للتى تزوجها حين قالت : أعوذ بالله منك : ( قد عذت بمعاذ الحقي بأهلك ( فكان ذلك طلاقا وقال كعب بن مالك لامرأته حين أمره رسول الله صلى الله عليه وسلم باعتزالها : الحقى بأهلك فلم يكن ذلك طلاقا فدل على أن هذه اللفظة مفتقرة إلى النية وأنها لا يقضى فيها إلا بما ينوي اللافظ بها وكذلك سائر الكنايات المحتملات للفراق وغيره والله أعلم وأما الألفاظ التى ليست من ألفاظ الطلاق ولا يكنى بها عن الفراق فأكثر العلماء لا يوقعون بشيء منها طلاقا وإن قصده القائل وقال مالك : كل من أراد الطلاق بأي لفظ كان لزمه الطلاق حتى بقوله : كلي وأشربي وقومى وأقعدي ولم يتابع مالكا على ذلك إلا أصحابه قوله تعالى : ( ولا يحل لكم أن تأخذوا مما أتيتموهن شيئا إلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله فإن خفتم ألا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به تلك حدود الله فلا تعتدوها ومن يتعد حدود الله فأولئك هم الظالمون ) فيه خمس عشرة مسألة : الأولى : قوله تعالى : ( ولا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئا ) أن في موضع رفع ب يحل والآية خطاب للأزواج نهوا أن يأخذوا من أزواجهم شيئا على وجه المضارة وهذا هو الخلع الذي لا يصح إلا بألا ينفرد الرجل بالضرر وخص بالذكر ما اتى الأزواج نساءهم لأن العرف بين الناس أن يطلب الرجل عند الشقاق والفساد ما خرج من يده لها صداقا وجهازا فلذلك خص بالذكر وقد قيل : إن قوله ولا يحل فصل معترض بين قوله تعالى : الطلاق مرتان وبين قوله : فإن طلقها الثانية والجمهور على أن أخذ الفدية على الطلاق جائز وأجمعوا على تحظير أخذ ما لها إلا أن يكون النشوز وفساد العشرة من قبلها وحكى بن المنذر عن النعمان أنه قال : إذا جاء الظلم والنشوز من قبله وخالعته فهو جائز ماض وهو آثم لا يحل له ما صنع ولا يجبر على رد ما أخذه قال بن المنذر : وهذا من قوله خلاف ظاهر كتاب الله وخلاف الخبر الثابت عن النبى صلى الله عليه وسلم وخلاف ما أجمع عليه عامة أهل العلم من ذلك ولا أحسب أن لو قيل لأحد : أجهد نفسك في طلب الخطإ ما وجد أمرا أعظم من أن ينطق الكتاب بتحريم شيء ثم يقابله مقابل بالخلاف نصا فيقول : بل يجوز ذلك : ولا يجبر على رد ما أخذ قال أبو الحسن بن بطال : وروى بن القاسم عن مالك مثله وهذا القول خلاف ظاهر كتاب الله تعالى وخلاف حديث امرأة ثابت وسيأتى الثالثة قوله تعالى : ( إلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله ) حرم الله تعالى في هذه الآية ألا يأخذ إلا بعد الخوف ألا يقيما حدود الله وأكد التحريم بالوعيد لمن تعدى الحد والمعنى أن يظن كل واحد منهما بنفسه ألا يقيم حق النكاح لصاحبه حسب ما يجب عليه فيه لكراهة يعتقدها فلا حرج على المرأة أن تفتدى ولا حرج على الزوج أن يأخذ والخطاب للزوجين والضمير في أن يخافا لهما وألا يقيما مفعول به وخفت يتعدى إلى مفعول واحد ثم قيل : هذا الخوف هو بمعنى العلم أي أن يعلما ألا يقيما حدود الله وهو من الخوف الحقيقي وهو الإشفاق من وقوع المكروه وهو قريب من معنى الظن ثم قيل : إلا أن يخافا استثناء منقطع أي لكن إن كان منهن نشوز فلا جناح عليكم في أخذ الفدية وقرأ حمزة إلا أن يخافا بضم الياء على ما لم يسم فاعله والفاعل محذوف وهو الولاة والحكام واختاره أبو عبيد قال : لقوله عز وجل فإن خفتم قال : فجعل الخوف لغير الزوجين ولو أراد الزوجين لقال : فإن خافا وفى هذا حجة لمن جعل الخلع إلى السلطان قلت : وهو قول سعيد بن جبير والحسن وبن سيرين وقال شعبة : قلت لقتادة : عمن أخذ الحسن الخلع إلى السلطان قال : عن زياد وكان واليا لعمر وعلي قال النحاس : وهذا معروف عن زياد ولا معنى لهذا القول لأن الرجل إذا خالع امرأته فإنما هو على ما يتراضيان به ولا يجبره السلطان على ذلك ولا معنى لقول من قال : هذا إلى السلطان وقد أنكر أختيار أبى عبيد ورد وما علمت في اختياره شيئا أبعد من هذا الحرف لأنه لا يوجبه الإعراب ولا اللفظ ولا المعنى أما الإعراب فإن عبد الله بن مسعود قرأ إلا أن يخافا تخافوا فهذا في العربية إذا رد إلى ما لم يسم فاعله قيل : إلا أن يخاف وأما اللفظ فإن كان على لفظ يخافا وجب أن يقال : فإن خيف وإن كان على لفظ فإن خفتم وجب أن يقال : إلا أن تخافوا وأما المعنى فإنه يبعد أن يقال : لا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئا إلا أن يخاف غيركم ولم يقل جل وعز : فلا جناح عليكم أن تأخذوا له منها فدية فيكون الخلع إلى السلطان قال الطحاوى : وقد صح عن عمر وعثمان وبن عمر جوازه دون السلطان وكما جاز الطلاق والنكاح دون السلطان فكذلك الخلع وهو قول الجمهور من العلماء الرابعة قوله تعالى : ( فإن خفتم ألا يقيما ) أي على أن لا يقيما ( حدود الله ) أي فيما يجب عليهما من حسن الصحبة وجميل العشرة والمخاطبة للحكام والمتوسطين لمثل هذا الأمر وإن لم يكن حاكما وترك إقامة حدود الله هو استخفاف المرأة بحق زوجها وسوء طاعتها إياه قاله بن عباس ومالك بن أنس وجمهور الفقهاء وقال الحسن بن أبى الحسن وقوم معه : إذا قالت المرأة لا أطيع لك أمرا ولا أغتسل لك من جنابة ولا أبر لك قسما حل الخلع وقال الشعبى : ألا يقيما حدود الله ألا يطيعا الله وذلك أن المغاضبة تدعو إلى ترك الطاعة وقال عطاء بن أبى رباح : يحل الخلع والأخذ أن تقول المرأة لزوجها : إنى أكرهك ولا أحبك ونحو هذا فلا جناح عليهما فيما افتدت به روى البخارى من حديث أيوب عن عكرمة عن بن عباس أن امرأة ثابت بن قيس أتت النبى صلى الله عليه وسلم فقالت : يا رسول الله ثابت بن قيس ما أعتب عليه في خلق ولا دين ولكن لا أطيقه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( أتردين عليه حديقته ( قالت : نعم وأخرجه بن ماجه عن قتادة عن عكرمة عن بن عباس أن جميلة بنت سلول أتت النبى صلى الله عليه وسلم فقالت : والله ما أعيب على ثابت في دين ولا خلق ولكنى أكره الكفر في الإسلام لا أطيقه بغضا فقال لها النبى صلى الله عليه وسلم : ( أتردين عليه حديقته ( قالت : نعم فأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يأخذ منها حديقته ولا يزداد فيقال : إنها كانت تبغضه أشد البغض وكان يحبها أشد الحب ففرق رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهما بطريق الخلع فكان أول خلع في الإسلام روى عكرمة عن بن عباس قال : أول من خالع في الإسلام أخت عبد الله بن أبى أتت النبى صلى الله عليه وسلم فقالت : يا رسول الله لا يجتمع رأسي ورأسه أبدا إنى رفعت جانب الخباء فرأيته أقبل في عدة إذ هو أشدهم سوادا وأقصرهم قامة وأقبحهم وجها فقال : ( أتردين عليه حديقته ( قالت : نعم وإن شاء زدته ففرق بينهما وهذا الحديث أصل في الخلع وعليه جمهور الفقهاء قال مالك : لم أزل اسمع ذلك من أهل العلم وهو الأمر المجتمع عليه عندنا وهو أن الرجل إذا لم يضر بالمرأة ولم يسئ إليها ولم تؤت من قبله وأحبت فراقه فإنه يحل له أن يأخذ منها كل ما افتدت به كما فعل النبى صلى الله عليه وسلم في امرأة ثابت بن قيس وإن كان النشوز من قبله بأن يضيق عليها ويضرها رد عليها ما أخذ منها وقال عقبة بن أبى الصهباء : سألت بكر بن عبد الله المزنى عن الرجل تريد امرأته أن تخالعه فقال لا يحل له أن يأخذ منها شيئا قلت : فأين قول الله عز وجل في كتابه فإن خفتم ألا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به قال : نسخت قلت : فأين جعلت قال : في سورة النساء : وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج وآتيتم إحداهن قنطارا فلا تأخذوا منه شيئا أتأخذونه بهتانا وإثما مبينا قال النحاس : هذا قول شاذ خارج عن الإجماع لشذوذه وليست إحدى الايتين دافعة للأخرى فيقع النسخ لأن قوله فإن خفتم الآية ليست بمزالة بتلك الآية لأنهما إذا خافا هذا لم يدخل الزوج في وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج لأن هذا للرجال خاصة وقال الطبرى : الآية محكمة ولا معنى لقول بكر : إن أرادت هي العطاء فقد جوز النبى صلى الله عليه وسلم لثابت أن يأخذ من زوجته ما ساق إليها كما تقدم الخامسة تمسك بهذه الآية من رأي اختصاص الخلع بحالة الشقاق والضرر وأنه شرط في الخلع وعضد هذا بما رواه أبو داؤد عن عائشة أن حبيبة بنت سهل كانت عند ثابت بن قيس بن شماس فضربها فكسر نغضها فأتت رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد الصبح فاشتكت إليه فدعا النبى صلى الله عليه وسلم ثابتا فقال : ( خذ بعض مالها وفارقها ( قال : ويصلح ذلك يا رسول الله قال ( نعم ( قال : فإنى أصدقتها حديقتين وهما بيدها فقال النبى صلى الله عليه وسلم : ( خذهما وفارقها ( فأخذهما وفارقها والذي عليه الجمهور من الفقهاء أنه يجوز الخلع من غير اشتكاء ضرر كما دل عليه حديث البخاري وغيره وأما الآية فلا حجة فيها لأن الله عز وجل لم يذكرها على جهة الشرط وإنما ذكرها لأنه الغالب من أحوال الخلع فخرج القول على الغالب والذي يقطع العذر ويوجب العلم قوله تعالى : فإن طبن لكم عن شيء منه نفسا فكلوه هنيئا مريئا السادسة لما قال الله تعالى : ( فلا جناح عليهما فيما افتدت به ) دل على جواز الخلع بأكثر مما أعطاها وقد اختلف العلماء في هذا فقال مالك والشافعي وأبو حنيفة وأصحابهم وأبو ثور : يجوز أن تفتدي منه بما تراضيا عليه كان أقل مما أعطاها أو أكثر منه وروى هذا عن عثمان بن عفان وبن عمر وقبيصة والنخعي واحتج قبيصة بقوله : فلا جناح عليهما فيما افتدت به وقال مالك : ليس من مكارم الأخلاق ولم أر أحدا من أهل العلم يكره ذلك وروى الدارقطني عن أبى سعيد الخدرى أنه قال : كانت أختى تحت رجل من الأنصار تزوجها على حديقة فكان بينهما كلام فارتفعا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : ( تردين عليه حديقته ويطلقك ( قالت : نعم وأزيده قال : ( ردى عليه حديقته وزيديه ( وفى حديث بن عباس ( وإن شاء زدته ولم ينكر ( وقالت طائفة : لا يأخذ منها أكثر مما أعطاها كذلك قال طاوس وعطاء والأوزاعي قال الأوزاعي : كان القضاة لا يجيزون أن يأخذ إلا ما ساق إليها وبه قال أحمد وإسحاق واحتجوا بما رواه بن جريج : أخبرنى أبو الزبير أن ثابت بن قيس بن شماس كانت عنده زينب بنت عبد الله بن أبى بن سلول وكان أصدقها حديقة فكرهته فقال النبى صلى الله عليه وسلم : ( أما الزيادة فلا ولكن حديقته ( فقالت : نعم فأخذها له وخلى سبيلها فلما بلغ ذلك ثابت بن قيس قال : قد قبلت قضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم سمعه أبو الزبير من غير واحد أخرجه الدارقطنى وروى عن عطاء مرسلا أن النبى صلى الله عليه وسلم قال ( لا يأخذ من المختلعة أكثر مما أعطاها ( السابعة الخلع عند مالك رضى الله عنه على ثمرة لم يبد صلاحها وعلى جمل شارد أو عبد أبق أو جنين في بطن أمه أو نحو ذلك من وجوه الغرر جائز بخلاف البيوع والنكاح وله المطالبة بذلك كله فإن سلم كان له وإن لم يسلم فلا شيء له والطلاق نافذ على حكمه وقال الشافعي : الخلع جائز وله مهر مثلها وحكاه بن خويز منداد عن مالك قال : لأن عقود المعاوضات إذا تضمنت بدلا فاسدا وفاتت رجع فيها إلى الواجب في أمثالها من البدل وقال أبو ثور : الخلع باطل وقال أصحاب الرأي : الخلع جائز وله ما في بطن الأمة وإن لم يكن فيه ولد فلا شيء له وقال في المبسوط عن بن القاسم : يجوز بما يثمره نخله العام وما تلد غنمه العام خلافا لأبى حنيفة والشافعى والحجة لما ذهب إليه مالك وبن القاسم عموم قوله تعالى : فلا جناح عليهما فيما افتدت به ومن جهة القياس أنه مما يملك بالهبة والوصية فجاز أن يكون عوضا في الخلع كالمعلوم وأيضا فإن الخلع طلاق والطلاق يصح بغير عوض أصلا فإذا صح على غير شيء فلأن يصح بفاسد العوض أولى لأن أسوأ حال المبذول أن يكون كالمسكوت عنه ولما كان النكاح الذي هو عقد تحليل لا يفسده فاسد العوض فلأن لا يفسد الطلاق الذي هو إتلاف وحل عقد أولى الثامنة ولو اختلعت منه برضاع ابنها منه حولين جاز وفي الخلع بنفقتها على الابن بعد الحولين مدة معلومة قولان : أحدهما يجوز وهو قول المخزومى واختاره سحنون والثانى لا يجوز رواه بن القاسم عن مالك وإن شرطه الزوج فهو باطل موضوع عن الزوجة قال أبو عمر : من أجاز الخلع على الجمل الشارد والعبد الآبق ونحو ذلك من الغرر لزمه أن يجوز هذا وقال غيره من القرويين : لم يمنع مالك الخلع بنفقة ما زاد على الحولين لأجل الغرر وإنما منعه لأنه حق يختص بالأب على كل حال فليس له أن ينقله إلى غيره والفرق بين هذا وبين نفقة الحولين أن تلك النفقة وهى الرضاع قد تجب على الأم حال الزوجية وبعد الطلاق إذا أعسر الأب فجاز أن تنقل هذه النفقة إلى الأم لأنها محل لها وقد احتج مالك في المبسوط على هذا بقوله تعالى : والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة التاسعة فإن وقع الخلع على الوجه المباح بنفقة الابن فمات الصبي قبل انقضاء المدة فهل للزوج الرجوع عليها ببقية النفقة فروى بن المواز عن مالك : لا يتبعها بشيء وروى عنه أبو الفرج : يتبعها لأنه حق ثبت له في ذمة الزوجة بالخلع فلا يسقط بموت الصبي كما لو خالعها بمال متعلق بذمتها ووجه الأول أنه لم يشترط لنفسه مالا يتموله وإنما اشترط كفاية مؤنة ولده فإذا مات الولد لم يكن له الرجوع عليها بشيء كما لو تطوع رجل بالإنفاق على صبي سنة فمات الصبي لم يرجع عليه بشيء لأنه إنما قصد بتطوعه تحمل مؤنته والله أعلم قال مالك : لم أر أحدا يتبع بمثل هذا ولو اتبعه لكان له في ذلك قول واتفقوا على أنها إن ماتت فنفقة الولد في مالها لأنه حق ثبت فيه قبل موتها فلا يسقط بموتها العاشرة ومن اشترط على امرأته في الخلع نفقة حملها وهى لا شيء لها فعليه النفقة إذا لم يكن لها مال تنفق منه وإن أيسرت بعد ذلك اتبعها بما أنفق وأخذه منها قال مالك : ومن الحق أن يكلف الرجل نفقة ولده وإن اشترط على أمه نفقته إذا لم يكن لها ما تنفق عليه الحادية عشرة واختلف العلماء في الخلع هل هو طلاق أو فسخ فروى عن عثمان وعلي وبن مسعود وجماعة من التابعين : هو طلاق وبه قال مالك والثوري والأوزاعي وأبو حنيفة وأصحابه والشافعي في أحد قوليه فمن نوى بالخلع تطليقتين أو ثلاثا لزمه ذلك عند مالك وقال أصحاب الرأي : إن نوى الزوج ثلاثا كان ثلاثا وإن نوى ثنتين فهو واحدة بائنة لأنها كلمة واحدة وقال الشافعى في أحد قوليه : إن نوى بالخلع طلاقا وسماه فهو طلاق وإن لم ينو طلاقا ولا سمى لم تقع فرقة قاله في القديم وقوله الأول أحب إلي المزني : وهو الأصح عندهم وقال أبو ثور : إذا لم يسم الطلاق فالخلع فرقة وليس بطلاق وإن سمى تطليقة فهي تطليقة والزوج أملك برجعتها ما دامت في العدة وممن قال : إن الخلع فسخ وليس بطلاق إلا أن ينويه بن عباس وطاوس وعكرمة وإسحاق وأحمد واحتجوا بالحديث عن بن عيينة عن عمرو عن طاوس عن بن عباس أن إبراهيم بن سعد بن أبى وقاص سأله : رجل طلق امرأته تطليقتين ثم اختلعت منه أيتزوجها قال : نعم لينكحها ليس الخلع بطلاق ذكر الله عز وجل الطلاق في أول الآية وآخرها والخلع فيما بين ذلك فليس الخلع بشيء ثم قال : الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان ثم قرأ فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره قالوا : ولأنه لو كان طلاقا لكان بعد ذكر الطلقتين ثالثا وكان قوله : فإن طلقها بعد ذلك دالا على الطلاق الرابع فكان يكون التحريم متعلقا بأربع تطليقات واحتجوا أيضا بما رواه الترمذي وأبو داؤد والدارقطني عن بن عباس : أن أمراة ثابت بن قيس اختلعت من زوجها على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمرها رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تعتد بحيضة قال الترمذي : حديث حسن غريب وعن الربيع بنت معوذ بن عفراء أنها اختلعت على عهد النبى صلى الله عليه وسلم فأمرها النبى صلى الله عليه وسلم أو أمرت أن تعتد بحيضة قال الترمذي : حديث الربيع الصحيح أنها أمرت أن تعتد بحيضة قالوا : فهذا يدل على أن الخلع فسخ لا طلاق وذلك أن الله تعالى قال : والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء ولو كانت هذه مطلقة لم يقتصر بها على قرء واحد قلت : فمن طلق امرأته تطليقتين ثم خالعها ثم أراد أن يتزوجها فله ذلك كما قال بن عباس وإن لم تنكح زوجا غيره لأنه ليس له غير تطليقتين والخلع لغو ومن جعل الخلع طلاقا قال : لم يجز أن يرتجعها حتى تنكح زوجا غيره لأنه بالخلع كملت الثلاث وهو الصحيح إن شاء الله تعالى قال القاضي إسماعيل بن إسحاق : كيف يجوز القول فى رجل قالت له امرأته : طلقنى على مال فطلقها إنه لا يكون طلاقا وهو لو جعل أمرها بيدها من غير شيء فطلقت نفسها كان طلاقا ( قال ) وأما قوله تعالى : فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره فهو معطوف على قوله تعالى : الطلاق مرتان لأن قوله : أو تسريح بإحسان إنما يعنى به أو تطليق فلو كان الخلع معطوفا على التطليقتين لكان لا يجوز الخلع أصلا إلا بعد تطليقتين وهذا لا يقوله أحد وقال غيره : ما تأولوه في الآية غلط فإن قوله : الطلاق مرتان أفاد حكم الاثنتين إذا أوقعهما على غير وجه الخلع وأثبت معهما الرجعة بقوله : فإمساك بمعروف ثم ذكر حكمهما إذا كان على وجه الخلع فعاد الخلع إلى الثنتين المتقدم ذكرهما إذ المراد بذلك بيان الطلاق المطلق والطلاق بعوض والطلاق الثالث بعوض كان أو بغير عوض فإنه يقطع الحل إلا بعد زوج قلت : هذا الجواب عن الآية وأما الحديث فقال أبو داؤد لما ذكر حديث بن عباس في الحيضة هذا الحديث رواه عبد الرزاق عن معمر عن عمرو بن مسلم عن عكرمة عن النبى صلى الله عليه وسلم مرسلا وحدثنا القعنبي عن مالك عن نافع عن بن عمر قال : عدة المختلعة عدة المطلقة قال أبو داؤد : والعمل عندنا على هذا قلت : وهو مذهب مالك والشافعي وأحمد وإسحاق والثوري وأهل الكوفة قال الترمذي : وأكثر أهل العلم من أصحاب النبى صلى الله عليه وسلم وغيرهم قلت : وحديث بن عباس في الحيضة مع غرابته كما ذكر الترمذى وإرساله كما ذكر أبو داؤد فقد قيل فيه : إن النبى صلى الله عليه وسلم جعل عدتها حيضة ونصفا أخرجه الدارقطني من حديث معمر عن عمرو بن مسلم عن عكرمة عن بن عباس : أن امرأة ثابت بن قيس اختلعت من زوجها فجعل النبى صلى الله عليه وسلم عدتها حيضة ونصفا والراوي عن معمر هنا في الحيضة والنصف هو الراوي عنه في الحيضة الواحدة وهو هشام بن يوسف أبو عبد الرحمن الصنعانى اليماني : خرج له البخاري وحده فالحديث مضطرب من جهة الإسناد والمتن فسقط الاحتجاج به في أن الخلع فسخ وفى أن عدة المطلقة حيضة وبقي قوله تعالى : والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء نصا في كل مطلقة مدخول بها إلا ما خص منها كما تقدم قال الترمذي : وقال بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم : عدة المختلعة حيضة قال إسحاق : وإن ذهب ذاهب إلى هذا فهو مذهب قوى قال بن المنذر : قال عثمان بن عفان وبن عمر : عدتها حيضة وبه قال أبان بن عثمان وإسحاق وقال علي بن أبي طالب : عدتها عدة المطلقة وبقول عثمان وبن عمر أقول ولا يثبت حديث علي قلت : قد ذكرنا عن بن عمر أنه قال : عدة المختلعة عدة المطلقة وهو صحيح الثانية عشرة واختلف قول مالك فيمن قصد إيقاع الخلع على غير عوض فقال عبد الوهاب : هو خلع عند مالك وكان الطلاق بائنا وقيل عنه : لا يكون بائنا إلا بوجود العوض قاله أشهب والشافعي لأنه طلاق عري عن عوض واستيفاء عدد فكان رجعيا كما لو كان بلفظ الطلاق قال بن عبد البر : وهذا أصح قوليه عندي وعند أهل العلم في النظر ووجه الأول أن عدم حصول العوض في الخلع لا يخرجه عن مقتضاه أصل ذلك إذا خالع بخمر أو خنزير الثالثة عشرة المختلعة هي التى تختلع من كل الذي لها والمفتدية أن تفتدي ببعضه وتأخذ بعضه والمبارئة هي التى بارأت زوجها من قبل أن يدخل بها فتقول : قد أبرأتك فبارئنى هذا هو قول مالك : المبارئة هي التى لا تأخذ شيئا ولا تعطي والمختلعة هي التى تعطي ما أعطاها وتزيد من مالها والمفتدية هي التي تفتدي ببعض ما أعطاها وتمسك بعضه وهذا كله يكون قبل الدخول وبعده فما كان قبل الدخول فلا عدة فيه والمصالحة مثل المبارئة قال القاضي أبو محمد وغيره : هذه الألفاظ الأربعة تعود إلى معنى واحد وإن اختلفت صفاتها من جهة الإيقاع وهى طلقة بائنة سماها أو لم يسمها لا رجعة له في العدة وله نكاحها في العدة وبعدها برضاها بولي وصداق وقبل زوج وبعده خلافا لأبي ثور لأنها إنما أعطته العوض لتملك نفسها ولو كان طلاق الخلع رجعيا لم تملك نفسها فكان يجتمع للزوج العوض والمعوض عنه الرابعة عشرة وهذا مع إطلاق العقد نافذ فلو بذلت له العوض وشرط الرجعة ففيها روايتان رواهما بن وهب عن مالك : إحداهما ثبوتها وبها قال سحنون والأخرى نفيها قال سحنون : وجه الرواية الأولى أنهما قد اتفقا على أن يكون العوض في مقابلة ما يسقط من عدد الطلاق وهذا جائز ووجه الرواية الثانية أنه شرط في العقد ما يمنع المقصود منه فلم يثبت ذلك كما لو شرط في عقد النكاح : أني لا أطأها الخامسة عشرة قوله تعالى تلك حدود الله فلا تعتدوها لما بين تعالى أحكام النكاح والفراق قال : تلك حدود الله التى أمرت بامتثالها كما بين تحريمات الصوم في آية أخرى فقال : تلك حدود الله فلا تقربوها فقسم الحدود قسمين منها حدود الأمر بالامتثال وحدود النهي بالاجتناب ثم أخبر تعالى فقال : ومن يتعد حدود الله فأولئك هم الظالمون < <

اردو Tercümesi (Ehl-i Sünnet)

