Qur'an&Sunnahالقرآن

Hakîm et-Tirmizî — Hatmü'l-Evliyâ (velâyet mertebeleri)

hakim · AR

قسم V01/P068–V01/P070Hakîm et-Tirmizî — Hatmü'l-Evliyâ (velâyet mertebeleri) (s. V01/P068–V01/P070)

فيزعمون أنهم إنما وصلوا بجهدهم. وكذبوا، والله! (فإنه) ما وصل أحد منهم إلى الله، عز وجل، إلا بالله. ولقد كذبهم غيري؛ فإن المؤمن يغار لله. فلقد ازدروا شأن الوصول، فأبلغوا في الإزدراء. لا جرم أن الله يزدري بالجاهل المتكلف! فليس من جهل وسكت، كمن جهل فتكلف. فالمتكلف ممقوت، ولا سيما في أمر الله وصنعه. (والقول الحق) أن الصادق لما استفرغ مجهوده، بقي منقطعا عن الصدق في مفازة الحيرة. فاضطر فجأر إلى الله تعالى، صارخا مستغيثا، فرحم! فإنما وصل إليه به: من حيث رحمه. فكيف يكون وصوله ثوابا لجهده؟ وقد شرحنا هذا بديا. فهذا مرحوم بجهده، والأول ممنون عليه من جوده وكرمه. فكيف يجوز أن يظن بالله الجواد الكريم، القريب في جوده وكرمه، أن يرجع في مننه؟ ومن ههنا أخطأ هذا المتكلف: أن ظن بربه أنه أوصله إلى قربه ومكن له بين يديه ليبتليه. ويحك! هذا عبد متخذ لا مبتلى. وإنما الابتلاء في شأن النفس لا في شأن القلب. أما سمعت قول رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((إن الله اتخذني عبدا قبل أن يتخذني رسولا))، فالمتخذ هو المأخوذ، ومنه اشتقاقه. (فمحمد صلى الله عليه وسلم ) هو المجذوب من بين سائر الأنبياء، خصه الله بهذا فاتخذه وجذبه. والأنبياء، من قبله، أوتوا الحكمة والبيان والهداية ثم تنبؤا، ثم أرسل إليهم. ورسولنا صلى الله عليه وسلم ، أخذ أخذا، فجذبه (الله إليه) على طريق الاصطفاء. ألا ترى إلى قوله تعالى: {ووجدك ضالا فهدى} فهل يكون الوجود إلا بعد الطلب؟ فإن الله تعالى طلبه، من بين سائر العباد، بالمنة التي سبقت له في المشيئة. فلما جاء الطلب وجده كما وصف: {ضالا فهدى}، أي: مال به، فجذبه، فنبأه. فكذلك شأن هؤلاء المجذوبين: يجذبهم الله إليه على طريقه. فيتولى اصطفاءهم وتربيتهم حتى يصفي نفوسهم الترابية بأنواره، كما يصفى جوهر المعدن بالنار حتى تزول ترابيته، وتبقى النفس صافية. وتمتد تلك التصفية، حتى إذا بلغوا الغاية من الصفاء أوصلهم إلى أعلى المنازل، وكشف لهم الغطاء عن المحل، وأهدى إليهم عجائب من كلماته وعلومه. وإنما يمتد ذلك، لأن القلوب والنفوس لا تحتمل مرة واحدة كل ذلك. فلا يزال يلطف بهم، حتى يعودهم احتمال تلك الأهوال، التي تستقبلهم من ملكه. فإذا وصلوا إليه احتملوا الوصول والنجوى. وقد نجد مثال هذا في خلقه. فإن الملك يريد أن يختص بعض رعيته لقيادة أو ولاية فيدعو به. فمن تدبير الملك، أنه إذا ذهب (بالعبد) (إليه) التزم بابه. ثم يمهل (العبد وقتا ما) حتى يعتاد الباب وقواده، وليطمئن ويهتدي إلى أمور الخدمة. ثم إذا قدم إليه تحول من مجلس إلى مجلس، حتى يسكن روعه ويخشع قلبه. ثم إذا قدم إليه، أمهل ساعات ليطمئن، ثم يكلمه. ولهم تدبير أعمق من هذا، (ما) قصدت لكم وصفه. وإنما علم الملوك هذا التدبير من مالك الملك، إذ آتاهم من ملكه. وهو أحق بالتلطف بعباده. (الفصل الثالث والعشرون) (المدة والجذبة) فالسبب في المدة بعد الجذب، هو الذي ذكرت. ألا ترى إلى محمد صلى الله عليه وسلم ، لما نبئ أجاب فرقا ووقع كالمغشي عليه؟ فلم تزل النبوة تعمل فيه. ثم أمر بأن يصدع بأمر الله. وقبض يده عن الحرب، حتى هذبه وأدبه، في هذه السنين العشر. وسلط عليه أعداءه بألوان الأذى: من الضرب وسوء الجوار وفنون المكروه. وفي خلال ذلك يقول (له): {فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين}، {فاصفح عنهم وقل سلام}، {إنما أنت مذكر لست عليهم بمصيطر}، {وما أنت عليهم بوكيل}، {فإنما عليك البلاغ وعلينا الحساب}، {فلعلك باخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفا}، {إنك لا تهدي من أحببت}، {وإن كان كبر عليك إعراضهم} إلى قوله: {الجاهلين} يعني: أن من كانت له مشيئة معه مشيئة الله فذلك شعبة من الجهل، فيلزمه اسم الجهل.

قسم V01/P070–V01/P072Hakîm et-Tirmizî — Hatmü'l-Evliyâ (velâyet mertebeleri) (s. V01/P070–V01/P072)

