كرجل يقول: حتى اتخذ معاشا يقيمني ويكفيني من غلة، أو مال للتجارة، أو كرجل يقول: حتى يموت عيالي لعلهم إن يموتوا فأترك ما أنا فيه ، لأني لا أقوى على التوبة مع العيال، أو حتى يموت والدي، أو حتى أخرج من هذه البلدة ، لأني لا أعلم فيها ولا أقوى على ترك مخالطة الناس ولاترك الاكتساب فيما لا يحل. فهذها الفرقة تقيم على المعاصي وتسوف التوبة، ولا تتوجته لطلب الخوف ولا تقوى عليه .ا وأهل المنزلة الثالثة : أهل العمى والجهل والشرود على الله عز وجل ، مقيمون على الذنوب، مغتبطون بما هم فيه من لذاتهم، لا يجدثون أنفسهم بالتوبة ولا يسوفونها فمنهم شبيه باليائس آن يتوب، لما هو فيه من غلبة المعاصي ومن سوء الغداء، ولعل كل ما هو فيه خبيث حرام، أو لما جنى من الجنايات التي لا يقوى على الخروج منها، كغضب الأموال وما أشبه ذلك، ومنهم من يخيل إليه أن ذنبه ليس بعظيم وأنه أمر هين لأنه خير فيما يرى، من هو أعظم ذنبا منه ، فلا يحدثون أنفسهم بالتوبة، ولا يضربون ها أجلا بالتسويف، فهؤلاء شرار المسلمين وفساق الموحدين() . انظر تفاصيل مناهج الفكرة التي رسمها الإمام المحاسبي في بابها من كتاب (آداب النفوس) له يصدر قريبا إن شاء الله. دار الجيل. بيروت. لبنان. بل ومن المتعبدين على جهل من هم آشر من هؤلاء، لأنهم لايرون تحريم ما يأتون من محرمات، 3 ============================================================ ها تقطع به التسويف للتوبة : قلت: فأهل المنزلتين الأولتين قبل هؤلاء : الذين يقيمون على بعض ويقلغون عن بعض، والذين يقيمون على الكل، وكلاهما يحب التوبة ، ويسوفها، فهما أقرب إلى التوبة، ومطالبتها عليهم آيسر من هذه الفرقة الثالثة، فبم يقطعان جميع التسويف قال : الذي يقطعان بإذن الله التسويف به خلتان : إحداهما : خوف المعاجلة بالموت أن يكون أجل الله عز وجل، في روحه قبل الأجل الذي أجله لتوبته فيموت بحسرته لم يبلغ أمله، ولم يتب من ذنبه ، فلا إلى الله عز وجل تاب، ولا بلغ من لذته ما أراد، فمات بغصة الدنيا والآخرة. والخلة الثانية : خوف آن يضرب الله عز وجل، قلبه بعقوبة مانعة له من التوبة من القسوة والرين أو الطبع أو المرض أو الإقفال، ويكون أجله مع ذلك مؤخرا .ا فيطول عمره بالسكرة والحيرة، فيكون إنما يملي له ليزداد إنما. فإذا خاف ذلك بادر بالتوبة خوفأ أن يبادر بالموت، فيموت مصرا على ما كره الله عز وجل . ويبادر بالتوبة خوفا أن يبادر بالموت، فيموت مصرا على ما كره الله عز وجل، ويبادر بالتوبة خوفا أن تحل عقوبة الله عز وجل بقلبه ، فيبقى في الدنيا حيران يزداد إنما، فإذا لم يأمن معاجلة بغتة الموت، أو معاجلة العقوبة بالقسوة خشي أن يؤخرها ساعة فيقع بإحدى هاتين الخلتين فالخوف لهما قاطع للتسويق ، لأ نه إذا قوي الخخوف من المعالحجة ضعف التسويف إذا ضعف الخوف . وضعف التسويف إذا قوي الخوف. والتسويف قاطع عن العمل. الم تسمع قول شداد بن أوس رضي الله عنه: أنذركم سوف. وقيل لرجل من عبد القيس عند الموت: أوصنا. فقال: أنذركم سوف. وروي ابن المبارك : حدثنا أن عامة دعاء أهل النار : يا أف للتسويف. تأبى نفوسهم أن تقبل نصح الناصحين. العنوان سقط من ط. ============================================================ ومع ذلك فإن المسوف للتوبة لن يعرى من ثلاث خلال: أن يقطعه الموت عن الأجل الذي أجله للتوبة، أو يبلغ إلى الأجل الذي أجله للتوبة ، فيبقى مقيما على معصية ربه جل وعز، فقد جمع غدرا وخلفا، وكذبا لربه فيما وعده وأعطاه وفي معصيته التي كان عليها مقيما، فوعد ربه إن بلغه ذلك الأجل ليتوبن إليه، فبلغه فلم قلع عن ذنبه، فازداد غدرا وخلفا لما وعد ربه جل وعلا، لأنه وعد ربه إن بلغ الوقت الذي أجل توبته إليه لينزعن عن ذنبه إليه ولا يعود إلى ما كره الله ل وأخلف الوعد وأصر على الذنب.