> قوله تعالى : ( الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان ) فيه سبع مسائل : الأولى قوله تعالى : ( الطلاق مرتان ) ثبت أن أهل الجاهلية لم يكن عندهم للطلاق عدد وكانت عندهم العدة معلومة مقدرة وكان هذا في أول الأسلام برهة يطلق الرجل امرأته ما شاء من الطلاق فإذا كادت تحل من طلاقه راجعها ما شاء فقال رجل لامرأته على عهد النبى صلى الله عليه وسلم : لا أويك ولا أدعك تحلين قالت : وكيف قال : أطلقك فإذا دنا مضى عدتك راجعتك فشكت المرأة ذلك إلى عائشة فذكرت ذلك للنبى صلى الله عليه وسلم فأنزل الله تعالى هذه الآية بيانا لعدد الطلاق الذي للمرء فيه أن يرتجع دون تجديد مهر وولي ونسخ ما كانوا عليه قال معناه عروة بن الزبير وقتادة وبن زيد وغيرهم وقال بن مسعود وبن عباس ومجاهد وغيرهم : المراد بالآية التعريف بسنة الطلاق أي من طلق اثنتين فليتق الله في الثالثة فإما تركها غير مظلومة شيئا من حقها وإما أمسكها محسنا عشرتها والآية تتضمن هذين المعنيين الثانية الطلاق هو حل العصمة المنعقدة بين الأزواج بألفاظ مخصوصة والطلاق مباح بهذه الآية وبغيرها وبقوله عليه السلام في حديث بن عمر : ( فإن شاء أمسك وإن شاء طلق ( وقد طلق رسول الله صلى الله عليه وسلم حفصة ثم راجعها خرجه بن ماجه وأجمع العلماء على أن من طلق امرأته طاهرا في طهر لم يمسها فيه أنه مطلق للسنة وللعدة التى أمر الله تعالى بها وأن له الرجعة إذا كانت مدخولا بها قبل أن تنقضي عدتها فإذا انقضت فهو خاطب من الخطاب فدل الكتاب والسنة وإجماع الأمة على أن الطلاق مباح غير محظور قال بن المنذر : وليس في المنع منه خبر يثبت الثالثة روى الدارقطني حدثنى أبو العباس محمد بن موسى بن علي الدولابي ويعقوب بن إبراهيم قالا حدثنا الحسن بن عرفة حدثنا إسماعيل بن عياش بن حميد بن مالك اللخمى عن مكحول عن معاذ بن جبل قال قال لى رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( يا معاذ ما خلق الله شيئا على وجه الأرض أحب إليه من العتاق ولا خلق الله تعالى شيئا على وجه الأرض أبغض إليه من الطلاق فإذا قال الرجل لمملوكه أنت حر إن شاء الله فهو حر ولا استثناء له وإذا قال الرجل لامرأته أنت طالق إن شاء الله فله استثناؤه ولا طلاق عليه ( حدثنا محمد بن موسى بن علي حدثنا حميد بن الربيع حدثنا يزيد بن هارون أنبأنا إسماعيل بن عياش بإسناده نحوه قال حميد قال لي يزيد بن هارون : وأي حديث لو كان حميد بن مالك اللخمى معروفا قلت : هو جدي قال يزيد : سررتنى الان صار حديثا قال بن المنذر : وممن رأي الاستثناء في الطلاق طاوس وحماد والشافعي وأبو ثور وأصحاب الرأي ولا يجوز الاستثناء في الطلاق في قول مالك والاوزاعي وهو قول الحسن وقتادة في الطلاق خاصة قال : وبالقول الأول أقول الرابعة قوله تعالى : ( فإمساك بمعروف ) ابتداء والخبر أمثل أو أحسن ويصح أن يرتفع على خبر ابتداء محذوف أي فعليكم إمساك بمعروف أو فالواجب عليكم إمساك بما يعرف أنه الحق ويجوز في غير القرآن فإمساكا على المصدر ومعنى بإحسان أي لا يظلمها شيئا من حقها ولا يتعدى في قول والإمساك : خلاف الإطلاق والتسريح : إرسال الشيء ومنه تسريح الشعر ليخلص البعض من البعض وسرح الماشية : أرسلها والتسريح يحتمل لفظه معنيين : أحدهما تركها حتى تتم العدة من الطلقة الثانية وتكون أملك لنفسها وهذا قول السدي والضحاك والمعنى الاخر أن يطلقها ثالثة فيسرحها هذا قول مجاهد وعطاء وغيرهما وهو أصح لوجوه ثلاثة : أحدها ما رواه الدارقطني عن أنس أن رجلا قال : يا رسول الله قال الله تعالى : الطلاق مرتان فلم صار ثلاثا قال : ( إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان في رواية هي الثالثة ( ذكره بن المنذر الثانى أن التسريح من ألفاظ الطلاق ألا ترى أنه قد قرئ إن عزموا السراح الثالثة أن فعل تفعيلا يعطى أنه أحدث فعلا مكررا على الطلقة الثانية وليس في الترك إحداث فعل يعبر عنه بالتفعيل قال أبو عمر : وأجمع العلماء على أن قوله تعالى : أو تسريح بإحسان هي الطلقة الثالثة بعد الطلقتين وإياها عني بقوله تعالى : فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره وأجمعوا على أن من طلق امرأته طلقة أو طلقتين فله مراجعتها فإن طلقها الثالثة لم تحل له حتى تنكح زوجا غيره وكان هذا من محكم القرآن الذي لم يختلف في تأويله وقد روى من أخبار العدول مثل ذلك أيضا : حدثنا سعيد بن نصر قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا محمد بن وضاح قال حدثنا أبو بكر بن أبى شيبة قال حدثنا أبو معاوية عن إسماعيل بن سميع عن أبى رزين قال : جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله أرأيت قول الله تعالى : الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان فأين الثالثة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان ( ورواه الثورى وغيره عن إسماعيل بن سميع عن أبى رزين مثله قلت : وذكر الكيا الطبرى هذا الخبر وقال : إنه غير ثابت من جهة النقل ورجح قول الضحاك والسدي وأن الطلقة الثالثة إنما هي مذكورة في مساق الخطاب في قوله تعالى : فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره فالثالثة مذكورة في صلب هذا الخطاب مفيدة للبينونة الموجبة للتحريم إلا بعد زوج فوجب حمل قوله أو تسريح بإحسان على فائدة مجددة وهو وقوع البينونة بالثنتين عند انقضاء العدة وعلى أن المقصود من الآية بيان عدد الطلاق الموجب للتحريم ونسخ ما كان جائزا من إيقاع الطلاق بلا عدد محصور فلو كان قوله : أو تسريح بإحسان هو الثالثة لما أبان عن المقصد في إيقاع التحريم بالثلاث إذ لو اقتصر عليه لما دل على وقوع البينونة المحرمة لها إلا بعد زوج وإنما علم التحريم بقوله تعالى : فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره فوجب ألا يكون معنى قوله : أو تسريح بإحسان الثالثة ولو كان قوله أو تسريح بإحسان بمعنى الثالثة كان قوله عقيب ذلك فإن طلقها الرابعة لأن الفاء للتعقيب وقد اقتضى طلاقا مستقبلا بعد ما تقدم ذكره فثبت بذلك أن قوله تعالى : أو تسريح بإحسان هو تركها حتى تنقضى عدتها الخامسة ترجم البخاري على هذه الآية باب من أجاز الطلاق الثلاث بقوله تعالى : الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان وهذا إشارة منه إلى أن هذا التعديد إنما هو فسحة لهم فمن ضيق على نفسه لزمه قال علماؤنا : واتفق أئمة الفتوى على لزوم إيقاع الطلاق الثلاث في كلمة واحدة وهو قول جمهور السلف وشذ طاوس وبعض أهل الظاهر إلى أن طلاق الثلاث في كلمة واحدة يقع واحدة ويروى هذا عن محمد بن إسحاق والحجاج بن أرطاة وقيل عنهما : لا يلزم منه شيء وهو قول مقاتل ويحكى عن داؤد أنه قال لا يقع والمشهور عن الحجاج بن أرطاة وجمهور السلف والأئمة أنه لازم واقع ثلاثا ولا فرق بين أن يوقع ثلاثا مجتمعة في كلمة أو متفرقة في كلمات فأما من ذهب إلى أنه لا يلزم منه شيء فاحتج بدليل قوله تعالى : والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء وهذا يعم كل مطلقة إلا ما خص منه وقد تقدم وقال : الطلاق مرتان والثالثة فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان ومن طلق ثلاثا في كلمة فلا يلزم إذ هو غير مذكور في القرآن وأما من ذهب إلى أنه واقع واحدة فاستدل بأحاديث ثلاثة : أحدها حديث بن عباس من رواية طاوس وأبي الصهباء وعكرمة وثانيها حديث بن عمر على رواية من روى أنه طلق امرأته ثلاثا وأنه عليه السلام أمره برجعتها واحتسبت له واحدة وثالثها أن ركانة طلق امرأته ثلاثا فأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم برجعتها والرجعة تقتضي وقوع واحدة والجواب عن الأحاديث ما ذكره الطحاوي أن سعيد بن جبير ومجاهدا وعطاء وعمرو بن دينار ومالك بن الحويرث ومحمد بن إياس بن البكير والنعمان بن أبى عياش رووا عن بن عباس فيمن طلق امرأته ثلاثا أنه قد عصى ربه وبانت منه امرأته ولا ينكحها إلا بعد زوج وفيما رواه هؤلاء الأئمة عن بن عباس مما يوافق الجماعة ما يدل على وهن رواية طاوس وغيره وما كان بن عباس ليخالف الصحابة إلى رأي نفسه قال بن عبد البر : ورواية طاوس وهو وغلط لم يعرج عليها أحد من فقهاء الأمصار بالحجاز والشام والعراق والمشرق والمغرب وقد قيل : إن أبا الصهباء لا يعرف في موالى بن عباس قال القاضي أبو الوليد الباجي : وعندى أن الرواية عن بن طاوس بذلك صحيحة فقد روى عنه الأئمة : معمر وبن جريج وغيرهما وبن طاوس إمام والحديث الذي يشيرون إليه هو ما رواه بن طاوس عن أبيه عن بن عباس قال : كان الطلاق على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبى بكر وسنتين من خلافة عمر بن الخطاب طلاق الثلاث واحدة فقال عمر رضى الله عنه : إن الناس قد استعجلوا في أمر كانت لهم فيه أناة فلو أمضيناه عليهم فأمضاه عليهم ومعنى الحديث أنهم كانوا يوقعون طلقة واحدة بدل إيقاع الناس الان ثلاث تطليقات ويدل على صحة هذا التأويل أن عمر قال : إن الناس قد استعجلوا في أمر كانت لهم فيه أناة فأنكر عليهم أن أحدثوا في الطلاق استعجال أمر كانت لهم فيه أناة فلو كان حالهم ذلك في أول الإسلام في زمن النبى صلى الله عليه وسلم ما قاله ولا عاب عليهم أنهم استعجلوا في أمر كانت لهم فيه أناة ويدل على صحة هذا التأويل ما روى عن بن عباس من غير طريق أنه أفتى بلزوم الطلاق الثلاث لمن أوقعها مجتمعة فإن كان هذا معنى حديث بن طاوس فهو الذي قلناه وإن حمل حديث بن عباس على ما يتأول فيه من لا يعبأ بقوله فقد رجع بن عباس إلى قول الجماعة وانعقد به الإجماع ودليلنا من جهة القياس أن هذا طلاق أوقعه من يملكه فوجب أن يلزمه أصل ذلك إذا أوقعه مفردا قلت : ما تأوله الباجي هو الذي ذكر معناه الكيا الطبرى عن علماء الحديث أي إنهم كانوا يطلقون طلقة واحدة هذا الذي يطلقون ثلاثا أي ما كانوا يطلقون في كل قرء طلقة وإنما كانوا يطلقون في جميع العدة واحدة إلى أن تبين وتنقضي العدة وقال القاضي أبو محمد عبد الوهاب : معناه أن الناس كانوا يقتصرون على طلقة واحدة ثم أكثروا أيام عمر من إيقاع الثلاث قال القاضي : وهذا هو الأشبه بقول الراوي : إن الناس في أيام عمر استعجلوا الثلاث فعجل عليهم معناه ألزمهم حكمها وأما حديث بن عمر فإن الدارقطني روى عن أحمد بن صبيح عن طريف بن ناصح عن معاوية بن عمار الدهنى عن أبى الزبير قال : سألت بن عمر عن رجل طلق امرأته ثلاثا وهي حائض فقال لى : أتعرف بن عمر قلت : نعم قال : طلقت امرأتى ثلاثا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ( وهى حائض فردها رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى السنة فقال الدارقطني : كلهم من الشيعة والمحفوظ ان بن عمر طلق امرأته واحدة في الحيض قال عبيد الله : وكان تطليقه إياها في الحيض واحدة غير أنه خالف السنة وكذلك قال صالح بن كيسان وموسى بن عقبة وإسماعيل بن أمية وليث بن سعد وبن أبى ذئب وبن جريج وجابر وإسماعيل بن إبراهيم بن عقبة عن نافع : أن بن عمر طلق تطليقة واحدة وكذا قال الزهري عن سالم عن أبيه ويونس بن جبير والشعبي والحسن وأما حديث ركانة فقيل : إنه حديث مضطرب منقطع لا يستند من وجه يحتج به رواه أبو داؤد من حديث بن جريج عن بعض بنى أبى رافع وليس فيهم من يحتج به عن عكرمة عن بن عباس وقال فيه : إن ركانة بن عبد يزيد طلق امرأته ثلاثا فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( أرجعها ( وقد رواه أيضا من طرق عن نافع بن عجير أن ركانة بن عبد يزيد طلق امرأته البتة فاستحلفه رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أراد بها فحلف ما أراد إلا واحدة فردها إليه فهذا اضطراب في الاسم والفعل ولا يحتج بشيء من مثل هذا قلت : قد أخرج هذا الحديث من طرق الدارقطني في سننه قال في بعضها : حدثنا محمد بن يحيى بن مرداس حدثنا أبو داؤد السجستانى حدثنا أحمد بن عمرو بن السرح وأبو ثور إبراهيم بن خالد الكلبى واخرون قالوا : حدثنا محمد بن إدريس الشافعى حدثنى عمى محمد بن على بن شافع عن عبد الله بن على بن السائب عن نافع بن عجير بن عبد يزيد : أن ركانة بن عبد يزيد طلق امرأته سهيمة المزنية البتة فأخبر النبى صلى الله عليه وسلم بذلك فقال : والله ما أردت إلا واحدة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( والله ما أردت إلا واحدة ( فقال ركانة : والله ما أردت بها إلا واحدة فردها إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فطلقها الثانية في زمان عمر بن الخطاب والثالثة في زمان عثمان قال أبو داؤد : هذا حديث صحيح فالذى صح من حديث ركانة أنه طلق امرأته البتة لا ثلاثا وطلاق البتة قد اختلف فيه على ما يأتى بيانه فسقط الاحتجاج والحمد لله والله أعلم وقال أبو عمر : رواية الشافعى لحديث ركانة عن عمه أتم وقد زاد زيادة لا تردها الأصول فوجب قبولها لثقة ناقليها والشافعى وعمه وجده أهل بيت ركانة كلهم من بنى عبد المطلب بن عبد مناف وهم أعلم بالقصة التى عرضت لهم فصل ذكر أحمد بن محمد بن مغيث الطليطلى هذه المسألة في وثائقه فقال : الطلاق ينقسم على ضربين : طلاق سنة وطلاق بدعة فطلاق السنة هو الواقع على الوجه الذي ندب الشرع إليه وطلاق البدعة نقيضه وهو أن يطلقها في حيض أو نفاس أو ثلاثا في كلمة واحدة فإن فعل لزمه الطلاق ثم اختلف أهل العلم بعد إجماعهم على أنه مطلق كم يلزمه من الطلاق فقال علي بن أبى طالب وبن مسعود : يلزمه طلقة واحدة وقاله بن عباس وقال : قوله ثلاثا لا معنى له لأنه لم يطلق ثلاث مرات وإنما يجوز قوله في ثلاث إذا كان مخبرا عما مضى فيقول : طلقت ثلاثا فيكون مخبرا عن ثلاثة أفعال كانت منه في ثلاثة أوقات كرجل قال : قرأت أمس سورة كذا ثلاث مرات فذلك يصح ولو قرأها مرة واحدة فقال : قرأتها ثلاث مرات كان كاذبا وكذلك لو حلف بالله ثلاثا يردد الحلف كانت ثلاثة أيمان وأما لو حلف فقال : أحلف بالله ثلاثا لم يكن حلف إلا يمينا واحدة والطلاق مثله وقاله الزبير بن العوام وعبد الرحمن بن عوف وروينا ذلك كله عن بن وضاح وبه قال من شيوخ قرطبة بن زنباع شيخ هدى ومحمد بن تقي بن مخلد ومحمد بن عبد السلام الحسنى فريد وقته وفقيه عصره وأصبغ بن الحباب وجماعة سواهم وكان من حجة بن عباس أن الله تعالى فرق في كتابه لفظ الطلاق فقال عز اسمه : الطلاق مرتان يريد أكثر الطلاق الذي يكون بعده الإمساك بالمعروف وهو الرجعة في العدة ومعنى قوله : أو تسريح بإحسان يريد تركها بلا ارتجاع حتى تنقضى عدتها وفى ذلك إحسان إليها إن وقع ندم بينهما قال الله تعالى لا تدرى لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا يريد الندم على الفرقة والرغبة في الرجعة وموقع الثلاث غير حسن لأن فيه ترك المندوحة التى وسع الله بها ونبه عليها فذكر الله سبحانه الطلاق مفرقا يدل على أنه إذا جمع أنه لفظ واحد وقد يخرج بقياس من غير ما مسألة من المدونة ما يدل على ذلك من ذلك قول الإنسان : مالي صدقة في المساكين أن الثلث يجزيه من ذلك وفى الإشراف لابن المنذر : وكان سعيد بن جبير وطاوس وأبو الشعثاء وعطاء وعمرو بن دينار يقولون : من طلق البكر ثلاثا فهي واحدة قلت : وربما اعتلوا فقالوا : غير المدخول بها لا عدة عليها فإذا قال : أنت طالق ثلاثا فقد بانت بنفس فراغه من قوله : أنت طالق فيرد ثلاثا عليها وهى بائن فلا يؤثر شيئا ولأن قوله : أنت طالق مستقل بنفسه فوجب ألا تقف البينونة في غير المدخول بها على ما يرد بعده أصله إذا قال : أنت طالق السادسة استدل الشافعي بقوله تعالى : أو تسريح بإحسان وقوله : وسرحوهن على أن هذا اللفظ من صريح الطلاق وقد اختلف العلماء في هذا المعنى فذهب القاضي أبو محمد إلى أن الصريح ما تضمن لفظ الطلاق على أي وجه مثل أن يقول : أنت طالق أو أنت مطلقة أو قد طلقتك أو الطلاق له لازم وما عدا ذلك من ألفاظ الطلاق مما يستعمل فيه فهو كناية وبهذا قال أبو حنيفة وقال القاضي أبو الحسن : صريح ألفاظ الطلاق كثيرة وبعضها أبين من بعض : الطلاق والسراح والفراق والحرام والخلية والبرية وقال الشافعى : الصريح ثلاثة ألفاظ وهو ما ورد به القرآن من لفظ الطلاق والسراح والفراق قال الله تعالى : أو فارقوهن بمعروف وقال : أو تسريح بإحسان وقال : فطلقوهن لعدتهن قلت : وإذا تقرر هذا فالطلاق على ضربين : صريح وكناية فالصريح ما ذكرنا والكناية ما عداه والفرق بينهما أن الصريح لا يفتقر إلى نية بل بمجرد اللفظ يقع الطلاق والكناية تفتقر إلى نية والحجة لمن قال : إن الحرام والخلية والبرية من صريح الطلاق كثرة استعمالها في الطلاق حتى عرفت به فصارت بينة واضحة في إيقاع الطلاق كالغائط الذي وضع للمطمئن من الأرض ثم استعمل على وجه المجاز في إتيان قضاء الحاجة فكان فيه أبين وأظهر وأشهر منه فيما وضع له وكذلك في مسألتنا مثله ثم إن عمر بن عبد العزيز قد قال : لو كان الطلاق ألفا ما أبقت البتة منه شيئا فمن قال : البتة فقد رمى الغاية القصوى أخرجه مالك وقد روى الدارقطني عن علي قال : الخلية والبرية والبتة والبائن والحرام ثلاث لا تحل له حتى تنكح زوجا غيره وقد جاء عن النبى صلى الله عليه وسلم أن البتة ثلاث من طريق فيه لين خرجه الدارقطني وسيأتى عند قوله تعالى : ولا تتخذوا آيات الله هزوا إن شاء الله تعالى السابعة لم يختلف العلماء فيمن قال لامرأته : قد طلقتك أنه من صريح الطلاق في المدخول بها وغير المدخول بها فمن قال لامرأته : أنت طالق فهي واحدة إلا أن ينوى أكثر من ذلك فإن نوى اثنتين أو ثلاثا لزمه ما نواه فإن لم ينو شيئا فهي واحدة تملك الرجعة ولو قال : أنت طالق وقال : أردت من وثاق لم يقبل قوله ولزمه إلا أن يكون هناك ما يدل على صدقه ومن قال : أنت طالق واحدة لا رجعة لى عليك فقوله : لا رجعة لى عليك باطل وله الرجعة لقوله واحدة لأن الواحدة لا تكون ثلاثا فإن نوى بقوله : لا رجعة لي عليك ثلاثا فهي ثلاث عند مالك واختلفوا فيمن قال لامرأته : قد فارقتك أو سرحتك أو انت خلية أو برية أو بائن أو حبلك على غاربك أو أنت على حرام أو الحقي بأهلك أو قد وهبتك لأهلك أو قد خليت سبيلك أو لا سبيل لي عليك فقال أبو حنيفة وأبو يوسف : هو طلاق بائن وروى عن بن مسعود وقال : إذا قال الرجل لامرأته استقلى بأمرك أو أمرك لك أو الحقى بأهلك فقبلوها فواحدة بائنة وروى عن مالك فيمن قال لامرأته : قد فارقتك أو سرحتك أنه من صريح الطلاق كقوله : أنت طالق وروى عنه أنه كناية يرجع فيها إلى نية قائلها ويسأل ما أراد من العدد مدخولا بها كانت أو غير مدخول بها قال بن المواز : وأصح قوليه في التى لم يدخل بها أنها واحدة إلا أن ينوي أكثر وقاله بن القاسم وبن عبد الحكم وقال أبو يوسف : هي ثلاث ومثله خلعتك أو لا ملك لى عليك وأما سائر الكنايات فهي ثلاث عند مالك في كل من دخل بها لا ينوى فيها قائلها وينوى في غير المدخول بها فإن حلف وقال أردت واحدة كان خاطبا من الخطاب لأنه لا يخلى المرأة التى قد دخل بها زوجها ولا يبينها ولا يبريها إلا ثلاث تطليقات والتى لم يدخل بها يخليها ويبريها ويبينها الواحدة وقد روى عن مالك وطائفة من أصحابه وهو قول جماعة من أهل المدينة أنه ينوي في هذه الألفاظ كلها ويلزمه من الطلاق ما نوى وقد روى عنه في البتة خاصة من بين سائر الكنايات أنه لا ينوي فيها لا في المدخول بها ولا في غير المدخول بها وقال الثوري وأبو حنيفة وأصحابه : له نيته في ذلك كله فإن نوى ثلاثا فهي ثلاث وإن نوى واحدة فهي واحدة بائنة وهى أحق بنفسها وإن نوى اثنتين فهي واحدة وقال زفر : إن نوى أثنتين فهي اثنتان وقال الشافعي : هو في ذلك كله غير مطلق حتى يقول : أردت بمخرج الكلام منى طلاقا فيكون ما نوى فإن نوى دون الثلاث كان رجعيا ولو طلقها واحدة بائنة كانت رجعية وقال إسحاق : كل كلام يشبه الطلاق فهو ما نوى من الطلاق وقال أبو ثور : هي تطليقة رجعية ولا يسأل عن نيته وروى عن بن مسعود أنه كان لا يرى طلاقا بائنا إلا في خلع أو إيلاء وهو المحفوظ عنه قاله أبو عبيد وقد ترجم البخارى باب إذا قال فارقتك أو سرحتك أو البرية أو الخلية أو ما عنى به الطلاق فهو على نيته وهذا منه إشارة إلى قول الكوفيين والشافعي وإسحاق في قوله : أو ما عنى به من الطلاق والحجة في ذلك أن كل كلمة تحتمل أن تكون طلاقا أو غير طلاق فلا يجوز أن يلزم بها الطلاق إلا أن يقول المتكلم : إنه أراد بها الطلاق فيلزمه ذلك بإقراره ولا يجوز إبطال النكاح لأنهم قد أجمعوا على صحته بيقين قال أبو عمر : واختلف قول مالك في معنى قول الرجل لامرأته : اعتدى أو قد خليتك أو حبلك على غاربك فقال مرة : لا ينوى فيها وهى ثلاث وقال مرة : ينوى فيها كلها في المدخول بها وغير المدخول بها وبه أقول قلت : ما ذهب إليه الجمهور وما روى عن مالك أنه ينوى في هذه الألفاظ ويحكم عليه بذلك هو الصحيح لما ذكرناه من الدليل وللحديث الصحيح الذي خرجه أبو داؤد وبن ماجه والدارقطني وغيرهم عن يزيد بن ركانة : أن ركانة بن عبد يزيد طلق امرأته سهيمة البتة فأخبر النبى صلى الله عليه وسلم بذلك فقال : ( ألله ما أردت إلا واحدة ( فقال ركانة : والله ما أردت إلا واحدة فردها إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم قال بن ماجه : سمعت أبا الحسن الطنافسي : يقول : ما أشرف هذا الحديث وقال مالك فى الرجل يقول لامرأته : أنت علي كالميتة والدم ولحم الخنزير : أراها البتة وإن لم تكن له نية فلا تحل إلا بعد زوج وفي قول الشافعي : إن أراد طلاقا فهو طلاق وما أراد من عدد الطلاق وإن لم يرد طلاقا فليس بشيء بعد أن يحلف وقال أبو عمر : أصل