Qur'an&Sunnahالقرآن

Kuşeyrî — er-Risâle

أبو القاسم عبد الكريم بن هوازن القشيري · AR

قسم V01/P360Kuşeyrî — er-Risâle (s. V01/P360)

باب حفظ قلوب المشايخ وترك الخلاف عليهم

قسم V01/P360–V01/P362Kuşeyrî — er-Risâle (s. V01/P360–V01/P362)

قال الله تعالى في قصة موسى مع الخضر ، عليهما السلام : ' هل أتبعك على أن تعلمني مما علمت رشدا ' . قا الإمام : لما أراد صحبة الخضر حفظ شرط الأدب ، فاستأذن أولا في الصحبة ، ثم شرط عليه الخضر أن لا يعارضه في شيء ولا يعترض عليه في حكم ، ثم لما خالفه موسى عليه السلام تجاوز عنه المرة الأولى والثانية ، فلما صار إلى الثالثة ، والثلاث آخر حد القلة وأول حد الكثرة ، سلمتة الفرقة ؛ فقال : هذا فراق بيني وبينك . أخبرنا أبو الحسين الإهوازي قال : حدثنا أحمد بن عبيد البصري قال : حدثنا أبو سالم القزاز قال : حدثنا يزيد عن بيان قال : حدثنا أبو الرجال ، عن أنس بن مالك قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ' ما أكرم شاب شيخا لسنه إلا قبض الله تعالى له من يكرمه عند سنه ' . سمعت الأستاذ أبا علي الدقاق ، رحمه الله يقول : بدء كل فرقة المخالفه . يعني به : أن من خالف شيخه لم يبق على طريقته وانقطعت العلقه بينهما وإن جمعتهما البقعة ؛ فمن صحب شيخا من الشيوخ ثم اعترض عليه بقلبه فقد نقض عهد الصحبة ، ووجبت عليه التوبة ، على أن الشيوخ قالوا : عقوق الأستاذين لا توبة عنها . سمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمي يقول : خرجت إلى مرو في حياة شيخي الأستاذ أبي سهل الصعلوكي ، وكان له قبل خروجي أيام الجمعة بالغدوات مجلس دور القرآن والختم ، فوجدته عند رجوعي قد رفع ذلك المسجد ، وعقد لأبي الغفاني في ذلك الوقت مجلس القول ، فأدخلني من ذلك شيء ؛ فكنت أقول في نفسي : قد استبدل مجلس الختم بمجلس القول ، فقال لي فكنت أقول في نفسي : قد استبدل مجلس الختم بمجلس القول : فقال لي يوما : يا أبا عبد الرحمن ، ما يقول الناس في ؟ فقلت : يقولون رفع مجلس القرآن ووضع مجلس القول ! ! فقال : من قال لأستاذه لم ؟ لا يفلح أبدا ، ومن المعروف أن الجنيد قال : دخلت على السري يوما ، فأمرني شيئا ، فقضيت حاجته سريعا ، فلما رجعت ناولني رقعة وقال : هذا المكان قضائك لحاجتي سريعا ، فقرأت الرقعة ، فإذا فيها مكتوب سمعت حاديا يحدو في البادية : أبكي ، وهل يدريك ما يبكيني . . . أبكي جدارا أن تفارقيني وتقطعي حبلي وتهجريني ويحكى عن أبي الحسن الهمداني العلوي قال : كنت ليلة عند جعفر الخلدي ، وكنت أمرت في بيتي أن يعلق طير في التنور ، وكان قلبي معه ، فقال لي جعفر : أقم عندنا الليلة ، فتعللت بشيء ، ورجعت إلى منزلي ، فأخرج الطير من التنور ، ووضع بين يدي ، فدخل كلب من الباب ، وحمل الطير عند تغافل الحاضرين ، فأتى بالجواذب الذي تحته ، فتعلق به ذيل الخادمة ، فانصب . . فلما أصبحت دخلت على جعفر ، فحين وقع بصره علي قال : من لم يحفظ قلوب المشايخ سلط عليه كلب يؤذيه . سمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمي يقول : سمعت عبد الله بن علي الطوسي يقول : سمعت أبا عبد الله الدينوري يقول : سمعت الحسن الدامغاني يقول : سمعت عمي البسطامي يحكي عن أبيه : أن شقيقا البلخي ، وأبا تراب النخشبي ، قدما على أبي يزيد ، فقدمت السفرة ، وشاب يخدم أبا يزيد ، فقالا له : كل معنا يا فتى . فقال : أنا صائم . فقال أبو تراب : كل ولك أجر صوم شهر . فأبى . فقال شقيق : كل ولك أجر صوم سنة . فأبى . فقال أبو يزيد : تدعوا من سقط من عين الله تعالى ! ! فأخذ ذلك الشاب في السرقة بعد سنة ، فقطعت يده ! !

