[الشعراء: 172_173_174_175] القول في تأويل قوله تعالى: {ثم دمرنا الآخرين وأمطرنا عليهم مطرا، فساء مطر المنذرين إن في ذلك لآية، وما كان أكثرهم مؤمنين. وإن ربك لهو العزيز الرحيم} [الشعراء: 172_173_174_175] يقول تعالى ذكره: ثم أهلكنا الآخرين من قوم لوط بالتدمير. {وأمطرنا عليهم مطرا } [الأعراف: 84] وذلك إرسال الله عليهم حجارة من سجيل من السماء. {فساء مطر المنذرين} [الشعراء: 173] يقول: فبئس ذلك المطر مطر القوم الذين أنذرهم نبيهم فكذبوه. {إن في ذلك لآية} [البقرة: 248] يقول تعالى ذكره: إن في إهلاكنا قوم لوط الهلاك الذي وصفنا بتكذيبهم رسولنا، لعبرة وموعظة لقومك يا محمد يتعظون بها في تكذيبهم إياك وردهم عليك ما جئتهم به من عند ربك من الحق {وما كان أكثرهم مؤمنين} [الشعراء: 8] في سابق علم الله {وإن ربك لهو العزيز الرحيم} [الشعراء: 9] بمن آمن به 17P632 [الشعراء: 176_177_178_179] القول في تأويل قوله تعالى: {كذب أصحاب الأيكة المرسلين إذ قال لهم شعيب ألا تتقون إني لكم رسول أمين فاتقوا الله وأطيعون} [الشعراء: 176_177_178_179] يقول تعالى ذكره: {كذب أصحاب الأيكة} [الشعراء: 176] . والأيكة: الشجر الملتف، وهي واحدة الأيك، وكل شجر ملتف فهو عند العرب أيكة؛ ومنه قول نابغة بني ذبيان: [+البحر الكامل] تجلو بقادمتي حمامة أيكة بردا أسف لثاته بالإثمد وأصحاب الأيكة: هم أهل مدين فيما ذكر ذكر من قال ذلك: حدثني علي، قال: ثنا أبو صالح، قال ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قوله: " {كذب أصحاب الأيكة المرسلين} [الشعراء: 176] يقول: أصحاب الغيضة " حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: {كذب أصحاب الأيكة المرسلين} [الشعراء: 176] قال: " الأيكة: مجمع الشجر " حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قال: قال ابن عباس، قوله: " {كذب أصحاب الأيكة المرسلين} [الشعراء: 176] قال: أهل مدين، والأيكة: الملتف من الشجر " حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: {كذب أصحاب الأيكة المرسلين} [الشعراء: 176] قال: " الأيكة: الشجر، بعث الله شعيبا إلى قومه من أهل مدين، وإلى أهل البادية، قال: وهم أصحاب ليكة، وليكة والأيكة: واحد " وقوله {إذ قال لهم شعيب ألا تتقون} [الشعراء: 177] يقول تعالى ذكره: 17P634 قال لهم شعيب: ألا تتقون عقاب الله على معصيتكم ربكم. {إني لكم} [هود: 25] من الله {رسول أمين} [الشعراء: 107] على وحيه. فاتقوا عقاب الله على خلافكم أمره {وأطيعون} [آل عمران: 50] ترشدوا. 17P633 [الشعراء: 180_181] القول في تأويل قوله تعالى: {وما أسألكم عليه من أجر، إن أجري إلا على رب العالمين أوفوا الكيل ولا تكونوا من المخسرين} [الشعراء: 180_181] يقول: {وما أسألكم} [الشعراء: 109] على نصحي لكم من جزاء وثواب، ما جزائي وثوابي على ذلك {إلا على رب العالمين، أوفوا الكيل} [الشعراء: 180] يقول: أوفوا الناس حقوقهم من الكيل. {ولا تكونوا من المخسرين} [الشعراء: 181] يقول: ولا تكونوا ممن نقصهم حقوقهم. 17P634 [الشعراء: 182_183] القول في تأويل قوله تعالى: {وزنوا بالقسطاس المستقيم ولا تبخسوا الناس أشياءهم، ولا تعثوا في الأرض مفسدين} [الشعراء: 182_183] يعني بقوله {وزنوا بالقسطاس} [الإسراء: 35] وزنوا بالميزان {المستقيم} [الفاتحة: 6] الذي لا بخس فيه على من وزنتم له {ولا تبخسوا الناس أشياءهم} [الأعراف: 85] . يقول: ولا تنقصوا الناس حقوقهم في الكيل والوزن. {ولا تعثوا في الأرض مفسدين} [البقرة: 60] يقول: ولا تكثروا في الأرض الفساد. وقد بينا ذلك كله بشواهده واختلاف أهل التأويل فيه فيما مضى، فأغنى ذلك عن إعادته في هذا الموضع. 17P634
الإمام الطبري - جامع البيان عن تأويل آي القرآن
أبو جعفر محمد بن جرير الطبري · AR
[الشعراء: 184_185_186_187] القول في تأويل قوله تعالى: {واتقوا الذي خلقكم والجبلة الأولين قالوا إنما أنت من المسحرين وما أنت إلا بشر مثلنا، وإن نظنك لمن الكاذبين فأسقط علينا كسفا من السماء إن كنت من الصادقين} [الشعراء: 184_185_186_187] يقول تعالى ذكره: واتقوا أيها القوم عقاب ربكم {الذي خلقكم} [البقرة: 21] وخلق {الجبلة الأولين} [الشعراء: 184] يعني بالجبلة: الخلق الأولين. وفي الجبلة للعرب لغتان: كسر الجيم والباء وتشديد اللام، وضم الجيم والباء وتشديد اللام؛ فإذا نزعت الهاء من آخرها كان الضم في الجيم والباء أكثر كما قال جل ثناؤه: (ولقد أضل منكم جبلا كثيرا) ، وربما سكنوا الباء من الجبل، كما قال أبو ذؤيب: [+البحر الطويل] منايا يقربن الحتوف لأهلها جهارا ويستمتعن بالأنس الجبل وبنحو ما قلنا في معنى الجبلة قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: حدثني علي، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس: قوله: " {واتقوا الذي خلقكم والجبلة الأولين} [الشعراء: 184] يقول: خلق الأولين " حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال : ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: " {والجبلة الأولين} [الشعراء: 184] قال: الخليقة " حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: " {والجبلة 17P636 الأولين} [الشعراء: 184] قال: الخلق الأولين، الجبلة: الخلق " وقوله: {قالوا إنما أنت من المسحرين} [الشعراء: 153] يقول: قالوا: إنما أنت يا شعيب معلل تعلل بالطعام والشراب، كما نعلل بهما، ولست ملكا {وما أنت إلا بشر مثلنا} [الشعراء: 186] تأكل وتشرب {وإن نظنك لمن الكاذبين} [الشعراء: 186] . يقول: وما نحسبك فيما تخبرنا وتدعونا إليه إلا ممن يكذب فيما يقول، فإن كنت صادقا فيما تقول بأنك رسول الله كما تزعم {فأسقط علينا كسفا من السماء} [الشعراء: 187] يعني قطعا من السماء، وهي جمع كسفة، جمع كذلك كما تجمع تمرة: تمرا. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: حدثني علي، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثنا معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قوله: " {كسفا} [الإسراء: 92] يقول: قطعا " حدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ، يقول: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك، يقول، في قوله: " {كسفا من السماء} [الشعراء: 187] جانبا من السماء " حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: " {فأسقط علينا كسفا من السماء} [الشعراء: 187] قال: ناحية من السماء، عذاب ذلك الكسف " 17P636
[الشعراء: 188_189] القول في تأويل قوله تعالى: {قال ربي أعلم بما تعملون فكذبوه فأخذهم عذاب يوم الظلة، إنه كان عذاب يوم عظيم} [الشعراء: 188_189] يقول تعالى ذكره: قال شعيب لقومه: {ربي أعلم بما تعملون} [الشعراء: 188] يقول: بأعمالهم هو بها محيط، لا يخفى عليه منها شيء، وهو مجازيكم بها جزاءكم. {فكذبوه} [الأعراف: 64] يقول: فكذبه قومه {فأخذهم عذاب يوم الظلة} [الشعراء: 189] يعني بالظلة: سحابة ظللتهم، فلما تتاموا تحتها التهبت عليهم نارا وأحرقتهم، وبذلك جاءت الآثار. ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن أبي إسحاق، عن زيد بن معاوية، في قوله: {فأخذهم عذاب يوم الظلة} [الشعراء: 189] قال: «أصابهم حر أقلقهم في بيوتهم، فنشأت لهم سحابة كهيئة الظلة فابتدروها، فلما تتاموا تحتها أخذتهم الرجفة» حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يعقوب، عن جعفر، في قوله: {عذاب يوم الظلة} [الشعراء: 189] قال: «كانوا يحفرون الأسراب ليتبردوا فيها، فإذا دخلوها وجدوها أشد حرا من الظاهر، وكانت الظلة سحابة» حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: ثني جرير بن حازم أنه سمع قتادة، يقول: " بعث شعيب إلى أمتين: إلى قومه أهل مدين، وإلى أصحاب الأيكة. 17P638 وكانت الأيكة من شجر ملتف؛ فلما أراد الله أن يعذبهم بعث الله عليهم حرا شديدا، ورفع لهم العذاب كأنه سحابة؛ فلما دنت منهم خرجوا إليها رجاء بردها، فلما كانوا تحتها مطرت عليهم نارا. قال: فذلك قوله: {فأخذهم عذاب يوم الظلة} [الشعراء: 189] " حدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثني سعيد بن زيد أخو حماد بن زيد، قال: ثنا حاتم بن أبي صغيرة، قال: ثني يزيد الباهلي، قال: سألت عبد الله بن عباس عن هذه الآية: {فأخذهم عذاب يوم الظلة، إنه كان عذاب يوم عظيم} [الشعراء: 189] ، فقال عبد الله بن عباس: «بعث الله عليهم ومدة وحرا شديدا، فأخذ بأنفاسهم، فدخلوا البيوت، فدخل عليهم أجواف البيوت، فأخذ بأنفاسهم، فخرجوا من البيوت هرابا إلى البرية، فبعث الله عليهم سحابة فأظلتهم من الشمس، فوجدوا لها بردا ولذة، فنادى بعضهم بعضا، حتى إذا اجتمعوا تحتها، أرسلها الله عليهم نارا» . قال عبد الله بن عباس: «فذلك عذاب يوم الظلة، إنه كان عذاب يوم عظيم» حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: " {يوم الظلة} [الشعراء: 189] قال: إظلال العذاب إياهم " حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد: {عذاب يوم الظلة} [الشعراء: 189] قال: «أظل العذاب قوم شعيب» قال ابن جريج: " لما أنزل الله عليهم أول العذاب، أخذهم منه حر شديد، فرفع الله لهم غمامة، فخرج إليها طائفة منهم ليستظلوا بها، فأصابهم منها روح وبرد وريح طيبة، فصب الله عليهم من فوقهم من تلك الغمامة عذابا، فذلك قوله: {عذاب يوم الظلة} [الشعراء: 189] " حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا أبو سفيان، عن معمر بن راشد، قال: ثني رجل من أصحابنا، عن بعض العلماء، قال: " كانوا عطلوا حدا، فوسع الله عليهم في الرزق، ثم عطلوا حدا، فوسع الله عليهم في الرزق، ثم عطلوا حدا، فوسع الله عليهم في الرزق، فجعلوا كلما عطلوا حدا وسع الله عليهم في الرزق، حتى إذا أراد إهلاكهم سلط الله عليهم حرا لا يستطيعون أن يتقاروا، ولا ينفعهم ظل ولا ماء، حتى ذهب ذاهب منهم، فاستظل تحت ظلة، فوجد روحا، فنادى أصحابه: هلموا إلى الروح، فذهبوا إليه سراعا، حتى إذا اجتمعوا ألهبها الله عليهم نارا، فذلك عذاب يوم الظلة " حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا أبو تميلة، عن أبي حمزة، عن جابر، عن ابن عباس، قال: «من حدثك من العلماء ما عذاب يوم الظلة، فكذبه» حدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ، يقول: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك، يقول في قوله: {فأخذهم عذاب يوم الظلة "} [الشعراء: 189] قوم شعيب، حبس الله عنهم الظل والريح، فأصابهم حر شديد، ثم بعث الله لهم سحابة فيها العذاب، فلما رأوا السحابة انطلقوا يؤمونها، زعموا يستظلون، فاضطرمت عليهم نارا فأهلكتهم " حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: {فأخذهم عذاب يوم الظلة، إنه كان عذاب يوم عظيم} [الشعراء: 189] قال: «بعث الله إليهم ظلة من سحاب، وبعث إلى الشمس فأحرقت ما على وجه الأرض، فخرجوا كلهم إلى تلك الظلة، حتى إذا اجتمعوا كلهم، كشف الله عنهم الظلة، وأحمى عليهم الشمس فاحترقوا كما يحترق الجراد في المقلى» وقوله: {إنه كان عذاب يوم عظيم} [الشعراء: 189] يقول تعالى ذكره: إن عذاب يوم الظلة كان عذاب يوم لقوم شعيب عظيم 17P640
[الشعراء: 190_191] القول في تأويل قوله تعالى: {إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين وإن ربك لهو العزيز الرحيم} [الشعراء: 190_191] يقول تعالى ذكره: إن في تعذيبنا قوم شعيب عذاب يوم الظلة بتكذيبهم نبيهم شعيبا، لآية لقومك يا محمد، وعبرة لمن اعتبر، إن اعتبروا، أن سنتنا فيهم بتكذيبهم إياك سنتنا في أصحاب الأيكة. {وما كان أكثرهم 17P641 مؤمنين} [الشعراء: 8] في سابق علمنا فيهم {وإن ربك} [الرعد: 6] يا محمد {لهو العزيز} [آل عمران: 62] في نقمته ممن انتقم منه من أعدائه {الرحيم} [الفاتحة: 1] بمن تاب من خلقه، وأناب إلى طاعته 17P640 [الشعراء: 192_193_194_195] القول في تأويل قوله تعالى: {وإنه لتنزيل رب العالمين نزل به الروح الأمين على قلبك لتكون من المنذرين بلسان عربي مبين} [الشعراء: 192_193_194_195] يقول تعالى ذكره: وإن هذا القرآن {لتنزيل رب العالمين} [الشعراء: 192] والهاء في قوله {وإنه} [البقرة: 130] كناية الذكر الذي في قوله: {وما يأتيهم من ذكر من الرحمن} [الشعراء: 5] . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، في قوله: " {لتنزيل رب العالمين} [الشعراء: 192] قال: هذا القرآن " واختلف القراء في قراءة قوله {نزل به الروح الأمين} [الشعراء: 193] فقرأته عامة قراء الحجاز والبصرة: {نزل به} [الشعراء: 193] ، مخففة {الروح الأمين} [الشعراء: 193] ، رفعا، بمعنى: أن الروح الأمين هو الذي نزل بالقرآن على محمد، وهو جبريل. وقرأ ذلك عامة قراء أهل الكوفة (نزل) مشددة الزاي، (الروح الأمين) ، نصبا، بمعنى: أن رب العالمين نزل بالقرآن الروح الأمين، وهو جبريل عليه السلام. 