فهذه الآيات تأديب من الله له، وموعظة لعبده: ليعلم أن النبوة أخذته والنفس حية تعمل عملها. فقبض يده عن (ولاية) قتل عبيده (بالعدل)، والحكم فيهم بسلطانه (سلطان الحق). فلم يوله ولاية السلطان (بالحق والعدل) حتى تمت له السنون العشر، من يوم أظهر الدعوة. وذلك تمام العدد، وهي عشرة كاملة. فلما انتهت المدة، أثنى الله عليه فقال: {وإنك لعلى خلق عظيم}. وأي خلق أعظم من خلق من ترك مشيئته ونبذها وراء ظهره حتى استقام قلبه على أخلاق الله، وهي مائة وسبعة عشر خلقا؟ حدثني بذلك أبي، رحمه الله، حدثنا يحيى بن إبراهيم، قال: حدثنا عبد الواحد بن زيد، قال: حدثنا راشد، مولى عثمان، قال: حدثنا مولاي عثمان بن عفان، رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((إن لله مائة وسبعة عشرة خلقا، من آتاه بواحدة منها دخل الجنة)). فلما زالت عنه أخلاق النفس، جاء الإذن بضرب السيف فجاءت النصرة: قال الله تعالى: {أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا} أي: في سبيل الله. ثم قال تعالى: {وإن الله على نصرهم لقدير} فوعدهم النصرة، وبوأ لهم مكان الهجرة. فأعطاه النصرة على أيدي الأنصار. وقع قطعه من الرعب تسير أمامه مسيرة شهر، فتذهل النفوس، وتجزع القلوب، وتطير الأفئدة عن أماكنها من أجله! هذا، بعدما هذبه، وأدبه، وقوم نفسه. وإنما منعه ذلك، (في ابتداء النبوة) ليطفئ عنه نيران العجلة، ويسلب عنه مشيئاته بزجراته ومواعظه وبما يورده عليه من الأنوار. فيعظه في الظاهر ويزجر نفسه، ومع هذا يغذيه في الباطن برحمته ويزينه بأنواره. فقال عز وجل: {ولقد نعلم أنك يضيق صدرك بما يقولون} الآية، إلى قوله: {اليقين}، {واصبر على ما يقولون واهجرهم هجرا جميلا} {خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين} {واصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا}، {فاصبر لحكم ربك ولا تكن كصاحب الحوت} ودعا (النبي) على قومه، فنزلت: {ليس لك من الأمر شيء أو يتوب عليهم أو يعذبهم فإنهم ظالمون} وروي في الخبر أنهم أسلموا كلهم بعدما دعا عليهم. فإنما منعه القتال (دفاعا) ولم يعطه سلطان ذلك، من أجل هذه الأشياء. فإن هذا كله من عمل النفس ومشيئاتها. فهل يجوز، مع هذه الأشياء، سلطان الحرب حتى يهتريق دماء عبيده؟ ألا ترى إلى ما لقي موسى صلى الله عليه وسلم من قبل رجل من آل فرعون، مشرك بالله تعالى؟ ثم تاب الله عليه فقال: {هذا من عمل الشيطان إنه عدو مضل مبين} ثم قال: {رب اغفر لي}، فغفر له! ثم قال: {رب بما أنعمت علي فلن أكون ظهيرا للمجرمين} فعوقب بقوله: {فلن أكون} حتى إذا كان من الغد كان ما قصه الله، حيث قال: {فأصبح في المدينة خائفا يترقب فإذا الذي استنصره} الآية، إلى قوله: {إن تريد إلا أن تكون جبارا في الأرض وما تريد أن تكون من المصلحين} فإنما صار مريدا لأن يبطش بالذي هو عدو لهما بقوله بالأمس: {فلن أكون}، فإن هذه كلمة اقتدار. روي في الخبر، أن يوسف صلى الله عليه وسلم ، ((لو قال، عندما راودته امرأة العزيز عن نفسه: لا حول ولا قوة إلا بالله لما هم بها ولسلم من السجن، ولعصم منها، ولكن قال: معاذ الله! وهي كلمة اقتدار)). وطريق الأنبياء، عليهم السلام، أعظم من أن يوصف، روي عن ابن عباس، رضي الله عنهما، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أنه جاءه وفد فقرأ عليهم: {والصافات} إلى قوله: {فاتبعه شهاب ثاقب} فجعلته دموعه تجري على خده. فقالوا: يا أبا القاسم، أمن خوف الذي بعثك تبكي؟ فقال: إي، والذي بعثني بالحق، إنه بعثني على طريق مثل حد السيف، إن زغت عنه هلكت ثم قرأ: {ولئن شئنا لنذهبن بالذي أوحينا إليك} وهذا طريق الإيمان بالله على النبوة وكشف الغطاء والتبري من الأسباب والنزاهة من العلائق، وطريق الإسلام أوسع من السماء والأرض، وهو الشريعة!

قسم V01/P072–V01/P074Hakîm et-Tirmizî — Hatmü'l-Evliyâ (velâyet mertebeleri) (s. V01/P072–V01/P074)

