Qur'an&Sunnahالقرآن

Beğavî - Meâlimü't-Tenzîl (Tefsîrü'l-Beğavî)

İmam Beğavî · AR

قسم V06/P206–V06/P208Beğavî — Meâlimü't-Tenzîl (Tefsîrü'l-Beğavî) (s. V06/P206–V06/P208)

ومعنى الآية: إذا هلك أمر يدك وما ترى من شعاعها فأدخلها في جيبك تعد إلى حالتها الأولى. "والجناح": اليد كلها. وقيل: هو العضد. وقال عطاء عن ابن عباس رضي الله عنهم: أمره الله أن يضم يده إلى صدره فيذهب عنه ما ناله من الخوف عند معاينة الحية، وقال: ما من خائف بعد موسى إلا إذا وضع يده على صدره زال خوفه. قال مجاهد: كل من فزع فضم جناحيه إليه ذهب عنه الفزع. وقيل: المراد من ضم الجناح: السكون، أي: سكن روعك واخفض عليك جانبك، لأن من شأن الخائف أن يضطرب قلبه ويرتعد بدنه، ومثله قوله: "واخفض لهما جناح الذل من الرحمة" (الإسراء-24) ، يريد الرفق، وقوله: "واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين" (الشعراء-215) ، أي: ارفق بهم وألن جانبك لهم. قال الفراء: أراد بالجناح العصا، معناه: اضمم إليك عصاك. وقيل: "الرهب" الكم بلغة حمير، قال الأصمعي: سمعت بعض الأعراب يقول: أعطني ما في رهبك، أي: في كمك، معناه: اضمم إليك يدك وأخرجها من الكم، لأنه تناول العصا ويده في كمه. {فذانك} يعني: العصا، واليد البيضاء، {برهانان} آيتان، {من ربك إلى فرعون وملئه إنهم كانوا قوما فاسقين} {قال رب إني قتلت منهم نفسا فأخاف أن يقتلون وأخي هارون هو أفصح مني لسانا فأرسله معي ردءا يصدقني إني أخاف أن يكذبون } {قال رب إني قتلت منهم نفسا فأخاف أن يقتلون} {وأخي هارون هو أفصح مني لسانا} وإنما قال ذلك للعقدة التي كانت في لسانه من وضع الجمرة في فيه ، {فأرسله معي ردءا} عونا، يقال ردأته أي: أعنته، قرأ نافع {ردا} بفتح الدال من غير همز طلبا للخفة، وقرأ الباقون بسكون الدال مهموزا، {يصدقني} قرأ عاصم، وحمزة: برفع القاف على الحال، أي: رداء مصدقا، وقرأ الآخرون بالجزم على جواب الدعاء والتصديق لهارون في قول الجميع، قال مقاتل: لكي يصدقني 63/ب فرعون، {إني أخاف أن يكذبون} يعني فرعون وقومه. {قال سنشد عضدك بأخيك ونجعل لكما سلطانا فلا يصلون إليكما بآياتنا أنتما ومن اتبعكما الغالبون } {فلما جاءهم موسى بآياتنا بينات قالوا ما هذا إلا سحر مفترى وما سمعنا بهذا في آبائنا الأولين وقال موسى ربي أعلم بمن جاء بالهدى من عنده ومن تكون له عاقبة الدار إنه لا يفلح الظالمون وقال فرعون يا أيها الملأ ما علمت لكم من إله غيري فأوقد لي يا هامان على الطين فاجعل لي صرحا لعلي أطلع إلى إله موسى وإني لأظنه من الكاذبين } {قال سنشد عضدك بأخيك} أي: نقويك بأخيك، وكان هارون يومئذ بمصر، {ونجعل لكما سلطانا} حجة وبرهانا، {فلا يصلون إليكما بآياتنا} أي: لا يصلون إليكما بقتل ولا سوء لمكان آياتنا، وقيل: فيه تقديم وتأخير، تقديره: ونجعل لكما سلطانا بآياتنا بما نعطيكما من المعجزات فلا يصلون إليكما، {أنتما ومن اتبعكما الغالبون} أي: لكما ولأتباعكما الغلبة على فرعون وقومه. {فلما جاءهم موسى بآياتنا بينات} واضحات، {قالوا ما هذا إلا سحر مفترى} مختلق، {وما سمعنا بهذا} بالذي تدعونا إليه، {في آبائنا الأولين} {وقال موسى} قرأ أهل مكة بغير واو، وكذلك هو في مصاحفهم، {ربي أعلم بمن جاء بالهدى من عنده} بالمحق من المبطل، {ومن تكون له عاقبة الدار} العقبى المحمودة في الدار الآخرة، {إنه لا يفلح الظالمون} أي: الكافرون. {وقال فرعون يا أيها الملأ ما علمت لكم من إله غيري فأوقد لي ياهامان على الطين} فاطبخ لي الآجر، وقيل: إنه أول من اتخذ من الآجر وبنى به، {فاجعل لي صرحا} قصرا عاليا، وقيل: منارة، قال أهل التفسير لما أمر فرعون وزيره هامان ببناء الصرح، جمع هامان العمال والفعلة

قسم V06/P208–V06/P210Beğavî — Meâlimü't-Tenzîl (Tefsîrü'l-Beğavî) (s. V06/P208–V06/P210)

