(2 ) أبو يزيد البسطامي ( 188 - 261 ه - 804 - 875 م ) طيفور بن عيسى البسطامي أبو يزيد » زاهد مشهور له أخبار كثيرة » نسبته إلى بسطام ووفاته فيها وفي المستشرقين من يرى أنه كان يقول بوحدة الوجود » وأنه ربما كان أول قائل بمذهب الفناء » ويعرف أتباعه 1589 160 « 133 » 2 ثم قال الشيخ ابن عطاء الله رضي الله عنه : ( الرجاء « 1 » ما قارنه عمل » وإلا فهو أمنية ) . الرجاء مقام شريف من مقامات اليقين » وهو يبعث على الاجتهاد في الأعمال » كما ذكرناه في الحزن » لأن من رجا شيئا طلبه » ومن خاف من شيء هرب منه . وأما الرجاء الكاذب الذي يفتر صاحبه عن العمل ؛ ويجرّئه على المعاصي والذنوب » فليس هذا ررجاء عد العلماء ٠ , لكتدامية وا رار يانه فغالى . رق د الله قوها كدر مدل ها راصضروا على حب الدنيا والرضا بها » وتمنوا المغفرة : على ذلك فسماهم « خلفا » والخلف : الرديء من الناس ؛ فقال عز من قائل 'فَخَلَف مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفَ وَرِنُوا الكتاب يَأَخُدُونَ عَرَضَ هذا الأذنى وَيَقُولُونَ سَيْعْفَرُ لنا [ الأعراف : 169 ] . قال معروف الكرخي رضي الله تعالى عنه : « طلب الجنة بلا عمل ذنب من الذنوب » وارتجاء الشفاعة بلا سبب نوع من الغرور » وارتجاء رحمة من لا يطاع جهل وحمق » . [ وقال معروف الكرخي ء أيضا : « رجاؤك الرحمة ممن لا تطيعه خذلان وحمق 2 واعلم أنه ليس في أفعال الحق سبحانه وتعالى ما يوجب أن يؤمن عقابه » إنما في أفعاله ما يمنع اليأس من رحمته : وكما لا يحسن أن لا يظهر من لطفه في خلقه لا يحسن الطمع في جانبه ويؤمن أخذه وانتقامه » فإن من قطع أشرف عضو بربع الدينار لا يؤمن أن يكون عذابه غدا هكذا 5 وقد قالوا : « من زعم أن الرجاء مع الإصرار صحيح فليزعم أن طلب الربح في الفقر وقدح الذار في البخر صصحيخ » . وفي الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : « الكيّس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت » والعاجز من اتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني » « 2». (1 ) الرجاء : الأمل ( نقيض اليأس ) .
İbn Abbâd er-Rundî — Gaysü'l-Mevâhib (Şerhu'l-Hikemi'l-Atâiyye)
Muhammed b. İbrâhîm İbn Abbâd en-Nefzî er-Rundî · AR
(2 ) أخرجه أحمد بن حنبل في ( المسند 4 / 24 ) » والبيهقي في ( السنن الكبرى 3 / 369 ) والحاكم في ( المستدرك » 1 / 57 » 4 / 251 ) » والطبراني في ( المعجم الكبير 7 / 338 - 1 ) ء والزبيدي في ( إتحاف السادة المتقين 7 / 44 » 8 / 428 ٠ 441 » 9 / 18 » 39 » 6 :»؛ 10 / 221٠151٠93 ) » والبغوي في ( شرح السنة 14 / 308 - 309 ) ٠ والطبراني في ( المعجم الصغير 2 / 36 ) » و ( بغوي 2 / 305 ) » والقرطبي في ( التفسير ١ 144 / 1 167/6 ) » والتبريزي في ( مشكاة المصابيح 5289 ) » وابن حجر في ( فتح الباري 9 / 342 ) » والمنذري في ( الترغيب والترهيب 4 / 252 ) » وأبو نعيم في حلية الأولياء 1 / 267 » 8 / 174 ) » والخطيب البغدادي في ( تاريخ بغداد 12 / 50 ) » وابن المبارك في الزهد 56 ) » والعراقي في ( المغني عن حمل الأسفار 2 / 326 ٠ 3 / 368 ) » والعجلوني في ( كشف الخفاء 2 / 196 ) » وابن عدي في ( الكامل في الضعفاء 2 / 472 ) » 1061 162 « 117» وقال الحسن « 1 » » رضي الله تعالى عنه : « إن قوما ألهتهم أمانيّ المغفرة حتى خرجوا من الدنيا وليس لهم حسنة » يقول أحدهم ب م ا لأحسن العمل » وتلا قوله عز وجل : وَدَلِكُمْ ظنْكُمْ الَذِي طَنَدتُمْ بِرَيِكُمْ أزداكُم فَأَصْبَحْتمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ [ فصلت ] وكان يقول » رضي الله عنه : عباد الله اتقوا هذه الأماني » فإنها أودية الهلكة يحلون فيها » والله ما آتى الله عبدا بأمانيه خيرا في الدنيا ولا في الآخرة » . وكتب أبو عمير المنصوري إلى بعض إخوانه : « أما بعد ء فإنك قد أصبحت تؤمل بطول عمرك » وتتمنى على الله الأماني بسوء فعلك » وإنما تضرب حديدا باردا » . 