فهذا شأن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، في تأديبه من لدن مبعثه إلى عشر سنين. ثم أمر بالهجرة. وابتعث له الأنصار بالتأييد والإيواء حتى رقت نبوته فاتمن على سفك الدماء وسبي الرقاب وأخذ الأموال (بالحق)! ولم يكن قبل هذا لرسول، ولا لأمة من الأمم. بل خص الله تعالى به هذا النبي وهذه الأمة، لفضل نبوته وفضل يقينها. وبنو إسرائيل لم يؤذن لهم بذلك. وإنما أمروا بالقتال من أجل الأرض المقدسة التي كانت لهم وراثة عن أبيهم إبراهيم. فإنما قاتلوا عن ديارهم وأموالهم. فلم تحل لهم الغنائم، وكانت نار القربان تأتي فتأكل غنائمهم. وقد كان سبق من الله تعالى لهذه الأمة من اليقين حظ وافر. فتقووا على قتال المشركين، حمية لله تعالى لا لنصيب النفس. ولذلك قال (عليه الصلاة والسلام): ((نبي الحرب والملحة))، و((أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله)) فقاتلت هذه الأمة على إقامة هذه الكلمة العليا: ((لا إله إلا الله))! لحب الله. ثم حبب إليهم الإيمان، فبفيضان المحبة غاروا له، وعملت فيهم الغيرة، والحمية لله عز وجل. فقاتلوا عن الله تعالى، وسبوا من أعرض عنه، وغنموا أموالهم، وقتلوا عبيده الأباق وبنوا إسرائيل لم يقووا على هذا الأمر. ألا ترى أنهم قالوا: {وما لنا أن لا نقاتل في سبيل الله وقد أخرجنا من ديارنا وأبنائنا}؟ فقاتلوا للديار والأموال. {فلما كتب عليهم القتال تولوا إلا قليلا منهم} وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((أعطيت أمتي من اليقين ما لم تعط أمة)) وذلك قوله تعالى: {أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم أو يحاجوكم عند ربكم قل إن الفضل بيد الله} الآية. فإذا كان الرسول عليه السلام، محتاجا إلى التأديب والتهذيب والمدة، حتى يصلح لأمانة الله تعالى - فكيف بالأولياء؟ فمن أجل ذلك يحتاج الولي إلى مدة في جذبه، كما يحتاج المجتهد (إلى مدة) في صدقه. إلا أن هذا تصفيته لنفسه بجهده، وتصفية المجذوب يتولاه الله بأنواره فانظر كيف صنع الله بعبده، وصنع العبد بنفسه؟ أما ترى آدم، صلوات الله عليه، كيف فات الخلق وبرز عليهم بما تولاه الله من فطرته؟ وقال لسائر الخلق: كن فكان. فالمجذوب يجذب في كل موطن في طريقه (إلى الله تعالى) ويخبر ويعرف المواطن. (الفصل الرابع والعشرون) (المجذوب) قال له القائل: صف لنا شأن المجذوب، من مبتدأه إلى منتهاه إلى آخر صفته وخبره. قال: نعم، إن شاء الله تعالى! اعلم أن المجذوب في مبدأ أمره (هو عبد) صحيح الفطرة، طيب التربة، عذب الماء، زكي الروح، صافي الذهن، عظيم الحظ من العقل، سليم الصدر من الآفات، لين الأخلاق، واسع الصدر، مصنوع له، أعني: محفوظا عليه. فإذا بلغ وقت الإنابة هداه (الله) ووفقه للخير، حتى إذا بلغ وقت كشف الفتح، فتح له. ثم أخذ بقلبه فمر به إلى العلاء، إلى المكان الذي رتب له بين يديه. ثم رجع به فصيره في قبضته. ثم جعل بينه وبين النفس حجابا، لئلا تشارك النفس القلب في عطاياه. ووكل أحق بنفسه ليغذوها قليلا قليلا، بقدر ما تحتمله النفس من العطاء الذي يرد على القلب. و(هكذا) يؤدبه (الله) ويسير به إلى المحل الذي رتب له بين يديه. فقلب (المجذوب لا يزال بديا) مسجونا في القبضة (الإلهية) لا يقدر أن يصل إلى محله من الله تعالى من أجل أن النفس مشحونة بعجائب الأنوار. والنفس يسار بها قليلا قليلا، برفق حتى لا تعجز وتعيا. فيرد عليها من النور على قدر احتمالها من العطاء. ففي أول ما يرد عليها من العطاء ما يسكرها عن شهوات الدنيا. ثم بعد ذلك، يرد عليها من العطاء ما يسكرها عن وجود حلاوة هذا العطاء. ثم بعد ذلك، يرد عليها ما يسكرها عن وجود حلاوة القربة. ثم توصل إلى مكان القربة. فتتغذى هناك وتؤدب مع القلب جميعا. ويؤيدها الحق: فيورد عليها الأنوار، أنوار الملك حتى يقومها ويؤدبها ويطهرها! قال له قائل: ما آخر تقويمها؟ أجمله لنا، فإن الوصف في هذا يطول على الامتحان والاستقصاء!

قسم V01/P074–V01/P076Hakîm et-Tirmizî — Hatmü'l-Evliyâ (velâyet mertebeleri) (s. V01/P074–V01/P076)

قال: إن المجذوب ملزم، موكل به الحق ليحرسه، حتى لا يقع في مهلكة فيسقط بها. والله يغذوه برحمته حتى لا تبقى في نفسه مشيئة تتحرك. فحينئذ تبدو له المشيئة العظمى، من ملك الرحمة. فيكشف له الغطاء، ويؤمر أن يقدم إلى الفخر. قال: وما الفخر؟ قال: معرض المحدثين. قال: وما صفته؟ قال: قبة من نور القربة، لها أربع طبقات، مرخى عليها الحجب. فيرفع الحجاب الأول أمام القبة، فتبدو له عظمة الله. فتجيئه العظمة فتكتنفه حتى يتحمل ذلك ثم يمهل حتى يقوى. ثم يعاد. ثم تتجلى له العظمة من الله، ثم تجيئه العصمة فتكتنفه فيقبله (الله) ويرضى عنه. ويأمر الله الروح الأمين، عليه السلام! أن ينادي من بطن العرش، في السماوات: بالرضى عنه. فينادي جبريل عليه السلام: (إن الله قد أحب فلانا، فأحبوه) فيوضع له القبول في الأرض. وقد جاءت الأخبار بهذا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم يهيئوا (الله) له في كل يوم مجلسا، وفي كل مجلس نجوى! قال له القائل: كلما طلبنا الاختصار، وقعنا في بحر! قال: نعم، (ومع ذلك فإني) أجتهد أن أختصر لكم من كل شيء شيئا: فما هذا الذي وصفت لكم إلا كرأس إبرة من بحر لجي، في جنب ما للعبد بين يدي (الله تعالى) من الرعاية والتنعم بوجهه الكريم، ففكر في نفسك، هل يلتفت هذا الموصوف بهذه (الصفة) إلى كلام أحد، أو ثناء أحد، أو مدح أحد؟ وهل يعبأ بمكروه؟ وأين هذا من هؤلاء الذين قد شغلوا بعذاب نفوسهم؟ فمزابل النفس في صدورهم، وعلائق الشيطان في كلامهم. تراهم الشهر والدهر في كلام مسلسل لا ينقطع. إذ ذكر العيب عابوه وذكروا عيب العيب. وإن لحظت (النفس) كذا فعيب، وإن لم تلحظ فعيب. ف(مثل) هذا متى ينقطع؟ لو قعد أقلهم علما، يأخذ براس هذا الجبل (ليقيسه) لقطع عمره ولم ينقطع هذا الجبل مقاسا وتشبيها. وإنما يخفى هذا على المقاييس. فليس هذا يعلم: هذا موجود! وإنما العلم علم المنن، ثم علم الصنع والتدبير، ثم علم المقادير، ثم علم البدء، ثم علم الآلاء الذي بدأ مع المشيئة في الأحدية والفردية. فمن أخذ برأس جبل كل نوع من هذه العلوم وقع في بحر الله عز وجل، فغرق فيه وأحياه الله به! ومن أخذ برأس جبل علم النفوس وعيوبها وقع في بحر النفس فغرق فيه، وقتلته النفس! قال له القائل: ذكرت أنه لا تبقى له مشيئة، وكيف تنقطع عنه مشيئة الوصول إليه؟ قال: لو تركه عمر نوح، عليه السلام، لم تنقطع عنه تلك المشيئة. ولكن الله لطيف بعباده، حكيم في أمره. يلطف بعبده حتى يقطع عنه المشيئة. فحينئذ تظهر نفسه من جميع المشيئات ويصح للقبول. فإنه ما دامت له مشيئة واحدة فنفسه معه. فليس للقلب أن يتقدم إلى الله تعالى، في مقام العرض ليقبله ويتخذه عبدا، بعد أن تولى سيره إليه بنفسه. ولا يكله (الله) إلى نفسه حتى يجاهد. وليس لمثل هذا القلب أن يتقدم إلى الله تعالى مع نفس فيها مشيئة. لأن تلك المشيئة شهوة، (وهي خيانة من النفس) وسوء أدب، وليس للخائن أن يقرن بالأمين حتى يتقدما إليه (إلى الله تعالى) فيقبلهما. قال له قائل: فكيف لطف الله تعالى بعبده من هذا المقام حتى انقطعت (عنه) مشيئته؟ قال: لو ضننت (بالإجابة عن هذه المسألة) على الخلق أجمعين حتى أصيب لها أهلا لكنت محقا بذلك. ولكن قلبي أجده يعطف عليك؛ وأحسب أن فيك لله خشية. إذا خرجت للعبد الرحمة، من ملك الرحمة، سقاه ربه شربة يسكره بها عن هذه المشيئة! قال (القائل): وما هذه الشربة؟ قال: شربة الحب. قال: وما هي؟ قال: كفاك هذا! - فصار (العبد) بحال لم يعقل من هذه الأمور شيئا. فباطنه سكر، وظاهره حيرة وبهتة. وأما المشيئة فمفقودة في هذا السكر. فإن أفاق من سكره قليلا صرخ إلى الله تعالى، صراخ المضطر، فجاءت الرحمة فاحتملته ووضعته بين يديه. قال القائل: ولم يصرخ؟ قال: لأنه لما أفاق من سكره قليلا وجد ريحا. قال: وما ذاك الريح؟

