Qur'an&Sunnahالقرآن

Kâsânî — Bedâ'i'u's-Sanâi' (Hanefî)

علاء الدين الكاساني · AR

قسم V01/P322Kâsânî — Bedâ'i'u's-Sanâi' (Hanefî) (s. V01/P322)

وإذا عرف شرائط الشهادة فنقول إذا قتل الرجل في المعركة أو غيرها وهو يقاتل أهل الحرب أو قتل مدافعا عن نفسه أو ماله أو أهله أو واحد من المسلمين أو أهل الذمة فهو شهيد سواء قتل بسلاح أو غيره لاستجماع شرائط الشهادة في حقه فالتحق بشهداء أحد وكذلك إذا صار مقتولا من جهة قطاع الطريق لأنه قتل ظلما لم يخلف بدلا هو مال دل عليه قوله عليه الصلاة والسلام من قتل دون ماله فهو شهيد وهذا قتل دون ماله فيكون شهيدا بشهادة النبي صلى الله عليه وسلم وكذا إذا قتل في محاربة أهل البغي وعند الشافعي رحمه الله تعالى يغسل في أحد قوليه لأن على أحد قوليه يجب القصاص على الباغي فهذا قتيل أخلف بدلا وهو القصاص وهذا يمنع الشهادة عنده على ما مر ولنا ما روي عن عمار أنه لما استشهد بصفين تحت راية علي فقال لا تغسلوا عني دما ولا تنزعوا عني ثوبا فإني ألتقي ومعاوية بالجادة وكان قتيل أهل البغي على ما قال النبي صلى الله عليه وسلم تقتلك الفئة الباغية وروي أن زيد بن صوحان لما استشهد يوم الجمل فقال لا تغسلوا عني دما ولا تنزعوا عني ثوبا فإني رجل محاج أحاج يوم القيامة من قتلني وعن علي عنه أنه كان لا يغسل من قتل من أصحابه ولأنه في معنى شهداء أحد لأنه قتل قتلا تمحض ظلما ولم يخلف بدلا هو مال ووجوب القصاص في قتل الباغي ممنوع وعليه إجماع الصحابة رضي الله عنهم إن كل دم أريق بتأويل القرآن فهو باطل وقتيل غير الباغي وإن وجب عليه القصاص لكن ذلك أمارة تغلظ الجناية على ما مر فلا يوجب قدحا في الشهادة بخلاف وجوب الدية ولو وجد في المعركة فإن لم يكن به أثر القتل من جراحة أو خنق أو ضرب أو خروج الدم لم يكن شهيدا لأن المقتول إنما يفارق الميت حتف أنفه بالأثر فإذا لم يكن به أثر فالظاهر أنه لم يكن بفعل مضاف إلى العدو بل لما التقى الصفان انخلع قناع قلبه من شدة الفزع وقد يبتلى الجبان بهذا فإن كان به أثر القتل كان شهيدا لأن الظاهر أن موته كان بذلك السبب وإنه كان من العدو والأصل أن الحكم متى ظهر عقيب سبب يحال عليه وإن كان الدم يخرج من محارقه ينظر إن كان موضعا يخرج الدم منه من غير آفة في الباطن كالأنف والذكر والدبر لم يكن شهيدا لأن المرء قد يبتلى بالرعاف وقد يبول دما لشدة الفزع وقد يخرج الدم من الدبر من غير جرح في الباطن فوقع الشك في سقوط الغسل فلا يسقط بالشك وإن كان الدم يخرج من أذنه أو عينه كان شهيدا لأن الدم لا يخرج من هذين الموضعين عادة إلا لآفة في الباطن فالظاهر أنه ضرب على رأسه حتى خرج الدم من أذنه أو عينه وإن كان الدم يخرج من فمه فإن كان ينزل من رأسه لم يكن شهيدا لأن ما ينزل من الرأس فنزوله من جانب الفم أو من جانب الأنف سواء وإن كان يعلو من جوفه كان شهيدا لأن الدم لا يصعد من الجوف إلا لجرح في الباطن وإنما نميز بينهما بلون الدم والله أعلم ولو وجد في عسكر المسلمين فإن كانوا لقوا العدو فهو شهيد وليس فيه قسامة ولا دية لأنه قتيل العدو ظاهرا ( ( ( وظاهرا ) ) ) كما لو وجد قتيلا في المعركة وإن كانوا لم يلقوا العدو لم يكن شهيدا لأنه ليس قتيل العدو

قسم V01/P322–V01/P323Kâsânî — Bedâ'i'u's-Sanâi' (Hanefî) (s. V01/P322–V01/P323)