قسم V01/P362Kuşeyrî — er-Risâle (s. V01/P362)

سمعت الأستاذ أبا علي يقول : وصف سهل بن عبد الله رجلا بالولاية خبازا بالبصرة . . فسمع رجل من أصحاب سهل بن عبدالله ذلك ، فاشتاق إليه ؛ فخرج إلى البصرة ، فأتى حانوت الخباز . . فرآه يخبز وقد تنقب لمحاسنه على عادة الخبازين ، فقال في نفسه . لو كان هذا وليا لم يحترق شعره بغير نقاب . ثم إنه سلم عليه وسأله شيئا ، فقال الرجل : إنك استصغرتني ، فلا تنتفع بكلامي ، وأبي أن يكلمه . سمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمي يقول : سمعت عبد الرحمن الرازي أبا عثمان الحيري يصف محمد بن الفضل البلخي ويمدحه ، فاشتاق إليه ، فخرج إلى زيارته ، فلم يقع بقلبه من محمد بن الفضل ما اعتقد ، فرجع إلى أبي عثمان وسأله ، فقال : كيف وجدته ؟ فقال : لم أجد أحدا إلا حرم فائدته ، ارجع إليه بالحرمة . فرجع إليه عبد الله ، فانتفع بزيارته . ومن المشهور أن عمر بن عثمان المكي رأى الحسين بن منصور يكتب شيئا ، فقال . ما هذا ؟ فقال : هو ذا أعارض القرآن ، فدعا عليه وهجره ؛ قال الشيوخ إن ما حل به بعد طول المدة كان لدعاء ذلك الشيخ عليه . سمعت الأستاذ أبا علي الدقاق ، رحمه الله تعالى ، يقول : لما نفى أهل بلخ محمد بن الفضل من البلد ؛ دعا عليهم وقال : اللهم امنعهم الصدق . فلم يخرج من بلخ بعد صديق . سمعت أحمد بن يحيى الأبيوري يقول : من رضي عنه شيخه لا يكافأ في حال حيته : لئلا يزول عن قلبه تعظيم ذلك الشيخ . فإذا مات الشيخ أظهر الله عز وجل عليه ما هو جزاء رضاه ومن تغير عليه قلب شيخه لا يكافأ في حال حياة ذلك الشيخ ، لئلا يرق له ، فإنهم مجبولون على الكرم ، فإذا مات ذلك الشيخ ، فحينئذ يجد المكافأة بعده . ؟

قسم V01/P362Kuşeyrî — er-Risâle (s. V01/P362)

باب السماع

قسم V01/P362–V01/P364Kuşeyrî — er-Risâle (s. V01/P362–V01/P364)

