Qur'an&Sunnahالقرآن

Kuşeyrî — er-Risâle

أبو القاسم عبد الكريم بن هوازن القشيري · AR

قسم V01/P372–V01/P374Kuşeyrî — er-Risâle (s. V01/P372–V01/P374)

سمعت أبا حاتم السجستاني يقول : سمعت أبا نصر السراج يقول : حكى لي بعض إخواني عن أبي الحسين الدراج قال : قصدت يوسف بن الحسين الرازي من بغداد ، فلما دخلت الري سألت عن منزله ، فكل من أسأل عنه يقول لي : ما تفعل بذلك الزنديق ؟ ! فضيقوا صدري ، حتى عزمت على الانصراف ، فبت تلك الليلة في مسجد ، ثم قلت : جئت هذه البلدة ، فلا أقل من زيارته ؛ فلم أزل أسأل عنه حتى وقت إلى مسجده وهو قاعد في المحراب ، وبين يديه رحل ، وعليه مصحف يقرأ فيه ، وإذا هو شيخ بهي ، حسن الوجه واللحية ، فدنوت منه وسلمت عليه ، فرد السلام وقال : من أين ؟ فقلت : من بغداد ، قصدت زيارة الشيخ . فقال : لو أن في بعض البلدان قال لك إنسان : أقم عندي حتى أشتري لك دارا أو جارية ، أكان يمنعك عن زيارتي ؟ فقلت : يا سيدي ، ما أمتحنني الله تعالى بشيء من ذلك ! ! ولو كان لا أدري كيف كنت أكون ؟ فقال : تحسن أن تقول شيئا ؟ فقلت : نعم ، وقلت : رأيتك تبني دائبا في قطيعتي . . . ولو كنت ذا حزم لهدمت ما تبني فأطبق المصحف ، ولم يزل يبكي حتى ابتلت لحيته وثوبه ، حتى رحمته من كثرة بكائه ؛ ثم قال لي : يا بني : لا تلم أهل الري على قولهم يوسف بن الحسين زنديق ومن وقت الصلاة و ذا أقرأ فلم تقطر من عيني قطرة ، وقد قامت علي القيامة بهذا البيت . سمعت محمد بن أحمد بن محمد الصوفي يقول : سمعت عبد الله بن علي الطوسي يقول : سمعت الرقي يقول : سمعت الدراج يقول كنت أنا وابن القوطي مارين على الدجلة بين البصرة والأبلة ، وإذا نحن بقصر حسن ، له منظر وعليه رحل وبين يديه جارية تغني وتقول : في سبيل الله ود . . . كان مني لك يبذل كل يوم تتلون . . . غير هذا بك أجمل وإذا شاب تحت المنظرة بيده ركوة ، وعليه مرقعة يسمع فقال : يا جارية ، بحياة مولاك أعيدي : كل يوم تنلون غير هذا بك أجمل فأعادته . فقال الشاب : قولي . فأعادت فقال الفقير : هذا والله تلوني مع الحق ، وشهق شقة خرجت روحه . فقال صاحب القصر للجارية : أنت حرضة لوجه الله تعالى ، وخرج أهل البصرة ، وفرغوا من دفنه والصلاة عليه ، فقام صاحب القصر ، وقال : أليس تعرفوني ؟ ؟ وأرتدي برداء ، وتصرق بالقصر ، ومر ؟ فلم ير له بعد ذلك وجد ، ولا سمع له أثر . سمعت محمد بن أحمد بن محمد الصوفي يقول سمعت عبد الله بن علي الطوسي يقول : سمعت يحيى بن الرضا العلوي قال : سمعت أبو سلمان الدمشقي طوافا ينادي : يا سسعتر بري فسقط مغشيا عليه ، فلما افاق ، سئل ، فقال : حسبته يقول : اسمع تر بري . وسمع عتبة الغلام رجلا يقول : سبحان رب السماء ؛ إن المحب لقي عناء فقال عتبة ، : صدقت ؛ وسمع رجل آخر ذلك القول ، فقال : كذبت فكل واحد سمع من حيث هو . سمعت أبا حاتم السجستاني يقول : سمعت أبا نصر السراج يقول : سمع أبا الحسن علي بن محمد الصوفي يقول : سمعت رويما وقد سئل عن المشايخ ، الذين لقيهم في السماع ، فقال : كالقطيع إذا وقع فيه الذئب . وحكي عن أبي سعيد الخراز قال : رأيت علي بن المرفق في السماع يقول : أقيموني ، فاقاموه ، فقام ، وتواجد ، ثم قال : أنا الشيخ الزفان . وقيل : قام الرقي ليلة إلى الصباح ، يقوم .

