Qur'an&Sunnahالقرآن

Hakîm et-Tirmizî — Hatmü'l-Evliyâ (velâyet mertebeleri)

hakim · AR

قسم V01/P046–V01/P048Hakîm et-Tirmizî — Hatmü'l-Evliyâ (velâyet mertebeleri) (s. V01/P046–V01/P048)

ولولا أن مع المؤمنين نفوسا شهوانية، إذا اطلعوا على ما لهم عند مليكهم من الرأفة والمحبة والرحمة والمجد الرفيع، فاستبدوا واجترأوا وأفسدوا سبيلهم ورفضوا العبودية - لكانوا يبشرون بذلك. ألا ترى من آداب الملوك، كيف يعاملون خدمهم؟ ترى الخادم يحل من الملك، من أجل أدبه وحظوه، محل الولد؛ فيكتم ذلك عنه ويطوي خبره وينقبض له، كي لا يفسد ولا تنقطع عنه هيبته. فإذا أدبه، وراض نفسه، وطالت صحبته فوض إليه أموره وأفشى عنده أسرارا لم يكن يطلعه عليها قبل ذلك. وأبدى له محبته، وأنزله من نفسه منزلة الأحرار. وإنما طوى الله العواقب عن المؤمنين نظرا لهم: كي لا تستبد نفوسهم ولا يأخذها الأشر والبطر بما أعطاهم من مننه. قال له قائل: أفيجوز أن يبشر الأولياء بحسن العاقبة؟ قال: أما أولياء الحق، فلا أحققه لأنهم لم يصلوا إليه. وإنما وصلوا إلى مكان القربة ومكن لهم على شريطة اللزوم، مخافة خيانة النفس. وأما المتصلون به، المحدثون فلا أبعده. قال له قائل: ولم ذلك؟ قال: لما قد ذكرت: فإنه لا يرد على قلوبهم إلا ما يورده الحق وتقبله السكينة. والسكينة هي مقدار من الله. وهو الذي قدر به حدود الكعبة لإبراهيم خليل الرحمن، صلوات الله وسلامه عليه! حتى بنى على ظله. وهو الذي كانت بنو إسرائيل تعمل على كلامه من التابوت. (وقد) وصفه الله تعالى في تنزيله، فقال: {هو الذي أنزل السكينة في قلوب المؤمنين ليزدادوا إيمانا مع إيمانهم} أي: طمأنينة في قلوبهم مع طمأنينتهم بذلك من طريق الإيمان. وبالسكينة تطمئن القلوب للخير الوارد عليها. فيجوز (إذن) أن يبشروا (بحسن الخاتمة) وتطمئن قلوبهم بالبشرى. وأين قوله تعالى: {ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة}. روي عن أبي الدرداء، رضي الله عنه، أنه قال: ((سألت عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ما سألني عنها أحد. فتلك البشرى، هي الرؤيا الصالحة يراها العبد أو ترى له))، وجاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((أن رؤيا المؤمن كلام يكلمه الرب تعالى لعبده في منامه)). فتأتي البشرى على قلبه في اليقظة، فإن القلب خزانة الله، وروحه يسري إلى الله تعالى، في منامه، فيسجد له تحت العرش، وقلبه يسير إليه فوق العرش في الحجب، فيلاحظ المجالس، ويناجي ويبشر. وفيه توحيده وإلهامه وفراسته وسكينته، وهو أثبت وأوكد. وإنما قصد رسول الله صلى الله عليه وسلم لذكر المنام لأن النفس مزايلة للروح في ذلك الوقت، فلا تقدر أن تلقي فيها شيئا. والقلب الذي قد نال مجالس الحديث قد ماتت نفسه. وهو في قبضته أحصن وأوكد حراسة من الروح في منامه. ثم يرجع من حيث كان إلى عقله فيعرض عليه. وإذا ذكر (الرسول عليه الصلاة والسلام) الرؤيا عندنا، لأن الرؤيا أعم وأكثر. والقلب الذي في قبضته قليل في الخلق، لا يبلغ عددهم عدد الأصابع. وأين قوله عز وجل: {أفمن كان على بينة من ربه ويتلوه شاهد منه؟} وهل البينة إلا ما انكشف عنه من الغطاء؟ وأورده الحق؟ فصار على بينة من ربه. وهل الشاهد الذي يتلوه إلا السكينة، التي ذكر الله تعالى في كتابه: {ليزدادوا إيمانا مع إيمانهم} فقد أخبر الله عز وجل، عن فعل السكينة في القلب: أن يزداد بها طمأنينة فإن الحق يقبله (القلب) والسكينة يسكن إليها. (الفصل الرابع عشر) (البشرى) قال له قائل: وما صفة الولي الذي هذه بشراه؟ قال: احفظ علينا حتى ينقضي ما نحن فيه! أن الله عز وجل، خلق هذا الآدمي وله قلب (هو) وعاء لتوحيده، ونفس (هي) وعاء لشهواته. والصدر ساحة القلب والنفس. ولكل واحد منهما باب شارع إلى هذه الساحة. وللنفس مشاركة مع القلب فيما يرد على هذا القلب في هذا الصدر. فما دامت النفس حية، في غطاء الشهوات لم تؤمن من أن تلقى من حديثها في القلب، كي يأخذ بحظها من البدن (فبالنبوة) انكشف الغطاء ولم يبق هناك شيء يحتجب. فماتت النفس وحيي القلب. فإن بشرت بالنجاة، لم يكن هناك نفس تضيق (تعيق؟) وتضر وتستبد.

قسم V01/P048–V01/P051Hakîm et-Tirmizî — Hatmü'l-Evliyâ (velâyet mertebeleri) (s. V01/P048–V01/P051)