حتى اجتمع خمسون ألف بناء سوى الأتباع والأجراء، ومن يطبخ الآجر والجص وينجر الخشب ويضرب المسامير، فرفعوه وشيدوه حتى ارتفع ارتفاعا لم يبلغه بنيان أحد من الخلق، أراد الله عز وجل أن يفتنهم فيه، فلما فرغوا منه ارتقى فرعون فوقه وأمر بنشابة فرمى بها نحو السماء فردت إليه وهي ملطخة دما، فقال قد قتلت إله موسى، وكان فرعون يصعد على البراذين، فبعث الله جبريل جنح غروب الشمس فضربه بجناحه فقطعه ثلاث قطع فوقعت قطعة منها على عسكر فرعون فقتلت منهم ألف ألف رجل، ووقعت قطعة في البحر وقطعة في المغرب، ولم يبق أحد ممن عمل فيه بشيء إلا هلك ، فذلك قوله تعالى: {فأوقد لي ياهامان على الطين فاجعل لي صرحا لعلي أطلع إلى إله موسى} أنظر إليه وأقف على حاله، {وإني لأظنه} يعني موسى، {من الكاذبين} في زعمه أن للأرض والخلق إلها غيري، وأنه رسوله. {واستكبر هو وجنوده في الأرض بغير الحق وظنوا أنهم إلينا لا يرجعون فأخذناه وجنوده فنبذناهم في اليم فانظر كيف كان عاقبة الظالمين وجعلناهم أئمة يدعون إلى النار ويوم القيامة لا ينصرون وأتبعناهم في هذه الدنيا لعنة ويوم القيامة هم من المقبوحين } {واستكبر هو وجنوده في الأرض بغير الحق وظنوا أنهم إلينا لا يرجعون} قرأ نافع، وحمزة، والكسائي ويعقوب: "يرجعون" بفتح الياء وكسر الجيم، [والباقون بضم الياء وفتح الجيم] . {فأخذناه وجنوده فنبذناهم} فألقيناهم، {في اليم فانظر كيف كان عاقبة الظالمين} {وجعلناهم أئمة} قادة ورؤساء، {يدعون إلى النار ويوم القيامة لا ينصرون} لا يمنعون من العذاب. {وأتبعناهم في هذه الدنيا لعنة} خزيا وعذابا، {ويوم القيامة هم من المقبوحين} المبعدين الملعونين، وقال أبو عبيدة: من المهلكين. وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: من المشوهين بسواد الوجوه وزرقة العيون، يقال: قبحه الله وقبحه: إذا جعله قبيحا، ويقال: قبحه قبحا، وقبوحا، إذا أبعده من كل خير. {ولقد آتينا موسى الكتاب من بعد ما أهلكنا القرون الأولى بصائر للناس وهدى ورحمة لعلهم يتذكرون } {وما كنت بجانب الغربي إذ قضينا إلى موسى الأمر وما كنت من الشاهدين ولكنا أنشأنا قرونا فتطاول عليهم العمر وما كنت ثاويا في أهل مدين تتلو عليهم آياتنا ولكنا كنا مرسلين } قوله تعالى: {ولقد آتينا موسى الكتاب من بعد ما أهلكنا القرون الأولى} يعني: قوم نوح وعاد وثمود وغيرهم كانوا قبل موسى، {بصائر للناس} أي: ليبصروا بذلك الكتاب ويهتدوا به، {وهدى} الضلالة لمن عمل به، {ورحمة} لمن آمن به، {لعلهم يتذكرون} بما فيه من المواعظ والبصائر. {وما كنت} يا محمد ، {بجانب الغربي} يعني: بجانب الجبل الغربي، قاله قتادة والسدي، وقال الكلبي: بجانب الوادي الغربي. قال ابن عباس رضي الله عنهما: يريد حيث ناجى موسى ربه، {إذ قضينا إلى موسى الأمر} يعني عهدنا إليه وأحكمنا الأمر معه بالرسالة إلى فرعون وقومه، {وما كنت من الشاهدين} الحاضرين ذلك المقام فتذكره من ذات نفسك. {ولكنا أنشأنا قرونا} خلقنا أمما بعد موسى عليه السلام، {فتطاول عليهم العمر} أي: طالت عليهم المهلة فنسوا عهد الله وتركوا أمره، وذلك أن الله تعالى قد عهد إلى موسى وقومه عهودا في محمد صلى الله عليه وسلم والإيمان به، فلما طال عليهم العمر وخلفت القرون بعد القرون نسوا تلك العهود وتركوا الوفاء بها. {وما كنت ثاويا} مقيما، {في أهل مدين} كمقام موسى وشعيب فيهم، {تتلو عليهم آياتنا} تذكرهم بالوعد والوعيد، قال مقاتل: يقول لم تشهد أهل مدين فتقرأ على أهل مكة خبرهم، {ولكنا كنا مرسلين} أي: أرسلناك رسولا وأنزلنا عليك كتابا فيه هذه الأخبار، فتتلوها عليهم ولولا ذلك لما علمتها ولم تخبرهم بها. {وما كنت بجانب الطور إذ نادينا ولكن رحمة من ربك لتنذر قوما ما أتاهم من نذير من قبلك لعلهم يتذكرون ولولا أن تصيبهم مصيبة بما قدمت أيديهم فيقولوا ربنا لولا أرسلت إلينا رسولا فنتبع آياتك ونكون من المؤمنين }

قسم V06/P210–V06/P212Beğavî — Meâlimü't-Tenzîl (Tefsîrü'l-Beğavî) (s. V06/P210–V06/P212)

