Qur'an&Sunnahالقرآن

Beğavî - Meâlimü't-Tenzîl (Tefsîrü'l-Beğavî)

İmam Beğavî · AR

قسم V06/P183–V06/P185Beğavî — Meâlimü't-Tenzîl (Tefsîrü'l-Beğavî) (s. V06/P183–V06/P185)

{ومن جاء بالسيئة فكبت وجوههم في النار هل تجزون إلا ما كنتم تعملون إنما أمرت أن أعبد رب هذه البلدة الذي حرمها وله كل شيء وأمرت أن أكون من المسلمين وأن أتلو القرآن فمن اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضل فقل إنما أنا من المنذرين وقل الحمد لله سيريكم آياته فتعرفونها وما ربك بغافل عما تعملون } {ومن جاء بالسيئة} يعني الشرك، {فكبت وجوههم في النار} يعني ألقوا على وجوههم، يقال: كببت الرجل: إذا ألقيته على وجهه، فانكب وأكب، وتقول لهم خزنة جهنم: {هل تجزون إلا ما كنتم تعملون} في الدنيا من الشرك. قوله تعالى: {إنما أمرت} يقول الله لرسوله صلى الله عليه وسلم قل إنما أمرت، {أن أعبد رب هذه البلدة} يعني: مكة، {الذي حرمها} جعلها الله حرما آمنا، لا يسفك فيها دم، ولا يظلم فيها أحد، ولا يصاد صيدها، ولا 60/ب يختلى خلاها، {وله كل شيء} خلقا وملكا، {وأمرت أن أكون من المسلمين} لله. {وأن أتلو القرآن} يعني: وأمرت أن أتلو القرآن، {فمن اهتدى فإنما يهتدي لنفسه} أي: نفع اهتدائه يرجع إليه، {ومن ضل} عن الإيمان وأخطأ عن طريق الهدى، {فقل إنما أنا من المنذرين} من المخوفين فليس علي إلا البلاغ. نسختها آية القتال . {وقل الحمد لله} على نعمه، {سيريكم آياته} يعني: يوم بدر، من القتل والسبي وضرب الملائكة وجوههم وأدبارهم، نظيره قوله عز وجل: ["سأريكم آياتي فلا تستعجلون" (الأنبياء-37) ، وقال مجاهد] سيريكم آياته في السماء والأرض وفي أنفسكم، كما قال: "سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم" (فصلت-53) ، {فتعرفونها} يعني: تعرفون الآيات والدلالات، {وما ربك بغافل عما تعملون} وعدهم بالجزاء على أعمالهم. سورة القصص مكية إلا قوله عز وجل: {الذين آتيناهم الكتاب} إلى قوله: {لا نبتغي الجاهلين} وفيهالا آية نزلت بين مكة والمدينة، وهي قوله عز وجل: {إن الذي فرض عليك القرآن لرادك إلى معاد} . بسم الله الرحمن الرحيم {طسم تلك آيات الكتاب المبين نتلوا عليك من نبإ موسى وفرعون بالحق لقوم يؤمنون إن فرعون علا في الأرض وجعل أهلها شيعا يستضعف طائفة منهم يذبح أبناءهم ويستحيي نساءهم إنه كان من المفسدين } {طسم} {تلك آيات الكتاب المبين} {نتلوا عليك من نبإ موسى وفرعون بالحق} بالصدق {لقوم يؤمنون} يصدقون بالقرآن. {إن فرعون علا} استكبر وتجبر وتعظم {في الأرض} أرض مصر {وجعل أهلها شيعا} فرقا وأصنافا في الخدمة والتسخير {يستضعف طائفة منهم} أراد بالطائفة: بني إسرائيل ثم فسر الاستضعاف فقال: {يذبح أبناءهم ويستحيي نساءهم} سمى هذا استضعافا لأنهم عجزوا وضعفوا عن دفعه عن أنفسهم {إنه كان من المفسدين} {ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين } {ونمكن لهم في الأرض ونري فرعون وهامان وجنودهما منهم ما كانوا يحذرون وأوحينا إلى أم موسى أن أرضعيه فإذا خفت عليه فألقيه في اليم ولا تخافي ولا تحزني إنا رادوه إليك وجاعلوه من المرسلين } {ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض} يعني: بني إسرائيل، {ونجعلهم أئمة} قادة في الخير يقتدى بهم. وقال قتادة: ولاة وملوكا، دليله: قوله عز وجل: "وجعلكم ملوكا" (المائدة-20) ، وقال مجاهد: دعاة إلى الخير. {ونجعلهم الوارثين} يعني: أملاك فرعون وقومه يخلفونهم في مساكنهم. {ونمكن لهم في الأرض} نوطن لهم في أرض مصر والشام، ونجعلها لهم مكانا يستقرون فيه، {ونري فرعون وهامان وجنودهما} قرأ الأعمش، وحمزة، والكسائي: "ويرى" بالياء وفتحها، {فرعون وهامان وجنودهما} مرفوعات على أن الفعل لهم، وقرأ الآخرون بالنون وضمها، وكسر الراء، ونصب الياء ونصب ما بعده، بوقوع الفعل عليه، {منهم ما كانوا يحذرون} والحذر هو التوقي من الضرر، وذلك أنهم أخبروا أن هلاكهم على يد رجل من بني إسرائيل فكانوا على وجل منه، فأراهم الله ما كانوا يحذرون.