والأولياء الذين أخذوا من أجزاء النبوة أكبرها، وهم المحدثون، قد قربوا من الأنبياء محلا (فإن بشروا بالنجاة لم يكن هناك نفس تضيق وتضر وتستبد. أما الذين) منعوا البشرى، نظرا لهم، فمن أجل ما بقي عليهم من حياة أنفسهم، لكي يقهروا هذا الخطر العظيم الذي ركبوا أهواله، (وهو) هذا الذي بقي في نفوسهم. فإذا رفع ذلك عنهم، ورفع عن قلوبهم حجاب البهاء والمجد والبهجة والجمال، فترددت قلوبهم في ملك الملك، وتراءى لهم من عظيم رحمته وسعة مغفرته، ولاحظوا عزه وجلاله وجوده - عاشوا في كنفه متبسطين إليه. فإن بشروا (حينئذ) جاز (ذلك لهم)، لأن عظمة الله قد ملأت صدورهم، ووحدانيته قد ملأت قلوبهم. وصفت أرواحهم فأخذت بقسطها من حظوة الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم! وقد بشر رسول الله صلى الله عليه وسلم تسعة من أجلة أصحابه، وعاشرهم فقال: ((أبو بكر في الجنة، وعمر في الجنة، وعثمان في الجنة، وعلي في الجنة، وطلحة في الجنة، والزبير في الجنة، وسعد في الجنة، وسعيد في الجنة، وعبد الرحمن في الجنة)). وقال في حديث آخر: ((وعبيدة بن الجراح في الجنة)). حدثنا بذلك أحمد بن عبد الله المهلبي، حدثنا عبد العزيز بن محمد الدراوردي، حدثنا عبد الرحمن بن حميد بن عوف، عن أبيه، عن جده: عبد الرحمن بن عوف، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((أبو بكر في الجنة .. .. )) وذكر مثله. وكان سول الله صلى الله عليه وسلم من أنصح الخلق لله تعالى في عباده، فهل بشرهم إلا بعد معرفته أنه لا تضرهم البشرى؟ وكلهم صديقون. والصديق الأكبر فيهم والفاروق والمحبوب، والشهيد والحواري والوصي والأمين. وكلهم أولياء وصديقون. فكذلك من بعدهم من المحدثين من الأولياء. قال له قائل: هذا خبر أورده الرسول صلى الله عليه وسلم ، فيهم، فليس في هذا ريب. قال له: إني لم أحتج بهذا الحديث، لهذا الذي ذهبت إليه، إنما جئت به محتجا أنه بشرهم. فلو علم أنه تضرهم (البشرى) لطوى عنهم الخبر. أترى أنه لم يكن في أصحابه من أهل الجنة غير هؤلاء العشرة؟ بئس الظن هذا! إنما بشرهم وطوى عن غيرهم، لأنه لم يأمن على نفوسهم من هذا الخبر. والذين قربهم (الله) تعالى وأوصلهم (إليه) ذهبت الخيانات عن نفوسهم، وماتت شهواتهم، وحييت قلوبهم، فلم تضرهم البشرى. ألا ترى كيف وصفهم (الله تعالى) في تنزيله فقال: {لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم. أولئك كتب في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه}. فروي أن أبا قحافة نال من رسول الله صلى الله عليه وسلم فسمعه أبو بكر، رضي الله عنه، فصك صدره حتى وقع مغشيا عليه. ويقال: فيه نزلت هذه الآية وفي أبي عبيدة بن الجراح. وذلك أن الجراح سبب رسول الله صلى الله عليه وسلم فحمل عليه ابنه، أبو عبيدة فقتله. وقال عبد الرحمن بن أبي بكر لأبيه: يا أبت، لقد كنت وجدت إليك سبيلا يوم بدر. فصفحت عنك. فقال: أما أني لو وجدت ذلك منك لما صفحت عنك! وروي أن سرية مرت على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما لقوا العدو، نال بعضهم من رسول الله عليه الصلاة والسلام، فقال رجل من الأنصار، لذلك العدو: لي أبوان فاذكرهما بما شئت من السب، ولا تذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم . قال: فكأنما أغراه، فازداد سبا. فلم يصبر هذا الرجل، فحمل وحده عليهم، فألقى بنفسه بين أظهرهم فقتلوه. فلما رجعوا، ذكروا ذلك لرسول الله عليه السلام، كأنهم توهموا أنه ألقى بيده إلى التهلكة. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((فما ظنكم برجل لقي الله غدا منيبا فغفر له)).

قسم V01/P051–V01/P054Hakîm et-Tirmizî — Hatmü'l-Evliyâ (velâyet mertebeleri) (s. V01/P051–V01/P054)

فهذه صفة الأولياء، وهذا شأنهم في الظاهر. ((لا يخافون في الله لومة لائم)). يحبهم ويحبونه)) ((أذلة على المؤمنين، أعزة على الكافرين)). أهل رقة ورأفة ورحمة؛ لا رقة ملق وخداع واستمالة. أعزة على الكافرين. أهل غلظة وحمية لله عز وجل؛ لا تحاسد ولا تجبر ولا صلف ولا استبداد)). ووصف الله تعالى أنه كتب الإيمان في قلوبهم، وحببه إليهم، وزين ذلك أيضا في قلوبهم. ثم قال: {وأيدهم بروح منه}. (فهؤلاء) أهل لأن يبشروا. قال له قائل: ولم ذلك؟ قال: لأن الكتاب من المنة، والكريم لا يرجع في المنة! (الفصل الخامس عشر) (الكتاب والروح) قال (له قائل): وما الكتاب؟ وما الروح؟ قال: كتاب رب العالمين، في قلوب خاصته، والروح هو الحق! قال: وما الحق؟ قال: اقتصر في السؤال على قدر طوقك لاحتماله، فإنما القلوب أوعية وكل وعاء. إنما يحتمل بقدره، فإذا حملته أكثر من ذلك انشق وفاض وكان فسادا. فليكن اقتصارك في شأن النفس حتى تطهرها فينشرح صدرك. ألا ترى إلى قوله تعالى: {أنزل من السماء ماء فسالت أودية بقدرها فاحتمل السيل زبدا رابيا} إلى قوله: {وكذلك يضرب الله الحق بالباطل}. فهؤلاء أولياء الله تعالى: {كتب في قلوبهم الإيمان} وجعل لهم متعلقا بقوله: {وأيدهم بروح منه} وأوجب لهم ((الرضى عنهم)) فقال: {رضي الله عنهم}. ووصفهم بأنهم أهل الرضى عنه فقال: {ورضوا عنه} ثم وصفهم بأنهم حزبه فقال: {أولئك حزب الله} فهم رجال الله في أرضه، الذابون عن أمره، الناصرون لحقه. وقال (عز وجل) في آية أخرى: {ومن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها} وإذا ذكر الله المؤمن، فإنما يذكر المستكمل الإيمان. فصيره مستمسكا {بالعروة الوثقى لا انفصام لها}: (أي): لا ينفصل من وليها. قال له القائل: وما العروة؟ قال: حق علي أن أؤخرها حتى أجد لها موضعا، فإنها حكمة الحكمة! قال له القائل: فيجري! وأحتسب تعطفا! قال: نعم، سل مفتقرا إلى ربك. قال: ما العروة الوثقى؟ قال: جلال الله تعالى، لا انفصام لها من الله. فلما أبداها في صدور الأولياء والمحدثين، وأشرق نور الجلال فيهم علقت قلوبهم به؛ فهامت في جلاله، ولهت عمن سواه، واشتغلت به. فهم المستمسكون بالعروة الوثقى، التي لا تنفصم من مبدئها. وأيدهم (الله تعالى) بروح الجلال فتعلقت بذلك التأييد بجلال الله تعالى! وأتلفت قلوب الأولياء حتى صارت كلها على قلب رجل واحد. وهو قول رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((يدخل الجنة من أمتي سبعون ألفا بغير حساب، قلوبهم على قلب رجل واحد)). وإنما صاروا هكذا، لأن قلوبهم لهت عن كل شيء سواه، وتعلقت بمتعلق واحد: فهي كقلب واحد. ولهذا قال عليه الصلاة والسلام، فيما يذكر عن ربه، عز وجل: ((وجبت محبتي للذين يتحابون لجلالي ويتصافون لجلالي!)). وهم الذين قال الله، عز وجل، عنهم في تنزيله: {لو أنفقت ما في الأرض جميعا ما ألفت بين قلوبهم ولكن الله ألف بينهم} وروح الجلال أعظم شأنا من أن يوصف. فإذا وجدت قلوبهم نسيم روح الجلال، كادت تطير من أماكنها شوقا إليه، وهم محبوسون برمق الحياة، وصاروا في اللقاء يهش بعضهم إلى بعض؛ يطفئون حرقة الشوق باهتشاش بعضهم إلى بعض، ائتلافا وتبسما وتلذذا. ومنه قوله صلى الله عليه وسلم ، لما ذكر العلماء: ((بروح ائتلفتم، وكتاب الله تلوتم، ومساجد الله عمرتم، أحبكم الله وأحب من يحبكم)). ومنه قوله صلى الله عليه وسلم : ((إذا التقى المؤمنان وتصافحا تحاتت عنهما ذنوبهما كما تحاتت ورق الشجرة اليابسة)). فهذه صفة الأولياء. حدثنا ابن أبي ميسرة، حدثنا إسماعيل بن عيسى بن سورة، حدثنا عبد الله بن الحسين، قاضي البصرة، حدثنا سعيد بن إياس الحريري، عن أبي عثمان النهدي، عن عمر ابن الخطاب، رضي الله عنه، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((إذا التقى المسلمان كان أحبهما إلى الله تعالى أحسنهما بشرا بصاحبه. فإذا تصافحا أنزل الله عليهما مائة رحمة: تسعين منها للذي بدأ بالمصافحة، وعشرة للذي صوفح)). فإنما استوجب صاحب البشر والمصافحة لما في قلبه من هذه الأشياء، التي وصفنا.