Muhâsibî — er-Riâye li-Hukûkillâh
muhasibi · AR
والخلة الثالثة: أن يبلغ إلى الوقت الذي سوف إليه التوبة ، فيمن عليه بالتوبة فيتوب إلى مولاه عز وجل، فهذا خير أحواله فلن ينفك وإن تاب إلى ربه من ضرر التسويف، إذ لا نجاة له من الله عز وجل، أن يقفه ويسأله عن ذنبه وإصراره عليه أيام تسويفه، وإن لقيه تائبا مغفورا له فلا بد أن يسأله عن تلك الأيام التي كان فيها مذنبا مصرا، إلى أن بلغ وقت التوبة الذي سوف التوبة إليه، فكأنه عبدا قيل له : تب إلى الله عز وجل، واترك المعاصي، فقال : أنت تائب لا محالة وتارك لذاتي ، إلا أني مقيم على الذنب إلى وقت كذا وكذا ، ليكون أيام تأخيري للتوبة إلى ذلك الوقت علي فيه المسألة والتوقيف من الله عز وجل ، فهذا مثله : أن لو قال هذا ما كان إلا كمعناه في تأخير التوبة، لأنه إن كانت نفسه قد سخت صادقةا بترك لذاتها إذا جاء الأجل الذي أجله للتوبة ، فكيف لا يدع لذته من الآن فلا يكون عليه السؤال في أيام تأجيل التوبة، إذا هو تارك للذة عاجلا أو آجلا الا منغص على نفسه لذته، فتركها بزوال السؤال عنه أولى من تركها باكتساب السؤالا فإذا كان تاركا لذته لا محالة، فليربح زوال السؤال عنه من الله عز وجل آيام الإصرار ، فليوبخ نفسه على ذلك إن كان الأمر على ما ذكرت. وكيف له بهذه الحال، أخاف أن يكون أحد الحالين الآخرين أغلب عليه فأحد الأحوال الثلاثة لايقيم معها عامل على التسويف، إذا وبخ نفسه عليها بما ذكرت لك من سؤال الله عز وجل، إياه عن أيام الاصرار ، فكيف إذا خاف ال الحالين الآخرين، فهذه الأحوال ما يقيم معها عاقل على الإصرار إذ خافها، فاذا 132 ============================================================ عقل ذلك استعد بالتوبة إلى ربه مخافة أن يبغته الموت على ذنبه، لأنه ليس عنده أمان من الموت أن يأتيه بغتة وهو مقيم على ما يسخط الله عز وجل عليه، فيلقاه وهو غضبان عليه، فليس يقيم على ذلك عاقل إذا خاف معاجلة الموت إذ لا أمان عنده منه، وإذيخاف في مجيئه بغتة لقاء الله عز وجل، وهو عليه غضبان، فلا يرضى بهذه الحال عاقل مشفق على بدنه من عذاب الله عز وجل. الم تسمع قول عبد الرحمن بن يزيد حين قال لرجل وعظه، فقال له : يا فلان هل أنت على حال ترضى فيها الموت قال: لا. قال: فهل أجمعت للنقلة إلى حال ترضى فيها الموت فقال: لا، ما سخت نفسي بذلك بعد . قال: فهل بعد الموت دار فيها مستعتب؟ . قال: لا. قال: فهل تأمن بغتة الموت؟ . قال: لا. قال: ما رأيت مثل هذه الحال رضي بها عاقل، وصدق رحمه الله ، وكيف يكون عاقلا عن الله عز وجل، من يقيم على ما يغضب الله عز وجل عليه، ولا يأمن الموت أن يفجأه على غفلة، ثم لا مرجع له إلى الدنيا، فيعتب ربه جل وعز ويترضى مولاه، وقد أخبرنا الله عز وجل، نصحا لنا وتحذيرا بندم النادمين عند الموت، لئلا نكون نحن النادمين على ما فرطنا ، السائلين عند الموت المرجع للانابة والتوبة، والرجوع عما كره الله عز وجل، فلا نجاب إلى ذلك فنترك بحسراتنا ، ولا يقبل منا الندم، فلا يجاب منا النداء. قال الله عز وجل: {حتى إذا جاء أحدهم الموت قال رب ارجمون لعلي أعمل صالحا فيما تركت ، قال الله عز وجل: كلا إنها كلمة هو سورة المؤمنون، الآية: 100. ============================================================ قائلها ومن ورائهم برزخ إلى يوم يبعثون) . و في التفسير عن مجاهد : البرزخ حاجز بين الدنيا والآخرة. محتبس فيه الميت إلى يوم البعث والنشور.
ف أخبرنا الله عز وجل أنه لا ينفعه سؤال الرجعة، وأنه محتبس في البرزخ حتى يبعث منه إلى الهلكة، يحذرنا تبارك وتعالى أن نغتر بالدنيا ولا نستعد للقائه، فيأتينا الموت بغتة فننادي بالحسرة، فلا تقال العثرة ولاتمكن الرجعة، وينبهنا على أن نتوب ما دامت التوبة مقبولة، والعثرة مقالة، والدعاء مجابا ، لنكون للقائه جل وعلا مستعدين، ولنزول الموت مراقبين باب الاستعداد للموت وقصر الأمل قلت : أخبرفي عن الاستعداد [للموت] ما هو قال : الاستعداد على وجهين: أحدهما : واجب وهو الذي تأستف على فواته النادمون عند الموت، وهو أن يتوب العبد توبة طاهرة عن الذنوب والخطايا، بأن لو قيل له : إنك تموت الساعة ما وجد عنده ذنبا يحتاج إلى التوبة منه فيسأل النظرة من أجله، فإن كان يجد عنده ذنبا يحتاج إلى التوبة منه فليس مستعدا للقاء ربه ، لأنه لا يؤامر في إخراج روحه ل والموت يأتيه بغتة. فإن جاءه الموت وذلك الذنب عنده لم يأمن أن يغضب الله عليه، وكيف يكون مستعدا للقاء الله، من هو مقيم على ما يغضب الله، ولا يأمن أن يأتيه الموت روهو] أغفل ما كان، والموت آتيه لا محالة، فللخوف من لقاء الله على ما يكره نفس السورة، والآية. في ط: عليه. أي تأجيل الموت. ============================================================ بادر الخائفون بالتوبة قبل أن يسبقهم الموت إلى آرواحهم، فيحال بينهم وبين التوبة والإنابة إلى ربهم، ويندموا ندما لا يقبل، ولا تقال عثراتهم ، فلذلك بادروا بالتوبة حذرا وإشفاقا من بغتة الموت على غرة، فهذا هو الاستعداد الذي أوجبه الله عز وجل على خلقه. والوجه الثاني من الاستعداد هو نافلة، كبذل المجهود من القلب والبدن، وبذل ما يملك من الدنيا إلا ما كان أولى به حبسه، حتى لو قيل له إنك تموت غدا ما كان عنده مستزاد في عمله. كما روي عن منصور بن زاذان: أنه كان يجتهد اجتهادا لو قيل له : إنك تموت غذا ما قدر آن يزيد في عمله . فهذا الاستعداد يستحق الله عز وجل من خلقه أكثر منه، لأن حقه لا يؤدى، ونعمته لا تكافأ، وعظمته لا عدل لها ، ولن يبعثك على الاستعداد للموت وقطع التسويق مثل قصر الأمل . قلت: بم ينال قصر الأمل؟ قال : بخوف المعاجلة ببغتة الموت على غفلة ، لأن روح العبد عارية ، لا يدري متى سل المعير ها فيأخذ عاريته؟ فإذا خاف المعاجلة انقطع في الدنيا أمله ، وانتظر وبادر فيها أجله، وكان مرتقبا لنزول الموت. قلت: بم ينال خوف المعاجلة قال: بعظيم المعرفة بإبهام الأجل ، وأن المؤجل لا ينظره ولا يؤامره. ولا يؤذنه ل اذ أراد اخراج روحه من بدنه بالاعتبار بالأموات قبله. قلت: فبم تنال هذه المعرفة وهذه العبرة؟ قال: بادمان الذكر والفكر في إبهام الأجل ونزول الموت حين حلوله ، وانقطاع العمر وذكر الأموات الذين أتاهم الموت بغتة .ا في ط: له. في ط: يناظره. 135 ============================================================ قلت : كيف إبهام الأجل حتى أتفكر فيه بمعرفة لتعظيم معرفتي بذلك قال : أما تعلم أن الموت ليس له وقت عند العبد معلوم، فيخاف في ذلك الوقتلا ويأمن في سائر الأوقات، ليس ينزل بالعباد في الشتاء دون الصيف ، فيخاف من الشتاء ويأمن في الصيف، أو يحل بالعباد في الصيف فيأمن في الشتاء ، أو في شهر في السنة معلوم فيأمن في سائرها ، أو بالليل فيأمن بالنهار ، أو بالنهار فيأمن بالليل ، أوا بالغداة فيأمن بالعشي، أو بالعشي فيأمن بالغداة، أو في ساعة دون ساعة. وليس له وقت من العمر معلوم، فيأخذ أبناء عشرين فيأمنه أبناء دون ذلكا أو يأخذ أبناء ثلاثين فيأمنه أبناء عشرين. وليس له علة معلومة دون علة كالحمى أو البطن، أو الهدم أو الغرق، أو بعض الأسباب التي يكون فيها التلف.
فحق على العاقل العالم بأمر الله عز وجل، إن كان الموت ليس له وقت معلوم من العمر، ألا يأمنه في وقت من الأوقات ، وإذا كان ليس لنزوله وقت معلوم من العمر، ألا يأمنه ألا يأتيه في صغر أو كبر ، أو شباب أو هرم ، وإذا لم تكن له علة معلومة ألا يأمنه في صحة ولا سقم، ولا في حضر ولا في سفر ولا في مصر ولا في بدو، ولا في بر ولا في بجر. فمتى ذكر (العبد) الموت بفراغ قلبه من كل شيء إلا من ذكره ، إذ لاا وقت له ولا علة، ولا عمر معلوم، مع ذكره عظيم ما يأني به الموت من البشرى بعذاب الله، أو برحمة الله عز وجل، مع الاعتبار بالذين مضوا قبله ، ممن هم فوقه ودونه، وأشكاله وأمثاله، عظمت معرفته بالموت وفجأة الموت، وأنه نازل به كما نزل بمن مضى قبله لا محالة. فإذا عظمت معرفته بذلك قصر آمله، فإذا قصر أمله حذر قلبه من الموت في ط: يؤمن في الفقرة كلها. ما بين المعقوفين: سقطت من ط ============================================================ فإذا حذر قلبه من الموت ارتقب الموت، فإذا كان للموت مرتقبا سارع إلى الاستعداد له، والاستباق إلى الخيرات قبل أن يسبقه إلى روحه مالكها . وكذلك يروى عن علي بن آبي طالب رضي الله عنه، أنه قال : من ارتقب الموت سارع إلى الخيرات. وروي عن علي أيضا، أنه قال : إنما يهلك اثنتان : اهوى، وطول الأمل؛ فأما اهوى فيصد عن الحق ، وأما طول الأمل فينسى الآخرة، وصدق رحمة الله عليه .ا ولو أن غائبين عنك ترى أن أحدهما قادم سريعا في يومك أو ليلتك أو من غدك، والآخر ترى أنه يقدم إلى شهر أو إلى حول، لاستعددت للذي ترى أنه عليك قادم سريعا، إن كان (قد) أوصاك بوصية بادرت إلى إنقاذها قبل أن يفجاك بقدومه، فتلحقك ملامته أو عقوبته، وتهييء له مع ذلك البر واللطف، وإن كانت إليه منك ذنوب أو إساءة، أجلت الفكر ورويت، كيف تعتذر إليه لتخرج من سخطه او من ملامته، أو لئلا تنتقض منزلتك عنده. ومما يدلك على ذلك : ما روي عن كعب بن مالك رضي الله عنه حين تخلف عن غزوة تبوك، أنه قال: لما قيل : إن النبي ه قد أظل قافلا جعلت أتفكر ، وأستعين على ذلك كل ذي رأي من أهلي، كيف أعتذر إليه لأخرج من سخطه .ا وكذلك من غلب على قلبه أن الموت قادم عليه سريعا، ثم علم أن الخبر يأتيه يقينا عند الموت بهلاكه أو نجاته، بادر إلى أن يترضى الله عز وجل، ويعتبه بالاعتذار إليه بما يقبله، والطهارة لقلبه وبدنه من المعاصي ليلقاه طاهرا. ومما يدل لصدق هذه النظرية السلفية : آن من جاوز الستين من العصاة غالبا يعاين المؤت ، فيحاول تدارك ما فاته، فلو عجل الشباب هذه المعاينة من طريق الوهم لاستقاموا على الطريقة . اهوى يصد عن الحق، ويعمي عن الرشد، لأنه مرتبط باللذات العاجلة التي تجسدها النفس ، ل وتستمسك بها ، فتصد عما عداها من الحق بأن تحجب العقل عن الموازنة بين العاجل والأجل. ما بين الحاصرتين: سقطت من ط في ا: ذنب. ============================================================ وقد يفعل ذلك أهل الغائب بغائبهم، تكنس له الدار والبيوت وتزين له ليعلم أنهما قد أعظموا قدره وتأهبوا لقدومه. وكذلك المقصر أمله متظهر مستعد متزين ، ليعلم الله عز وجل أنه قد أعظم قدر لقاء ربه وتزين وتظهر للقائه لئلا يسخط عليه، وأن يقبله ويرضى عنه . ومما يهيج العبد على ذكر تخويف مسارعة الموت، ما أخبرتك من زوال الأوقات الي لا يجوز فيها الأمن له. وكذلك يروى عن لقمان عليه السلام، أنه قال لابنه : " يا بني أمر لا تدري مت يلقاك فاستعد له قبل أن يفجأك" . وكذلك قال بعض الحكماء: " كرب بيد سواك ، لا تدري متى يغشاك" .