قسم V06/P185–V06/P191Beğavî — Meâlimü't-Tenzîl (Tefsîrü'l-Beğavî) (s. V06/P185–V06/P191)

{وأوحينا إلى أم موسى} وحي إلهام لا وحي نبوة، قال قتادة: قذفنا في قلبها ، وأم موسى يوخابذ بنت لاوي بن يعقوب، {أن أرضعيه} واختلفوا في مدة الرضاع، قيل: ثمانية أشهر. وقيل: أربعة أشهر. وقيل: ثلاثة أشهر كانت ترضعه في حجرها، وهو لا يبكي ولا يتحرك ، {فإذا خفت عليه} يعني: من الذبح، {فألقيه في اليم} واليم: البحر، وأراد هاهنا النيل، {ولا تخافي} قيل: لا تخافي عليه من الغرق، وقيل: من الضيعة، {ولا تحزني} على فراقه، {إنا رادوه إليك وجاعلوه من المرسلين} روى عطاء عن الضحاك عن ابن عباس رضي الله عنهما قال . إن بني إسرائيل لما كثروا بمصر، استطالوا على الناس، وعملوا بالمعاصي، ولم يأمروا بالمعروف ولم ينهو عن المنكر، فسلط الله عليهم القبط فاستضعفوهم إلى أن أنجاهم على يد نبيه. وقال ابن عباس رضي الله عنهما: إن أم موسى لما تقاربت ولادتها، وكانت قابلة من القوابل التي وكلهن فرعون بحبالى بني إسرائيل مصافية لأم موسى، فلما ضرب بها الطلق أرسلت إليها فقالت: قد نزل بي ما نزل، فلينفعني حبك إياي اليوم، قالت: فعالجت قبالتها، فلما أن وقع موسى بالأرض هالها نور بين عيني موسى، فارتعش كل مفصل منها، ودخل حب موسى قلبها. ثم قالت لها: يا هذا ما جئت إليك حين دعوتني إلا ومن رأيي قتل مولودك، ولكن وجدت لابنك هذا حبا ما وجدت حب شيء مثل حبه، فاحفظي ابنك فإني أراه هو عدونا، فلما خرجت القابلة من عندها أبصرها بعض العيون، فجاءوا إلى بابها ليدخلوا على أم موسى، فقالت أخته يا أماه هذا الحرس بالباب، فلفت موسى في خرقة، فوضعته في التنور وهو مسجور، وطاش عقلها، فلم تعقل ما تصنع. قال: فدخلوا فإذا التنور مسجور، ورأوا أم موسى لم يتغير لها لون ولم يظهر لها لبن، فقالوا لها: ما أدخل عليك القابلة؟ قالت: هي مصافية لي فدخلت علي زائرة، فخرجوا من عندها، فرجع إليها عقلها فقالت لأخت موسى: فأين الصبي؟ قالت لا أدري، فسمعت بكاء الصبي من التنور فانطلقت إليه وقد جعل الله سبحانه وتعالى النار عليه بردا وسلاما، فاحتملته قال: ثم إن أم موسى لما رأت إلحاح فرعون في طلب الولدان خافت على ابنها، فقذف الله في نفسها أن تتخذ له تابوتا ثم تقذف التابوت في اليم وهو النيل، فانطلقت إلى رجل نجار من قوم فرعون فاشترت منه تابوتا صغيرا، فقال لها النجار: ما تصنعين بهذا التابوت؟ قالت: ابن لي أخبئه في التابوت، وكرهت الكذب، قال ولم تقل: أخشى عليه كيد فرعون، فلما اشترت التابوت وحملته وانطلقت به انطلق النجار إلى الذباحين ليخبرهم بأمر أم موسى، فلما هم بالكلام أمسك الله لسانه فلم يطق الكلام، وجعل يشير بيده فلم يدر الأمناء ما يقول، فلما أعياهم أمره قال كبيرهم: اضربوه فضربوه وأخرجوه، فلما انتهى النجار إلى موضعه رد الله عليه لسانه فتكلم، فانطلق أيضا يريد الأمناء فأتاهم ليخبرهم فأخذ الله لسانه وبصره فلم يطق الكلام ولم يبصر شيئا، فضربوه وأخرجوه، فوقع في واد يهوي فيه حيران، فجعل الله عليه إن رد لسانه وبصره أن لا يدل عليه وأن يكون معه يحفظه حيث 61/أما كان، فعرف الله منه الصدق فرد عليه لسانه وبصره فخر لله

قسم V06/P191–V06/P192Beğavî — Meâlimü't-Tenzîl (Tefsîrü'l-Beğavî) (s. V06/P191–V06/P192)

ساجدا، فقال: يا رب دلني على هذا العبد الصالح، فدله الله عليه، فخرج من الوادي فآمن به وصدقه، وعلم أن ذلك من الله عز وجل. وقال وهب بن منبه: لما حملت أم موسى بموسى كتمت أمرها جميع الناس، فلم يطلع على حبلها أحد من خلق الله، وذلك شيء ستره الله لما أراد أن يمن به على بني إسرائيل، فلما كانت السنة التي يولد فيها بعث فرعون القوابل وتقدم إليهن ففتشن النساء تفتيشا لم يفتشن قبل ذلك مثله ، وحملت أم موسى بموسى فلم ينتأ بطنها، ولم يتغير لونها، ولم يظهر لبنها، وكانت القوابل لا تتعرض لها، فلما كانت الليلة التي ولد فيها ولدته ولا رقيب عليها ولا قابلة، ولم يطلع عليها أحد إلا أخته مريم، فأوحى الله إليها "أن أرضعيه، فإذا خفت عليه" الآية، فكتمته أمه ثلاثة أشهر ترضعه في حجرها، لا يبكي ولا يتحرك، فلما خافت عليه عملت تابوتا له مطبقا ثم ألقته في البحر ليلا. قال ابن عباس وغيره: وكان لفرعون يومئذ بنت لم يكن له ولد غيرها، وكانت من أكرم الناس عليه، وكان لها كل يوم ثلاث حاجات ترفعها إلى فرعون، وكان بها برص شديد، وكان فرعون قد جمع لها أطباء مصر والسحرة فنظروا في أمرها، فقالوا له: أيها الملك لا تبرأ إلا من قبل البحر، يوجد فيه شبه الإنسان فيؤخذ من ريقه فيلطخ به برصها فتبرأ من ذلك، وذلك في يوم كذا وساعة كذا حين تشرق الشمس، فلما كان يوم الاثنين غدا فرعون إلى مجلس كان على شفير النيل ومعه امرأته آسية بنت مزاحم، وأقبلت ابنة فرعون في جواريها حتى جلست على شاطئ النيل مع جواريها تلاعبهن وتنضح الماء على وجوههن، إذ أقبل النيل بالتابوت تضربه الأمواج، فقال فرعون: إن هذا لشيء في البحر قد تعلق بالشجرة ايتوني به، فابتدروه بالسفن من كل جانب حتى وضعوه بين يديه، فعالجوا فتح الباب فلم يقدروا عليه وعالجوا كسره فلم يقدروا عليه، فدنت آسية فرأت في جوف التابوت نورا لم يره غيرها فعالجته ففتحت الباب فإذا هي بصبي صغير في مهده، وإذا نور بين عينيه، وقد جعل الله رزقه في إبهامه يمصه لبنا، فألقى الله لموسى المحبة في قلب آسية، وأحبه فرعون وعطف عليه، وأقبلت بنت فرعون، فلما أخرجوا الصبي من التابوت عمدت بنت فرعون إلى ما كان يسيل من ريقه فلطخت به برصها فبرأت، فقبلته وضمته إلى صدرها، فقال الغواة من قوم فرعون: أيها الملك إنا نظن أن ذلك المولود الذي تحذر منه بني إسرائيل هو هذا، رمي به في البحر فرقا منك فاقتله، فهم فرعون بقتله، قالت آسية: قرة عين لي ولك لا تقتلوه عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولدا، وكانت لا تلد، فاستوهبت موسى من فرعون فوهبه لها، وقال فرعون أما أنا فلا حاجة لي فيه، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لو قال فرعون يومئذ هو قرة عين لي كما هو لك لهداه الله كما هداها" ، فقيل لآسية سميه فقالت: سميته موسى لأنا وجدناه في الماء والشجر فمو هو الماء، وسي هو الشجر ، فذلك قوله عز وجل: {فالتقطه آل فرعون} {فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا إن فرعون وهامان وجنودهما كانوا خاطئين وقالت امرأة فرعون قرة عين لي ولك لا تقتلوه عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولدا وهم لا يشعرون } {فالتقطه آل فرعون} والالتقاط هو وجود الشيء من غير طلب، {ليكون لهم عدوا وحزنا} وهذه اللام تسمى لام العاقبة ولام الصيرورة، لأنهم لم يلتقطوه ليكون لهم عدوا وحزنا ولكن صار عاقبة أمرهم إلى ذلك، قرأ حمزة والكسائي: "حزنا" بضم الحاء وسكون الزاي، وقرأ الآخرون بفتح الحاء والزاي، وهما لغتان، {إن فرعون وهامان وجنودهما كانوا خاطئين} عاصين . آثمين.