قال الله عز وجل : ' فبشر عبادي الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه ' [ الزمر : 17 - 18 ] . اللام في قوله القول تقتضي التعميم والاستغراق ، والدليل عليه : أنه مدحهم باتباع الأحسن . وقال تعالى : ' فهم في روضة يحيرون ' ، جاء في التفسير : أنه السماع وأعلم أن سماع الأشعار بالألمان الطيبة والنغم المستلذة إذا لم يعتقد المستمع محظورا ، ولم يسمع على مذموم في الشرع ، ولم ينجز في زمام هواه ، ولم ينخرط في سلك لهواه ، مباح في الجملة . ولا خلاف أن الأشعار أنشدت بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأنه سمعها ولم ينكر عليهم في إنشادها ، فإذا جاز استماعها بغير الألحان الطيبة فلا يتغير الحكم بأن يسمع بالألحان . هذا ظاهر من الأمر . ثم ما يوجب المستمع توفر الرغبة على الطاعات ، وتذكر ما أعد الله تعالى لعباده المتقين من الدرجات ويحمله على التحرر من الزلات ، ويؤدي إلى قلبه في اعمال صفاء الواردات مستحب في الدين ومختار في الشرع ، وقد جرى على لفظ رسول الله صلى الله عليه وسلم ما هو قريب من الشعر ، وإن لم يقصد أن يكون شعرا . أخبرنا : أبو الحسن علي بن أحمد ألإهوازي قال : أخبرنا أحمد بن عبيد الصفار قال : حدثنا الحارث بن أبي أسلمة قال : حدثنا أبو النضر قال : حدثنا شعبة عن حميد قال : سمعت أنسا يقول : كانت الأنصار يحفرون الخندق فجعلوا يقولون : نحن الذين بايعوا محمدا . . . على الجهاد ما بقينا أبدا فأجابهم رسول الله صلى الله عليه وسلم : ' اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة ، فأكرم الأنصار والمهاجرة ' وليس هذا اللفظ منه ، صلى الله عليه وسلم ، على وزن الشعر ، لكنه قريب منه . وقد سمع السلف الأكابر الأبيات بالألحان ؛ فمن قال بإباحته من السلف : مالك بن أنس : وأهل الحجاز كلهم يبيحون الغناء ، وأما الحداء فإجماع منهم على إجازته . وقد وردت الأخبار واستفاضت الآثار في ذلك ، وروي عن ابن جريج أنه كان يرخص في السماع ، فقيل له : إذا أتى بك يوم القيامة ، ويؤتى بحسناتك ولا في السيآت . يعني أنه من المباحات . وأما الشافعي ، رحمه الله ، فإنه لا يحرمه ، ويجعله في العوام مكروها ، حتى لو احترف بالغناء أو اتصف على الدوام بسماعته على وجه التلهي ترد به الشهادة ، ويجعله مما يسقط المروءة ولا يلحقه بالمحرمات . وليس كلامنا في هذا النوع من السماع : فن هذه الطائفة جلت رتبتهم عن أن يستمعوا بلهو ، أو يقعدوا للسماع بسهو ، أو يكونوا بقلوبهم مفكرين في مضمون لغو . أو يستمعوا على صفة غير كفء . وقد روي عن أبن عمر آثار في إباحة السماع ، وكذلك عن عبدالله بن جعفر ابن أبي طالب . وكذلك عن مر رضي الله عنهم أجمعين ، في الحداء وغيره . وأنشد بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم الأشعار فلم ينه عنها ، وروي أنه صلى الله عليه وسلم استنشد الأشعار . ومن المشهور الظاهر أنه دخل بيت عائشة رضي الله عنها ، وفيه جاريتان تغنيان ، فلم ينههما .

قسم V01/P364–V01/P366Kuşeyrî — er-Risâle (s. V01/P364–V01/P366)