قسم V01/P076–V01/P077Hakîm et-Tirmizî — Hatmü'l-Evliyâ (velâyet mertebeleri) (s. V01/P076–V01/P077)

قال: ألم تر إلى الطفل إذا فقد أمه بكى وتحير في الوجوه وأخذته الغربة، لأنه لا يجد أمه. فلا ينام ولا ينيم. حتى إذا وجد ريح الأم تهلل وصرخ! قال القائل: لقد جئت (يا شيخ) بمثل عظيم! فما هذا؟ قال: ويحك، إن العظيم في جلاله لما قرب هذا العبد، خرجت له الدولة من مشيئته على طريق المحبة والرأفة والتحنن عليه. فلما بلغ هذا المحل أفاق من السكر، وقد انطمست المشيئة عنه بسكره. وفيه بقية من السكر. وهو قلب غريب في مفاوز الحيرة، منفرد في تلك الفردية. و(فجأة) وجد ريح الرأفة (الإلهية) في قلبه، فصرخ إلى ولي الرأفة. فجاءت الرأفة فاحتملته. وبلغته الرحمة، فأخذته فأذته إلى مولاه. فأوصله إلى نفسه بلا مشيئة. فإن هذه أقوى المشيئات وأعظمها. ويستحيل أن تسقط عن النفس إلا من هذا الوجه، الذي لطف الله تعالى بعبده فيه. (الفصل الخامس والعشرون) (خاتم الأولياء) قال (له) القائل: صف لنا هذا المجذوب، الذي وجبت له الإمامة على الأولياء، وإن لواء الولاية بيده، وأن الأولياء كلهم محتاجون إليه في الشفاعة كما يحتاج الأنبياء إلى نبينا محمد صلى الله عليه وسلم . قال: (أما) صفته فهو الذي أعلمتك. قال: فبم تقدم الأولياء فاحتاجوا إليه؟ قال: بأنه أعطى ختم الولاية: فبالختم تقدمهم، فصار حجة الله على أوليائه. وقد ذكرت في أول الكتاب سبب الختم: (وهو) أن النبوة أعطيت الأنبياء، عليهم السلام، ولم يعطوا الختم. فلم تخل تلك الحظوظ من هنات النفس ومشاركتها. وأعطي نبينا وختمت له نبوته. كالعهد الذي يكتب ثم يختم، فلا يصل أحد إلى أن يزيد فيه ولا أن ينقص منه، وقد وصفت شأنه فيما تقدم. وكذلك هذا الولي يسير به (الله تعالى) على طريق محمد صلى الله عليه وسلم بنبوته، مختوما بختم الله. فكما كان محمد صلى الله عليه وسلم حجة على الأنبياء، فكذلك يصير هذا الولي حجة على الأولياء: بأن يقول (الله تعالى) لهم: معاشر الأولياء، أعطيتكم ولايتي فلم تصونوها من مشاركة النفس. وهذا أضعفكم وأقلكم عمرا قد أتى بجميع الولاية صدقا، فلم يجعل للنفس فيها نصيبا ولا تلبيسا. وكان ذلك في الغيب من منة الله تعالى على هذا العبد، حيث أعطاه الختم لتقر به عين محمد صلى الله عليه وسلم في الموقف. حتى قعد الشيطان بمعزل، وأيست النفس فبقيت محجوبة.- فيقر له الأولياء يومئذ بالفضل عليهم. فإذا جاءت تلك الأهوال لم يك مقصرا. وجاء محمد صلى الله عليه وسلم ، بالختم فيكون أمانا لهم من ذلك الهول. وجاء هذا الولي بختمه فيكون أمانا لهم بصدق الولاية، فاحتاج إلى الأولياء. وللختم شأن عجيب! ولله في ولد آدم عجائب، وخلقهم لأمر عظيم.- ولما عرف العاقل أن الله ولي خلق آدم بيده علم أن هذه خطة فيها أمور عظام. ولما عرف أنه سماه ((خليفة)) علم أن ههنا عجائب: فإن الخليفة له شعبة من ملك المستخلف. (الفصل السادس والعشرون) (أولياء الزور) قال له القائل: قد انتهت مسألتي ومحاورتي، وبقيت خلة أجلك عن ذكرها، وتحوك في صدري وتأبه نفسي تركها. قال: هات، أجلك الحق قال (المريد): أنك تجري في كلامك، حتى إذا وقفت على بعض هذه الطبقات التي تنعت كلامها، تغيرت لهم وغلظ كلامك عليهم، كأن الرحمة لهم انتسفت من قلبك، فما هذا؟ قال (الشيخ): نعم، جاد ما سألت! (اعلم) أن الله تعالى جعل الحق ليقتضي الوفاء بقيام التوحيد والانقياد للحق. فإذا وجدهم الحق معظمين له، قائمين بوفائه رجع إلى الله تعالى مثنيا عليهم. فيرجع من الله تعالى بالمدد إليهم من الأنوار حتى يزدادوا قوة على القيام بذلك. ومن وجده الحق غير معظم له رجع إلى الله تعالى يشكوه. فالرحمة تلقى الحق بين يدي الله تعالى وتراقبه. كلما جاء الحق يشكو التأذي من الخلق. حنت الرحمة في محلها بين يدي الله، حنين الوالهة فيسكن السلطان. ولولا شأن الرحمة وحنينها لثار السلطان بمجيء الحق شاكيا ودمر العباد.