قسم V01/P374–V01/P375Kuşeyrî — er-Risâle (s. V01/P374–V01/P375)

ويسقط على هذا البيت ، والناس قيام يبكون ، والبيت : بالله فأردد فؤاد مكتئب . . . ليس له من حبيبة خلف سمعت محمد بن أحمد التميمي يقول : سمعت عبد الله بن علي الصوفي يقول : سمعت علي بن الحسين بن محمد بن أحمد بالبصرة يقول : سمعت أبي يقول : خدمت سهل بن عبد الله سنين كثيرة ، فما رأيته تغير عند سماع شيء كان يسمعه من الذكر والقرآن وغيره ، فلما كان في آخر عمره قرىء بين يديه ' فاليوم لا يؤخذ منكم فدية ' رأيته تغير ، وارتعد ، وكاد يسقط ، فلما رجع إلى حال صحوه سألته عن ذلك ، فقال يا حبيبي ضعفنا . وحكى ابن سالم قال : رأيته مرة أخرى قرىء بين يديه الملك يومئذ الحق للرحمن فتغير وكاد يسقط ، فقلت له في ذلك ، فقال : ضعفت وهذه صفة الأكابر لا يرد عليه وارد وإن كان قويا إلا وهو أقوى منه . سمعت ألشيخ أبا عبد الرحمن السلمي يقول : دخلت على أبي عثمان المغربي وواحد يستقي الماء من البئر على بكرة فقال : يا أبا عبد الرحمن ، أتدري ما تقول البكرة ؟ فقلت : لا ، فقال : تقول الله . الله . سمعت محمد بن عبد الله الصوفي يقول : سمعت علي بن طاهر يقول : سمعت عبد الله بن سهل يقول : سمعت رويما يقول : روي عن علي بن أبي طالب ، رضي الله عنه ، أنه سمع صوت ناقوس فقال لأصحابه : أتدرون ما يقول هذا ؟ قالوا : لا ، قال : إنه يقول : سبحن الله ، حقا ، إن المولى صمد يبقي . سمعت محمد بن أحمد التميمي يقول : سمعت عبد الله بن علي يقول : سمعت أحمد بن علي الكرخي الوجيهي يقول : كان جماعة من الصوفية متجمعين في بيت الحسن القزاز ، ومعهم قوالون يقولون ويتواجدون ، فأشرف عليهم ممشاد الدينوري ؛ فسكتوا ، فقال : أرجعوا إلى ما كنتم فيه ، فلو جمع ملاهي الدنيا في أذني ما شغل همي ولا شفي بعض ما بي . وبهذا الإسناد عن الوجيهي قال : سمعت أبا علي الروذباري يقول : بلغنا في هذا الأمر إلى مكان مثل حد السيف إن قلنا كذا ففي النار . وقال خبر النساج : قص موسى بن عمران ، صلوات الله عليه ، على قوم قصة ، فرزعق واحد منهم ، فانتهره موسى ، فأوحى الله تعالى إليه : يا موسى ، بطيبي فاحوا ، وبحبي باحوا ، وبوجودي صاحوا ، فلم تنكر على عبادي ؟ ! وقيل : سمع الشبلي قائلا يقول : الخيار عشرة بدنق فصاح وقال : إذا كان الخيار عشرة بدانق فكيف الشرار ؟ ! وقيل : إذا تغنت الحور العين في الجنة توردت الأشجار . وقيل : كان عون بن عبد الله يأمر جارية له حسنة الصوت فتغنى بصوت حزين حتى تبكي القوم . وسئل أبو سليمان الداراني عن السماع ، فقال : كل قلب يريد الصوت ألحسن فهو ضعيف يداوي كما يداوي الصبي إذا أريد أن ينام ، ثم قال أبو سليما : إن الصوت الحسن لا يدخل في القلب شيئا ، وإنما يحرك من القلب ما فيه . قال أبن أبي الحواري : صدق والله أبو سليمان . وقال الجريري : كونوا ربانيين ، أي سماعين من الله ، قائلين بالله . وسئل بعضهم عن السماع فقال : بروق تلمع ثم تخمد ، وأنوار تبدوا ثم تخفى ، ما أحلاها لو بقيت مع صاحبها طرفة عين ، ثم أنشأ يقول : خطرة في السر منه خطرت . . . خطرة البرق ابتدي ثم اضمحل أي زور لك لو قصدا سري . . .