هذا الباب في كل كناية عن الطلاق ما روى عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال للتى تزوجها حين قالت : أعوذ بالله منك : ( قد عذت بمعاذ الحقي بأهلك ( فكان ذلك طلاقا وقال كعب بن مالك لامرأته حين أمره رسول الله صلى الله عليه وسلم باعتزالها : الحقى بأهلك فلم يكن ذلك طلاقا فدل على أن هذه اللفظة مفتقرة إلى النية وأنها لا يقضى فيها إلا بما ينوي اللافظ بها وكذلك سائر الكنايات المحتملات للفراق وغيره والله أعلم وأما الألفاظ التى ليست من ألفاظ الطلاق ولا يكنى بها عن الفراق فأكثر العلماء لا يوقعون بشيء منها طلاقا وإن قصده القائل وقال مالك : كل من أراد الطلاق بأي لفظ كان لزمه الطلاق حتى بقوله : كلي وأشربي وقومى وأقعدي ولم يتابع مالكا على ذلك إلا أصحابه قوله تعالى : ( ولا يحل لكم أن تأخذوا مما أتيتموهن شيئا إلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله فإن خفتم ألا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به تلك حدود الله فلا تعتدوها ومن يتعد حدود الله فأولئك هم الظالمون ) فيه خمس عشرة مسألة : الأولى : قوله تعالى : ( ولا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئا ) أن في موضع رفع ب يحل والآية خطاب للأزواج نهوا أن يأخذوا من أزواجهم شيئا على وجه المضارة وهذا هو الخلع الذي لا يصح إلا بألا ينفرد الرجل بالضرر وخص بالذكر ما اتى الأزواج نساءهم لأن العرف بين الناس أن يطلب الرجل عند الشقاق والفساد ما خرج من يده لها صداقا وجهازا فلذلك خص بالذكر وقد قيل : إن قوله ولا يحل فصل معترض بين قوله تعالى : الطلاق مرتان وبين قوله : فإن طلقها الثانية والجمهور على أن أخذ الفدية على الطلاق جائز وأجمعوا على تحظير أخذ ما لها إلا أن يكون النشوز وفساد العشرة من قبلها وحكى بن المنذر عن النعمان أنه قال : إذا جاء الظلم والنشوز من قبله وخالعته فهو جائز ماض وهو آثم لا يحل له ما صنع ولا يجبر على رد ما أخذه قال بن المنذر : وهذا من قوله خلاف ظاهر كتاب الله وخلاف الخبر الثابت عن النبى صلى الله عليه وسلم وخلاف ما أجمع عليه عامة أهل العلم من ذلك ولا أحسب أن لو قيل لأحد : أجهد نفسك في طلب الخطإ ما وجد أمرا أعظم من أن ينطق الكتاب بتحريم شيء ثم يقابله مقابل بالخلاف نصا فيقول : بل يجوز ذلك : ولا يجبر على رد ما أخذ قال أبو الحسن بن بطال : وروى بن القاسم عن مالك مثله وهذا القول خلاف ظاهر كتاب الله تعالى وخلاف حديث امرأة ثابت وسيأتى الثالثة قوله تعالى : ( إلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله ) حرم الله تعالى في هذه الآية ألا يأخذ إلا بعد الخوف ألا يقيما حدود الله وأكد التحريم بالوعيد لمن تعدى الحد والمعنى أن يظن كل واحد منهما بنفسه ألا يقيم حق النكاح لصاحبه حسب ما يجب عليه فيه لكراهة يعتقدها فلا حرج على المرأة أن تفتدى ولا حرج على الزوج أن يأخذ والخطاب للزوجين والضمير في أن يخافا لهما وألا يقيما مفعول به وخفت يتعدى إلى مفعول واحد ثم قيل : هذا الخوف هو بمعنى العلم أي أن يعلما ألا يقيما حدود الله وهو من الخوف الحقيقي وهو الإشفاق من وقوع المكروه وهو قريب من معنى الظن ثم قيل : إلا أن يخافا استثناء منقطع أي لكن إن كان منهن نشوز فلا جناح عليكم في أخذ الفدية وقرأ حمزة إلا أن يخافا بضم الياء على ما لم يسم فاعله والفاعل محذوف وهو الولاة والحكام واختاره أبو عبيد قال : لقوله عز وجل فإن خفتم قال : فجعل الخوف لغير الزوجين ولو أراد الزوجين لقال : فإن خافا وفى هذا حجة لمن جعل الخلع إلى السلطان قلت : وهو قول سعيد بن جبير والحسن وبن سيرين وقال شعبة : قلت لقتادة : عمن أخذ الحسن الخلع إلى السلطان قال : عن زياد وكان واليا لعمر وعلي قال النحاس : وهذا معروف عن زياد ولا معنى لهذا القول لأن الرجل إذا خالع امرأته فإنما هو على ما يتراضيان به ولا يجبره السلطان على ذلك ولا معنى لقول من قال : هذا إلى السلطان وقد أنكر أختيار أبى عبيد ورد وما علمت في اختياره شيئا أبعد من هذا الحرف لأنه لا يوجبه الإعراب ولا اللفظ ولا المعنى أما الإعراب فإن عبد الله بن مسعود قرأ إلا أن يخافا تخافوا فهذا في العربية إذا رد إلى ما لم يسم فاعله قيل : إلا أن يخاف وأما اللفظ فإن كان على لفظ يخافا وجب أن يقال : فإن خيف وإن كان على لفظ فإن خفتم وجب أن يقال : إلا أن تخافوا وأما المعنى فإنه يبعد أن يقال : لا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئا إلا أن يخاف غيركم ولم يقل جل وعز : فلا جناح عليكم أن تأخذوا له منها فدية فيكون الخلع إلى السلطان قال الطحاوى : وقد صح عن عمر وعثمان وبن عمر جوازه دون السلطان وكما جاز الطلاق والنكاح دون السلطان فكذلك الخلع وهو قول الجمهور من العلماء الرابعة قوله تعالى : ( فإن خفتم ألا يقيما ) أي على أن لا يقيما ( حدود الله ) أي فيما يجب عليهما من حسن الصحبة وجميل العشرة والمخاطبة للحكام والمتوسطين لمثل هذا الأمر وإن لم يكن حاكما وترك إقامة حدود الله هو استخفاف المرأة بحق زوجها وسوء طاعتها إياه قاله بن عباس ومالك بن أنس وجمهور الفقهاء وقال الحسن بن أبى الحسن وقوم معه : إذا قالت المرأة لا أطيع لك أمرا ولا أغتسل لك من جنابة ولا أبر لك قسما حل الخلع وقال الشعبى : ألا يقيما حدود الله ألا يطيعا الله وذلك أن المغاضبة تدعو إلى ترك الطاعة وقال عطاء بن أبى رباح : يحل الخلع والأخذ أن تقول المرأة لزوجها : إنى أكرهك ولا أحبك ونحو هذا فلا جناح عليهما فيما افتدت به روى البخارى من حديث أيوب عن عكرمة عن بن عباس أن امرأة ثابت بن قيس أتت النبى صلى الله عليه وسلم فقالت : يا رسول الله ثابت بن قيس ما أعتب عليه في خلق ولا دين ولكن لا أطيقه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( أتردين عليه حديقته ( قالت : نعم وأخرجه بن ماجه عن قتادة عن عكرمة عن بن عباس أن جميلة بنت سلول أتت النبى صلى الله عليه وسلم فقالت : والله ما أعيب على ثابت في دين ولا خلق ولكنى أكره الكفر في الإسلام لا أطيقه بغضا فقال لها النبى صلى الله عليه وسلم : ( أتردين عليه حديقته ( قالت : نعم فأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يأخذ منها حديقته ولا يزداد فيقال : إنها كانت تبغضه أشد البغض وكان يحبها أشد الحب ففرق رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهما بطريق الخلع فكان أول خلع في الإسلام روى عكرمة عن بن عباس قال : أول من خالع في الإسلام أخت عبد الله بن أبى أتت النبى صلى الله عليه وسلم فقالت : يا رسول الله لا يجتمع رأسي ورأسه أبدا إنى رفعت جانب الخباء فرأيته أقبل في عدة إذ هو أشدهم سوادا وأقصرهم قامة وأقبحهم وجها فقال : ( أتردين عليه حديقته ( قالت : نعم وإن شاء زدته ففرق بينهما وهذا الحديث أصل في الخلع وعليه جمهور الفقهاء قال مالك : لم أزل اسمع ذلك من أهل العلم وهو الأمر المجتمع عليه عندنا وهو أن الرجل إذا لم يضر بالمرأة ولم يسئ إليها ولم تؤت من قبله وأحبت فراقه فإنه يحل له أن يأخذ منها كل ما افتدت به كما فعل النبى صلى الله عليه وسلم في امرأة ثابت بن قيس وإن كان النشوز من قبله بأن يضيق عليها ويضرها رد عليها ما أخذ منها وقال عقبة بن أبى الصهباء : سألت بكر بن عبد الله المزنى عن الرجل تريد امرأته أن تخالعه فقال لا يحل له أن يأخذ منها شيئا قلت : فأين قول الله عز وجل في كتابه فإن خفتم ألا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به قال : نسخت قلت : فأين جعلت قال : في سورة النساء : وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج وآتيتم إحداهن قنطارا فلا تأخذوا منه شيئا أتأخذونه بهتانا وإثما مبينا قال النحاس : هذا قول شاذ خارج عن الإجماع لشذوذه وليست إحدى الايتين دافعة للأخرى فيقع النسخ لأن قوله فإن خفتم الآية ليست بمزالة بتلك الآية لأنهما إذا خافا هذا لم يدخل الزوج في وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج لأن هذا للرجال خاصة وقال الطبرى : الآية محكمة ولا معنى لقول بكر : إن أرادت هي العطاء فقد جوز النبى صلى الله عليه وسلم لثابت أن يأخذ من زوجته ما ساق إليها كما تقدم الخامسة تمسك بهذه الآية من رأي اختصاص الخلع بحالة الشقاق والضرر وأنه شرط في الخلع وعضد هذا بما رواه أبو داؤد عن عائشة أن حبيبة بنت سهل كانت عند ثابت بن قيس بن شماس فضربها فكسر نغضها فأتت رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد الصبح فاشتكت إليه فدعا النبى صلى الله عليه وسلم ثابتا فقال : ( خذ بعض مالها وفارقها ( قال : ويصلح ذلك يا رسول الله قال ( نعم ( قال : فإنى أصدقتها حديقتين وهما بيدها فقال النبى صلى الله عليه وسلم : ( خذهما وفارقها ( فأخذهما وفارقها والذي عليه الجمهور من الفقهاء أنه يجوز الخلع من غير اشتكاء ضرر كما دل عليه حديث البخاري وغيره وأما الآية فلا حجة فيها لأن الله عز وجل لم يذكرها على جهة الشرط وإنما ذكرها لأنه الغالب من أحوال الخلع فخرج القول على الغالب والذي يقطع العذر ويوجب العلم قوله تعالى : فإن طبن لكم عن شيء منه نفسا فكلوه هنيئا مريئا السادسة لما قال الله تعالى : ( فلا جناح عليهما فيما افتدت به ) دل على جواز الخلع بأكثر مما أعطاها وقد اختلف العلماء في هذا فقال مالك والشافعي وأبو حنيفة وأصحابهم وأبو ثور : يجوز أن تفتدي منه بما تراضيا عليه كان أقل مما أعطاها أو أكثر منه وروى هذا عن عثمان بن عفان وبن عمر وقبيصة والنخعي واحتج قبيصة بقوله : فلا جناح عليهما فيما افتدت به وقال مالك : ليس من مكارم الأخلاق ولم أر أحدا من أهل العلم يكره ذلك وروى الدارقطني عن أبى سعيد الخدرى أنه قال : كانت أختى تحت رجل من الأنصار تزوجها على حديقة فكان بينهما كلام فارتفعا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : ( تردين عليه حديقته ويطلقك ( قالت : نعم وأزيده قال : ( ردى عليه حديقته وزيديه ( وفى حديث بن عباس ( وإن شاء زدته ولم ينكر ( وقالت طائفة : لا يأخذ منها أكثر مما أعطاها كذلك قال طاوس وعطاء والأوزاعي قال الأوزاعي : كان القضاة لا يجيزون أن يأخذ إلا ما ساق إليها وبه قال أحمد وإسحاق واحتجوا بما رواه بن جريج : أخبرنى أبو الزبير أن ثابت بن قيس بن شماس كانت عنده زينب بنت عبد الله بن أبى بن سلول وكان أصدقها حديقة فكرهته فقال النبى صلى الله عليه وسلم : ( أما الزيادة فلا ولكن حديقته ( فقالت : نعم فأخذها له وخلى سبيلها فلما بلغ ذلك ثابت بن قيس قال : قد قبلت قضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم سمعه أبو الزبير من غير واحد أخرجه الدارقطنى وروى عن عطاء مرسلا أن النبى صلى الله عليه وسلم قال ( لا يأخذ من المختلعة أكثر مما أعطاها ( السابعة الخلع عند مالك رضى الله عنه على ثمرة لم يبد صلاحها وعلى جمل شارد أو عبد أبق أو جنين في بطن أمه أو نحو ذلك من وجوه الغرر جائز بخلاف البيوع والنكاح وله المطالبة بذلك كله فإن سلم كان له وإن لم يسلم فلا شيء له والطلاق نافذ على حكمه وقال الشافعي : الخلع جائز وله مهر مثلها وحكاه بن خويز منداد عن مالك قال : لأن عقود المعاوضات إذا تضمنت بدلا فاسدا وفاتت رجع فيها إلى الواجب في أمثالها من البدل وقال أبو ثور : الخلع باطل وقال أصحاب الرأي : الخلع جائز وله ما في بطن الأمة وإن لم يكن فيه ولد فلا شيء له وقال في المبسوط عن بن القاسم : يجوز بما يثمره نخله العام وما تلد غنمه العام خلافا لأبى حنيفة والشافعى والحجة لما ذهب إليه مالك وبن القاسم عموم قوله تعالى : فلا جناح عليهما فيما افتدت به ومن جهة القياس أنه مما يملك بالهبة والوصية فجاز أن يكون عوضا في الخلع كالمعلوم وأيضا فإن الخلع طلاق والطلاق يصح بغير عوض أصلا فإذا صح على غير شيء فلأن يصح بفاسد العوض أولى لأن أسوأ حال المبذول أن يكون كالمسكوت عنه ولما كان النكاح الذي هو عقد تحليل لا يفسده فاسد العوض فلأن لا يفسد الطلاق الذي هو إتلاف وحل عقد أولى الثامنة ولو اختلعت منه برضاع ابنها منه حولين جاز وفي الخلع بنفقتها على الابن بعد الحولين مدة معلومة قولان : أحدهما يجوز وهو قول المخزومى واختاره سحنون والثانى لا يجوز رواه بن القاسم عن مالك وإن شرطه الزوج فهو باطل موضوع عن الزوجة قال أبو عمر : من أجاز الخلع على الجمل الشارد والعبد الآبق ونحو ذلك من الغرر لزمه أن يجوز هذا وقال غيره من القرويين : لم يمنع مالك الخلع بنفقة ما زاد على الحولين لأجل الغرر وإنما منعه لأنه حق يختص بالأب على كل حال فليس له أن ينقله إلى غيره والفرق بين هذا وبين نفقة الحولين أن تلك النفقة وهى الرضاع قد تجب على الأم حال الزوجية وبعد الطلاق إذا أعسر الأب فجاز أن تنقل هذه النفقة إلى الأم لأنها محل لها وقد احتج مالك في المبسوط على هذا بقوله تعالى : والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة التاسعة فإن وقع الخلع على الوجه المباح بنفقة الابن فمات الصبي قبل انقضاء المدة فهل للزوج الرجوع عليها ببقية النفقة فروى بن المواز عن مالك : لا يتبعها بشيء وروى عنه أبو الفرج : يتبعها لأنه حق ثبت له في ذمة الزوجة بالخلع فلا يسقط بموت الصبي كما لو خالعها بمال متعلق بذمتها ووجه الأول أنه لم يشترط لنفسه مالا يتموله وإنما اشترط كفاية مؤنة ولده فإذا مات الولد لم يكن له الرجوع عليها بشيء كما لو تطوع رجل بالإنفاق على صبي سنة فمات الصبي لم يرجع عليه بشيء لأنه إنما قصد بتطوعه تحمل مؤنته والله أعلم قال مالك : لم أر أحدا يتبع بمثل هذا ولو اتبعه لكان له في ذلك قول واتفقوا على أنها إن ماتت فنفقة الولد في مالها لأنه حق ثبت فيه قبل موتها فلا يسقط بموتها العاشرة ومن اشترط على امرأته في الخلع نفقة حملها وهى لا شيء لها فعليه النفقة إذا لم يكن لها مال تنفق منه وإن أيسرت بعد ذلك اتبعها بما أنفق وأخذه منها قال مالك : ومن الحق أن يكلف الرجل نفقة ولده وإن اشترط على أمه نفقته إذا لم يكن لها ما تنفق عليه الحادية عشرة واختلف العلماء في الخلع هل هو طلاق أو فسخ فروى عن عثمان وعلي وبن مسعود وجماعة من التابعين : هو طلاق وبه قال مالك والثوري والأوزاعي وأبو حنيفة وأصحابه والشافعي في أحد قوليه فمن نوى بالخلع تطليقتين أو ثلاثا لزمه ذلك عند مالك وقال أصحاب الرأي : إن نوى الزوج ثلاثا كان ثلاثا وإن نوى ثنتين فهو واحدة بائنة لأنها كلمة واحدة وقال الشافعى في أحد قوليه : إن نوى بالخلع طلاقا وسماه فهو طلاق وإن لم ينو طلاقا ولا سمى لم تقع فرقة قاله في القديم وقوله الأول أحب إلي المزني : وهو الأصح عندهم وقال أبو ثور : إذا لم يسم الطلاق فالخلع فرقة وليس بطلاق وإن سمى تطليقة فهي تطليقة والزوج أملك برجعتها ما دامت في العدة وممن قال : إن الخلع فسخ وليس بطلاق إلا أن ينويه بن عباس وطاوس وعكرمة وإسحاق وأحمد واحتجوا بالحديث عن بن عيينة عن عمرو عن طاوس عن بن عباس أن إبراهيم بن سعد بن أبى وقاص سأله : رجل طلق امرأته تطليقتين ثم اختلعت منه أيتزوجها قال : نعم لينكحها ليس الخلع بطلاق ذكر الله عز وجل الطلاق في أول الآية وآخرها والخلع فيما بين ذلك فليس الخلع بشيء ثم قال : الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان ثم قرأ فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره قالوا : ولأنه لو كان طلاقا لكان بعد ذكر الطلقتين ثالثا وكان قوله : فإن طلقها بعد ذلك دالا على الطلاق الرابع فكان يكون التحريم متعلقا بأربع تطليقات واحتجوا أيضا بما رواه الترمذي وأبو داؤد والدارقطني عن بن عباس : أن أمراة ثابت بن قيس اختلعت من زوجها على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمرها رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تعتد بحيضة قال الترمذي : حديث حسن غريب وعن الربيع بنت معوذ بن عفراء أنها اختلعت على عهد النبى صلى الله عليه وسلم فأمرها النبى صلى الله عليه وسلم أو أمرت أن تعتد بحيضة قال الترمذي : حديث الربيع الصحيح أنها أمرت أن تعتد بحيضة قالوا : فهذا يدل على أن الخلع فسخ لا طلاق وذلك أن الله تعالى قال : والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء ولو كانت هذه مطلقة لم يقتصر بها على قرء واحد قلت : فمن طلق امرأته تطليقتين ثم خالعها ثم أراد أن يتزوجها فله ذلك كما قال بن عباس وإن لم تنكح زوجا غيره لأنه ليس له غير تطليقتين والخلع لغو ومن جعل الخلع طلاقا قال : لم يجز أن يرتجعها حتى تنكح زوجا غيره لأنه بالخلع كملت الثلاث وهو الصحيح إن شاء الله تعالى قال القاضي إسماعيل بن إسحاق : كيف يجوز القول فى رجل قالت له امرأته : طلقنى على مال فطلقها إنه لا يكون طلاقا وهو لو جعل أمرها بيدها من غير شيء فطلقت نفسها كان طلاقا ( قال ) وأما قوله تعالى : فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره فهو معطوف على قوله تعالى : الطلاق مرتان لأن قوله : أو تسريح بإحسان إنما يعنى به أو تطليق فلو كان الخلع معطوفا على التطليقتين لكان لا يجوز الخلع أصلا إلا بعد تطليقتين وهذا لا يقوله أحد وقال غيره : ما تأولوه في الآية غلط فإن قوله : الطلاق مرتان أفاد حكم الاثنتين إذا أوقعهما على غير وجه الخلع وأثبت معهما الرجعة بقوله : فإمساك بمعروف ثم ذكر حكمهما إذا كان على وجه الخلع فعاد الخلع إلى الثنتين المتقدم ذكرهما إذ المراد بذلك بيان الطلاق المطلق والطلاق بعوض والطلاق الثالث بعوض كان أو بغير عوض فإنه يقطع الحل إلا بعد زوج قلت : هذا الجواب عن الآية وأما الحديث فقال أبو داؤد لما ذكر حديث بن عباس في الحيضة هذا الحديث رواه عبد الرزاق عن معمر عن عمرو بن مسلم عن عكرمة عن النبى صلى الله عليه وسلم مرسلا وحدثنا القعنبي عن مالك عن نافع عن بن عمر قال : عدة المختلعة عدة المطلقة قال أبو داؤد : والعمل عندنا على هذا قلت : وهو مذهب مالك والشافعي وأحمد وإسحاق والثوري وأهل الكوفة قال الترمذي : وأكثر أهل العلم من أصحاب النبى صلى الله عليه وسلم وغيرهم قلت : وحديث بن عباس في الحيضة مع غرابته كما ذكر الترمذى وإرساله كما ذكر أبو داؤد فقد قيل فيه : إن النبى صلى الله عليه وسلم جعل عدتها حيضة ونصفا أخرجه الدارقطني من حديث معمر عن عمرو بن مسلم عن عكرمة عن بن عباس : أن امرأة ثابت بن قيس اختلعت من زوجها فجعل النبى صلى الله عليه وسلم عدتها حيضة ونصفا والراوي عن معمر هنا في الحيضة والنصف هو الراوي عنه في الحيضة الواحدة وهو هشام بن يوسف أبو عبد الرحمن الصنعانى اليماني : خرج له البخاري وحده فالحديث مضطرب من جهة الإسناد والمتن فسقط الاحتجاج به في أن الخلع فسخ وفى أن عدة المطلقة حيضة وبقي قوله تعالى : والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء نصا في كل مطلقة مدخول بها إلا ما خص منها كما تقدم قال الترمذي : وقال بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم : عدة المختلعة حيضة قال إسحاق : وإن ذهب ذاهب إلى هذا فهو مذهب قوى قال بن المنذر : قال عثمان بن عفان وبن عمر : عدتها حيضة وبه قال أبان بن عثمان وإسحاق وقال علي بن أبي طالب : عدتها عدة المطلقة وبقول عثمان وبن عمر أقول ولا يثبت حديث علي قلت : قد ذكرنا عن بن عمر أنه قال : عدة المختلعة عدة المطلقة وهو صحيح الثانية عشرة واختلف قول مالك فيمن قصد إيقاع الخلع على غير عوض فقال عبد الوهاب : هو خلع عند مالك وكان الطلاق بائنا وقيل عنه : لا يكون بائنا إلا بوجود العوض قاله أشهب والشافعي لأنه طلاق عري عن عوض واستيفاء عدد فكان رجعيا كما لو كان بلفظ الطلاق قال بن عبد البر : وهذا أصح قوليه عندي وعند أهل العلم في النظر ووجه الأول أن عدم حصول العوض في الخلع لا يخرجه عن مقتضاه أصل ذلك إذا خالع بخمر أو خنزير الثالثة عشرة المختلعة هي التى تختلع من كل الذي لها والمفتدية أن تفتدي ببعضه وتأخذ بعضه والمبارئة هي التى بارأت زوجها من قبل أن يدخل بها فتقول : قد أبرأتك فبارئنى هذا هو قول مالك : المبارئة هي التى لا تأخذ شيئا ولا تعطي والمختلعة هي التى تعطي ما أعطاها وتزيد من مالها والمفتدية هي التي تفتدي ببعض ما أعطاها وتمسك بعضه وهذا كله يكون قبل الدخول وبعده فما كان قبل الدخول فلا عدة فيه والمصالحة مثل المبارئة قال القاضي أبو محمد وغيره : هذه الألفاظ الأربعة تعود إلى معنى واحد وإن اختلفت صفاتها من جهة الإيقاع وهى طلقة بائنة سماها أو لم يسمها لا رجعة له في العدة وله نكاحها في العدة وبعدها برضاها بولي وصداق وقبل زوج وبعده خلافا لأبي ثور لأنها إنما أعطته العوض لتملك نفسها ولو كان طلاق الخلع رجعيا لم تملك نفسها فكان يجتمع للزوج العوض والمعوض عنه الرابعة عشرة وهذا مع إطلاق العقد نافذ فلو بذلت له العوض وشرط الرجعة ففيها روايتان رواهما بن وهب عن مالك : إحداهما ثبوتها وبها قال سحنون والأخرى نفيها قال سحنون : وجه الرواية الأولى أنهما قد اتفقا على أن يكون العوض في مقابلة ما يسقط من عدد الطلاق وهذا جائز ووجه الرواية الثانية أنه شرط في العقد ما يمنع المقصود منه فلم يثبت ذلك كما لو شرط في عقد النكاح : أني لا أطأها الخامسة عشرة قوله تعالى تلك حدود الله فلا تعتدوها لما بين تعالى أحكام النكاح والفراق قال : تلك حدود الله التى أمرت بامتثالها كما بين تحريمات الصوم في آية أخرى فقال : تلك حدود الله فلا تقربوها فقسم الحدود قسمين منها حدود الأمر بالامتثال وحدود النهي بالاجتناب ثم أخبر تعالى فقال : ومن يتعد حدود الله فأولئك هم الظالمون < <