قسم V01/P054–V01/P056Hakîm et-Tirmizî — Hatmü'l-Evliyâ (velâyet mertebeleri) (s. V01/P054–V01/P056)

وقال عز وجل، في شأن موته (الولي): {فأما إن كان من المقربين فروح وريحان وجنة نعيم}. وحدثنا بشر بن هلال الصواف، حدثنا جعفر بن سليمان الضبعي الأشجعي، عن هارون الأعور، عن عبد الله بن شقيق، عن عائشة، رضي الله عنها، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قرأ: ((فروح)) بضم الراء، وهو الروح. ومن قرأ بفتح الراء فمرجعه إلى هذا، لأن ذلك الروح له روح يكشف عنه كرب الموت وجهده وغمه وضيقه، و((ريحان)) يدفع عنه غصة الموت ومرارته. فهذا ((للمقربين)) وهم أولياء الله. {وأما إن كان من أصحاب اليمين فسلام لك من أصحاب اليمين} فليس هو من المقربين في شيء. فقد أخبر الله تعالى أنهم قد تعلقوا {بالعروة الوثقى} التي {لا انفصام لها} وهو قوله: {وأيدهم بروح منه} والتأييد هو أن يجعله لقلبه زماما متعلقا به. فعبد له من الله تعالى كل هذه الحظوظ، إن بشره بفوز العاقبة ماذا يضره (ذلك)؟ وقد بينا أن البشرى إنما كانت ممنوعة من أجل الضرر، وقلب هذا (الولي) في قبضته، به ينطق به ويسمع وبه يبصر وبه يعقل فلن تضره البشرى. (الفصل السادس عشر) (تفكير عامة المؤمنين وتفكير خاصة الأولياء) فسائر الموحدين بعقولهم يعقلون الأمور، وهو (الولي المقرب) بالله يعقل. فلو عقل هذا، الذي الكبر في صدره، ما قال قوله: (كيف) يعقل بالله؟ ولعلم أن الذي ذهب إليه جهل كبير. ولقد قصر بأمر الأولياء. وما أظن أنه ينجو من هذا حتى يرديه مذهبه. وهو يرى في نفسه أنه يعظم أمر الله بتحقير أمر الأولياء: فإذا هو يبني من جانب ويهدم من جانب آخر ما يبني، حتى يقتل نفسه تحت الهدم! وهذا (المنكر) شبيه بأمر ذلك المخذول (المعطل): ما زال ينزه ربه حتى نفاه. والمخذول الآخر (المشبه): ما زال يثبت الصفات له، ردا على الآخر، حتى شبهه بخلقه. فهذا كله من ظلمة نفوس أقوام لم يتطهروا من دنس القلوب، ولم يروضوا أنفسهم حتى يتخلصوا من حجبها. وانخدعوا لها، ووجدوا شيئا من روح هذا الطريق فقعدوا. وبسطوا بساط الطبيب (المنتحل للطب) الذي يعترض ممر الناس ببيع الأدوية، يصفها للناس بكلام منظوم، قد أعده لهم، لتأخذ دوانقهم، وهو خلو من علم الطب. فإذا تعرض له الحاذق بالطب وبعلم الطبائع (واختبره) تحير (أمامه وانقطع). فهذه الطبقة التي يكبر في صدورهم بلوغ الأولياء هذا المحل من ربهم، فيدفعون هذا لجهلهم، لا يعلمون أن لله عبادا غرقوا في بحر جوده، فجاد عليهم، بكشف الغطاء عن قلوبهم، عن عجائب! وأطلعهم من ملكه ما نسوا في جنبه كل مذكور، حتى تنعموا به في حجبه الربانية. قال له قائل: قد فهمت عنك ما شرحت، (ولكن) كيف عجز هؤلاء الذين دفعوا هذا الأمر، كما ذكرت؟ قال: لإعجابهم بصدقهم، وإكبابهم عليه وانقطاعهم عن منن الله تعالى. وكيف يعرفون مننه، وهم مشغولون بنفوسهم ودواهيها؟ ومتى يصلون إلى قرب الله تعالى، وهذه أحوالهم؟ فهم في غفلة عن الله، وفي عمى عظيم. إنما شغلتهم نفوسهم، فمرة مشغولون بقمع النفس وردها عما تريده، ومرة مشغولون بشهوة قد خدعتهم نفوسهم فيها، حتى دستهم في التراب وهم في غرة. قال له قائل: مثل ماذا؟ وصف لنا منه شيئا. قال أحدهم: يخطر بباله شيء مما قد حظر عليه. فتنازعه نفسه. فيجاهدها حتى يردها، لأنه محرم عليه. فهو مشغول في ذلك. ثم تخدعه نفسه في ميلها، مما قد أذن لها فيه. فتزين له ذلك حتى تجره إلى الذي حرم عليه. فهو لا يزال كذلك، شأنه في السمع والبصر واليد والرجل والبطن، حتى إذا صارت الجوارح ذات تهمة كتمت النفس القلب ذلك. فإذا خافت النفس أن يشعر القلب بهذا، فينكر عليها ويأخذ بيدها - وثبت إلى منطق حسن، (مما) يوعظ الناس (به)، ووثبت إلى المحراب تأخذ في العبادة، وتموه على القلب وتزكي جوارحها لديه، فإذا كانوا (منكرو أحوال الأولياء) بهذه الصفة، فمتى يصلحون لمكان القربة، فضلا عن مطالعة شأن الملكوت وقرب الله تعالى ونجواه؟

