النساء : ( 136 ) يا أيها الذين . . . . . > > < > ( النساء 136 ) < > قوله تعالى : ( ياأيها الذين آمنوا آمنوا ) الآية نزلت في جميع المؤمنين والمعنى : يا أيها الذين صدقوا أقيموا على تصديقكم وأثبتواعليه ( والكتاب الذي نزل على رسوله ) أي القرآن ( والكتاب الذي أنزل من قبل ) أي كل كتاب أنزل على النبيين وقرأ إبن كثير وأبو عمرو وإبن عامر نزل وأنزل بالضم الباقون نزل وأنزل بالفتح وقيل : نزلت فيمن آمن بمن تقدم محمدا صلى الله عليه وسلم من الأنبياء عليهم السلام وقيل : إنه خطاب للمنافقين والمعنى على هذا يا أيها الذين آمنوا في الظاهر أخلصوا لله وقيل : المراد المشركون والمعنى يا أيها الذين آمنوا باللات والعزى والطاغوت آمنوا بالله أي صدقوا بالله وبكتبه < < النساء : ( 137 ) إن الذين آمنوا . . . . . > > < > ( النساء 137 ) < > قيل : المعنى آمنوا بموسى وكفروا بعزير ثم آمنوا بعزير ثم كفروا بعيسى ثم ازدادوا كفرا بمحمد صلى الله عليه وسلم وقيل : إن الذين آمنوا بموسى ثم آمنوا بعزير ثم كفروا بعد عزير بالمسيح وكفرت النصارى بما جاء به موسى وآمنوا بعيسى ثم أزدادوا كفرا بمحمد صلى الله عليه وسلم وما جاء به من القرآن فإن قيل : إن الله تعالى لا يغفر شيئا من الكفر فكيف قال : إن الذين آمنوا ثم كفروا ثم آمنوا ثم كفروا ثم ازدادوا كفرا لم يكن الله ليغفر لهم فالجواب أن الكافر إذا آمن غفر له كفره فإذا رجع فكفر لم يغفر له الكفر الأول وهذا كما جاء في صحيح مسلم عن عبد الله قال : قال أناس لرسول الله صلى الله عليه وسلم يا رسول الله أنؤاخذ بما عملنا في الجاهلية قال : ( أما من أحسن منكم في الإسلام فلا يؤاخذ بها ومن أساء أخذ بعمله في الجاهلية والإسلام ( وفي رواية ( ومن أساء في الإسلام أخذ بالأول والآخر ( الإساءة هنا بمعنى الكفر إذ لا يصح أن يراد بها هنا إرتكاب سيئة فإنه يلزم عليه ألا يهدم الإسلام ما سبق قبله إلا لمن يعصم من جميع السيئات إلا حين موته وذلك باطل بالإجماع ومعنى : ثم ازدادوا كفرا أصروا على الكفر ( لم يكن الله ليغفر لهم ولا ليهديهم ) يرشدهم ( سبيلا ) طريقا إلى الجنة وقيل : لا يخصهم بالتوفيق كما يخص أولياءه وفي هذه الآية رد على أهل القدر فإن الله تعالى بين أنه لا يهدي الكافرين طريق خير ليعلم العبد أنه إنما ينال الهدى بالله تعالى ويحرم الهدى بإرادة الله تعالى أيضا وتضمنت الآية أيضا حكم المرتدين وقد مضى القول فيهم في البقرة عند قوله تعالى : ومن يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر < < النساء : ( 138 ) بشر المنافقين بأن . . . . . > > < > ( النساء 138 ) < > التبشير الإخبار بما ظهر أثره على البشرة وقد تقدم بيانه في البقرة ومعنى النفاق < < النساء : ( 139 ) الذين يتخذون الكافرين . . . . . > > < > ( النساء 139 ) <
Kurtubî — el-Câmi' li-Ahkâmi'l-Kur'ân
أبو عبد الله محمد بن أحمد الأنصاري القرطبي · AR
> قوله تعالى : ( الذين يتخذون الكافرين أولياء من دون المؤمنين ) الذين نعت للمنافقين وفي هذا دليل على أن من عمل معصية من الموحدين ليس بمنافق لأنه لا يتولى الكفار وتضمنت المنع من موالاة الكافر وأن يتخذوا أعوانا على الأعمال المتعلقة بالدين وفي الصحيح عن عائشة رضي الله عنها أن رجلا من المشركين لحق بالنبي صلى الله عليه وسلم يقاتل معه فقال له : ( ارجع فإنا لا نستعين بمشرك ( العزة ) أي الغلبة عزه يعزه عزا إذا غلبه ( فإن العزة لله جميعا ) أي الغلبة والقوة لله قال إبن عباس : يبتغون عندهم يريد عند بني قينقاع فإن إبن أبي كان يواليهم < < النساء : ( 140 ) وقد نزل عليكم . . . . . > > < > ( النساء 140 : 141 ) <
