بقدم العالم بوجوه الأول أن جميع ما لا بد منه لتأثير الصانع في العالم وإيجاده إياه أما أن يكون حاصلا في الأزل أولا والثاني باطل فنعين الأول وهو يستلزم المطلوب وتقريره من وجهين أحدهما أنه لما وجد في الأزل جميع ما لا بد منه بوجود العالم لزم وجوده في الأزل والمقدم حق فكذا التالي أما اللزوم فلامتناع تخلف المعلول عن تمام علته لما مروا ما حقية المقدم ولأنه لو لم يكن جميع ما لا بد منه حاصلا في الأزل بل كان بعضه حادثا ينقل الكلام إليه بأن جميع ما لا بد منه لوجوده أما أن يكون حاصلا في الأزل أو لا ويتسل والجواب النقض إجمالا وتفصيلا أما إجمالا فهو أنه لو صح هذا الدليل لزم أن لا يكون ما يوجد اليوم من الحوادث حادثا لجريانه فيه لا يقال الحادث اليومي يتوقف على استعدادات في المادة مستندة إلى الحركات والأوضاع الفلكية والاتصالات الكوكبية ووجود كل منها مشروط بانقضاء الآخر لا لي بداية على سبيل التجدد والانقضاء دون الترتب في الوجود على ما هو شأن العلل والمعلولات ليلزم التسل المح فإن البرهان إنما قام على استحالة التسلسل في المبادي المترتبة دون المعدات المنصرمة لأنا نقول بعض البراهين كالتطبيق والتضائف بتناول ما يضبطها الوجود مترتبة سواء كانت مجتمعة أو متصرمة كما سبق آنفا ولو سلم فالكلام في العالم الجسماني فيجوز أن يكون حادثا مستندا إلى حوادث متعاقبة لا أول لها كتصورات أو إرادات من ذات مجردة مثل ما ذكرتم في الحادث اليومي لا يقال تعاقب الحوادث إنما يصح في الجسمانيات دون المجردات لما سبق من أن كل حادث مسبوق بمادة ومدة لأنا نقول قد سبق الكلام على ذلك هنالك وأما تفصيلا فهو أنا لا نسلم أنه لو كان جميع ما لا بد منه في إيجاد العالم حاصلا في الأزل كان العالم أزليا وإنما يلزم لو لم يكن من جملة ما لا بد منه الإرادة التي من شأنها الترجيح والتخصيص متى شاء الفاعل من غير افتقار إلى مرجح ومخصص من خارج قولكم يلزم تخلف المعلول عن تمام علته وهو باطل لامتناع الترجيح بلا مرجح قلنا لا نسلم بطلان التخلف في العلة المشتملة على الإرادة والاختيار فإنه ليس ترجحا بلا مرجح بل ترجح المختار أحد المقدورين من غير مرجح خارج واستحالته ممنوعة كما في أكل الجائع أحد الرغيفين وسلوك الهارب أحد الطريقين فإن قيل لا نزاع في أن نفس الإرادة لا يكفي في وجود المراد بل لا بد من تعلقها فإن كان قديما وإن كان حادثا كان ذلك الترجيح ترجحا بلا مرجح قلنا لا بل ترجيحا به فإن تعلق الإرادة مما يقع بالإرادة من غير افتقار إلى أمر آخر والحاصل أنا نجعل شرط الحوادث تعلق الإرادة ونلتزم فيه التخلف عن تمام العلة ( قال الثاني 6 ) لما كان إمكان العالم أزليا وكذا صحة تأثير الصانع فيه وإيجاده إياه لزم أن يكون وجوده أيضا أزليا لكن المقدم حق إذ لو كان في الأزل ممتنعا ثم يصير ممكنا فيما لا يزال لزم انقلاب المح فكذا التالي وجه اللزوم أنه إذا كان الإمكان مع صحة التأثير متحققا في الأزل ولا يوجد الأثر إلا فيما لا يزال كان ذلك تركا للجود مدة لا تتناهى وذلك لا يليق بالجواد المطلق والجواب بعد تسليم امتناع ترك الجود أنه إنما يلزم لو أمكن وجود العالم في الأزل على أن يكون الأزل ظرفا للوجود وهو ممنوع والثابت ببرهان استحالة الانقلاب هو أن وجوده ممكن في الأزل على أن يكون الأزل ظرفا للإمكان ألا ترى أن الحادث بشرط الحدوث ممكن أزلا ووجوده في الأزل محال دائما وقد سبق ذلك في بحث الوجوب والإمكان والامتناع ( قال الثالث 7 ) قد سبق الكلام على ما يدعيه الفلاسفة من تركب الجسم من الهيولي والصورة وكون الهيولي قديمة وكونها غير منفكة عن صورة ما ( قال الرابع 3 )
Teftâzânî — Şerhu'l-Makâsıd (Mâtürîdî/Eş'arî kelam)
سعد الدين مسعود بن عمر بن عبد الله التفتازاني · AR
لما كان الزمان أعنى مقدار الحركة القائمة بالجسم قديما كان الجسم قديما أما اللزوم فظاهر وأما حقيقة الملزوم ولأنه لو كان الزمان حادثا أي مسبوقا بالعدم فسبق العدم عليه لا يكون بالعلية أو الشرف أو الرتبة وهو ظاهر ولا بالطبع لأن الزمان ممكن والممكن يقتضي لاستحقاقية الوجود والعدم نظرا إلى ذاته فلا يفتقر بذاته إلى عدمه كيف والمتقدم بالطبع بجامع المتأخر وعدم الشيء لا يجامع وجوده فتعين أن يكون بالزمان وهو أيضا محال لاستلزامه وجود الزمان حين عدمه لأن معنى التقدم بالزمان أن يوجد المتقدم في زمان لا يوجد فيه المتأخر والجواب بعد تسليم وجود الزمان وكونه عبارة عن مقدم الحركة أنا لا نسلم انحصار أقسام السبق في الخمسة المذكورة