3 ثم قال الشيخ ابن عطاء الله رضي الله عنه : ( مطلب العارفين من الله تعالى الصدق في العبودية ٠ والقيام بحقوق الربوبية ) . مطلب العارفين من ربهم أعلى من مطالب غيرهم » سواء كانوا عبّادا » أو زهادا » أو علماء » لأن مطلب العارفين من ربهم إنما هو الصدق في العبودية والقيام بحقوق الربوبية فقط » من غير مراعاة حظ ء ولا بقاء مع نفس » وكل من عداهم لم يفارقوا الحظوظ والأغراض في مطالبهم , وقد تقدم من كلام المؤلف رحمه الله تعالى « خير ما تطلبه منه ما هو طالبه منك » . قال سيدي أبو مدين « 2 » » رضي الله تعالى عنه : « شتان بين من همّته الحور والقصور ء وبين من همته رفع الستور ودوام الحضور » : 4 ثم قال الشيخ ابن عطاء الله رضي الله عنه : ( بسطك ؛ كي لا يبقيك مع القبض . وقبضك ؛ كي لا يتركك مع البسط . وأخرجك عنهما » كي لا تكون لشيء دونه ) . القبض والبسط من الحالات التي يتلؤن بها العارفون » وهما بمنزلة الخوف والرجاء للمريدين المبتدئين » وسببهما الواردات التي ترد على باطن العبد وقوتهما وضعفهما بحسب قوة الواردات وضعفها . ش والمقصود هاهنا » أنهما وصفان ناقصان بالنسبة إلى ما فوقهما » فإنهما يقتضيان - ( الدرر المنتثرة في الأحاديث المشتهرة » 127 ) .
(1 ) الحسن بن علي بن أبي طالب الهاشمي القرشي ( 3 - 50 ه / 624 - 670 م ) سبط رسول الله صلى الله عليه وسلم وله بالمدينة المنورة » وأمه فاطمة الزهراء بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم » وكان فصيحا » أثر حقن الدماء يوم المحنة والفتنة . ( الأعلام 2 / 199 » والرسالة القشيرية ص 304 ) . 163 1604 5 ثم قال الشيخ ابن عطاء الله رضي اله عنه : (العارفون إذا بسطوا أخوف منهم إذا قبضوا . ولا يقف على حدود الأدب في البسط إلا قليل) . إنما اشتد خوف العارفين في البسط ما لا يشتد في القبض من قبل ملاءمته لهوى أنفسهم بخلاف القبض ؛ كما سيقوله المؤلف » فيخافون حينئذ من رجوعهم إليه » وذوقهم لطعم نفوسهم » وفي ذلك الطرد والبعد » وقد كتب يوسف بن الحسين الرازي » إلى الجنيد » رضي الله تعالى عنهما ' « لا أذاقك الله طعم نفسك » فإنك إن ذقتها لا تذوق بعدها خيرا أبدا » ومن ثم يتأكد عليهم في ذلك ملازمة الأدب ودوام الانقباض والانكسار » وذلك أمر عسير في هذا الحال » ولذلك لا يقف على حدود الأدب فى البسط إلا قليل » كما قال المؤلف » رحمه الله تعالى » وقد قيل : « قف على البساط وإياك والانبساط » . وقال رجل لأبي محمد الجريري « 2 » » رضي الله عنه : « كنت على بساط الأنس » وفتح علي طريق البسط . فزللت زلّة فحجبت عن مقامي فكيف السبيل إليه ؟ دلّني على الوصول إلى ماكنت عليه ! ! » . فبكى أبو محمد وقال : يا أخي » الكل في قهر هذه الخطيئة » لكني أنشدك أبياتا (1 )انظر ( كشف الظنون 1177/2 ). (2 ) هو أبو محمد أحمد بن محمد بن الحسين الجريري من كبار أصحاب الجنيد » وقد صحب سهل بن عبد الله وكان عالما بعلوم هذه الطائفة ( الرسالة القشيرية ص 402 ) . 165 « 119 » لبعضهم » وأنشأ يقول : قف بالديار » فهذه آثارهم تبكي الأحبّة حسرة وتشوّقا كم قد وقفت بربعها مستخبرا عن أهلها » أو سائلا أو مشفقا « 1« فأجابني داعي الهوى في رسمها فارقت من تهوى فعز الملتقى « 2 » وسئل بعض المشايخ عن هذه الزلّة » فقال : « انبساط مع الحق بغير أدب » . قال الأستاذ أبو القاسم القشيري » رضي الله تعالى عنه : « ومن هذا خشي الأكابر والسادة » . قال في « لطائف المنن » : « البسط مزلّة أقدام الرجال » فهو موجب لمزيد حذرهم » وكثرة لجئهم » والقبض أقرب إلى وجود السلامة ؛ لأنه وطن العبد » إذ هو في أسر قبضة الله وإحاطة الحق محيطة به » ومن أين يكون للعبد البسط وهذا شأنه » والبسط حروج عن حكم وقته والقبض هو اللائق بهذه الدار » إذ هي وطن التكليف وإبهام الخاتمة وعدم العلم بالسابقة والمطالبة بحقوق الله تعالى » . قال : وأخبرني بعض الصوفية قال : « رأى شيخنا شيخه في المنام بعد موته مقبوضا ؟ فقال له : يا بني » القبض والبسط مقامان من لم يوفهما في الدنيا وفاهما في الآخرة » قال وكان هذا الشيخ الغالب عليه في حياته البسط » انتهى . 6 - ثم قال الشيخ ابن عطاء الله رضي الله عنه : ( البسط تأخذ النفس منه حظها بوجود الفرح ١ والقبض لاحظ للنفس فيه ) .