حصہ V03/P145Kurtubî — el-Câmi' li-Ahkâmi'l-Kur'ân (s. V03/P145)
Orijinal Metin (AR)

البقرة : ( 230 ) فإن طلقها فلا . . . . . > > < > ( 230 ) <

اردو Tercümesi (Ehl-i Sünnet)

البقرة : ( 230 ) فإن طلقها فلا . . . . . > > < > ( 230 ) <

حصہ V03/P145–V03/P154Kurtubî — el-Câmi' li-Ahkâmi'l-Kur'ân (s. V03/P145–V03/P154)
Orijinal Metin (AR)

> قوله تعالى : ( فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره ) فيه إحدى عشرة مسألة : الأولى احتج بعض مشايخ خراسان من الحنفية بهذه الآية على أن المختلعة يلحقها الطلاق قالوا : فشرع الله سبحانه صريح الطلاق بعد المفاداة بالطلاق لأن الفاء حرف تعقيب فيبعد أن يرجع إلى قوله : الطلاق مرتان لأن الذي تخلل من الكلام يمنع بناء قوله فإن طلقها على قوله الطلاق مرتان بل الأقرب عوده على ما يليه كما في الاستثناء ولا يعود إلى ما تقدمه إلا بدلالة كما أن قوله تعالى : وربائبكم اللاتى في حجوركم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن فصار مقصورا على ما يليه غير عائد على ما تقدمه حتى لا يشترط الدخول في أمهات النساء وقد اختلف العلماء في الطلاق بعد الخلع في العدة فقالت طائفة : إذا خالع الرجل زوجته ثم طلقها وهى في العدة لحقها الطلاق ما دامت في العدة كذلك قال سعيد بن المسيب وشريح وطاوس والنخعي والزهري والحكم وحماد والثوري وأصحاب الرأي وفيه قول ثان وهو أن الطلاق لا يلزمها وهو قول بن عباس وبن الزبير وعكرمة والحسن وجابر بن زيد والشافعى وأحمد وإسحاق وأبي ثور وهو قول مالك إلا أن مالكا قال : إن افتدت منه على أن يطلقها ثلاثا متتابعا نسقا حين طلقها فذلك ثابت عليه وإن كان بين ذلك صمات فما أتبعه بعد الصمات فليس بشئ وإنما كان ذلك لأن نسق الكلام بعضه على بعض متصلا يوجب له حكما واحدا وكذلك إذا اتصل الاستثناء باليمين بالله أثر وثبت له حكم الاستثناء وإذا انفصل عنه لم يكن له تعلق بما تقدم من الكلام الثانية المراد بقوله تعالى : فإن طلقها الطلقة الثالثة فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره وهذا مجمع عليه لا خلاف فيه واختلفوا فيما يكفى من النكاح وما الذي يبيح التحليل فقال سعيد بن المسيب ومن وافقه : مجرد العقد كاف وقال الحسن بن أبى الحسن : لا يكفى مجرد الوطء حتى يكون إنزال وذهب الجمهور من العلماء والكافة من الفقهاء إلى أن الوطء كاف في ذلك وهو التقاء الختانين الذي يوجب الحد والغسل ويفسد الصوم والحج ويحصن الزوجين ويوجب كمال الصداق قال بن العربى : ما مرت بي في الفقه مسألة أعسر منها وذلك أن من أصول الفقه أن الحكم هل يتعلق بأوائل الأسماء أو بأواخرها فإن قلنا إن الحكم يتعلق بأوائل الأسماء لزمنا أن نقول بقول سعيد بن المسيب وإن قلنا : إن الحكم يتعلق بأواخر الأسماء لزمنا أن نشترط الإنزال مع مغيب الحشفة في الإحلال لأنه أخر ذوق العسيلة على ما قاله الحسن قال بن المنذر : ومعنى ذوق العسيلة هو الوطء وعلى هذا جماعة العلماء إلا سعيد بن المسيب فقال : أما الناس فيقولون : لا تحل للأول حتى يجامعها الثانى وأنا أقول : إذا تزوجها تزوجا صحيحا لا يريد بذلك إحلالها فلا بأس أن يتزوجها الأول وهذا قول لا نعلم أحدا وافقه عليه إلا طائفة من الخوارج والسنة مستغنى بها عما سواها قلت : وقد قال بقول سعيد بن المسيب سعيد بن جبير ذكره النحاس في كتاب معانى القرآن له قال : وأهل العلم على أن النكاح ها هنا الجماع لأنه قال : زوجا غيره فقد تقدمت الزوجية فصار النكاح الجماع إلا سعيد بن جبير فإنه قال : النكاح ها هنا التزوج الصحيح إذا لم يرد إحلالها قلت : وأظنهما لم يبلغهما حديث العسيلة أو لم يصح عندهما فأخذا بظاهر القرآن وهو قوله تعالى : حتى تنكح زوجا غيره والله أعلم روى الأئمة واللفظ للدارقطنى عن عائشة قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إذا طلق الرجل امرأته ثلاثا لا تحل له حتى تنكح زوجا غيره ويذوق كل واحد منهما عسيلة صاحبه ( قال بعض علماء الحنفية : من عقد على مذهب سعيد بن المسيب فللقاضي أن يفسخه ولا يعتبر فيه خلافه لأنه خارج عن إجماع العلماء قال علماؤنا : ويفهم من قوله عليه السلام : ( حتى يذوق كل واحد منهما عسيلة صاحبه ( استواؤهما في إدراك لذة الجماع وهو حجة لأحد القولين عندنا في أنه لو وطئها نائمة أو مغمى عليها لم تحل لمطلقها لأنها لم تذق العسيلة إذ لم تدركها الثالثة روى النسائى عن عبد الله قال : لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم الواشمة والمستوشمة والواصلة والمستوصلة وآكل الربا ومؤكله والمحلل والمحلل له وروى الترمذي عن عبد الله بن مسعود قال : لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم المحلل والمحلل له وقال : هذا حديث حسن صحيح وقد روى هذا الحديث عن النبى صلى الله عليه وسلم من غير وجه والعمل على هذا عند أهل العلم من أصحاب النبى صلى الله عليه وسلم منهم عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان وعبد الله بن عمر وغيرهم وهو قول الفقهاء من التابعين وبه يقول سفيان الثوري وبن المبارك والشافعي ومالك وأحمد وإسحاق وسمعت الجارود يذكر عن وكيع أنه قال بهذا وقال : ينبغى أن يرمى بهذا الباب من قول أصحاب الرأي وقال سفيان : إذا تزوج الرجل المرأة ليحلها ثم بدا له أن يمسكها فلا تحل له حتى يتزوجها بنكاح جديد قال أبو عمر بن عبد البر : اختلف العلماء في نكاح المحلل فقال مالك : المحلل لا يقيم على نكاحه حتى يستقبل نكاحا جديدا فإن أصابها فلها مهر مثلها ولا تحلها إصابته لزوجها الأول وسواء علما أو لم يعلما إذا تزوجها ليحلها ولا يقر على نكاحه ويفسخ وبه قال الثوري والأوزاعي وفيه قول ثان روى عن الثوري في نكاح الحيار والمحلل أن النكاح جائز والشرط باطل وهو قول بن أبى ليلى في ذلك وفي نكاح المتعة وروى عن الأوزاعي في نكاح المحلل : بئس ما صنع والنكاح جائز وقال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد النكاح جائز إن دخل بها وله أن يمسكها إن شاء وقال أبو حنيفة مرة هو وأصحابه : لا تحل للأول إن تزوجها ليحلها ومرة قالوا : تحل له بهذا النكاح إذا جامعها وطلقها ولم يختلفوا في أن نكاح هذا الزوج صحيح وإن له أن يقيم عليه وفيه قول ثالث قال الشافعي : إذا قال أتزوجك لأحلك ثم لا نكاح بيننا بعد ذلك فهذا ضرب من نكاح المتعة وهو فاسد لا يقر عليه ويفسخ ولو وطىء على هذا لم يكن تحليلا فإن تزوجها تزوجا مطلقا لم يشترط ولا اشترط عليه التحليل فللشافعي في ذلك قولان في كتابه القديم : أحدهما مثل قول مالك والآخر مثل قول أبي حنيفة ولم يختلف قوله في كتابه الجديد المصري أن النكاح صحيح إذا لم يشترط وهو قول داؤد قلت : وحكى الماوردي عن الشافعي أنه إن شرط التحليل قبل العقد صح النكاح وأحلها للأول وإن شرطاه في العقد بطل النكاح ولم يحلها للأول قال : وهو قول الشافعي وقال الحسن وإبراهيم : إذا هم أحد الثلاثة بالتحليل فسد النكاح وهذا تشديد وقال سالم والقاسم : لا بأس أن يتزوجها ليحلها إذا لم يعلم الزوجان وهو مأجور وبه قال ربيعة ويحيى بن سعيد وقاله داؤد بن علي إذا لم يظهر ذلك في اشتراطه في حين العقد الرابعة مدار جواز نكاح التحليل عند علمائنا على الزوج الناكح وسواء شرط ذلك أو نواه ومتى كان شيء من ذلك فسد نكاحه ولم يقر عليه ولم يحلل وطؤه المرأة لزوجها وعلم الزوج المطلق وجهله في ذلك سواء وقد قيل : إنه ينبغي له إذا علم أن الناكح لها لذلك تزوجها أن يتنزه عن مراجعتها ولا يحلها عند مالك إلا نكاح رغبة لحاجته إليها ولا يقصد به التحليل ويكون وطؤه لها وطأ مباحا : لا تكون صائمة ولا محرمة ولا في حيضتها ويكون الزوج بالغا مسلما وقال الشافعي : إذا أصابها بنكاح صحيح وغيب الحشفة في فرجها فقد ذاقا العسيلة وسواء في ذلك قوي النكاح وضعيفه وسواء أدخله بيده أم بيدها وكان من صبى أو مراهق أو مجبوب بقى له ما يغيبه كما يغيب غير الخصي وسواء أصابها الزوج محرمة أو صائمة وهذا كله على ما وصف الشافعي قول أبى حنيفة وأصحابه والثوري والأوزاعي والحسن بن صالح وقول بعض أصحاب مالك الخامسة قال بن حبيب : وإن تزوجها فإن أعجبته أمسكها وإلا كان قد احتسب في تحليلها الأجر لم يجز لما خالط نكاحه من نية التحليل ولا تحل بذلك للأول السادسة وطء السيد لأمته التى قد بت زوجها طلاقها لا يحلها إذ ليس بزوج روى عن علي بن أبى طالب وهو قول عبيدة ومسروق والشعبي وإبراهيم وجابر بن زيد وسليمان بن يسار وحماد بن أبى سليمان وأبي الزناد وعليه جماعة فقهاء الأمصار ويروى عن عثمان وزيد بن ثابت والزبير خلاف ذلك وأنه يحلها إذا غشيها سيدها غشيانا لا يريد بذلك مخادعة ولا إحلالا وترجع إلى زوجها بخطبة وصداق والقول الأول أصح لقوله تعالى : حتى تنكح زوجا غيره والسيد إنما تسلط بملك اليمين وهذا واضح السابعة في موطإ مالك أنه بلغه أن سعيد بن المسيب وسليمان بن يسار سئلا عن رجل زوج عبدا له جارية له فطلقها العبد البتة ثم وهبها سيدها له هل تحل له بملك اليمين فقالا : لا تحل له حتى تنكح زوجا غيره الثامنة روى عن مالك أنه سأل بن شهاب عن رجل كانت تحته أمة مملوكة فاشتراها وقد كان طلقها واحدة فقال : تحل له بملك يمينه ما لم يبت طلاقها فإن بت طلاقها فلا تحل له بملك يمينه حتى تنكح زوجا غيره قال أبو عمر : وعلى هذا جماعة العلماء وأئمة الفتوى : مالك والثوري والأوزاعي والشافعي وأبو حنيفة وأحمد وإسحاق وأبو ثور وكان بن عباس وعطاء وطاوس والحسن يقولون : إذا اشتراها الذي بت طلاقها حلت له بملك اليمين على عموم قوله عز وجل : أو ما ملكت أيمانكم قال أبو عمر : وهذا خطأ من القول لأن قوله عز وجل : أو ما ملكت أيمانكم لا يبيح الأمهات ولا الأخوات فكذلك سائر المحرمات التاسعة إذا طلق المسلم زوجته الذمية ثلاثا فنكحها ذمي ودخل بها ثم طلقها فقالت طائفة : الذمي زوج لها ولها أن ترجع إلى الأول هكذا قال الحسن ( والزهري ) وسفيان الثوري والشافعي وأبو عبيد وأصحاب الرأي قال بن المنذر : وكذلك نقول لأن الله تعالى قال : حتى تنكح زوجا غيره والنصرانى زوج وقال مالك وربيعة : لا يحلها العاشرة النكاح الفاسد لا يحل المطلقة ثلاثا في قول الجمهور مالك والثوري والشافعي والأوزاعي وأصحاب الرأي وأحمد وإسحاق وأبي عبيد كلهم يقولون : لا تحل للزوج الأول إلا بنكاح صحيح وكان الحكم يقول : هو زوج قال بن المنذر : ليس بزوج لأن أحكام الأزواج في الظهار والإيلاء واللعان غير ثابتة بينهما وأجمع كل من يحفظ عنه من أهل العلم أن المرأة إذا قالت للزوج الأول : قد تزوجت ودخل علي زوجي وصدقها أنها تحل للأول قال الشافعي : والورع ألا يفعل إذا وقع في نفسه أنها كذبته الحادية عشرة جاء عن عمر بن الخطاب في هذا الباب تغليظ شديد وهو قوله : لا أوتي بمحلل ولا محلل له إلا رجمتهما وقال بن عمر : التحليل سفاح لا يزالان زانيين ولو أقاما عشرين سنة قال أبو عمر : لا يحتمل قول عمر إلا التغليظ لأنه قد صح عنه أنه وضع الحد عن الواطئ فرجا حراما قد جهل تحريمه وعذره بالجهالة فالتأويل أولى بذلك ولا خلاف أنه لا رجم عليه قوله تعالى : ( فإن طلقها فلا جناح عليهما أن يتراجعا إن ظنا أن يقيما حدود الله وتلك حدود الله يبينها لقوم يعلمون ) فيه أربع مسائل : الأولى قوله تعالى ( فإن طلقها ) يريد الزوج الثانى ( فلا جناح عليهما ) أي المرأة والزوج الأول قاله بن عباس ولا خلاف فيه قال بن المنذر : أجمع أهل العلم على أن الحر إذا طلق زوجته ثلاثا ثم أنقضت عدتها ونكحت زوجا آخر ودخل بها ثم فارقها وانقضت عدتها ثم نكحت زوجها الأول أنها تكون عنده على ثلاث تطليقات واختلفوا في الرجل يطلق امرأته تطليقة أو تطليقتين ثم تتزوج غيره ثم ترجع إلى زوجها الأول فقالت طائفة : تكون على ما بقى من طلاقها وكذلك قال الأكابر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم : عمر بن الخطاب وعلي بن أبى طالب وأبي بن كعب وعمران بن حصين وأبو هريرة ويروى ذلك عن زيد بن ثابت ومعاذ بن جبل وعبد الله بن عمرو بن العاص وبه قال عبيدة السلمانى وسعيد بن المسيب والحسن البصري ومالك وسفيان الثورى وبن أبى ليلى والشافعي وأحمد وإسحاق وأبو عبيد وأبو ثور ومحمد بن الحسن وبن نصر وفيه قول ثان وهو أن النكاح جديد والطلاق جديد هذا قول بن عمر وبن عباس وبه قال عطاء والنخعي وشريح والنعمان ويعقوب وذكر أبو بكر بن أبى شيبة قال : حدثنا أبو معاوية ووكيع عن الأعمش عن إبراهيم قال : كان أصحاب عبد الله يقولون : أيهدم الزوج الثلاث ولا يهدم الواحدة والاثنتين قال وحدثنا حفص عن حجاج عن طلحة عن إبراهيم أن أصحاب عبد الله كانوا يقولون : يهدم الزوج الواحدة والاثنتين كما يهدم الثلاث إلا عبيدة فإنه قال : هي على ما بقي من طلاقها ذكره أبو عمر قال بن المنذر : وبالقول الأول أقول وفيه قول ثالث وهو : إن كان دخل بها الأخير فطلاق جديد ونكاح جديد وإن لم يكن دخل بها فعلى ما بقي هذا قول إبراهيم النخعى الثانية قوله تعالى : ( إن ظنا أن يقيما حدود الله ) شرط قال طاوس : إن ظنا أن كل واحد منهما يحسن عشرة صاحبه وقيل : حدود الله فرائضه أي إذا علما أنه يكون بينهما الصلاح بالنكاح الثانى فمتى علم الزوج أنه يعجز عن نفقة زوجته أو صداقها أو شيء من حقوقها الواجبة عليه فلا يحل له أن يتزوجها حتى يبين لها أو يعلم من نفسه القدرة على أداء حقوقها وكذلك لو كانت به علة تمنعه من الاستمتاع كان عليه أن يبين كيلا يغر المرأة من نفسه وكذلك لا يجوز أن يغرها بنسب يدعيه ولا مال ( له ) ولا صناعة يذكرها وهو كاذب فيها وكذلك يجب على المرأة إذا علمت من نفسها العجز عن قيامها بحقوق الزوج أو كان بها علة تمنع الاستمتاع من جنون أو جذام أو برص أو داء في الفرج لم يجز لها أن تغره وعليها أن تبين له ما بها من ذلك كما يجب على بائع السلعة أن يبين ما بسلعته من العيوب ومتى وجد أحد الزوجين بصاحبه عيبا فله الرد فإن كان العيب بالرجل فلها الصداق إن كان دخل بها وإن لم يدخل بها فلها نصفه وإن كان العيب بالمرأة ردها الزوج وأخذ ما كان أعطاها من الصداق وقد روى أن النبى صلى الله عليه وسلم تزوج امرأة من بنى بياضة فوجد بكشحها برصا فردها وقال : ( دلستم علي واختلفت الرواية عن مالك في امرأة العنين إذا سلمت نفسها ثم فرق بينهما بالعنة فقال مرة : لها جميع الصداق وقال مرة : لها نصف الصداق وهذا ينبني على اختلاف قوله : بم تستحق الصداق بالتسليم أو الدخول قولان الثالثة قال بن خويز منداد : واختلف أصحابنا هل على الزوجة خدمة أو لا فقال بعض أصحابنا : ليس على الزوجة خدمة وذلك أن العقد يتناول الاستمتاع لا الخدمة ألا ترى أنه ليس بعقد إجارة ولا تملك رقبة وإنما هو عقد على الاستمتاع والمستحق بالعقد هو الاستمتاع دون غيره فلا تطالب بأكثر منه ألا ترى إلى قوله تعالى : فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلا وقال بعض أصحابنا : عليها خدمة مثلها فإن كانت شريفة المحل ليسار أبوة أو ترفة فعليها التدبير للمنزل وأمر الخادم وإن كانت متوسطة الحال فعليها أن تفرش الفراش ونحو ذلك وإن كانت دون ذلك فعليها أن تقم البيت وتطبخ وتغسل وإن كانت من نساء الكرد والديلم والجبل في بلدهن كلفت ما يكلف نساؤهم وذلك أن الله تعالى قال : ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف وقد جرى عرف المسلمين في بلدانهم في قديم الأمر وحديثه بما ذكرنا ألا ترى أن أزواج النبى صلى الله عليه وسلم وأصحابه كانوا يتكلفون الطحين والخبيز والطبيخ وفرش الفراش وتقريب الطعام وأشباه ذلك ولا نعلم امرأة امتنعت من ذلك ولا يسوغ لها الامتناع بل كانوا يضربون نساءهم إذا قصرن في ذلك ويأخذونهن بالخدمة فلولا أنها مستحقة لما طالبوهن ذلك الرابعة قوله تعالى : وتلك حدود الله لقوم يعلمون حدود الله : ما منع منه والحد مانع من الاجتزاء على الفواحش وأحدت المرأة : امتنعت من الزينة ورجل محدود : ممنوع من الخير والبواب حداد أي مانع وقد تقدم هذا مستوفى وإنما قال : لقوم يعلمون لأن الجاهل إذا كثر له أمره ونهيه فإنه لا يحفظه ولا يتعاهده والعالم يحفظ ويتعاهد فلهذا المعنى خاطب العلماء ولم يخاطب الجهال < <

اردو Tercümesi (Ehl-i Sünnet)