ألا ترى أن فيه القسامة والدية ولو وطئته دابة العدو وهم راكبوها أو سائقوها أو قائدوها فمات أو نفر العدو دابته أو نخسها فألقته فمات أو رماه العدو بالنار فاحترق أو كان المسلمون في سفينة فرماهم العدو بالنار فاحترقوا أو تعدى هذا الحريق إلى سفينة أخرى فيها مسلمون فاحترقوا أو سيلوا عليهم الماء حتى غرقوا أو ألقوهم في الخندق أو من السور بالطعن بالرمح والدفع حتى ماتوا أو ألقوا عليهم الجدار كانوا شهداء لأن موتهم حصل بفعل مضاف إلى العدو فيلحقهم حكم الشهادة ولو نفرت دابة مسلم من دابة العدو أو من سوادهم من غير تنفير منهم فألقته فمات أو انهزم المسلمون فالقوا أنفسهم في الخندق أو من السور حتى ماتوا لم يكونوا شهداء لأن موتهم غير مضاف إلى فعل العدو وكذلك إذا حمل على العدو فسقط عن فرسه أو كان المسلمون ينقبون عليهم الحائط فسقط عليهم فماتوا لم يكونوا شهداء عند محمد خلافا لأبي يوسف وأصل محمد رحمه الله تعالى في الزيادات في هذه المسائل أصلا فقال إذا صار مقتولا بفعل ينسب إلى العدو كان شهيدا وإلا فلا والأصل عند أبي يوسف أنه إذا صار مقتولا بعمل الحراب والقتال كان شهيدا وإلا فلا سواء كان منسوبا إلى العدو أو لا والأصل عند الحسن بن زياد أنه إذا صار مقتولا بمباشرة العدو بحيث لو وجد ذلك القتل فيما بين المسلمين في دار الإسلام لا يخلو عن وجوب قصاص أو كفارة كان شهيدا وإذا صار مقتولا بالتسبب لم يكن شهيدا وجنس هذه المسائل في الزيادات فصل وأما حكم الشهادة في الدنيا فنقول إن الشهيد كسائر الموتى في أحكام الدنيا وإنما يخالفهم في حكمين أحدهما أنه لا يغسل عند عامة العلماء وقال الحسن البصري يغسل لأن الغسل كرامة لبني آدم والشهيد يستحق الكرامة حسبما يستحقه غيره بل أشد فكان الغسل في حقه أوجب ولهذا يغسل المرتث ومن قتل بحق فكذا الشهيد ولأن غسل الميت وجب تطهيرا له ألا ترى أنه إنما تجوز الصلاة عليه بعد غسله لا قبله والشهيد يصلى عليه فيغسل أيضا تطهيرا له وإنما لم تغسل شهداء أحد تخفيفا على الأحياء لكون أكثر الناس كان مجروحا لما أن ذلك اليوم كان يوم بلاء وتمحيص فلم يقدروا على غسلهم ولنا ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في شهداء أحد زملوهم بكلومهم ودمائهم فإنهم يبعثون يوم القيامة وأوداجهم تشخب دما اللون لون الدم والريح ريح المسك وفي بعض الروايات زملوهم بدمائهم ولا تغسلوهم فإنه ما من جريح يجرح في سبيل الله إلا وهو يأتي يوم القيامة وأوداجه تشخب دما اللون لون الدم والريح ريح المسك وهذه الرواية أعم فالنبي صلى الله عليه وسلم لم يأمر بالغسل وبين المعنى وهو أنهم يبعثون يوم القيامة وأوداجهم تشخب دما فلا يزال عنهم الدم بالغسل ليكون شاهدا لهم يوم القيامة وبه تبين أن ترك غسل الشهيد من باب الكرامة له وإن الشهادة جعلت مانعة عن حلول نجاسة الموت كما في شهداء أحد وما ذكر من تعذر الغسل غير سديد لما بينا أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بأن يزملوهم بدمائهم وبين المعنى ولأن الجراحات التي أصابتهم لما لم تكن مانعة لهم من الحفر والدفن كيف صارت مانعة من الغسل وهو أيسر من الحفر والدفن ولأن ترك الغسل لو كان للتعذر لأمر أن يتيمموا ( ( ( ييمموا ) ) ) كما لو تعذر غسل الميت في زماننا لعدم الماء والدليل عليه أنه كما لم تغسل شهداء أحد لم تغسل شهداء بدر والخندق وخيبر وما ذكر من التعذر لم يكن يومئذ ولذا لم يغسل عثمان وعمار وكان بالمسلمين قوة فدل أنهم فهموا من ترك الغسل على قتلى أحد غير ما فهم الحسن

قسم V01/P323–V01/P325Kâsânî — Bedâ'i'u's-Sanâi' (Hanefî) (s. V01/P323–V01/P325)

والثاني أنه يكفن في ثيابه لقول النبي صلى الله عليه وسلم زملوهم بدمائهم وقد روي في ثيابهم وروينا عن عمار وزيد بن صوحان أنهما قالا لا تنزعوا عني ثوبا الحديث غير أنه ينزع عنه الجلد والسلاح والفرو والحشو والخف والمنطقة والقلنسوة وعند الشافعي لا ينزع عنه شيء مما ذكرنا لقوله عليه الصلاة والسلام زملوهم بثيابهم ولنا ما روي عن علي رضي الله عنه أنه قال تنزع عنه العمامة والخفين والقلنسوة وهذا لأن ما يترك يترك ليكون كفنا والكفن ما يلبس للستر وهذه الأشياء تلبس إما للتجمل والزينة أو لدفع البرد أو لدفع مغرة ( ( ( معرة ) ) ) السلاح ولا حاجة للميت إلى شيء من ذلك فلم يكن شيء من ذلك كفنا وبه تبين أن المراد من قوله صلى الله عليه وسلم زملوهم بثيابهم الثياب التي يكفن بها وتلبس للستر ولأن هذا عادة أهل الجاهلية فإنهم كانوا يدفنون أبطالهم بما عليهم من الأسلحة وقد نهينا عن التشبه بهم ويزيدون في أكفانهم ما شاؤوا وينقصون ما شاؤوا لما روي أن حمزة رضي الله عنه كان عليه نمرة لو غطي رأسه بها بدت رجلاه ولو غطيت بها رجلاه بدا رأسه فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يغطى بها رأسه ويوضع على رجليه شيء من الإذخر وذاك زيادة في الكفن ولأن الزيادة على ما عليه حتى يبلغ عدد السنة من باب الكمال فكان لهم ذلك والنقصان من باب دفع الضرر عن الورثة لجواز أن يكون عليه من الثياب ما يضر تركه بالورثة فأما فيما سوى ذلك فهو كغيره من الموتى وقال الشافعي أنه لا يصلى عليه كما لا يغسل واحتج بما روي عن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم ما صلى على أحد من شهداء أحد ولأن الصلاة على الميت شفاعة له ودعاء لتمحيص ذنوبه والشهيد قد تطهر بصفة الشهادة عن دنس الذنوب على ما قال النبي صلى الله عليه وسلم السيف محاء للذنوب فاستغنى عن ذلك كما استغنى عن الغسل ولأن الله تعالى وصف الشهداء بأنهم أحياء في كتابه والصلاة على الميت لا على الحي ولنا ما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى على شهداء أحد صلاة الجنازة حتى روي أنه صلى على حمزة سبعين صلاة وبعضهم أولوا ذلك بأنه كان يؤتي بواحد واحد فيصلي عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وحمزة رضي الله عنه بين يديه فظن الراوي أنه كان يصلي على حمزة في كل مرة فروي أنه صلى عليه سبعين صلاة ويحتمل أنه كان ذلك على حسب الرواية وكان مخصوصا بتلك الكرامة وما روي عن جابر رضي الله عنه فغير صحيح وقيل أنه كان يومئذ مشغولا فإنه قتل أبوه وأخوه وخاله فرجع إلى المدينة ليدبر كيف يحملهم إلى المدينة فلم يكن حاضرا حين صلى النبي صلى الله عليه وسلم عليهم فلهذا روي ما روي ومن شاهد النبي صلى الله عليه وسلم قد روي أنه صلى عليهم ثم سمع جابر منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تدفن القتلى في مصارعهم فرجع فدفنهم فيها ولأن الصلاة على الميت لإظهار كرامته ولهذا اختص بها المسلمون دون الكفرة والشهيد أولى بالكرامة وما ذكر من حصول الطهارة بالشهادة فالعبد وإن جل قدره لا يستغنى عن الدعاء ألا ترى أنهم صلوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا شك أن درجته كانت فوق درجة الشهداء وإنما وصفهم بالحياة في حق أحكام الآخرة ألا ترى إلى قوله تعالى بل أحياء عند ربهم يرزقون فأما في حق أحكام الدنيا فالشهيد ميت يقسم ماله وتنكح امرأته بعد انقضاء العدة ووجوب الصلاة عليه من أحكام الدنيا فكان ميتا فيه فيصلى عليه والله أعلم بالصواب وإليه المرجع والمآب كتاب الزكاة الكلام في هذا الكتاب في الأصل في موضعين في بيان أنواع الزكاة وفي بيان حكم كل نوع منها أما الأول فالزكاة في الأصل نوعان فرض وواجب فالفرض زكاة المال والواجب زكاة الرأس وهي صدقة الفطر