قسم V01/P375–V01/P377Kuşeyrî — er-Risâle (s. V01/P375–V01/P377)

وملم بك لو حقا فعل وقيل : السماع فيه نصيب لكل عضو ؛ فما يقع إلى العين تبكي ، وما يقع إلى لسان يصيح ، وما يقع على اليد تمزق الثياب وتلطم ، وما يقع إلى الرجل ترقص . وقيل : مات بعض ملوك العجم ، وخلف ابنا صغيرا ، فأرادوا أن يبايعوه قالوا : كيف نصل إلى معرفة عقله وذكائه ؟ ! . . ثم توافقوا على أن يأتوا بقوال ، فلما قال زال شيئا ضحك الرضيع ، فقبلوا الأرض بين يديه وبايعوه . سمعت الأستاذ أبا علي الدقاق يقول : اجتمع أبو عمرو بن نجيد ، والنصراباذي والطبقة في موضع ؛ فقال النصراباذي : أنا أقول إذا اجتمع القوم فواحد يقول شيئا ويسكت الباقون خير من أن يغتابوا أحدا . فقال أبو عمرو : لأن تغتاب أنت ثلاثين سنة أنجى لك من أن تظهر في السماع ما لست به . سمعت الأستاذ أبا علي الدقاق . رحمه الله ، يقول : الناس في السماع ثلاثة : متسمع ؛ ومتسمع ؛ وسامع ؛ فالمتسمع يسمع بوقت ؛ والمستمع يسمع بحال : والسامع يسمع بحق . وسألت الأستاذ أبا علي الدقاق : رحمه الله تعالى ، غير مرة . شبه طلب رخصة في السماع ، فكان يحيلني على ما يوجب الإمساك عنه ، ثم بعد طول المعاودة قال : إن المشايخ قالوا : ما جمع قلبك إلى الله قلبك إلى الله سبحانه وتعالى فلا بأس به . أخبرنا أبو الحسن علي بن أحمد ألأهوازي قال : أخبرنا أ ؛ مد بن عبيد البصري قال : حدثنا إسماعيل بن الفضل قال : حدثنا يحيى بن يعلي الرازي قال : حدثنا حفص بن عمر العمري قال : حدثنا أبو عمر وعثمانبن بدر قال : حدثنا هارون ابن حمزة عن الغدافري قال : حدثنا أبو عمر وعثمان بن بدر قال : حدثناهارون ابن حمزة عن الغدافري ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، رضي الله عنهما ، قال : أوحى الله سبحانه إلى موسى عليه السلام : إني جعلت فيك عشرة آلاف سمع حتى سمعت كلامي ، وعشرة آلاف لسان حتى أحببتني ، وأحب ما تكون إلي وأقربه إذا أكثرت الصلاة على محمد صلى الله عليه وسلم . وقيل : رأى بعضهم النبي صلى الله عليه وسلم في المنام فقال : الغلط في هذا أكثر ؛ يعنى به : السماع . سمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمي يقول : سمعت محمد بن عبد الله بن شاذان يقول : سمعت أبا بكر النهاوندي يقول : سمعت عليا السائح يقول : سمعت أبا الحارث الأولاسي يقول : رأيت أبليس ، لعنه الله ، في المنام علي بعض سطوح أولاس وأنا على سطح ، وعلى يمينه جماة ، وعلى يساره جماعة ، وعليهم ثياب نظاف ، فقال لطائفة منهم : قالوا . . فقالوا ، وغنوا ، فاستفزعني طيبه ، حتى همست أن أطرح نفسي من السطح . ثم قال : ارقصوا ، فرقصوا أطيب ما يكون . . ثم قال لي : يا أبا الحارث ، ما أصبتشيئا أدل به عليكم إلا هذا . سمعت محمد بن الحسين يقول : سمعت عبد الله بن علي يقول : اجتمعت ليلة من الشبلي ، رحمه الله ، فقال القوال ، شيئا ، فصاح الشبلي ، وتواجد قاعدا فقيل له : يا أبا بكر ، مالك من بين الجماعة قاعدا ؟ ! فقام وتواجد ، وقال : لي سكرتان ، وللندمان واحدة . . . شيء خصصت به من بينهم وحدي وسمعته يقول : سمعت منصور بن عبد الله الأصبهاني يقول : سمعت أبا علي الروذباري يقول : جزت بقصر ، فرأيت شابا حسن الوجه مطروحا ، وحوله خلص ، فسألت عنه ، فقالوا : إنه جاز بهذا القصر وفيه جارية تغنى : كبرت همة عبد . . .