> قوله تعالى : ( فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره ) فيه إحدى عشرة مسألة : الأولى احتج بعض مشايخ خراسان من الحنفية بهذه الآية على أن المختلعة يلحقها الطلاق قالوا : فشرع الله سبحانه صريح الطلاق بعد المفاداة بالطلاق لأن الفاء حرف تعقيب فيبعد أن يرجع إلى قوله : الطلاق مرتان لأن الذي تخلل من الكلام يمنع بناء قوله فإن طلقها على قوله الطلاق مرتان بل الأقرب عوده على ما يليه كما في الاستثناء ولا يعود إلى ما تقدمه إلا بدلالة كما أن قوله تعالى : وربائبكم اللاتى في حجوركم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن فصار مقصورا على ما يليه غير عائد على ما تقدمه حتى لا يشترط الدخول في أمهات النساء وقد اختلف العلماء في الطلاق بعد الخلع في العدة فقالت طائفة : إذا خالع الرجل زوجته ثم طلقها وهى في العدة لحقها الطلاق ما دامت في العدة كذلك قال سعيد بن المسيب وشريح وطاوس والنخعي والزهري والحكم وحماد والثوري وأصحاب الرأي وفيه قول ثان وهو أن الطلاق لا يلزمها وهو قول بن عباس وبن الزبير وعكرمة والحسن وجابر بن زيد والشافعى وأحمد وإسحاق وأبي ثور وهو قول مالك إلا أن مالكا قال : إن افتدت منه على أن يطلقها ثلاثا متتابعا نسقا حين طلقها فذلك ثابت عليه وإن كان بين ذلك صمات فما أتبعه بعد الصمات فليس بشئ وإنما كان ذلك لأن نسق الكلام بعضه على بعض متصلا يوجب له حكما واحدا وكذلك إذا اتصل الاستثناء باليمين بالله أثر وثبت له حكم الاستثناء وإذا انفصل عنه لم يكن له تعلق بما تقدم من الكلام الثانية المراد بقوله تعالى : فإن طلقها الطلقة الثالثة فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره وهذا مجمع عليه لا خلاف فيه واختلفوا فيما يكفى من النكاح وما الذي يبيح التحليل فقال سعيد بن المسيب ومن وافقه : مجرد العقد كاف وقال الحسن بن أبى الحسن : لا يكفى مجرد الوطء حتى يكون إنزال وذهب الجمهور من العلماء والكافة من الفقهاء إلى أن الوطء كاف في ذلك وهو التقاء الختانين الذي يوجب الحد والغسل ويفسد الصوم والحج ويحصن الزوجين ويوجب كمال الصداق قال بن العربى : ما مرت بي في الفقه مسألة أعسر منها وذلك أن من أصول الفقه أن الحكم هل يتعلق بأوائل الأسماء أو بأواخرها فإن قلنا إن الحكم يتعلق بأوائل الأسماء لزمنا أن نقول بقول سعيد بن المسيب وإن قلنا : إن الحكم يتعلق بأواخر الأسماء لزمنا أن نشترط الإنزال مع مغيب الحشفة في الإحلال لأنه أخر ذوق العسيلة على ما قاله الحسن قال بن المنذر : ومعنى ذوق العسيلة هو الوطء وعلى هذا جماعة العلماء إلا سعيد بن المسيب فقال : أما الناس فيقولون : لا تحل للأول حتى يجامعها الثانى وأنا أقول : إذا تزوجها تزوجا صحيحا لا يريد بذلك إحلالها فلا بأس أن يتزوجها الأول وهذا قول لا نعلم أحدا وافقه عليه إلا طائفة من الخوارج والسنة مستغنى بها عما سواها قلت : وقد قال بقول سعيد بن المسيب سعيد بن جبير ذكره النحاس في كتاب معانى القرآن له قال : وأهل العلم على أن النكاح ها هنا الجماع لأنه قال : زوجا غيره فقد تقدمت الزوجية فصار النكاح الجماع إلا سعيد بن جبير فإنه قال : النكاح ها هنا التزوج الصحيح إذا لم يرد إحلالها قلت : وأظنهما لم يبلغهما حديث العسيلة أو لم يصح عندهما فأخذا بظاهر القرآن وهو قوله تعالى : حتى تنكح زوجا غيره والله أعلم روى الأئمة واللفظ للدارقطنى عن عائشة قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إذا طلق الرجل امرأته ثلاثا لا تحل له حتى تنكح زوجا غيره ويذوق كل واحد منهما عسيلة صاحبه ( قال بعض علماء الحنفية : من عقد على مذهب سعيد بن المسيب فللقاضي أن يفسخه ولا يعتبر فيه خلافه لأنه خارج عن إجماع العلماء قال علماؤنا : ويفهم من قوله عليه السلام : ( حتى يذوق كل واحد منهما عسيلة صاحبه ( استواؤهما في إدراك لذة الجماع وهو حجة لأحد القولين عندنا في أنه لو وطئها نائمة أو مغمى عليها لم تحل لمطلقها لأنها لم تذق العسيلة إذ لم تدركها الثالثة روى النسائى عن عبد الله قال : لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم الواشمة والمستوشمة والواصلة والمستوصلة وآكل الربا ومؤكله والمحلل والمحلل له وروى الترمذي عن عبد الله بن مسعود قال : لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم المحلل والمحلل له وقال : هذا حديث حسن صحيح وقد روى هذا الحديث عن النبى صلى الله عليه وسلم من غير وجه والعمل على هذا عند أهل العلم من أصحاب النبى صلى الله عليه وسلم منهم عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان وعبد الله بن عمر وغيرهم وهو قول الفقهاء من التابعين وبه يقول سفيان الثوري وبن المبارك والشافعي ومالك وأحمد وإسحاق وسمعت الجارود يذكر عن وكيع أنه قال بهذا وقال : ينبغى أن يرمى بهذا الباب من قول أصحاب الرأي وقال سفيان : إذا تزوج الرجل المرأة ليحلها ثم بدا له أن يمسكها فلا تحل له حتى يتزوجها بنكاح جديد قال أبو عمر بن عبد البر : اختلف العلماء في نكاح المحلل فقال مالك : المحلل لا يقيم على نكاحه حتى يستقبل نكاحا جديدا فإن أصابها فلها مهر مثلها ولا تحلها إصابته لزوجها الأول وسواء علما أو لم يعلما إذا تزوجها ليحلها ولا يقر على نكاحه ويفسخ وبه قال الثوري والأوزاعي وفيه قول ثان روى عن الثوري في نكاح الحيار والمحلل أن النكاح جائز والشرط باطل وهو قول بن أبى ليلى في ذلك وفي نكاح المتعة وروى عن الأوزاعي في نكاح المحلل : بئس ما صنع والنكاح جائز وقال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد النكاح جائز إن دخل بها وله أن يمسكها إن شاء وقال أبو حنيفة مرة هو وأصحابه : لا تحل للأول إن تزوجها ليحلها ومرة قالوا : تحل له بهذا النكاح إذا جامعها وطلقها ولم يختلفوا في أن نكاح هذا الزوج صحيح وإن له أن يقيم عليه وفيه قول ثالث قال الشافعي : إذا قال أتزوجك لأحلك ثم لا نكاح بيننا بعد ذلك فهذا ضرب من نكاح المتعة وهو فاسد لا يقر عليه ويفسخ ولو وطىء على هذا لم يكن تحليلا فإن تزوجها تزوجا مطلقا لم يشترط ولا اشترط عليه التحليل فللشافعي في ذلك قولان في كتابه القديم : أحدهما مثل قول مالك والآخر مثل قول أبي حنيفة ولم يختلف قوله في كتابه الجديد المصري أن النكاح صحيح إذا لم يشترط وهو قول داؤد قلت : وحكى الماوردي عن الشافعي أنه إن شرط التحليل قبل العقد صح النكاح وأحلها للأول وإن شرطاه في العقد بطل النكاح ولم يحلها للأول قال : وهو قول الشافعي وقال الحسن وإبراهيم : إذا هم أحد الثلاثة بالتحليل فسد النكاح وهذا تشديد وقال سالم والقاسم : لا بأس أن يتزوجها ليحلها إذا لم يعلم الزوجان وهو مأجور وبه قال ربيعة ويحيى بن سعيد وقاله داؤد بن علي إذا لم يظهر ذلك في اشتراطه في حين العقد الرابعة مدار جواز نكاح التحليل عند علمائنا على الزوج الناكح وسواء شرط ذلك أو نواه ومتى كان شيء من ذلك فسد نكاحه ولم يقر عليه ولم يحلل وطؤه المرأة لزوجها وعلم الزوج المطلق وجهله في ذلك سواء وقد قيل : إنه ينبغي له إذا علم أن الناكح لها لذلك تزوجها أن يتنزه عن مراجعتها ولا يحلها عند مالك إلا نكاح رغبة لحاجته إليها ولا يقصد به التحليل ويكون وطؤه لها وطأ مباحا : لا تكون صائمة ولا محرمة ولا في حيضتها ويكون الزوج بالغا مسلما وقال الشافعي : إذا أصابها بنكاح صحيح وغيب الحشفة في فرجها فقد ذاقا العسيلة وسواء في ذلك قوي النكاح وضعيفه وسواء أدخله بيده أم بيدها وكان من صبى أو مراهق أو مجبوب بقى له ما يغيبه كما يغيب غير الخصي وسواء أصابها الزوج محرمة أو صائمة وهذا كله على ما وصف الشافعي قول أبى حنيفة وأصحابه والثوري والأوزاعي والحسن بن صالح وقول بعض أصحاب مالك الخامسة قال بن حبيب : وإن تزوجها فإن أعجبته أمسكها وإلا كان قد احتسب في تحليلها الأجر لم يجز لما خالط نكاحه من نية التحليل ولا تحل بذلك للأول السادسة وطء السيد لأمته التى قد بت زوجها طلاقها لا يحلها إذ ليس بزوج روى عن علي بن أبى طالب وهو قول عبيدة ومسروق والشعبي وإبراهيم وجابر بن زيد وسليمان بن يسار وحماد بن أبى سليمان وأبي الزناد وعليه جماعة فقهاء الأمصار ويروى عن عثمان وزيد بن ثابت والزبير خلاف ذلك وأنه يحلها إذا غشيها سيدها غشيانا لا يريد بذلك مخادعة ولا إحلالا وترجع إلى زوجها بخطبة وصداق والقول الأول أصح لقوله تعالى : حتى تنكح زوجا غيره والسيد إنما تسلط بملك اليمين وهذا واضح السابعة في موطإ مالك أنه بلغه أن سعيد بن المسيب وسليمان بن يسار سئلا عن رجل زوج عبدا له جارية له فطلقها العبد البتة ثم وهبها سيدها له هل تحل له بملك اليمين فقالا : لا تحل له حتى تنكح زوجا غيره الثامنة روى عن مالك أنه سأل بن شهاب عن رجل كانت تحته أمة مملوكة فاشتراها وقد كان طلقها واحدة فقال : تحل له بملك يمينه ما لم يبت طلاقها فإن بت طلاقها فلا تحل له بملك يمينه حتى تنكح زوجا غيره قال أبو عمر : وعلى هذا جماعة العلماء وأئمة الفتوى : مالك والثوري والأوزاعي والشافعي وأبو حنيفة وأحمد وإسحاق وأبو ثور وكان بن عباس وعطاء وطاوس والحسن يقولون : إذا اشتراها الذي بت طلاقها حلت له بملك اليمين على عموم قوله عز وجل : أو ما ملكت أيمانكم قال أبو عمر : وهذا خطأ من القول لأن قوله عز وجل : أو ما ملكت أيمانكم لا يبيح الأمهات ولا الأخوات فكذلك سائر المحرمات التاسعة إذا طلق المسلم زوجته الذمية ثلاثا فنكحها ذمي ودخل بها ثم طلقها فقالت طائفة : الذمي زوج لها ولها أن ترجع إلى الأول هكذا قال الحسن ( والزهري ) وسفيان الثوري والشافعي وأبو عبيد وأصحاب الرأي قال بن المنذر : وكذلك نقول لأن الله تعالى قال : حتى تنكح زوجا غيره والنصرانى زوج وقال مالك وربيعة : لا يحلها العاشرة النكاح الفاسد لا يحل المطلقة ثلاثا في قول الجمهور مالك والثوري والشافعي والأوزاعي وأصحاب الرأي وأحمد وإسحاق وأبي عبيد كلهم يقولون : لا تحل للزوج الأول إلا بنكاح صحيح وكان الحكم يقول : هو زوج قال بن المنذر : ليس بزوج لأن أحكام الأزواج في الظهار والإيلاء واللعان غير ثابتة بينهما وأجمع كل من يحفظ عنه من أهل العلم أن المرأة إذا قالت للزوج الأول : قد تزوجت ودخل علي زوجي وصدقها أنها تحل للأول قال الشافعي : والورع ألا يفعل إذا وقع في نفسه أنها كذبته الحادية عشرة جاء عن عمر بن الخطاب في هذا الباب تغليظ شديد وهو قوله : لا أوتي بمحلل ولا محلل له إلا رجمتهما وقال بن عمر : التحليل سفاح لا يزالان زانيين ولو أقاما عشرين سنة قال أبو عمر : لا يحتمل قول عمر إلا التغليظ لأنه قد صح عنه أنه وضع الحد عن الواطئ فرجا حراما قد جهل تحريمه وعذره بالجهالة فالتأويل أولى بذلك ولا خلاف أنه لا رجم عليه قوله تعالى : ( فإن طلقها فلا جناح عليهما أن يتراجعا إن ظنا أن يقيما حدود الله وتلك حدود الله يبينها لقوم يعلمون ) فيه أربع مسائل : الأولى قوله تعالى ( فإن طلقها ) يريد الزوج الثانى ( فلا جناح عليهما ) أي المرأة والزوج الأول قاله بن عباس ولا خلاف فيه قال بن المنذر : أجمع أهل العلم على أن الحر إذا طلق زوجته ثلاثا ثم أنقضت عدتها ونكحت زوجا آخر ودخل بها ثم فارقها وانقضت عدتها ثم نكحت زوجها الأول أنها تكون عنده على ثلاث تطليقات واختلفوا في الرجل يطلق امرأته تطليقة أو تطليقتين ثم تتزوج غيره ثم ترجع إلى زوجها الأول فقالت طائفة : تكون على ما بقى من طلاقها وكذلك قال الأكابر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم : عمر بن الخطاب وعلي بن أبى طالب وأبي بن كعب وعمران بن حصين وأبو هريرة ويروى ذلك عن زيد بن ثابت ومعاذ بن جبل وعبد الله بن عمرو بن العاص وبه قال عبيدة السلمانى وسعيد بن المسيب والحسن البصري ومالك وسفيان الثورى وبن أبى ليلى والشافعي وأحمد وإسحاق وأبو عبيد وأبو ثور ومحمد بن الحسن وبن نصر وفيه قول ثان وهو أن النكاح جديد والطلاق جديد هذا قول بن عمر وبن عباس وبه قال عطاء والنخعي وشريح والنعمان ويعقوب وذكر أبو بكر بن أبى شيبة قال : حدثنا أبو معاوية ووكيع عن الأعمش عن إبراهيم قال : كان أصحاب عبد الله يقولون : أيهدم الزوج الثلاث ولا يهدم الواحدة والاثنتين قال وحدثنا حفص عن حجاج عن طلحة عن إبراهيم أن أصحاب عبد الله كانوا يقولون : يهدم الزوج الواحدة والاثنتين كما يهدم الثلاث إلا عبيدة فإنه قال : هي على ما بقي من طلاقها ذكره أبو عمر قال بن المنذر : وبالقول الأول أقول وفيه قول ثالث وهو : إن كان دخل بها الأخير فطلاق جديد ونكاح جديد وإن لم يكن دخل بها فعلى ما بقي هذا قول إبراهيم النخعى الثانية قوله تعالى : ( إن ظنا أن يقيما حدود الله ) شرط قال طاوس : إن ظنا أن كل واحد منهما يحسن عشرة صاحبه وقيل : حدود الله فرائضه أي إذا علما أنه يكون بينهما الصلاح بالنكاح الثانى فمتى علم الزوج أنه يعجز عن نفقة زوجته أو صداقها أو شيء من حقوقها الواجبة عليه فلا يحل له أن يتزوجها حتى يبين لها أو يعلم من نفسه القدرة على أداء حقوقها وكذلك لو كانت به علة تمنعه من الاستمتاع كان عليه أن يبين كيلا يغر المرأة من نفسه وكذلك لا يجوز أن يغرها بنسب يدعيه ولا مال ( له ) ولا صناعة يذكرها وهو كاذب فيها وكذلك يجب على المرأة إذا علمت من نفسها العجز عن قيامها بحقوق الزوج أو كان بها علة تمنع الاستمتاع من جنون أو جذام أو برص أو داء في الفرج لم يجز لها أن تغره وعليها أن تبين له ما بها من ذلك كما يجب على بائع السلعة أن يبين ما بسلعته من العيوب ومتى وجد أحد الزوجين بصاحبه عيبا فله الرد فإن كان العيب بالرجل فلها الصداق إن كان دخل بها وإن لم يدخل بها فلها نصفه وإن كان العيب بالمرأة ردها الزوج وأخذ ما كان أعطاها من الصداق وقد روى أن النبى صلى الله عليه وسلم تزوج امرأة من بنى بياضة فوجد بكشحها برصا فردها وقال : ( دلستم علي واختلفت الرواية عن مالك في امرأة العنين إذا سلمت نفسها ثم فرق بينهما بالعنة فقال مرة : لها جميع الصداق وقال مرة : لها نصف الصداق وهذا ينبني على اختلاف قوله : بم تستحق الصداق بالتسليم أو الدخول قولان الثالثة قال بن خويز منداد : واختلف أصحابنا هل على الزوجة خدمة أو لا فقال بعض أصحابنا : ليس على الزوجة خدمة وذلك أن العقد يتناول الاستمتاع لا الخدمة ألا ترى أنه ليس بعقد إجارة ولا تملك رقبة وإنما هو عقد على الاستمتاع والمستحق بالعقد هو الاستمتاع دون غيره فلا تطالب بأكثر منه ألا ترى إلى قوله تعالى : فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلا وقال بعض أصحابنا : عليها خدمة مثلها فإن كانت شريفة المحل ليسار أبوة أو ترفة فعليها التدبير للمنزل وأمر الخادم وإن كانت متوسطة الحال فعليها أن تفرش الفراش ونحو ذلك وإن كانت دون ذلك فعليها أن تقم البيت وتطبخ وتغسل وإن كانت من نساء الكرد والديلم والجبل في بلدهن كلفت ما يكلف نساؤهم وذلك أن الله تعالى قال : ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف وقد جرى عرف المسلمين في بلدانهم في قديم الأمر وحديثه بما ذكرنا ألا ترى أن أزواج النبى صلى الله عليه وسلم وأصحابه كانوا يتكلفون الطحين والخبيز والطبيخ وفرش الفراش وتقريب الطعام وأشباه ذلك ولا نعلم امرأة امتنعت من ذلك ولا يسوغ لها الامتناع بل كانوا يضربون نساءهم إذا قصرن في ذلك ويأخذونهن بالخدمة فلولا أنها مستحقة لما طالبوهن ذلك الرابعة قوله تعالى : وتلك حدود الله لقوم يعلمون حدود الله : ما منع منه والحد مانع من الاجتزاء على الفواحش وأحدت المرأة : امتنعت من الزينة ورجل محدود : ممنوع من الخير والبواب حداد أي مانع وقد تقدم هذا مستوفى وإنما قال : لقوم يعلمون لأن الجاهل إذا كثر له أمره ونهيه فإنه لا يحفظه ولا يتعاهده والعالم يحفظ ويتعاهد فلهذا المعنى خاطب العلماء ولم يخاطب الجهال < <

حصہ V03/P154Kurtubî — el-Câmi' li-Ahkâmi'l-Kur'ân (s. V03/P154)
Orijinal Metin (AR)

البقرة : ( 231 ) وإذا طلقتم النساء . . . . . > > < > ( البقره 231 ) <

اردو Tercümesi (Ehl-i Sünnet)

البقرة : ( 231 ) وإذا طلقتم النساء . . . . . > > < > ( البقره 231 ) <

حصہ V03/P154–V03/P156Kurtubî — el-Câmi' li-Ahkâmi'l-Kur'ân (s. V03/P154–V03/P156)
Orijinal Metin (AR)

> فيه ست مسائل : الأولى قوله تعالى : ( فبلغن أجلهن ) معنى بلغن قاربن بإجماع من العلماء ولأن المعنى يضطر إلى ذلك لأنه بعد بلوغ الأجل لا خيار له في الإمساك وهو في الآية التى بعدها بمعنى التناهي لأن المعنى يقتضى ذلك فهو حقيقة في الثانية مجاز في الأولى الثانية قوله تعالى : ( فأمسكوهن بمعروف ) الامساك بالمعروف هو القيام بما يجب لها من حق على زوجها ولذلك قال جماعة من العلماء : إن من الإمساك بالمعروف أن الزوج إذا لم يجد ما ينفق على الزوجة أن يطلقها فإن لم يفعل خرج عن حد المعروف فيطلق عليه الحاكم من أجل الضرر اللاحق لها من بقائها عند من لا يقدر على نفقتها والجوع لا صبر عليه وبهذا قال مالك والشافعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور وأبو عبيد ويحيى القطان وعبد الرحمن بن مهدي وقاله من الصحابة عمر وعلي وأبو هريرة ومن التابعين سعيد بن المسيب وقال : إن ذلك سنة ورواه أبو هريرة عن النبى صلى الله عليه وسلم وقالت طائفة : لا يفرق بينهما ويلزمها الصبر عليه وتتعلق النفقة بذمته بحكم الحاكم وهذا قول عطاء والزهري وإليه ذهب الكوفيون والثوري واحتجوا بقوله تعالى : وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة وقال : وأنكحوا الأيامى منكم الآية فندب تعالى إلى إنكاح الفقير فلا يجوز أن يكون الفقر سببا للفرقة وهو مندوب معه إلى النكاح وأيضا فإن النكاح بين الزوجين قد انعقد بإجماع فلا يفرق بينهما إلا بإجماع مثله أو بسنة عن الرسول صلى الله عليه وسلم لا معارض لها والحجة للأول قوله صلى الله عليه وسلم في صحيح البخارى : ( تقول المرأة إما أن تطعمني وإما أن تطلقني ( فهذا نص في موضع الخلاف والفرقة بالإعسار عندنا طلقة رجعية خلافا للشافعي في قوله : إنها طلقة بائنة لأن هذه فرقة بعد البناء لم يستكمل بها عدد الطلاق ولا كانت لعوض ولا لضرر بالزوج فكانت رجعية أصله طلاق المولى الثالثة قوله تعالى : ( أو سرحوهن بمعروف ) يعنى فطلقوهن وقد تقدم ولا تمسكوهن ضرارا لتعتدوا روى مالك عن ثور بن زيد الديلى : أن الرجل كان يطلق امرأته ثم يراجعها ولا حاجة له بها ولا يريد إمساكها كيما يطول بذلك العدة عليها وليضارها فأنزل الله تعالى : ولا تمسكوهن ضرارا لتعتدوا ومن يفعل ذلك فقد ظلم نفسه يعظهم الله به وقال الزجاج : فقد ظلم نفسه يعنى عرض نفسه للعذاب لأن إتيان ما نهى الله عنه تعرض لعذاب الله وهذا الخبر موافق للخبر الذي نزل بترك ما كان عليه أهل الجاهلية من الطلاق والارتجاع حسب ما تقدم بيانه عند قوله تعالى : الطلاق مرتان فأفادنا هذان الخبران أن نزول الايتين المذكورتين كان في معنى واحد متقارب وذلك حبس الرجل المرأة ومراجعته لها قاصدا إلى الإضرار بها وهذا ظاهر الرابعة قوله تعالى : ( ولا تتخذوا أيات الله هزوا ) معناه لا تأخذوا أحكام الله تعالى في طريق الهزو بالهزو فإنها جد كلها فمن هزل فيها لزمته قال أبو الدرداء : كان الرجل يطلق في الجاهلية ويقول : إنما طلقت وأنا لاعب وكان يعتق وينكح ويقول : كنت لاعبا فنزلت هذه الآية فقال عليه السلام : ( من طلق أو حرر أو نكح أو أنكح فزعم أنه لاعب فهو جد ( رواه معمر قال : حدثنا عيسى بن يونس عن عمرو عن الحسن عن أبى الدرداء فذكره بمعناه وفى موطإ مالك أنه بلغه أن رجلا قال لابن عباس : إنى طلقت امرأتى مائة مرة فماذا ترى علي فقال بن عباس : طلقت منك بثلاث وسبع وتسعون اتخذت بها آيات الله هزوا وخرج الدارقطني من حديث إسماعيل بن أمية القرشي عن علي قال : سمع النبى صلى الله عليه وسلم رجلا طلق البتة فغضب وقال : ( تتخذون آيات الله هزوا أو دين الله هزوا ولعبا من طلق البتة ألزمناه ثلاثا لا تحل له حتى تنكح زوجا غيره ( إسماعيل بن أمية هذا كوفي ضعيف الحديث وروى عن عائشة : أن الرجل كان يطلق امرأته ثم يقول : والله لا أورثك ولا أدعك قالت : وكيف ذاك قال : إذا كدت تقضين عدتك راجعتك فنزلت : ولا تتخذوا أيات الله هزوا قال علماؤنا : والأقوال كلها داخلة في معنى الآية لأنه يقال لمن سخر من آيات الله : اتخذها هزوا ويقال ذلك لمن كفر بها ويقال ذلك لمن طرحها ولم يأخذ بها وعمل بغيرها فعلى هذا تدخل هذه الأقوال في الآية وآيات الله : دلائله وأمره ونهيه الخامسة ولا خلاف بين العلماء أن من طلق هازلا أن الطلاق يلزمه واختلفوا في غيره على ما يأتى بيانه في براءة إن شاء الله تعالى وخرج أبو داؤد عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( ثلاث جدهن جد وهزلهن جد النكاح والطلاق والرجعة ( وروى عن علي بن أبى طالب وبن مسعود وأبي الدرداء كلهم قالوا : ثلاث لا لعب فيهن واللاعب فيهن جاد : النكاح والطلاق والعتاق وقيل : المعنى لا تتركوا أوامر الله فتكونوا مقصرين لاعبين ويدخل في هذه الآية الاستغفار من الذنب قولا مع الإصرار فعلا وكذا كل ما كان في هذا المعنى فاعلمه السادسة قوله تعالى : ( واذكروا نعمة الله عليكم ) أي بالإسلام وبيان الأحكام ( والحكمة ) : هي السنة المبينة على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم مراد الله فيما لم ينص عليه في الكتاب ( يعظكم به ) أي يخوفكم ( واتقوا الله واعلموا أن الله بكل شيء عليم ) تقدم 0 قوله تعالى : ( وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن إذا تراضوا بينهم بالمعروف ذلك يوعظ به من كان منكم يؤمن بالله واليوم الأخر ذلكم أزكى لكم وأطهر والله يعلم وأنتم لا تعلمون < <

اردو Tercümesi (Ehl-i Sünnet)

> فيه ست مسائل : الأولى قوله تعالى : ( فبلغن أجلهن ) معنى بلغن قاربن بإجماع من العلماء ولأن المعنى يضطر إلى ذلك لأنه بعد بلوغ الأجل لا خيار له في الإمساك وهو في الآية التى بعدها بمعنى التناهي لأن المعنى يقتضى ذلك فهو حقيقة في الثانية مجاز في الأولى الثانية قوله تعالى : ( فأمسكوهن بمعروف ) الامساك بالمعروف هو القيام بما يجب لها من حق على زوجها ولذلك قال جماعة من العلماء : إن من الإمساك بالمعروف أن الزوج إذا لم يجد ما ينفق على الزوجة أن يطلقها فإن لم يفعل خرج عن حد المعروف فيطلق عليه الحاكم من أجل الضرر اللاحق لها من بقائها عند من لا يقدر على نفقتها والجوع لا صبر عليه وبهذا قال مالك والشافعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور وأبو عبيد ويحيى القطان وعبد الرحمن بن مهدي وقاله من الصحابة عمر وعلي وأبو هريرة ومن التابعين سعيد بن المسيب وقال : إن ذلك سنة ورواه أبو هريرة عن النبى صلى الله عليه وسلم وقالت طائفة : لا يفرق بينهما ويلزمها الصبر عليه وتتعلق النفقة بذمته بحكم الحاكم وهذا قول عطاء والزهري وإليه ذهب الكوفيون والثوري واحتجوا بقوله تعالى : وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة وقال : وأنكحوا الأيامى منكم الآية فندب تعالى إلى إنكاح الفقير فلا يجوز أن يكون الفقر سببا للفرقة وهو مندوب معه إلى النكاح وأيضا فإن النكاح بين الزوجين قد انعقد بإجماع فلا يفرق بينهما إلا بإجماع مثله أو بسنة عن الرسول صلى الله عليه وسلم لا معارض لها والحجة للأول قوله صلى الله عليه وسلم في صحيح البخارى : ( تقول المرأة إما أن تطعمني وإما أن تطلقني ( فهذا نص في موضع الخلاف والفرقة بالإعسار عندنا طلقة رجعية خلافا للشافعي في قوله : إنها طلقة بائنة لأن هذه فرقة بعد البناء لم يستكمل بها عدد الطلاق ولا كانت لعوض ولا لضرر بالزوج فكانت رجعية أصله طلاق المولى الثالثة قوله تعالى : ( أو سرحوهن بمعروف ) يعنى فطلقوهن وقد تقدم ولا تمسكوهن ضرارا لتعتدوا روى مالك عن ثور بن زيد الديلى : أن الرجل كان يطلق امرأته ثم يراجعها ولا حاجة له بها ولا يريد إمساكها كيما يطول بذلك العدة عليها وليضارها فأنزل الله تعالى : ولا تمسكوهن ضرارا لتعتدوا ومن يفعل ذلك فقد ظلم نفسه يعظهم الله به وقال الزجاج : فقد ظلم نفسه يعنى عرض نفسه للعذاب لأن إتيان ما نهى الله عنه تعرض لعذاب الله وهذا الخبر موافق للخبر الذي نزل بترك ما كان عليه أهل الجاهلية من الطلاق والارتجاع حسب ما تقدم بيانه عند قوله تعالى : الطلاق مرتان فأفادنا هذان الخبران أن نزول الايتين المذكورتين كان في معنى واحد متقارب وذلك حبس الرجل المرأة ومراجعته لها قاصدا إلى الإضرار بها وهذا ظاهر الرابعة قوله تعالى : ( ولا تتخذوا أيات الله هزوا ) معناه لا تأخذوا أحكام الله تعالى في طريق الهزو بالهزو فإنها جد كلها فمن هزل فيها لزمته قال أبو الدرداء : كان الرجل يطلق في الجاهلية ويقول : إنما طلقت وأنا لاعب وكان يعتق وينكح ويقول : كنت لاعبا فنزلت هذه الآية فقال عليه السلام : ( من طلق أو حرر أو نكح أو أنكح فزعم أنه لاعب فهو جد ( رواه معمر قال : حدثنا عيسى بن يونس عن عمرو عن الحسن عن أبى الدرداء فذكره بمعناه وفى موطإ مالك أنه بلغه أن رجلا قال لابن عباس : إنى طلقت امرأتى مائة مرة فماذا ترى علي فقال بن عباس : طلقت منك بثلاث وسبع وتسعون اتخذت بها آيات الله هزوا وخرج الدارقطني من حديث إسماعيل بن أمية القرشي عن علي قال : سمع النبى صلى الله عليه وسلم رجلا طلق البتة فغضب وقال : ( تتخذون آيات الله هزوا أو دين الله هزوا ولعبا من طلق البتة ألزمناه ثلاثا لا تحل له حتى تنكح زوجا غيره ( إسماعيل بن أمية هذا كوفي ضعيف الحديث وروى عن عائشة : أن الرجل كان يطلق امرأته ثم يقول : والله لا أورثك ولا أدعك قالت : وكيف ذاك قال : إذا كدت تقضين عدتك راجعتك فنزلت : ولا تتخذوا أيات الله هزوا قال علماؤنا : والأقوال كلها داخلة في معنى الآية لأنه يقال لمن سخر من آيات الله : اتخذها هزوا ويقال ذلك لمن كفر بها ويقال ذلك لمن طرحها ولم يأخذ بها وعمل بغيرها فعلى هذا تدخل هذه الأقوال في الآية وآيات الله : دلائله وأمره ونهيه الخامسة ولا خلاف بين العلماء أن من طلق هازلا أن الطلاق يلزمه واختلفوا في غيره على ما يأتى بيانه في براءة إن شاء الله تعالى وخرج أبو داؤد عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( ثلاث جدهن جد وهزلهن جد النكاح والطلاق والرجعة ( وروى عن علي بن أبى طالب وبن مسعود وأبي الدرداء كلهم قالوا : ثلاث لا لعب فيهن واللاعب فيهن جاد : النكاح والطلاق والعتاق وقيل : المعنى لا تتركوا أوامر الله فتكونوا مقصرين لاعبين ويدخل في هذه الآية الاستغفار من الذنب قولا مع الإصرار فعلا وكذا كل ما كان في هذا المعنى فاعلمه السادسة قوله تعالى : ( واذكروا نعمة الله عليكم ) أي بالإسلام وبيان الأحكام ( والحكمة ) : هي السنة المبينة على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم مراد الله فيما لم ينص عليه في الكتاب ( يعظكم به ) أي يخوفكم ( واتقوا الله واعلموا أن الله بكل شيء عليم ) تقدم 0 قوله تعالى : ( وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن إذا تراضوا بينهم بالمعروف ذلك يوعظ به من كان منكم يؤمن بالله واليوم الأخر ذلكم أزكى لكم وأطهر والله يعلم وأنتم لا تعلمون < <