في هذا إشارة إلى ما تقدّم » من : أن مراعاة الأدب في البسط أمر عسير » وذلك أنّ في البسط وجود حظ النفس , يي ل وكان الأستاذ أبو علي الدّقاق » رضي الله تعالى عنه يقول : « القبض حقّ الحق منك » والبسط حقّ العبد منه » ولأن تكون بحقّه منك أتمّ سآن كر بحطك ينهي وأما آداب القبض والبسط فلا أعلم الآن من استوفى الكلام فيهما من علماء الصوفية ومصتفيهم » وإنما وجدنا لهم من ذلك إشارات إلى أمور جملية ؛ كقول الإمام أبي القاسم القشيري » رضي الله تعالى عنه » بعد أن تكلم على لفظتي : « القبض » والبسط » وتبيين معانيهما » إلى أن قال : « وقد يكون قبض يشكل على صاحبه سببه : يجد في قلبه قبضا لا يدري ما موجبه ولا سببه » فسبيل صاحب هذا القبض التسليم حتى (1 )الرّبع : الدار . (2 ) الرّسم : رسم الدار : ما كان من آثارها لاصقا بالأرض . 166 167 » 120 « يمضي ذلك الوقت ؛ لأنه لو تكلّف نفيه » أو استقبل الوقت قبل هجومه عليه باختياره زاد في قبضه » ولعله يعد ذلك منه سوء أدب » وإذا استسلم لحكم الوقت فعن قريب يزول القبض ؛ فإن اله محادقالن : وَاللَّهُ يَفِبِضُ وَيَبْسُطْ وَإِلَنْهِ تُرْجَعُونَ [ البقرة : 245 ]. وقد يكون بسط يرد بغتة » ويصادف صاحبه فلتة لا يعرف له سببا يهز صاحبه ويستفزه » فسبيل صاحبه : السكون ومراعاة الأدب ؛ فإن في هذا الوقت له خطر عظيم فليحذر صاحبه مكرا خفيا » كما قال بعضهم : « فتح عليّ باب من البسط فزللت زلة فحجبت عن مقامي » . انتهى كلام وقد رأيت كلاما مبسوطا مستوفى في آداب القبض والبسط لسيدي أبي الحسن الشاذلي » رضي اللَّه تعالى عنه » فأحببت أن أذكره هاهنا ؛ لتتم به الفائدة التي تعرّض لها المؤلف » رحمه الله . تعالى » وإن كان كلام الشيخ أبي الحسن في ذلك أعم مما هو عند غيره من أئمة الصوفية » قال رضي اله عنه : « القبض والبسط قلّما يخلو العبد منهما » وهما يتعاقبان كتعاقب الليل والنهار . والحق سبحانه وتعالى يرتضي منك العبودية فيهما ؛ فمن كان وقته القبض فلا يخلو من أن يعلم سببه » أو لا يعلم . وأسباب القبض ثلاث : أو ظالم يؤذيك في نفسك أو في عرضك » أو ينسبك لغير دين أو غير ذلك . فإذا ورد عليك القبض من أحد هذه الأسباب » فالعبودية تقتضي أن ترجع إلى العلم مستعملا له كما أمرك الله تعالى » أما فى الذنب فبالتوبة والإنابة وطلب الإقالة . وأما فيما ذهب عنك من الدنيا أو نقص فبالتسليم والرضبا والاجتسابا وأما فيما يؤذيك به ظالم فبالصبر والاحتمال . واحذر أن تظلم نفسك فيجتمع عليك ظلمان : ظلم غيرك لك » وظلمك لنفسك . فإن فعلت ما التزمت به من الصبر والاحتمال أثابك سعة الصدر حتى تعفو وتصفح » وربما أثابك من نور الرضا ما ترحم به من ظلمك فتدعو له فتجاب فيه دعوتك » وما أحسن ذلك إذا رحم الله بك من ظلمك ؛ فتلك درجات الصذيقين الرحماء ٠ وتوكل على الله إن الله يحب المتوكلين . وأمّا إذا ورد عليك القبض ولم تعلم له سببا فالوقت وقتان : ليل ونهار » فالقبض أشبه شيء بالليل » والبسط أشبه بالنهار ٠ فإذا ورد عليك القبض بغير سبب تعلمه » فالواجب عليك السكون » والسكون عن ثلاثة أشياء : عن الأقوال » والحركات »؛ والإرادات ؛ فإن فعلت ذلك فعن قريب يذهب عنك الليل بطلوع شمس نهارك أو ببدوؤ 168 » 120 « نجم تهتدي به » أو قمر تستضيء به » أو شمس تتبصر بها » والنجوم نجوم العلم » والقمر قمر التوحيد والشمس شمس المعرفة .