17P642 والصواب من القول في ذلك عندنا أن يقال: إنهما قراءتان مستفيضتان في قراء الأمصار، متقاربتا المعنى، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب، وذلك أن الروح الأمين إذا نزل على محمد بالقرآن، لما ينزل به إلا بأمر الله إياه بالنزول، ولن يجهل أن ذلك كذلك ذو إيمان بالله، وأن الله إذا أنزله به نزل. وبنحو الذي قلنا في أن المعني بالروح الأمين في هذا الموضع جبريل قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس في قوله: " {نزل به الروح الأمين} [الشعراء: 193] قال: جبريل " حدثنا الحسين، قال أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، في قول الله: " {نزل به الروح الأمين} [الشعراء: 193] قال: جبريل " حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قال: " {الروح الأمين} [الشعراء: 193] جبريل " حدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ، يقول: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك، يقول في قوله: " {الروح الأمين} [الشعراء: 193] قال: جبريل " وقوله {على قلبك} [البقرة: 97] يقول: نزل به الروح الأمين فتلاه عليك يا محمد، 17P643 حتى وعيته بقلبك. وقوله: {لتكون من المنذرين} [الشعراء: 194] يقول: لتكون من رسل الله الذين كانوا ينذرون من أرسلوا إليه من قومهم، فتنذر بهذا التنزيل قومك المكذبين بآيات الله. وقوله: {بلسان عربي مبين} [الشعراء: 195] يقول: لتنذر قومك بلسان عربي مبين، يبين لمن سمعه أنه عربي، وبلسان العرب نزل، والباء من قوله {بلسان} [إبراهيم: 4] من صلة قوله: {نزل} [البقرة: 176] ، وإنما ذكر تعالى ذكره أنه نزل هذا القرآن بلسان عربي مبين في هذا الموضع، إعلاما منه مشركي قريش أنه أنزله كذلك، لئلا يقولوا إنه نزل بغير لساننا، فنحن إنما نعرض عنه ولا نسمعه، لأنا لا نفهمه، وإنما هذا تقريع لهم، وذلك أنه تعالى ذكره قال: {ما يأتيهم من ذكر من الرحمن محدث إلا كانوا عنه معرضين} [الشعراء: 5] . ثم قال: لم يعرضوا عنه لأنهم لا يفهمون معانيه، بل يفهمونها، لأنه تنزيل رب العالمين نزل به الروح الأمين بلسانهم العربي، ولكنهم أعرضوا عنه تكذيبا به واستكبارا {فقد كذبوا فسيأتيهم أنباء ما كانوا به يستهزئون} [الشعراء: 6]. كما أتى هذه الأمم التي قصصنا نبأها في هذه السورة حين كذبت رسلها أنباء ما كانوا به يكذبون. 17P643
[الشعراء: 196_197_198_199_200_201] القول في تأويل قوله تعالى: {وإنه لفي زبر الأولين أولم يكن لهم آية أن يعلمه علماء بني إسرائيل ولو نزلناه على بعض الأعجمين فقرأه عليهم ما كانوا به مؤمنين كذلك سلكناه في قلوب المجرمين لا يؤمنون به حتى يروا العذاب الأليم} [الشعراء: 196_197_198_199_200_201] 17P644 يقول تعالى ذكره: وإن هذا القرآن لفي زبر الأولين: يعني في كتب الأولين، وخرج مخرج العموم ومعناه الخصوص، وإنما هو : وإن هذا القرآن لفي بعض زبر الأولين؛ يعني: أن ذكره وخبره في بعض ما نزل من الكتب على بعض رسله. وقوله: {أولم يكن لهم آية أن يعلمه علماء بني إسرائيل} [الشعراء: 197] يقول تعالى ذكره: أولم يكن لهؤلاء المعرضين عما يأتيك يا محمد من ذكر ربك دلالة على أنك رسول رب العالمين، أن يعلم حقيقة ذلك وصحته علماء بني إسرائيل. وقيل: عني بعلماء بني إسرائيل في هذا الموضع: عبد الله بن سلام ومن أشبهه ممن كان قد آمن برسول الله صلى الله عليه وسلم من بني إسرائيل في عصره. ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: {أولم يكن لهم آية أن يعلمه علماء بني إسرائيل} [الشعراء: 197] قال: " كان عبد الله بن سلام من علماء بني إسرائيل، وكان من خيارهم، فآمن بكتاب محمد صلى الله عليه وسلم، فقال لهم الله: أولم يكن لهم آية أن يعلمه علماء بني إسرائيل وخيارهم " حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، 17P645 في قوله: " {علماء بني إسرائيل} [الشعراء: 197] قال: «عبد الله بن سلام وغيره من علمائهم» حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج: " {أولم يكن لهم آية} [الشعراء: 197] ، قال محمد: {أن يعلمه} [الشعراء: 197] قال: يعرفه {علماء بني إسرائيل} [الشعراء: 197] " قال ابن جريج، قال مجاهد: " علماء بني إسرائيل: عبد الله بن سلام وغيره من علمائهم " حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، في قوله: {أولم يكن لهم آية أن يعلمه علماء بني إسرائيل} [الشعراء: 197] ، قال: «أولم يكن للنبي آية، علامة أن علماء بني إسرائيل كانوا يعلمون أنهم كانوا يجدونه مكتوبا عندهم» وقوله: {ولو نزلناه على بعض الأعجمين} [الشعراء: 198] يقول تعالى ذكره: ولو