حصہ V03/P156–V03/P159Kurtubî — el-Câmi' li-Ahkâmi'l-Kur'ân (s. V03/P156–V03/P159)
Orijinal Metin (AR)

البقرة : ( 232 ) وإذا طلقتم النساء . . . . . > > < > ( البقرة 232 ) < > فيه أربع مسائل : الأولى قوله تعالى : ( فلا تعضلوهن ) روى أن معقل بن يسار كانت أخته تحت أبي البداح فطلقها وتركها حتى انقضت عدتها ثم ندم فخطبها فرضيت وأبى أخوها أن يزوجها وقال : وجهي من وجهك حرام إن تزوجتيه فنزلت الآية قال مقاتل : فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم معقلا فقال : ( إن كنت مؤمنا فلا تمنع أختك عن أبي البداح ( فقال : آمنت بالله وزوجها منه وروى البخاري عن الحسن أن أخت معقل بن يسار طلقها زوجها حتى انقضت عدتها فخطبها فأبى معقل فنزلت : فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن وأخرجه أيضا الدارقطني عن الحسن قال : حدثني معقل بن يسار قال : كانت لي أخت فخطبت إلي فكنت أمنعها الناس فأتى بن عم لي فخطبها فأنكحتها إياه فاصطحبا ما شاء الله ثم طلقها طلاقا رجعيا ثم تركها حتى انقضت عدتها فخطبها مع الخطاب فقلت : منعتها الناس وزوجتك إياها ثم طلقتها طلاقا له رجعة ثم تركتها حتى انقضت عدتها فلما خطبت إلي أتيتني تخطبها مع الخطاب لا أزوجك أبدا ( فأنزل الله أو قال أنزلت : وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن فكفرت عن يميني وأنكحتها إياه في رواية البخاري : فحمي معقل من ذلك أنفا وقال : خلي عنها وهو يقدر عليها ثم يخطبها ( فأنزل الله الآية فدعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقرأ عليه الآية فترك الحمية وانقاد لأمر الله تعالى وقيل : هو معقل بن سنان ( بالنون ) قال النحاس : رواه الشافعي في كتبه عن معقل بن يسار أو سنان وقال الطحاوي : هو معقل بن سنان الثانية إذا ثبت هذا ففي الآية دليل على أنه لا يجوز النكاح بغير ولي لأن أخت معقل كانت ثيبا ولو كان الأمر إليها دون وليها لزوجت نفسها ولم تحتج إلى وليها معقل فالخطاب إذا في قوله تعالى : فلا تعضلوهن للأولياء ؤان الأمر إليهم في التزويج مع رضاهن وقد قيل : إن الخطاب في ذلك للأزواج وذلك بأن يكون الارتجاع مضارة عضلا عن نكاح الغير بتطويل العدة عليها واحتج بها أصحاب أبي حنيفة على أن تزوج المرأة نفسها قالوا : لأن الله تعالى أضاف ذلك إليها كما قال : فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره ولم يذكر الولي وقد تقدم القول في هذه المسألة مستوفي والأول أصح لما ذكرناه من سبب النزول والله أعلم الثالة قوله تعالى : ( فإذا بلغن أجلهن ) بلوغ الأجل في هذا الموضع : تناهيه لأن ابتداء النكاح إنما يتصور بعد انقضاء العدة وتعضلوهن معناه تحبسوهن وحكى الخليل : دجاجة معضل : قد احتبس بيضها وقيل : العضل التضييق والمنع وهو راجع إلى معنى الحبس يقال : أردت أمرا فعضلتني عنه أي منعتني عنه وضيقت علي وأعضل الأمر : إذا ضاقت عليك فيه الحيل ومنه قولهم : إنه لعضلة من العضل إذا كان لا يقدر على وجه الحيلة فيه وقال الأزهري : أصل العضل من قولهم : عضلت الناقة إذا نشب ولدها فلم يسهل خروجه وعضلت الدجاجة : نشب بيضها وفي حديث معاوية : معضلة ولا أبا حسن أي مسألة صعبة ضيقة المخارج وقال طاوس : لقد وردت عضل أقضية ما قام بها إلا بن عباس وكل مشكل عند العرب معضل ومنه قول الشافعي : إذا المعضلات تصدينني كشفت حقائقها بالنظر ويقال : أعضل الأمر إذا اشتد وداء عضال أي شديد عسر البرء أعيا الأطباء وعضل فلان أيمه أي منعها يعضلها ويعضلها ( بالضم والكسر ) لغتان الرابعة قوله تعالى : ( ذلك يوعظ به من كان ) ولم يقل ذلكم لأنه محمول على معنى الجمع ولو كان ذلكم لجاز مثل ذلكم أزكى لكم وأطهر ( والله يعلم ) أي ما لكم فيه من الصلاح ( وأنتم لا تعلمون ) ذلك < <

اردو Tercümesi (Ehl-i Sünnet)

البقرة : ( 232 ) وإذا طلقتم النساء . . . . . > > < > ( البقرة 232 ) < > فيه أربع مسائل : الأولى قوله تعالى : ( فلا تعضلوهن ) روى أن معقل بن يسار كانت أخته تحت أبي البداح فطلقها وتركها حتى انقضت عدتها ثم ندم فخطبها فرضيت وأبى أخوها أن يزوجها وقال : وجهي من وجهك حرام إن تزوجتيه فنزلت الآية قال مقاتل : فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم معقلا فقال : ( إن كنت مؤمنا فلا تمنع أختك عن أبي البداح ( فقال : آمنت بالله وزوجها منه وروى البخاري عن الحسن أن أخت معقل بن يسار طلقها زوجها حتى انقضت عدتها فخطبها فأبى معقل فنزلت : فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن وأخرجه أيضا الدارقطني عن الحسن قال : حدثني معقل بن يسار قال : كانت لي أخت فخطبت إلي فكنت أمنعها الناس فأتى بن عم لي فخطبها فأنكحتها إياه فاصطحبا ما شاء الله ثم طلقها طلاقا رجعيا ثم تركها حتى انقضت عدتها فخطبها مع الخطاب فقلت : منعتها الناس وزوجتك إياها ثم طلقتها طلاقا له رجعة ثم تركتها حتى انقضت عدتها فلما خطبت إلي أتيتني تخطبها مع الخطاب لا أزوجك أبدا ( فأنزل الله أو قال أنزلت : وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن فكفرت عن يميني وأنكحتها إياه في رواية البخاري : فحمي معقل من ذلك أنفا وقال : خلي عنها وهو يقدر عليها ثم يخطبها ( فأنزل الله الآية فدعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقرأ عليه الآية فترك الحمية وانقاد لأمر الله تعالى وقيل : هو معقل بن سنان ( بالنون ) قال النحاس : رواه الشافعي في كتبه عن معقل بن يسار أو سنان وقال الطحاوي : هو معقل بن سنان الثانية إذا ثبت هذا ففي الآية دليل على أنه لا يجوز النكاح بغير ولي لأن أخت معقل كانت ثيبا ولو كان الأمر إليها دون وليها لزوجت نفسها ولم تحتج إلى وليها معقل فالخطاب إذا في قوله تعالى : فلا تعضلوهن للأولياء ؤان الأمر إليهم في التزويج مع رضاهن وقد قيل : إن الخطاب في ذلك للأزواج وذلك بأن يكون الارتجاع مضارة عضلا عن نكاح الغير بتطويل العدة عليها واحتج بها أصحاب أبي حنيفة على أن تزوج المرأة نفسها قالوا : لأن الله تعالى أضاف ذلك إليها كما قال : فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره ولم يذكر الولي وقد تقدم القول في هذه المسألة مستوفي والأول أصح لما ذكرناه من سبب النزول والله أعلم الثالة قوله تعالى : ( فإذا بلغن أجلهن ) بلوغ الأجل في هذا الموضع : تناهيه لأن ابتداء النكاح إنما يتصور بعد انقضاء العدة وتعضلوهن معناه تحبسوهن وحكى الخليل : دجاجة معضل : قد احتبس بيضها وقيل : العضل التضييق والمنع وهو راجع إلى معنى الحبس يقال : أردت أمرا فعضلتني عنه أي منعتني عنه وضيقت علي وأعضل الأمر : إذا ضاقت عليك فيه الحيل ومنه قولهم : إنه لعضلة من العضل إذا كان لا يقدر على وجه الحيلة فيه وقال الأزهري : أصل العضل من قولهم : عضلت الناقة إذا نشب ولدها فلم يسهل خروجه وعضلت الدجاجة : نشب بيضها وفي حديث معاوية : معضلة ولا أبا حسن أي مسألة صعبة ضيقة المخارج وقال طاوس : لقد وردت عضل أقضية ما قام بها إلا بن عباس وكل مشكل عند العرب معضل ومنه قول الشافعي : إذا المعضلات تصدينني كشفت حقائقها بالنظر ويقال : أعضل الأمر إذا اشتد وداء عضال أي شديد عسر البرء أعيا الأطباء وعضل فلان أيمه أي منعها يعضلها ويعضلها ( بالضم والكسر ) لغتان الرابعة قوله تعالى : ( ذلك يوعظ به من كان ) ولم يقل ذلكم لأنه محمول على معنى الجمع ولو كان ذلكم لجاز مثل ذلكم أزكى لكم وأطهر ( والله يعلم ) أي ما لكم فيه من الصلاح ( وأنتم لا تعلمون ) ذلك < <

حصہ V03/P159Kurtubî — el-Câmi' li-Ahkâmi'l-Kur'ân (s. V03/P159)
Orijinal Metin (AR)

البقرة : ( 233 ) والوالدات يرضعن أولادهن . . . . . > > < > ( البقره 233 ) <

اردو Tercümesi (Ehl-i Sünnet)

البقرة : ( 233 ) والوالدات يرضعن أولادهن . . . . . > > < > ( البقره 233 ) <

حصہ V03/P159–V03/P172Kurtubî — el-Câmi' li-Ahkâmi'l-Kur'ân (s. V03/P159–V03/P172)
Orijinal Metin (AR)