قسم V01/P077–V01/P079Hakîm et-Tirmizî — Hatmü'l-Evliyâ (velâyet mertebeleri) (s. V01/P077–V01/P079)

فهذا شأن الله تعالى في العباد. فإذا جاء الحق يشكو معاندا ثار السلطان، بالعقوبات، واعتزلت الرحمة، فإن المعاند مبارز. ورب عبد تحل به (العقوبة) في طرفة عين، ورب عبد تطل العقوبة على رأسه إلى مدة سنين، حتى يؤذن لها فتحل به عند وقت ظهور فعل من الأركان، ليكون عذر الله ظاهرا في حلول العقوبة. وقد مضت العقوبة على قوم لوط عشاء، فحلت بهم عند الصبح. وكذلك حكى الله تعالى في تنزيله، فقال: {وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميرا} وكذلك فرعون وقومه، مضت العقوبة عند إجابة الله تعالى لها في وقت الغرق. فهذا المنتبه يأخذ عن الله. فإن كنت وجدتني كذلك، فإنما وجدتني أحتذي على مثال ما حكى (الله سبحانه). فإن المؤمن إنما يعامل الخلق عن الله وبالحق؛ وهو يقتضيهم ذلك. فإن لم يجد هذا وجد في قلبه لهم من الرحمة ما يطفئ ذلك السلطان الذي في قلبه. فإن مع الحق سلطانا، والسلطان كالنار. وإذا وجد هذا العبد من الخلق أذى للحق وجد قلبه عليهم وثار السلطان فيه، فتجيء الرحمة، التي في قلبه فتطفئ تلك الثائرة، فيلين كلامه (ولكن) إذا جاءه معاند، فهو رجل جبار (فيجب على المؤمن حينئذ أن) يجر نفسه وما فيها من الحسد والكبر، ولا يتركه يعاند الحق. فإذا عاند الحق، فكأنه بارز الله تعالى، فعندئذ يثور السلطان وتلين الرحمة. فمحال أن يستعمل الصادق في أمره الرحمة على المعاند. وكيف يقدر أن يستعمل الرحمة ونفسه جبارة عنيدة؟ وقد قال الله تعالى: {وخاب كل جبار عنيد} فهل خاب إلا من الرحمة؟ فكيف يرحم (الصادق) عبدا خيبه الله من الرحمة؟ إلا (أن يكون) عبدا يريد أن يتزين للخلق، ويتضع تكلف الرحمة فيتكلفها بالإعراض واللين والسكون؛ لا يحب أن تسقط عند الخلق مدحته. فإن للنفوس خدائع، تقول لصاحبها: متى أغلظت وأظهرت الغضب يقال إنك لست بحليم. فهو يتكلف الحلم ههنا، في هذا الموضع مرآة وتصنعا، إبقاء على مدحته وجاهه عند من لا يملك ضرا ولا نفعا. فأولياء الله وأهل صدقه ووفائه، قد طار عن قلوبهم رضى الخلق وسخطهم وقبولهم ونفيهم. وإنما شأنهم استعمال الحق في أوانه، واستعمال الرحمة في أوانها. فالحق كالنار، لأنه من السلطان وهو مقرون به. والرحمة كالماء. فإذا جاء الحق، واقتضاك النصرة وجاءت الرحمة فأطفأت سلطانه، فأنت مغرور. وإذا اقتضاك النصرة، واعتزلت الرحمة: فإن تكلفت الرحمة فكففت عن النصرة، ترفقا كترفق النساء فأنت مراء. وصاحب هذا، لم يبلغ بعد نصرة الحق، ولا أعطي سلطانه. إنما هو رجل تابع للحق في زعم نفسه. و(أنا) إنما أصف لك أمر رجل مستعمل: قوم الله سيرته، وأدبه، وجعل سلطان جيشه في استعمال الحق. أو (أصف لك) رجلا أعظم شأنا من هذا: فهو يستعمله والحق والسلطان على مقدمته! فمتى يصل إلى ما ذكرت فيعمل ما يهوى الناس ويحسن عند المداهنين المتزينين! والذي ذكرت شأنه (وأنكرته) هو رجل يتبع الحق فيصيبه في بعض الأمور بجهد. ومع ذلك تشاركه النفس ومزاجها قائم في الأمر. فيتكلف الرحمة. فهذا الذي يجتهد في إظهار الرحمة في فعله، وقلبه ليس على وفاق من ظاهره. فلذلك يتصنع ويرى من نفسه الخشوع والهدى. وليس ذلك خشوعا إنما ذلك تماوت. ألا ترى أن أبا الدرداء رضي الله عنه، لما وصف الأبدال، قال: ((ليسوا متماوتين ولا متخشعين))؟ لأن ذلك التماوت (هو) خشوع النفاق. وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((نعوذ بالله من خشوع النفاق. قالوا: يا رسول الله، وما خشوع النفاق؟ قال: أن يخشع البدن والقلب غير خاشع)).