قسم V06/P192–V06/P194Beğavî — Meâlimü't-Tenzîl (Tefsîrü'l-Beğavî) (s. V06/P192–V06/P194)

قوله تعالى: {وقالت امرأة فرعون قرة عين لي ولك} قال وهب: لما وضع التابوت بين يدي فرعون فتحوه فوجد فيه موسى فلما نظر إليه قال عبراني من الأعداء فغاظه ذلك، وقال: كيف أخطأ هذا الغلام الذبح؟ وكان فرعون قد استنكح امرأة من بني إسرائيل يقال لها آسية بنت مزاحم وكانت من خيار النساء ومن بنات الأنبياء وكانت أما للمساكين ترحمهم وتتصدق عليهم وتعطيهم، قالت لفرعون وهي قاعدة إلى جنبه: هذا الوليد أكبر من ابن سنة وإنما أمرت أن يذبح الولدان لهذه السنة فدعه يكون قرة عين لي وذلك، {لا تقتلوه} وروي أنها قالت له: إنه أتانا من أرض أخرى ليس من بني إسرائيل {عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولدا وهم لا يشعرون} أن هلاكهم على يديه، فاستحياه فرعون، وألقى الله عليه محبته وقال لامرأته: عسى أن ينفعك فأما أنا فلا أريد نفعه، قال وهب قال ابن عباس رضي الله عنهما: لو أن عدو الله قال في موسى كما قالت آسية: عسى أن ينفعنا، لنفعه الله، ولكنه أبى، للشقاء الذي كتبه الله عليه . {وأصبح فؤاد أم موسى فارغا إن كادت لتبدي به لولا أن ربطنا على قلبها لتكون من المؤمنين وقالت لأخته قصيه فبصرت به عن جنب وهم لا يشعرون } وقوله تعالى: {وأصبح فؤاد أم موسى فارغا} أي: خاليا من كل شيء إلا من ذكر موسى وهمه، وهذا قول أكثر المفسرين . وقال الحسن: "فارغا" أي: ناسيا للوحي الذي أوحى الله إليها حين أمرها أن تلقيه في البحر ولا تخاف ولا تحزن، والعهد الذي عهد أن يرده إليها ويجعله من المرسلين، فجاءها الشيطان فقال: كرهت أن يقتل فرعون ولدك فيكون لك أجره وثوابه وتوليت أنت قتله فألقيته في البحر، وأغرقته، ولما أتاها الخبر بأن فرعون أصابه في النيل قالت: إنه وقع في يد عدوه الذي فررت منه، فأنساها عظيم البلاء ما كان من عهد الله إليها. وقال أبو عبيدة: "فارغا" أي: فارغا من الحزن، لعلمها بصدق وعد الله تعالى، وأنكر القتيبي هذا، وقال: كيف يكون هذا والله تعالى يقول: "إن كادت لتبدي به لولا أن ربطنا على قلبها"؟ والأول أصح. قول الله عز وجل: {إن كادت لتبدي به} قيل الهاء في "به" راجعة إلى موسى، أي: كادت لتبدي به أنه ابنها من شدة 61/ب وجدها. وقال عكرمة عن ابن عباس: كادت تقول: وابناه. وقال مقاتل: لما رأت التابوت يرفعه موج ويضعه آخر خشيت عليه الغرق فكادت تصيح من شفقتها. وقال الكلبي: كادت تظهر أنه ابنها، وذلك حين سمعت الناس يقولون لموسى بعدما شب: موسى بن فرعون، فشق عليها فكادت تقول: بل هو ابني. وقال بعضهم: الهاء عائدة إلى الوحي أي: كادت تبدي بالوحي الذي أوحى الله إليها أن يرده إليها . {لولا أن ربطنا على قلبها} بالعصمة والصبر والتثبيت، {لتكون من المؤمنين} المصدقين لوعد الله حين قال لها: {إنا رادوه إليك} {وقالت لأخته} أي: لمريم أخت موسى: {قصيه} اتبعي أثره حتى تعلمي خبره، {فبصرت به عن جنب} أي: عن بعد، وفي القصة أنها كانت تمشي جانبا وتنظر اختلاسا تري أنها لا تنظره، {وهم لا يشعرون} أنها أخته وأنها ترقبه، قال ابن عباس: إن امرأة فرعون كل همها من الدنيا أن تجد له مرضعة، فكلما أتوا بمرضعة لم يأخذ ثديها، فذلك قوله عز وجل: {وحرمنا عليه المراضع} {وحرمنا عليه المراضع من قبل فقالت هل أدلكم على أهل بيت يكفلونه لكم وهم له ناصحون فرددناه إلى أمه كي تقر عينها ولا تحزن ولتعلم أن وعد الله حق ولكن أكثرهم لا يعلمون } {ولما بلغ أشده واستوى آتيناه حكما وعلما وكذلك نجزي المحسنين } {وحرمنا عليه المراضع} والمراد من التحريم المنع، والمراضع: جمع المرضع، {من قبل} أي: من قبل مجيء أم موسى، فلما رأت أخت موسى التي أرسلتها أمه في طلبه ذلك قالت لهم: هل أدلكم؟ وفي القصة أن موسى مكث ثمان ليال لا يقبل ثديا ويصيح وهم في طلب مرضعة له.