نزلنا هذا القرآن على بعض البهائم التي لا تنطق، وإنما قيل على بعض الأعجمين، ولم يقل على بعض الأعجميين، لأن العرب تقول إذا نعتت الرجل بالعجمة وأنه لا يفصح بالعربية: هذا رجل أعجم، وللمرأة: هذه امرأة عجماء، وللجماعة: هؤلاء قوم عجم وأعجمون، وإذا أريد هذا المعنى وصف به العربي والأعجمي، لأنه إنما يعني أنه غير فصيح اللسان، وقد يكون كذلك وهو من العرب ومن هذا المعنى قول الشاعر: [+البحر الكامل] من وائل لا حي يعدلهم من سوقة عرب ولا عجم فأما إذا أريد به نسبة الرجل إلى أصله من العجم، لا وصفه بأنه غير فصيح اللسان، فإنه يقال: هذا رجل عجمي، وهذان رجلان عجميان، وهؤلاء قوم عجم، كما يقال: عربي، وعربيان، وقوم عرب. وإذا قيل: هذا رجل أعجمي، فإنما نسب إلى نفسه كما يقال للأحمر: هذا أحمري ضخم، وكما قال العجاج: [+البحر الرجز] والدهر بالإنسان دواري ومعناه: دوار، فنسبه إلى فعل نفسه. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا عبد الأعلى، قال: ثنا داود، عن محمد بن أبي موسى، قال: كنت واقفا إلى جنب عبد الله بن مطيع بعرفة، فتلا هذه الآية: {ولو نزلناه على بعض الأعجمين، فقرأه عليهم ما كانوا به مؤمنين} [الشعراء: 199] ، قال: " لو نزل على بعيري هذا فتكلم به ما آمنوا به {لقالوا لولا فصلت آياته} [فصلت: 44] حتى يفقهه عربي 17P647 وعجمي، لو فعلنا ذلك " حدثنا أبو كريب، قال: ثنا ابن إدريس، قال: سمعت داود بن أبي هند، عن محمد بن أبي موسى، قال: كان عبد الله بن مطيع واقفا بعرفة، فقرأ هذه الآية: {ولو نزلناه على بعض الأعجمين} [الشعراء: 198] فقرأه عليهم، قال: فقال: «جملي هذا أعجم، فلو أنزل على هذا ما كانوا به مؤمنين» وروي عن قتادة في ذلك ما: حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة: {ولو نزلناه على بعض الأعجمين} [الشعراء: 198] قال: «لو نزله الله أعجميا كانوا أخسر الناس به، لأنهم لا يعرفون بالعجمية» وهذا الذي ذكرناه عن قتادة قول لا وجه له، لأنه وجه الكلام أن معناه: ولو أنزلناه أعجميا، وإنما التنزيل {ولو نزلناه على بعض الأعجمين} [الشعراء: 198] يعني: ولو نزلنا هذا القرآن العربي على بهيمة من العجم أو بعض ما لا يفصح، ولم يقل: ولو نزلناه أعجميا. فيكون تأويل الكلام ما قاله. وقوله {فقرأه عليهم} [الشعراء: 199] يقول: فقرأ هذا القرآن على كفار قومك يا محمد الذين حتمت عليهم أن لا يؤمنوا ذلك الأعجم ما كانوا به مؤمنين. يقول: لم يكونوا ليؤمنوا به، لما قد جرى لهم في سابق علمي من الشقاء، وهذا تسلية من الله نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم عن قومه، لئلا يشتد وجده بإدبارهم عنه، وإعراضهم عن الاستماع لهذا القرآن، لأنه كان صلى الله عليه وسلم شديدا حرصه على قبولهم منه، والدخول فيما دعاهم إليه، حتى عاتبه ربه على شدة حرصه على ذلك منهم، فقال له: {لعلك باخع نفسك ألا يكونوا مؤمنين} [الشعراء: 3] ثم قال مؤيسه من إيمانهم وأنهم هالكون ببعض مثلاته، كما هلك بعض الأمم الذين قص عليهم قصصهم في هذه السورة. ولو نزلناه على بعض الأعجمين يا محمد لا عليك، فإنك رجل منهم، ويقولون لك: ما أنت إلا بشر مثلنا، وهلا نزل به ملك، فقرأ ذلك الأعجم عليهم هذا القرآن، ولم يكن لهم علة يدفعون بها أنه حق، وأنه تنزيل من عندي، ما كانوا به مصدقين، فخفض من حرصك على إيمانهم به، ثم وكد تعالى ذكره الخبر عما قد حتم على هؤلاء المشركين، الذين آيس نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم من إيمانهم من الشقاء والبلاء، فقال: كما حتمنا على هؤلاء أنهم لا يؤمنون بهذا القرآن {ولو نزلناه على بعض الأعجمين} [الشعراء: 198] فقرأه عليهم. {كذلك سلكناه} [الشعراء: 200] التكذيب والكفر {في قلوب المجرمين} [الحجر: 12] . ويعني بقوله: سلكنا: أدخلنا، والهاء في قوله {سلكناه} [الشعراء: 200] كناية من ذكر قوله {ما كانوا به مؤمنين} [الشعراء: 199] ، كأنه قال: كذلك أدخلنا في قلوب المجرمين ترك الإيمان بهذا القرآن. وبنحو الذي قلنا في تأويل ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك : حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قوله 17P649 : " {كذلك سلكناه} [الشعراء: 200] قال: الكفر {في قلوب المجرمين} [الشعراء: 200] ". حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: {كذلك سلكناه في قلوب المجرمين.