قسم V01/P056–V01/P058Hakîm et-Tirmizî — Hatmü'l-Evliyâ (velâyet mertebeleri) (s. V01/P056–V01/P058)

وعامة نجوى هؤلاء وسوسة وخدعة للنفس. فإذا ذكر شأن الأولياء، قدروا أحوالهم على ما يرون من أمور نفوسهم. فكذبوا نعم الله تعالى، ودفعوا مننه، وجهلوا أمره، فهذا من أعظم الفرية على الله تعالى. قال له قائل: فإن بعضهم احتج بقوله تعالى: {فلا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون} وقال: إن الأمن (من مكر الله) أول ضلال هذه الطبقة، وهذا يؤدي إلى الزندقة. وقال الله تعالى: {قل لا يعلم من في السموات والأرض الغيب إلا الله وما يشعرون} وأن الولاية والمحبة والسعادة والشقاوة غيب عند الله تعالى، لا يعلم إلا هو، وزعم أنك ناظرت يحيى بن معاذ في ذلك حتى بقي متحيرا. وأن هذه الطبقة تقدم نفسها على الأنبياء. قال له: أما قوله تعالى: {فلا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون} فهذا قول الله، لا ريب فيه ولا في قبوله. وهو أنه لا يعلم ما حاله عند الله تعالى. فإن أمن فهو خاسر جاهل. كأنه حكم على الله من غير أن يحكمه. فأما من بشره (الله) فرد بشراه فقد اجترم، كما اجترم ذلك الآخر. فهذا من هذا الوجه، وذلك من ذلك الوجه. فحق على من لا يعلم، أن لا يأمن. وحق على من أمن أن يأمن، فليس الأنبياء، عليهم السلام، كانوا يأمنون (من أنفسهم)، (ولكن) لما أمنوا أمنوا. والأنبياء لهم عقدة النبوة، والأولياء لهم عقدة الولاية. (الفصل السابع عشر) (عقد الولاية وعقد النبوة) قال له قائل: (وما عقد النبوة؟) وما عقد الولاية؟ قال: ولي الله الأنبياء: بأن أخذهم من نفوسهم إلى محل النبوة وكشف الغطاء. وولي هذا الصنف من الأولياء: بأن أخذهم من نفوسهم إلى محل الولاية وكشف الغطاء. فهؤلاء في عقدة وهؤلاء في عقدة: فلا يأمنون حتى يؤمنوا. وسائر الخلق، من الموحدين، في عقدة التوحيد، يتطلعون بقلوبهم (إلى) ما عنده. وذانك الصنفان (في عقدتي النبوة والولاية) ينجذبون بقلوبهم إليه. فالذين عندهم ينالون مما لديه؛ وعقد قلوبهم هناك. والعامة من الزهاد والعباد والمتقين والمخلصين، ينالون مما ألقى إليهم في أرضهم: فهم أرضيون وأولئك عرشيون. هؤلاء نفسيون، وأولئك قدسيون. هؤلاء عبيد النفوس؛ وأولئك عبيد الجواد الكريم! وهؤلاء (هم) الذين قال (عنهم) عيسى ابن مريم، عليه السلام، في خطبته: ((فلا عبيد أتقياء ولا أحرار كرماء)). فالعبيد الأتقياء. عبيد النفوس، لم يفتح لهم الباب فبقوا مع مجاهدة النفوس، فهم الأتقياء. والأحرار الكرماء: (هم) الذين أعتقوا من رق النفوس، بما فتح لهم من الملكوت. قال الله تعالى: {وكذلك نري إبراهيم ملكوت السموات والأرض وليكون من الموقنين} فهؤلاء أهل اليقين. قال له قائل: من أي طريق يؤمنون؟ قال: من طريق ما أخبرتك: الأنبياء، من طريق الوحي، أورده عليهم فقبلوه بالروح؛ والأولياء من طريق الحق، أوردهم على قلوبهم فقبلوه بالسكينة. ولم يقبلوا شيئا خالف الشريعة. وإما قبل (الأولياء) بشراه، بعد أن أعطاهم الله تعالى طهارة القلوب، وعلم التوحيد، ومعرفة الآلاء. فاطلع قلوبهم ملكا ملكا، وقطع لهم من كل ملك حظا. وأوصلهم إلى نجواه ومجالسه القدسية. وأمات نفوسهم عن جميع الشهوات: دنيا وآخرة. فامتلأت قلوبهم من عظمة الوحدانية! فأنى يستفيقون لذكر النفوس؟ فإذا أماتهم (الله تعالى فهم) لا يلتفتون إلى طلب فائدة أو علم أو حكمة حتى يكون هو الذي يفيدهم ويدلهم. ولا يلتمسون رياسة ولا ميل الخلق إلى ما جاؤوا به حتى (لا) يصير الالتفات حجابا لهم عن خالقهم. وبعد هذه الأشياء، بشروا بفوز العاقبة. فلو لم يكن في قلوب (الأولياء) إلا حسن الظن بعطاء (الله) لكان تحقيق ذلك: الخبر على قبولهم. فكيف بالفراسة والإلهام والحق والحكمة وروح الجلال وعجائب (مطوية) في قلوبهم؟ (ف)كلها محقق ومصدق هذا الخبر. ثم السكينة تلقي الخبر (في القلب) فيقبله (القلب). ف(كيف) يمكنه (الولي) رده (خبر البشرى)؟ (الفصل الثامن عشر) (منكروا أحوال الأولياء)