قسم V01/P377Kuşeyrî — er-Risâle (s. V01/P377)

طمعت في أن تراكا أو ما حسب لعين . . . أن ترى من قد رآكا فشهق شهقة ومات .

قسم V01/P377Kuşeyrî — er-Risâle (s. V01/P377)

باب كرامات الأولياء

قسم V01/P377–V01/P378Kuşeyrî — er-Risâle (s. V01/P377–V01/P378)

قال الأستاذ أبو القاسم : ظهور الكرامات على الأولياء جائز . والدليل على جوازه أنه أمر موهوم حدوثه في العقل لا يؤدي حصوله إلى رفع أصل من الأصول ، فواجب وصفه ، سبحانه ، بالقدرة على إيجاده ، وإذا وجب كونه مقدورا لله ، سبحانه ، فلا شيء يمنع جواز حصوله . وظهور الكرامات علامة صدق من ظهرت عليه في أحواله ، فمن لم يكن صادقا فظهور مثلها عليه لا يجوز . والذي يدل عليه أن تعريف القديم سبحانه إيانا ، حتى نفرق بين من كان صادقا في أحواله ، وبين من هو مبطل من طريق الاستدلال أمر موهوم ، ولا يكون ذلك إلا باختصاص الولي بما لايوجد مع المفتري في دعواه ، وذلك الأمر هو الكرامة التي أشرنا إليها . ولابد أن تكون هذه الكرامة فعلا ناقضا للعادة في أيام التكليف ، ظاهرا على موصوف بالولاية في معنى تصديقه في حاله . وتكلم الناس في الفرق بين الكرامات وبين المعجزات من أهل الحق ؛ فكان الإمام أبو إسحاق الإسفرايني ، رحمه الله ، يقول : المعجزات دلالات صدق الأنبياء ، ودليل النبوة لا يوجد مع غير النبي ، كما أن العقل المحكم لما كان دليلا لعالم في كونه عالما لم يوجد ممن لا يكون عالما . وكان يقول : الأولياء لهم كرامات شبه إجابة الدعاء ، فأما جنس ما هو معجزة للأنبياء فلا . وأما الإمام أبو بكر بن فورك ، رحمه الله ، فكان يقول : المعجزات : بدلالات الصدق ، ثم إن ادعي صاحبها النبوة فالمعجزات تدل على صدقه في مقالته ، وإن أشار صاحبها إلى الولاية دلت المعجزة علي صدقه في حلته ، فتسمى كرامة ولا تسمى معجزة وإن كانت من جنس المعجزات للفرق . وكان رحمه الله يقول : من الفرق بين