بالمعاني المذكورة لأن سبق أجزاء الزمان بعضها على البعض خارج عن ذلك فليكن سبق عدم الزمان على وجوده كذلك لا يقال التقدم والتأخر داخلان في مفهوم أجزاء الزمان فإن تقدم الأمس على الغد ظاهر بالنظر إلى نفس مفهومه ولا كذلك المأخذ الثاني بالعكس فمثل الحيوان لتألفه حسا وحقيقة من الأجسام المختلفة وعدم مساواة جزئه الكل في الاسم والحد لا حسا ولا حقيقة كان مركبا بأي تفسير فسر وبأي اعتبار أخذ والماء لعدم تألفه منها والمساواة جزئه الكل فيهما كان بسيطا كذلك والفلك لعدم تألفه منها لا حسا ولا حقيقة وعدم مساواة جزئه الكل كذلك كان بسيطا على التفسير الأول بالاعتبارين مركبا على التفسير الثاني بالاعتبارين والذهب لتألفه من الأجسام المختلفة حقيقة لا حسا ولمساواة جزئه الكل حسا لا حقيقة كان على التفسير الأول مركبا إذا أخذ باعتبار الحقيقة بسيطا إذا أخذ باعتبار الحس وعلى التفسير الثاني بالعكس ( قال وليعلم 8 ) يريد أن أكثر المباحث التي تورد في الأقسام الأربعة من هذا الفصل حكاية عن الغلسة غير مسلمة عند المتكلمين لابتنائها على أصول ثبت فسادها مثل كون الصانع موجبا لا مختارا وأن الواحد لا يصدر عنه إلا الواحد أو لم تثبت صحتها مثل كون الأجسام مختلفة بالحقيقة ومركبة من الهيولي والصورة ( قال القسم الأول في البسائط الفلكية 6 ) جعل أول المباحث في أثبات فلك محيط بجميع ما سواه من الأجسام يسمى محدد الجهات وتقرير البرهان أنه قد سبق أن الجهات موجودات ذوات أوضاع وأنها حدود ونهايات للامتدادات وأن العلو والسفل منها جهتان معينتان لا تتبدلان وهذا يستلزم وجود محدد به يتعين وضعهما ويلزم أن يكون جسما واحدا كريا محيطا بالكل ليتعين العلو بأقرب حد من محيطه والسفل بأبعد حد منه وهو المركز أما الجسمية فلوجوب كونه ذا وضع وأما الوحدة فلأنه لو تعدد بأن يكون جسمين مثلا فإما أن يحيط أحدهما بالآخر أو لا فإن أحاط كان هو المحدد إذ إليه الانتهاء دون المحاط وإن لم يحط كان كل منهما في جهة من الآخر فيكون متأخرا عن الجهة أو مقارنا لها لا سابقا عليها ليصلح محددا لها وأيضا كل منهما إنما يحدد جهة القرب منه دون البعد فإنه غير متحدد والمطلوب إثبات ما يحدد الجهتين المتقابلتين معا وفيه نظر لجواز أن يكون الجسماني بحيث يكون غاية القرب من كل منهما غاية البعد من الآخر فيتحدد بهما الجهتان فلذا كان المختار هو الوجه الأول وأما وجوب كونه كريا فلأنه بسيط يمتنع زواله عن مقتضى طبعه أعني الاستدارة إذ لو كان مركبا أو بسيطا زال عن استدارته إذ لو كان لزم جواز الحركة المستقيمة على أجزائه وهو محال ضرورة أنها لا تكون إلا من جهة إلى جهة فتكون الجهة قبله أو معه فلا تكون متحددة به وجه اللزوم أما في البسيط الزائل عن الاستدارة فظاهر وأما في المركب فلأن تألفه لا يتصور إلا بحركة بعض الأجزاء إلى البعض ولأن من لوازمه جواز الانحلال لأن كل واحد من بسائطه يلاقي بأحد طرفيه شيأ غير ما يلاقيه بالطرف الآخر مع تساويهما في الحقيقة فيجوز أن يلاقي ذلك الشيء بالطرف الآخر وذلك بالحركة من جهة إلى جهة وفي هذا نظر لأنه إنما يستدعي تقدم الجهة على حركة الأجزاء لا على نفس المركب وبهذا يظهر أن الاستدلال بهذا الوجه على بساطة المحدد ليس بتام
( قال لا لما قبل 6 ) إشارة إلى رد وجهين آخرين استدل بهما على كرية المحدد أحدهما أنه لو لم يكن كريا لم يتحدد به إلا جهة القرب لأن البعد عنه غير محدد أورد بالمنع فإن الشكل البيضي أو العدسي بل المضلع أيضا يشتمل على وسط هو غاية البعد عن جميع الجوانب بحيث إذا تجاوزته صرت في القرب من جانب البتة غاية الأمر أن الأبعاد الممتدة منه إلى الجوانب لا تكون متساوية وثانيهما أنه لو لم يكن كريا لزم من حركته خصوصا على الجسم المستدير وقوع الخلاء إذ لا مالى لفرج الزوايا ورد بأنه لو فرض مقعرة مستديرا ومحدبة بيضيا ويتحرك على قطره الأطول أو عدسيا ويتحرك على قطره الأقصر لم يلزم الخلاء فإن قيل طبيعة المحدد واحدة لما سيجيء فيكون محدبه مستديرا كقوه قلنا فيكون ذلك استدلالا برأسه لا يفتقر إلى ذكر الحركة ولزوم الخلاء والشكل البيضي سطح يحيط به وقوسان متساويتان كل منهما أصغر من نصف دائرة والعدسي ما هما أعظم وكل منهما إذا أدبر على نفسه حصل مجسمة وأما كون المحدد محيط بذوات الجهات فلأن غير المحيط إنما يتحدد به القرب منه وهو ظاهر فلا يكون محددا للجهتين هف ( قال ثم معنى تحديده 3 ) جواب سؤال تقريره أن المراد بمحدد الجهة أن كان فاعلها فلا نسلم لزوم كونه ذا وضع فضلا