قسم V01/P058–V01/P060Hakîm et-Tirmizî — Hatmü'l-Evliyâ (velâyet mertebeleri) (s. V01/P058–V01/P060)

وهذا الذي يدفع (مثل) هذا، لا يعلم من هذه الأشياء إلا أسماءها. ولا يعلم صنع الله على القلوب. وهم مقرون بهذه الأسماء، فلو علموا ما هذه الأسماء التي ذكروها وما أفعالها على القلوب - لكانوا لا يحتجون بمثل هذه الحجج. فهم يقولون: حكمة حكمة! وفراسة، فراسة! وإلهاما إلهاما! وليس عندهم وراء هذا شيء. ألا ترى أنك تجد في مسائلهم أنهم يقولون: ما الفرق بين الوسوسة والإلهام؟ وليت شعري هل يعرفون قصة الإلهام وقذفه وصفته؟ من أين، وكيف، ومتى يكون؟ فكذلك هان عندهم شأن الإلهام! وقد بلغ من سلطان الإلهام، ما بلغنا أن عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، نطق على المنبر، على الإلهام: ((يا سارية بن حصين، الجبل، الجبل)). فسمع الجيش كلمته في ذلك، وهم منه على مسيرة شهر، كما روي في الخبر. فانحازوا إليه، وأعانهم الله بذلك النداء. فالمحدث حديثه فيما بينه وبين ربه. فإذا صار (المحدث) إلى أمور الغيب، قذف إليه الخبر مع شعل الأنوار. فلولا أن ذلك القذف موسوم بالرحمة لذابت له الجبال، من هول السلطان الذي معه. فإذا صار (المحدث) إلى الفراسة، نظر بنور الله التام، فنفذ بصره فيما لم يخلق بعد. وكل هذا كان موجودا في عمر، رضي الله عنه، ألهم حتى نادى: ((يا سارية الجبل))، من مسيرة شهر. وتفرس في الأشتر، حين دخل عليه، حدثنا بذلك يعقوب بن شيبة، قال: حدثنا بشر بن الحارث، عن سعيد بن عمر بن مرة، عن عبد الله بن سلمة، قال: ((دخلنا على عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، مع وفد مذحج. فنظر إلينا، حتى انتهى إلى مالك الأشتر. فصعد فيه النظر وصوبه، ثم قال: أيهم هذا؟ قلنا: مالك ابن الحارث. قال: قاتله الله! إني لأرى منه للمسلمين يوما شرا عصيبا)). وهذه وصمة عظيمة شديدة عند العقلاء. تدل على أنهم في صدقهم مدخولون، حسدة، بغاة؛ حب الدنيا في قلوبهم مشحون. يكبر في صدورهم أن يترأسهم أحد. فيقصدون قصد منن الله تعالى فيدفعونها. فعلماء الظاهر يدفعون كرامات الأولياء: من نحو المشي على الماء، وطي الأرض. فينكرون هذه الأخبار، ويقدرون ذلك من تلقاء أنفسهم. ويزعمون أن تلك (الكرامات) من آيات المرسلين، (الخاصة بهم وحدهم). فإن أثبتنا ذلك لمن دونهم، أبطلنا حجج المرسلين. وما أبعد ما وقفوا معه، فلم يميزوا بين الآيات والكرامات، ولم يعلموا أن الكرامات من كرمه والآيات من قدرته. فلم يقروا بالكرامات ليأسهم من هذه الكرامات، لما هم فيه من الأدناس والتخليط. وهؤلاء القراء، أعني المدعين للصدق، يدفعون ما وصفنا من شأن المحدثين والملهمين، الذين هم خاصة الأولياء. يقدرون ذلك من تلقاء أنفسهم، ويزعمون ((أن هذا لا يكون. وما وجدت علة (ل) هذا الذي دهاهم، حتى أنهم أنكروا (كرامات الأولياء). إلا أنهم قدروا هذه الأمور على ما رأوا من حظوظ نفوسهم منه (الله تعالى). فإنما حظهم منه التوحيد، ثم الجهد في وفاء الصدق، ثم الصدق في الجهد حتى ينالوا شيئا من القربة. وهم في عمى عن علم منن الله تعالى، وحظوظه لخاصته، ومحبته إياهم ورأفته لهم. فإذا سمعوا بشيء من هذا تحيروا وأنكروه. ثم هم يروون الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((إن لله عبادا ليسوا بأنبياء ولا شهداء، يغبطهم النبيون والشهداء لمكانهم وقربهم من الله، عز وجل!)). و((ليتمنين اثنا عشر نبيا أنهم كانوا من أمتي))؛ ((لو أقسمت، لبررت، أن لا يدخل قبل سابقي أمتي الجنة إلا بضعة عشر منهم إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب ومريم ابنة عمران)). فإذا رأوا هذه الأخبار سمحوا، وإذا صاروا إلى الإشارات وإلى المنصوص من الناس جحدوا. فهل هذا إلا من الحسد؟ فصار مثالهم في هذا، كما قال الله تعالى في تنزيله: {فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون} كانوا يتحدثون فيما بينهم بمبعث نبي يخرج على دين إبراهيم، خليل الرحمن، صلوات الله عليه، فلما جاءهم محمد صلى الله عليه وسلم ، جحدوه. قال له قائل: أليس في هذه الأخبار ما يدل على تفضيل من دون الأنبياء على الأنبياء؟

قسم V01/P060–V01/P063Hakîm et-Tirmizî — Hatmü'l-Evliyâ (velâyet mertebeleri) (s. V01/P060–V01/P063)