لا يؤمنون به حتى يروا العذاب الأليم} [الشعراء: 201] حدثني علي بن سهل، قال: ثنا زيد بن أبي الزرقاء، عن سفيان، عن حميد، عن الحسن، في هذه الآية: " {كذلك سلكناه في قلوب المجرمين} [الشعراء: 200] قال: خلقناه " قال: ثنا زيد، عن حماد بن سلمة، عن حميد، قال: سألت الحسن في بيت أبي خليفة، عن قوله: {كذلك سلكناه في قلوب المجرمين} [الشعراء: 200] ، قال: «الشرك سلكه في قلوبهم» وقوله: {لا يؤمنون به حتى يروا العذاب الأليم} [الشعراء: 201] يقول: فعلنا ذلك بهم لئلا يصدقوا بهذا القرآن، حتى يروا العذاب الأليم في عاجل الدنيا، كما رأت ذلك الأمم الذين قص الله قصصهم في هذه السورة. ورفع قوله {لا يؤمنون} [البقرة: 6] لأن العرب من شأنها إذا وضعت في موضع مثل هذا الموضع «لا» ربما جزمت ما بعدها، وربما رفعت فتقول: ربطت الفرس لا تنفلت، وأحكمت العقد لا ينحل، جزما ورفعا. وإنما تفعل ذلك لأن تأويل ذلك: إن لم أحكم العقد انحل، فجزمه على التأويل، ورفعه بأن الجازم غير ظاهر. ومن الشاهد على الجزم في ذلك قول الشاعر: [+البحر البسيط] لو كنت إذ جئتنا حاولت رؤيتنا أو جئتنا ماشيا لا يعرف الفرس وقول الآخر: [+البحر الرجز] لطالما حلأتماها لا ترد فخلياها والسجال تبترد 17P650
[الشعراء: 202_203_204] القول في تأويل قوله تعالى: {فيأتيهم بغتة وهم لا يشعرون فيقولوا هل نحن منظرون أفبعذابنا يستعجلون} [الشعراء: 202_203_204] يقول تعالى ذكره: فيأتي هؤلاء المكذبين بهذا القرآن العذاب الأليم بغتة، يعني فجأة {وهم لا يشعرون} [الأعراف: 95] يقول: لا يعلمون قبل ذلك بمجيئه حتى يفجأهم بغتة. {فيقولوا} [الشعراء: 203] حين يأتيهم بغتة {هل نحن منظرون} [الشعراء: 203] أي هل نحن مؤخر عنا العذاب، ومنسأ في آجالنا لنتوب وننيب إلى الله من شركنا وكفرنا بالله، فنراجع الإيمان به، وننيب إلى طاعته. وقوله : {أفبعذابنا يستعجلون} [الشعراء: 204] يقول تعالى ذكره: أفبعذابنا هؤلاء المشركون يستعجلون بقولهم: لن نؤمن لك حتى تسقط السماء كما زعمت علينا كسفا. 17P650 [الشعراء: 205_206_207] القول في تأويل قوله تعالى: {أفرأيت إن متعناهم سنين ثم جاءهم ما كانوا يوعدون ما أغنى عنهم ما كانوا يمتعون} [الشعراء: 205_206_207] يقول تعالى ذكره: ثم جاءهم العذاب الذي كانوا يوعدون على كفرهم 17P651 بآياتنا، وتكذيبهم رسولنا. {ما أغنى عنهم} [الشعراء: 207] يقول: أي شيء أغنى عنهم التأخير الذي أخرنا في آجالهم، والمتاع الذي متعناهم به من الحياة، إذ لم يتوبوا من شركهم، هل زادهم تمتيعنا إياهم ذلك إلا خبالا، وهل نفعهم شيئا، بل ضرهم بازديادهم من الآثام، واكتسابهم من الإجرام ما لو لم يمتعوا لم يكتسبوه. حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: " {أفرأيت إن متعناهم سنين} [الشعراء: 205] إلى قوله {ما أغنى عنهم ما كانوا يمتعون} [الشعراء: 207] قال: هؤلاء أهل الكفر " 17P651 [الشعراء: 208_209_210_211_212] القول في تأويل قوله تعالى: {وما أهلكنا من قرية إلا لها منذرون ذكرى وما كنا ظالمين وما تنزلت به الشياطين وما ينبغي لهم وما يستطيعون إنهم عن السمع لمعزولون} [الشعراء: 208_209_210_211_212] يقول تعالى ذكره: {وما أهلكنا من قرية} [الحجر: 4] من هذه القرى التي وصفت في هذه السور {إلا لها منذرون} [الشعراء: 208] يقول: إلا بعد إرسالنا إليهم رسلا ينذرونهم بأسنا على كفرهم وسخطنا عليهم. {ذكرى} [الأنعام: 69] يقول: إلا لها منذرون ينذرونهم تذكرة لهم، وتنبيها لهم على ما فيه النجاة لهم من عذابنا. ففي الذكرى وجهان من الإعراب: أحدهما النصب على المصدر من 17P652 الإنذار على ما بينت، والآخر: الرفع على الابتداء، كأنه قيل: ذكرى. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد: " {وما أهلكنا من قرية إلا لها منذرون. ذكرى} [الشعراء: 209] قال: الرسل " قال ابن جريج: وقوله: " {ذكرى} [الشعراء: 209] قال: الرسل " قوله: {وما كنا ظالمين} [الشعراء: 209] يقول: وما كنا ظالميهم في تعذيبناهم وإهلاكهم، لأنا إنما أهلكناهم، إذ عتوا علينا ، وكفروا نعمتنا، وعبدوا غيرنا بعد الإعذار عليهم والإنذار ومتابعة الحجج عليهم بأن ذلك لا ينبغي أن يفعلوه، فأبوا إلا التمادي في الغي. وقوله: {وما تنزلت به الشياطين} [الشعراء: 210] يقول تعالى ذكره: وما تنزلت بهذا القرآن الشياطين على محمد، ولكنه ينزل به الروح الأمين. {وما ينبغي لهم} [الشعراء: 211] يقول: وما ينبغي للشياطين أن ينزلوا به عليه، ولا يصلح لهم ذلك. {وما يستطيعون} [الشعراء: 211] يقول: وما يستطيعون أن ينزلوا به، لأنهم لا يصلون إلى استماعه في المكان الذي هو به من السماء، {إنهم عن السمع لمعزولون} [الشعراء: 212] 17P653 يقول: إن الشياطين عن سمع القرآن من المكان الذي هو به من السماء لمعزولون، فكيف يستطيعون أن يتنزلوا به. وبنحو الذي قلنا في تأويل ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، في قوله: " {وما تنزلت به الشياطين} [الشعراء: 210] قال: هذا القرآن. وفي قوله {إنهم عن السمع لمعزولون} [الشعراء: 212] قال: عن سمع السماء ". حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني أبو سفيان، عن معمر، عن قتادة، بنحوه، إلا أنه قال: عن سمع القرآن. والقراء مجمعة على قراءة {وما تنزلت به الشياطين} [الشعراء: 210] بالتاء ورفع النون، لأنها نون أصلية، واحدهم شيطان، كما واحد البساتين بستان. وذكر عن الحسن أنه كان يقرأ ذلك: (وما تنزلت به الشياطون) بالواو، وذلك لحن، وينبغي أن يكون ذلك إن كان صحيحا عنه، أن يكون توهم أن ذلك نظير المسلمين والمؤمنين، وذلك بعيد من هذا. 17P653
[الشعراء: 213_214_215] القول في تأويل قوله تعالى: {فلا تدع مع الله إلها آخر فتكون من المعذبين وأنذر عشيرتك الأقربين واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين} [الشعراء: 213_214_215] 17P654 يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: {فلا تدع} [الشعراء: 213] يا محمد {مع الله إلها آخر} [الحجر: 96] أي لا تعبد معه معبودا غيره {فتكون من المعذبين} [الشعراء: 213] فينزل بك من العذاب ما نزل بهؤلاء الذين خالفوا أمرنا وعبدوا غيرنا. وقوله: {وأنذر عشيرتك الأقربين} [الشعراء: 214] يقول جل ثناؤه لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: وأنذر عشيرتك من قومك الأقربين إليك قرابة، وحذرهم من عذابنا أن ينزل بهم بكفرهم. وذكر أن هذه الآية لما نزلت، بدأ ببني جده عبد المطلب وولده، فحذرهم وأنذرهم. ذكر الرواية بذلك: حدثني أحمد بن المقدام، قال: ثنا محمد بن عبد الرحمن، قال: ثنا هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، قالت: لما نزلت هذه الآية: {وأنذر عشيرتك الأقربين} [الشعراء: 214] قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يا صفية بنت عبد المطلب، يا فاطمة بنت محمد يا بني عبد المطلب إني لا أملك لكم من الله شيئا، سلوني من مالي ما شئتم» . حدثنا ابن وكيع، قال: ثني أبي ويونس بن بكير، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، بنحوه. 17P655 حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام، قال: ثنا عنبسة، عن هشام بن عروة، عن أبيه، قال: لما نزلت {وأنذر عشيرتك الأقربين} [الشعراء: 214] قام النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «يا فاطمة بنت محمد، ويا صفية ابنة عبد المطلب» ثم ذكر نحو حديث ابن المقدام حدثني يونس بن عبد الأعلى، قال: ثنا سلامة، قال: قال عقيل: ثني الزهري، قال: قال سعيد بن المسيب، وأبو سلمة بن عبد الرحمن: أن أبا هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أنزل عليه {وأنذر عشيرتك الأقربين} [الشعراء: 214] : «يا معشر قريش اشتروا أنفسكم من الله، لا أغني عنكم من الله شيئا، يا بني عبد مناف لا أغني عنكم من الله شيئا، يا عباس بن عبد المطلب، لا أغني عنك من الله شيئا، يا فاطمة بنت رسول الله، لا أغني عنك من الله شيئا، سليني ما شئت، لا أغني عنك من الله شيئا» . حدثني محمد بن عبد الملك، قال: ثنا أبو اليمان، قال: أخبرنا شعيب، عن الزهري، قال: أخبرني سعيد بن المسيب، وأبو سلمة بن عبد الرحمن، أن أبا هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أنزل عليه: {وأنذر عشيرتك الأقربين} [الشعراء: 214] قال: «يا معشر قريش اشتروا أنفسكم من الله» ثم ذكر نحو حديث يونس، عن 17P656 سلامة غير أنه زاد فيه «يا صفية عمة رسول الله لا أغني عنك من الله شيئا» ولم يذكر في حديثه فاطمة حدثني يونس، قال: ثنا سلامة بن روح، قال: قال عقيل: ثني ابن شهاب: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما أنزل عليه {وأنذر عشيرتك الأقربين} [الشعراء: 214] جمع قريشا، ثم أتاهم، فقال لهم: «هل فيكم غريب؟