قسم V01/P325–V02/P002Kâsânî — Bedâ'i'u's-Sanâi' (Hanefî) (s. V01/P325–V02/P002)

وزكاة المال نوعان زكاة الذهب والفضة وأموال التجارة والسوائم وزكاة الزروع والثمار وهي العشر أو نصف العشر أما الأول فالكلام فيها يقع في مواضع في بيان فرضيتها وفي بيان كيفية الفرضية وفي بيان سبب الفرضية وفي بيان ركنها وفي بيان شرائط الركن وفي بيان ما يسقطها بعد وجوبها أما الأول فالدليل على فرضيتها الكتاب والسنة والإجماع والمعقول أما الكتاب فقوله تعالى وآتوا الزكاة وقوله عز وجل خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها وقوله عز وجل في أموالهم حق معلوم للسائل والمحروم والحق المعلوم هو الزكاة وقوله والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله الآية فكل مال لم تؤد زكاته فهو كنز لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال كل مال أديت الزكاة عنه فليس بكنز وإن كان تحت سبع أرضين وكل مال لم تؤد الزكاة عنه فهو كنز وإن كان على وجه الأرض فقد ألحق الوعيد الشديد بمن كنز الذهب والفضة ولم ينفقها في سبيل الله ولا يكون ذلك إلا بترك الفرض وقوله تعالى يا أيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم وأداء الزكاة إنفاق في سبيل الله وقوله تعالى وأحسنوا إن الله يحب المحسنين وقوله تعالى وتعاونوا على البر والتقوى وإيتاء الزكاة من باب الإحسان والإعانة على البر والتقوى وأما السنة فما ورد في المشاهير عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال بني الإسلام على خمس شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وحج البيت من استطاع إليه سبيلا وروي عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال عام حجة الوداع اعبدوا ربكم وصلوا خمسكم وصوموا شهركم وحجوا بيت ربكم وأدوا زكاة أموالكم طيبة بها أنفسكم تدخلوا جنة ربكم وروي عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ما من صاحب ذهب ولا فضة لا يؤدي حقها إلا جعلت له يوم القيامة صفائح ثم أحمي عليها في نار جهنم فيكوى بها جنبه وجبهته وظهره في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة حتى يقضى بين الناس فيرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار وما من صاحب بقر ولا غنم لا يؤدي حقها إلا أتي بها يوم القيامة تطؤه بأظلافها وتنطحه بقرونها ثم ذكر فيه ما ذكر في الأول قالوا يا رسول الله فصاحب الخيل قال الخيل ثلاث لرجل أجر ولرجل ستر ولرجل وزر فأما من ربطها عدة في سبيل الله فإنه لو طول لها في مرج خصب أو في روضة كتب الله له عدد ما أكلت حسنات وعدد أرواثها حسنات وإن مرت بنهر عجاج لا يريد منه السقي فشربت كتب الله له عدد ما شربت حسنات ومن ارتبطها عزا وفخرا على المسلمين كانت له وزرا يوم القيامة ومن ارتبطها تغنيا وتعففا ثم لم ينس حق الله تعالى في رقابها وظهورها كانت له سترا من النار يوم القيامة وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ما من صاحب غنم لا يؤدي زكاتها إلا بطح لها يوم القيامة بقاع قرقر تطؤه ( ( ( تطؤها ) ) ) بأظلافها وتنطحه بقرونها

قسم V02/P002–V02/P003Kâsânî — Bedâ'i'u's-Sanâi' (Hanefî) (s. V02/P002–V02/P003)