وإن تحركت في ظلمة ليلك فقلما تسلم من الهلاك ٠ واعتبر بقوله تعالى :وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمْ اللَيْلَ وَالنَهارَ لِتَسْكُنُوا فيه وَلِتَبْتَعْوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَكُمْ تشكُرُونَ[ القصص : 73 ] . فهذا حكم العبودية في القبضين جميعا . وأما من كان وقته البسط فلا يخلو من أن يعلم له سببا أو لا » والأسباب ثلاثة : الأول : زيادة في الطاعة » أو نوال من المطاع كالعلم والمعرفة . الثاني : زيادة من دنيا بكسب , أو كرامة » أو هبة » أو صلة . الثالث : بالمدح والثناء من الناس وإقبالهم عليك بطلب الدعاء منك وتقبيل يديك . فإذا ورد عليك البسط من أحد هذه الأسباب فالعبودية تقتضي أن ترى النعمة والمنّة من الله تعالى عليك ؛ واحذر أن ترى شيئا من ذلك لنفسك وحصْنها أن لا يلازمها خوف السلب مما به أنعم عليك فتكون ممقوتا . هذا في جانب الطاعة والنوال من الله تعالى . وأما الزيادة من الدنيا » فهي نعمة أيضا كالأولى » وخف مما بطن من آفاتها ! ! وأما مدح الناس لك وثناؤهم عليك فالعبودية تقتضي شكر النعمة بما ستره عليك » وخف من الله تعالى أن يظهر ذرّة مما بطن منك ؛ فيمقتك أقرب الناس إليك . فهذه آداب القبض والبسط في العبودية . وأما البسط الذي لا تعلم له سببا فحقّ العبودية فيه ترك السؤال والإدلال » والصولة على النساء والرجال » اللهم إِلَا أن تقول : سلّم . . سلم . . إلى الممات . فهذه آداب القبض والبسط جميعا إن عقلت . والسلام "نت انتهى ما ذكره الشيخ أبو الحسن . وكلامه في ذلك حسن » والحمد للَّه الذي بيده سوابغ المنن . 169 » 122 « منعه » فاختر الترك على الأخذ » . فالواجب على العبد أن يترك التدبير والاختيار لمن بيده ذلك فلن يعدم منه خيرا . متى فتح لك باب الفهم في المنع » عاد المنع عين العطاء . سيأتي بيان هذا من كلام المؤلف رحمه الله في قوله : [ متى أعطاك أشهدك بره ومتى منعك أشهدك قهره ] إلى آخره . 8 - ثم قال الشيخ ابن عطاء الله رضي الله عنه : ( الأكوان ظاهرها غرّة ٠ وباطنها عبرة ٠ فالنفس تنظر إلى ظاهر غرتها ء والقلب ينظر إلى باطن عبرتها ) . الأكوان - هاهنا - : كلّ ما يمكن أن يكون للنفس فيه حظ من متاع الدنيا وزهرتها » وهي رائقة الظاهر قبيحة الباطن » كما قيل : على وجه مي مسحة من ملاحة وتحت الثياب العار لو كان باديا فهي من حيث ظاهرها محبوبة حلوة خضرة » وبالنظر إلى باطنها جيفة « 1 » قذرة » فالنفس تنظر إلى زينتها الظاهرة فتغترٌ بها » فتهلك صاحبها » والقلب ينظر إلى قبائحها الباطنية » فيعتبر بهاء فيسلم من شرها.
, : وقد روى في الكتب السالفة أن الحواريين « 2 » قالوا لعيسى عليه السلام : يا روح الله صف لنا أولياء الله تعالى الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون » فقال عليه السلام : هم الذين بهم نطق الكتاب » وبه نطقوا » وبهم علم الكتاب » وبه علموا » وبهم قام الكتاب » وبه قاموا » نظروا إلى باطن الدنيا حين نظر الناس إلى ظاهرها » وعاينوا آجل الدنيا حين عاين الناس عاجلها فأماتوا منها ما خشوا أن يميتهم » وتركوا منها ما علموا أن سيتركهم » فصار ذكرهم فيها قوتا » وفرحهم فيها حزنا » ما عارضهم منها رفضوه » وما أشرف لهم منها بغير الحق وضعوه » خلقت الدنيا عندهم فلم يجددوها وخربت فيما بينهم فلم يعمروها ء وماتت في صدورهم فلم يحيوها بعد موتها » [ هدموها ] » وبنوا بها آخرتهم » أحيوا ذكر الموت وأماتوا ذكر الحياة » يحبون الله ويحبون ذكره » ويستضيئون بنوره » ويضيئون به » لهم الخير العجيب ». وعندهم الخير العجيب » . وكان بعض الأولياء يقول : « ما سطع لي زينة من زخرف الدنيا إلا كشف له عن باطنه فظهر لي عزوف عنها » . ( 1 ) الجيفة : جثة الميت إذا أنتنت ( ج ) جيف ( جج ) أجياف . ( 2 ) الحواريون : ( في القرآن الكريم ) : أنصار عيسى عليه السلام . 100 » 123 « قال أبو طالب المكّي : « فهذه عناية من الله لمن وليه من أوليائه المقرّبين منه ؛ فمن شهد الدنيا بأول وصفها لم يغتر بآخره » وعن عرفها بباطن حقيقتها لم يعجب بظاهرها » ومن كوشف له بعاقبتها لم يستهوه زخرفها » . وكان عيسى عليه السلام يقول : ويلكم علماء السوء مثلكم مثل قناة حش « 1 » ظاهرها جص « 2 وباطنها نتن ! ! 9 ثم قال الشيخ ابن عطاء الله رضي الله عنه : ( إن أردت أن يكون لك عز لا يفنى فلا تستعزن بعز يفنى ) . العرّ الذي لا يفنى : هو الغني عن الأسباب كلها بوجود مسببها ؛ لأنه باق لا يفنى ؛ فالتعأّق به غر د شى, والعز الذي يفنى : هو الغني بالأسباب مع الغيبة عن مسببها ؛ لأنها فانية » فالتعلق بها عز فان لا بين ل ل ا ال ا ا كارت لد الباقي باللّه تعالى لم يقدر أحد أن يذلك . يحكى أن رجلا أمر بالمعروف لهارون الرشيد « 3 » » فحرد « 4 » عليه هارون الرشيد » وكانت له بغلة سيئة الخلق ١ فقال : اربطوه معها تقتله برمحها » ففعلوا ذلك فلم تضرّه » فقال : أطرحوه في بيت وطيّنوا عليه الباب » ففعلوا ذلك فرؤي في بستان وباب البيت مسدود » فأخبر هارون الرشيد بذلك » فأتي للرجل فقال : من أخرجك من البيت ؟ ١ فقال : الذي أدخلني البستان . فقال : ومن أدخلك البستان ؟ فقال : الذي أخرجني من البيت . فقال : أركبوه دابة وطوفوا به في البلد وليقل قائل : « ألا إن هارون قد أراد أن يذل عبدا أعزه الله فلم يقدر ! » . وإن اخترت العز بالأسباب خذلتك وأسلمتك أحوج ما تكون إليها » وكنت في غاية (1 ) الحثنّ : مكان قضاء الحاجة . (2 ) الجصّ : طلاء . ( 3 ) هارون الرشيد ( 149 - 193 ه - 766 - 809 م ) بن محمد ( المهدي ) بن المنصور العباسي أبو جعفر » خامس خلفاء الدولة العباسية في العراق وأشهرهم .
ولد بالريّ » ونشأ في دار الخلافة ببغداد » وولاه أبوه غزو الروم في القسطنطينية فصالحته الملكة إيريني » وبويع بالخلافة بعد وفاة أخيه الهادي سنة 170 ه »ء وازدهرت الدولة في أيامه » وكان عالما بالأدب وأخبار العرب والحديث والفقه وله شعر » حازما شجاعا كريما . توفي في سناباذ . ( الأعلام 8 / 62 » والبداية والنهاية 10 / 213 ) . ( حرد : غضب . 1/1 1/2 « 124 » الذل والهوان » حكى بعضهم أنه قال : رأيت رجلا في الطواف وبين يديه « شاكرية » يطردون الناس » فبعد ذلك بمدة رأيت إنسانا يتكفف الناس على الجسر ويسأل شيئا ؛ قال : فنظرت إليه وشبهته بذلك الرجل » فقال : لأي شيء تنظر ؟ فقلت : أشبهك برجل رأيته في الطواف من شأنه كذا . . . وكذا فقال : أنا ذلك الرجل ؛ تكبرت في موضع يتواضع فيه الناس فوضعني الله في موضع يترقّع فيه الناس ! ْ قال في « التنوير » : فإن اعتززت بالله دام عزك » وإن اعتززت بغيره فلا بقاء لمن أنت به ال ال اجعل بربّك شأن عزك يستقرٌ ويثبت فإن اعتززت بمن يموت فإنّ عزك ميّت قال : ودخل إنسان على بعض العارفين وهو يبكي » فقال : ما شأنك ؟ قال :عات استاذى ! ا ١ فقال له ذلك العارف : ولم جعلت أستاذك من يموت ! ويقال ذلك : إذا اعتززت بغير الله تعالى فقدته » واستندت إلى غيره فعدمته ( وانظر إلى الهك الذي ظلت عليه عاكفا لنحرقنه ثم لننسفنه في أليم نسفا إنما إلهكم الله الذي لا إله إلا هو وسع كل شيء علما ) . 