قسم V06/P194–V06/P195Beğavî — Meâlimü't-Tenzîl (Tefsîrü'l-Beğavî) (s. V06/P194–V06/P195)

{فقالت} يعني أخت موسى، {هل أدلكم على أهل بيت يكفلونه} أي: يضمنونه {لكم} ويرضعونه، وهي امرأة قد قتل ولدها فأحب شيء إليها أن تجد صغيرا ترضعه، {وهم له ناصحون} والنصح ضد الغش، وهو تصفية العمل من شوائب الفساد، قالوا: نعم فأتينا بها. قال ابن جريج والسدي: لما قالت أخت موسى: "وهم له ناصحون" أخذوها وقالوا: إنك قد عرفت هذا الغلام فدلينا على أهله. فقالت: ما أعرفه، وقلت هم للملك ناصحون. وقيل: إنها قالت: إنما قلت هذا رغبة في سرور الملك واتصالنا به. وقيل إنها لما قالت: "هل أدلكم على أهل بيت" قالوا لها: من؟ قالت: أمي قالوا: ولأمك ابن؟ قالت: نعم هارون، وكان هارون ولد في سنة لا يقتل فيها، قالوا: صدقت، فأتينا بها، فانطلقت إلى أمها وأخبرتها بحال ابنها، وجاءت بها إليهم، فلما وجد الصبي ريح أمه قبل ثديها، وجعل يمصه حتى امتلأ جنباه ريا. قال السدي: كانوا يعطونها كل يوم دينارا فذلك قوله تعالى: {فرددناه إلى أمه كي تقر عينها} {فرددناه إلى أمه كي تقر عينها} برد موسى إليها، {ولا تحزن} أي: ولئلا تحزن، {ولتعلم أن وعد الله حق} برده إليها، {ولكن أكثرهم لا يعلمون} أن الله وعدها رده إليها. {ولما بلغ أشده} قال الكلبي: الأشد ما بين ثماني عشرة سنة إلى ثلاثين سنة. [قال مجاهد وغيره: ثلاث وثلاثون سنة، {واستوى} أي: بلغ أربعين سنة] ، ورواه سعيد بن جبير عن ابن عباس، وقيل: استوى انتهى شبابه {آتيناه حكما وعلما} أي: الفقه والعقل والعلم في الدين، فعلم موسى وحكم قبل أن يبعث نبيا، {وكذلك نجزي المحسنين} {ودخل المدينة على حين غفلة من أهلها فوجد فيها رجلين يقتتلان هذا من شيعته وهذا من عدوه فاستغاثه الذي من شيعته على الذي من عدوه فوكزه موسى فقضى عليه قال هذا من عمل الشيطان إنه عدو مضل مبين } قوله تعالى: {ودخل المدينة} يعني: دخل موسى المدينة. قال السدي: هي مدينة "منف" من أرض مصر. وقال مقاتل: كانت قرية "حابين" على رأس فرسخين من مصر. وقيل: مدينة "عين الشمس" ، {على حين غفلة من أهلها} وقت القائلة واشتغال الناس بالقيلولة. وقال محمد بن كعب القرظي: دخلها فيما بين المغرب والعشاء. واختلفوا في السبب الذي من أجله دخل المدينة في هذا الوقت؛ قال السدي: وذلك أن موسى عليه السلام كان يسمى ابن فرعون، فكان يركب مراكب فرعون ويلبس مثل ملابسه، فركب فرعون يوما وليس عنده موسى، فلما جاء موسى قيل له: إن فرعون قد ركب، فركب في أثره فأدركه المقيل بأرض "منف" فدخلها نصف النهار، وليس في طرفها أحد، فذلك قوله عز وجل: {ودخل المدينة على حين غفلة من أهلها} قال ابن إسحاق: كان لموسى شيعة من بني إسرائيل يستمعون منه ويقتدون به، فلما عرف ما هو عليه من الحق رأى فراق فرعون وقومه، فخالفهم في دينه حتى ذكر ذلك منه وخافوه وخافهم، فكان لا يدخل قرية إلا خائفا مستخيفا، فدخلها يوما على حين غفلة من أهلها. وقال ابن زيد: لما علا موسى فرعون بالعصا في صغره، فأراد فرعون قتله، قالت امرأته: هو صغير، فترك قتله وأمر بإخراجه من مدينته، فلم يدخل عليهم إلا بعد أن كبر وبلغ أشده فدخل المدينة على حين غفلة من أهلها، يعني: عن ذكر موسى، أي: من بعد نسيانهم خبره وأمره لبعد عهدهم به .