> قوله تعالى : ( وقد نزل عليكم في الكتاب أن إذا سمعتم آيات الله يكفر بها ويستهزأ بها ) الخطاب لجميع من أظهر الإيمان من محق ومنافق لأنه إذا أظهر الإيمان فقد لزمه أن يمتثل أوامر كتاب الله فالمنزل قوله تعالى : وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم حتى يخوضوا في حديث غيره وكان المنافقون يجلسون إلى أحبار اليهود فيسخرون من القرآن وقرأ عاصم ويعقوب وقد نزل بفتح النون والزاي وشدها لتقدم اسم الله جل جلاله في قوله تعالى : فإن العزة لله جميعا وقرأ حميد كذلك إلا أنه خفف الزاي الباقون نزل غير مسمى الفاعل ( أن إذا سمعتم آيات الله ) موضع أن إذا سمعتم على قراءة عاصم ويعقوب نصب بوقوع الفعل عليه وفي قراءة الباقين رفع لكونه اسم ما لم يسم فاعله ( يكفر بها ) أي إذا سمعتم الكفر والإستهزاء بآيات الله فأوقع السماع على الآيات والمراد سماع الكفر والإستهزاء كما تقول : سمعت عبد الله يلام أي سمعت اللوم في عبد الله قوله تعالى : ( فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره ) أي غير الكفر ( إنكم إذا مثلهم ) فدل بهذا على وجوب إجتناب أصحاب المعاصي إذا ظهر منهم منكر لأن من لم يجتنبهم فقد رضي فعلهم والرضا بالكفر كفر قال الله عزوجل : إنكم إذا مثلهم فكل من جلس في مجلس معصية ولم ينكر عليهم يكون معهم في الوزر سواء وينبغي أن ينكر عليهم إذا تكلموا بالمعصية وعملوا بها فإن لم يقدر على النكير عليهم فينبغي أن يقوم عنهم حتى لا يكون من أهل هذه الآية وقد روى عن عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه أنه أخذ قوما يشربون الخمر فقيل له عن أحد الحاضرين : إنه صائم فحمل عليه الأدب وقرأ هذه الآية إنكم إذا مثلهم أي إن الرضا بالمعصية معصية ولهذا يؤاخذ الفاعل والراضي بعقوبة المعاصي حتى يهلكوا بأجمعهم وهذه المماثلة ليست في جميع الصفات ولكنه إلزام شبه بحكم الظاهر من المقارنة كما قال : فكل قرين بالمقارن يقتدي وقد تقدم وإذا ثبت تجنب أصحاب المعاصي كما بينا فتجنب أهل البدع والأهواء أولى وقال الكلبي : قوله تعالى فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره نسخ بقوله تعالى : وما على الذين يتقون من حسابهم من شيء وقال عامة المفسرين : هي محكمة وروى جويبر عن الضحاك قال : دخل في هذه الآية كل محدث في الدين مبتدع إلى يوم القيامة قوله تعالى : ( إن الله جامع المنافقين ) الأصل جامع بالتنوين فحذف إستخفافا فإنه بمعنى يجمع ( الذين يتربصون بكم ) يعني المنافقين أي ينتظرون بكم الدوائر ( فإن كان لكم فتح من الله ) أي غلبة على اليهود وغنيمة ( قالوا ألم نكن معكم ) أي أعطونا من الغنيمة ( وإن كان للكافرين نصيب ) أي ظفر ( قالوا ألم نستحوذ عليكم ) أي ألم نغلب عليكم حتى هابكم المسلمون وخذلناهم عنكم يقال : أستحوذ على كذا أي غلب عليه ومنه قوله تعالى : أستحوذ عليهم الشيطان وقيل : اصل الإستحواذ الحوط حاذه يحوذه حوذا إذا حاطه وهذا الفعل جاء على الأصل ولو أعل لكان ألم نستحذ والفعل على الإعلال أستحاذ يستحيذ وعلى غير الإعلال أستحوذ يستحوذ ( ونمنعكم من المؤمنين ) أي بتخذيلنا إياهم عنكم وتفريقنا إياهم مما يريدونه منكم والآية تدل على أن المنافقين كانوا يخرجون في الغزوات مع المسلمين ولهذا قالوا : ألم نكن معكم وتدل على أنهم كانوا لا يعطونهم الغنيمة ولهذا طلبوها وقالوا : ألم نكن معكم ويحتمل أن يريدوا بقولهم ألم نكن معكم الإمتنان على المسلمين أي كنا نعلمكم بأخبارهم وكنا أنصارا لكم قوله تعالى : ( ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا ) فيه ثلاث مسائل : الأولى قوله تعالى : ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا للعلماء فيه تأويلات خمس : أحدها ما روى عن يسيع الحضرمي قال : كنت عند علي بن أبي طالب رضي الله عنه فقال له رجل يا أمير المؤمنين أرأيت قول الله : ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا كيف ذلك وهم يقاتلوننا ويظهرون علينا أحيانا فقال علي رضي الله عنه : معنى ذلك يوم القيامة يوم الحكم وكذا قال إبن عباس : ذاك يوم القيامة قال إبن عطية : وبهذا قال جميع أهل التأويل قال إبن العربي : وهذا ضعيف : لعدم فائدة الخبر فيه وإن أوهم صدر الكلام معناه لقوله تعالى : ( فالله يحكم بينكم يوم القيامة ) فأخر الحكم إلى يوم القيامة وجعل الأمر في الدنيا دولا تغلب الكفار تارة وتغلب أخرى بما رأى من الحكمة وسبق من الكلمة ثم قال : ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا فتوهم من توهم أن آخر الكلام يرجع إلى أوله وذلك يسقط فائدته إذ يكون تكرارا الثاني إن الله لا يجعل لهم سبيلا يمحو به دولة المؤمنين ويذهب آثارهم ويستبيح بيضتهم كما جاء في صحيح مسلم من حديث ثوبان عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( وإني سألت ربي ألا يهلكها بسنة عامة وألا يسلط عليهم عدوا من سوى أنفسهم فيستبيح بيضتهم وإن ربي قال يا محمد إني إذا قضيت قضاء فإنه لا يرد وإني قد أعطيتك لأمتك ألا أهلكهم بسنة عامة وألا أسلط عليهم عدوا من سوى أنفسهم فيستبيح بيضتهم ولو أجتمع عليهم من بأقطارها حتى يكون بعضهم يهلك بعضا ويسبي بعضهم بعضا ( الثالث إن الله سبحانه لا يجعل للكافرين على المؤمنين سبيلا منه إلا أن يتواصوا بالباطل ولا يتناهوا عن المنكر ويتقاعدوا عن التوبة فيكون تسليط العدو من قبلهم كما قال تعالى : وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم قال إبن العربي : وهذا نفيس جدا قلت : ويدل عليه قوله عليه السلام في حديث ثوبان ( حتى يكون بعضهم يهلك بعضا ويسبي بعضهم بعضا ( وذلك أن حتى غاية فيقتضي ظاهر الكلام أنه لا يسلط عليهم عدوهم فيستبيحهم إلا إذا كان منهم إهلاك بعضهم لبعض وسبي بعضهم لبعض وقد وجد ذلك في هذه الأزمان بالفتن الواقعة بين المسلمين فغلظت شوكة الكافرين واستولوا على بلاد المسلمين حتى لم يبق من الإسلام إلا أقله فنسأل الله أن يتداركنا بعفوه ونصره ولطفه الرابع إن الله سبحانه لا يجعل للكافرين على المؤمنين سبيلا شرعا فإن وجد فبخلاف الشرع الخامس ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا أي حجة عقلية ولا شرعيه يستظهرون بها إلا أبطلها ودحضت الثانية إبن العربي : ونزع علماؤنا بهذه الآية في الإحتجاج على أن الكافر لا يملك العبد المسلم وبه قال أشهب والشافعي : لأن الله سبحانه نفى السبيل للكافر عليه