أخبرنا الشيخ أبو عبد الرحمن السلمي قال : أخبرنا محمد بن جعفر بن محمد ابن مطر قال : حدثنا الحباب بن محمد التستري قال : أخبرنا أبو الأشعث قال : حدثنا محمد بن بكر البرساني قال : حدثنا شعبة ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن عائشة رضي الله عنها : ' أن أبا بكر الصديق ، رضي الله عنه ، دخل عليها وعندها قينتان تغنيان بما تقاذفت به الأنصار يوم بعاث ، فقال أبو بكر : مزمار الشيطان مرتين فقال النبي صلى الله عليه وسلم : دعهما يا أبا بكر ؛ فإن لكل قوم عبدا وعيدنا هذا اليوم ' . أخبرنا : علي بن أحمد الأهوازي قال : أخبرنا أحمد بن عبيد ، قال : حدثنا عثمان بن الضي قال : حدثنا أبو كمال ، قال : حدثنا أبو عوانة ، عن الأجلح ، عن أبي الزبير ، عن جابر ، عن عائشة رضي الله عنها : ' أنها أنكحت ذات قرابتها من الأنصار . فجاء النبي صلى الله عليه وسلم فقال : أهديتم الفتاة ؟ فقالت : نعم . قال : فأرسلت من يغني ؟ قالت : لا . فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ن النصار فيهم غزل ، فلو أرسلتم من يقول : أتيناكم أتيناكم فحيونا نحييكم ' أخبرنا الأستاذ الإمام أبوبكر محمد بن الحسين بن فورك ، رضي الله عنه ، قال : حدثنا أحمد بن محمود بن خرزاذ قال : حدثنا الحسين بن الحارث الإهوازي قال : حدثنا سلمة بن سعيد ، عن صدقة بنت أبي عمرن ، قالت : حدثنا علقمة ابن مرثد ، عن زاذان ، عن البراءة بن عازب قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ' حسنوا القرآن بأصواتكم ؛ فإن الصوت الحسن يزيد القرآن حسنا ' دل هذا الخبر على فضيلة الصوت الحسن . وأخبرنا علي بن أحمد بن عبدان الإهوازي قال : أخبرنا أحمد بن عبيد قال : حدثنا عثمان بن عمر الضبي قال : حدثنا أبو الربيع قال : حدثنا عبد السلام ابن هاشم قال : حدثنا عبدالله بن محرز ، عن قتادة ، عن أنس بن مالك قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ' لكل شيء حلية وحلية القرآن الصوت الحسن ' . أخبرنا علي بن أحمد الأهوازي ، قال : أخبرنا أحمد بن عبيد قال : حدثنا محمد بن يونس الكريمي يقال : حدثنا الضحاك بن مخلد أبو عاصم قال : حدثنا شبيب بن بشر بن البجلي ، عن أنس بن مالك قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ' صوتان ملعونان : صوت ويل عند مصيبة ، وصوت مزمار عند نغمة ' . مفهوم الخطاب يقتضي إباحة غير هذا في غير هذه الأحوال ، وإلا بطل التخصيص . والأخبار في هذا الباب تكثر ، والزياة على هذا القدر من ذكر الروايات تخرجنا عن المقصود من الاختصار ، وقد روي أن رجلا أنشد بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم : أقبلت فلاح لها . . . عارضان كالسبج أدبرت فقلت لها . . . والفؤاد في وهج هل على ويحكما . . . إن عشقت من حرج فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا . وإن حسن الصوت مما أنعم الله تعالى به على صاحبه من الناس : قال الله عز وجل : ' يزيد في الخلق ما يشاء ' . قيل في التفسير : من ذلك ، الصوت الحسن وذم الله سبحانه الصوت الفظيع ؛ فقال تعالى : ' إن أنكر الأصوات لصوت الحمير ' . واستلذاذ القلوب واشتياقها إلى الأصوات الطيبة واسترواحها إليها مما لا يمكن جحوده ؛ فإن الطفل يسكن إلى الصوت الطيب ، والجمل يقاسي تعب السير ومشقة الحمولة فيهون عليه بالحداء .

قسم V01/P366–V01/P368Kuşeyrî — er-Risâle (s. V01/P366–V01/P368)