قال: معاذ الله أن يكون كذلك! (فإنه) ليس لأحد أن يفضل على الأنبياء أحدا لفضل نبوتهم ومحلهم. قال (له قائل): هلم فيغبطهم النبيون وليسوا بأفضل منهم؟ قال: قد فسره في الخبر، وذلك: ((لقربهم ومكانهم من الله)). فأما قوله (المنكر لأحوال الأولياء) محتجا (بقوله تعالى): {فلا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون} فهل يدري قائل هذا القول، ما المكر، ليحتج به ههنا؟ وتفسير المكر أغمض من أن يفهمه صاحب هذا الكلام. فالأنبياء والرسل لم يأمنوا المكر بعد البشرى. وليس المكر عندنا ما يعقله العامة، (أعني المكر الذي) هو خوف التحويل؛ فذلك غير حاصل، (فإنه) إذا أمن وبشر أمن من المكر. وأما المكر الذي لا يجوز أمنه فأعظم شأنا من (أن يفسر أو يوضح هنا). وأما قوله: أن هذا يؤدي إلى الزندقة، فليت شعري هل يدري ما الزندقة؟ أو سمع الناس يذكرون اسما قبيحا (فطفق يردده كالببغاء!) فكل من تحرك يريد التشنيع على غيره، يقول: هذا زندقة! فلو قال الآخر: بل الذي في يدك زندقة، لأنك تزعم أنك تعبد الله وأنت تعبد نفسك وهواك. ونفسك صنم بين يديك، وأنت معني بها فماذا تقول له؟ وأما قوله: {لا يعلم من في السموات والأرض الغيب إلا الله} فعلم الغيب عند الله. وكم من غيب اطلع عليه رسوله! فأية حجة في هذا؟ وإنما يريد أن يروج بمثل هذا على الأغبياء. وكم من غيب اطلع الله عليه أهل الإلهام حتى نطقوا به، وأهل الفراسة! ولم قال أبو الدرداء، رضي الله عنه: ((اتق فراسة المؤمن، فإنها، والله، حق يقذفها الله في قلوبهم وأبصارهم))؟ ومن أين قال سلمان رضي الله عنه، للحارث صاحب معاذ: ((عرف روحي روحك))؟ ومن أين قال أويس القرني: ((وعليك السلام، يا هرم ابن حيان؟)) قال: ((ومن أين عرفت أني هرم بن حيان))؟ قال: ((عرف روحي روحك)). فهذا عمل الروح، الذي ليس له من حظوظ القلب ومحله ومصيره إلى العلا شيء - فكيف بالقلوب التي وصفنا؟ أليس هذا الذي تكلم به أويس من الغيب، ولم يعرفه قط؟ أليس قد اطلع عليه؟ وقول عمر، رضي الله عنه، للأشتر: ((إني لأرى للمسلمين منه يوما شرا عصيبا))؟ وقوله: يا سارية، الجبل!)) وهو على المنبر. ومثل هذا أكثر من أن يحصى. وقول أبي بكر، رضي الله عنه، لعائشة، رضي الله عنها: ((إني كنت نحلتك جدار نحل بالعالية. ولم تكوني حزته، وإنما هو مال الوارث، وإنما هو أخوك وأختاك)) فقالت له: يا أبت، إنما لي أخت واحدة. فقال: إني ألقي في روعي أن الذي في بطن بنت حارثة (هو) بنت: قالت: فولدت ابنة! أفليس قد حكم (أبو بكر) بما ألقى في روعه، فقال: ((فإنما هما أختاك))؟ فأثبت بالقول أن الذي في بطنها من ولده وأنها بنت. أفليس هذا غيبا قد اطلع عليه من طريق الحديث أو من طريق الإلهام؟ ويقال لهذا الزاعم: أن الغيب على وجوه. فهل علمت أي غيب هذا (الذي يعنيه الله في قوله): {قل لا يعلم من في السموات والأرض الغيب إلا الله}. وقال في آية أخرى: {عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا إلا من ارتضى من رسول}. ثم نجد في الأنبياء من ليس برسول، وقد أظهره الله على غيبه من طريق الوحي. (فهناك) غيب عنده (تعالى) يكاد يخفيه من نفسه: وهي الساعة. وغيب أظهره عند المحدثين والأولياء. فهل ميزت بين هذه الأشياء؟ أم أنت في خرف وعجرفة؟ سمعت باسم الغيب (فذهبت) تكرر آية من عرض القرآن محتجا بها! فما لك يا مسكين، والتعرض لحرمة الأولياء؟ أنت رجل عبد نفسه. لم تتخلص من غمة الهوى، فضلا عن الهوى. ولكن هواك راجع إليك. فأنت، في علائق النفس والوساوس، مأسور، فاحذر أن تدخل في منازل الأولياء وكلامهم، فأنت لست من علمهم في شيء! (الفصل التاسع عشر) (الولاية والسعادة والمحبة)

قسم V01/P063–V01/P064Hakîm et-Tirmizî — Hatmü'l-Evliyâ (velâyet mertebeleri) (s. V01/P063–V01/P064)