وروي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال في مانعي زكاة الغنم والإبل والبقر والفرس لا ( ( ( لألفين ) ) ) ألفين أحدكم يأتي يوم القيامة وعلى عاتقه شاة تيعر يقول يا محمد يا محمد فأقول لا أملك لك من الله شيئا ألا قد بلغت ولا ( ( ( ولألفين ) ) ) ألفين أحدكم يأتي يوم القيامة وعلى عاتقه بعير له رغاء فيقول يا محمد يا محمد فأقول لا أملك لك من الله شيئا ألا قد بلغت ولا ( ( ( ولألفين ) ) ) ألفين أحدكم يأتي يوم القيامة وعلى عاتقه بقرة لها خوار فيقول يا محمد يا محمد فأقول لا أملك لك من الله شيئا ألا قد بلغت ولا ( ( ( ولألفين ) ) ) ألفين أحدكم يوم القيامة وعلى عاتقه فرس له حمحمة فيقول يا محمد يا محمد فأقول لا أملك لك من الله شيئا ألا قد بلغت والأحاديث في الباب كثيرة وأما الإجماع فلأن الأمة أجمعت على فرضيتها وأما المعقول فمن وجوه أحدها أن أداء الزكاة من باب إعانة الضعيف وإغاثة اللهيف وإقدار العاجز وتقويته على أداء ما افترض الله عز وجل عليه من التوحيد والعبادات والوسيلة إلى أداء المفروض مفروض والثاني أن الزكاة تطهر نفس المؤدي عن أنجاس الذنوب وتزكي أخلاقه بتخلق الجود والكرم وترك الشح والضن إذ الأنفس مجبولة على الضن بالمال فتتعود السماحة وترتاض لأداء الأمانات وإيصال الحقوق إلى مستحقيها وقد تضمن ذلك كله قوله تعالى خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها والثالث إن الله تعالى قد أنعم على الأغنياء وفضلهم بصنوف النعمة والأموال الفاضلة عن الحوائج الأصلية وخصهم بها فيتنعمون ويستمتعون بلذيذ العيش وشكر النعمة فرض عقلا وشرعا وأداء الزكاة إلى الفقير من باب شكر النعمة فكان فرضا فصل وأما كيفية فرضيتها فقد اختلف فيها ذكر الكرخي أنها على الفور وذكر في المنتقى ما يدل عليه فإنه قال إذا لم يؤد الزكاة حتى مضى حولان فقد أساء وأثم ولم يحل له ما صنع وعليه زكاة حول واحد وعن محمد إن من لم يؤد الزكاة لم تقبل شهادته وروي عنه أن التأخير لا جوز ( ( ( يجوز ) ) ) وهذا نص على الفور وهو ظاهر مذهب الشافعي وذكر الجصاص أنها على التراخي واستدل بمن عليه الزكاة إذا هلك نصابه بعد تمام الحول والتمكن من الأداء أنه لا يضمن ولو كانت واجبة على الفور لضمن كمن أخر صوم شهر رمضان عن وقته أنه يجب عليه القضاء وذكر أبو عبد الله الثلجي عن أصحابنا أنها تجب وجوبا موسعا وقال عامة مشايخنا أنها على سبيل التراخي ومعنى التراخي عندهم أنها تجب مطلقا عن الوقت غير عين ففي أي وقت أدى يكون مؤديا للواجب ويتعين ذلك الوقت للوجوب وإذا لم يؤد إلى آخر عمره يتضيق عليه الوجوب بأن بقي من الوقت قدر ما يمكنه الأداء فيه وغلب على ظنه أنه لو لم يؤد فيه يموت فيفوت فعند ذلك يتضيق عليه الوجوب حتى أنه لو لم يؤد فيه حتى مات يأثم وأصل المسألة أن الأمر المطلق عن الوقت هل يقتضي وجوب الفعل على الفور أم على التراخي كالأمر بقضاء صوم رمضان والأمر بالكفارات والنذور المطلقة وسجدة التلاوة ونحوها فهو على الاختلاف الذي ذكرنا وقال إمام الهدى الشيخ أبو منصور الماتريدي السمرقندي أنه يجب تحصيل لفعل ( ( ( الفعل ) ) ) على الفور وهو الفعل في أول أوقات الإمكان ولكن عملا لا اعتقادا على طريق التعيين بل مع الاعتقاد المبهم أن ما أراد الله به من الفور والتراخي فهو حق وهذه من مسائل أصول الفقه ويجوز أن تبنى مسألة هلاك النصاب على هذا الأصل لأن الوجوب لما كان على التراخي عندنا لم يكن بتأخيره الأداء عن أول أوقات الإمكان مفرطا فلا يضمن وعنده لما كان الوجوب على الفور صار مفرطا ( لتأخيره ) فيضمن ويجوز أن تبنى على أصل آخر نذكره في بيان صفة الواجب إن شاء الله تعالى

قسم V02/P003Kâsânî — Bedâ'i'u's-Sanâi' (Hanefî) (s. V02/P003)