0 - ثم قال الشيخ ابن عطاء الله رضي الله عنه : ( الطيّ الحقيقي أن تطوى مسافة الدنيا عنك حتى ترى الآخرة أقرب إليك منك ) . طيّ مسافة الدنيا إنما يتصوّر من العبد إذا أشرق نور اليقين في قلبه فحينئذ تنعدم الدنيا في نظره وتنطوي في اعتباره » ويرى الآخرة حاضرة لديه موجودة عنده » بل يراها أقرب إليه منه » إذ داد قاية قري بهذا انا عبار . فم كانت هده اهدده ١ ضور قله جد الفلب الذانى وهرا الدنيا » وإستبداله بالحاضر الباقي وهو الآخرة » ولذلك كان أصل الرغبة في الدنيا وإيثارها على الآخرة ضعف اليقين » فمن لم يشرق في قلبه نور اليقين لم يشاهد الملك الكبير » ومن لم يشاهده أحب الدنيا » وهي لا شيء » فلم تكن قيمته عند الله تعالى شيئا » فهذا هو الطي الحقيقي لمسافة الدنيا الذي يكرم الحقّ به أولياءه وبه تتحقق عبوديتهم لربّهم عز وجل » لا طيّ مسافة تارك الذي ريه يكرن امسر اجا ومكو اه ولا طني اللبالى واالأياء «الووبال لصوام و73 الشراب والطعام إذا لم يتمحض طاعة وبرا . وسيأتي من كلام المؤلف - رحمه الله تعالى : « لو أشرق نور اليقين لرأيت الآخرة أقرب إليك 1 - ثم قال الشيخ ابن عطاء الله رضي الله عنه : ( العطاء من الخلق حرمان والمنع من الله إحسان ). 1/3 1/4 » 125 « ومنع الله لك إحسان ؛ لأنه ألزمك الوقوف ببابه » وعافاك من وجود حجابه . وإن شئت قلت : العطاء من الخلق حرمان لما فيه من وجود محبتك لهم على ذلك » وتقلّد منتهم والمنع من الله إحسان لأنه حبيبك وكلّ ما يفعله الحبيب محبوب » فلا ألبس النعمى وغيرك ملبسى ولا أقبل الدنيا وغيرك واهب وفي وصية عليّ رضي الله عنه : لا تجعل بينك وبين الله منعما » وأعدد نعمة غيره عليك مغرما وقال بعض الحكماء : حمل المنن أثقل من الصبر على العدم . وقال اخر : عز النزاهة أشرف من سرور الفائدة .
2 - ثم قال الشيخ ابن عطاء الله رضي الله عنه : (جل ربنا أن يعامله العبد نقدا فيجازيه نسيئة « 1 » ٠ كفى من جزائه إياك على الطاعة أن رضيك لها أهلاء و كفى العاملين جزاء ما هو فاتحه على قلوبهم في طاعته؛ و ما هو مورده عليهم من وجود مؤانسته. ). جزاء المعاملة لا يختص بالدار الآخرة ٠ بل ربما أظهر الحق تعالى منه لبعض أوليائه في الدنيا أنموذجا يحملهم على الاجتهاد في الأعمال ويتحققون به وجود قبولها في كل الأحوال » وذلك لعظيم كرمه وعميم فضله » جل وعلا . كفى من جزائه إياك على الطاعة أن رضيك لها أهلا . أن يكونوا أهلا لأن يكلفهم القيام بطاعته » ويمدهم فيها بتيسيره ومعونته » فسباهم حينئذ حبّه , واستولى عليهم قربه » فانخدست « 2 » إذ ذاك نفوسهم واضمحل وجودهم » وذهب بهم الحياء كل مذهب . وهذا هو غاية الجزاء » ونهاية العطاء عند العلماء العارفين الذين يمنعهم وجدانه من التطلع إلى غيره من الحظوظ الآجلة . كفى العاملين جزاء ما هو فاتحه على قلوبهم في طاعته » وما هو مورده عليهم من وجود مؤانسته . هذا بيان آخر لما يكرمهم به من الجزاء المعجّل » وهو : أن العاملين لرّبهم يفتح لهم من المعارف » ويورد على قلوبهم من أنواع اللطائف ما يتنسمون منه روح الآنس » ويتنعمون به في حضرة ل يقول : التملّق للحبيب » والمناجاة للقريب في (1 ) النسيئة : مؤجل الثمن . 1/5 1/6 « 126 » الدنيا ليس من الدنيا » هو من الجنة أظهر لأهل الله تعالى في الدنيا لا بعرفه إلا هم » ولا يجد سواهم روحا لقلوبهم . وقال بعض العلماء : ليس في الدنيا وقت يشبه نعيم أهل الجنة إلا ما يجده أهل التملق في قلوبهم بالليل من حلاوة المناجاة . وقال أحمد بن أبي الحواري » رضي الله عنه : دخلت على أبي سليمان الداراني » رضي الله تعالى عنه » يوما وهو يبكي » فقلت له : وما يبكيك ؟ فقال : يا أحمد ء ولما لا أبكي : إنه إذ جنّ الليل . . . ونامت العيون . . . وخلا كلّ حبيب بحبيبه . . . وافترش أهل المحبة أقدامهم . . . وجرت دموعهم على خدودهم » وتقطرت في محاربيهم . أشرف الجليل سبحانه » فنادى : يا جبريل » بعيني من تلذذ بكلامي واستراح إلى ذكرى » وإني لمطلع عليهم في خلواتهم : أسمع أنينهم » وأرى بكاءهم » فلم لا تنادي فيهم ؟ , ! يا جبريل » ما هذا البكاء » هل رأيتم حبيبا يعذب أحبابه » أم كيف يجمل بي أن آخذ قوما إذا جنّهم الليل تملقوا لي » فبي حلفت إذا وردوا على القيامة لأكشفنَ لهم عن وجهي الكريم حتى ينظروا إلي » وأنظر لهم . 3 - ثم قال الشيخ ابن عطاء الله رضي الله عنه : (من عبده لشيء يرجوه منه أو ليدفع بطاعته ورود العقوبة عنه فما قام بحق أوصافه » متى أعطاك أشهدك بره. و متى منعك أشهدك قهره. فهو في كل ذلك متعرف إليكء و مقبل بوجود لطفه عليكء إنما يؤلمك المنع لعدم فهمك عن الله فيه).