قسم V06/P195–V06/P197Beğavî — Meâlimü't-Tenzîl (Tefsîrü'l-Beğavî) (s. V06/P195–V06/P197)

وروي عن علي في قوله: "حين غفلة" كان يوم عيد لهم قد اشتغلوا بلهوهم ولعبهم. {فوجد فيها رجلين يقتتلان} يختصمان ويتنازعان، {هذا من شيعته} بني إسرائيل، {وهذا من عدوه} من القبط، قيل: الذي كان من شيعته السامري، والذي من عدوه من القبط، قيل: طباخ فرعون اسمه فليثون. وقيل: "هذا من شيعته. وهذا من عدوه" أي: هذا مؤمن وهذا كافر، وكان القبطي يسخر الإسرائيلي ليحمل الحطب إلى المطبخ. قال سعيد بن جبير عن ابن عباس: لما بلغ موسى أشده لم يكن أحد من آل فرعون يخلص إلى أحد من بني إسرائيل بظلم حتى امتنعوا كل الامتناع، وكان بنو إسرائيل قد عزوا بمكان موسى، لأنهم كانوا يعلمون أنه منهم، فوجد موسى رجلان يقتتلان أحدهما من بني إسرائيل والآخر من آل فرعون، {فاستغاثه الذي من شيعته على الذي من عدوه} فاستغاثه الإسرائيلي على الفرعوني، والاستغاثة: طلب الغوث، فغضب موسى واشتد غضبه؛ لأنه تناوله وهو يعلم منزلة موسى من بني إسرائيل وحفظه لهم، ولا يعلم الناس إلا أنه من قبل الرضاعة من أم موسى، فقال للفرعوني: خل سبيله، فقال: إنما أخذته ليحمل الحطب إلى مطبخ أبيك، فنازعه، فقال الفرعوني 62/ألقد هممت أن أحمله عليك، وكان موسى قد أوتي بسطة في الخلق وشدة في القوة والبطش، {فوكزه موسى} وقرأ ابن مسعود: "فلكزه موسى"، ومعناهما واحد، وهو الضرب بجمع الكف. وقيل: "الوكز" الضرب في الصدر و"اللكز" في الظهر. وقال الفراء: معناهما واحد، وهو الدفع، قال أبو عبيدة: الوكز الدفع بأطراف الأصابع، وفي بعض التفاسير: عقد موسى ثلاثا وثمانين وضربه في صدره، {فقضى عليه} أي: فقتله وفرغ من أمره، وكل شيء فرغت منه فقد قضيته وقضيت عليه، فندم موسى عليه السلام، ولم يكن قصده القتل، فدفنه في الرمل، {قال هذا من عمل الشيطان إنه عدو مضل مبين} أي: بين الضلالة. {قال رب إني ظلمت نفسي فاغفر لي فغفر له إنه هو الغفور الرحيم قال رب بما أنعمت علي فلن أكون ظهيرا للمجرمين } {قال رب إني ظلمت نفسي} بقتل القبطي من غير أمر، {فاغفر لي فغفر له إنه هو الغفور الرحيم} {قال رب بما أنعمت علي} بالمغفرة، {فلن أكون ظهيرا} عونا، {للمجرمين} قال ابن عباس: للكافرين، وهذا يدل على أن الإسرائيلي الذي أعانه موسى كان كافرا، وهو قول مقاتل، قال قتادة: لن أعين بعدها على خطيئة، قال ابن عباس: لم يستثن فابتلي به في اليوم الثاني. {فأصبح في المدينة خائفا يترقب فإذا الذي استنصره بالأمس يستصرخه قال له موسى إنك لغوي مبين فلما أن أراد أن يبطش بالذي هو عدو لهما قال يا موسى أتريد أن تقتلني كما قتلت نفسا بالأمس إن تريد إلا أن تكون جبارا في الأرض وما تريد أن تكون من المصلحين وجاء رجل من أقصى المدينة يسعى قال يا موسى إن الملأ يأتمرون بك ليقتلوك فاخرج إني لك من الناصحين } {فأصبح في المدينة} أي: في المدينة التي قتل فيها القبطي، {خائفا} من قتله القبطي، {يترقب} ينتظر سوءا، والترقب: انتظار المكروه، قال الكلبي: ينتظر متى يؤخذ به، {فإذا الذي استنصره بالأمس يستصرخه} يستغيثه ويصيح به من بعد. قال ابن عباس: أتي فرعون فقيل له: إن بني إسرائيل قتلوا منا رجلا فخذ لنا بحقنا، فقال: ابغوا لي قاتله ومن يشهد عليه، فلا يستقيم أن يقضي بغير بينة، فبينما هم يطوفون لا يجدون بينة إذ مر موسى من الغد فرأى ذلك الإسرائيلي يقاتل فرعونيا فاستغاثه على الفرعوني فصادف موسى، وقد ندم على ما كان منه بالأمس من قتل القبطي، {قال له موسى} للإسرائيلي: {إنك لغوي مبين} ظاهر الغواية قاتلت بالأمس رجلا فقتلته بسببك، وتقاتل اليوم آخر وتستغيثني عليه؟ وقيل: إنما قال موسى للفرعوني: إنك لغوي مبين بظلمك، والأول أصوب، وعليه الأكثرون أنه قال ذلك للإسرائيلي.

قسم V06/P197–V06/P199Beğavî — Meâlimü't-Tenzîl (Tefsîrü'l-Beğavî) (s. V06/P197–V06/P199)