{وما كنت بجانب الطور} بناحية الجبل الذي كلم الله عليه موسى، {إذ نادينا} قيل: إذ نادينا موسى: خذ الكتاب بقوة . وقال وهب: قال موسى: يا رب أرني محمدا، قال: إنك لن تصل إلى ذلك، وإن شئت ناديت أمته وأسمعتك صوتهم، قال: بلى يا رب، قال الله تعالى: يا أمة محمد فأجابوه من أصلاب آبائهم وقال أبو زرعة بن عمرو بن جرير: ونادى يا أمة محمد قد أجبتكم قبل أن تدعوني وأعطيتكم قبل أن تسألوني . وروي عن ابن عباس رضي الله عنهما -ورفعه بعضهم-، قال الله: يا أمة محمد، فأجابوه من أصلاب الآباء وأرحام الأمهات: لبيك اللهم لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك. قال الله تعالى: يا أمة محمد إن رحمتي سبقت غضبي وعفوي سبق عقابي، قد أعطيتكم من قبل أن تسألوني وقد أجبتكم من قبل أن تدعوني، وقد غفرت لكم من قبل أن تعصوني، من جاءني يوم القيامة بشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبدي ورسولي دخل الجنة، وإن كانت ذنوبه أكثر من زبد البحر . قوله تعالى: {ولكن رحمة من ربك} أي: ولكن رحمناك رحمة بإرسالك والوحي إليك وإطلاعك على الأخبار الغائبة عنك 64/أ، {لتنذر قوما ما أتاهم من نذير من قبلك} يعني: أهل مكة، {لعلهم يتذكرون} {ولولا أن تصيبهم مصيبة} عقوبة ونقمة، {بما قدمت أيديهم} الكفر والمعصية، {فيقولوا ربنا لولا} هلا {أرسلت إلينا رسولا فنتبع آياتك ونكون من المؤمنين} وجواب "لولا" محذوف، أي: لعاجلناهم بالعقوبة، يعني: لولا أنهم يحتجون بترك الإرسال إليهم لعاجلناهم بالعقوبة بكفرهم. وقيل: معناه لما بعثناك إليهم رسولا ولكن بعثناك إليهم لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل. {فلما جاءهم الحق من عندنا قالوا لولا أوتي مثل ما أوتي موسى أولم يكفروا بما أوتي موسى من قبل قالوا سحران تظاهرا وقالوا إنا بكل كافرون قل فأتوا بكتاب من عند الله هو أهدى منهما أتبعه إن كنتم صادقين فإن لم يستجيبوا لك فاعلم أنما يتبعون أهواءهم ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله إن الله لا يهدي القوم الظالمين } {فلما جاءهم الحق من عندنا} يعني محمدا صلى الله عليه وسلم، {قالوا} يعني: كفار مكة، {لولا} هلا {أوتي} محمد، {مثل ما أوتي موسى} [من الآيات كاليد البيضاء والعصا وقيل: مثل ما أوتي موسى] كتابا جملة واحدة. قال الله تعالى: {أولم يكفروا بما أوتي موسى من قبل} أي: فقد كفروا بآيات موسى كما كفروا بآيات محمد {قالوا سحران تظاهرا} قرأ أهل الكوفة: "سحران"، أي: التوراة والقرآن: "تظاهرا" يعني: كل سحر يقوي الآخر، نسب التظاهر إلى السحرين على الاتساع، قال الكلبي: كانت مقالتهم تلك حين بعثوا إلى رءوس اليهود بالمدينة، فسألوهم عن محمد فأخبروهم أن نعته في كتابهم التوراة، فرجعوا فأخبروهم بقول اليهود، فقالوا: سحران تظاهرا. وقرأ الآخرون: "ساحران" يعنون محمدا وموسى عليه السلام، لأن معنى التظاهر بالناس وأفعالهم أشبه منه بالكتب، {وقالوا إنا بكل كافرون} {قل} يا محمد، {فأتوا بكتاب من عند الله هو أهدى منهما} يعني: من التوراة والقرآن، {أتبعه إن كنتم صادقين} {فإن لم يستجيبوا لك} أي: لم يأتوا بما طلبت، {فاعلم أنما يتبعون أهواءهم ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله إن الله لا يهدي القوم الظالمين} {ولقد وصلنا لهم القول لعلهم يتذكرون الذين آتيناهم الكتاب من قبله هم به يؤمنون } {ولقد وصلنا لهم القول} قال ابن عباس رضي الله عنهما: بينا. قال الفراء: أنزلنا آيات القرآن يتبع بعضها بعضا. قال قتادة: وصل لهم القول في هذا القرآن، يعني كيف صنع بمن مضى. قال مقاتل: بينا لكفار مكة بما في القرآن من أخبار الأمم الخالية كيف عذبوا بتكذيبهم. وقال ابن زيد: وصلنا لهم خبر الدنيا بخبر الآخرة حتى كأنهم عاينوا الآخرة في الدنيا، {لعلهم يتذكرون}

قسم V06/P212–V06/P214Beğavî — Meâlimü't-Tenzîl (Tefsîrü'l-Beğavî) (s. V06/P212–V06/P214)

{الذين آتيناهم الكتاب من قبله} من قبل محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وقيل: من قبل القرآن، {هم به يؤمنون} نزلت في مؤمني أهل الكتاب؛ عبد الله بن سلام وأصحابه . وقال مقاتل: بل هم أهل الإنجيل الذين قدموا من الحبشة وآمنوا بالنبي صلى الله عليه وسلم . [وقال سعيد بن جبير: هم أربعون رجلا قدموا مع جعفر من الحبشة على النبي صلى الله عليه وسلم] ، فلما رأوا ما بالمسلمين من الخصاصة قالوا: يا نبي الله إن لنا أموالا [فإن أذنت لنا انصرفنا] وجئنا بأموالنا فواسينا المسلمين بها [فأذن لهم، فانصرفوا فأتوا بأموالهم، فواسوا بها المسلمين] ، فنزل فيهم: {الذين آتيناهم الكتاب} إلى قوله تعالى: {ومما رزقناهم ينفقون} . وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: نزلت في ثمانين من أهل الكتاب، أربعون من نجران، واثنان وثلاثون من الحبشة، وثمانية من الشام . ثم وصفهم الله فقال: {وإذا يتلى عليهم} {وإذا يتلى عليهم قالوا آمنا به إنه الحق من ربنا إنا كنا من قبله مسلمين أولئك يؤتون أجرهم مرتين بما صبروا ويدرءون بالحسنة السيئة ومما رزقناهم ينفقون وإذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه وقالوا لنا أعمالنا ولكم أعمالكم سلام عليكم لا نبتغي الجاهلين } {وإذا يتلى عليهم} يعني القرآن، {قالوا آمنا به إنه الحق من ربنا} وذلك أن ذكر النبي صلى الله عليه وسلم كان مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل، {إنا كنا من قبله مسلمين} أي: من قبل القرآن مسلمين مخلصين لله بالتوحيد مؤمنين بمحمد صلى الله عليه وسلم أنه نبي حق. {أولئك يؤتون أجرهم مرتين} لإيمانهم بالكتاب الأول وبالكتاب الآخر، {بما صبروا} على دينهم. قال مجاهد: نزلت في قوم من أهل الكتاب أسلموا فأوذوا أخبرنا أبو الحسن محمد بن محمد السرخسي، أخبرنا أبو علي زاهر بن أحمد، أخبرنا أبو عبد الله محمد بن حفص الجويني، أخبرنا أحمد بن سعيد الدارمي، أخبرنا عثمان، أخبرنا شعبة، عن صالح، عن الشعبي، عن أبي بردة، عن أبي موسى الأشعري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "ثلاثة يؤتون أجرهم مرتين: رجل كانت له جارية فأدبها فأحسن تأديبها ثم أعتقها وتزوجها، ورجل من أهل الكتاب آمن بكتابه وآمن بمحمد صلى الله عليه وسلم، وعبد أحسن عبادة الله ونصح سيده" . قوله عز وجل: {ويدرءون بالحسنة السيئة} قال ابن عباس رضي الله عنهما: يدفعون بشهادة أن لا إله إلا الله الشرك، قال مقاتل: يدفعون ما سمعوا من الأذى والشتم من المشركين بالصفح والعفو ، {ومما رزقناهم ينفقون} في الطاعة. {وإذا سمعوا اللغو} القبيح من القول، {أعرضوا عنه} وذلك أن المشركين كانوا يسبون مؤمني أهل الكتاب ويقولون: تبا لكم تركتم دينكم، فيعرضون عنهم ولا يردون عليهم، {وقالوا لنا أعمالنا ولكم أعمالكم} لنا ديننا ولكم دينكم، {سلام عليكم} ليس المراد منه سلام التحية، ولكنه سلام المتاركة، معناه: سلمتم منا لا نعارضكم بالشتم والقبيح من القول، {لا نبتغي الجاهلين} أي: دين الجاهلين، يعني: لا نحب دينكم الذي أنتم عليه. وقيل: لا نريد أن نكون من أهل الجهل والسفه، وهذا قبل أن يؤمر المسلمون بالقتال . {إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء وهو أعلم بالمهتدين وقالوا إن نتبع الهدى معك نتخطف من أرضنا أولم نمكن لهم حرما آمنا يجبى إليه ثمرات كل شيء رزقا من لدنا ولكن أكثرهم لا يعلمون } قوله تعالى: {إنك لا تهدي من أحببت} أي: أحببت هدايته. وقيل: أحببته لقرابته، {ولكن الله يهدي من يشاء وهو أعلم بالمهتدين} قال مجاهد، ومقاتل: لمن قدر له الهدى، نزلت في أبي طالب قال له النبي صلى الله عليه وسلم: قل لا إله إلا الله، أشهد لك بها يوم القيامة، قال: لولا أن تعيرني قريش، يقولون: إنما حمله على ذلك الجزع، لأقررت بها عينك، فأنزل الله تعالى هذه الآية .