والملك بالشراء سبيل فلا يشرع له ولا ينعقد العقد بذلك وقال إبن القاسم عن مالك وهو قول أبي حنيفة : إن معنى ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا في دوام الملك لأنا نجد الإبتداء يكون له عليه وذلك بالإرث وصورته أن يسلم عبد كافر في يد كافر فيلزم القضاء عليه ببيعه فقبل الحكم عليه ببيعه مات فيرث العبد المسلم وارث الكافر فهذه سبيل قد ثبت قهرا لا قصد فيه وأن ملك الشراء ثبت بقصد النية فقد أراد الكافر تملكه بإختياره فإن حكم بعقد بيعه وثبوت ملكه فقد حقق فيه قصده وجعل له سبيل عليه قال أبو عمر : وقد أجمع المسلمون على أن عتق النصراني أو اليهودي لعبده المسلم صحيح نافذ عليه وأجمعوا أنه إذا أسلم عبد الكافر فبيع عليه أن ثمنه يدفع إليه فدل على أنه على ملكه بيع وعلى ملكه ثبت العتق له إلا أنه ملك غير مستقر لوجوب بيعه عليه وذلك والله أعلم لقول الله عزوجل : ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا يريد الإسترقاق والملك والعبودية ملكا مستقرا دائما واختلف العلماء في شراء العبد الكافر العبد المسلم على قولين : أحدهما البيع مفسوخ والثاني البيع صحيح ويباع على المشتري الثالثة واختلف العلماء أيضا من هذا الباب في رجل نصراني دبر عبدا له نصرانيا فأسلم العبد فقال مالك والشافعي في أحد قوليه : يحال بينه وبين العبد ويخارج على سيده النصراني ولا يباع عليه حتى يتبين أمره فإن هلك النصراني وعليه دين قضى دينه من ثمن العبد المدبر إلا أن يكون في ماله ما يحمل المدبر فيعتق المدبر وقال الشافعي في القول الآخر : إنه يباع عليه ساعة أسلم وأختاره المزني لأن المدبر وصية ولا يجوز ترك مسلم في ملك مشرك يذله ويخارجه وقد صار بالإسلام عدوا له وقال الليث بن سعد : يباع النصراني من مسلم فيعتقه ويكون ولاؤه للذي اشتراه وأعتقه ويدفع إلى النصراني ثمنه وقال سفيان والكوفيون : إذا أسلم مدبر النصراني قوم قيمته فيسعى في قيمته فإن مات النصراني قبل أن يفرغ المدبر من سعايته عتق العبد وبطلت السعاية < <
النساء : ( 142 ) إن المنافقين يخادعون . . . . . > > < > ( النساء 142 ) < > قوله تعالى : ( إن المنافقين يخادعون الله وهو خادعهم ) قد مضى في البقرة معنى الخدع والخداع من الله مجازاتهم على خداعهم أولياءه ورسله قال الحسن : يعطى كل إنسان من مؤمن ومنافق نور يوم القيامة فيفرح المنافقون ويظنون أنهم قد نجوا فإذا جاؤوا إلى الصراط طفئ نور كل منافق فذلك قولهم : أنظرونا نقتبس من نوركم الحديد : ( وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى ) أي يصلون مراءاة وهم متكاسلون متثاقلون لا يرجون ثوابا ولا يعتقدون على تركها عقابا وفي صحيح الحديث : ( إن أثقل صلاة على المنافقين العتمة والصبح ( فإن العتمة تأتي وقد أتعبهم عمل النهار فيثقل عليهم القيام إليها وصلاة الصبح تأتي والنوم أحب إليهم من مفروح به ولولا السيف ما قاموا والرياء : إظهار الجميل ليراه الناس لا لإتباع أمر الله وقد تقدم بيانه ثم وصفهم بقلة الذكر عند المراءاة وعند الخوف وقال صلى الله عليه وسلم ذاما لمن أخر الصلاة : ( تلك صلاة المنافقين ثلاثا يجلس أحدهم يرقب الشمس حتى إذا كانت بين قرني الشيطان أو على قرني الشيطان قام فنقر أربعا لا يذكر الله فيها إلا قليلا ( رواه مالك وغيره فقيل : وصفهم بقلة الذكر لأنهم كانوا لا