{فلما أن أراد أن يبطش بالذي هو عدو لهما} وذلك أن موسى أدركته الرقة بالإسرائيلي فمد يده ليبطش بالفرعوني، فظن الإسرائيلي أنه يريد أن يبطش به لما رأى من غضبه وسمع قوله: إنك لغوي مبين، {قال يا موسى أتريد أن تقتلني كما قتلت نفسا بالأمس إن تريد} ما تريد، {إلا أن تكون جبارا في الأرض} بالقتل ظلما، {وما تريد أن تكون من المصلحين} فلما سمع القبطي ما قال الإسرائيلي علم أن موسى هوالذي قتل ذلك الفرعوني، فانطلق إلى فرعون وأخبره بذلك، وأمر فرعون بقتل موسى. قال ابن عباس: فلما أرسل فرعون الذباحين لقتل موسى أخذوا الطريق الأعظم. {وجاء رجل} من شيعة موسى، {من أقصى المدينة} أي: من آخرها، قال أكثر أهل التأويل: اسمه "حزبيل" مؤمن من آل فرعون، وقيل: اسمه "شمعون"، وقيل: "شمعان"، {يسعى} أي: يسرع في مشيه، فأخذ طريقا قريبا حتى سبق إلى موسى فأخبره وأنذروه حتى أخذ طريقا آخر، {قال يا موسى إن الملأ يأتمرون بك} يعني: أشراف قوم فرعون يتشاورون فيك، {ليقتلوك} قال الزجاج: يأمر بعضهم بعضا بقتلك، {فاخرج} من المدينة، {إني لك من الناصحين} في الأمر لك بالخروج. {فخرج منها خائفا يترقب قال رب نجني من القوم الظالمين } {ولما توجه تلقاء مدين قال عسى ربي أن يهديني سواء السبيل ولما ورد ماء مدين وجد عليه أمة من الناس يسقون ووجد من دونهم امرأتين تذودان قال ما خطبكما قالتا لا نسقي حتى يصدر الرعاء وأبونا شيخ كبير } {فخرج منها} موسى، {خائفا يترقب} أي: ينتظر الطلب، {قال رب نجني من القوم الظالمين} الكافرين، وفي القصة: أن فرعون بعث في طلبه حين أخبر بهربه فقال اركبوا ثنيات الطريق فإنه لا يعرف كيف الطريق. {ولما توجه تلقاء مدين} أي: قصد نحوها ماضيا إليها، يقال: داره تلقاء دار فلان، إذا كانت محاذيتها، وأصله من اللقاء، قال الزجاج: يعني سلك الطريق الذي تلقاء مدين فيها، ومدين هو مدين بن إبراهيم، سميت البلدة باسمه، وكان موسى قد خرج خائفا بلا ظهر ولا حذاء ولا زاد، وكانت مدين على مسيرة ثمانية أيام من مصر، {قال عسى ربي أن يهديني سواء السبيل} أي: قصد الطريق إلى مدين، قال ذلك لأنه لم يكن يعرف الطريق إليها قبل، فلما دعا جاءه ملك بيده عنزة فانطلق به إلى مدين. قال المفسرون: خرج موسى من مصر ولم يكن له طعام إلا ورق الشجر والبقل، حتى يرى خضرته في بطنه، وما وصل إلى مدين حتى وقع خف قدميه. قال ابن عباس: وهو أول ابتلاء من الله عز وجل لموسى عليه السلام. {ولما ورد ماء مدين} وهو بئر كانوا يسقون منها مواشيهم، {وجد عليه أمة} جماعة {من الناس يسقون} مواشيهم، {ووجد من دونهم} يعني: سوى الجماعة، {امرأتين تذودان} يعني: تحبسان وتمنعان أغنامهما عن الماء حتى يفرغ الناس وتخلو لهم البئر، قال الحسن: تكفان الغنم عن أن تختلط بأغنام الناس، وقال قتادة: تكفان الناس عن أغنامهما. وقيل: تمنعان أغنامهما عن أن تشذ وتذهب. والقول الأول أصوبها، لما بعده، وهو قوله: {قال} يعني: موسى للمرأتين، {ما خطبكما} ما شأنكما لا تسقيان مواشيكما مع الناس؟ {قالتا لا نسقي} أغنامنا، {حتى يصدر الرعاء} قرأ أبو جعفر، وأبو عمرو، وابن عامر: "يصدر" بفتح الياء وضم الدال على اللزوم، أي: حتى يرجع الرعاء عن الماء، وقرأ الآخرون: بضم الياء وكسر الدال، أي: حتى يصرفوا هم مواشيهم عن الماء، و"الرعاء" جمع راع، مثل: تاجر وتجار. ومعنى الآية: لا نسقي مواشينا حتى يصدر الرعاء، لأنا امرأتان لا نطيق أن نسقي، ولا نستطيع أن نزاحم الرجال، فإذا صدروا سقينا مواشينا ما أفضلت مواشيهم في الحوض.

قسم V06/P199–V06/P201Beğavî — Meâlimü't-Tenzîl (Tefsîrü'l-Beğavî) (s. V06/P199–V06/P201)

{وأبونا شيخ كبير} لا يقدر أن يسقي مواشيه، فلذلك احتجنا نحن إلى سقي الغنم. واختلفوا في اسم أبيهما، فقال مجاهد، والضحاك، والسدي 62/ب والحسن: هو شعيب النبي عليه السلام. وقال وهب بن منبه، وسعيد بن جبير: هو يثرون بن أخي شعيب، وكان شعيب قد مات قبل ذلك بعدما كف بصره، فدفن بين المقام وزمزم. وقيل: رجل ممن آمن بشعيب قالوا: فلما سمع موسى قولهما رحمهما فاقتلع صخرة من رأس بئر أخرى كانت بقربهما لا يطيق رفعها إلا جماعة من الناس. وقال ابن إسحاق: إن موسى زاحم القوم ونحاهم عن رأس البئر، فسقى غنم المرأتين. ويروى: أن القوم لما رجعوا بأغنامهم غطوا رأس البئر بحجر لا يرفعه إلا عشرة نفر، فجاء موسى ورفع الحجر وحده، وسقى غنم المرأتين. ويقال: إنه نزع ذنوبا واحدا ودعا فيه بالبركة، فروى منه جميع الغنم ، فذلك قوله: {فسقى لهما ثم تولى إلى الظل} {فسقى لهما ثم تولى إلى الظل فقال رب إني لما أنزلت إلي من خير فقير فجاءته إحداهما تمشي على استحياء قالت إن أبي يدعوك ليجزيك أجر ما سقيت لنا فلما جاءه وقص عليه القصص قال لا تخف نجوت من القوم الظالمين } {فسقى لهما ثم تولى إلى الظل} ظل شجرة، فجلس في ظلها من شدة الحر وهو جائع، {فقال رب إني لما أنزلت إلي من خير} طعام، {فقير} قال أهل اللغة اللام بمعنى "إلى"، يقال: هو فقير له، وفقير إليه، يقول: إني لما أنزلت إلي من خير، أي: طعام، فقير محتاج، كان يطلب الطعام لجوعه. قال ابن عباس: سأل الله تعالى فلقة خبز يقيم بها صلبه. قال الباقر: لقد قالها وإنه لمحتاج إلى شق تمرة. وقال سعيد بن جبير عن ابن عباس: لقد قال موسى: {رب إني لما أنزلت إلي من خير فقير} وهو أكرم خلقه عليه، ولقد افتقر إلى شق تمرة. وقال مجاهد: ما سأله إلا الخبز . قالوا: فلما رجعتا إلى أبيهما سريعا قبل الناس وأغنامهما حفل بطان، قال لهما: ما أعجلكما؟ قالتا: وجدنا رجلا صالحا رحمنا فسقى لنا أغنامنا، فقال لإحداهما: اذهبي فادعيه لي. قال الله تعالى: {فجاءته إحداهما تمشي على استحياء} قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: ليست بسلفع من النساء خراجة ولاجة، ولكن جاءت مستترة قد وضعت كم درعها على وجهها استحياء، {قالت إن أبي يدعوك ليجزيك أجر ما سقيت لنا} قال أبو حازم سلمة بن دينار: لما سمع ذلك موسى أراد أن لا يذهب، ولكن كان جائعا فلم يجد بدا من الذهاب، فمشت المرأة ومشى موسى خلفها، فكانت الريح تضرب ثوبها فتصف ردفها، فكره موسى أن يرى ذلك منها، فقال لها: امشي خلفي ودليني على الطريق إن أخطأت، ففعلت ذلك، فلما دخل على شعيب إذا هو بالعشاء مهيأ، فقال: اجلس يا شاب فتعش، فقال موسى: أعوذ بالله، فقال شعيب: ولم ذاك ألست بجائع؟ قال: بلى، ولكن أخاف أن يكون هذا عوضا لما سقيت لهما، وإنا من أهل بيت لا نطلب على عمل من أعمال الآخرة عوضا من الدنيا، فقال له شعيب: لا والله يا شاب، ولكنها عادتي وعادة آبائي، نقري الضيف، ونطعم الطعام، فجلس موسى وأكل . {فلما جاءه وقص عليه القصص} يعني: أمره أجمع من قتله القبطي وقصد فرعون قتله، {قال لا تخف نجوت من القوم الظالمين} يعني: فرعون وقومه، وإنما قال هذا لأنه لم يكن لفرعون سلطان على مدين. {قالت إحداهما يا أبت استأجره إن خير من استأجرت القوي الأمين قال إني أريد أن أنكحك إحدى ابنتي هاتين على أن تأجرني ثماني حجج فإن أتممت عشرا فمن عندك وما أريد أن أشق عليك ستجدني إن شاء الله من الصالحين }