قسم V06/P214–V06/P216Beğavî — Meâlimü't-Tenzîl (Tefsîrü'l-Beğavî) (s. V06/P214–V06/P216)

{وقالوا إن نتبع الهدى معك نتخطف من أرضنا} مكة، نزلت في الحرث بن عثمان بن نوفل بن عبد مناف، وذلك أنه قال للنبي صلى الله عليه وسلم: إنا لنعلم أن الذي تقول حق، ولكنا إن اتبعناك على دينك خفنا أن تخرجنا العرب من أرضنا مكة . وهو معنى قوله: {نتخطف من أرضنا} 64/ب، والاختطاف: الانتزاع بسرعة. قال الله تعالى: {أولم نمكن لهم حرما آمنا} وذلك أن العرب في الجاهلية كانت تغير بعضهم على بعض، ويقتل بعضهم بعضا، وأهل مكة آمنون حيث كانوا، لحرمة الحرم، ومن المعروف أنه كان يأمن فيه الظباء من الذئاب والحمام من الحدأة، {يجبى} قرأ أهل المدينة ويعقوب: "تجبى" بالتاء لأجل الثمرات، والآخرون بالياء للحائل بين الاسم المؤنث والفعل، أي: يجلب ويجمع، {إليه} يقال: جبيت الماء في الحوض أي: جمعته، قال مقاتل: يحمل إلى الحرم، {ثمرات كل شيء رزقا من لدنا ولكن أكثرهم لا يعلمون} أن ما يقوله حق. {وكم أهلكنا من قرية بطرت معيشتها فتلك مساكنهم لم تسكن من بعدهم إلا قليلا وكنا نحن الوارثين وما كان ربك مهلك القرى حتى يبعث في أمها رسولا يتلو عليهم آياتنا وما كنا مهلكي القرى إلا وأهلها ظالمون } {وما أوتيتم من شيء فمتاع الحياة الدنيا وزينتها وما عند الله خير وأبقى أفلا تعقلون أفمن وعدناه وعدا حسنا فهو لاقيه كمن متعناه متاع الحياة الدنيا ثم هو يوم القيامة من المحضرين } قوله عز وجل: {وكم أهلكنا من قرية} [أي من أهل قرية] ، {بطرت معيشتها} أي: في معيشتها، أي: أشرت وطغت، قال عطاء: عاشوا في البطر فأكلوا رزق الله وعبدوا الأصنام، {فتلك مساكنهم لم تسكن من بعدهم إلا قليلا} قال ابن عباس رضي الله عنهما: لم يسكنها إلا المسافرون ومار الطريق يوما أو ساعة، معناه: لم تسكن من بعدهم إلا سكونا قليلا. وقيل: معناه: لم يعمر منها إلا أقلها وأكثرها خراب، {وكنا نحن، الوارثين} "إنا نحن نرث الأرض ومن عليها" (مريم-40) . {وما كان ربك مهلك القرى} أي: القرى الكافر أهلها، {حتى يبعث في أمها رسولا} يعني: في أكبرها وأعظمها رسولا ينذرهم، وخص الأعظم ببعثة الرسول فيها، لأن الرسول يبعث إلى الأشراف، والأشراف يسكنون المدائن، والمواضع التي هي أم ما حولها، {يتلو عليهم آياتنا} قال مقاتل: يخبرهم الرسول أن العذاب نازل بهم إن لم يؤمنوا، {وما كنا مهلكي القرى إلا وأهلها ظالمون} مشركون، يريد: أهلكتهم بظلمهم. {وما أوتيتم من شيء فمتاع الحياة الدنيا وزينتها} تتمتعون بها أيام حياتكم ثم هي إلى فناء وانقضاء، {وما عند الله خير وأبقى أفلا تعقلون} أن الباقي خير من الفاني. قرأ عامة القراء: "تعقلون" بالتاء وأبو عمرو بالخيار بين التاء والياء. {أفمن وعدناه وعدا حسنا} أي الجنة {فهو لاقيه} مصيبه ومدركه وصائر إليه {كمن متعناه متاع الحياة الدنيا} ويزول عن قريب {ثم هو يوم القيامة من المحضرين} النار، قال قتادة: يعني المؤمن والكافر، قال مجاهد: نزلت في النبي صلى الله عليه وسلم وأبي جهل . وقال محمد بن كعب: نزلت في حمزة وعلي، وأبي جهل . وقال السدي: نزلت في عمار والوليد بن المغيرة . {ويوم يناديهم فيقول أين شركائي الذين كنتم تزعمون قال الذين حق عليهم القول ربنا هؤلاء الذين أغوينا أغويناهم كما غوينا تبرأنا إليك ما كانوا إيانا يعبدون وقيل ادعوا شركاءكم فدعوهم فلم يستجيبوا لهم ورأوا العذاب لو أنهم كانوا يهتدون ويوم يناديهم فيقول ماذا أجبتم المرسلين } {ويوم يناديهم فيقول أين شركائي الذين كنتم تزعمون} في الدنيا أنهم شركائي. {قال الذين حق عليهم القول} وجب عليهم العذاب وهم رءوس الضلالة، {ربنا هؤلاء الذين أغوينا} أي: دعوناهم إلى الغي، وهم الأتباع، {أغويناهم كما غوينا} أضللناهم كما ضللنا، {تبرأنا إليك} منهم {ما كانوا إيانا يعبدون} برئ بعضهم من بعض وصاروا أعداء، كما قال تعالى: "الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو" (الزخرف-67) .