عن الإحاطة وإن كان قابلها فحدد العلو والسفل لا يكون واحدا ضرورة أن المركز لا يقوم بالمحدد وتقرير الجواب أن المراد به ما يتبين به وضع الجهة وظاهر أن تعين الوضع لا يكون إلا بذي الوضع وتعين السفل بوسط الأرض ليس من حيث أنه نقطة من الأرض ليكون للأرض دخل في التحديد فيتعد المحدد بل من حيث أنه مركز لمحيط فلك الأفلاك ومتحدد به ضرورة أن المحيط يتعين مركزه والمركز لا يتعين محيطه لجواز أن يحيط به دوائر غير متناهية فبهذا الاعتبار كان المحدد لجهات هو الفلك دون الأرض ودون كليهما فإن قيل سلما أن المحدد يكون واحدا محيطا بذي الجهة لكن من لين يلزم أن يكون هو المحيط بالكل ولم لا يجوز أن يكون محدد جهة النار هو فلك القمر مثلا كما هو حكم الأمكنة فإن محدد كل مكان إنما هو المحيط به وإن كان محاطا للغير بل أطباقهم على كون النار خفيفة على الإطلاق بمعنى أنها تطلب جهة الفوق مع أنها لا تطلب إلا مقعر فلك القمر بما يدل على أنه محدد جهتها قلنا المحيط إذا كان محاطا للغير لم يكن منتهى الإشارة ضرورة امتدادها إلى الغير فلم يكن محدد للجهة التي هي طرف الامتدادات ومنتهى الإشارات وهذا بخلاف المكان فإنه سطح المحيط المماس لسطح ذي المكان فطلب النار بالطبع النار بالطبع مقعر فلك القمر إنما يدل على أنه مكانه الطبيعي لا جهتها فإن العنصر إنما يطلب بالطبع حيزه لا جهته بأن يصل إلى الجسم المشتمل على حقيقة الجهة بل لا يكون ذلك إلا في الماء الطالب للأرض ألا ترى أن النار لو فرضت قاطعة لفلك القمر كانت متحركة إلى فوق لا من فوق ولهذا اتفقوا على أن فوق النار فلك القمر وفوقه فلك عطارد وهكذا إلى المحدد وقولهم أنها تطلب جهة الفوق تجوز بمعنى أنها تطلب المكان الذي يلي جهة الفوق وبعد الاتفاق على أن المحدد فوق الكل اختلفوا في أنه هل ينقسم بحسب الأجزاء المفروضة إلى فوق وتحت كسائر الأفلاك حيث يجعل ما يلي محيط المحدد كالمحدب فوق وما يلي مركزه تحت كالمقعر فجوزه بعضهم بناء على أن المحدد بالذات هو محدبه إذ إليه الانتهاء فتكون الإشارة من مقعره إلى محدبه من تحت ومنعه بعضهم زعما منه أن المحدد هو نفسه فيكون كله لذاته فوق بخلاف الأرض فإن تحتيتها ليست لذاتها بل لكونها في صوب المركز حتى لو تحركت عنه كانت حركة من تحت ( قال للبيه 2 )
لاخفاء في أن إثبات المحدد مبني على امتناع الخلاء والإلجاز أن تنتهي إليه الامتدادات وتتعين به أوضاع الجهات وعلى اختلاف الأجسام بالحقيقة واستناد بعض حركاتها إلى الطبيعة وإلا لما كان من الأجسام ما يقتضي صوب المحيط ويتحرك إليه بالطبع ومنها ما يقتضي صوب المركز ويتحرك إليه بالطبع فلم يكن العلو والسفل جهتين طبيعيتين ولما كان عندنا أن الخلاء ممكن وأن الأجسام متماثلة يجوز على كل منها ما يجوز على الآخر وأن الحركات مستندة إلى قدرة الفاعل المختار لا أثر فيها للطبيعة لم يتم ما ذكروه في إثبات المحدد بالتفسير المذكور ولم تمتنع الحركة المستقيمة على السماوات كما لم تمتنع على العناصر لتحقق الجهات بدونها ولم يثبت ما فرعوا على إثبات المحدد وعدم قبوله الحركة المستقيمة من أن السماوات لا تقبل الخرق والالتئام ولا الكون والفساد ولا الحرارة والبرودة والرطوبة واليبوسة ولا الألوان والطعوم والروائح ولا اللين والخشونة والملاسة والخفة والثقل إلى غير ذلك مما ورد به الشريعة المطهرة على أنه لو تم ما ذكر ففي المحدد خاصة دون سائر الأفلاك فإن تمسكوا بأنه علم بالرصد أنها تتحرك على الاستدارة فيكون فيها مبدأ ميل مستدير فلا تتحرك على الاستقامة لامتناع اجتماع المثلين قلنا لو سلم ذلك فامتناع انقطاع الاستدارة وحدوث الاستقامة لم يعلم بالرصد ودليل سرمدية الحركات لم يتم كيف وقد جعلوها إرادية لا ذاتية يمتنع انفكاكها وزعم جماعة من قدماء الحكماء المتألهين أن الأفلاك في غاية ما يكون من الصلابة واليبس والملاسة وهي في دوراتها يماس بعضها بعضا فيسمع منها المتلطفون بالحكم والرياضة أصواتا عجيبة غريبة موسيقية مطربة وألحانا ونغماتا متناسة مستحسنة تقف عندها القوى البدنية وتتحير النفوس البشرية ( قال المبحث الثاني 7 ) قد أنجز الكلام ههنا إلى ذكر جل من علم الهيئة الباحث عن أحوال الأجسام البسيطة العلوية والسفلية من حيث كمياتها وكيفياتها وأوضاعها وحركاتها اللازمة لها لأن بعض ذلك مما ينتفع به في الشرعيات كتعدد المشارق والمغارب واختلاف المطالع وأمر القبلة وأوقات الصلاة وغير ذلك وبعضه مما يعين على التفكر في خلق السماوات والأرض المؤدي إلى مزيد خبرة يبالغ حكمة الصانع وباهر قدرته وبعضه مما يجب التنبيه لفساده فيحكى كذلك وهذا العلم فيما بينهم أيضا يذكر على طريق الحكاية عن علم آخر فيه براهينه يسمونه المجسطي فلا بأس إن اقتصرنا على مجرد الحكاية لكن على وجهها إن شاء الله تعالى لا كما وقع في المواقف فيتعجب من له أدنى نظر في هذا الفن من قلة اهتمام الحاكي بالمحكي ويتخذ ذلك مغمزا على المتصدي لتحقيق العلوم الإسلامية فنقول لما وجدوا الشمس والقمر وسائر الكواكب متحركة بالحركة اليومية من المشرق إلى المغرب ثم وجدوها بالنظر الدقيق متحركة حركة بطيئة من المغرب إلى المشرق ووجدوا الكواكب السبعة أعني الشمس والقمر وزحل والمشتري والمريخ والزهرة وعطارد ذوي حركات غريبة مختلفة غير متشابهة بقياس بعضها إلى البعض وكانت الكواكب عندهم مركوزة في الأفلاك لا كالحيتان في المياه بنوا على ذلك أن الأفلاك الكلية الشاملة للأرض الكائنة على مركزها تسعة اثنان للحركتين الأوليين وسبعة لحركات السبعة السيارة لامتناع الحركتين المختلفتين في زمان واحد من جسم واحد وأما في جانب الكثرة فلا قطع لجواز أن يكون كل من الثوابت على فلك وأن تكون الأفلاك الغير المكوكبة كثيرة محيطا بعضها بالبعض لكنهم لم يذهبوا إلى ذلك لعدم الدليل ولأنهم لم يجدوا في السمويات فضلا لا حاجة إليه وجوز بعضهم كون الأفلاك ثمانية تستند الحركة الأولى إلى مجموعها لا إلى فلك خاص وذلك بأن تتصل بها نفس واحدة تحركها الحركة اليومية قال صاحب التحفة فيجوز أن تكون سبعة بأن تكون الثوابت ودوائر البروج على محدب فلك زحل وتتعلق نفس بمجموع السبعة تحركها الحركة الأولى وأخرى بالسابعة تحركها الحركة الأخرى لكن بشرط أن نفرض دوائر البروج متحركة بالسريعة دون البطيئة لتنتقل الثوابت بها من برج إلى برج كما هو الواقع ( قال وإنه لا كوكب عليه وإنه يتحرك 8 )
إنما جعل ذلك من قبيل زعمهم لأن الذاهبين إلى أن الكواكب سابحة في الأفلاك كالحيتان في المياه لا يقولون بذلك ( قال يسمى معدل النهار 2 ) لتعادل الليل والنهار في جميع البقاع عند كون الشمس عليها والمراد بالمنطقة أعظم الدوائر الحادثة من حركة الكرة على نفسها وبقطبيها النقطتان الثابتتان عند حركة الكرة والدوائر الصغار الموازية للمنطقة تسمى مدارات تلك الحركة وأحد قطبي العالم وهو الذي يلي شمال المواجه للمشرق يسمى الشمالي والآخر الجنوبي ( قال ويتم دوره في قريب من اليوم بليلة 3 ) إنما قال في قريب لأنها تنقص من اليوم بليلته بمقدار الحركة الخاصة للشمس من المغرب إلى المشرق ( قال ويحرك الكل 3 ) يعني أن التاسع يحرك جميع الأفلاك الثمانية التي تحته بحكم المشاهدة لكونها بمنزلة جزء منه حيث أحاط بها وقوى عليها حتى صار المجموع بمنزلة كرة واحدة والأفقي الحركة الوضعية تحرك المحاط بتحرك المحيط ليس بلازم إلا إذا كان المحاط في ثخن المحيط كالخارج المركز من الممثل على ما سيجيء إن شاء الله تعالى فإنه جزء منه على الحقيقة ( قال وتحته فلك الثوابت 4 ) سمي بذلك لكونه مكانا للكواكب الثوابت أعني ما عدا السبعة السيارة وتسميتها نوابت إما لبطء حركتها في الغاية بحيث لم تدرك إلا بالنظر الدقيق وإما لثبات ما بينها من الأبعاد على وتيرة واحدة وثبات عروضها عن منطقة حركتها وحكموا يكون حركة الثامن على منطقة وقطبين غير منطقة التاسع وقطبيه لأن حركة الحاوي والمحوي إذا كانت على مناطق وأقطاب بأعيانها لا تحس باختلاف الحركتين بل إنما يحس بحركة واحدة هي مركبة من مجموعها أن اتحدت الجهة أو حاصلة من فضل السريعة على البطيئة إن اختلفت الجهتان والألم يحس بالحركة أصلا بل يرى ساكنا وأيضا يعرف بآلات القياس أن الثوابت لا تختلف أبعادها عن قطبي العالم بل عن نقطة غيرهما واختلفوا في مقدار هذه الحركة فعلى رأي بطلميوس ومن قبله تقطع في كل مائة سنة درجة فتتم الدورة في ست وثلاثين ألف سنة وعلى رأي المتأخرين تقطع في كل ست وستين سنة درجة فتتم الدورة في ثلاثة وعشرين ألف سنة وسبعمائة وستين سنة وبعضهم وجدوها تقطع الدرجة في كل سبعين سنة فتتم الدورة في خمسة وعشرين ألف سنة ومائتي سنة ويوافقه رصد مراغة فيمكن أن يكون ذلك لاختلال في الآلات أو لأسباب لا يطلع عليها إلا خالق السماوات ( قال واستدلالا من الكسف 3 ) يعني أنهم وجدوا القمر يكسف سائر السيارات ومن الثوابت ما يكون على ممره فحكموا بأن فلكه تحت الكل وهكذا الحكم في البواقي إلا الشمس فإنها لا يكسفها غير القمر ولا يدرك كسفها بشيء من الكواكب لاحتراقها عند مقارنتها فالحكم بكونها فوق الزهرة وعطارد