فصل وأما سبب فرضيتها فالمال لأنها وجبت شكرا لنعمة المال ولذا تضاف إلى المال فيقال زكاة المال والإضافة في مثل هذا يراد بها السببية كما يقال صلاة الظهر وصوم الشهر وحج البيت ونحو ذلك فصل وأما شرائط الفرضية فأنواع بعضها يرجع إلى من عليه وبعضها يرجع إلى المال أما الذي يرجع إلى من عليه فأنواع أيضا منها إسلامه حتى لا تجب على الكافر في حق أحكام الآخرة عندنا لأنها عبادة والكفار غير مخاطبين بشرائع هي عبادات هو الصحيح من مذهب أصحابنا خلافا للشافعي وهي من مسائل أصول الفقه وأما في حق أحكام الدنيا فلا خلاف في أنها لا تجب على الكافر الأصلي حتى لا يخاطب بالأداء بعد الإسلام كالصوم والصلاة وأما المرتد فكذلك عندنا حتى إذا مضى عليه الحول وهو مرتد فلا زكاة عليه حتى لا يجب عليه أداؤها إذا أسلم وعند الشافعي تجب عليه في حال الردة ويخاطب بأدائها بعد الإسلام وعلى هذا الخلاف الصلاة وجه قوله أنه أهل للوجوب لقدرته على الأداء بواسطة الطهارة فكان ينبغي أن يخاطب الكافر الأصلي بالأداء بعد الإسلام إلا أنه سقط عنه الأداء رحمة عليه وتخفيفا له والمرتد لا يستحق التخفيف لأنه رجع بعد ما عرف محاسن الإسلام فكان كفره أغلظ فلا يلحق به ولنا قول النبي الإسلام يجب ما قبله ولأن الزكاة عبادة والكافر ليس من أهل العبادة لعدم شرط الأهلية وهو الإسلام فلا يكون من أهل وجوبها كالكافر الأصلي وقوله إنه قادر على الأداء بتقديم شرطه وهو الإيمان فاسد لأن الإيمان أصل والعبادات توابع له بدليل أنه لا يتحقق الفعل عبادة بدونه والإيمان عبادة بنفسه وهذه آية التبعية ولهذا لا يجوز أن يرتفع الإيمان عن الخلائق بحال من الأحوال في الدنيا والآخرة مع ارتفاع غيره من العبادات فكان هو عبادة بنفسه وغيره عبادة به فكان تبعا له فالقول بوجوب الزكاة وغيرها من العبادات بناء على تقديم الإيمان جعل التبع متبوعا والمتبوع تابعا وهذا قلب الحقيقة وتغيير الشريعة بخلاف الصلاة مع الطهارة لأن الصلاة أصل والطهارة تابعة لها فكان إيجاب الأصل إيجابا للتبع وهو الفرق ومنها العلم بكونها فريضة عند أصحابنا الثلاثة ولسنا نعني به حقيقة العلم بل السبب الموصل إليه وعند زفر ليس بشرط حتى إن الحربي لو أسلم في دار الحرب ولم يهاجر إلينا ومكث هناك سنين وله سوائم ولا علم له بالشرائع لا يجب عليه زكاتها حتى لا يخاطب بأدائها إذا خرج إلى دار الإسلام عندنا خلافا لزفر وقد ذكرنا المسألة في كتاب الصلاة وهل تجب عليه إذا بلغه رجل واحد في دار الحرب أو يحتاج فيه إلى العدد وقد ذكرنا الاختلاف فيه في كتاب الصلاة ومنها البلوغ عندنا فلا تجب على الصبي وهو قول علي وابن عباس فإنهما قالا لا تجب الزكاة على الصبي حتى تجب عليه الصلاة وعند الشافعي ليس بشرط وتجب الزكاة في مال الصبي ويؤديها الولي وهو قول ابن عمر وعائشة رضي الله عنهما وكان ابن مسعود رضي الله عنه يقول يحصي الولي أعوام اليتيم فإذا بلغ أخبره وهذا إشارة إلى أنه تجب الزكاة لكن ليس للولي ولاية الأداء وهو قول ابن أبي ليلى حتى قال لو أداها الولي من ماله ضمن ومن أصحابنا من بنى المسألة على أصل وهو أن الزكاة عبادة عندنا والصبي ليس من أهل وجوب العبادة فلا تجب عليه كما لا يجب عليه الصوم والصلاة وعند الشافعي حق العبد والصبي من أهل وجوب حقوق العباد كضمان المتلفات وأروش الجنايات ونفقة الأقارب والزوجات والخراج والعشر وصدقة الفطر ولئن ( ( ( ولإن ) ) ) كانت عبادة فهي عبادة مالية تجري فيها النيابة حتى تتأدى بأداء الوكيل والولي نائب الصبي فيها فيقوم مقامه في إقامة هذا الواجب بخلاف العبادات البدنية لأنها لا تجري فيها النيابة ومنهم من تكلم فيها ابتداء أما الكلام فيها على وجه البناء فوجه قوله النص ودلالة الإجماع والحقيقة أما النص فقوله تعالى إنما الصدقات للفقراء

قسم V02/P003–V02/P004Kâsânî — Bedâ'i'u's-Sanâi' (Hanefî) (s. V02/P003–V02/P004)