قسم V01/P079–V01/P081Hakîm et-Tirmizî — Hatmü'l-Evliyâ (velâyet mertebeleri) (s. V01/P079–V01/P081)

أما ترى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان ((إذا غضب لم يقم لغضبه شيء؟ وكان له عرق، بين عينيه، يرى عنه الغضب. ولا يغضب لنفسه ولا ينتصر لها. وكان من أرحم الناس، وأحلم الناس، وأصبر الناس على الأذى. فإذا جاء عناد أو ظلم للحق، لم يستقر حتى ينتصر له. وقد وسع الناس بسطه وخلقه. وسار لهم أبا، وصاروا عنده في الحق سواء. مجلسه مجلس حياء وعلم وصبر وأمانة)). حدثنا بذلك سفيان بن وكيع، حدثنا جميع بن عمر العجلي في حديثه في صفة النبي صلى الله عليه وسلم . قال صلى الله عليه وسلم : ((إنما كان يستعمل الحلم والصبر في رقة لأهله. وكان موسى، صلوات الله عليه: ((إذا غضب أخرقت قلنسوته من شدة سلطان غضبه لله وجل!)). فالذي يرى في كلامي من التغير، عند ذكر هؤلاء المعاندين، لأن هؤلاء عندي أسوأ حالا من أولئك المخلصين من العامة. هؤلاء أهل نفاق، ونافقوا في سبيل الله، قال الله تعالى: {يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين وأغلظ عليهم} وقال تعالى: {وعظهم وقل لهم في أنفسهم قولا بليغا}. ولقد سميتهم يوما مجوس هذه الطائفة، فيما جرى من كلام على رؤوس الملأ. فسألوني عن تأويله، فقلت: ما نطقت به جزافا، لكني على بصيرة نطقت به. وذلك أن الدنيا شبهت بالمرأة الزانية، التي تتزين للرجال، وتعرض نفسها وتتبرج في زينتها. فالذي يفخر بها هو الذي ينخدع لها حتى يأخذها. من حيث لم يؤمر له في ذلك. فهذا كلام جار في الحكمة، لأن المرأة إذن للرجل أن يتناولها من حيث أذن له: على رسم الكتاب والسنة. فإذا تبرجت بزينتها وفتنته حتى تناولها من حيث لم يؤذن له - فهي كالمرأة الزانية. وإنما ذكرت ما ذكرت من حال المجوس وشأنهم، لأن المجوس يتناولون محارمهم على جهة النكاح، وهو أعظم من الزنا: فقد جمعوا بين حرمتين، لأنهم يزنون بالأخت والبنت. فرأيت هذه الطبقة، قد عمدوا إلى مذهب فشهروا فيه أنفسهم عند الناس: من ترك الفضول، وشيء من الزهد والتورع والتعبد، وحكايات ملتقطة من هنا وهناك. ثم اتخذوها علما، لا يعرفون ما أولها وما آخرها. فنالوا به رياسة في ناحية من النواحي، حتى اتخذوا بذلك جاها. وتمكنوا في الرياسة واتسعوا في نعمة المأكل والمشرب والملبس والمنكح والضيافات، وغير ذلك من المرافق والنساء. فنظرت في ظواهر أمورهم وبواطنها: فوجدت الأركان معطلة من العبادة، مشغولة بالقيل والقال والبقبقة! فقلت: (هؤلاء) ليسوا بعمال (حقا!) ونظرت إلى منازل الأولياء، فإذا قلوبهم عنها غائبة. فقلت: هم في الطريق يسيرون إليه. فوجدتهم قد تخطوا في الطريق خطوة أو خطوتين، ما بلغوا ثلاث. حتى قامت عليهم نفوسهم، بما وجدت من اللذة والفرح بالعطايا، فاستأسرتهم، فإذا هم موتى، طرحاء على مزبلة، يحسد بعضهم بعضا ويتأكلون الناس. نفوسهم معلقة بأحوالهم، وقلوبهم مشغولة بتعلق نفوسهم. همهم ظهورهم (لباسهم؟) وبطونهم، واصطياد الأرامل. يعمد أحدهم إلى أرملة موسرة، فيغتنم رغبتها فيأكل أموالها ويذرها كالمعلقة. يبوأ لنفسه، رخاء العيش والتحكم في أموال الناس، مخادعة بالتلطف. قد اتخذوا الملق دينا، والتماوت صناعة يحتملون به دنياهم. فلو قلت لأحدهم: الزم هذا البيت شهرا، فلا تخرج إلى الناس - لرأيت به من الضيق والنفار ما يظهر لك، من مكنون ما في صدره، إنه رجل بطال، قد ملكته نفسه. فهو يتكلم بكلام الأولياء التقاطا وحكايات. لا تنجع فيه كلمة، ولا يوجعه أنه خلو من ذلك. فلا عمل بالأركان، ولا وصول إلى مكان، ولا سير في طريق. كلما وعظت واحدا منهم، أخذ يروغ يمينا وشمالا. فإذا ضبطته عاند وكابر. وعاد يرد الملامة، على الخلق، ويذب عن نفسه وحاله. لا يتذلل للحق لكيلا يهتك ستر نفسه. فإذا حركته (أخيرا ..) وأقمت عليه الحجة، أبدى نفاقه، وأظهر ما نطق به مكنون ما في نفسه: من أنه يريد إبقاء حاله، وليس به شيء من هذه الأمور!

قسم V01/P081–V01/P084Hakîm et-Tirmizî — Hatmü'l-Evliyâ (velâyet mertebeleri) (s. V01/P081–V01/P084)