قسم V06/P216–V06/P219Beğavî — Meâlimü't-Tenzîl (Tefsîrü'l-Beğavî) (s. V06/P216–V06/P219)

{وقيل} للكفار: {ادعوا شركاءكم} أي: الأصنام لتخلصكم من العذاب، {فدعوهم فلم يستجيبوا لهم} يجيبوهم، {ورأوا العذاب لو أنهم كانوا يهتدون} وجواب "لو" محذوف على تقدير: لو أنهم كانوا يهتدون في الدنيا ما رأوا العذاب. {ويوم يناديهم} أي: يسأل الله الكفار، {فيقول ماذا أجبتم المرسلين} {فعميت عليهم الأنباء يومئذ فهم لا يتساءلون فأما من تاب وآمن وعمل صالحا فعسى أن يكون من المفلحين وربك يخلق ما يشاء ويختار ما كان لهم الخيرة سبحان الله وتعالى عما يشركون وربك يعلم ما تكن صدورهم وما يعلنون وهو الله لا إله إلا هو له الحمد في الأولى والآخرة وله الحكم وإليه ترجعون } {فعميت} خفيت واشتبهت {عليهم الأنباء} أي: الأخبار والأعذار، وقال مجاهد: الحجج، {يومئذ} فلا يكون لهم عذر ولا حجة، {فهم لا يتساءلون} لا يجيبون، وقال قتادة: لا يحتجون، وقيل: يسكتون لا يسأل بعضهم بعضا. {فأما من تاب وآمن وعمل صالحا فعسى أن يكون من المفلحين} السعداء الناجين. قوله تعالى: {وربك يخلق ما يشاء ويختار} نزلت هذه الآية جوابا للمشركين حين قالوا: "لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم"، يعني: الوليد بن المغيرة، أو عروة بن مسعود الثقفي ، أخبر الله تعالى أنه لا يبعث الرسل باختيارهم. قوله عز وجل: {ما كان لهم الخيرة} قيل: "ما" للإثبات، معناه: ويختار الله ما كان لهم الخيرة، أي: يختار ما هو الأصلح والخير . وقيل: هو للنفي أي: ليس إليهم الاختيار، وليس لهم أن يختاروا على الله، كما قال تعالى: "وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة" (الأحزاب-36) ، "والخيرة": اسم من الاختيار يقام مقام المصدر، وهي اسم للمختار أيضا كما يقال: محمد خيرة الله من خلقه. ثم نزه نفسه فقال: {سبحان الله وتعالى عما يشركون} {وربك يعلم ما تكن صدورهم وما يعلنون} يظهرون. {وهو الله لا إله إلا هو له الحمد في الأولى والآخرة} يحمده أولياؤه في الدنيا، ويحمدونه في الآخرة في الجنة، {وله الحكم} فصل القضاء بين الخلق. قال ابن عباس رضي الله عنهما: حكم لأهل طاعته بالمغفرة ولأهل معصيته بالشقاء، {وإليه ترجعون} {قل أرأيتم إن جعل الله عليكم الليل سرمدا إلى يوم القيامة من إله غير الله يأتيكم بضياء أفلا تسمعون قل أرأيتم إن جعل الله عليكم النهار سرمدا إلى يوم القيامة من إله غير الله يأتيكم بليل تسكنون فيه أفلا تبصرون ومن رحمته جعل لكم الليل والنهار لتسكنوا فيه ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون ويوم يناديهم فيقول أين شركائي الذين كنتم تزعمون ونزعنا من كل أمة شهيدا فقلنا هاتوا برهانكم فعلموا أن الحق لله وضل عنهم ما كانوا يفترون } قوله عز وجل: {قل أرأيتم} أخبروني يا أهل مكة {إن جعل الله عليكم الليل سرمدا} دائما، {إلى يوم القيامة} لا نهار معه، {من إله غير الله يأتيكم بضياء} بنهار تطلبون فيه المعيشة، {أفلا تسمعون} سماع فهم وقبول. {قل أرأيتم إن جعل الله، عليكم النهار سرمدا إلى يوم القيامة} لا دليل فيه، {من إله غير الله يأتيكم بليل تسكنون فيه أفلا تبصرون} ما أنتم عليه من الخطأ. {ومن رحمته جعل لكم الليل والنهار لتسكنوا فيه} أي: في الليل، {ولتبتغوا من فضله} بالنهار، {ولعلكم تشكرون} نعم الله عز وجل. {ويوم يناديهم فيقول أين شركائي الذين كنتم تزعمون} كرر ذكر النداء للمشركين لزيادة التقريع والتوبيخ. {ونزعنا} أخرجنا، {من كل أمة شهيدا} يعني: رسولهم الذي أرسل إليهم، كما قال: "فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد" (النساء-41) ، {فقلنا هاتوا برهانكم} حجتكم بأن معي شريكا. {فعلموا أن الحق} التوحيد، {لله وضل عنهم ما كانوا يفترون} في الدنيا. {إن قارون كان من قوم موسى فبغى عليهم وآتيناه من الكنوز ما إن مفاتحه لتنوء بالعصبة أولي القوة إذ قال له قومه لا تفرح إن الله لا يحب الفرحين }

قسم V06/P219–V06/P222Beğavî — Meâlimü't-Tenzîl (Tefsîrü'l-Beğavî) (s. V06/P219–V06/P222)