استحسانا لما فيه من حسن الترتيب وجودة النظام حيث يكون النير الأعظم في الوسط من السيارات بمنزلة شمسة القلادة وقد تأكد هذا الاستحسان بمناسبات آخر وزعم بعضهم أنه رأى الزهرة كسامة على صفحة الشمس والحكم بكونها تحت الثلاثة العلوية أعني زحل والمشتري والمريخ مأخوذ من اختلاف المنظر وهو بعد ما بين طرفي الخطين المارين بمركز الكواكب الواصلين إلى فلك البروج الخارج أحدهما من مركز العالم والآخر موضع الناظر فإن وجوده يدل على القرب منا وعدمه على البعد وقد وجد للشمس دون العلوية والثوابت فعلم أنها تحتها ولم يعرف وجوده للزهرة وعطارد لأنه إنما يعرف بالة لهم تسمى ذات الشعبتين تنصب في سطح نصف النهار والزهرة وعطارد لكونهما حوالي الشمس دائما لا يصلان إلى نسف النهار ظاهرين ولما كانوا معترفين بأنه لا قطع في جانب كثرة الأفلاك وأنه لا يمتنع كون الثوابت على أفلاك شتى متفقة الحركات وأنهم إنما بنوا الكلام على عدم إثبات الفضل المستغنى عنه فلا جهة للاعتراض بأنه لم لا يجوز أن يكون كل من الثوابت على فلك وأن يكون بعضها تحت السيارات أو فيما بينها ( قال وأفلاكها الكلية ممثلات 6 )
يعني أن الفلك الكلي لكل من السبعة السيارة يسمى ممثل ذلك الكوكب بمعنى كونه ممثلا لفلك البروج أي موافقا له بالمركز والمنطقة والقطبين ( قال وفي جوف ممثل القمر 8 ) يريد الإشارة إلى تفصيل الأفلاك الجزئية التي يشتمل عليها الأفلاك الكلية وقد أرشدهم إلى ذلك ما أدركوا بالرصد للسيارات من اختلاف الأوضاع والحركات فن الأفلاك الجزئية ممثل القمر ويسمى الجوزهري لكون المحرك للجوزهرين وستعرفهما ومنها مائل القمر وهو فلك في جوف ممثل القمر مركزه مركز العالم يسمى بذلك لكون منطقته مائلة عن منطقة البروج ميلا ثابتا لا يتغير فالجوزهر يماس بمحدبه مقعر ممثل عطارد وبمقعره محدب المائل المماس بمقعره لمحدب كرة النار ومنها الأفلاك الخارجة المراكز والخارج المركز فلك محيط بالأرض خارج مركزه عن مركزها ويكون في ثحن فلك موافق المركز يماس بمحدبه محدب الموافق على نقطة واحدة هي أبعد نقطة عليه من مركز الأرض ويسمى الأوج وبمقعره مقعر الموافق على نقطة مقابلة للأولى هي أقرب نقطة عليه منه ويسمى الحضيض فبالضرورة يبقى الفضل من موافق المركز بعد انفصال الخارج المركز عنه جسمين مستديرين على مركز العالم غليظي الوسط بقدر ما بين مركزي الموافق المركز والخارج المركز يستدق ذلك الغلظ إلى أن ينعدم عند نقطتي التماس المقابلتين لغايتي الغلظ وهذان الجسمان يسميان بالمتممين ويكون ذلك التدرج من الغلظ إلى الرقة فيهما على التبادل بمعنى أن غاية رقة الحاوي منهما يكون عند الأوج وغاية غلظه عند الحضيض وغاية رقة المحوي عند الحضيض وغلظه عند الأوج وقد يكون الخارج المركز في ثحن خارج مركز آخر كما في عطارد ومنها التداوير والتدوير كرة في ثحن الخارج المركز يماس سطحها محدب الخارج بنقطة يسمى الذروة ومقعرة بنقطة مقابلة لها تسمى الحضيض والكوكب مركوز فيها بحيث يتماس بسطحاهما على نقطة ولم يعتبر لها ولا للكوكب تقعير بل اعتبرا مصمتين فقوله ثم في ثحن المائل إشارة إلى أن الموافق المركز المشتمل على الخارج المركز هو في القمر المائل وفي البواقي ممثلا بها وإن الحامل اسم للخارج المركز إذا كان في ثحنه التدوير لجملة مركز التدوير وإن خارج المركز لعطارد يسمى مديرا لإدارته مركز الحامل وهو الخارج المركز الذي ينفصل عن المدير انفصال المدير عن الممثل ويكون فيه التدوير فلعطارد خارجا مركز وأوجان وحضيضان وأربع متممات والمائل في المتحيزة اسم للخارج المركز الحامل للتدوير إذا تقرر هذا فنقول للشمس ممثل في ثحنه خارج مركز في ثحنه الشمس وللقمر ممثل في جوفه مائل في ثخنه خارج مركز هو الحامل لتدوير فيه القمر ولعطارد وممثل في ثحنه خارج مركز يسمى مديرا في ثحنه خارج مركز هو الحامل لتدوير فيه عطارد ولكل من الأربعة الباقية ممثل في ثحنه خارج مركز هو الحامل لتدوير فيه الكوكب وهذه صورها ( قال المبحث الثالث 2 )