وأما قوله: الولاية والسعادة والشقاوة غيب لا يعلمه إلا الله - أفليس قد أعلم الله تعالى كثيرا من عباده ذلك؟ وأعلم الله، على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم ، كثيرا من عبيده بشقاوتهم وسعادتهم، مثل أبي بكر وعمر، رضي الله عنهما، حيث شهد لهما بالجنة؟ فإذا كانت الولاية من الله تعالى حقا لعباده، فبشراه لهم حق (أيضا) ولكن صاحب هذا القول خلو من هذا العلم. فهو يحسب أن الولي هو الذي يصير نفسه وليا بصدقه. وهذا حمق! كأنه لم يتنبه لقوله تعالى: {هو الذي يصلي عليكم وملائكته ليخرجكم من الظلمات إلى النور} وقوله تعالى: {الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور}. ويقال له أيضا: أليس قد اطلع الله مريم على الغيب من أمر عيسى، عليه السلام؟ فلما تعجبت، وقالت: {أنى يكون لي ولد ولم يمسسني بشر} قيل لها: {كذلك قال ربك} فعندئذ سكتت واطمأنت. فأثنى الله عليها في تنزيله، فقال عز من قائل: {وصدقت بكلمات ربها وكتبه وكانت من القانتين} فإنها لم تسأله آية على ما بشرت، فأثنى الله عليها وسماها في تنزيله {صديقة} أليس قد وجدت رزقا، فقالت: {هو من عند الله} أليس قد وجدت شيئا لا يعرف في الدنيا ذلك الوقت؟ وجدت فاكهة الصيف في الشتاء. فكان يكون ذلك ممكنا أن يكون الشيطان يحمل إليها سرقة، من عند الآدميين. فهل سبق إلى قلبها قط، إن هذا لعله من الشيطان، يريد أن يخدعها بمثل هذا؟ أليس قد اطمأنت إلى ذلك وقالت: {هو من عند الله}. فإن قال: إن الذي خاطب مريم، عليها السلام، بمثل هذا الخطاب، من ((الغيب)) ملك. قيل له: فإنها لم تر الملك، إنما سمعت النداء، فأي شيء حقق عندها أن ذلك النداء من الملك؟ فحديث الملك، من حيث لا يرى، أبعد أم كلام الله على قلب العبد إذا ألقى إليه حديثا؟ وهو قول داود لابنه، عليهما السلام: ((يا بني، ما أحلى شيء، وما أبرد شيء، وما ألين شيء؟ قال: أما أحلى شيء فكلام الله عز وجل، إذا قرع أفئدة الأولياء، وأما أبرد شيء، فروح الله تعالى بين المتحابين في الله. وأما ألين شيء، فحكمة الله تعالى إذا بشر بها أولياءه)). حدثني بذلك أبي رحمه الله، حدثنا إسماعيل بن صبيح اليشكري عن صباح بن وافد الأنصاري، عن سعيد بن طريف، عن عكرمة، عن ابن عباس، رضي الله عنهما)). ويقال له أيضا: ما قولك في محدث، بشر بالفوز والنجاة فقال: رب، اجعل لي آية تحقق لي ذلك الخبر الذي جاءني لينقطع (الشك والاعتراض) فقال: آيتك أن أطوي لك الأرض حتى تبلغ بيتي الحرام في ثلاث خطوات. واجعل لك البحر كالأرض تمشي عليه. كيف شئت. واجعل لك التراب والجو في يديك ذهبا! ففعل هذا. هل ينبغي له أن يطمئن إلى هذه البشرى، بعد ظهور هذه الآية أم لا؟ فإن قال: لا، فقد عاند واجترأ على الله وحلت به دائرة السوء. وإن قال: نعم، فقد ذهب قوله واحتجاجه الظلماني! ولا ينكر هذا إلا حاسد لنعم الله وتقديره، محب للدنيا، كاتم للمحبة، مظهر للزهو معجب بنفسه. وقد سترت نفسه المخادعة له هذه الأشياء، فهو لا يراها من نفسه. ويحسب أنه يذب عن الحق بقوله، وغيظه في صدره يتلظى. ولا يعلم أن هذا غيظ الغيرة والحسد، وإنه لا يصل بجهده إلى هذا. فهو يغتاظ ويحنق على من أوصله الله تعالى، من طريق المنن والمشيئة حتى يؤديه (ذلك الغيظ والحنق) إلى تكذبيه ورميه بالزندقة. فإذا هو كما قال (الله تعالى لموسى عليه السلام): ((يا موسى، لا تحسد الناس على ماء آتيتهم من فضلي فإن الحاسد عدو لنعمتي، ساخط لأمري، مضاد لقضائي)).

قسم V01/P064–V01/P066Hakîm et-Tirmizî — Hatmü'l-Evliyâ (velâyet mertebeleri) (s. V01/P064–V01/P066)

فهذا المسكين، في الباطن يسخط قسمة الله تعالى، ويضاد قضاءه. ويعادي نعمه. وهو يحسب أنه يذب عن الحق وينكر الباطل. ويقال له: ما قولك في عمر بن الخطاب، رضي الله عنه؟ فإنه كانت رجفة عظيمة في عهده فقال: ((ما هذا؟ ما أسرع ما أحدثتم! والله، لئن عادت لأخرجن من بين أظهركم)). فبأي شيء عرف عمر، رضي الله عنه، أن هذه الرجفة معاتبة (من الله) لهم دونه؟ هل عرف هذا الأمر إلا من قبل ما وصفنا؟ وإلا فكيف استجاز أن يبرئ نفسه من الحدث والمعاتبة، فيقول: ((لأخرجن من بين أظهركم))؟ (الفصل العشرون) (الولي والخطيئة) قال له قائل: فما حال هذا الذي تصفه بهذه الصفة في وقت المقدور عليه من المعصية؟ قال: حاله لا يوصف. قال: وكيف لا يوصف. قال: لأني لو وصفت، لم أصف جزءا من عشرة آلاف مما يحل لصاحبه هذا، إذا وقع في المقدور عليه من الخطيئة ثم انتبه منها. فكل شعرة منه تصرخ إلى الله تعالى ندما. وكل عرق يئن إليه ألما. وكل مفصل منه يتطاير هولا وذهولا. ونفسه دهشة. وقلبه هائم. فإذا لاحظ جلاله، كادت نفسه تزهق. وإذا لاحظ محبته، اشتعل نارا فأحرقت مصارينه. ويكاد كيده يتقطع. ولكأن مصائب الدنيا كلها تراكمت على صدره. لا يطمأن إلى شيء حتى يكون الله هو الذي يرحمه فيرفه عنه ذلك. ولا يزال هذا كيا على قلبه. فمتى يزول عنه أثر ذلك الكي؟ كلما نظر إلى أثر هذا الكي، فاضت عبراته، وجعا وحياء، حتى يعطف الله عليه، فيطمس ذلك منه. قال له القائل: إنك لتصف أمرا على غير سبيل ما أشار إليه يحيى بن معاذ، رحمه الله. قال: رحم الله يحيى بن معاذ! قد عرفت مكان يحيى من هذا الأمر. كان يحيى رجلا من أولياء الله، ممن له حظ في هذا الأمر. ولكن الله عز وجل، فتح له في الغيب من ملك الجمال؛ وملك البهجة مقرون بملك الجمال. فكان إياه يلاحظ، وعنه ينطق؛ وكذلك الشيوخ الذين صحبهم. وصاحب هذا المحل، الأنس غالب على قلبه. والمأنوس منبسط. ويخرجه انبساطه إلى الإدلال. فإن لم يعصمه الله ويؤيده سقط. لأن الجمال يذيبه فيفقده. والبهجة تجيش فترمي به. مثله كمثل قدر فيها من كل شيء من الأطايب؛ ومن تحتها لهب النار. فإذا اشتد غليان القدر؛ جاش بما فيها فرمت بأطايبه ودسمه. وفي هذا المقام يسقم القول. ومن أراد الله به خيرا، قدمه من ملك الجمال، إلى ملك الجلال إلى ملك الكبرياء إلى ملك الهيبة، حتى يقدمه إلى ملك الملك؛ إلى ملك الفردانية. فهيهات أن يخطر ذلك الكلام ببال المقدم وذكره! وقد عرفنا ذلك القول، وهو قول سقيم، غير مقبول ممن قاله، وإن كان له حظ من الولاية. وأجمل لك القول: إنما انتخب الله الولي، وبلغ به هذه المنازل، وليجعله حجة على أهل الموقف، وليرى الملائكة عيب قولهم: {أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء} لما قال: {إني جاعل في الأرض خليفة} {إني أعلم ما لا تعلمون} فأراد لمثل هذا الولي أن يجعل أحواله جلية على أعين الملائكة وحجة على الخلق، لا ليجعله عبرة في الذنوب. ثم قال له: ارفع بال الذنوب عن قلبك، فهذه وسوسة الشيطان، وإياك أن تصغي أذنك إلى هذا القول. فأي حبيب له صدق المحبة في قلبك (وأنت) تجهد نفسك على مخالفته؟ فإن بدت منك جفوة، لا تسخو نفسك أن تستقر حتى تعتبه، ومثل هذا يقلقك في الآدميين. وكيف تتهنى بطعام أو بشراب قبل أن تعتب الكريم الجليل؟ فإنه لو لم يرفع ذلك (ذكرى المعصية) عن قلبك، بلطف رحمته، بعد حين وبعد -ما احترقت في حبه- فكيف تجد القرار؟ (الفصل الحادي والعشرون) (الولي والأسرار الإلهية) واعلم أن من أراد الله هدايته، واكتنفته رأفته ورحمته، ومنحه طريق محبته - فسبيله إذا فتح عليه هذا الطريق أن يرزقه خشيته.