وقال لقمان لابنه : "يا بني لا تؤخر التوبة، فإن ملك الموت يأتي بغتة" . وقد روي عن بعضهم: أنه بات فلم يزل متلفتا يمينا وشمالا حتى آصبح، فقيل له في ذلك ، فقال : كنت أنتظر من أي شق يجيئني ملك الموت. وقيل للربيع بن خيثم: كيف أصبحت؟ قال : أصبحنا ضعفاء مذنبين، نأكل أرزاقنا وننتظر آجالنا. وقال رجل لسعيد بن أبي السائب : كيف أصبحت؟ قال : أصبحت أتوقع الموت على غير عدة. باب ما يهيج على معرفة كراهية الموت وكربه وأما ما يهيج على معرفة كراهيته وكربه، وما يتغشاه من هوله : فإن ابن آدم إنما يألم من كل موضع من جسده، إن أصابته شوكة فما فوقها وجد الألم بروحه،الا في ط: ويتزين له. يعني بيد الله سبحانه وتعالى. يريد بالامر : الموت. 138 ============================================================ ولولا ذلك ما وجد ألما. ألا تراه إذا خرج الروح منه ، لو حرق بالنار ما وجد لذلك ألما" فإذا كان البدن إنما يألم بالروح، فما ظنك بالروح إذا كان هو المجذوب من كل عرق ومفصل، وأصل كل شعرة وبشرة من أعلاه وأسفله وجميع بدنه ، فلا تسأل عن ألمه وكربه ووجعه. وقد يروى آن الموت أشدة من ضرب بالسيوف، ونشر بالمناشير، وقرض بالمقاريض، لأن ضرب السيوف ونشر المناشير إنما يؤلم البدن بالروح، فإذا كان الروح هو المباشر بالأخذ والجذب فذلك أشد ألما ووجعا، وإنما صار المضروب بالسيف وغيره يستغيت ويصيح، لأن القوى بعد فيه باقية، واللسان مطلق. وإنما انقطع صوت الميت لأن الكرب قد تبالغ فيه وتصاعد، وغلب على كل موضع، فهد كل قوة وكسر كل جارحة، وتغشى العقل وقلص اللسان وأبكمه ، فان فضلت فيه فضلة قوة، سمعت له خوارا لجذب روحه، وأنينا وغرغرة بروحه في حلقه، قد تغير لذلك لونه حتى ظهر منه أصل طبعه الذي منه خلق وعليه طبع فرأيت كالتراب على وجهه ، قد تغير لونه وجذب كل عرق منه على حياله، حتى ترتفع الحدقتان إلى أعالي الجفون، ويقلص اللسان إلى أصله ، وجفت الشفتان وقلصتا، وارتفعت الأنثيان إلى الحالبين، ومن المرأة الثديان حتى لا يبقى إلا أقلهما وجفت الاعصاب ويبست . فلا تسأل عن بدن مجدل تجذب عروقه وأعضاؤه وبشرته، ثم يموت عضوا عضوا على حياله، فتخضر آنامله ثم تبرد قدماه، ثم تبرد ساقاه، ثم فخذاه بسكرات وكرب يتغشاه، وكرب من بعد كرب، وسكرة من بعد سكرة مع كل جذبة، حتى انظر تفاصيل أخرى في هذا الموضوع عن الروح في "الأمد الأقصى" لابن زيد الدبوسي الحنفي . باب أصل الخلقة. وباب الفصول الأربعة. تحقيق محمد عبد القادر عطا. دار الكتب العلمية . بيروت - لبنان. يعني : مطروح مصدوع. ============================================================ بلغ ها إلى الحلقوم، فعند ذلك تنقطع المعرفة عن الدنيا وأهلها، ويزول عنه قبول التوبة، حين تحضره الحسرة والندامة. و كذلك يروى عن النبي عاله ، أنه قال: "تقبل توبته ما لم يغرغر" . وقال مجاهد في قوله عز وجل وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت) قال : إذا عاين الرسل، فعند ذلك تبدو له صفحة وجه ملك الموت. فلا تسأل عن طعم مرارة الموت وكربه، حين تبالغ فيه الكرب، واجتمعت السكرات. ويبين ذلك ما روى جابر بن عبد الله عن النبي الله ، في بعض الحديت: " أن نفرا من بني إسرائيل مروا بمقبرة، فقال بعضهم لبعض : لو دعوتم الله عز وجل أن خرج لكم من هذه المقبرة ميتأ تسألونه، فدعوا الله عز وجل، فإذا هم برجل خلاسي بين عينيه اثر السجود، قد خرج من قبرمن تلك القبور ، فقال : يا قوم ماذا أردتم مني؟ لقد ذقت الموت منذ خمسين عاما ما سكنت مرارة الموت من قلبي" . وروى مكحول عن النبي ه أنه قال : "لو ان ألم شعرة من شعر الميت وضع على أهل السموات والأرض لماتوا" لأن في كل شعرة الموت ، ولا يقع الموت بشيء إلا مات.