قسم V06/P201–V06/P204Beğavî — Meâlimü't-Tenzîl (Tefsîrü'l-Beğavî) (s. V06/P201–V06/P204)

{قالت إحداهما يا أبت استأجره} اتخذه أجيرا ليرعى أغنامنا، {إن خير من استأجرت القوي الأمين} يعني: خير من استعملت من قوي على العمل وأدى الأمانة، فقال لها أبوها: وما علمك بقوته وأمانته؟ قالت: أما قوته: فإنه رفع حجرا من رأس البئر لا يرفعه إلا عشرة. وقيل: إلا أربعون رجلا وأما أمانته: فإنه قال لي امشي خلفي حتى لا تصف الريح بدنك. {قال} شعيب عند ذلك: {إني أريد أن أنكحك إحدى ابنتي هاتين} واسمها "صفورة" و"ليا" في قول شعيب الجبائي، وقال ابن إسحاق: "صفورة" و"شرقا" وقال غيرهما: الكبرى "صفراء" والصغرى "صفيراء". وقيل زوجه الكبرى. وذهب أكثرهم إلى أنه زوجه الصغرى منهما واسمها "صفورة"، وهي التي ذهبت لطلب موسى ، {على أن تأجرني ثماني حجج} يعني: أن تكون أجيرا لي ثمان سنين، قال الفراء: يعني: تجعل ثوابي من تزويجها أن ترعى غنمي ثماني حجج، تقول العرب: آجرك الله بأجرك أي: أثابك، والحجج: السنون، واحدتها حجة، {فإن أتممت عشرا فمن عندك} أي: إن أتممت عشر سنين فذلك تفضل منك وتبرع، ليس بواجب عليك، {وما أريد أن أشق عليك} أي: ألزمك تمام العشر إلا أن تتبرع {ستجدني إن شاء الله من الصالحين} قال عمر: يعني: في حسن الصحبة والوفاء بما قلت. {قال ذلك بيني وبينك أيما الأجلين قضيت فلا عدوان علي والله على ما نقول وكيل } {قال} موسى، {ذلك بيني وبينك} يعني: هذا الشرط بيني وبينك، فما شرطت علي فلك وما شرطت من تزويج إحداهما فلي ، والأمر بيننا، تم الكلام، ثم قال: {أيما الأجلين قضيت} يعني: أي الأجلين: و"ما" صلة، "قضيت": أتممت وفرغت منه، الثمان أو العشر، {فلا عدوان علي} لا ظلم علي بأن أطالب بأكثر منهما، {والله على ما نقول وكيل} قال ابن عباس ومقاتل: شهيد فيما بيني وبينك. وقيل: حفيظ. أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، أخبرنا محمد بن إسماعيل، أخبرنا محمد بن عبد الرحيم، أخبرنا سعيد بن سليمان، أخبرنا مروان بن شجاع، عن سالم الأفطس، عن سعيد بن جبير، قال: سألني يهودي من أهل الحيرة: أي الأجلين قضى موسى؟ قلت: لا أدري حتى أقدم على خير العرب فأسأله، فقدمت فسألت ابن عباس قال: قضى أكثرهما وأطيبهما، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قال فعل وروي عن أبي ذر مرفوعا: إذا سئلت أي الأجلين قضى موسى؟ فقل: خيرهما وأبرهما، وإذا سئلت: فأي المرأتين تزوج؟ فقل: الصغرى منهما، وهي التي جاءت، فقالت يا أبت استأجره، فتزوج أصغرهما وقضى أوفاهما . وقال وهب: أنكحه الكبرى . وروي عن شداد بن أوس مرفوعا: بكى شعيب النبي صلى الله عليه وسلم [من حب الله عز وجل] حتى عمي فرد الله عليه بصره، ثم بكى حتى عمي فرد الله عليه بصره، ثم بكى حتى عمي فرد الله عليه بصره، فقال الله: ما هذا البكاء؟ أشوقا إلى الجنة أم خوفا من النار؟ قال: لا يا رب، ولكن شوقا إلى لقائك، فأوحى الله إليه 63/أإن يكن ذلك فهنيئا لك لقائي [يا شعيب] ، لذلك أخدمتك موسى كليمي . ولما تعاقدا هذا العقد بينهما أمر شعيب ابنته أن تعطي موسى عصا يدفع بها السباع عن غنمه، واختلفوا في تلك العصا؛ قال عكرمة: خرج بها آدم من الجنة فأخذها جبريل بعد موت آدم فكانت معه حتى لقي بها موسى ليلا فدفعها إليه . وقال آخرون: كانت من آس الجنة، حملها آدم من الجنة فتوارثها الأنبياء، وكان لا يأخذها غير نبي إلا أكلته، فصارت من آدم إلى نوح، ثم إلى إبراهيم حتى وصلت إلى شعيب، فكانت عصا الأنبياء عنده فأعطاها موسى. وقال السدي: كانت تلك العصا استودعها إياه ملك في صورة رجل، فأمر ابنته أن تأتيه بعصا فدخلت فأخذت العصا فأتته بها، فلما رآها شعيب قال لها: ردي هذه العصا، وأتيه بغيرها، فألقتها وأرادت أن تأخذ غيرها فلا يقع في يدها إلا هي، حتى فعلت ذلك ثلاث مرات فأعطاها موسى