قوله عز وجل: {إن قارون كان من قوم موسى} كان ابن عمه؛ لأنه قارون بن يصهر 65/أبن قاهث بن لاوي بن يعقوب عليه السلام وموسى بن عمران بن قاهث، وقال ابن إسحاق: كان قارون عم موسى، كان أخا عمران، وهما ابنا يصهر، ولم يكن في بني إسرائيل أقرأ للتوراة من قارون، ولكنه نافق كما نافق السامري، {فبغى عليهم} قيل: كان عاملا لفرعون على بني إسرائيل، فكان يبغي عليهم ويظلمهم، وقال قتادة: بغى عليهم بكثرة المال. وقال الضحاك: بغى عليهم بالشرك. وقال شهر بن حوشب: زاد في طول ثيابه شبرا، وروينا عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا ينظر الله يوم القيامة إلى من جر ثوبه خيلاء" وقيل: بغى عليهم بالكبر والعلو. {وآتيناه من الكنوز ما إن مفاتحه} هي جمع مفتح وهو الذي يفتح به الباب، هذا قول قتادة ومجاهد وجماعة، وقيل: مفاتحه: خزائنه، كما قال: "وعنده مفاتح الغيب" (الأنعام-59) ، أي: خزائنه، {لتنوء بالعصبة أولي القوة} أي: لتثقلهم، وتميل بهم إذا حملوها لثقلها، قال أبو عبيدة: هذا من المقلوب، تقديره: ما إن العصبة لتنوء بها، يقال: ناء فلان بكذا إذا نهض به مثقلا. واختلفوا في عدد العصبة، قال مجاهد: ما بين العشرة إلى خمسة عشر، وقال الضحاك عن ابن عباس رضي الله عنهما: ما بين الثلاثة إلى العشرة. وقال قتادة: ما بين العشرة إلى الأربعين. وقيل: أربعون رجلا. وقيل: سبعون. وروي عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كان يحمل مفاتحه أربعون رجلا أقوى ما يكون من الرجال. وقال جرير عن منصور عن خيثمة، قال: وجدت في الإنجيل أن مفاتيح خزائن قارون وقر ستين بغلا ما يزيد منها مفتاح على أصبع لكل مفتاح كنز . ويقال: كان قارون أينما ذهب يحمل معه مفاتيح كنوزه، وكانت من حديد، فلما ثقلت عليه جعلها من خشب، فثقلت فجعلها من جلود البقر على طول الأصابع، وكانت تحمل معه إذا ركب على أربعين بغلا . {إذ قال له قومه} قال لقارون قومه من بني إسرائيل: {لا تفرح} لا تبطر ولا تأشر ولا تمرح، {إن الله لا يحب، الفرحين} الأشرين البطرين الذين لا يشكرون الله على ما أعطاهم. {وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا وأحسن كما أحسن الله إليك ولا تبغ الفساد في الأرض إن الله لا يحب المفسدين } {وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة} اطلب فيما أعطاك الله من الأموال والنعمة والجنة وهو أن تقوم بشكر الله فيما أنعم عليك وتنفقه في رضا الله تعالى، {ولا تنس نصيبك من الدنيا} قال مجاهد، وابن زيد: لا تترك أن تعمل في الدنيا للآخرة حتى تنجو من العذاب، لأن حقيقة نصيب الإنسان من الدنيا أن يعمل للآخرة. وقال السدي: بالصدقة وصلة الرحم. وقال علي: لا تنس صحتك وقوتك وشبابك وغناك أن تطلب بها الآخرة. أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أبو الحسن أحمد بن محمد بن شاذان، أخبرنا أبو يزيد حاتم بن محبوب الشامي، أخبرنا حسين المروزي، أخبرنا عبد الله بن المبارك، أخبرنا جعفر بن برقان، عن زياد بن الجراح، عن عمرو بن ميمون الأودي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لرجل: وهو يعظه: "اغتنم خمسا قبل خمس: شبابك قبل هرمك، وصحتك قبل سقمك، وغناك قبل فقرك، وفراغك قبل شغلك، وحياتك قبل موتك" الحديث مرسل . قال الحسن: أمر أن يقدم الفضل ويمسك ما يغنيه، قال منصور بن زاذان في قوله: "ولا تنس نصيبك من الدنيا"، قال: قوتك وقوت أهلك. {وأحسن كما أحسن الله إليك} [أي: أحسن بطاعة الله] كما أحسن الله إليك بنعمته. وقيل: أحسن إلى النار كما أحسن الله إليك، {ولا تبغ الفساد في الأرض} من عصى الله فقد طلب الفساد في الأرض، {إن الله لا يحب المفسدين}

قسم V06/P222Beğavî — Meâlimü't-Tenzîl (Tefsîrü'l-Beğavî) (s. V06/P222)