ويروى: لو آن قطرة من آلم الموت وضعت على جبال الدنيا كلها لذابت" . وقد يروى ان الله عز وجل قال لابراهيم علله ، لما مات: "يا خليلي مت، يا اخرجه : الترمذي في سننه، الباب 98 من كتاب الدعوات، وابن ماجه في سننه، الباب30 من كتاب الزهد . ومالك في الموطأ، الحديث الثاني من كتاب الحدود . والإمام احمد بن حنبل في المسند .174/6،4253 ،153 ،1322 سورة النساء، الآية: 18. اخرجه الأمام احمد بن حنبل في الزهد، 16، 17. 140 ============================================================ خليلي مت، يا خليلي مت. قال: خليلي، كيف وجدت الموت؟ قال : يا خليلي كسفود جعل في صوف رطب تم جذب، قال: أما إنا قد هوناه عليك" . وروى عن موسى ه، أنه لما صار روحه إلى الله تبارك وتعالى، قال له ربه : ايا موسى كيف وجدت الموت" قال :، وجدت نفسي كالعصفور حيث يقلى على المقلى : لا يموت فيستريح، ولا ينجو فيطير". ويروى عنه أيضا، أنه قال : وجدت نفسي كشاة حية تسلخ بيد القصاب" . ويروى عن النبي لله : " أنه كان عنده قدح من ماء عند الموت، فجعل يدخل يده في الماء، ثم يمسح بها وجهه ويقول : اللهم هون على سكرات الموت و فاطمة رضي الله عنها تقول : واكرباه لكربك يا أبتاه، وهو يقول: لا كرب علىا أبيك بعد اليوم" . وقال عيسى عالله : "يا معشر الحواريين، ادعو الله عز وجل ان يهون علي هذ السكرة، يعني: الموت، فلقد خفت الموت مخافة، أوقفني خوفي من الموت على الموت". وقال عمر بن رزق الله: لولا أني اخاف ان يكون قسما لا أبره لحلفت أن لاا فرح بشيء من الدنيا حتى أعلم ما لي (عند الله) في وجه رسل ربي فهؤلاء أولياء الله وأحباؤه لم تزل عنهم سكرات الموت وغمومه مع تهوينه على بعض، فما ظنك بغموم الموت وكربه وشدته على المخلطين، مع ما قد اجتمع عليهم من الحسرة والندامة والتأسف على ما قد فات، حتى يبلغ منهم الكرب مداه، وينتهي منهم منتهاه؟ فعند ذلك يبدو هم ملك الموت بصفة وجهه. انظر شرح الصدور للسيوطي، ففيه وصف الموت كما ذاقه كثير من السلف وكذلك العاقبة لعبد الحق الاشبيلي الخراط، مخطوط. وسنن النسائي، باب شدة الموت من كتاب الجنائز، وسنن الترمذي، الباب الثامن من كتاب الجنائز . انظر : سنن النسائي، الباب6 من كتاب الجنائز، وسنن الترمذي، الباب 8 من كتاب اجنائز . ما بين الحاصرتين، سقطت من ط 141 ============================================================ و كذلك يروى في بعض حديث المعراج "انه قال للنبي م وسأل ملك الموت عن ذلك فقال: آمر أعواني من الملائكة ان يعالجوا روحه حتى إذدا بلغت الحلقوم بدأت فتناولتها منها ، فما ظنك بالنظر إلى وجه ملك الموت، إن كان من أهل الشقاوة والعداوة، فلا تسأل عن قبحه وكراهة وجهه، فعند ذلك تحس النفس بالبلاء والعطب والهلاك . وقد روى عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنه : "أن ابراهيم ، كان رجلا غيورا ، وكان له بيت يتعبد فيه ، فإذا خرج أغلقه، فأغلقه ذات يوم، فخرج م رجع، فإذا هو برجل في جوف البيت، فقال من ادخلك داري قال: وأدخلنيها ربها. قال: أنا ربها. قال : ادخلنيها من هو أملك ها مني ومنك. قال: فمن انت من الملائكة" . قال:، أنا ملك الموت. قال: يا ملك الموت، هل تستطيع ان تريني الصورة التي تقبض فيها نفس المؤمن؟ قال: نعم، فأعرض عني، فأعرض عنه، ثم التفت فإذا هو بشاب، فذكر من حسن وجهه وحسن نيابه، وطيب ريحه، فقال : يا ملك الموت، لو لم يلق المؤمن عند الموت إلا صورتك كان حسبه ذلك، ثم قال: روي أن الحارث المحاسبي عند موته قال لمن حوله : إن رأيت خيرا ابتسمت لكم، وإن رأيت غير ذلك عرفتم ذلك في وجهي، وبعد قليل تبسم ثم مات.