قسم V06/P204–V06/P206Beğavî — Meâlimü't-Tenzîl (Tefsîrü'l-Beğavî) (s. V06/P204–V06/P206)

فأخرجها موسى معه، ثم إن الشيخ ندم وقال: كانت وديعة، فذهب في أثره، وطلب أن يرد العصا فأبى موسى أن يعطيه. وقال: هي عصاي، فرضيا أن يجعلا بينهما أول رجل يلقاهما، فلقيهما ملك في صورة رجل فحكم أن يطرح العصا فمن حملها فهي له، فطرح موسى العصا فعالجها الشيخ ليأخذها فلم يطقها، فأخذها موسى بيده فرفعها فتركها له الشيخ . ثم إن موسى لما أتم الأجل وسلم شعيب، ابنته إليه، قال موسى للمرأة: اطلبي من أبيك أن يجعل لنا بعض الغنم، فطلبت من أبيها، فقال شعيب: لكما كل ما ولدت هذا العام على غير شيتها . وقيل: أراد شعيب أن يجازي موسى على حسن رعيته إكراما له وصلة لابنته، فقال له إني قد وهبت لك من الجدايا التي تضعها أغنامي هذه السنة كل أبلق وبلقاء، فأوحى الله إلى موسى في المنام أن اضرب بعصاك الماء الذي في مستقى الأغنام قال: فضرب موسى بعصاه الماء ثم سقى الأغنام منه فما أخطأت واحدة منها إلا وضعت حملها ما بين أبلق وبلقاء فعلم شعيب أن ذلك رزق ساقه الله عز وجل إلى موسى وامرأته فوفى له شرطه وسلم الأغنام إليه . {فلما قضى موسى الأجل وسار بأهله آنس من جانب الطور نارا قال لأهله امكثوا إني آنست نارا لعلي آتيكم منها بخبر أو جذوة من النار لعلكم تصطلون } قوله عز وجل: {فلما قضى موسى الأجل} يعني أتمه وفرغ منه، {وسار بأهله} قال مجاهد: لما قضى موسى الأجل مكث بعد ذلك عند صهره عشرا آخر فأقام عنده عشرين سنة ، ثم استأذنه في العود إلى مصر، فأذن له، فخرج بأهله إلى جانب مصر، {آنس} يعني: أبصر، {من جانب الطور نارا} وكان في البرية في ليلة مظلمة، شديدة البرد وأخذ امرأته الطلق، {قال لأهله امكثوا إني آنست نارا لعلي آتيكم منها بخبر} عن الطريق، لأنه كان قد أخطأ الطريق، {أو جذوة من النار} يعني: قطعة وشعلة من النار. وفيها ثلاث لغات، قرأ عاصم: "جذوة" بفتح الجيم، وقرأ حمزة بضمها، وقرأ الآخرون بكسرها، قال قتادة ومقاتل: هي العود الذي قد احترق بعضه، وجمعها "جذى" {لعلكم تصطلون} تستدفئون. {فلما أتاها نودي من شاطئ الوادي الأيمن في البقعة المباركة من الشجرة أن يا موسى إني أنا الله رب العالمين وأن ألق عصاك فلما رآها تهتز كأنها جان ولى مدبرا ولم يعقب يا موسى أقبل ولا تخف إنك من الآمنين اسلك يدك في جيبك تخرج بيضاء من غير سوء واضمم إليك جناحك من الرهب فذانك برهانان من ربك إلى فرعون وملئه إنهم كانوا قوما فاسقين } {فلما أتاها نودي من شاطئ الوادي الأيمن} من جانب الوادي الذي عن يمين موسى، {في البقعة المباركة} لموسى، جعلها الله مباركة لأن الله كلم موسى هناك وبعثه نبيا. وقال عطاء: يريد المقدسة، {من الشجرة} من ناحية الشجرة، قال ابن مسعود: كانت سمرة خضراء تبرق ، وقال قتادة ومقاتل والكلبي: كانت عوسجة . قال وهب من العليق ، وعن ابن عباس رضي الله عنهما: أنها العناب ، {أن يا موسى إني أنا الله رب العالمين} {وأن ألق عصاك فلما رآها تهتز} تتحرك، {كأنها جان} وهي الحية الصغيرة من سرعة حركتها، {ولى مدبرا} هاربا منها، {ولم يعقب} لم يرجع، فنودي: {يا موسى أقبل ولا تخف إنك من الآمنين} {اسلك} أدخل {يدك في جيبك تخرج بيضاء من غير سوء} برص، فخرجت ولها شعاع كضوء الشمس، {واضمم إليك جناحك من الرهب} قرأ أهل الكوفة، والشام: بضم الراء وسكون الهاء، ويفتح الراء حفص، وقرأ الآخرون بفتحهما، وكلها لغات بمعنى الخوف

%0
10 Bölüm

الأسئلة