{قال إنما أوتيته على علم عندي أولم يعلم أن الله قد أهلك من قبله من القرون من هو أشد منه قوة وأكثر جمعا ولا يسأل عن ذنوبهم المجرمون فخرج على قومه في زينته قال الذين يريدون الحياة الدنيا يا ليت لنا مثل ما أوتي قارون إنه لذو حظ عظيم } {قال} يعني قارون، {إنما أوتيته على علم عندي} أي: على فضل وخير علمه الله عندي فرآني أهلا لذلك، ففضلني بهذا المال عليكم كما فضلني بغيره. قيل: هو علم الكيمياء، قال سعيد بن المسيب: كان موسى يعلم الكيمياء فعلم يوشع بن نون ثلث ذلك العلم وعلم كالب بن يوقنا ثلثه وعلم قارون ثلثه، فخدعهما قارون حتى أضاف علمهما إلى علمه وكان ذلك سبب أمواله . وقيل: "على علم عندي" بالتصرف في التجارات والزراعات وأنواع المكاسب. قوله تعالى: {أولم يعلم أن الله قد أهلك من قبله من القرون} الكافرة، {من هو أشد منه قوة وأكثر جمعا} للأموال، {ولا يسأل عن ذنوبهم، المجرمون} قال قتادة: يدخلون النار بغير حساب ولا سؤال، وقال مجاهد: يعني لا يسأل الملائكة عنهم، لأنهم يعرفونهم بسيماهم. قال الحسن: لا يسألون سؤال استعلام وإنما يسألون سؤال تقريع وتوبيخ. {فخرج على قومه في زينته} قال إبراهيم النخعي: خرج هو وقومه في ثياب حمر وصفر، قال ابن زيد: في سبعين ألفا عليهم المعصفرات. [قال مجاهد: على براذين بيض عليها سرج الأرجوان] قال مقاتل: خرج على بغلة شهباء عليها سرج من ذهب عليه الأرجوان، ومعه أربعة آلاف فارس عليهم وعلى دوابهم الأرجوان، ومعه ثلثمائة جارية بيض عليهن الحلي والثياب الحمر، وهن على البغال الشهب، {قال الذين يريدون الحياة الدنيا يا ليت لنا مثل ما أوتي قارون إنه لذو حظ عظيم} من المال. {وقال الذين أوتوا العلم ويلكم ثواب الله خير لمن آمن وعمل صالحا ولا يلقاها إلا الصابرون فخسفنا به وبداره الأرض فما كان له من فئة ينصرونه من دون الله وما كان من المنتصرين } {وقال الذين أوتوا العلم} قال ابن عباس رضي الله عنهما: يعني الأحبار من بني إسرائيل. وقال مقاتل: أوتوا العلم بما وعد الله في الآخرة، قالوا للذين تمنوا مثل ما أوتي قارون في الدنيا: {ويلكم ثواب الله خير} يعني ما عند الله من الثواب والجزاء خير {لمن آمن} وصدق بتوحيد الله، {وعمل صالحا} مما أوتي قارون في الدنيا، {ولا يلقاها إلا الصابرون} قال مقاتل: لا يؤتاها، يعني الأعمال الصالحة. وقال الكلبي لا يعطاها في الآخرة. وقيل: لا يؤتى هذه الكلمة وهي قوله: "ويلكم ثواب الله خير" إلا الصابرون على طاعة الله وعن زينة الدنيا.

قسم V06/P222–V06/P223Beğavî — Meâlimü't-Tenzîl (Tefsîrü'l-Beğavî) (s. V06/P222–V06/P223)

قوله عز وجل: {فخسفنا به وبداره الأرض} قال أهل العلم بالأخبار: كان قارون أعلم بني إسرائيل بعد موسى وهارون عليهما السلام وأقرأهم للتوراة وأجملهم وأغناهم 65/ب وكان حسن الصوت فبغى وطغى، وكان أول طغيانه وعصيانه أن الله أوحى إلى موسى أن يأمر قومه أن يعقلوا في أرديتهم خيوطا أربعة في كل طرف خيطا أزرق كلون السماء، يذكرون به إذا نظروا إليها، ويعلمون أني منزل منها كلامي، فقال موسى: يا رب أفلا تأمرهم أن يجعلوا أرديتهم كلها خضرا فإن بني إسرائيل تحقر هذه الخيوط، فقال له ربه: يا موسى إن الصغير من أمري ليس بصغير فإذا هم لم يطيعوني في الأمر الصغير لم يطيعوني في الأمر الكبير، [فدعاهم موسى عليه السلام] ، وقال: إن الله يأمركم أن تعلقوا في أرديتكم خيوطا خضرا كلون السماء لكي تذكروا ربكم إذا رأيتموها، ففعلت بنو إسرائيل ما أمرهم به موسى، واستكبر قارون فلم يطعه، وقال: إنما يفعل هذا الأرباب، بعبيدهم لكي يتميزوا عن غيرهم، فكان هذا بدء عصيانه وبغيه فلما قطع موسى ببني إسرائيل البحر جعلت الحبورة لهارون، وهي رياسة المذبح، فكان بنو إسرائيل يأتون بهديهم إلى هارون فيضعه على المذبح فتنزل نار من السماء فتأكله، فوجد قارون من ذلك من نفسه وأتى موسى فقال: يا موسى لك الرسالة ولهارون الحبورة، ولست، في شيء من ذلك، وأنا أقرأ التوراة، لا صبر لي على هذا. فقال له موسى: ما أنا جعلتها في هارون بل الله جعلها له. فقال قارون: والله لا أصدقك حتى تريني بيانه، فجمع موسى رؤساء بني إسرائيل فقال: هاتوا عصيكم، فحزمها وألقاها في قبته التي كان يعبد الله فيها، فجعلوا يحرسون عصيهم حتى أصبحوا، فأصبحت عصا هارون قد اهتز لها ورق أخضر وكانت من شجر اللوز، فقال موسى: يا قارون ترى هذا؟ فقال قارون: والله ما هذا بأعجب مما تصنع من السحر، واعتزل قارون، موسى بأتباعه، وجعل موسى يداريه للقرابة التي بينهما وهو يؤذيه في كل وقت ولا يزيد إلا عتوا وتجبرا ومعاداة لموسى، حتى بنى دارا وجعل بابها من الذهب، وضرب على جدرانها صفائح الذهب، وكان الملأ من بني إسرائيل يغدون إليه ويروحون فيطعمهم الطعام ويحدثونه ويضاحكونه. قال ابن عباس رضي الله عنهما، فلما نزلت الزكاة على موسى أتاه قارون فصالحه عن كل ألف دينار على دينار، وعن كل ألف درهم على درهم، وعن كل ألف شاة على شاة، وعن كل ألف شيء على شيء، ثم رجع إلى بيته فحسبه فوجده كثيرا فلم تسمح بذلك نفسه، فجمع بني إسرائيل فقال لهم: يا بني إسرائيل إن موسى قد أمركم بكل شيء فأطعتموه، وهو الآن يريد أن يأخذ أموالكم، فقالوا: أنت كبيرنا فمرنا بما شئت، فقال: آمركم أن تجيئوا بفلانة البغي، فنجعل لها جعلا حتى تقذف موسى بنفسها، فإذا فعلت ذلك خرج بنو إسرائيل عليه ورفضوه، فدعوها فجعل لها قارون ألف درهم، وقيل ألف دينار، وقيل طستا من ذهب، وقيل: قال لها إني أمولك وأخلطك بنسائي على أن تقذفي موسى بنفسك غدا إذا حضر بنو إسرائيل، فلما كان من الغد جمع قارون بني إسرائيل ثم أتى موسى فقال: إن بني إسرائيل ينتظرون خروجك فتأمرهم وتنهاهم، فخرج إليهم موسى وهم في براح من الأرض، فقام فقال: يا بني إسرائيل من سرق قطعنا يده، ومن افترى جلدناه ثمانين، ومن زنا وليست له امرأة جلدناه مائة جلدة، ومن زنا وله امرأة رجمناه حتى يموت، فقال له قارون: وإن كنت أنت؟ قال: وإن كنت، أنا، قال: فإن بني إسرائيل يزعمون أنك فجرت بفلانة قال: ادعوها فإن قالت فهو كما قالت، فلما أن جاءت قال لها موسى: يا فلانة أنا فعلت بك ما يقول هؤلاء؟ وعظم عليها، وسألها بالذي فلق البحر لبني إسرائيل وأنزل التوراة إلا صدقت، فتداركها الله تعالى بالتوفيق فقالت في نفسها: أحدث اليوم توبة أفضل من أن أؤذي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت: لا كذبوا ولكن جعل لي قارون جعلا على أن أقذفك بنفسي، فخر موسى ساجدا يبكي ويقول: اللهم إن كنت، رسولك فاغضب لي، فأوحى الله تعالى إليه: إني أمرت، الأرض أن تطيعك، فمرها بما شئت، فقال موسى: يا بني إسرائيل إن الله بعثني إلى قارون كما بعثني إلى فرعون فمن كان معه فليثبت مكانه ومن كان معي فليعتزل، فاعتزلوا ولم يبق مع قارون إلا رجلان، ثم قال موسى: يا أرض خذيهم فأخذت الأرض بأقدامهم.