المعجزات والكرامات : أن الأنبياء عليهم السلام مأمورون بإظهارها والولي يجب عليه سترها وإخفاؤها ، والنبي صلى الله عليه وسلم يدعى ذلك ويقطع القول به ، والولي لا يدعيها ولا يقطع بكرامته ، لجواز أن يكون ذلك مكرا . وقال أوحد فنه في وقته القاضي أبو بكر الأشعري ، رضي الله عنه : إن المعجزات تختص بالأنبياء ، والكرامات تكون للأولياء كما تكون للأنبياء ولا تكون للأولياء معجزة ، لأن من شرط المعجزة اقتران دعوة النبوة بها ، والمعجزة لم تكن معجزة لعينها ، وإنما كانت معجزة لحصولها على أوصاف كثيرة ، فمتى اختل شرط من تلك الشرائط ، لا تكون معجزة . وأحد تلك الشرائط : دعوة النبوة ، والولي لا يدعي النبوة ، فالذي يظهر عليه لا يكون معجزة . . وهذا القول الذي نعتمده ونقول به ، بل ندين به . فشرائط المعجزات ، كلها أو أكثرها ، توجد في الكرامة إلا هذا الشرط للواحد . والكرامة فعل لا محالة محدث ، لأن ما كان قديما لم يكن له اختصاص بأحد ، وهو ناقض للعادة ، وتحصل في زمان التكليف وتظهر على عبد تخصيصا له وتفضيلا . وقد تحصل باختياره ودعائه ، وقد لا تحصل له ، وقد تكون بغير اختياره في بعض الأوقات ، ولم يؤمر الولي بدعاء الخلق إلى نفسه ولو أظهر شيئا من ذلك على من يكون أهلا له لجاز . واختلف أهل الحق في الولي : هل يجوز أني علم أنه ولي ؟ أم لا ؟ فكان الإمام أبو بكر بن فورك رحمه الله يقول : لا يجوز ذلك : لأنه بسلبه الخوف ويوجب له الأمن . وكان الأستاذ أبو علي الدقاق رحمه الله يقول بجوازه . وهو الذي يؤثره ونقول به . وليس ذلك بواجب في جميع الأولياء حتى يكون كل ولي يعلم أنه ولي واجبا ، ولكن يجوز أن يعلم بعضهم كما يجوز أن لا يعلمه بعضهم . فإذا علم بعضهم أنه ولي كانت معرفته تلك كرامة له انفرد بها . وليس كل كرامة لولي يجب أن تكون تلك بعينها لجميع الأولياء .

قسم V01/P378–V01/P379Kuşeyrî — er-Risâle (s. V01/P378–V01/P379)