يذكرون الله بقراءة ولا تسبيح وإنما كانوا يذكرونه بالتكبير وقيل : وصفه بالقلة لأن الله تعالى لا يقبله وقيل : لعدم الإخلاص فيه وهنا مسألتان الأولى بين الله تعالى في هذه الآية صلاة المنافقين وبينها رسوله محمد صلى الله عليه وسلم فمن صلى كصلاتهم وذكر كذكرهم لحق بهم في عدم القبول وخرج من مقتضى قوله تعالى : قد أفلح المؤمنون الذين هم في صلاتهم خاشعون وسيأتي اللهم إلا أن يكون له عذر فيقتصر على الفرض حسب ما علمه النبي صلى الله عليه وسلم للأعرابي حين رآه أخل بالصلاة فقال له : ( إذا قمت إلى الصلاة فأسبغ الوضوء ثم استقبل القبلة فكبر ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن ثم اركع حتى تطمئن راكعا ثم ارفع حتى تعتدل قائما ثم اسجد حتى تطمئن ساجدا ثم ارفع حتى تطمئن جالسا ثم افعل ذلك في صلاتك كلها ( رواه الأئمة وقال صلى الله عليه وسلم : ( لا صلاة لمن لم يقرأ بأم القرآن ( وقال : ( لا تجزئ صلاة لا يقيم الرجل فيها صلبه في الركوع والسجود ( أخرجه الترمذي وقال : حديث حسن صحيح والعمل على هذا عند أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ومن بعدهم يرون أن يقيم الرجل صلبه في الركوع والسجود قال الشافعي وأحمد وإسحاق : من لا يقيم صلبه في الركوع والسجود فصلاته فاسدة لحديث النبي صلى الله عليه وسلم : ( لا تجزئ صلاة لا يقيم الرجل فيها صلبه في الركوع والسجود ( قال إبن العربي : وذهب إبن القاسم وأبو حنيفة إلى أن الطمأنينة ليست بفرض وهي رواية عراقية لا ينبغي لأحد من المالكيين أن يشتغل بها وقد مضى في البقرة هذا المعنى الثانية قال إبن العربي : إن من صلى صلاة ليراها الناس ويرونه فيها فيشهدون له بالإيمان أو أراد طلب المنزلة والظهور لقبول الشهادة وجواز الإمامة فليس ذلك بالرياء المنهي عنه ولم يكن عليه حرج وإنما الرياء المعصية أن يظهرها صيدا للناس وطريقا إلى الأكل فهذه نية لا تجزئ وعليه الإعادة قلت : قوله وأراد طلب المنزلة والظهور لقبول الشهادة فيه نظر وقد تقدم بيانه في النساء فتأمله هناك ودلت هذه الآية على أن الرياء يدخل الفرض والنفل لقول الله تعالى : وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا فعم وقال قوم : إنما يدخل النفل خاصة لأن الفرض واجب على جميع الناس والنفل عرضة لذلك وقيل بالعكس لأنه لو لم يأت بالنوافل لم يؤاخذ بها < <
النساء : ( 143 ) مذبذبين بين ذلك . . . . . > > < > ( النساء 143 ) < > المذبذب : المتردد بين أمرين والذبذبة الإضطراب يقال : ذبذبته فتذبذب ومنه قول النابغة : ألم تر أن الله أعطاك سورة ترى كل ملك دونها يتذبذب آخر : خيال لأم السلسبيل ودونها مسيرة شهر للبريد المذبذب كذا روى بكسر الذال الثانية قال إبن جني : أي المهتز القلق الذي لا يثبت ولا يتمهل فهؤلاء المنافقون مترددون بين المؤمنين والمشركين لا مخلصين الإيمان ولا مصرحين بالكفر وفي صحيح مسلم من حديث إبن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم : ( مثل المنافق كمثل الشاة العائرة بين الغنمين تعير إلى هذه مرة وإلى هذه أخرى ( وفي رواية ( تكر ( بدل ( تعير ( وقرأ الجمهور مذبذبين بضم الميم وفتح الذالين وقرأ إبن عباس بكسر الذال الثانية وفي حرف أبي متذبذبين ويجوز الإدغام على هذه القراءة مذبذبين بتشديد الذال الأولى وكسر الثانية وعن الحسن مذبذبين بفتح