وقوله عز وجل في أموالهم حق معلوم للسائل والمحروم والإضافة بحرف اللام تقتضي الاختصاص بجهة الملك إذا كان المضاف إليه من أهل الملك وأما دلالة الإجماع فلأنا أجمعنا على أن من عليه الزكاة إذا وهب جميع النصاب من الفقير ولم تحضره النية تسقط عنه الزكاة والعبادة لا تتأدى بدون النية ولذا يجري فيها الجبر والاستخلاف ( ( ( والاستحلاف ) ) ) من الساعي وإنما يجريان في حقوق العباد وكذا يصح توكيل الذمي بأداء الزكاة والذمي ليس من أهل العبادة وأما الحقيقة فإن الزكاة تمليك المال من الفقير والمنتفع بها هو الفقير فكانت حق الفقير والصبا لا يمنع حقوق العباد على ما بينا ولنا قول النبي بني الإسلام على خمس شهادة أن لا إله إلا الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وحج البيت من استطاع إليه سبيلا وما بني عليه الإسلام يكون عبادة والعبادات التي تحتمل السقوط تقدر في الجملة فلا تجب على الصبيان كالصوم والصلاة وأما الآية فالمراد من الصدقة المذكورة فيها محل الصدقة وهو المال لا نفس الصدقة لأنها اسم للفعل وهو إخراج المال إلى الله تعالى وذلك حق الله تعالى لا حق الفقير وكذلك الحق المذكور في الآية الأخرى المراد منه المال وذا ليس بزكاة بل هو محل الزكاة وسقوط الزكاة بهبة النصاب من الفقير لوجود النية دلالة والجبر على الأداء ليؤدي من عليه بنفسه لا ينافي العبادة حتى لو مد يده وأخذه من غير أداء من عليه لا تسقط عنه الزكاة عندنا وجريان الاستخلاف لثبوت ولاية المطالبة للساعي ليؤدي من عليه باختياره وهذا لا يقتضي كون الزكاة حق العبد وإنما جازت بأداء الوكيل لأن المؤدي في الحقيقة هو الموكل والخراج ليس بعبادة بل هو مؤنة الأرض وصدقة الفطر ممنوعة على قول حمد ( ( ( محمد ) ) ) وأما على قول أبي حنيفة وأبي يوسف فلأنها مؤنة من وجه قال النبي أدوا عمن تمونون فتجب بوصف المؤنة لا بوصف العبادة وهو الجواب عن العشر وأما الكلام في المسألة على وجه الابتداء فالشافعي احتج بما روى عن النبي أنه قال ابتغوا في أموال اليتامى خيرا كيلا تأكلها الصدقة ولو لم تجب الزكاة في مال اليتيم ما كانت الصدقة تأكلها وروي عنه أنه قال من ولي يتيما فليؤد زكاة ماله وروي من ولي يتيما فليزك ماله ولعمومات الزكاة من غير فصل بين البالغين والصبيان ولأن سبب وجوب الزكاة ملك النصاب وقد وجد فتجب الزكاة فيه كالبالغ ولنا أنه لا سبيل إلى الإيجاب على الصبي لأنه مرفوع القلم بالحديث ولأن إيجاب الزكاة إيجاب الفعل وإيجاب الفعل على العاجز عن الفعل تكليف ما ليس في الوسع ولا سبيل إلى الإيجاب على الولي ليؤدي من مال الصبي لأن الولي منهي عن قربان مال اليتيم إلا على وجه الأحسن بنص الكتاب وأداء الزكاة من ماله قربان ماله لا على وجه الأحسن لما ذكرنا في الخلافيات والحديثان غريبان أو من الآحاد فلا يعارضان الكتاب مع ما أن اسم الصدقة يطلق على النفقة قال نفقة الرجل على نفسه صدقة وعلى عياله صدقة وفي الحديث ما يدل عليه لأنه أضاف الأكل إلى جميع المال والنفقة هي التي تأكل الجميع لا الزكاة أو تحمل الصدقة والزكاة على صدقة الفطر لأنها تسمى زكاة وأما قوله من ولي يتيما فليزك ماله أي ليتصرف في ماله كي ينمو ماله إذ التزكية هي التنمية توفيقا بين الدلائل وعمومات الزكاة لا تتناول الصبيان أو هي مخصوصة فتخص المتنازع فيه بما ذكرنا والله أعلم

قسم V02/P004–V02/P005Kâsânî — Bedâ'i'u's-Sanâi' (Hanefî) (s. V02/P004–V02/P005)

ومنها العقل عندنا فلا تجب الزكاة في مال المجنون جنونا أصليا وجملة الكلام فيه أن الجنون نوعان أصلي وطارىء ( ( ( وطارئ ) ) ) أما الأصلي وهو أن يبلغ مجنونا فلا خلاف بين أصحابنا أنه يمنع انعقاد الحول على النصاب حتى لا يجب عليه أداء زكاة ما مضى من الأحوال بعد الإفاقة وإنما يعتبر ابتداء الحول من وقت الإفاقة لأنه الآن صار أهلا لأن ينعقد الحول على ماله كالصبي إذا بلغ أنه لا يجب عليه أداء زكاة ما مضى من زمان الصبا وإنما يعتبر ابتداء الحول على ماله من وقت البلوغ عندنا كذا هذا ولهذا منع وجوب الصلاة والصوم كذا الزكاة وأما الجنون الطارىء فإن دام سنة كاملة فهو في حكم الأصلي ألا ترى أنه في حق الصوم كذلك كذا في حق الزكاة لأن السنة في الزكاة كالشهر في الصوم والجنون المستوعب للشهر يمنع وجوب الصوم فالمستوعب للسنة يمنع وجوب الزكاة ولهذا يمنع وجوب الصلاة والحج فكذا الزكاة وإن كان في بعض السنة ثم أفاق روي عن محمد في النوادر أنه إن أفاق في شيء من السنة وإن كان ساعة من الحول من أوله أو وسطه أو آخره تجب زكاة ذلك الحول وهو رواية ابن سماعة عن أبي يوسف أيضا وروى هشام عنه أنه قال إن أفاق أكثر السنة وجبت وإلا فلا وجه هذه الرواية أنه إذا كان في أكثر السنة مفيقا فكأنه كان مفيقا في جميع السنة لأن للأكثر حكم الكل في كثير من الأحكام خصوصا فيما يحتاط فيه وجه الرواية الأخرى وهو قول محمد هو اعتبار الزكاة بالصوم وهو اعتبار صحيح لأن السنة للزكاة كالشهر للصوم ثم الإفاقة في جزء من الشهر يكفي لوجوب صوم الشهر كذا الإفاقة في جزء من السنة تكفي لانعقاد الحول على المال وأما الذي يجن ويفيق فهو كالصحيح وهو بمنزلة النائم والمغمى عليه ومنها الحرية لأن الملك من شرائط الوجوب لما نذكر والمملوك لا ملك له حتى لا تجب الزكاة على العبد وإن كان مأذونا له في التجارة لأنه إن لم يكن عليه دين فكسبه لمولاه وعلى المولى زكاته وإن كان عليه دين محيط بكسبه فالمولى لا يملك كسب عبده المأذون المديون عند أبي حنيفة فلا زكاة فيه على أحد وعند أبي يوسف ومحمد إن كان يملكه لكنه مشغول بالدين والمال المشغول بالدين لا يكون مال الزكاة وكذا المدبر وأم الولد لما قلنا وكذا لا زكاة على المكاتب في كسبه لأنه ليس ملكه حقيقة لقيام الرق فيه بشهادة النبي المكاتب عبد ما بقي عليه درهم والعبد اسم للمرقوق والرق ينافي الملك وأما المستسعى فحكمه حكم المكاتب في قول أبي حنيفة وعندهما هو حر مديون فينظر إن كان فضل عن سعايته ما يبلغ نصابا تجب الزكاة عليه وإلا فلا ومنها أن لا يكون عليه دين مطالب به من جهة العباد عندنا فإن كان فإنه يمنع وجوب الزكاة بقدره حالا كان أو مؤجلا وعند الشافعي هذا ليس بشرط والدين لا يمنع وجوب الزكاة كيفما كان احتج الشافعي بعمومات الزكاة من غير فصل ولأن سبب وجوب الزكاة ملك النصاب وشرطه أن يكون معدا للتجارة أو للإسامة وقد وجد أما الملك فظاهر لأن المديون مالك لماله لأن دين الحر الصحيح يجب في ذمته ولا يتعلق بماله ولهذا يملك التصرف فيه كيف شاء وأما الإعداد للتجارة أو الإسامة فلأن الدين لا ينافي ذلك والدليل عليه أنه ( لا يمنع ) وجوب العشر