بل لو لم يكن للولي كرامة ظاهرة عليه في النيا لم يقدح عدمها في كونه وليا . بخلاف الأنبياء فإنه يجب أن تكون لهم معجزات ؛ لأن النبي مبعوث إلى الخلق فبالناس حاجة إلى معرفة صدقه ؛ ولا يعرف إلا بالمعجزة . وبعكس ذلك حال الولي ؛ لأنه ليس بواجب على الخلق ، ولا على الولي أيضا ، العلم بأنه ولي . والعشرة من الصحابة صدقوا الرسول صلى الله عليه وسلم فيما أخبرهم به أنهم من أهل الجنة . وقول من قال لا يجوز ذلك لأنه يخرجهم من الخوف فلابأس أن يخافوا تغيير العقابة ، والذي يجدونه في قلوبهم من الهيبة والتعظيم والإجلال للحق سبحانه ، يزيد ويربوعلى كثير من الخوف . وأعلم أنه ليس للولي مساكنة إلى الكرامة التي تظهر عليه ، ولا له ملاحظة . وربما يكون لهم في ظهور جنسها قوة يقين وزيادة بصيرة لتحققهم أن ذلك فعل الله ، فيستدلون بها على صحة ما هم عليه من العقائد . وبالجملة ، فالقول بجواز ظهورها على الأولياء واجب ، وعليه جمهور أهل المعرفة ، ولكثرة ما تواتر بأجناسها الأخبار والحكايات صار العلم بكونها وظهورها على الأولياء في الجملة علما قويا أنتفى عنه الشكرك . ومن توسط هذا الطائفة وتواتر عليه حكاياتهم وأخبارهم لمتبق له شبهة في ذلك على الجملة . ومن دلائل هذه الجملة : نص القرآن في قصة صاحب سليمان عليه السلام . حيث قال ' أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك ' ولم يكن نبيا . والأثر : عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ، رضي الله عنه ، صحيح أنه قال : يا سارية الجبل في حال خطبته يوم الجمعة ، وتبليغ صوت عمر إلى سارية في ذلك الوقت حتى تحرز من مكامن العدو من الجبل في تلك الساعة . فإن قيل : كيف يجوز إظهار هذه الكرامات الزائدة في المعاني على معجزات الرسل ؟ وهل يجوز تفضيل الأولياء على الأنبياء عليهم السلام ؟ قيل : هذه الكرامات لاحقة بمعجزات نبينا صلى الله عليه وسلم ؛ لأنكل من له بصادق في الإسلام لا تظهر عليه الكرامة . وكل نبي ظهرت كرامته على واحد من أمته فهي معدودة من جملة معجزاته ؛ إذ لو لم يكن ذلك الرسول صادقا لم تظهر على يد من تابعه الكرامة . فأما رتبة الأولياء فلا تبلغ ربتة الأنبياء عليهم السلام : للإجماع المنعقد على ذلك . وهذا أبو يزيد البسطامي سئل عن هذه المسألة فقال : مثل ما حصل للأنبياء عليهم السلام كمثل زق فيه عسل ترشح منه قطرة ، فتلك القطرة مثل ما لجميع الأولياء ، وما في الظرف مثل لنبينا صلى الله عليه وسلم .

قسم V01/P379–V01/P381Kuşeyrî — er-Risâle (s. V01/P379–V01/P381)