قسم V06/P223–V06/P225Beğavî — Meâlimü't-Tenzîl (Tefsîrü'l-Beğavî) (s. V06/P223–V06/P225)

وفي رواية: كان على سريره وفرشه فأخذته حتى غيبت سريره ثم قال: يا أرض خذيهم فأخذتهم إلى الركب، ثم قال: يا أرض خذيهم فأخذتهم إلى الأوساط، ثم قال: يا أرض خذيهم فأخذتهم إلى الأعناق، وقارون وأصحابه في كل ذلك يتضرعون إلى موسى، ويناشده قارون الله والرحم، حتى روي أنه ناشده سبعين مرة وموسى عليه السلام في كل ذلك لا يلتفت إليه لشدة غضبه، ثم قال: يا أرض خذيهم فانطبقت عليهم الأرض، وأوحى الله إلى موسى ما أغلظ قلبك استغاث بك سبعين مرة فلم تغثه، أما وعزتي وجلالي لو استغاث بي مرة لأغثته، وفي بعض الآثار: لا أجعل الأرض بعدك طوعا لأحد . قال قتادة: خسف به فهو يتجلجل في الأرض كل يوم قامة رجل لا يبلغ قعرها إلى يوم القيامة. قال: وأصبحت بنو إسرائيل يتناجون فيما بينهم أن موسى إنما دعا على قارون ليستبد بداره وكنوزه وأمواله فدعا الله تعالى موسى حتى خسف بداره وكنوزه وأمواله الأرض، فذلك قوله عز وجل: {فخسفنا به وبداره الأرض} {فما كان له من فئة} جماعة، {ينصرونه من دون الله} يمنعونه من الله، {وما كان من المنتصرين} الممتنعين مما نزل به من الخسف. {وأصبح الذين تمنوا مكانه بالأمس يقولون ويكأن الله يبسط الرزق لمن يشاء من عباده ويقدر لولا أن من الله علينا لخسف بنا ويكأنه لا يفلح الكافرون } {وأصبح الذين تمنوا مكانه بالأمس} صار أولئك الذين تمنوا ما رزقه الله من المال والزينة يتندمون على ذلك التمني، والعرب تعبر عن الصيرورة بأضحى وأمسى وأصبح، تقول: أصبح فلان عالما ، وأضحى معدما، وأمسى حزينا، {يقولون ويكأن الله} اختلفوا في معنى هذه اللفظة، قال مجاهد: ألم تعلم، وقال قتادة: ألم تر. قال الفراء: هي كلمة تقرير 66/أكقول الرجل: أما ترى إلى صنع الله وإحسانه. وذكر أنه أخبره من سمع أعرابية تقول لزوجها: أين ابنك؟ فقال: ويكأنه وراء البيت، يعني: أما ترينه وراء البيت. وعن الحسن: أنه كلمة ابتداء، تقديره: أن الله يبسط الرزق. وقيل: هو تنبيه بمنزلة ألا وقال قطرب: "ويك" بمعنى ويلك، حذفت منه اللام، كما قال عنترة: ولقد شفى وأبرأ سقمها ... قول الفوارس ويك عنتر أقدم أي: ويلك، و"أن" منصوب بإضمار اعلم أن الله، وقال الخليل: "وي" مفصولة من "كأن" ومعناها التعجب، كما تقول: وي لم فعلت ذلك! وذلك أن القوم تندموا فقالوا: وي! متندمين على ما سلف منهم وكأن معناه أظن ذلك وأقدره، كما تقول كأن: الفرج قد أتاك أي أظن ذلك وأقدره، {يبسط الرزق لمن يشاء من عباده ويقدر} أي: يوسع ويضيق، {لولا أن من الله علينا لخسف بنا} قرأ حفص، ويعقوب: بفتح الخاء والسين، وقرأ العامة بضم الخاء وكسر السين، {ويكأنه لا يفلح الكافرون} {تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوا في الأرض ولا فسادا والعاقبة للمتقين من جاء بالحسنة فله خير منها ومن جاء بالسيئة فلا يجزى الذين عملوا السيئات إلا ما كانوا يعملون } {إن الذي فرض عليك القرآن لرادك إلى معاد قل ربي أعلم من جاء بالهدى ومن هو في ضلال مبين } قوله تعالى: {تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوا في الأرض} قال الكلبي ومقاتل: استكبارا عن الإيمان، وقال عطاء: "علوا" واستطالة على الناس وتهاونا بهم. وقال الحسن: لم تطلبوا الشرف والعز عند ذي سلطان. وعن علي رضي الله عنه: أنها نزلت في أهل التواضع من الولادة وأهل القدرة ، {ولا فسادا} قال الكلبي: هو الدعاء إلى عبادة غير الله. وقال عكرمة: أخذ أموال الناس بغير حق. وقال ابن جريج ومقاتل: العمل بالمعاصي. {والعاقبة للمتقين} أي: العاقبة المحمودة لمن اتقى عقاب الله بأداء أوامره واجتناب معاصيه. وقال قتادة: الجنة للمتقين.

%0
10 Bölüm

الأسئلة