قال الله تعالى : ' أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت ' . وحكى إسماعيل بن عالية قال : كنت أمشي مع الشافعي ، رحمه الله تعالى ، وقت الهاجرة فجزنا بموضع يقول فيه أحد شيئا ، فقال : مل بنا إليه ، ثم قال : أيطربك هذا ؟ فقلت : لا . فقال : مالك حسن ! ! وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ' ماأذن الله تعالى لشيء كأذنه لنبي يتغنى بالقرآن ' . أخبرنا علي بن أحمد الإهوازي قال : أخبرنا أحمد بن عبيد قال : حدثنا ابن ملحان قال : حدثنا يحيى بن بكير قال : حدثنا الليث عن عقيل ، عن ابن شهاب أنه قال : حدثنا يحيى بن بكير قال : حدثنا الليث عنعقيل ، عن ابن شهاب أنه قال : أخبرني أبو سلمة ، عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ' ما أذن الله لشيء ما أذن لنبي حسن الصوت يتغنى بالقرآن يجهر به ' . وقيل : إن داود عليه السلام كان يستمع لقراءته الجن والإنس والطير والوحش إذا قرأ الزبور ، وكان يحمل مجلسه أربعمائة جنازة ممن قد مات ممن سمعوا قراءته . وقال صلى الله عليه وسلم لأبي موسى الأشعري : ' لقد أوتيت مزمارا من مزامير آل داود ' متفق عليه . وقال معاذ بن جبل لرسول الله صلى الله عليه وسلم : ' لو علمت أنك تسمع لحبرته لك تحبيرا ' . أخبرنا أبو حاتم السجستاني قال : أخبرنا عبد الله بن علي السراج قال : حكى أبو بكر محمد بن داود الدينوري الرقي قال : كنت في البادية ، فوافيت قبيلة من قبائل العرب ، وأضافني رجل منهم ، فرأيت غلاما أسود مقيدا هناك . ورأيت جمالا قد ماتت بفناء البيت ، فقال لي الغلام : أنت الليلة ضيف ، وأنت على مولاي كريم ، فتشفع لي ؛ فإنه لا يردك . فقلت لصاحب البيت : لا آكل طعامك حتى تحل هذا العبد . فقال : هذا الغلام قد أفقرني وأتلف مالي ! ! فقلت : فما فعل ؟ فقال : له صوت طيب ، وكنت أعيش من ظهر هذه الجمال ، فحملها أحمالا ثقيلة ، وحدا لها حتى قطعت مسيرة ثلاثة في يوم واحد ، فلما حط عنها ماتت كلها ، ولكن قدوهبته لك وحل عنه القيد ، فلما أصبحنا أحببت أن أسمع صوته ، فسألته عن ذلك ، فأمر الغلام أن يحدو على جمل كان على بئر هناك يستقي عليه ، فحدا الغلام . . فهام الجمل على وجهه وقطع حباله ، ولم أظن أني سمعت صوتا أطيب منه ، فوقعت لوجهي . . حتى أشار إليه بالسكوت . سمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمي يقول : سمعت محمد بن عبد الله بن عبد العزيز يقول : سمعت أبا عمرو الأنماطي يقول : سمعت الجنيد يقول ، وقد سئل : ما بال الإنسان يكون هادئا ، فذ سمع السماع اضطرب ؟ فقال : إن الله تعالى لما خاطب الذر في الميثاق الأول بقوله : ' ألست بربك قالوا بلى ' استفرغت عذوبة سماع الكلام الأرواح ، فلما سمعوا السماع حركهم ذكر ذلك . سمعت الأستاذ أبا علي الدقاق يقول : السماع حرام على العوام ؛ لبقاء نفوسهم ، مباح للزهاد ؛ لحصول مجاهداتهم ، مستحب لأصحابنا ؛ لحياة قلوبهم . سمعت أبا حاتم السجستاني يقول : سمعت أبا نصر الصوفي يقول : سمعت الوجيهي يقول : سمعت أبا علي الروذباري يقول : كان الحارث بن أسد المحاسبي ثلاث إذا وجدن متسع بهن ، وقد فقدناها : حسن الوجه مع الصيانة ، وحسن الصوت مع الديانة ، وحسن الإخاء مع الوفاء . وسئل ذو النون المصري عن الصوت الحسن ، فقال : مخاطبات وإشارات أودعها أنه تعالى كل طيب وطيبة .

قسم V01/P368–V01/P369Kuşeyrî — er-Risâle (s. V01/P368–V01/P369)