لما كانت منطقة البروج ومعدل النهار متقاطعين على نقطتين توهموا دائرة تمر بنقطتي التقاطع ونقطتي البروج وأخرى تمر بالأقطاب الأربعة وتقطع معدل النهار ومنطقة البروج على زوايا قوائم فتقع على غاية بعد ما بين المنطقتين ويسمى الميل الكلي فبحسب هاتين الدائرتين ينقسم فلك البروج أربعة أقسام متساوية فتوهموا على كل واحد من ربعين متلاصقين منها نقطتين بعد كل منهما عن الأخرى كبعد الأخرى عن أقرب طرفي الربع إليها ثم توهموا أربع دوائر تمر بالنقط الأربع بمقابلاتها من الربعين الباقيين وفرضوا الدوائر الست قاطعة للعالم فانقسم الفلك الأعظم وسائر الأفلاك الممثلة إثنى عشر قسما سموا كل قسم منها برجا وجعلوا كل برج ثلاثين قسما سموا كل قسم درجة وكل درجة ستين قسما سموا كل قسم دقيقة وهكذا جعلوا كل دقيقة ستين ثانية وكل ثانية ستين ثالثة بالغا ما بلغ وسموا من نقطتي تقاطع المنطقتين النقطة التي تجاوزها الشمس إلى شمال معدل النهار أعني ما يلي القطب الشمالي اعتدالا ربيعا والنقطة التي تجاوزها الشمس إلى جنوب المعدل اعتدالا خريفيا وسموا نقطة تقاطع منطقة البروج والدائرة المارة بالأقطاب الأربعة في جانب الشمال انقلابا صيفيا وفي جانب الجنوب انقلابا شتويا لأن الربيع اسم لمدة حركة الشمس من الاعتدال الآخذ في الشمال إلى الانقلاب الشمالي أعني زمان قطعها للحمل والثور والجوزاء والصيف لمدة حركتها منه إلى الاعتدال الآخذ في الجنوب أعني زمان قطعها للسرطان والأسد والسنبلة والخريف لمدة حركتها منه إلى الانقلاب الجنوبي أعني زمان قطعها للميزان والعقرب والقوس والشتاء لمدة حركتها منه إلى الاعتدال الربيعي أعني زمان قطعها للجدي والدلو والحوت وهذه الأسامي مأخوذة من صورة توهمت من كواكب وقعت عند القسمة بحذاء الأقسام وحين انتقلت عن محاذاتها بحركة الفلك الثامن أثر وإبقاء الأسماء تيسرا للأمر في ضبط الحركات ( قال وكل من السيارة تقطع هذه البروج على التوالي 8 ) أعني من الحمل إلى الثور إلى الجوزاء وهكذا وهي حركة من المغرب إلى المشرق وعكسه خلاف التوالي أعني من الحمل إلى الحوت إلى الدلو وهكذا ونعني بالحركة إجمالا الحركة المركبة التي بها يعتبر انتقال الكوكب من برج إلى برج من غير أن ينظر إلى جزئيات الأفلاك وتفاصيل الحركات وبالتفصيل خلاف ذلك فالشمس تقطع البروج الإثنى عشر في ثلثمائة وخمسة وستين ويما وربع يوم وهي السنة الشمسية والقمر يقطعها إثنى عشر مرة في ثلاثمائة وأربعة وخمسين يوما وسدس يوم وخمس يوم وهي السنة القمرية وزحل في ثلاثين سنة والمشتري في اثنتي عشرة سنة والمريخ في سنتين إلا شهرا أو نصفا وكل من الزهرة وعطارد في سنة جميع ذلك على سبيل التقريب وأما التحقيق فيعرف من الزيجات ( قال وأما تفصيلا 6 )
إشارة إلى بيان الحركات البسيطة للأفلاك الجزئية إلى التوالي أو خلافه فمن الحركة إلى خلاف التوالي حركة مدبر عطارد حول مركزه على غير معدل النهار ومنطقة البروج وغير أقطابهما ويظهر في أوج الحامل وحضيضه ويحدث بسببها لمركز الحامل مدار حول مركز المدير يسمى الفلك الحامل لمركز الحامل وهي في اليوم بليلته تسع وخمسون دقيقة وثماني ثوان وعشرون ثالثة ووجه معرفة المدير وكون حركته على خلاف التوالي وعلى هذا المقدار مشهور فيما بينهم إلا أن في نقل صاحب المواقف سهو قلم لا بد من التنبه له وهو أنه جعل حال مركز التدوير وأوج الحامل في الميزان والحمل المقابلة وإنما هي المقارنة وجعل المدير إسما لمحرك مركز التدوير وإنما هو إسم لمحرك أوج الحامل المحرك لمركز التدوير وجعل بعد عطارد عن الشمس في الصباح والمساء في الميزان أعظم منه في الحمل والأمر بالعكس ومنها حركة ممثل القمر حول مركز العالم على منطقة البروج وقطبيها كل يوم ثلاث دقائق واثنتي عشرة ثانية وبها يتحرك جميع أفلاك القمر فينتقل الرأس والذنب ولذلك ينسب إليهما ويسمى حركة الجوزهر ومنها حركة مائل القمر حول مركز العالم على غير معدل النهار ومنطقة البروج وغير أقطابهما كل يوم إحدى عشرة درجة وتسعة دقائق ويتحرك لها الخارج المركز ومركزه وتسمى حركة الأوج لظهورها فيه وقد يسمى مجموع حركتي الجوزهر والمائل بحركة الأوج وأما حركاتها إلى التوالي فمنها حركات الأفلاك الممثلة سوى ممثل القمر وتظهر في الأوجات والحضيضات وهي على وفق حركة الفلك الثامن حتى ذهب بعضهم إلى أنها بحركته واختار الآخرون كونها حركات الممثلات بذواتها احترازا عن كونها عطلا والتزموا عدم تحركها بحركة الثامن لأن تحريك الحاوي للمحوي ليس بلازم ومنها حركات الأفلاك الخارجة المراكز سوى ما يخص باسم المدبر لعطارد وهو في كل يوم للشمس تسع وخمسون دقيقة وثماني ثوان وعشرون ثالثة على منطقة البروج دون قطبيها ولزحل دقيقتان وللمشتري خمس دقائق وللمريخ إحدى وثلاثون دقيقة وللزهرة كما للشمس ولعطارد درجة ونصف وللقمر أربع وعشرون درجة وثلاث وعشرون دقيقة جميع ذلك على غير معدل النهار ومنطقة البروج وغير أقطابهما ويظهر في مراكز تداوير الكواكب الستة ولذلك تسمى حركة مركز الكوكب ومنها حركة النصف الأعلى من