فهل يجوز أن يلان لمثل هذا في المقال؟ فإني أجري في كلامي على سبيله فإذا بلغت إلى ذكر هؤلاء تغير الكلام: فذلك حمية الحق وسنانه، يطعن الله به أهل مخادعته، المستهزئين بأمره! وإنما نسبتهم إلى المجوسية، في هذا الباب: لأنهم ملكوا هذه (الدنيا) الزانية بالعطايا من الله. فلو كانوا يملكونها بشيء من عرض الدنيا، أو بغير ذلك عن طريق علم الظاهر - لكان أيسر. ولكن ملكوها من طريق العطايا من الله تعالى. فاستعملوا تلك (العطايا الإلهية) بالاستيلاء على حطام الدنيا. فلما ظفروا بها تركوا السير إلى الله تعالى. فانظر أية فضيحة هذه؟ أليست هذه مجوسية، في هذا الطريق؟ ثم إذا خاضوا في شيء من أمور الأولياء، يقولون: الولي لا يرى، والولي لا يعرف نفسه. وشبه عليه أمره حتى لا يعجب بنفسه وأمره. وصاحب المشي على الماء وطي الأرض يأكل من نفسه. وذلك لضعفه يعطي ذلك. والعارف لا يلتفت إلى مثل هذا، إنما همه ربه فهو يسأل ربه. هذا يموه على الناس: إن لم يكن هذا لي، فاعلموا أني عارف، وممن لا يلتفت إلى هذا .. .. والحمقى يقبلون منه حمقه هذا! فهذا قد خلا من أعمال البر لإفساد القلوب وإفساد الطريق على المريدين؛ ويلبس أمر الأولياء على أهل الإرادة، فلذلك قلت: علمهم كدر، ويتلوثون في حمأة منتنة، وتلك مأكلتهم. (الفصل السابع والعشرون) (دولة الخير ودولة الشر) قال له القائل: فللخير إقبال ودولة، ثم له إدبار. وللشر إقبال ودولة: ف(لعل وقتنا هذا) أوان ذلك. وجاء عن أنس بن مالك، رضي الله عنه، أنه قال: ((لا يأتي عليكم زمان إلا وبعده شر منه، سمعته من نبيكم صلى الله عليه وسلم )). فكيف يجوز أن يكون في هذا الوقت من له حظ الولاية والصديقية؟ قال: أن الولاية والصديقية ليستا من الزمان في شيء. إن الولي والصديق حجة الله على خلقه، وغياث الخلق وأمانهم، لأنهم دعاة إلى الله على بصيرة. فهم في وقت الحاجة (إليهم) أحرى أن يكونوا. وقد بعث الله الرسل في الفترة والعمى ودولة الباطل، حتى نعش الحق وزهق الباطل. فماذا يكبر في الصدور أن يكون في آخر الزمان من يوازي أولهم، لحاجة الخلق إليهم؟ أو لم يقل علي بن أبي طالب، رضي الله عنه، في حديث كميل النخعي: ((اللهم، لا تخل الأرض من قائم بالحجة. أولئك الأقلون عددا، الأعظمون عند الله قدرا، قلوبهم معلقة بالمحل الأعلى، أولئك خلفاء الله في عباده وبلاده. هاه، شوقا إلى رؤيتهم؟ ومما يحقق ما قلناه، ما حدثنا صالح بن عبد الله الترمذي عن ابن عمر، رضي الله عنهما، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((مثل أمتي مثل المطر؛ لا يدري أوله خير أم آخره)). وحدثنا الحسن بن عمر عن شقيق البصري، أخبرنا سليمان بن طريف عن مكحول عن أبي الدرداء، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((خير أمتي أولها وآخرها وفي وسطها الكدر)). وحدثني الفضل بن محمد، حدثنا إبراهيم بن الوليد بن سلمة الدمشقي، حدثنا عبد الملك بن عمر الأفريقي، عن أبي يونس، مولى أبي هريرة، عن عبد الرحمن ابن سمرة قال: ((جئت من غزوة مؤتة)) قال ذكرت قتل جعفر وزيد وابن رواحة، بكى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: وما يبكيكم؟ فقالوا: وما لنا لا نبكي، وقد قتل خيارنا وأشرافنا وأهل الفضل فينا. فقال، عليه الصلاة والسلام: لا تبكوا، إنما مثل أمتي مثل حديقة، قام عليها صاحبها: فاجتث رواكبها، وهيأ ساكنها، وحلق سعفها. فأطعمت عاما فوجا ثم عاما فوجا ثم عاما فوجا. فلعل آخرها طعما يكون أجودها قنوانا وأطوالها شمراخا. والذي بعثني بالحق، ليجدن ابن مريم في أمتي خلفاء عن حواريه! قال: وحدثنا عمر بن أبي عمر، حدثنا محمد بن السري، أخبرنا السويد عن عيسى بن موسى

قسم V01/P084–V01/P086Hakîm et-Tirmizî — Hatmü'l-Evliyâ (velâyet mertebeleri) (s. V01/P084–V01/P086)

الغساني، حدثنا أبو حازم عن سهل بن سعد، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن في أصلاب أصلاب أصلاب رجال من أصحابي رجالا ونساء يدخلون الجنة بغير حساب. ثم تلا: {وآخرين منهم لما يلحقوا بهم وهو العزيز الحكيم ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم}. وحدثني أبي، رحمه الله، قال: حدثنا محمد ابن الحسين، حدثنا عبد الله بن المبارك، أخبرنا ابن أبي لهيعة، قال: حدثنا أيضا أبي، حدثنا إسماعيل بن سلمة عن عبد الله بن وهب المصري عن ليث بن سعد عن أبي عجلان، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((في كل قرن من أمتي سابقون)). (الفصل الثامن والعشرون) (أهل الدين) وأن أهل الدين صنفان: صنف منهم عمال الله تعالى، يعبدونه على البر والتقوى؛ فهم محتاجون إلى خير الزمان وإقباله ودولة الحق، لأن تأييدهم من ذلك. وصنف منهم أهل اليقين، يعبدون الله على وفاة التوحيد، عن كشف الغطاء وقطع الأسباب واللوذان فيها؛ غير ملتفتين إلى إقبال الزمان وإدباره، ولا يضرهم إدباره. وهو قول النبي صلى الله عليه وسلم : ((إن لله عبادا يغذوهم برحمته: يحييهم في عافية ويميتهم في عافية، ويدخلهم الجنة في عافية تمر بهم الفتن كقطع الليل المظلم لا تضرهم)). وقوله صلى الله عليه وسلم : ((تكون في أمتي فتن؛ لا ينجز منها إلا من أحياه الله تعالى بالعلم)) يعني: العلم بالله، فيما يروي. - وقوله صلى الله عليه وسلم : ((لا يزال من أمتي أربعون صديقا، كلما مات منهم رجل، أبدل الله تعالى مكانه آخر. منهم ثلاثون رجلا قلوبهم على قلب إبراهيم وقوله: لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من ناوأهم حتى تقوم الساعة)) وهم أهل اليقين، وحدوا الله قلبا وقولا وفعلا؛ وذلك بشرح الصدور، والنور الذي من الله، عز وجل، عليهم. كما قال تعالى: {أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه}. قال له قائل: صف لنا هذين الصنفين، بصفة وجيزة. قال (الشيخ): أما الصنف الأول، فإنهم عرفوا الله تعالى معرفة توحيد، واعترفوا له باللسان، وقبلوا العبودية. ثم جاءت الشهوات فغلبت على القلوب، فوقعوا في التخليط، فسقم القلب بما فيه من الإيمان. فلم تطمأن نفوسهم في شأن الرزق، ولم تنشرح صدورهم لتدبير الله تعالى في الأحوال. فهم على حفظ الجوارح حتى تستقيم لهم تقواهم؛ ويؤدون الفرائض فهذا دأبهم. وفيء صدورهم عجائب من دواهي النفس: مثل الرغبة والرهبة والحق والغل والحسد وحب النساء والعز والرياسة والتجبر وطول الأمل والاقتدار في الأمور. والآخرون عطف الله تعالى عليهم، فقذف النور في قلوبهم: فانفلق الحجاب، وانكشف الغطاء. وهو قوله عز وجل: {قل أعوذ برب الفلق}. فشرح صدورهم، فهم على نور من ربهم. فنفى هذا كله من صدورهم، وطهرهم وصفى قلوبهم. فصدورهم ممتلئة من عظمة الله وجلاله. واطمأنوا إليه ووثقوا به في كل حال. ودقت أحوال الدنيا عندهم واكتساب مشيئات النفس. فأنى يلتفتون إلى الزمان وأهله؟ وماذا تضرهم الفتن وسوء الزمان؟ وإنما تقوم الأرض بهم، وهم غياث أهلها! وقد وصف الله تعالى، في كتابه شأن الفيء. فذكر المهاجرين، فشهد لهم، ووصفهم بصدق الإيمان. فقال: {أولئك هم الصادقون} وذكر الذين تبؤوا الدار والإيمان من قبلهم (الأنصار) ووصفهم بالإيثار على أنفسهم، وبالبراءة من الشح والحسد. ثم قال: {والذين جاءوا من بعدهم} فكل من جاء على سبيلهم، من بعدهم إلى انقراض الدنيا - فهم المذكورون بالمجيء. وقد جعل الله أيديهم في الفيء شرعا سواء. والفيء طعمة أكرم الله به هذه الأمة، دون الأمم. ووصف الله تعالى أيضا السابقين من المهاجرين والأنصار، والذين اتبعوهم بإحسان، بما أوجب الله لهم من الرضى، فجعلهم في الرضى عنهم شرعا واحدا. أو ما جاءنا عن الرسول صلى الله عليه وسلم : ((أن أهل الجنة ليرون أهل الغرف كما يرى الكوكب الدري في أفق السماء، قالوا: يا رسول الله، تلك منازل الأنبياء فلا نبلغها. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أولئك رجال آمنوا بالله وصدقوا المرسلين؟ (الفصل التاسع والعشرون) (الأعمال والدرجات)