قسم V01/P066–V01/P068Hakîm et-Tirmizî — Hatmü'l-Evliyâ (velâyet mertebeleri) (s. V01/P066–V01/P068)

وإنما برزت الخشية من العلم به؛ فإذا علمه القلب خشيه. وإنما ينال العلم من الفتح؛ فإذا فتح الله له، شاهد الأشياء ببصر قلبه: فعلمه، فخشيه. وإذا التزم القلب الخشية حشاه (الله) بالمحبة. فيكون بالخشية معتصما مما كره الله سبحانه، (مهما) دق أو جل. (ويكون) بالمحبة منبسطا في أمور، ذا شجاعة. فلو ترك (الله العبد) مع الخشية، لانقبض وعجز عن كثير من أموره. ولو تركه مع المحبة وحدها، لاستبد وتعدى: لأن النفس تهيج ببهجة المحبة. ولكنه، تبارك اسمه! لطف به: فجعل الخشية بطانته، والمحبة ظهارته حتى يستقيم به قبله. فيرى التبسم والانطلاق والسعة في وجه (العبد) وأموره، وذلك لظهور المحبة على قلبه؛ (ومع ذلك، في داخله) أمثال الجبال خشية! فقلبه خاشع، ووجهه منطلق. ثم يرقي (الله العبد) إلى مرتبة أخرى، وهي الهيبة والأنس. فالهيبة من جلاله والأنس من جماله. فإذا نظر إلى جلاله هاب؛ وإذا نظر إلى جماله انبسط وطاب. فلو تركه (مع الجلال)، لعجز عن أموره: كثوب ملقى أو جثة بلا روح. ولو تركه (مع الجمال) لجاشت نفسه وتعدت. فجعل (الله تعالى) الهيبة شعاره والأنس دثاره حتى تستقيم له نفسه! ثم يرقيه (الله) إلى مرتبة أخرى، وهي مرتبة الانفراد: مرتبة القربة العظمى. فمكن له (عز وجل) بين يديه، ونقاه بنوره، وفتح له الطريق إلى وحدانيته، وأطلعه على بدء الأمر من قوله: {الظاهر والباطن} وأحياه بنفسه واستعمله. فبه ينطق هذا العبد، وبه يعقل، وبه يعلم، وبه يعمل. وهو قول رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فيما يحكيه عن ربه: ((فإذا أحببت عبدي كنت فؤاده، فبي يعقل. وسمعه وبصره، فبي يسمع ويبصر. ويده فبي يبطش)). فهذا سيد الأولياء، وأمان أهل الأرض، ومنظر أهل السماء. وخالصة الله، وموضع نظره. وسوطه في خلقه؛ يؤدب بكلامه، ويرد الخلق إلى طريقه، ويجعل منطقه قيدا لقلوب الموحدين، وفصلا بين الحق والباطل. فهذا من الصنف الذين اجتباهم بمشيئته: لا من الصنف الذين ولي هدايتهم بإنابتهم. فإنهم قد ذكروا في الكتاب، فقال، عز من قائل: {الله يجتبي إليه من يشاء ويهدي إليه من ينيب} فالمجتبي هو عبد قد جذب الله تعالى قلبه إليه، فلم يعان جهد الطريق، وإنما جذبه على طريق اصطفاء الأنبياء. لأن حاله هذه، خرجت له من المشيئة. فأجراه (الله) على خزائن المنن. ثم أخذ بقلبه فجذبه إليه واصطفاه. فلم يزل يتولى تربيته، قلبا ونفسا - حتى رقي به إلى أعلى درجات الأولياء، وأدناه من محل الأنبياء بين يديه. وأما المهتدي بالإنابة، فهو عبد أقبل إلى الله تعالى يريد صدق السعي إليه، حتى يصل إليه. فبذل أصدق الجهد، فهداه (الله) إليه لما كان منه من الإنابة. فهذا عبد، جهده نصب عينيه أبدا؛ وهو حجاب له عن ربه، عز وجل! وإن سبق لظنه أن هذا منة، ونطق بلسانه وتبرئ من جهده - فإن جهده نصب عينيه، لا يخرج علم ذلك من نفسه. والمجذوب لم يعان شيئا من هذا: فهو على اصطفاء الأنبياء، يمر إلى الله والله يذهب به. وهو لا يهتدي لشيء من الطريق، فهو صاحب الحديث والمبشر والمستعمل. فلا شيء يتعاظم عنده من هذه الأقوال. (الفصل الثاني والعشرون) (المهتدي والمجتبي) وقد كان عندنا قوم يتكلمون في هذا النوع من العلم، على التوهم والمقاييس. وبلغ من جهلهم أن قالوا: إن هذا الواصل إليه (إلى الله) على طريق الجهد، أقل خطرا في السلب من هذا الذي أعطى من غير جهد. وذلك أن الذي أعطى على جهد، صير (الله تعالى) ذلك الوصول ثوابا لجهده. وإذا أثاب الله العبد على شيء لم يرجع فيه. وهذا الذي أعطي على غير جهد، هو عبد مبتلى، وامتحن بالشكر: فهو غير مأمون أن يسلب، وخطره في السلب أعظم. فتعجبت من جهلهم حيث جعلوا الوصول إلى الله تعالى عوضا من جهة العبد. فعرفت أنهم أصحاب مقاييس، لا يعرفون ما الوصول، ولا قدر الوصول. وهل وصل أحد إلى الله عز وجل، إلا بالله؟

%0
10 Bölüm