> فيها ثمان عشرة مسألة : الأولى قوله تعالى : ( والوالدات ) ابتداء ( يرضعن أولادهن ) في موضع الخبر ( حولين كاملين ) ظرف زمان ولما ذكر الله سبحانه النكاح والطلاق ذكر الولد لأن الزوجين قد يفترقان وثم ولد فالآية إذا في المطلقات اللاتي لهن أولاد من أزواجهن قال السدي والضحاك وغيرهما أي هن أحق برضاع أولادهن من الاجنبيات لأنهن أحنى وأرق وانتزاع الولد الصغير إضرار به وبها وهذا يدل على أن الولد وإن فطم فالأم أحق بحضانته لفضل حنوها وشفقتها وإنما تكون أحق بالحضانة إذا لم تتزوج على ما يأتي وعلى هذا يشكل قوله : وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف لأن المطلقة لا تستحق الكسوة إذا لم تكن رجعية بل تستحق الأجرة إلا أن يحمل على مكارم الاخلاق فيقال : الاولى ألا تنقص الأجرة عما يكفيها لقوتها وكسوتها وقيل : الآية عامة في المطلقات اللواتي لهن أولاد وفي الزوجات والأظهر أنها في الزوجات في حال بقاء النكاح لأنهن المستحقات للنفقة والكسوة والزوجة تستحق النفقة والكسوة أرضعت أو لم ترضع والنفقة والكسوة مقابلة التمكين فإذا اشتغلت بالإرضاع لم يكمل التمكين فقد يتوهم أن النفقة تسقط فأزال ذلك الوهم بقوله تعالى : وعلى المولود له أي الزوج رزقهن وكسوتهن في حال الرضاع لأنه اشتغال في مصالح الزوج فصارت كما لو سافرت لحاجة الزوج باذنه فإن النفقة لاتسقط الثانية قولته تعالى ( يرضعن ) خبر معناه الأمر على الوجوب لبعض الوالدات وعلى جهة الندب لبعضهن على ما يأتي وقيل : هو خبر عن المشروعية كما تقدم الثالثة واختلف الناس في الرضاع هل هو حق للأم أو هو حق عليها واللفظ محتمل لأنه لو أراد التصريح بكونه عليها لقال : وعلى الوالدات رضاع أولادهن كما قال تعالى : وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن ولكن هو عليها في حال الزوجية وهو عرف يلزم إذ قد صار كالشرط إلا أن تكون شريفة ذات ترفه فعرفها ألا ترضع وذلك كالشرط وعليها إن لم يقبل الولد غيرها واجب وهو عليها إذا عدم لاختصاصها به فإن مات الأب ولا مال للصبي فمذهب مالك في المدونة أن الرضاع لازم للأم بخلاف النفقة وفي كتاب بن الجلاب : رضاعة في بيت المال وقال عبد الوهاب : هو فقير من فقراء المسلمين وأما المطلقة طلاق بينونة فلا رضاع عليها والرضاع على الزوج إلا أن تشاء هي فهي أحق بأجرة المثل هذا مع يسر الزوج فإن كان معدما لم يلزمها الرضاع إلا أن يكون المولود لا يقبل غيرها فتجبر حينئذ على الارضاع وكل من يلزمها الإرضاع فإن أصابها عذر يمنعها منه عاد الإرضاع على الأب وروي عن مالك أن الأب إذا كان معدما ولا مال للصبي أن الرضاع على الأم فإن لم يكن لها لبن ولها مال فالإرضاع عليها في مالها قال الشافعي : لا يلزم الرضاع إلا والدا أو جدا وإن علا وسيأتي ما للعلماء في هذا عند قوله تعالى : وعلى الوارث مثل ذلك يقال : رضع يرضع رضاعة ورضاعا ورضع يرضع رضاعا ورضاعة ( بكسر الراء في الأول وفتحها في الثاني ) واسم الفاعل راضع فيهما والرضاعة : اللؤم ( مفتوح الراء لاغير ) الرابعة قوله تعالى : ( حولين ) أي سنتين من حال الشيء إذا انقلب فالحول منقلب من الوقت الأول إلى الثاني وقيل : سمي العام حولا لاستحالة الأمور فيه في الأغلب ( كاملين ) قيد بالكمال لأن القائل قد يقول : أقمت عند فلان حولين وهو يريد حولا وبعض حول آخر قال الله تعالى : فمن تعجل في يومين وإنما يتعجل في يوم وبعض الثاني وقوله تعالى : لمن أراد أن يتم الرضاعة دليل على أن إرضاع الحولين ليس حتما فإنه لايجوز الفطام قبل الحولين ليس حتما فإنه يجوز الفطام قبل الحولين ولكنه تحديد لقطع التنازع بين الزوجين في مدة الرضاع فلا يجب على الزوج إعطاء الأجرة لأكثر من حولين وإن أراد الأب الفطم قبل هذه المدة ولم ترض الأم لم يكن له ذلك والزيادة على الحولين أو النقصان إنما يكون عند عدم الإضرار بالمولود وعند رضا الوالدين وقرأ مجاهد وبن محيصن لمن أراد أن تتم الرضاعة بفتح التاء ( ورفع الر ضاعة ) على إسناد الفعل اليها وقرأ أبو حيوة وبن أبي عبلة والجارود بن أبي سبرة بكسر الراء من الرضاعة وهي لغة كالحضارة والحضارة وروي عن مجاهد أنه قرأ ( الرضعة على وزن الفعلة وروي عن بن عباس أنه قرأ ( أن يكمل الرضاعة النحاس : لا يعرف البصريون الرضاعة إلا بفتح الراء ولا الرضاع إلا بكسر الراء مثل القتال وحكى الكوفيون كسر الراء مع الهاء وفتحها بغير هاء الخامسة انتزع مالك رحمه الله تعالى ومن تابعه وجماعة من العلماء من هذه الآية أن الرضاعة المحرمة الجارية مجرى النسب إنما هي ما كان في الحولين لأنه بانقضاء الحولين تمت الرضاعة ولا رضاعة بعد الحولين معتبرة هذا قوله في موطئه وهي رواية محمد بن عبد الحكم عنه وهو قول عمر وبن عباس وروي عن بن مسعود وبه قال الزهري وقتادة والشعبي وسفيان الثوري والأوزاعي والشافعي وأحمد واسحاق وأبو يوسف ومحمد وأبو ثور وروي بن عبد الحكم عنه الحولين وزيادة أيام يسيرة عبد الملك : كالشهر ونحوه وروى بن القاسم عن مالك أنه قال : الرضاع الحولين والشهرين بعد الحولين وحكى عنه الوليد بن مسلم أنه قال : ما كان بعد الحولين من رضاع بشهر أو شهرين أو ثلاثة فهو من الحولين وما كان بعد ذلك فهو عبث وحكي عن النعمان أنه قال : وما كان بعد الحولين إلى ستة أشهر فهو رضاع والصحيح الاول لقوله تعالى : والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين وهذا يدل على ألا حكم لما ارتضع المولود بعد الحولين وروى سفيان عن عمرو بن دينار عن بن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لا رضاع إلا ما كان في الحولين ( قال الدارقطني : لم يسنده عن بن عيينة غير الهيثم بن جميل وهو ثقة حافظ قلت : وهذا الخبر مع الآية والمعنى ينفي رضاعة الكبير وأنه لا حرمة له وقد روي عن عائشة القول به وبه يقول الليث بن سعد من بين العلماء وروي عن أبي موسى الأشعري أنه كان يرى رضاع الكبير وروي عنه الرجوع عنه وسيأتي في سورة النساء مبينا إنشاء الله تعالى السادسة قال جمهور المفسرين : إن هذين الحولين لكل ولد وروي عن بن عباس أنه قال : هي في الولد يمكث في البطن ستة أشهر فإن مكث سبعة أشهر فرضاعه ثلاثة وعشرون شهرا فإن مكث ثمانية أشهر فرضاعه إثنان وعشرون شهرا فإن مكث تسعة أشهر فرضاعه أحد وعشرون شهرا لقوله تعالى وحمله وفصاله ثلاثون شهرا وعلى هذا تتداخل مدة الحمل ومدة الرضاع ويأخذ الواحد من الآخر السابعة قوله تعالى : ( وعلى المولود له ) أي وعلى الأب ويجوز في العربية وعلى المولود لهم كقوله تعالى : ومنهم من يستمعون إليك لأن المعنى وعلى الذي ولد له والذي يعبر به عن الواحد والجمع كما تقدم الثامنة قوله تعالى : ( رزقهن وكسوتهن ) الرزق في هذا الحكم الطعام الكافي وفي هذا دليل على وجوب نفقة الولد على الوالد لضعفه وعجزه وسماه الله سبحانه للأم لأن الغذاء يصل إليه بواسطتها في الرضاع كما قال : وإن كن أولات حمل فأنفقوا عليهن لأن الغذاء لا يصل إلا بسببها وأجمع العلماء على أن على المرء نفقة ولده الأطفال الذين لا مال لهم وقال صلى الله عليه وسلم لهند بنت عتبة وقد قالت له : إن أبا سفيان رجل شحيح وإنه لا يعطيني من النفقة ما يكفيني ويكفي بني إلا ما أخذت من ماله بغير علمه فهل علي في ذلك جناح فقال : ( خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف ( والكسوة : اللباس وقوله : بالمعروف أي بالمتعارف في عرف الشرع من غير تفريط ولا افراط ثم بين تعالى أن الانفاق على قدر غنى الزوج ومنصبها من غير تقدير مد ولا غيره بقوله تعالى : ( لا تكلف نفس إلا وسعها على ما يأتي بيانه في الطلاق إن شاء الله تعالى وقيل المعنى : أي لا تكلف المرأة الصبر على التقتير في الأجرة ولا يكلف الزوج ما هو إسراف بل يراعى القصد التاسعة في هذه الآية دليل لمالك على أن الحضانة للأم فهي في الغلام إلى البلوغ وفي الجارية إلى النكاح وذلك حق لها وبه قال أبو حنيفة وقال الشافعي : إذا بلغ الولد ثماني سنين وهو سن التمييز خير بين أبويه فإنه في تلك الحالة لتحرك همته لتعلم القرآن والأدب ووظائف العبادات وذلك يستوي فيه الغلام والجارية وروى النسائي وغيره عن أبي هريرة أن امرأة جاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت له : زوجي يريد أن يذهب بابني فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : ( هذا أبوك وهذه أمك فخذ أيهما شئت ( فأخذ بيد أمه وفي كتاب أبي داؤد عن أبي هريرة قال : جاءت امرأة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا قاعد عنده فقالت : يا رسول الله إن زوجي يريد أن يذهب بابني وقد سقاني من بئر أبي عنبة وقد نفعني فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( استهما عليه ( فقال زوجها : من يحاقني في ولدي فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( هذا أبوك وهذه أمك فخذ بيد أحدهما شئت ( فأخذ بيد أمه فانطلقت به ودليلنا ما رواه أبو داؤد عن الأوزاعي قال : حدثني عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عبد الله بن عمرو أن امرأة جاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت : يا رسول الله إن ابني هذا كان بطني له وعاء وثديي له سقاء وحجري له حواء وإن أباه طلقني وأراد أن ينتزعه مني فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( أنت أحق به مالم تنكحي ( قال بن المنذر : أجمع كل من يحفظ عنه من أهل العلم على أن الزوجين إذا افترقا ولهما ولد أن الأم أحق به مالم تنكح وكذا قال أبو عمر : لا أعلم خلافا بين السلف من العلماء في المرأة المطلقة إذا لم تتزوج أنها أحق بولدها من أبيه ما دام طفلا صغيرا لايميز شيئا إذا كان عندها في حرز وكفاية ولم يثبت فيها فسق ولا تبرج ثم اختلفوا بعد ذلك في تخييره إذا ميز وعقل بين أبيه وأمه وفيمن هو أولى به قال بن المنذر : وثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى في إبنة حمزة للخالة من غير تخيير روى أبو داؤد عن علي قال : خرج زيد بن حارثة إلى مكة فقدم بابنة حمزة فقال جعفر أنا آخذها أنا أحق بها ابنة عمي وخالتها عندي والخالة أم فقال علي : أنا أحق بها ابنة عمي وعندي ابنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي أحق بها فقال زيد : أنا أحق بها أنا خرجت إليها وسافرت وقدمت بها فخرج النبي صلى الله عليه وسلم فذكر حديثا قال : ( وأما الجارية فأقضي بها لجعفر تكون مع خالتها وإنما الخالة أم ( العاشرة قال بن المنذر : وقد أجمع كل من يحفظ عنه من أهل العلم على ألا حق للأم في الولد إذا تزوجت قلت : كذا قال في كتاب الأشراف له وذكر القاضي عبد الوهاب في شرح الرسالة له عن الحسن أنه لايسقط حقها من الحضانة بالتزوج وأجمع مالك والشافعي والنعمان وأبو ثور على أن الجدة أم الأم أحق بحضانة الولد واختلفوا إذا لم يكن لها أم وكان لها جدة هي أم الأب فقال مالك : أم الأب أحق إذا لم يكن للصبي خالة وقال بن القاسم قال مالك : وبلغني ذلك عنه أنه قال : الخالة أولى من الجدة أم الأب وفي قول الشافعي والنعمان : أم الأب أحق من الخالة وقد قيل أن الأب أحق من الخالة وقد قيل : إن الأب اولى بابنه من الجدة أم الأب قال أبو عمر : وهذا عندي إذا لم يكن له زوجة أجنبية ثم الاخت بعد الأب ثم العمة وهذا إذا كان كل واحد من هؤلاء مأمونا على الولد وكان عنده في حرز وكفاية فإذا لم يكن كذلك لم يكن له حق في الحضانة وإنما ينظر في ذلك إلى من يحوط الصبي ومن يحسن إليه في حفظه وتعلمه الخير وهذا على قول من قال إن الحضانة حق الولد وقد روي ذلك عن مالك وقال به طائفة من أصحابه وكذلك لايرون حضانة لفاجرة ولا لضعيفة عاجزة عن القيام بحق الصبي لمرض أو زمانة وذكر بن حبيب عن مطرف وبن الماجشون عن مالك أن الحضانة للأم ثم الجدة للأم ثم الخالة ثم الجدة للأب ثم أخت الصبي ثم عمة الصبي ثم ابنة أخي الصبي ثم الاب والجدة للأب أولى من الأخت والأخت اولى من العمة والعمة اولى ممن بعدها وأولى من جميع الرجال الأولياء وليس لابنة الخالة ولالإبنة العمة ولا لبنات أخوات الصبي من حضانته شيء فإذا كان الحاضن لا يخاف منه على الطفل تضييع أو دخول فساد كان حاضنا له أبدا حتى يبلغ الحلم وقد قيل : حتى يثغر وحتى تتزوج الجارية إلا أن يريد الأب نقلة سفر وأيطان فيكون حينئذ أحق بولده من أمه وغيرها إن لم ترد الانتقال وإن أراد الخروج لتجارة لم يكن له ذلك وكذلك أولياء الصبي الذين يكون مآله إذا انتقلوا للاستيطان وليس للأم أن تنقل ولدها عن موضع سكنى الأب إلا فيما يقرب نحو المسافة التي لاتقصر فيها الصلاة ولو شرط عليها في حين انتقاله عن بلدها أن لايترك ولده عندها إلا أن تلتزم نفقته ومؤنته سنين معلومة فإن إلتزمت ذلك لزمها : فإن ماتت لم تتبع بذلك ورثتها في تركتها وقد قيل : ذلك دين يؤخذ من تركتها والاول أصح إن شاء الله تعالى كما لو مات الولد أو كما لو صالحها على نفقة الحمل والرضاع فأسقطت لم تتبع بشيء من ذلك الحادية عشرة إذا تزوجت الأم لم ينزع منها ولدها حتى يدخل بها زوجها عند مالك وقال الشافعي : إذا نكحت فقد انقطع حقها فإن طلقها لم يكن لها الرجوع فيه عند مالك في الأشهر عندنا مذهبه وقد ذكر القاضي إسماعيل وذكره بن خويز منداد ايضا عن مالك أنه اختلف في قوله في ذلك فقال مرة : يرد إليها وقال مرة : لايرد قال بن المنذر : إذا خرجت الأم عن البلد الذي به ولدها ثم رجعت إليه فهي أحق بولدها في قول الشافعي وأبي ثور وأصحاب الرأي وكذلك لو تزوجت ثم طلقت أو توفي عنها زوجها رجعت في حقها من الولدقلت وكذلك قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب فإن طلقها الزوج أو مات عنها كان لها أخذه لزوال العذر الذي جاز له تركه الثانية عشرة فإن تركت المرأة حضانة ولدها ولم ترد أخذه وهي فارغة غير مشغولة بزوج ثم أرادت بعد ذلك أخذه نظر له فإن تركها له من عذر كان لها أخذه وإن كانت تركته رفضا له ومقتا لم يكن لها بعد ذلك أخذه الثالثة عشرة واختلفوا في الزوجين يفترقان بطلاق والزوجة ذمية فقالت طائفة : لافرق بين الذمية والمسلمة وهي أحق بولدها هذا قول أبي ثور وأصحاب الرأي وبن القاسم صاحب مالك قال بن المنذر : وقد روينا حديثا مرفوعا موافقا لهذا القول وفي إسناده مقال وفيه قول ثان أن الولد مع المسلم منهما هذا قول مالك وسوار وعبد الله بن الحسن وحكي ذلك عن الشافعي وكذلك اختلفوا في الزوجين يفترقان أحدهما حر والآخر مملوك فقالت طائفة : الحر أولى هذا قول عطاء والثوري والشافعي وأصحاب الرأي وقال مالك : في الأب إذا كان حرا وله ولد حر والأم مملوكة : إن الأم أحق به إلا أن تباع فتنتقل فيكون الأب أحق به الرابعة عشرة قوله تعالى : ( لاتضار والدة بولدها ولا مولود له بولده ) المعنى : لاتأبى الأم أن ترضعه إضرارا بأبيه أو تطلب أكثر من أجر مثلها ولا يحل للأب أن يمنع الأم من ذلك مع رغبتها في الارضاع هذا قول جمهور المفسرين وقرأ نافع وعاصم وحمزة والكسائي تضار بفتح الراء المشددة وموضعه جزم على النهي وأصله لا تضارر على الأصل فأدغمت الراء الأولى في الثانية وفتحت الثانية لالتقاء الساكنين وهكذا يفعل في المضاعف إذا كان قبله فتح أو ألف تقول : عض يا رجل وضار فلانا يا رجل أي لا ينزع الولد منها إذا رضيت بالأرضاع وألفها الصبي وقرأ أبو عمرو وبن كثير وأبان عن عاصم وجماعة تضار بالرفع عطفا على قوله : تكلف نفس وهو خبر والمراد به الأمر وروى يونس عن الحسن قال يقول : لاتضار زوجها تقول : لا أرضعه ولا يضارها فينزعه منها وهي تقول : أنا أرضعه ويحتمل أن يكون الأصل تضارر بكسر الراء الأولى ورواها أبان عن عاصم وهي لغة أهل الحجاز ف والدة فاعلة ويحتمل أن يكون تضارر ف والدة مفعول ما لم يسم فاعله وروي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قرأ ( لاتضارر براءين الأولى مفتوحة وقرأ أبو جعفر بن القعقاع تضار باسكان الراء وتخفيفها وكذلك لا ي ض ار ك اتب وهذا بعيد لأن المثلين إذا اجتمعا وهما أصليان لم يجز حذف أحدهما للتخفيف فإما الإدغام وإما الإظهار وروي عنه الإسكان والتشديد وروي عن بن عباس والحسن لاتضارر بكسر الراء الأولى الخامسة عشرة قوله تعالى ( وعلى الوارث مثل ذلك ) هو معطوف على قوله : وعلى المولود واختلفوا في تأويل قوله : وعلى الوارث مثل ذلك فقال قتادة والسدي والحسن وعمر بن الخطاب رضي الله عنه : هو وارث الصبي أن لو مات قال بعضهم : وارثه من الرجال خاصة يلزمه الإرضاع كما كان يلزم أبا الصبي لو كان حيا وقاله مجاهد وعطاء وقال قتادة وغيره : هو وارث الصبي من كان من الرجال والنساء ويلزمهم إرضاعه على قدر مواريثهم منه وبه قال أحمد وإسحاق وقال القاضي أبو إسحاق إسماعيل بن إسحاق في كتاب معاني القرآن له : فأما أبو حنيفة فإنه قال : تجب نفقة الصغير ورضاعه على كل ذي رحم محرم مثل أن يكون رجل له بن اخت صغير محتاج وبن عم صغير محتاج وهو وارثه فإن النفقة تجب على الخال لأبن أخته الذي لا يرثه وتسقط عن بن العم لأبن عمه الوارث قال أبو إسحاق : فقالوا قولا ليس في كتاب الله ولا نعلم أحدا قاله وحكى الطبري عن أبي حنيفة وصاحبيه أنهم قالوا : الوارث الذي يلزمه الإرضاع هو وارثه إذا كان ذا رحم محرم منه فإن كان بن عم وغيره ليس بذي رحم محرم فلا يلزمه شيء وقيل : المراد عصبة الأب عليهم النفقة والكسوة قال الضحاك : إن مات أبو الصبي وللصبي مال أخذ رضاعه من المال وإن لم يكن له مال أخذ من العصبة وإن لم يكن للعصبة مال أجبرت الأم على ارضاعه وقال قبيصة بن ذؤيب والضحاك وبشير بن نصر قاضي عمر بن عبد العزيز : الوارث هو الصبي نفسه وتأولوا قوله : وعلى الوارث المولود مثل ما على المولود له أي عليه في ماله إذا ورث أباه إرضاع نفسه وقال سفيان : الوارث هنا هو الباقي من والدي المولود بعد وفاة الآخر منهما فإن مات الأب فعلى الأم كفاية الطفل إذا لم يكن له مال ويشاركها العاصب في ارضاع المولود على قدر حظه من الميراث وقال بن خويز منداد : ولو كان اليتيم فقيرا لا مال له وجب على الإمام القيام به من بيت المال فإن لم يفعل الإمام وجب ذلك على المسلمين الأخص به فالأخص والأم أخص به فيجب عليها إرضاعه والقيام به ولا ترجع عليه ولا على أحد والرضاع واجب والنفقة استحباب : ووجه الاستحباب قوله تعالى : والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين وواجب على الأزواج القيام بهن فإذا تعذر استيفاء الحق لهن بموت الزوج أو إعساره لم يسقط الحق عنهن ألا ترى أن العدة واجبة عليهن والنفقة والسكنى على أزواجهن وإذا تعذرت النفقة لهن لم تسقط العدة عنهن وروى عبد الرحمن بن القاسم في الأسدية عن مالك بن انس رحمه الله أنه قال : لا يلزم الرجل نفقة أخ ولا ذي قرابة ولا ذي رحم منه قال : وقول الله عز وجل وعلى الوارث مثل ذلك هو منسوخ قال النحاس : هذا لفظ مالك ولم يبين ما الناسخ لها ولا عبد الرحمن بن القاسم ولا علمت أن أحدا من أصحابهم بين ذلك والذي يشبه أن يكون الناسخ لها عنده والله أعلم أنه لما أوجب الله تعالى للمتوفي عنها زوجها من مال المتوفي نفقة حول والسكنى ثم نسخ ذلك ورفعه نسخ ذلك أيضا عن الوارث قلت : فعلى هذا تكون النفقة على الصبي نفسه من ماله لا يكون على الوارث منها شيء على ما يأتي قال بن العربي : قوله وعلى الوارث مثل ذلك قال بن القاسم عن مالك هي منسوخة وهذا كلام تشمئز منه قلوب الغافلين وتحتار فيه ألباب الشاذين والأمر فيه قريب وذلك أن العلماء المتقدمين من الفقهاء والمفسرين كانوا يسمون التخصيص نسخا لأنه رفع لبعض ما يتناوله العموم مسامحة وجرى ذلك في ألسنتهم حتى أشكل ذلك على من بعدهم وتحقيق القول فيه : أن قوله تعالى : وعلى الوارث مثل ذلك إشارة إلى ما تقدم فمن الناس من رده إلى جميعه من إيجاب النفقة وتحريم الإضرار منهم أبو حنيفة من الفقهاء ومن السلف قتادة والحسن ويسند إلى عمر وقالت طائفة من العلماء : إن معنى قوله تعالى : وعلى الوارث مثل ذلك لايرجع إلى جميع ماتقدم وإنما يرجع إلى تحريم الإضرار والمعنى : وعلى الوارث من تحريم الإضرار بالأم ما على الأب وهذا هو الأصل فمن ادعى أنه يرجع العطف فيه إلى جميع ما تقدم فعليه الدليل قلت : قوله وهذا هو الأصل يريد في رجوع الضمير إلى أقرب مذكور وهو صحيح إذ لو أراد الجميع الذي هو الإرضاع والإنفاق وعدم الضرر لقال : وعلى الوارث مثل هؤلاء فدل على أنه معطوف على المنع من المضارة وعلى ذلك تأوله كافة المفسرين فيما حكى القاضي عبد الوهاب وهو أن المراد به أن الوالدة لا تضار ولدها في أن الأب إذا بذل لها أجرة المثل ألا ترضعه ولا مولود له بولده في أن الأم إذا بذلت أن ترضعه بأجرة المثل كان لها ذلك لأن الأم ارفق وأحن عليه ولبنها خير له من لبن الأجنبية قال بن عطية : وقال مالك رحمه الله وجميع أصحابه والشعبي أيضا والزهري والضحاك وجماعة من العلماء : المراد بقوله مثل ذلك ألا تضار وأما الرزق والكسوة فلا يجب شيء منه وروى بن القاسم عن مالك أن الآية تضمنت أن الرزق والكسوة على الوارث ثم نسخ ذلك بالاجماع من الأمة في ألا يضار الوارث والخلاف هل عليه رزق وكسوة أم لا وقرأ يحيى بن يعمر ( وعلى الورثة بالجمع وذلك يقتضي العموم فإن استدلوا بقوله عليه السلام ( لا يقبل الله صدقة وذو رحم محتاج ( قيل لهم الرحم عموم في كل ذي رحم محرما كان أو غير محرم ولا خلاف أن صرف الصدقة إلى ذي الرحم أولى لقوله عليه السلام : ( إجعلها في الأقربين ( فحمل الحديث على هذا ولا حجة فيه على ما راموه والله أعلم وقال النحاس : وأما قول من قال وعلى الوارث مثل ذلك ألا يضار فقول حسن لأن أموال الناس محظورة فلا يخرج شيء منها إلا بدليل قاطع وأما من قال على ورثة الأب فالحجة أن النفقة كانت على الأب فورثته أولى من ورثة الأبن واما حجة من قال على ورثة الابن فيقول : كما يرثونه يقومون به قال النحاس : وكان محمد بن جرير يختار قول من قال الوارث هنا الابن وهو وإن كان قولا غريبا فالاستدلال به صحيح والحجة به ظاهرة لأن ماله أولى به وقد أجمع الفقهاء إلا من شذ منهم أن رجلا لو كان له ولد طفل وللولد مال والأب موسر أنه لا يجب على الأب نفقة ولا رضاع وأن ذلك من مال الصبي فان قيل : قد قال الله عز وجل وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف قيل : هذا الضمير للمؤنث ومع هذا فإن الإجماع حد للآية مبين لها لا يسع مسلما الخروج عنه وأما من قال : ذلك على من بقي من الأبوين فحجته أنه لا يجوز للأم تضييع ولدها وقد مات من كان ينفق عليه وعليها وقد ترجم البخاري على رد هذا القول باب وعلى الوارث مثل ذلك وهل على المرأة منه شيء وساق حديث أم سلمة وهند والمعنى فيه : أن أم سلمة كان لها أبناء من أبي سلمة ولم يكن لهم مال فسألت النبي صلى الله عليه وسلم فأخبرها أن لها في ذلك أجرا فدل هذا الحديث على أن نفقة بنيها لا تجب عليها ولو وجبت عليها لم تقل للنبي صلى الله عليه وسلم : ولست بتاركتهم وأما حديث هند فإن النبي صلى الله عليه وسلم أطلقها على أخذ نفقتها ونفقة بنيها من مال الأب ولم يوجبها عليها كما أوجبها على الأب فاستدل البخاري من هذا على أنه لما لم يلزم الأمهات نفقات الأبناء في حياة الآباء فكذلك لا يلزمهن بموت الآباء وأما قول من قال إن النفقة والكسوة على كل ذي رحم محرم فحجته أن على الرجل أن ينفق على كل ذي رحم محرم إذا كان فقيرا قال النحاس : وقد عورض هذا القول بأنه لم يؤخذ من كتاب الله تعالى ولا من اجماع ولا من سنة صحيحة بل لا يعرف من قول سوى ما ذكرناه فأما القرآن فقد قال الله عز وجل : وعلى الوارث مثل ذلك فإن كان على الوارث النفقة والكسوة فقد خالفوا ذلك فقالوا : إذا ترك خاله وبن عمه فالنفقة على خاله وليس على بن عمه شيء فهذا مخالف نص القرآن لأن الخال لا يرث مع بن العم في قول أحد ولا يرث وحده في قول كثير من العلماء والذي احتجوا به من النفقة على كل ذي رحم محرم أكثر أهل العلم على خلافه السادسة عشرة قوله تعالى : ( فإن أرادا فصالا ) الضمير في أرادا للوالدين وفصالا معناه فطاما عن الرضاع أي عن الاغتذاء بلبن أمه إلى غيره من الأقوات والفصال الفصل : الفطام وأصله التفريق فهو تفريق بين الصبي والثدي ومنه سمي الفصيل لأنه مفصول عن أمه ( عن تراض منهما ) أي قبل الحولين ( فلا جناح عليهما ) أي في فصله وذلك أن الله سبحانه لما جعل مدة الرضاع حولين بين أن فطامهما هو الفطام وفصالهما هو الفصال ليس لأحد عنه منزع إلا أن يتفق الأبوان على أقل من ذلك العدد من غير مضارة بالولد فذلك جائز بهذا البيان وقال قتادة : كان الرضاع واجبا في الحولين وكان يحرم الفطام قبله ثم خفف وأبيح الرضاع أقل من الحولين بقوله فإن أرادا فصالا ألآية وفي هذا دليل على جواز الأجتهاد في الأحكام باباحة الله تعالى للوالدين التشاور فيما يؤدي إلى صلاح الصغير وذلك موقوف على غالب ظنونهما لا على الحقيقة واليقين والتشاور : استخراج الرأي وكذلك المشاورة والمشورة كالمعونة وشرت العسل : استخرجته وشرت الدابة وشورتها أي أجريتها لاستخراج جريها والشوار : متاع البيت لأنه يظهر للناظر والشارة : هيئة الرجل والاشارة : إخراج ما في نفسك وإظهاره السابعة عشرة قوله تعالى ( وإن أردتم أن تسترضعوا أولادكم ) أي لأولادكم غير الوالدة قاله الزجاج قال النحاس : التقدير في العربية أن تسترضعوا أجنبية لأولادكم مثل كالوهم أو وزنوهم أي كالوا لهم أو وزنوا لهم وحذفت اللام لأنه يتعدى إلى مفعولين أحدهما بحرف وأنشد سيبويه : أمرتك الخير فافعل ما أمرت به فقد تركتك ذا مال وذا نشب ولا يجوز : دعوت زيدا أي دعوت لزيد لأنه يؤدي إلى التلبيس فيعتبر في هذا النوع السماع قلت : وعلى هذا يكون في الآية دليل على جواز إتخاذ الظئر إذا اتفق الآباء والأمهات على ذلك وقد قال عكرمة في قوله تعالى لا تضار والدة معناه الظئر حكاه بن عطية والاصل أن كل أم يلزمها رضاع ولدها كما أخبر الله عز وجل فأمر الزوجات بارضاع أولادهن وأوجب لهن على الأزواج النفقة والكسوة والزوجية قائمة فلو كان الرضاع على الأب لذكره مع ما ذكره من رزقهن وكسوتهن إلا أن مالكا رحمه الله دون فقهاء الأمصار استثنى الحسيبة فقال : لا يلزمها رضاعة فأخرجها من الآية وخصصها بأصل من أصول الفقه وهو العمل بالعادة وهذا أصل لم يتفطن له إلا مالك والأصل البديع فيه أن هذا أمر كان في الجاهلية في ذوي الحسب وجاء الإسلام فلم يغيره وتمادى ذوو الثروة والأحساب على تفريغ الأمهات للمتعة بدفع الرضعاء للمراضع إلى زمانه فقال به وإلى زماننا فتحققناه شرعا الثامنة عشرة قوله تعالى : ( إذا سلمتم ) يعني الآباء أي سلمتم الأجرة إلى المرضعة الظئر قاله سفيان مجاهد : سلمتم إلى الأمهات أجرهن بحساب ما أرضعن إلى وقت إرادة الاسترضاع وقرأ الستة من السبعة ما آتيتم بمعنى ما أعطيتم وقرأ بن كثير أتيتم بمعنى ما جئتم وفعلتم كما قال زهير : وما كان من خير أتوه فإنما توارثه آباء آبائهم قبل قال قتادة والزهري : المعنى سلمتم ما أتيتم من إرادة الاسترضاع أي سلم كل واحد من الأبوين ورضي وكان ذلك على اتفاق منهما وقصد خير وإرادة معروف من الامر وعلى هذا الأحتمال فيدخل في الخطاب سلمتم الرجال والنساء وعلى القولين المتقدمين الخطاب للرجال قال أبو علي : المعنى إذا سلمتم ما آتيتم نقده أو إعطاءه فحذف المضاف وأقيم الضمير مقامه فكان التقدير : ما آتيتموه ثم حذف الضمير من الصلة وعلى هذا التأويل فالخطاب للرجال لأنهم الذين يعطون أجر الرضاع قال أبو علي ويحتمل أن تكون ما مصدرية أي إذا سلمتم الإتيان والمعنى كالأول لكن يستغني عن الصفة من حذف المضاف ثم حذف الضمير < <

اردو Tercümesi (Ehl-i Sünnet)