قسم V02/P005–V02/P006Kâsânî — Bedâ'i'u's-Sanâi' (Hanefî) (s. V02/P005–V02/P006)

ولنا ما روي عن عثمان رضي الله عنه أنه خطب في شهر رمضان وقال في خطبته ألا إن شهر زكاتكم قد حضر فمن كان له مال وعليه دين فليحسب ماله بما عليه ثم ليزك بقية ماله وكان بمحضر من الصحابة ولم ينكر عليه أحد منهم فكان ذلك إجماعا منهم على أنه لا تجب الزكاة في القدر المشغول بالدين وبه تبين أن مال المديون خارج عن عمومات الزكاة ولأنه محتاج إلى هذا المال حاجة أصلية لأن قضاء الدين من الحوائج الأصلية والمال المحتاج إليه حاجة أصلية لا يكون مال الزكاة لأنه لا يتحقق به الغني ولا صدقة إلا عن ظهر غنى على لسان رسول الله وقد خرج الجواب عن قوله أنه وجد سبب الوجوب وشرطه لأن صفة الغنى مع ذلك شرط ولا يتحقق مع الدين مع ما أن ملكه في النصاب ناقص بدليل أن لصاحب الدين إذا ظفر بجنس حقه أن يأخذ ( ( ( يأخذه ) ) ) من غير قضاء ولا رضاء ( ( ( إرضاء ) ) ) وعند الشافعي له ذلك في الجنس وخلاف الجنس وذا آية عدم الملك كما في الوديعة والمغصوب فلأن يكون دليل نقصان الملك أولى وأما العشر فقد روى ابن المبارك عن أبي حنيفة أن الدين يمنع وجوب العشر فيمنع على هذه الرواية وأما على ظاهر الرواية فلأن العشر مؤنة الأرض النامية كالخراج فلا يعتبر فيه غنى المالك ولهذا لا يعتبر فيه أصل الملك عندنا حتى يجب في الأراضي الموقوفة وأرض المكاتب بخلاف الزكاة فإنه لا بد فيها من غنى المالك والغنى لا يجامع الدين وعلى هذا يخرج مهر المرأة فإنه يمنع وجوب الزكاة عندنا معجلا كان أو مؤجلا لأنها إذا طالبته يؤاخذ به وقال بعض مشايخنا إن المؤجل لا يمنع لأنه غير مطالب به عادة فأما المعجل فيطالب به عادة فيمنع وقال بعضهم إن كان الزوج على عزم من قضائه يمنع وإن لم يكن على عزم القضاء لا يمنع لأنه لا يعده دينا وإنما يؤاخذ المرء بما عنده في الأحكام وذكر الشيخ الإمام أبو بكر محمد بن الفضل البخاري في الإجارة الطويلة التي تعارفها أهل بخارى أن الزكاة في الأجرة المعجلة تجب على الآجر لأنه ملكه قبل الفسخ وإن كان يلحقه دين بعد الحول بالفسخ وقال بعض مشايخنا أنه يجب على المستأجر أيضا لأنه يعد ذلك مالا موضوعا عند الآجر وقالوا في البيع الذي اعتاده أهل سمرقند وهو بيع الوفاء إن الزكاة على البائع في ثمنه إن بقي حولا لأنه ملكه وبعض مشايخنا قالوا يجب أن يلزم المشتري أيضا لأنه يعده مالا موضوعا عند البائع فيؤاخذ ( بما عنده ) وقالوا فيمن ضمن الدرك فاستحق المبيع أنه إن كان في الحول يمنع لأن المانع قارن الموجب فيمنع الوجوب فأما إذا استحق بعد الحول لا يسقط الزكاة لأنه دين حادث لأن الوجوب مقتصر على حالة الاستحقاق وإن كان الضمان سببا حتى اعتبر من جميع المال وإذا اقتصر وجوب الدين لم يمنع وجوب الزكاة قبله وأما نفقة الزوجات فما لم يصر دينا إما بفرض القاضي أو بالتراضي لا يمنع لأنها تجب شيئا فشيئا فتسقط إذا لم يوجد قضاء القاضي أو التراضي وتمنع إذا فرضت بقضاء القاضي أو بالتراضي لصيرورته دينا وكذا نفقة المحارم تمنع إذا فرضها القاضي في مدة قصيرة نحو ما دون الشهر فتصير دينا فأما إذا كانت المدة طويلة فلا تصير دينا بل تسقط لأنها صلة محضة بخلاف نفقة الزوجات إلا أن القاضي يضطر إلى الفرض في الجملة في نفقة المحارم أيضا لكن الضرورة ترتفع بأدنى المدة وقال بعض مشايخنا إن نفقة المحارم تصير دينا أيضا بالتراضي في المدة اليسيرة وقالوا دين الخراج يمنع وجوب الزكاة لأنه مطالب به وكذا إذا صار العشر دينا في ذمته بأن أتلف الطعام العشري صاحبه فأما وجوب العشر فلا يمنع لأنه متعلق بالطعام يبقى ببقائه ويهلك بهلاكه والطعام ليس مال التجارة حتى يصير مستحقا بالدين