قسم V01/P086–V01/P088Hakîm et-Tirmizî — Hatmü'l-Evliyâ (velâyet mertebeleri) (s. V01/P086–V01/P088)

قال له قائل: فهل يجوز أن يكون في هذا الزمان من يوازي أبا بكر وعمر رضي الله عنهما؟ قال (الشيخ): إن كنت تعني في العمل فلا؛ وإن كنت تعني في الدرجات فغير مدفوع. وذلك أن الدرجات بوسائل القلوب؛ وقسمة ما في الدرجات بالأعمال. فمن الذي حرز رحمة الله تعالى عن أهل هذا الزمان، حتى لا يكون فيهم سابق ولا مقرب ولا مجني ولا مصطفى؟ أوليس المهدي كائنا في آخر الزمان؟ فهو في الفترة يقوم بالعدل فلا يعجز عنه. أوليس كائن في الزمان من له ختم الولاية؟ وهو حجة الله على جميع الأولياء يوم الموقف. كما أن محمدا صلى الله عليه وسلم؛ آخر الأنبياء. فأعطي ختم النبوة، فهو حجة الله تعالى على جميع الأنبياء. فكذلك هذا الولي الذي هو آخر الأولياء في آخر الزمان. قال له القائل: فأين حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((خرجت من باب الجنة، فأتيت الميزان. فوضعت في كفة وأمتي في كفة، فرجحت بالأمة. ثم وضع أبو بكر مكانه فرجح بالأمة. ثم وضع عمر مكان أبي بكر فرجح بالأمة))؟ قال (الشيخ): هذا وزن الأعمال لا وزن ما في القلوب، أي يذهب بكم يا عجم؟ ما هذا إلا من غباوة أفهامكم! ألا ترى أنه يقول: ((خرجت من باب الجنة))؟ فالجنة للأعمال والدرجات للقلوب. والوزن للأعمال لا لما في القلوب. إن الميزان لا يتسع لما في القلوب. فالميزان عدله، وما في القلوب عظمته. وكيف توزن العظمة؟ وقد جاء في الخبر: ((أن العبد يتحير عند الميزان. فيقول له الملك: هل تفقد شيئا من عملك؟ قال: بلى! شهادة أن لا إله إلا الله. قال: إنها أعظم من أن توضع في الميزان!)). وإنما تقدم الأنبياء الخلق بالنبوة، لا بالأعمال؛ والأولياء بالصديقية، لا بالأعمال. وإنما تقدم محمد صلى الله عليه وسلم ، وسائر الأنبياء بما في قلبه، لا بالأعمال؛ فقد كان عمره يسيرا. ولو كان بالأعمال، لكان عمل عشرين سنة يدق في جنب عمر نوح. وإنما رجح ميزان أبي بكر، رضي الله عنه، بالعمل. لأنه عمل في أهل الردة ما لم يلحقه أحد. ولم يكن بعده ردة مثلها إلى يومنا هذا، فيعمل مثل عمله. فبه رد الله الإسلام على الأمة. فهذا فضل يوازي عمل الأمة ويزيد. أو لم يقل رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها)). فلما عمل في الردة ما عمل، كان له كعمل الأمة كلها إلى آخرها، والزيادة عمله لنفسه، وذلك رجح عمله عمل الأمة. ثم لم يجد (أبو بكر، رضي الله عنه) مهلة حتى يبوأ الإسلام، ويمهد ويصفي، ويوضح السنن، ويمصر الأمصار. ففعل ذلك عمر، رضي الله عنه، حتى ورد الخلق بعدها على أوسع منهاج وأوضحه. فهذا عمل ليس لأحد وصول إلى مثله ولا سبيل. لأنه لم يكن للإسلام، إلى يومنا هذا، ردة أو عزبة كما كان بديا في وقتهما. ألا ترى أنه لم يجيء في الخبر أنه وزن غيرهما؟ أفلم يكن في الأمة مثل عثمان وعلي، رضي الله عنهما؟ فهل ذكر أنهما وزنا مع الأمة؟ وذلك ليعلم أنهما وجدا أمرا مفروغا منه، فلم يبق لعثمان وعلي إلا التمسك به. فجميع من (أتى) بعد أبي بكر وعمر على حياله: كل متمسك بقدره. ألا ترى في تلك الفتن، إذا قام أحد بالعدل وطمس الجور يلحقهما بالفضل؟ وكذلك قال أنس رضي الله عنه: ((ليس لعامل زمان خير عن زمانكم إلا أن يكون مع نبي)) فهذا في وقت غربة الحق أفضل. وكذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((طوبى للغرباء! قيل ومن هم؟ قال: الذين يصلحون عند فساد الناس)).

%0
10 Bölüm