> فيها ثمان عشرة مسألة : الأولى قوله تعالى : ( والوالدات ) ابتداء ( يرضعن أولادهن ) في موضع الخبر ( حولين كاملين ) ظرف زمان ولما ذكر الله سبحانه النكاح والطلاق ذكر الولد لأن الزوجين قد يفترقان وثم ولد فالآية إذا في المطلقات اللاتي لهن أولاد من أزواجهن قال السدي والضحاك وغيرهما أي هن أحق برضاع أولادهن من الاجنبيات لأنهن أحنى وأرق وانتزاع الولد الصغير إضرار به وبها وهذا يدل على أن الولد وإن فطم فالأم أحق بحضانته لفضل حنوها وشفقتها وإنما تكون أحق بالحضانة إذا لم تتزوج على ما يأتي وعلى هذا يشكل قوله : وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف لأن المطلقة لا تستحق الكسوة إذا لم تكن رجعية بل تستحق الأجرة إلا أن يحمل على مكارم الاخلاق فيقال : الاولى ألا تنقص الأجرة عما يكفيها لقوتها وكسوتها وقيل : الآية عامة في المطلقات اللواتي لهن أولاد وفي الزوجات والأظهر أنها في الزوجات في حال بقاء النكاح لأنهن المستحقات للنفقة والكسوة والزوجة تستحق النفقة والكسوة أرضعت أو لم ترضع والنفقة والكسوة مقابلة التمكين فإذا اشتغلت بالإرضاع لم يكمل التمكين فقد يتوهم أن النفقة تسقط فأزال ذلك الوهم بقوله تعالى : وعلى المولود له أي الزوج رزقهن وكسوتهن في حال الرضاع لأنه اشتغال في مصالح الزوج فصارت كما لو سافرت لحاجة الزوج باذنه فإن النفقة لاتسقط الثانية قولته تعالى ( يرضعن ) خبر معناه الأمر على الوجوب لبعض الوالدات وعلى جهة الندب لبعضهن على ما يأتي وقيل : هو خبر عن المشروعية كما تقدم الثالثة واختلف الناس في الرضاع هل هو حق للأم أو هو حق عليها واللفظ محتمل لأنه لو أراد التصريح بكونه عليها لقال : وعلى الوالدات رضاع أولادهن كما قال تعالى : وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن ولكن هو عليها في حال الزوجية وهو عرف يلزم إذ قد صار كالشرط إلا أن تكون شريفة ذات ترفه فعرفها ألا ترضع وذلك كالشرط وعليها إن لم يقبل الولد غيرها واجب وهو عليها إذا عدم لاختصاصها به فإن مات الأب ولا مال للصبي فمذهب مالك في المدونة أن الرضاع لازم للأم بخلاف النفقة وفي كتاب بن الجلاب : رضاعة في بيت المال وقال عبد الوهاب : هو فقير من فقراء المسلمين وأما المطلقة طلاق بينونة فلا رضاع عليها والرضاع على الزوج إلا أن تشاء هي فهي أحق بأجرة المثل هذا مع يسر الزوج فإن كان معدما لم يلزمها الرضاع إلا أن يكون المولود لا يقبل غيرها فتجبر حينئذ على الارضاع وكل من يلزمها الإرضاع فإن أصابها عذر يمنعها منه عاد الإرضاع على الأب وروي عن مالك أن الأب إذا كان معدما ولا مال للصبي أن الرضاع على الأم فإن لم يكن لها لبن ولها مال فالإرضاع عليها في مالها قال الشافعي : لا يلزم الرضاع إلا والدا أو جدا وإن علا وسيأتي ما للعلماء في هذا عند قوله تعالى : وعلى الوارث مثل ذلك يقال : رضع يرضع رضاعة ورضاعا ورضع يرضع رضاعا ورضاعة ( بكسر الراء في الأول وفتحها في الثاني ) واسم الفاعل راضع فيهما والرضاعة : اللؤم ( مفتوح الراء لاغير ) الرابعة قوله تعالى : ( حولين ) أي سنتين من حال الشيء إذا انقلب فالحول منقلب من الوقت الأول إلى الثاني وقيل : سمي العام حولا لاستحالة الأمور فيه في الأغلب ( كاملين ) قيد بالكمال لأن القائل قد يقول : أقمت عند فلان حولين وهو يريد حولا وبعض حول آخر قال الله تعالى : فمن تعجل في يومين وإنما يتعجل في يوم وبعض الثاني وقوله تعالى : لمن أراد أن يتم الرضاعة دليل على أن إرضاع الحولين ليس حتما فإنه لايجوز الفطام قبل الحولين ليس حتما فإنه يجوز الفطام قبل الحولين ولكنه تحديد لقطع التنازع بين الزوجين في مدة الرضاع فلا يجب على الزوج إعطاء الأجرة لأكثر من حولين وإن أراد الأب الفطم قبل هذه المدة ولم ترض الأم لم يكن له ذلك والزيادة على الحولين أو النقصان إنما يكون عند عدم الإضرار بالمولود وعند رضا الوالدين وقرأ مجاهد وبن محيصن لمن أراد أن تتم الرضاعة بفتح التاء ( ورفع الر ضاعة ) على إسناد الفعل اليها وقرأ أبو حيوة وبن أبي عبلة والجارود بن أبي سبرة بكسر الراء من الرضاعة وهي لغة كالحضارة والحضارة وروي عن مجاهد أنه قرأ ( الرضعة على وزن الفعلة وروي عن بن عباس أنه قرأ ( أن يكمل الرضاعة النحاس : لا يعرف البصريون الرضاعة إلا بفتح الراء ولا الرضاع إلا بكسر الراء مثل القتال وحكى الكوفيون كسر الراء مع الهاء وفتحها بغير هاء الخامسة انتزع مالك رحمه الله تعالى ومن تابعه وجماعة من العلماء من هذه الآية أن الرضاعة المحرمة الجارية مجرى النسب إنما هي ما كان في الحولين لأنه بانقضاء الحولين تمت الرضاعة ولا رضاعة بعد الحولين معتبرة هذا قوله في موطئه وهي رواية محمد بن عبد الحكم عنه وهو قول عمر وبن عباس وروي عن بن مسعود وبه قال الزهري وقتادة والشعبي وسفيان الثوري والأوزاعي والشافعي وأحمد واسحاق وأبو يوسف ومحمد وأبو ثور وروي بن عبد الحكم عنه الحولين وزيادة أيام يسيرة عبد الملك : كالشهر ونحوه وروى بن القاسم عن مالك أنه قال : الرضاع الحولين والشهرين بعد الحولين وحكى عنه الوليد بن مسلم أنه قال : ما كان بعد الحولين من رضاع بشهر أو شهرين أو ثلاثة فهو من الحولين وما كان بعد ذلك فهو عبث وحكي عن النعمان أنه قال : وما كان بعد الحولين إلى ستة أشهر فهو رضاع والصحيح الاول لقوله تعالى : والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين وهذا يدل على ألا حكم لما ارتضع المولود بعد الحولين وروى سفيان عن عمرو بن دينار عن بن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لا رضاع إلا ما كان في الحولين ( قال الدارقطني : لم يسنده عن بن عيينة غير الهيثم بن جميل وهو ثقة حافظ قلت : وهذا الخبر مع الآية والمعنى ينفي رضاعة الكبير وأنه لا حرمة له وقد روي عن عائشة القول به وبه يقول الليث بن سعد من بين العلماء وروي عن أبي موسى الأشعري أنه كان يرى رضاع الكبير وروي عنه الرجوع عنه وسيأتي في سورة النساء مبينا إنشاء الله تعالى السادسة قال جمهور المفسرين : إن هذين الحولين لكل ولد وروي عن بن عباس أنه قال : هي في الولد يمكث في البطن ستة أشهر فإن مكث سبعة أشهر فرضاعه ثلاثة وعشرون شهرا فإن مكث ثمانية أشهر فرضاعه إثنان وعشرون شهرا فإن مكث تسعة أشهر فرضاعه أحد وعشرون شهرا لقوله تعالى وحمله وفصاله ثلاثون شهرا وعلى هذا تتداخل مدة الحمل ومدة الرضاع ويأخذ الواحد من الآخر السابعة قوله تعالى : ( وعلى المولود له ) أي وعلى الأب ويجوز في العربية وعلى المولود لهم كقوله تعالى : ومنهم من يستمعون إليك لأن المعنى وعلى الذي ولد له والذي يعبر به عن الواحد والجمع كما تقدم الثامنة قوله تعالى : ( رزقهن وكسوتهن ) الرزق في هذا الحكم الطعام الكافي وفي هذا دليل على وجوب نفقة الولد على الوالد لضعفه وعجزه وسماه الله سبحانه للأم لأن الغذاء يصل إليه بواسطتها في الرضاع كما قال : وإن كن أولات حمل فأنفقوا عليهن لأن الغذاء لا يصل إلا بسببها وأجمع العلماء على أن على المرء نفقة ولده الأطفال الذين لا مال لهم وقال صلى الله عليه وسلم لهند بنت عتبة وقد قالت له : إن أبا سفيان رجل شحيح وإنه لا يعطيني من النفقة ما يكفيني ويكفي بني إلا ما أخذت من ماله بغير علمه فهل علي في ذلك جناح فقال : ( خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف ( والكسوة : اللباس وقوله : بالمعروف أي بالمتعارف في عرف الشرع من غير تفريط ولا افراط ثم بين تعالى أن الانفاق على قدر غنى الزوج ومنصبها من غير تقدير مد ولا غيره بقوله تعالى : ( لا تكلف نفس إلا وسعها على ما يأتي بيانه في الطلاق إن شاء الله تعالى وقيل المعنى : أي لا تكلف المرأة الصبر على التقتير في الأجرة ولا يكلف الزوج ما هو إسراف بل يراعى القصد التاسعة في هذه الآية دليل لمالك على أن الحضانة للأم فهي في الغلام إلى البلوغ وفي الجارية إلى النكاح وذلك حق لها وبه قال أبو حنيفة وقال الشافعي : إذا بلغ الولد ثماني سنين وهو سن التمييز خير بين أبويه فإنه في تلك الحالة لتحرك همته لتعلم القرآن والأدب ووظائف العبادات وذلك يستوي فيه الغلام والجارية وروى النسائي وغيره عن أبي هريرة أن امرأة جاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت له : زوجي يريد أن يذهب بابني فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : ( هذا أبوك وهذه أمك فخذ أيهما شئت ( فأخذ بيد أمه وفي كتاب أبي داؤد عن أبي هريرة قال : جاءت امرأة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا قاعد عنده فقالت : يا رسول الله إن زوجي يريد أن يذهب بابني وقد سقاني من بئر أبي عنبة وقد نفعني فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( استهما عليه ( فقال زوجها : من يحاقني في ولدي فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( هذا أبوك وهذه أمك فخذ بيد أحدهما شئت ( فأخذ بيد أمه فانطلقت به ودليلنا ما رواه أبو داؤد عن الأوزاعي قال : حدثني عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عبد الله بن عمرو أن امرأة جاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت : يا رسول الله إن ابني هذا كان بطني له وعاء وثديي له سقاء وحجري له حواء وإن أباه طلقني وأراد أن ينتزعه مني فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( أنت أحق به مالم تنكحي ( قال بن المنذر : أجمع كل من يحفظ عنه من أهل العلم على أن الزوجين إذا افترقا ولهما ولد أن الأم أحق به مالم تنكح وكذا قال أبو عمر : لا أعلم خلافا بين السلف من العلماء في المرأة المطلقة إذا لم تتزوج أنها أحق بولدها من أبيه ما دام طفلا صغيرا لايميز شيئا إذا كان عندها في حرز وكفاية ولم يثبت فيها فسق ولا تبرج ثم اختلفوا بعد ذلك في تخييره إذا ميز وعقل بين أبيه وأمه وفيمن هو أولى به قال بن المنذر : وثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى في إبنة حمزة للخالة من غير تخيير روى أبو داؤد عن علي قال : خرج زيد بن حارثة إلى مكة فقدم بابنة حمزة فقال جعفر أنا آخذها أنا أحق بها ابنة عمي وخالتها عندي والخالة أم فقال علي : أنا أحق بها ابنة عمي وعندي ابنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي أحق بها فقال زيد : أنا أحق بها أنا خرجت إليها وسافرت وقدمت بها فخرج النبي صلى الله عليه وسلم فذكر حديثا قال : ( وأما الجارية فأقضي بها لجعفر تكون مع خالتها وإنما الخالة أم ( العاشرة قال بن المنذر : وقد أجمع كل من يحفظ عنه من أهل العلم على ألا حق للأم في الولد إذا تزوجت قلت : كذا قال في كتاب الأشراف له وذكر القاضي عبد الوهاب في شرح الرسالة له عن الحسن أنه لايسقط حقها من الحضانة بالتزوج وأجمع مالك والشافعي والنعمان وأبو ثور على أن الجدة أم الأم أحق بحضانة الولد واختلفوا إذا لم يكن لها أم وكان لها جدة هي أم الأب فقال مالك : أم الأب أحق إذا لم يكن للصبي خالة وقال بن القاسم قال مالك : وبلغني ذلك عنه أنه قال : الخالة أولى من الجدة أم الأب وفي قول الشافعي والنعمان : أم الأب أحق من الخالة وقد قيل أن الأب أحق من الخالة وقد قيل : إن الأب اولى بابنه من الجدة أم الأب قال أبو عمر : وهذا عندي إذا لم يكن له زوجة أجنبية ثم الاخت بعد الأب ثم العمة وهذا إذا كان كل واحد من هؤلاء مأمونا على الولد وكان عنده في حرز وكفاية فإذا لم يكن كذلك لم يكن له حق في الحضانة وإنما ينظر في ذلك إلى من يحوط الصبي ومن يحسن إليه في حفظه وتعلمه الخير وهذا على قول من قال إن الحضانة حق الولد وقد روي ذلك عن مالك وقال به طائفة من أصحابه وكذلك لايرون حضانة لفاجرة ولا لضعيفة عاجزة عن القيام بحق الصبي لمرض أو زمانة وذكر بن حبيب عن مطرف وبن الماجشون عن مالك أن الحضانة للأم ثم الجدة للأم ثم الخالة ثم الجدة للأب ثم أخت الصبي ثم عمة الصبي ثم ابنة أخي الصبي ثم الاب والجدة للأب أولى من الأخت والأخت اولى من العمة والعمة اولى ممن بعدها وأولى من جميع الرجال الأولياء وليس لابنة الخالة ولالإبنة العمة ولا لبنات أخوات الصبي من حضانته شيء فإذا كان الحاضن لا يخاف منه على الطفل تضييع أو دخول فساد كان حاضنا له أبدا حتى يبلغ الحلم وقد قيل : حتى يثغر وحتى تتزوج الجارية إلا أن يريد الأب نقلة سفر وأيطان فيكون حينئذ أحق بولده من أمه وغيرها إن لم ترد الانتقال وإن أراد الخروج لتجارة لم يكن له ذلك وكذلك أولياء الصبي الذين يكون مآله إذا انتقلوا للاستيطان وليس للأم أن تنقل ولدها عن موضع سكنى الأب إلا فيما يقرب نحو المسافة التي لاتقصر فيها الصلاة ولو شرط عليها في حين انتقاله عن بلدها أن لايترك ولده عندها إلا أن تلتزم نفقته ومؤنته سنين معلومة فإن إلتزمت ذلك لزمها : فإن ماتت لم تتبع بذلك ورثتها في تركتها وقد قيل : ذلك دين يؤخذ من تركتها والاول أصح إن شاء الله تعالى كما لو مات الولد أو كما لو صالحها على نفقة الحمل والرضاع فأسقطت لم تتبع بشيء من ذلك الحادية عشرة إذا تزوجت الأم لم ينزع منها ولدها حتى يدخل بها زوجها عند مالك وقال الشافعي : إذا نكحت فقد انقطع حقها فإن طلقها لم يكن لها الرجوع فيه عند مالك في الأشهر عندنا مذهبه وقد ذكر القاضي إسماعيل وذكره بن خويز منداد ايضا عن مالك أنه اختلف في قوله في ذلك فقال مرة : يرد إليها وقال مرة : لايرد قال بن المنذر : إذا خرجت الأم عن البلد الذي به ولدها ثم رجعت إليه فهي أحق بولدها في قول الشافعي وأبي ثور وأصحاب الرأي وكذلك لو تزوجت ثم طلقت أو توفي عنها زوجها رجعت في حقها من الولدقلت وكذلك قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب فإن طلقها الزوج أو مات عنها كان لها أخذه لزوال العذر الذي جاز له تركه الثانية عشرة فإن تركت المرأة حضانة ولدها ولم ترد أخذه وهي فارغة غير مشغولة بزوج ثم أرادت بعد ذلك أخذه نظر له فإن تركها له من عذر كان لها أخذه وإن كانت تركته رفضا له ومقتا لم يكن لها بعد ذلك أخذه الثالثة عشرة واختلفوا في الزوجين يفترقان بطلاق والزوجة ذمية فقالت طائفة : لافرق بين الذمية والمسلمة وهي أحق بولدها هذا قول أبي ثور وأصحاب الرأي وبن القاسم صاحب مالك قال بن المنذر : وقد روينا حديثا مرفوعا موافقا لهذا القول وفي إسناده مقال وفيه قول ثان أن الولد مع المسلم منهما هذا قول مالك وسوار وعبد الله بن الحسن وحكي ذلك عن الشافعي وكذلك اختلفوا في الزوجين يفترقان أحدهما حر والآخر مملوك فقالت طائفة : الحر أولى هذا قول عطاء والثوري والشافعي وأصحاب الرأي وقال مالك : في الأب إذا كان حرا وله ولد حر والأم مملوكة : إن الأم أحق به إلا أن تباع فتنتقل فيكون الأب أحق به الرابعة عشرة قوله تعالى : ( لاتضار والدة بولدها ولا مولود له بولده ) المعنى : لاتأبى الأم أن ترضعه إضرارا بأبيه أو تطلب أكثر من أجر مثلها ولا يحل للأب أن يمنع الأم من ذلك مع رغبتها في الارضاع هذا قول جمهور المفسرين وقرأ نافع وعاصم وحمزة والكسائي تضار بفتح الراء المشددة وموضعه جزم على النهي وأصله لا تضارر على الأصل فأدغمت الراء الأولى في الثانية وفتحت الثانية لالتقاء الساكنين وهكذا يفعل في المضاعف إذا كان قبله فتح أو ألف تقول : عض يا رجل وضار فلانا يا رجل أي لا ينزع الولد منها إذا رضيت بالأرضاع وألفها الصبي وقرأ أبو عمرو وبن كثير وأبان عن عاصم وجماعة تضار بالرفع عطفا على قوله : تكلف نفس وهو خبر والمراد به الأمر وروى يونس عن الحسن قال يقول : لاتضار زوجها تقول : لا أرضعه ولا يضارها فينزعه منها وهي تقول : أنا أرضعه ويحتمل أن يكون الأصل تضارر بكسر الراء الأولى ورواها أبان عن عاصم وهي لغة أهل الحجاز ف والدة فاعلة ويحتمل أن يكون تضارر ف والدة مفعول ما لم يسم فاعله وروي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قرأ ( لاتضارر براءين الأولى مفتوحة وقرأ أبو جعفر بن القعقاع تضار باسكان الراء وتخفيفها وكذلك لا ي ض ار ك اتب وهذا بعيد لأن المثلين إذا اجتمعا وهما أصليان لم يجز حذف أحدهما للتخفيف فإما الإدغام وإما الإظهار وروي عنه الإسكان والتشديد وروي عن بن عباس والحسن لاتضارر بكسر الراء الأولى الخامسة عشرة قوله تعالى ( وعلى الوارث مثل ذلك ) هو معطوف على قوله : وعلى المولود واختلفوا في تأويل قوله : وعلى الوارث مثل ذلك فقال قتادة والسدي والحسن وعمر بن الخطاب رضي الله عنه : هو وارث الصبي أن لو مات قال بعضهم : وارثه من الرجال خاصة يلزمه الإرضاع كما كان يلزم أبا الصبي لو كان حيا وقاله مجاهد وعطاء وقال قتادة وغيره : هو وارث الصبي من كان من الرجال والنساء ويلزمهم إرضاعه على قدر مواريثهم منه وبه قال أحمد وإسحاق وقال القاضي أبو إسحاق إسماعيل بن إسحاق في كتاب معاني القرآن له : فأما أبو حنيفة فإنه قال : تجب نفقة الصغير ورضاعه على كل ذي رحم محرم مثل أن يكون رجل له بن اخت صغير محتاج وبن عم صغير محتاج وهو وارثه فإن النفقة تجب على الخال لأبن أخته الذي لا يرثه وتسقط عن بن العم لأبن عمه الوارث قال أبو إسحاق : فقالوا قولا ليس في كتاب الله ولا نعلم أحدا قاله وحكى الطبري عن أبي حنيفة وصاحبيه أنهم قالوا : الوارث الذي يلزمه الإرضاع هو وارثه إذا كان ذا رحم محرم منه فإن كان بن عم وغيره ليس بذي رحم محرم فلا يلزمه شيء وقيل : المراد عصبة الأب عليهم النفقة والكسوة قال الضحاك : إن مات أبو الصبي وللصبي مال أخذ رضاعه من المال وإن لم يكن له مال أخذ من العصبة وإن لم يكن للعصبة مال أجبرت الأم على ارضاعه وقال قبيصة بن ذؤيب والضحاك وبشير بن نصر قاضي عمر بن عبد العزيز : الوارث هو الصبي نفسه وتأولوا قوله : وعلى الوارث المولود مثل ما على المولود له أي عليه في ماله إذا ورث أباه إرضاع نفسه وقال سفيان : الوارث هنا هو الباقي من والدي المولود بعد وفاة الآخر منهما فإن مات الأب فعلى الأم كفاية الطفل إذا لم يكن له مال ويشاركها العاصب في ارضاع المولود على قدر حظه من الميراث وقال بن خويز منداد : ولو كان اليتيم فقيرا لا مال له وجب على الإمام القيام به من بيت المال فإن لم يفعل الإمام وجب ذلك على المسلمين الأخص به فالأخص والأم أخص به فيجب عليها إرضاعه والقيام به ولا ترجع عليه ولا على أحد والرضاع واجب والنفقة استحباب : ووجه الاستحباب قوله تعالى : والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين وواجب على الأزواج القيام بهن فإذا تعذر استيفاء الحق لهن بموت الزوج أو إعساره لم يسقط الحق عنهن ألا ترى أن العدة واجبة عليهن والنفقة والسكنى على أزواجهن وإذا تعذرت النفقة لهن لم تسقط العدة عنهن وروى عبد الرحمن بن القاسم في الأسدية عن مالك بن انس رحمه الله أنه قال : لا يلزم الرجل نفقة أخ ولا ذي قرابة ولا ذي رحم منه قال : وقول الله عز وجل وعلى الوارث مثل ذلك هو منسوخ قال النحاس : هذا لفظ مالك ولم يبين ما الناسخ لها ولا عبد الرحمن بن القاسم ولا علمت أن أحدا من أصحابهم بين ذلك والذي يشبه أن يكون الناسخ لها عنده والله أعلم أنه لما أوجب الله تعالى للمتوفي عنها زوجها من مال المتوفي نفقة حول والسكنى ثم نسخ ذلك ورفعه نسخ ذلك أيضا عن الوارث قلت : فعلى هذا تكون النفقة على الصبي نفسه من ماله لا يكون على الوارث منها شيء على ما يأتي قال بن العربي : قوله وعلى الوارث مثل ذلك قال بن القاسم عن مالك هي منسوخة وهذا كلام تشمئز منه قلوب الغافلين وتحتار فيه ألباب الشاذين والأمر فيه قريب وذلك أن العلماء المتقدمين من الفقهاء والمفسرين كانوا يسمون التخصيص نسخا لأنه رفع لبعض ما يتناوله العموم مسامحة وجرى ذلك في ألسنتهم حتى أشكل ذلك على من بعدهم وتحقيق القول فيه : أن قوله تعالى : وعلى الوارث مثل ذلك إشارة إلى ما تقدم فمن الناس من رده إلى جميعه من إيجاب النفقة وتحريم الإضرار منهم أبو حنيفة من الفقهاء ومن السلف قتادة والحسن ويسند إلى عمر وقالت طائفة من العلماء : إن معنى قوله تعالى : وعلى الوارث مثل ذلك لايرجع إلى جميع ماتقدم وإنما يرجع إلى تحريم الإضرار والمعنى : وعلى الوارث من تحريم الإضرار بالأم ما على الأب وهذا هو الأصل فمن ادعى أنه يرجع العطف فيه إلى جميع ما تقدم فعليه الدليل قلت : قوله وهذا هو الأصل يريد في رجوع الضمير إلى أقرب مذكور وهو صحيح إذ لو أراد الجميع الذي هو الإرضاع والإنفاق وعدم الضرر لقال : وعلى الوارث مثل هؤلاء فدل على أنه معطوف على المنع من المضارة وعلى ذلك تأوله كافة المفسرين فيما حكى القاضي عبد الوهاب وهو أن المراد به أن الوالدة لا تضار ولدها في أن الأب إذا بذل لها أجرة المثل ألا ترضعه ولا مولود له بولده في أن الأم إذا بذلت أن ترضعه بأجرة المثل كان لها ذلك لأن الأم ارفق وأحن عليه ولبنها خير له من لبن الأجنبية قال بن عطية : وقال مالك رحمه الله وجميع أصحابه والشعبي أيضا والزهري والضحاك وجماعة من العلماء : المراد بقوله مثل ذلك ألا تضار وأما الرزق والكسوة فلا يجب شيء منه وروى بن القاسم عن مالك أن الآية تضمنت أن الرزق والكسوة على الوارث ثم نسخ ذلك بالاجماع من الأمة في ألا يضار الوارث والخلاف هل عليه رزق وكسوة أم لا وقرأ يحيى بن يعمر ( وعلى الورثة بالجمع وذلك يقتضي العموم فإن استدلوا بقوله عليه السلام ( لا يقبل الله صدقة وذو رحم محتاج ( قيل لهم الرحم عموم في كل ذي رحم محرما كان أو غير محرم ولا خلاف أن صرف الصدقة إلى ذي الرحم أولى لقوله عليه السلام : ( إجعلها في الأقربين ( فحمل الحديث على هذا ولا حجة فيه على ما راموه والله أعلم وقال النحاس : وأما قول من قال وعلى الوارث مثل ذلك ألا يضار فقول حسن لأن أموال الناس محظورة فلا يخرج شيء منها إلا بدليل قاطع وأما من قال على ورثة الأب فالحجة أن النفقة كانت على الأب فورثته أولى من ورثة الأبن واما حجة من قال على ورثة الابن فيقول : كما يرثونه يقومون به قال النحاس : وكان محمد بن جرير يختار قول من قال الوارث هنا الابن وهو وإن كان قولا غريبا فالاستدلال به صحيح والحجة به ظاهرة لأن ماله أولى به وقد أجمع الفقهاء إلا من شذ منهم أن رجلا لو كان له ولد طفل وللولد مال والأب موسر أنه لا يجب على الأب نفقة ولا رضاع وأن ذلك من مال الصبي فان قيل : قد قال الله عز وجل وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف قيل : هذا الضمير للمؤنث ومع هذا فإن الإجماع حد للآية مبين لها لا يسع مسلما الخروج عنه وأما من قال : ذلك على من بقي من الأبوين فحجته أنه لا يجوز للأم تضييع ولدها وقد مات من كان ينفق عليه وعليها وقد ترجم البخاري على رد هذا القول باب وعلى الوارث مثل ذلك وهل على المرأة منه شيء وساق حديث أم سلمة وهند والمعنى فيه : أن أم سلمة كان لها أبناء من أبي سلمة ولم يكن لهم مال فسألت النبي صلى الله عليه وسلم فأخبرها أن لها في ذلك أجرا فدل هذا الحديث على أن نفقة بنيها لا تجب عليها ولو وجبت عليها لم تقل للنبي صلى الله عليه وسلم : ولست بتاركتهم وأما حديث هند فإن النبي صلى الله عليه وسلم أطلقها على أخذ نفقتها ونفقة بنيها من مال الأب ولم يوجبها عليها كما أوجبها على الأب فاستدل البخاري من هذا على أنه لما لم يلزم الأمهات نفقات الأبناء في حياة الآباء فكذلك لا يلزمهن بموت الآباء وأما قول من قال إن النفقة والكسوة على كل ذي رحم محرم فحجته أن على الرجل أن ينفق على كل ذي رحم محرم إذا كان فقيرا قال النحاس : وقد عورض هذا القول بأنه لم يؤخذ من كتاب الله تعالى ولا من اجماع ولا من سنة صحيحة بل لا يعرف من قول سوى ما ذكرناه فأما القرآن فقد قال الله عز وجل : وعلى الوارث مثل ذلك فإن كان على الوارث النفقة والكسوة فقد خالفوا ذلك فقالوا : إذا ترك خاله وبن عمه فالنفقة على خاله وليس على بن عمه شيء فهذا مخالف نص القرآن لأن الخال لا يرث مع بن العم في قول أحد ولا يرث وحده في قول كثير من العلماء والذي احتجوا به من النفقة على كل ذي رحم محرم أكثر أهل العلم على خلافه السادسة عشرة قوله تعالى : ( فإن أرادا فصالا ) الضمير في أرادا للوالدين وفصالا معناه فطاما عن الرضاع أي عن الاغتذاء بلبن أمه إلى غيره من الأقوات والفصال الفصل : الفطام وأصله التفريق فهو تفريق بين الصبي والثدي ومنه سمي الفصيل لأنه مفصول عن أمه ( عن تراض منهما ) أي قبل الحولين ( فلا جناح عليهما ) أي في فصله وذلك أن الله سبحانه لما جعل مدة الرضاع حولين بين أن فطامهما هو الفطام وفصالهما هو الفصال ليس لأحد عنه منزع إلا أن يتفق الأبوان على أقل من ذلك العدد من غير مضارة بالولد فذلك جائز بهذا البيان وقال قتادة : كان الرضاع واجبا في الحولين وكان يحرم الفطام قبله ثم خفف وأبيح الرضاع أقل من الحولين بقوله فإن أرادا فصالا ألآية وفي هذا دليل على جواز الأجتهاد في الأحكام باباحة الله تعالى للوالدين التشاور فيما يؤدي إلى صلاح الصغير وذلك موقوف على غالب ظنونهما لا على الحقيقة واليقين والتشاور : استخراج الرأي وكذلك المشاورة والمشورة كالمعونة وشرت العسل : استخرجته وشرت الدابة وشورتها أي أجريتها لاستخراج جريها والشوار : متاع البيت لأنه يظهر للناظر والشارة : هيئة الرجل والاشارة : إخراج ما في نفسك وإظهاره السابعة عشرة قوله تعالى ( وإن أردتم أن تسترضعوا أولادكم ) أي لأولادكم غير الوالدة قاله الزجاج قال النحاس : التقدير في العربية أن تسترضعوا أجنبية لأولادكم مثل كالوهم أو وزنوهم أي كالوا لهم أو وزنوا لهم وحذفت اللام لأنه يتعدى إلى مفعولين أحدهما بحرف وأنشد سيبويه : أمرتك الخير فافعل ما أمرت به فقد تركتك ذا مال وذا نشب ولا يجوز : دعوت زيدا أي دعوت لزيد لأنه يؤدي إلى التلبيس فيعتبر في هذا النوع السماع قلت : وعلى هذا يكون في الآية دليل على جواز إتخاذ الظئر إذا اتفق الآباء والأمهات على ذلك وقد قال عكرمة في قوله تعالى لا تضار والدة معناه الظئر حكاه بن عطية والاصل أن كل أم يلزمها رضاع ولدها كما أخبر الله عز وجل فأمر الزوجات بارضاع أولادهن وأوجب لهن على الأزواج النفقة والكسوة والزوجية قائمة فلو كان الرضاع على الأب لذكره مع ما ذكره من رزقهن وكسوتهن إلا أن مالكا رحمه الله دون فقهاء الأمصار استثنى الحسيبة فقال : لا يلزمها رضاعة فأخرجها من الآية وخصصها بأصل من أصول الفقه وهو العمل بالعادة وهذا أصل لم يتفطن له إلا مالك والأصل البديع فيه أن هذا أمر كان في الجاهلية في ذوي الحسب وجاء الإسلام فلم يغيره وتمادى ذوو الثروة والأحساب على تفريغ الأمهات للمتعة بدفع الرضعاء للمراضع إلى زمانه فقال به وإلى زماننا فتحققناه شرعا الثامنة عشرة قوله تعالى : ( إذا سلمتم ) يعني الآباء أي سلمتم الأجرة إلى المرضعة الظئر قاله سفيان مجاهد : سلمتم إلى الأمهات أجرهن بحساب ما أرضعن إلى وقت إرادة الاسترضاع وقرأ الستة من السبعة ما آتيتم بمعنى ما أعطيتم وقرأ بن كثير أتيتم بمعنى ما جئتم وفعلتم كما قال زهير : وما كان من خير أتوه فإنما توارثه آباء آبائهم قبل قال قتادة والزهري : المعنى سلمتم ما أتيتم من إرادة الاسترضاع أي سلم كل واحد من الأبوين ورضي وكان ذلك على اتفاق منهما وقصد خير وإرادة معروف من الامر وعلى هذا الأحتمال فيدخل في الخطاب سلمتم الرجال والنساء وعلى القولين المتقدمين الخطاب للرجال قال أبو علي : المعنى إذا سلمتم ما آتيتم نقده أو إعطاءه فحذف المضاف وأقيم الضمير مقامه فكان التقدير : ما آتيتموه ثم حذف الضمير من الصلة وعلى هذا التأويل فالخطاب للرجال لأنهم الذين يعطون أجر الرضاع قال أبو علي ويحتمل أن تكون ما مصدرية أي إذا سلمتم الإتيان والمعنى كالأول لكن يستغني عن الصفة من حذف المضاف ثم حذف الضمير < <

%0
10 Bölüm