قسم V02/P006–V02/P007Kâsânî — Bedâ'i'u's-Sanâi' (Hanefî) (s. V02/P006–V02/P007)

وأما الزكاة الواجبة في النصاب أو دين الزكاة بأن أتلف مال الزكاة حتى انتقل من العين إلى الذمة فكل ذلك يمنع وجوب الزكاة في قول أبي حنيفة ومحمد سواء كان في الأموال الظاهرة أو الباطنة وقال زفر لا يمنع كلاهما وقال أبو يوسف وجوب الزكاة في النصاب يمنع فأما دين الزكاة فلا يمنع هكذا ذكر الكرخي قول زفر ولم يفصل بين الأموال الظاهرة والباطنة وذكر القاضي في شرحه مختصر الطحاوي أن هذا مذهبه في الأموال الباطنة من الذهب والفضة وأموال التجارة ووجه هذا القول ظاهر لأن الأموال الباطنة لا يطالب الإمام بزكاتها فلم يكن لزكاتها مطالب من جهة العباد سواء كانت في العين أو في الذمة فلا يمنع وجوب الزكاة كديون الله تعالى من الكفارات والنذور وغيرها بخلاف الأموال الظاهرة لأن الإمام يطالب بزكاتها وأما وجه قوله الآخر فهو أن الزكاة قربة فلا يمنع وجوب الزكاة كدين النذور والكفارات ولأبي يوسف الفرق بين وجوب الزكاة وبين دينها هو أن دين الزكاة في الذمة لا يتعلق بالنصاب فلا يمنع الوجوب كدين الكفارات والنذور وأما وجوب الزكاة فمتعلق بالنصاب إذ الواجب جزء من النصاب واستحقاق جزء من النصاب يوجب النصاب إذ المستحق كالمصروف وحكي أنه قيل لأبي يوسف ما حجتك على زفر فقال ما حجتي على من يوجب في مائتي درهم أربعمائة درهم والأمر على ما قاله أبو يوسف لأنه إذا كان له مائتا درهم فلم يؤد زكاتها سنين كثيرة يؤدي إلى إيجاب الزكاة في المال أكثر منه بأضعافه وأنه قبيح ولأبي حنيفة ومحمد أن كل ذلك دين مطالب به من جهة العباد أما زكاة السوائم فلأنها يطالب بها من جهة السلطان عينا كان أو دينا ولهذا يستحلف إذا أنكر الحول أو أنكر كونه للتجارة أو ما أشبه ذلك فصار بمنزلة ديون العباد وأما زكاة التجارة فمطالب بها أيضا تقديرا لأن حق الأخذ للسلطان وكان يأخذها رسول الله وأبو بكر وعمر رضي الله عنهما إلى زمن عثمان رضي الله عنه فلما كثرت الأموال في زمانه وعلم أن في تتبعها زيادة ضرر بأربابها رأى المصلحة في أن يفوض الأداء إلى أربابها بإجماع الصحابة فصار أرباب الأموال كالوكلاء عن الإمام ألا ترى أنه قال من كان عليه دين فليؤده وليزك ( ( ( وليترك ) ) ) ما بقي من ماله فهذا توكيل لأرباب الأموال بإخراج الزكاة فلا يبطل حق الإمام عن الأخذ ولهذا قال أصحابنا إن الإمام إذا علم من أهل بلدة أنهم يتركون أداء الزكاة من الأموال الباطنة فإنه يطالبهم بها لكن إذا أراد الإمام أن يأخذها بنفسه من غير تهمة الترك من أربابها ليس له ذلك لما فيه من مخالفة إجماع الصحابة رضي الله عنهم وبيان ذلك أنه إذا كان لرجل مائتا درهم أو عشرون ( ( ( عشرين ) ) ) مثقال ذهب فلم يؤد زكاته سنتين يزكي السنة الأولى وليس عليه للسنة الثانية شيء عند أصحابنا الثلاثة وعند زفر يؤدي زكاة سنتين وكذا هذا في مال التجارة وكذا في السوائم إذا كان له خمس من الإبل السائمة مضى عليها سنتان ولم يؤد زكاتها أنه يؤدي زكاة السنة الأولى وذلك شاة ولا شيء عليه للسنة الثانية ولو كانت عشرا وحال عليها حولان يجب للسنة الأولى شاتان وللثانية شاة ولو كانت الإبل خمسا وعشرين يجب للسنة الأولى بنت مخاض وللسنة الثانية أربع شياه ولو كان له ثلاثون من البقر السوائم يجب للسنة الأولى تبيع أو تبيعة ولا شيء للسنة الثانية وإن كانت أربعين يجب للسنة الأولى مسنة وللثانية تبيع أو تبيعة وإن كان له أربعون من الغنم عليه للسنة الأولى شاة ولا شيء للسنة الثانية وإن كانت مائة وإحدى وعشرين عليه للسنة الأولى شاتان وللسنة الثانية شاة ولو لحقه دين مطالب به من جهة العباد في خلال الحول هل ينقطع حكم الحول قال أبو يوسف لا ينقطع حتى إذا سقط بالقضاء أو بالإبراء قبل تمام الحول تلزمه الزكاة إذا تم الحول

%0
10 Bölüm