» فقالوا: لا إلا ابن أخت لنا لا نراه إلا منا، قال: «إنه منكم» ، فوعظهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم قال لهم في آخر كلامه: «لا أعرفن ما ورد على الناس يوم القيامة يسوقون الآخرة، وجئتم إلي تسوقون الدنيا» حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرني يونس، عن ابن شهاب، أخبرني سعيد بن المسيب، وأبو سلمة بن عبد الرحمن، أن أبا هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أنزل عليه {وأنذر عشيرتك الأقربين} [الشعراء: 214] «يا معشر قريش، اشتروا أنفسكم من الله، لا أغني عنكم من الله شيئا، يا بني عبد المطلب، لا أغني عنكم من الله شيئا، يا عباس بن عبد المطلب، لا أغني عنك من الله شيئا، يا صفية عمة رسول الله، لا أغني عنك من الله شيئا، يا فاطمة بنت محمد سليني ما شئت، لا أغني عنك من الله شيئا» حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا المعتمر، قال: سمعت الحجاج يحدث، عن عبد الملك بن عمير، عن موسى بن طلحة، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: لما أنزل الله: {وأنذر عشيرتك الأقربين} [الشعراء: 214] قال نبي الله صلى الله عليه وسلم: «يا معشر قريش، 17P657 أنقذوا أنفسكم من النار، يا فاطمة بنت محمد، أنقذي نفسك من النار، ألا إن لكم رحما سأبلها ببلالها» حدثنا أبو كريب، قال: ثنا أبو أسامة، عن زائدة، عن عبد الملك بن عمير، عن موسى بن طلحة، عن أبي هريرة ، قال: لما نزلت هذه الآية: {وأنذر عشيرتك الأقربين} [الشعراء: 214] دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم قريشا، فعم وخص، فقال: «يا معشر قريش، اشتروا أنفسكم من الله، يا معشر بني كعب بن لؤي، يا معشر بني عبد مناف، يا معشر بني هاشم، يا معشر بني عبد المطلب» ، يقول لكلهم: «أنقذوا أنفسكم من النار، يا فاطمة بنت محمد، أنقذي نفسك من النار، فإني والله ما أملك لكم من الله شيئا، ألا إن لكم رحما سأبلها ببلالها» حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا المعتمر، عن أبيه، قال: ثنا أبو عثمان، عن زهير بن عمرو، وقبيصة بن مخارق: أنهما قالا: أنزل الله على نبي الله صلى الله عليه وسلم: {وأنذر عشيرتك الأقربين} [الشعراء: 214] ، فحدثنا عن نبي الله صلى الله عليه وسلم أنه علا صخرة من جبل، فعلا أعلاها حجرا، ثم قال: " يا آل عبد منافاه، يا صباحاه، إني نذير، إن مثلي ومثلكم مثل رجل أتى الجيش فخشيهم على 17P658 أهله، فذهب يربؤهم، فخشي أن يسبقوه إلى أهله، فجعل يهتف بهم: يا صباحاه " أو كما قال حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا عبد الوهاب، ومحمد بن جعفر، عن عوف، عن قسامة بن زهير، قال: بلغني أنه لما نزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم {وأنذر عشيرتك الأقربين} [الشعراء: 214] جاء فوضع أصبعه في أذنه، ورفع من صوته، وقال: «يا بني عبد مناف واصباحاه» قال: ثني أبو عاصم، قال: ثنا عوف، عن قسامة بن زهير، قال: أظنه عن الأشعري، عن النبي صلى الله عليه وسلم، بنحوه. حدثني عبد الله بن أبي زياد، قال: ثنا أبو زيد الأنصاري سعد بن أوس، عن عوف، قال: قال قسامة بن زهير، حدثني الأشعري، قال: لما نزلت، ثم ذكر نحوه؛ إلا أنه قال: وضع أصبعيه في أذنيه حدثنا أبو كريب، قال: ثنا ابن نمير، عن الأعمش، عن عمرو بن مرة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: لما نزلت هذه الآية {وأنذر عشيرتك الأقربين} [الشعراء: 214] قام رسول الله صلى الله عليه وسلم على الصفا، ثم نادى: «يا صباحاه» ، فاجتمع الناس إليه، فبين رجل يجيء، وبين آخر يبعث رسوله، فقال: «يا بني هاشم، يا بني عبد المطلب، يا بني فهر، يا بني يا بني، أرأيتكم لو أخبرتكم أن خيلا بسفح هذا الجبل تريد أن تغير عليكم صدقتموني؟