فصل ثم هذه الكرامات قد تكون إجابة دعوة ، وقد تكون إظهار طعام في أوان فاقة من غير سبب ظهار ، أو حصول ماء في زمان عطش ، أو تسهيل قطع مسافة في مدة قريبة ، أو تخليصا من عدو ، أو سماع خطاب من هاتف ، أو غير ذلك من فنون الأفعال الناقضة للعادة . وأعلم أن كثيرا من المقدورات يعلم اليوم قطعا أنه لايجوز أن يظهر كرامة للأولياء ؛ وبضرورة أو شبه ضرورة يعلم ذلك ، فمنها حصول إنسان لا من أبوين ، وقلب جماد بهيمة أو حيوانا ، وأمثال هذا كثير . فصل فإن قيل الولي قيل : يحتمل أمرين : أحدهما أن يكون فغيلا مبالغة من الفاعل ؛ كالعليم ، والقدير غيره ، فيكون معناه : من توالت طاعاته من غير تخلل معصية . ويجوز أن يكون فعيلا بمعنى مفعول ، كقتيل بمعنى مقتول ، وجريح بمعنى مجروح ، وهو الذي يتولى الحق ، سبحانه ، حفظه وحراسته على الإدامة والتوالي ، فلا يخلق له الخذلان الذي هو قدرة العصيان ، وإنما يديم توفيقه الذي هو قدرة الطاعة ، قال الله تعالى : ' وهو يتولى الصالحين ' . فصل فإن قيل : هل يكون الولي معصوما قيل : أما وجوبا ، كما يقال في الأنبياء فلا . وأما أن يكون محفوظا حتى لا يصر على الذنوب إن حصلت هنات أو آفات أو زلات ، فلا يمتنع ذلك في وصفهم . ولقد قيل للجنيد : العارف يزني يا أبا القاسم ؟ فاطرق مليا ، ثم رفع رأسه وقال : ' وكان أمر الله قدرا مقدروا ' . فصل فإن قيل : هل يسقط الخوف عن الأولياء قيل : أما الغالب على الأكابر فكان الخوف ، وذلك الذي قلنا فيما تقدم على جهة الندرة غير ممتنع ، وهذا السري السقطي يقول : لو أن واحدا دل بستانا فيه أشجار كثيرة وعلى كل شجرة طير يقول له بلسان فصيح : السلام عليك يا ولي الله . فلو لم يخف أنه مكر لكان ممكورا وأمثال هذا من حكاياتهم كثيرة . فصل فإن قيل : رؤية الله سبحانه هل تجوز رؤية الله سبحانه على جهة الكرامة بالأبصار اليوم في الدنيا على جهة الكرامة ؟ فالجواب عنه : أن الأقوى فيه أنه لا يجوز ؛ لحصول الإجماع عليه ، ولقد سمعت الإمام أبا بكر بن فورك ، رضي الله عنه ، يحكى عن أبي الحسن الأشعري أنه قال في ذلك قولين في كتاب الرؤية الكبير . فصل فإن قيل : تغير حال الولي هل يجوز أن يكون وليا في الحال ثم تتغير عاقبته قيل : من جعل من شرط الولاية حسن الموافاة لا يجوز ذلك . ومن قال : إنه في الحال مؤمن على الحقيقة وإن جاز أن يتغير حاله بعد لا يبعد أن يكون وليا في الحال صديقا ، ثم يتغير ، وهو الذي نختاره . ويجوز أن يكون من جملة كرامات الولي أن يعلم أنه مأمون العاقبة ، وأنه لا تتغير عاقبته ، فتلتحق هذه المسألة بما ذكرنا أن الولي يجوز أن يعلم أنه ولي . فصل فإن قيل : هل يزايل الولي خوف المكر قيل : إن كان مصطلما عن شاهده ، مختطفا عن إحساسه بحالة فهو مستهلك عنه فيما استولى عليه ، والخوف من صفات الحاضرين بهم . فصل

قسم V01/P381–V01/P383Kuşeyrî — er-Risâle (s. V01/P381–V01/P383)