وقد آخرج حديث المعراج: البخاري في صحيحه الباب 42 من كتاب مناقب الأنصار ، والباب الأول من كتاب الصلاة، والباب 76 من كتاب الحج، والباب الخامس من كتاب الأنبياء، والباب 37 من كتاب التوحيد، والباب34 من كتاب المناقب، وصحيح مسلم حديث 259، 263. ومسند احمد بن حنبل 148/3، 149، 143/6. في ط بها. 142 ============================================================ يا ملك الموت، هل تستطيع أن تريني الصورة التي تقبض فيها نفس الفاجر؟ . قال: لا تطيق ذلك. قال: بلى. قال: فأعرض عني، فأعرض عنه ؛ قال : ثم التفت فإذا برجل أسود قاتم الشعر .ا منتن الريح، أسود الثياب، يخرج من فيه ومناخره هب النار والدخان ، فغشي على ابراهيم ، ثم أفاق وقد عاد ملك الموت عليه السلام، لصورته الأخرى، فقال ابراهيم عالله : يا ملك الموت، لو لم يلق الفاجر عند موته إلا صورة وجهك كان حسبه . وروى أبو هريرة رضي الله عنه عن النبي عالله : " أن داود عليه السلام كان رجلا غيورا، وكان إذا خرج أغلق الأبواب، فأغلق الأبواب ذات يوم وخرج ال فأشرفت امرأته ، فإذا هي برجل في الدار ، فقالت : من أدخل هذا الرجل؛ لئن جاء داود ليلقين منه عنتا، فجاء داود فرآه، فقال داود : من أنت؟ فقال : أنا الذي لا أهاب الملوك ولا تمتنع مني الحجاب، قال : فأنت ، والله إذأ ملك الموت. قال : وزمل مكانه . وروي عن عيسى عالله ، انه مر بجمجمة فضربها برجله، فقال : تكلمي بإذن اله، قالت: يا روح الله، أنا ملك زمان كذا وكذا ، فبينا أنا جالس في ملكي علي تاج (الملك) وحولي جنودي وحشمي على سرير ملكي ، إذ بدا لي ملك الموت عليه السلام، فزال مني كل عضو عن حياله، ثم خرجت نفسي إليه . في ط. كرر قول عمر بن رزق الله السابق في نفس الباب: لولا اني اخاف أن يكون قسما لا أبره... الخ. القائل أبو هريرة رضي الله عنه . اخرجه: أحمد وابن أبي الدنيا في كتاب الموت وإسناد احمد جيد . سقطت من ط في ط: عيني. 143 ============================================================ ويا ليت ما كان من تلك الجموع كان فرقة، ويا ليت ما كان من ذلك الأنس كان وحشة، فما ظنك بصفحة وجه ملك الموت إذا بدت وعاينها المجدل لموت؟ فطرف خاو وقلبه محزون، من بدن قد برد، فتستخذي النفس وتستسلم لخروج، ثم لا تخرج حتى تسمع نغمة ملك الموت بإحدى البشريين: آبشر يا عدو الله بالنار ، أو أبشر يا ولي الله بالجنة، وإياها يخاف العقلاء من الله عز وجل ، العلماء وروي عن النبي الله ، أنه قال: "لا تخرج روح احدكم حتى يعلم اين مصيره وحتى يدري مقعده من الحجنة أو النار" . وروى أنه عوالله ، قال : "من أحب لقاء الله احب الله لقاءه، ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه، قالوا : كلنا نكره الموت، قال : ليس ذلك بذلك، إن المؤمن إذا فرج له عما هو قادم عليه أحب لقاء الله عز وجل، وأحب الله عز وجل لقاءه. وإن الكافر إذا كشف له عما هو قادم عليه كره لقاء الله، والله للقائه أكره" . وروي أن حذيفة بن اليمان قال لابن مسعود الأنصاري وهو (مهموم) لما به من آخر الليل : قم، فانظر أي ساعة هذه؟ فقام ابن مسعود ثم جاءه، فقال : قدا أخرجه : مسلم والبخاري وابن أبي الدنيا من رواية رجل لم يسم عن علي موقوفا ، انظر : الاحياء ل .49/4 في ط: كره، والحديث، آخرجه : مسلم في صحيحه، 18:14 من كتاب الذكر، والترمذي في سننه ، الباب 67 من كتاب الجنائر، الباب 6 من كتاب الزهد، والنسائي في سننه ، والباب العاشر من كتاب الجنائز، والدارمي في مسنده، الباب 34 من كتاب الرقاق. ومالك في الموطأ، الحديث 51.
من كتاب الجنائز، والامام احمد في مسنده 313/2، 346، 418، 420، 451، 107/3، 2594، 260، 316/5، 321، 44/6، 56، 207، 218، 236. وابن المبارك في الزهد في ط: بن يمان. سقطت من ط 144 ============================================================ طلعت الحرماء : يعني الزهرة، فقال حذيفة : أعوذ بالله من صباح إلى النار. ودخل مروان على أبي هريرة، وهو في الموت، فقال مروان : اللهم خفف عنه فقال أبو هريرة: اللهم اشدد. ثم بكى أبو هريرة فقال: والله ما أبكي حزنا علىا الدنيا ، ولا جزعا من فراقكم، ولكني انتظر إحدى البشريين من ربي عز وجل ججنته او بنار5. قال معاذ : لما حضر من الليل أصبحنا؟ فقيل له : لا ، ثم قال أصبحنا؟ فقيل ل ه لا، حتى قيل له : نعم، فقال : أعوذ بالله من صباح إلى النار. وقيل لعامر بن عبد قيس عند الموت وقد بكى: ما يبكيك؟ فقال ما أبكي فرارا من الموت، ولا حرصا على دنياكم، ولكني أصبحت في صعود وهبوط ثم لا أدري، إلى أين يهبط بي إلى جنة أم إلى نار. وقيل لجابر بن زيد عن الموت: ما تشتهي؟ قال : نظرة إلى الحسن ، فلما دخل عليه الحسن، قيل له : هذا الحسن، فرفع طرفه إليه ثم قال : الساعة والله أفارقكم إلى النار أو إلى الجنة. وقال محمد بن واسع عند الموت : يا إخوتاه عليكم السلام، إلى النار أو يغفر اله عز وجل. ولقد تمنى بعضهم أن ينزع نفسه أبدا، ولا يبعث لثواب ولا عقاب. ومن ذلك : أنه قيل لعطاء السلمي عند الموت، وأغمي عليه وأفاق، وهم يدعون الله عز وجل، فقال : فيم أنتم؟ قالوا : كنا ندعو الله أن يخفف عنك هذه السكرة الا فقال : لا تفعلوا فوددت انها تردد من هاتي إلى حنجرتي، ولا أبعث أبدأ للقيامة . فما ظنك بإحدى البشريين لو وقعت في سمع المكروب المجدل الحزين ، المرتقب ل بشرى الحجنة أو بشرى بالنار، فإن قيل له : أبشر بالنار يا عدو الله، فيا لله من في ط: مهبطه. 