عمل العاملين لأجل حصول الجزاء » أو فرارا من عقوبة المولى مدخول معلول ليس من شأن الحاذقين « 1 » المحققين ؛ لأن قيام العبد بحق أوصاف مولاه يقتضي أن لا يعمل لأجل حظه من جلب ثواب أو دفع عقاب ؛ لأنه عبد يستحق عليه مولاه كلّ شيء ولا يستحق هو عليه شيئا ؛ وهذا من أعلى المحبة لله تعالى » لأن المحبّ مجتمع الهم بأمر محبوبه لا مراد له إلا ما أراد فعلى العبد أن يعمل لربه عز وجل لأجل جلاله وعظمته وما هو عليه من محامد صفاته التي لا يشارك فيها » فإن خالف هذا أو عمل على طلب حظّه لم يقم بحق صفات مولاه » وكان ذلك نتيجة جهله وغفلته وعدم حبّه لربه ومعرفته . قال سهل بن عبد الله التستري » رضي الله عنه : « ما طلعت شمس ولا غربت على أحد على وجه الأرض ألا وهم جهّال باللّه تعالى » إلا من يؤثر الله تعالى على نفسه وروحه ودنياه وآخرته ٠ » وفي أخبار دواد عليه السلام : أن الله تعالى أوحى إليه إن أود الأودّاء إليّ من عبدني لغير نوال » لكي يعطى الربوبية حقها . وفيما نقل وهب بن منبّه من الزبور « 2 » : ومن أظلم ممن عبدني لجنة أو لنار » لو لم أخلق جنة ولا نارا ألم أكن أهلا لأن أطاع ؟ أو كما قال عز وجل . (1 ) الحاذقين : ( ج ) حاذق : الماهر بالعمل . 177 1/8 » 127 « وفي أخبار عيسى عليه السلام : إذا رأيت التقىّ مشغوفا في طلب الرّبٌ فقد ألهاه ذلك عما سواه . ومر عيسى عليه السلام على طائفة من العباد قد احترقوا من العبادة كأنهم الشنان « 1 » البالية , فقال : من أنتم ؟ فقالوا : نحن عباد الله تعالى . فقال : ولأي شيء تعبدتم ؟ ل سيا اط ع ل الو اله ٠ فمرّ بآخرين أشْدّ عبادة منهم » فقال : لأي شيء تعبدتم ؟ قالوا ' شرّقنا الله إلى الجنان وما أعدٌ فيها لأوليائه » فنحن ترجوها » فقال : حقٌّ على الله أن يعطيكم ما رجوتم » ثم جاوزهم » ومر بآخرين يتعبدون فقال : ما أنتم ؟ قالوا : المحبون لله عز وجل لم نعبده خوفا من ناره » ولا شوقا إلى جنته » ولكن حبا له » وتعظيما لجلاله . فقال : أنتم أولياء الله حقا » معكم أمرت أن أقيم » فأقام د بين أظهرهم . وفي لفظ آخر أنه قال للأولين : مخلوقا خفتم: رارقا اح لر ولو قال الشيخ أبو طالب المكي » رضي الله عنه : وممن روي عنه هذا القول وأقيم في هذا المقام جماعة من التابعين . منهم : أبو حازم المدني كان يقول : إني لأستحي من ربي أن أعبده خوفا من العذاب فأكون مثل عبد السوء إن لم يخف لم يعمل . واستحى أن أعبده لأجل الثواب فأكون كالأجير السوء إن لم يعط أجر عمله لم يعمل » ولكن أعبده محبة له . قال الشيخ أبو طالب المكي : وقد روينا معنى هذا الكلام عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : « لا يكن أحدكم كالعبد السوء إن خاف عمل ولا كالأجير السوء إن لم يعط الأجر لم يعمل » . وقال بعض إخوان معروف رضي الله عنه له : أخبرني عنك يا أبا محفوظ » أي شيء أهاجك على العبادة والانقطاع عن الخلق ؟ فسكت . فقلت : ذكرت الموت ؟ ١ فقال : وأيّ شيء الموت ! قلت : فذكرت القبر ؟ قال : وأيّ شيء القبر ! فقلت : خوف النار ورجاء الجنّة ؟ فقال : وأيّ شيء هذان من ملك هذا كلّه بيده إن أحببته أنساك جميع هذا » وإن كان بينك وبينه معرفة كفاك جميع هذا .