وسئل مرة أخرى عن السماع فقال : وارد حق يزعج القلوب إلى الحق ؛ فمن أصغى إليه بحق تحقق ، ومن أصغى إليه بنفس تزندق . وحكى جعفر بن نصير : عن الجنيد أنه قال : تنزل الرحمة على الفقراء في ثلاثة مواطن : عند السماع ؛ فإنهم لا يسمعون إلا عن حق ، ولا يقولون إلا عن وجد ، وعند أكل الطعام ؛ فأنهم لا يأكلون إلا عن فاقة ، وعند مجاراة العلم : فإنهم لا يذكرون إلا صفات الأولياء . سمعت محمد بن الحسين يقول : سمعت الحسين بن أحمد بن جعفر يقول سمعت أبا بكر بن ممشاد يقول : سمعت الجنيد يقول : السماع فتنة لمن طلبه . ترويح لمن صادفه . وحكي عن الجنيد أنه قال : السماع يحتاج إلى ثلاثة أشياء : الزمان . والمكان ؛ والإخوان . وسئل الشبلي عن السماع فقال : ظاهره فتنة ، وباطنه عبرة ؛ فمن عرف الإشارة حل له استماع العبرة ، وإلا فقد استدعي الفتنة ، وتعرض للبلية . وقيل : لا يصلح السماع إلا لمن كانت له نفس ميتة وقلب حي ؛ فنفسه ذبحت بسيوف المجاهدة ، وقلبه حي بنور الموافقة . وسئل أبو يعقوب النهرجوري عن السماع فقال : حال يبدي الرجوع إلى الأسرار من حيث الاحتراق . وقيل : السماع لطف غذاء الأرواح لأهل المعرفة . سمعت الأستاذ أبا علي الدقاق يقول : السماع طبع ، إلا عن شرع . خرق ، إلا عن حق ، وفتنة إلا عن عبرة . ويقال : السماع على قسمين : سماع بشرط العلم والصحو ؛ فمن شرط صاحبه معرفة الأسامي والصفت ، وإلا وقع في الكفر المحض . وسماع بشرط الحال ؛ فمن شرط صاحبه الفناء عن أحوال البشرية ، والتنقي من آثار الحظوظ بظهور أحكام الحقيقة . وحكي عن أحمد بن أبي الحراري أنه قال : سألت أبا سليمان عن السماع ، فقال : من اثنين أحب إلي من الواحد . وسئل أبو الحسن النوري عن الصوفي ، فقال : من سمع السماع ، وآثر الأسباب . وسئل أبو علي الروذباري عن السماع يوما فقال : ليتنا تخلصنا منه رأسا برأس . سمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمي يقول : سمعت أبا عثمان المغربي يقول : من أدعى السماع ولم يسمع صوت الطيور ، وصرير الباب ، وتصفيق الرياح ، فهو فقير مدع . سمعت أبا حاتم السجستاني يقول : سمعت أبا نصر السراج الطوسي يقول : سمعت أبا الطيب أحمد بن مقاتل العكي يقول : قال جعفر : كان ابن زيري ، من أصحاب الجنيد ، شيخا فاضلا ، فربما كان يحضر موضع سماع ، فإنه استطابه فرش إزاره وجلس وقال : الصوفي في قلبه ، وإن لم يستطبه قال . السماع لأرباب القلوب ، ومر ، وأخذ نعله . سمعت محمد بن الحسين ، رحمه الله تعالى ، يقول : سمعت عبد الواحد بن بكر يقول : سمعت عبدالله بن عبد المجيد الصوفي يقول : سئل رويم عن وجوج الصوفية عند السماع فقال : يشهدون المعاني التي تعزب عن غيرهم فتشير إليهم : إلي . . إلي . . فيتنعمون بذلك من الفرح ، ثم يقطع الحجاب فيعود ذلك الفرح بكاء ؛ فمنهم من يخرق ثيابه ، ومنهم من يصيح ، ومنهم من يبكي كل إنسان على قدره . سمعت محمد بن أحمد بن محمد التميمي يقول : سمعت عبد الله بن علي يقول : سمعت الحصري يقول في بعض كلامه : ما أعمل بسماع ينقطع إذا انقطع من يسمع منه ؟ ينبغي أن يكون سماعك متصلا غير منقطع . قال : وقال الحصري : ينبغي أن يكون ظمأ دائم ، فكلما ازداد شربه ازداد ظمؤه .

قسم V01/P369–V01/P371Kuşeyrî — er-Risâle (s. V01/P369–V01/P371)

وجاء عن مجاهد في تفسير قوله تعالى : ' فهم في روضة يخبرون ' : أنه السماع من الحور العين بأصوات شهية : ' نحن الخالدات ، فلا نموت أبدا ، نحن الناعمات ، فلا نبؤس أبدا ' . وقيل : السماع نداء ، والوجد قصد . سمعت محمد بن الحسين يقول : سمعت أبا عثمان المغربي يقول : قلوب أهل الحق قلوب حاضرة ، وأسماعهم أسماع مفتوحة . وسمعته يقول : سمعت الأستاذ أبا سهل الصعلوكي يقول : المستمع بين استتار وتجل ، فالاستتار يوجب التلهيب ، والتجلي يورث الترويح ؛ والاستتار يتولد منه حركات المريدين ، وهو محل الضعف والعجز ، والتجلي يتولد منه سكون الواصلين ، وهو محل الاستقامة والتمكين ، وذلك صفة الحضرة ليس فيها إلا الذبول تحت موارد الهيبة ، قال الله تعالى : ' فلما حضروه قالوا أنصتوا ' [ الأحقاف : 29 ] . وقال أبو عثمان الحيري : السماع على ثلاثة أوجه : فوجه منها للمريدين والمبتدئين يستدعون بذلك الأحوال الشريفةويخشى عليهم في ذلك الفتنة والمرأءاة . والثاني : للصادقين يطلبون الزيادة في أحوالهم ويستمعون من ذلكما يوافق أوقاتهم . والثالث : لأهل الاستقامة من العارفين ، فهؤلاء لا يختارون على الله تعالى فيما يرد على قلوبهم من الحركة والسكون . سمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمي ، رحمه الله ، يقول : سمعت أبا الفرج الشيرازي يقول : سمعت أبا علي الروذباري يقول : قال أبو سعيد الخراز : من أدعى أنه مغلوب عن الفهم يعني في السماع ، وأن الحركات مالكة له ، فعلامته تحسين المجلس الذي هو فيه يوجده . قال الشيخ أبو عبد الرحمن : فذكرت هذه الحكاية لأبي عثمان المغربي فقال : هذا أدناه ، وعلامته الصحيحة : أن لا يبقى في المجلس محق إلا أنس به ، ولا يبقى فيه مبطل إلا استوحش منه . وقال بندار بن الحسين : السماع علي ثلاثة أوجه : منهم من يسمع بالطبع ، ومنهم من يسمع بالحال ، ومنهم من يسمع بالحق . الذي يسمع بالطبع يشترك فيه الخاص والعام ؛ فإن جبلة البشرية استلذاذ الصوت الطيب . والذي يسمع بالحال فهو يتأمل ما يرد عليه من ذكر عتاب أو خطاب أو وصل أو هجر أو قرب أو بعد ، أو تأسف علي فائت أو تعطش إلى أت ، أو وفاء بعهد أو تصديق لوعد أو نقض لعهد ، أو ذكر قلق أو اشتياق أو خوف فراق أو فرح وصال ، أو حذر انفصال أو ما جرى مجراه . وأما من يسمع بحق فيسمع بالله تعالى ، والله ، ولا يتصف بهذه الأحوال التي هي ممزوجة بالحظوظ البشرية فإنها مبقاة مع العلل فيسمعون من حيث صفاء التوحيد يحق لا يحظ . وقيل : أهل السماع على ثلاث طبقات : أبناء الحقائق يرجعون في سماعهم إلى مخاطبة لحق سبحانه لهم ؛ وضرب يخاطبون الله تعالى بقلوبهم بمعاني ما يسمعون ، فهم مطالبون بالصدق فيما يشيرون به إلى الله : وقالت : هو فقير مجرد قطع العلاقات من الدنيا والآفات ، سمعون بطيبة قلوبهم ، وهؤلاء أقربهم إلى السلامة . سمعت محمد بن الحسين يقول : سمعت أبا بكر الرازي يقول : سمعت أبا علي الروذباري ، وقد سئل عن السماع ، فقال : مكاشفة الأسرار إلى مشاهدة المحبوب . وقال الحواص ، وقد سئل : ما بال الإنسان يتحرك عند سماع غير القرآن ، ولا يجد ذلك من سماع القرآن ؟ فقال : لأن سماع القرآن صدمة لا يمكن لأحد أن يتحرك فيه لشدة غلبته ، وسماع القول ترويح فيترحك فيه . سمعت محمد بن الحسين يقول : سمعت عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن الرازي يقول : سمعت الجنيد يقول : إذا رأيت المريد يحب السماع فاعلم أن فيه بقية من البطالة .