145 ============================================================ قلب أيقن بالااياس من رحمة الله، وعلم ان ضعفه لن ينجو من عذاب الله، فعندها تنقطع نفسه حسرات فيسأل الرجوع. فيقول: (رب ارجعون لعلي أعمل صالحا فيما تركت) . هيهات خسرت يداه، وانقطع من الله رجاؤه، وبدا له غير ما كان يحتسب من ربه عز وجل، ردت عليه ندامته وتوبته، وحيل بينه وبين الرجوع إلى الدنيا ليعتب من أسخطه ثم لا تسأل ما بعد هذه الأحوال من الحال. وإن سمع البشرى من الله عز وجل بأنه قد رضي عنه ، وأن له الجنة (وأن) إليها منقلبه، فلا تسل عن فرح قلبه وسروره، وتحقيق رجائه وحسن ظنه بربه، وأمنه على بدنه من العذاب بعد طول مخافته وإشفاقه وكذلك قال الله تعالى في كتابه : وتتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا تخزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون) . فقيل في التفسير : إن ذلك عند الموت ، تقول الملائكة : لا تخف ما أمامك من الأهوال، ولا تحزن على ما خلفت، وأبشر بالجنة التي كنت توعد . فيا له من قلب، ما أفرحه حين يسمع البشرى من ملائكة ربه تعالى، هذا يوم راحته ولها كان يعمل، وقد قيل لبعض العباد : علام تعمل؟ قال : على راحة الموت. وقد روي عن الحسن، أنه قال : ليس للمؤمن راحة إلا في لقاء الله عز وجل ل ومن كانت راحته في لقاء الله عز وجل فقد فاز، فيوم الموت يوم سروره وفرحه، وامنه وعزه وشرفه. سورة المؤمنون، الآية: 99. ما بين الحاصرتين: سقطت من ط في ط: لا تسأل. سورة فصلت، الآية: 30. في ط: ومن كانت براحته.
146 ============================================================ وقد روي في الحديث عن النبي الله " أن الله عز وجل إذا رضي عن عبد قال : يا ملك الموت اذهب إلى فلان فأتني بروحه لأريحه من نصب الدنيا، حسي من عمله، قد بلوته فوجدته حيث أحب، فينزل ملك الموت معه خسمائة من الملائكة ومعهم قضبان الريحان وأصول الزعفران، كل واحد منهم يبشر ببشارة سوى بشارة صاحبه، وتقوم الملائكة صفين لخروج روحه معهم الريحان، فإذا نظر إليهم إبليس وضع يده على رأسه ثم صرخ، قال: فتقول له جنوده: ما لك يا سيدنا؟ فيقول : أما ترون ما أعطي هذا العبد من الكرامة؟ أين كنتم عن هذا؟ قالوا: قد جهدنا (فيه) فكان معصوما. و ذكر قصة في حديث اسنده الراوي - أنس بن مالك وتميم الداري - عن رسول الله ه : " إن الله تبارك وتعالى يقول لملك الموت : انطلق إلى عبدي فأتني به فلأريحنه، فإني قد بلوته في الضراء والسراء، فوجدته حيث أحب" . وروى ابن مسعود عن النبي " أنه كان يأخذ بعضادتي الباب، ثم يقول: جاء الموت بما فيه، جاء بالويل وبالحسرة لأهل عداوة الله عز وجل، جاء الموت بالغبطة والسرور لأهل ولاية الله عز وجل" . و أما الإعتبار بمن مات من الأشكال والأمثال ممن مضى، فإن ذلك يعظم ذكر الموت في القلب، ويهيج (القلب) على قصر الأمل، وقد أخبرنا الله تعالى عن القرون الماضية، فقال تعالى: ما بين الحاصرتين: سقطت من ط انظر الحديث : في باب استراحة المقيمين بالموت في سنن النسائي، كتاب الجنائز . اي : بمصراعيه. اخرجه : الترمذي في سننه، الباب 23 من كتاب القيامة، والإمام احمد بن حنبل 136/5. وانظر ايضا: سنن أبو داود، الباب 8 من كتاب الأطعمة، وسنن ابن ماجه، والباب56 من كتاب الأطعمة. ما بين الحاصرتين: سقطت من ط 147 ============================================================ (هل تحس منهم من أحد أو تسمع لهم ركزا؟) . قال أبن عباس رضي الله عنهما : تسمع هم صوتا يخبرك ان الموت قد اهمدهم فلا حس ولا صوت. وقال عز وجل: {يمشون في قساكنهم إن في ذلك لآيات لأولي النهى) . "أفلا تسمعون". وروي عن آبي بكر رضي الله عنه، أنه قال في خطبته : أين الوضاة الحسنة وجوههم؟ آصبحوا والله تحت التراب. وروي عنه أنه قال : أين الذين بنوا المدائن وحصنوها بالحوائط؟ قد تضعضع بهم الدهر، فأصبحوا تحت الصخور والاكام . وروي عن أبي الدرداء رضي الله عنه، أنه قال : أين الذين بنوا المدائن؟ وروي ذلك عن غيرهم. وإنما أردت بهذه الأحاديث أن يعرف العبد المريد كيف يتفكر في الموت ليجتلب به قصر الأمل، أن يبدأ فيذكر فجأة الموت من غير مؤامرة، وأن لا سبب له ولا وقت معلوم فيأمن دونه، كالعمر والوقت والعلة. م يتفكر في كرب الموت وسكراته ونزعه، وما أصاب منه آنبياء الله صلوات الله عليهم وأحباؤه. والنظر إلى ملك الموت ومن معه من رسل ربه عز وجل، واستماع إحدى البشريين عند موته، والاعتبار بمن مضى قبله بذكر موتهم ومصرعهم. سورة مريم، الآية: 98. سورة طه، الآية: 128. في ط، الوضاءة. انظر الخطبة كاملة في ترجمة الصديق في "سير السلف" للحافظ إسماعيل الأصبهاني.. 148 ============================================================ وجدت العبرة اسرع إلى القلب بالأشكال والأمثال والأصحاب ممن سواهم بأن يذكر العبد مصارعهم تحت التراب ويتوهم صورهم في حياتهم ومقاماتهم وكيف محى التراب حسن صورهم، وكيف بلوا في قبورهم، وكيف آرملوا نساءهم وايتموا اولادهم، وخلت منهم مجالسهم ومسناجدهم، وانقطعت منهم انارهم، فيذكرهم رجلا رجلا، فيتوهم صورته، ويذكر نشاطه وتردده واكتسابه وإنفاقه وأمله للعيش والبقاء، ونسيانه للموت أو ذكره له، ومؤانسته إياه معه، وفرحه وضحكه، وكيف وقعت تلك الأسنان وتقطعت تلك المفاصل، وذهبت تلك القوة فيعترضهم رجلا رجلا، فإذا اجتمع في القلب معرفة فجأة الموت وكربه والنظر أى صورة الملائكة لقبض روحه، وعظم خطر إحدى البشريين، وارتقاب قلبه لاحدى البشريين، وذكر الاخوان وأحوالهم، وكيف فنوا وبلوا وخلفوه ومضوا ، وأنه لاحق بهم لا محالة.