قال أبو طالب : وحدّثوا عن علي بن الموفق قال : « رأيت في النوم كأني أدخلت الجنة فرأيت رجلا قاعدا على مائدة وملكان عن يمينه وشماله يلقمانه من جميع الطّيبات وهو يأكل » ورأيت رجلا قائما على باب الجنة يتصفّح وجوه قوم فيدخل بعضهم الجنة ويردّ آخرين » قال : ثم جاوزتهما إلى حظيرة القدس » (1 ) الشنان : ( ج ) الشنّ : القربة الخلق الصغيرة يكون الماء فيها أبرد من غيرها . 1/9 « 128 » فرأيت في سرادقات « 1 » العرش رجلا قد أشخص ببصره ينظر إلى الله تعالى لا يطرف » فقلت لرضوان : من هذا ؟ فقال : هو معروف الكرخي عبد الله لا خوفا من ناره ولا شوقا إلى جنّته » بل حبًا له » فقد أباحه النظر إليه إلى يوم القيامة » وذكر أن الآخرين : بشر بن الحارث وأحمد بن حنبل رضي الله عنهما . قال أبو طالب المكيّ : « وروينا عن رابعة العدوية « 2 » ٠ وكانت إحدى المحبّين » وكان سفيان الثوري « 3 » يجلس بين يديها ويقول : علمينا مما أفادك الله من طرائف الحكمة . وكانت غول 1 يعم الرول أنث زولا أيك تحدت لديا . وكان يعت الها ويس قولها . وكان عالما زاهدا إلا أنه كان يؤثر كتب الحديث والإقبال على الناس » وهي أبواب الدنيا » وقال لها الثوري يوما : لكل عبد شريطة » ولكل إيمان حقيقة » فما حقيقة إيمانك ؟ فقالت : ما عبدت الله خوفا من النار فأكون كالعبد السوء إن خاف عمل ٠ ولا حبّا للجنة فأكون كالأجير السوء إن أعطى عمل » ولكن عبدته حبّا له وشوقا إليه » . والآثار والحكايات فى هذا المعنى كثيرة لا تنحصر . فإذا عمل المريد على ما ذكرناه كان عيدا لله حنا + 17139 ا فإنما يطلبه أو يستعيذ به انتجازا لوعد ربّه » وفرارا من دعوى رؤية حظه » واتباعا لما أحبه منه ؛ وأذن له فيه من طلبه لفضله وإحسانه وكرمه وامتنانه وهذا وما أشبهه هو المعنيّ بالحديث المرويّ عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى اللّه عليه وسلم لرجل « 4 » : « ما تقول فى الصلاة ؟ قال : أتشهّد » ثم أقول : اللهمّ إني أسألك الجنة » وأعوذ بك من النار » أما واللّه ما أحسن دندنتك » ولا دندنة معاذ . فقال : حولها ندندن . لا أن يكون رجاؤه لحصول ذلك وخوفه من فقده باعثا له على القيام بطاعته وملازمة عبادته » فيكون عمله إذ ذاك مدخولا معلولا . هذا هو مذهب العارفين والمحققين . 5 وعليه تنبني قواعد التصوف كلّها . (1 ) السرادقات : ( ج ) سرادق : ما يمد فوق صحن الدار وهو ستر الدار . أو هو الخيمة الرحة” (2 ) انظر ترجمتها في الأعلام 3 / 10 ٠» وفي وفيات الأعيان 2 / 285 - 288 . ( 3 ) سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري ( 97 - 161 ه - 716 - 778 م ) من بني ثور بن عبد مناة » من مضر » أبو عبد الله » أمير المؤمنين في الحديث » كان سيد أهل زمانه في علوم الدين والتقوى ولد ونشأ في الكوفة » وراوده المنصور العباسي على أن يلي الحكم فأبى » وخرج من الكوفة فسكن مكة والمدينة » ثم طلبه المهدي فتوارى » وانتقل إلى البصرة فمات فيها . له من الكتب : « الجامع الكبير » والصغير » و « الفرائض » . ( الأعلام 3 / 104 » وحلية الأولياء 6 / 356 ثم 7 / 3 ٠» وتهذيب الكمال 7 / 353 » ووفيات الأعيان 2 / 386 - 391 ) .