تدوير كل من الخمسة المتحيزة على غير منطقة حاملها والنصف الأسفل من تدوير القمر على منقطة الحامل والمائل وهي في كل يوم لتداوير العلوية أعني زحل والمشتري والمريخ فضل حركة الشمس على حركة حواملها ولتدوير الزهرة سبعة وثلاثون دقيقة ولتدوير عطارد ثلاثة أجزاء وست دقائق ولتدوير القمر ثلاثة عشر جزأ وأربع دقائق ولا محالة يكون النصف الأسفل من تداوير المتحيزة والأعلى من تدوير القمر إلى خلاف التوالي ( قال ويقع للقمر 3 ) يعني لما كان حركة تدوير القمر على منطقة الحامل والمائل لم يقع له ميل عن منطقة البروج إلا بحسب المائل ولما كانت حركة تدوير المتحيزة على غير مناطق حواملها المائلة عن منطقة البروج كان لها ميل بحسب المائل عن منطقة البروج وبحسب التدوير عن منطقة المائل وكل من الميلين يسمى عرض الكوكب وحقيقته قوس من الدائرة المارة بقطبي البروج وبرأس الخط المار بمركز الكوكب الخارج من مركز العالم إلى الفلك الأعلى يقع بين المنطقة وبين رأس ذلك الخط وهو في مقابلة الطول وهو قوس من منطقة البروج على التوالي يقع بين نقطة الاعتدال الربيعي وبين الكوكب إن كان عديم العرض أو بين النقطة التي تقطع دائرة عرضه فلك البروج عليها إن كان ذا عرض ( قال ونقطتا تقاطع المائل 6 )
والممثل بالجوزهرين يعني بالمائل مائل القمر والأفلاك الخارجة المراكز للخمسة المتحيزة لما عرفت من أنها ليست في سطح منطقة البروج بل مائلة عنها فلهذا تقاطع الأفلاك الممثلة وسموا من الجوزهرين النقطة التي يجاوزها الكوكب إلى شمال منطقة البروج بالرأس والتي يقابلها بالذنب تشبيها المشكل الحادث بين نصفي المنطقتين من الجانب الأقل بالتنين وجعل الأخذ في الشمال رأسا لأنه أشرف من قبل ظهور القطب الشمالي وميل المساكن إليه وكثرة الكواكب فيه قوله فظهر يعني لما أثبتوا فلكا للحركة اليومية وآخر لحركة الثوابت وتأملوا في أحوال السبعة السيارة واختلافاتها فحكموا بأن للشمس ممثلا وخارج مركز وتدويرا وللقمر مائلا وممثلا وخارج مركز وتدويرا ولكل من العلوية والزهرة ممثلا وخارج مركز وتدويرا ولعطارد ممثلا ومدبرا وخارج مركز وتدويرا ولكل من المذكورات حركة خاصة صارت الأفلاك الجزئية أربعة وعشرين وكذا الحركات البسيطة ومبني ذلك على أنهم اعتقدوا في الفلكيات أنها منتظمة في حركاتها لا يعرض لها وقوف أو رجوع أو سرعة أو بطء أو انحراف عن سنتها فحين أدركوا شيئا من ذلك أثبتوا له سببا لا يخل بهذا الانتظام كإثبات الخارج المركز أو التدوير للاختلاف بالسرعة والبطء وإثبات التدوير للرجعة والاستقامة والوقوف مثلا إذا كان الكوكب متحركا حركة متشابهة على محيط فلك خارج مركزه عن مركز العالم الذي نحن بقربه تكون حركته بالقياس إلى مركز العالم مختلفة ويكون في القطعة التي هي أبعد منه بطيئة وفي القطعة التي هي أقرب سريعة لأن القسي المتساوية المختلفة بالبعد والقرب يرى البعيد منها أصغر من القريب وتوضيحه أنه إذا خرج خط يمر بالمركزين ويصل إلى الأوج والحضيض ثم قام عليه عمود يمر بمركز العالم ويصل إلى المحيط من الجانبين انقسم الممثل بهذا الخط قسمين متساويين وخارج المركز قسمين مختلفين أعظمهما ما يكون في النصف الأوجي من الممثل وأصغرهما ما يكون في النصف الحضيضي منه والكوكب لا يقطع كل نصف إلا بقطع ما فيه من الخارج فيكون زمان قطع النصف الأوجي أكثر والحضيضي أقل على تفاوت المسافتين أعني القسمين من الخارج المركز فترى الحركة في النصف الأوجي أبطأ وفي الحضيضي أسرع وعند طرفي الخط متوسطة كما إذا تحرك متحرك في ساعة فرسخين وفي أخرى فرسخا ولهذا كانت مدة فصلى الربيع والصيف أكثر من مدة فصلى الخريف والشتاء مع أن كلا من المدتين زمان لقطع النصف من فلك البروج وإذا كان الكوكب من التدوير في النصف الذي يوافق حركته حركة حامله أعني النصف الأعلى في المتحيزة والنصف الأسفل في القمر ترى حركته سريعة لقطعه فلك البروج بالحركتين جميعا وإذا كان في النصف الذي يخالف حركته حركة حامله أعني أسافل المتحيزة وأعلى القمر فإن كانت حركته أقل من حركة حامله يرى بطيئا لأنه إنما يقطع فلك البروج بفضل حركة الحامل على حركة التدوير وإن انتهت حركته إلى حد التساوي لحركة الحامل وذلك إنما يكون في المنحيزة دون القمر لما عرفت من مقدار حركات التداوير والحوامل ترى الكوكب واقفا لأن الحامل يحركه إلى التوالي جزأ ويرده التدوير إلى خلاف التوالي جزأ فيرى من فلك البروج في موضعه كأنه لا يتحرك وإن زادت حركة التدوير على حركة الحامل يرى راجعا لأن الحامل يحركه جزأ والتدوير يرده جزئين مثلا ( قال وأمثال هذه البيانات 8 ) قد يتوهم أن إثبات الأفلاك الجزئية والحركات البسيطة على الوجوه المخصوصة بناء على ما يشاهد ويدرك بالرصد من الاختلافات اللازمة على تقدير ثبوتها إثبات للملزوم بناء على وجود لازمه وليس بمستقيم إلا إذا علم المساواة وليست بمعلومة إذ لا ضرورة ولا برهان على امتناع أن تكون تلك الاختلافات لأسباب أخر والجواب أنها مقدمات حدسية حيث يحكم العقل الجازم بانتظام السمويات بثبوتها عند أدرك الاختلافات من غير ملاحظة وسط وترتيب وهم معترفون بذلك مصرحون به في أمر الخسوف والكسوف ونحوهما ولهذا اختلفوا وترددوا فيما لم يحكم الحدس به كالمجرة ومحو القمر وأن الختلاف الشمس بالسرعة والبطء مبني على التدويرا والخارج المركز وأن حركات أوجات الممثلات بأنفسها أو بالفلك الثامن ( قال كما تحدسوا 9 )
أورد ههنا من الحدسيات المشهورة فيما بينهم إضاءة القمر بالشمس وما يترتب على ذلك من الخسوف والكسوف وذلك أن اختلاف تشكلات القمر بحسب أوضاعه من الشمس يدل على أن جرمه مظلم كثيف صقيل يقبل من الشمس الضوء لكثافته وينعكس عنه لصقالته فيكون أبدا المضيء من جرمه الكري أكثر من النصف بقليل لكون جرمه أصغر من جرم الشمس فيفصل بين المضيء والمظلم دائرة قريبة من العظمة تسمى دائرة النور ويفصل بين ما يصل إليه نور البصر من جرم القمر وبين ما لا يصل دائرة تسمى دائرة الرؤية والدائرتان تتطابقان في الاجتماع ولكونه تحت الشمس يكون النصف المظلم منه حينئذ مما يلي البصر وهذه الحالة هي المحاق وكذا في الاستقبال لكن ما يلي البصر حينئذ هي القطعة المضيئة والقمر حينئذ يسمى بدرا وتتقاطعان في سائر الأوضاع أما في التربيعين فعلى زوايا قائمة فيرى منه الربع وأما في غيرهما فعلى حادة ومنفرجة فيرى الشكل الهلالي إن كان ما يلي الشمس هو القسم الذي يلي الزاوية الحادة والشكل الإهليلجي إن كان هو القسم الذي يلي المنفرجة وأول ما يبدو للناظر بعد الاجتماع يسمى بالهلال وهو حيث البعد بينه وبين الشمس قريب من اثنتي عشرة درجة أو أقل أو أكثر على اختلاف أوضاع المساكن ( قال وإذا كان القمر 7 ) إشارة إلى سبب الكسوف وهو حالة تعرض للشمس من عدم الاستنارة والإنارة بالنسبة إلى الإبصار حين ما يكون من شأنها ذلك بسبب توسط القمر بينها وبين الأبصار وذلك إذا وقع القمر على الخط الخارج من البصر إلى الشمس ويسمى ذلك بالاجتماع المرئي ويكونان لا محالة على إحد ى العقدتين الرأس والذنب أو بقربهما بحيث لا يكون للقمر عرض مرئي بقدر مجموع نصف قطره وقطر الشمس فلا محالة يحول بين الشمس وبين البصر ويحجب بنصفه المظلم نورها عن الناظرين بالكل وهو الكسوف الكلي أو بالبعض فالجزئي ولكونه حالة تعرض للشمس لا في ذاتها بل بالنسبة إلى الإبصار جاز أن يتفق الكسوف بالنسبة إلى قوم دون قوم كما إذا سترت السراج بيدك بحيث يراه القوم وأنت لا تراه وأن يكون كليا لقوم جزئيا لآخرين أو جزئيا للكل لكن على التفاوت وأما إذا كان عرض القمر المرئي بقدر نصف مجموع القطرين فيما بين جرم القمر مخروط شعاع الشمس فلا يكون كسوف ( قال وإذا كان عند الاستقبال 3 ) إشارة إلى سبب الخسوف وذلك أن القمر عند استقباله الشمس إذا كان على إحدى العقدتين وأو بقربها بحيث يكون عرضه أقل من نصف مجموع قطره وقطره مخروط ظل الأرض انحجب بالأرض عن نور الشمس فيرى أن كان فوق الأرض على ظلامه الأصلي كلا أو بعضا وذلك هو الاخسوف الكلي أو الجزئي وأما إذا كان عرضه عن منطقة البروج أقل من نصفي القطرين فيماس مخروط الظل فلا ينخسف ( قال هذا ولكنهم وجدوا 9 ) يعني أنهم وأن أثبتوا بحكم الحدس هذه الأفلاك والحركات لكنهم وجدوا في القمر والخمسة المتحيزة اختلافات أخر تورث إشكالات على ما أثبتوا لها من الأفلاك والحركات مثل أشكال المحاذاة وأشكال تشابه الحركة وأشكال عرض السفليين فمنهم من تحير ومنهم من تصدى لحل البعض مع الاعتراف بالخلل فيه وادعى صاحب التحفة حل الجميع وجه أشكال المحاذاة والتشابه أنه إذا تحرك مركز كرة كنقطة ( ا ) التي هي مركز كرة ( ب ح ) على محيط دائرة كدائرة ( ا ء ه ) وكانت تلك الحركة بسيطة حدثت عند مركز ذلك المحيط وهو ( ز ) في أزمنة متساوية زوايا متساوية كزوايا ( ا ء ء ز ه ) ويتبع ذلك تساوي قسي المحيط في تلك الأزمنة كقسي ( ا ء ء ه ) ويلزم أيضا أن تكون أبعاد مركز الكرة المفروضة عن نقطة ( ز ) أيضا متساوية في جميع الأوضاع كخطوط ( ز ا ز ء ز ه ) إذ كل منها نصف قطر دائرة ( ا ء ه ) ويلزم أيضا أن يكون قطر ( ب ج )