قسم V01/P371–V01/P372Kuşeyrî — er-Risâle (s. V01/P371–V01/P372)

وسمعته يقول : سمعت أبا عبد الله البغدادي يقول : سمعت أبا سعيد الرملي يقول : قال سهل بن عبد الله السماع علم أستأثر الله تعالى به لا يعلمه إلا هو . وحكي أحمد بن مقاتل العكي قال : لما دخل ذو النون المصري بغداد اجتمع إليه الصوفية ، ومعهم قوال ، فاستأذنوه أن يقول بين يديه شيئا فأذن ، فأبتدأ يقول : صغير هواك عذبني . . . فكيف به إذا احتنكا وأنت جمعت من قلبي . . . هوى قد كان مشتركا أماترثي لمكتئب . . . إذا ضحك الخفي بكا قال : فقام ذو النون وسقط على وجهه والدم يقطر من جبينه ولا يسقط على الأرض ، ثم قام رجل من القوم يتواحد ، فقال له ذو النون : الذي يراك حين تقوم . . فجلس الرجل . سمعت الأستاذ أبا علي الدقاق يقول في هذه الحكاة : كان ذو النون صاحب إشراف علي ذلك الرجل : حيث نبهه أن ذلك ليس مقامه ، وكان ذلك الرجل صاحب إنصاف ؛ حيث قبل ذلك منه ، فرجع فقعد . سمعت محمد بن أحمد بن محمد التميمي يقول : سمعت عبد الله بن علي الصوفي يقول : سمعت الرقي يقول : سمعت ابن الجلاء يقول : كان بالمغرب شيخان لهما أصحاب وتلامذة ، يقال لأحدهما جبلة وللثاني رزيق فزار رزيق يوما جبلة في أصحابه ، فقرأ رجل من أصحاب رزيق شيئا ، فصاح واحد من أصحاب جبلة ومات . فلما أصبحوا قال جبلة لرزيق : أين الذي قرأ بالأمس ؟ فليقرأ . . فقرأ آية ، فصاح جبلة صيحة ، فمات القارىء ، فقال جبلة : واحد بواح والبادي أظلم . وسئل إبراهيم المارستاني عن الحركة عندالسماع فقال : بلغني أن موسى عليه السلام قص في بني إسرائيل ، فمزق واحد منهم قميصه ، فأوحى الله تعالى إليه : قل له مزق لي قلبك ولا تمزق ثيابك . وسئل أبو علي المغازلي الشبلي فقال : ربما يطرق سمعي آية من كتاب الله عز وجل فتحدوني على ترك الأشياء والإعراض عن الدنيا ، ثم أرجع إلى أحوالي وإلى الناس . فقال الشبلي : ما أجتذبك إليه فهو عطف منه عليك ، ولطف ، وما رددت إلى نفسك فهو شفقة منه عليه ، لأنه لم يصح لك التبري من الحول والقوة في التوجه إليه . سمعت أبا حاتم السجستاني يقول : سمعت أبا نصر السراج يقول : سمعت أحمد بن مقاتل العكي يقول : كنت مع الشبلي في مسجد ليلة من شهر رمضان وهو يصلي خلق إمام له وأنا بجنبه ، فقرأ الإمام : ' ولئن شئنا لنذهبن بالذي أوحينا إليك ' . فزعق زعقة قلت : طابت روحه وهوي رتعد ويقول : بمثل هذا يخاطب الأحباب ! ! ويردد ذلك كثيرا . وحكي عن الجنيد أنه قال : دخلت على السري يوما فرأيت عنده رجلا مغشيا عليه ، فقلت : ماله ؟ فقال : سمع آية من كتاب الله تعالى . فقلت : تقرآ عليه ثانيا ، فقرىء ، فأفاق ، فقال لي : من أين علمت هذا ؟ فقلت : إن قميص يوسف ذهبت بسببه عين يعقوب عليهما السلام ثم به عاد بصره فاستحسن مني ذلك . سمعت أبا حاتم السجستاني يقول : سمعت أبا نصر السراج يقول : سمعت عبد الواحد بن علوان يقول : كان شاب يصحب الجنيد فكان إذا سمع شيئا من الذكر يزعق ، فقال له الجنيد يوما : إن فعلت ذلك مرة أخرى لم تصحبني ! ! فكان إذا سمع شيئا يتغير ويضبط نفسه ، حتى كان يقطر كل شعرة من بدنه بقطرة ، فيوما من الأيام صاح صيحة تلفت بها نفسه .

%0
10 Bölüm