فإن قيل : ما الغالب على الولي في صحره قيل : صدقه في لأداء حقوقه ، سبحانه ، ثم رفقه على الخلق في جميع أحواله . ثم انبساط رحمته لكافة الخلق . ثم دوام تحمله عنهم بجميل الخلق . وابتدائه لطلب الإحسان من الله عز وجل إليهم من غير التماس منهم . وتعليق الهمة بنجاة الخلق ، وترك الانتقام منهم ، والتوقي عن استشمار حقد عليهم مع قصر اليد عن أموالهم ، وترك الطمع بكل وجه فيهم ، وقبض اللسان عن بسطه بالسوء فيهم ، والتصاون عن شهود مساو بهم ، ولا يكون خصما لأحد في الدنيا ولا في الآخرة . واعلم أن من أجل الكرامات التي تكون للأولياء : دوام التوفيق للطاعات ، والعصمة عن المعاصي والمخالفات ، ومما يشهد من القرآن على إظهار الكرامات على الأولياء قوله ، سبحانه ، في صفة مريم عليها السلام ولم تكن نبيا ولا رسولا : ' كلما دخل عليها زكريا المحراب وجد عندها رزقا ' . وكان يقول : ' أنى لك هذا ؟ ' فتقول مريم : ' هو من عند الله ' . وقوله سبحانه : ' وهزي إليك بجذع النخلة تساقط عليك رطبا جنيا ' وكان في غير أوان الرطب ، وكذلك قصة أصحاب الكهف والأعاجيب التي ظهرت عليهم من كلام الكلب معهم وغير ذلك ، ومن قصة ذي القرنين وتمكينه سبحانه له ما لم يمكن لغيره ، ومن ذلك ما أظهر على يدي الخضر عليه السلام من إقامة الجدار وغيره من الأعاجيب ، ومن كان يعرفه مما خفي على موسى عليه السلام . كل ذلك أمور ناقضة للعادة اختص الخضر عليه السلام بها ، ولم يكن نبيا ، وإنما كان وليا . ومما روي من الأخبار في هذا الباب حديث جريج الراهب ؛ أخبرنا أبو نعيم عبد الملك بن الحسن الإسفرايني قال : أخبرنا أبو عوانة يعقوب بن إبراهيم بن إسحاق قال : حدثنا عمار بن رجاء قال : حدثنا وهب بن جرير قال : حدثنا أبي قال : سمعت محمد بن سيرين ، عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم . قال أبو عوانة : وحدثني الصنعاني ، وأبو أمية قالا : حدثنا عن أبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ' لم يتكلم في المهد إلا ثلاثة : عيسى بن مريم ، وصبي في زمن جريج ، وصبي آخر ؛ فأما عيسى فقد عرفتموه . وأما جريج فكان رجلا عابدا في بني إسرائيل . وكانت له أم . فكان يوما يصلي إذا اشتاقت إليه أمه . فقالت : يا جريج . فقال : يا رب ، الصلاة خير أم آتيها ؟ ثم صلى . فدعته ، فقال مثل ذلك . ثم صلى . فاشتد على أمه . فقالت : اللهم لا تمته حتى تريه وجوه المومسات . وكانت زانية في بني إسرائيل ، فقالت لهم : أنا أفتن جريجا حتى يزني ؛ فأتته ، فلم تقدر على شيء . وكان راع يأوي بالليل إلى أصل صومعته ، فلما أعياها راودت الراعي على نفسها ؛ فأتاها ، فولدت ، ثم قالت : ولدي هذا جريج . فأتاه بنو إسرائيل ، وكسروا صومعته ، وشتموه ، ثم صلى ودعا ، ثم نخس الغلام . قال محمد قال أبو هريرة : كأني أنظر إلى النبي صلى الله عليه وسلم حين قال بيده : يا غلام من أبوك ؟ فقال : الراعي ؛ فندموا على ما كان منهم ، واعتذروا إليه ، وقالوا : نبني صومعتك من ذهب - أو قال : من فضة - فأبى عليهم ، وبناها كما كانت . . وأما الصبي الآخر فإن امرأة كان معها صبي لها ترضعه ، إذ مر بها شاب جميل الوجه ، ذو شارة ، فقالت : اللهم اجعل ابني مثل هذا ، فقال الصبي : اللهم لا تجعلني مثله . .

قسم V01/P383Kuşeyrî — er-Risâle (s. V01/P383)

قال محمد : قال أبو هريرة : كأني أنظر إلى النبي صلى الله عليه وسلم حين كان يحكي الغلام وهو يرضع ثم مرت بها أيضا امرأة ذكروا أنها سرقت ، وزنت ، وعوقبت ، فقالت : اللهم لا تجعل ابني مثل هذا ! ! فقال : اللهم اجعلني مثلها . . . فقالت له أمه في ذلك ، فقال : إن الشاب جبار من الجبابرة ، وإن هذه المرأة قيل : إنها زنت ولم تزن ، وقيل : سرقت ولم تسرق ، وهي تقول : حسبي الله ' . وهذا الخبر روي في الصحيح ، ومن ذلك

%0
10 Bölüm