فما هو عند نفسه إلا كأحدهم وأن الموت نازل به كما نزل بهم، كما قال أبو الدرداء: إن ذكر الموتى فعد نفسك كأحدهم وقال النبي لعبد الله بن عمر: "كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل وعد نفسك في الموتى" . فعند ذلك بعون الله عز وجل يقصر امله ، ويرتفب أجله، ويستعد بالتوبة للقاء ار به عز وجل، ويعظم الحمد والشكر في قلبه لربه عز وجل ألا يكون قدمه ولم يمهل ه بعد إخوانه، فيحال بينه وبين الاتعاظ بهم ، والعبرة والاستعداد لمثل ما نزل بهم، فتعظم النعمة عنده أن لايكون هو المتخطف، ويحمد الله تعالى، إذ آخره للعبرة والاتعاظ، ثم يرجو ان يكون ذلك من سعادة سبقت له من ربه تعالى. آخرجه: البخاري في صحيحه، الباب الثالث من كتاب الرقاق. والترمذي في سننه ، الباب 35 من كتاب الزهد ، وإبن ماجه في سننه الباب الثالث من كتاب الزهد . والإمام أحمد بن حنبل في مسنده 24/2، 41، 131. وإبن المبارك في الزهد5 . يعني: بتمد العبد ربه لأنه أجل موته حتى فني إخوانه وتمكن من الاتعاظ بهم، حتى يدارك ما فاتد، ولأنه لم يجعله هو عظة لغيره. فالسعيد من اتعظ بغيره، والشقي من وعظ به غيره. 149 ============================================================ وكذلك يروى عن ابن مسعود رضي الله عنه، أنه قال : السعيد من وعظ بغيره. وروي عن عمر بن عبد العزيز، أنه قال في خطبته : ألا ترون أنكم تتقلبون في اسلاب الهالكين، ويرثها منكم الباقون؟ كذلك (تكونون) حتى تردوا إلى خير الوارئين وأنتم تجهزون كل يوم غاديا أو رائحا إلى الله عز وجل ، تضعونه في صدع من الأرض ثم في بطن صدع، قد توسد التراب، وخلف الأحباب، وقطع الأسباب موجه للحساب، غني عما خلف، فقير إلى ما قدم، يحضهم على الفكر والذكر بذلك. فإذا تفكر العبد على نحو ما وصفنا قصر أمله واستعة للقاء ربه بالتوبة، فأعطي العزم ألا يعود فيما كره ربه عز وجل. قلت: قد وصفت لي ذكر الخوف للموت ومطالبة قصر الأمل بإبهام الأجل ال والعبر بالموتى، وقد كنت أذكر (بعض ذلك) من قبل، فلا أجده ينجع في قبي، وإن نجع (في قلبي) لم يلبث إلا قليلا حتى يزول عن قلبي قال: إنك تذكره بجملة المعرفة والقلب مشغول بغير ذلك، فلو ذكرته ذكرا يباشر قلبك أنجع ذلك فيك، وهاج منه خوف المعاجلة، ولزمه قصر الأمل. قلت: فكيف أذكره ذكرا يباشر قلبي قال : أن تفرغ قلبك حين تذكره من ذكر كل شيء إلا من ذكره، فإذا ذكرته كذلك باشر ذلك قلبك، إذ لاشيء فيه غيره، ولم يلبث أن يتبين ذلك على بدنك، وكما وصف الله عز وجل قلب أم موسى عليه السلام ، حين فرغ من كل شيء إلا من ذكر موسى قال: ما بين الحاصرتين: سقطت من ط في ط: ترد. في ط: مما. في ط : وقد كنت أذكر من قبل بعض ذلك. ما بين الحاصرتين: سقطت من ط ============================================================ (وأصبح فؤاد أم موسى فارغا) أي: من كل شيء إلا من ذكر موسى عليه السلام { إن كادت لتبدي به ، قال : تقول: ابناه. فأخبر تعالى أن فؤادها لما فرغ من ذكر كل شيء إلا من ذكر ابنها كادت أن بديه، فيكون في ذلك ما تحاذر وما يهلك ، فكيف لا يظهر ويتبين على من فرغ قلبه لذكر الموت وما يبدو منه فيه نجاته. فمن فرغ قلبه من ذكر كل شيء إلا من ذكر الموت غلب على قلبه من الحزن والهم ما يكاد أن يجد (منه) طعم الموت، كما روي عن عيسى ابن مريم عليه السلام أنه قال: "يا معشر الحواريين، ادعو الله عز وجل أن يهون علي هذه السكرة، فلقد خفت الموت حتى أوقفني خوفي من الموت على الموت" . فمن باشر ذكر الموت قلبه انكسر عن الدنيا فؤاده، وقل سروره وفرحه وحسده فيها، كما قال أبو الدرداء: "من باشر ذكر الموت قلبه قل فرحه سورة القصص، الآية: 10.