الميم والذالين < < النساء : ( 144 ) يا أيها الذين . . . . . > > < > ( النساء 144 ) < > قوله تعالى : ( يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا الكافرين أولياء ) مفعولان أي لا تجعلوا خاصتكم وبطانتكم منهم وقد تقدم هذا المعنى ( أتريدون أن تجعلوا لله عليكم سلطانا مبينا ) أي في تعذيبه إياكم بإقامته حجته عليكم إذ قد نهاكم < < النساء : ( 145 ) إن المنافقين في . . . . . > > < > ( النساء 145 ) < > قوله تعالى : ( في الدرك ) قرأ الكوفيون الدرك بإسكان الراء والأولى أفصح لأنه يقال في الجمع : أدراك مثل جمل وأجمال قاله النحاس وقال أبو علي : هما لغتان كالشمع والشمع ونحوه والجمع أدراك وقيل : جمع الدرك أدرك كفلس وأفلس والنار دركات سبعة أي طبقات ومنازل إلا أن إستعمال العرب لكل ما تسافل أدراك يقال : للبئر أدراك ولما تعالى درج فللجنة درج وللنار أدراك وقد تقدم هذا فالمنافق في الدرك الأسفل وهي الهاوية لغلظ كفره وكثرة غوائله وتمكنه من أذى المؤمنين وأعلى الدركات جهنم ثم لظى ثم الحطمة ثم السعير ثم سقر ثم الجحيم ثم الهاوية وقد يسمى جميعها بإسم الطبقة الأولى أعاذنا الله من عذابها بمنه وكرمه وعن إبن مسعود في تأويل قوله تعالى : في الدرك الأسفل من النار قال : توابيت من حديد مقفلة في النار تقفل عليهم وقال إبن عمر : إن أشد الناس عذابا يوم القيامة ثلاثة : المنافقون ومن كفر من أصحاب المائدة وآل فرعون تصديق ذلك في كتاب الله تعالى قال الله تعالى : إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار وقال تعالى في أصحاب المائدة : فإني أعذبه عذابا لا أعذبه أحدا من العالمين وقال في آل فرعون : أدخلوا آل فرعون أشد العذاب < < النساء : ( 146 ) إلا الذين تابوا . . . . . > > < > ( النساء 146 ) <
> إستثناء ممن نافق ومن شرط التائب من النفاق أن يصلح في قوله وفعله ويعتصم بالله أي يجعله ملجأ ومعاذا ويخلص دينه لله كما نصت عليه هذه الآية وإلا فليس بتائب ولهذا أوقع أجر المؤمنين في التسويف لإنضمام المنافقين إليهم والله أعلم روى البخاري عن الأسود قال : كنا في حلقة عبد الله فجاء حذيفة حتى قام علينا فسلم ثم قال : لقد نزل النفاق على قوم خير منكم قال الأسود : سبحان الله إن الله تعالى يقول : إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار فتبسم عبد الله وجلس حذيفة في ناحية المسجد فقام عبد الله فتفرق أصحابه فرماني بالحصى فأتيته فقال حذيفة : عجبت من ضحكه وقد عرف ما قلت : لقد أنزل النفاق على قوم كانوا خيرا منكم ثم تابوا فتاب الله عليهم وقال الفراء : معنى ( فأولئك مع المؤمنين ) أي من المؤمنين وقال القتبي : حاد عن كلامهم غضبا عليهم فقال : فأولئك مع المؤمنين ولم يقل : هم المؤمنون وحذفت الياء من يؤت في الخط كما حذفت في اللفظ لسكونها وسكون اللام بعدها ومثله يوم يناد المنادي وسندع الزبانية ويوم يدع الداعي حذفت الواوات لإلتقاء الساكنين < < النساء : ( 147 ) ما يفعل الله . . . . . > > < > ( النساء 147 ) < > إستفهام بمعنى التقرير للمنافقين التقدير : أي منفعة له في عذابكم إن شكرتم وآمنتم فنبه تعالى أنه لا يعذب الشاكر المؤمن وأن تعذيبه عباده لا يزيد في ملكه وتركه عقوبتهم على فعلهم لا ينقص من سلطانه وقال مكحول : أربع من كن فيه كن له وثلاث من كن فيه كن عليه فالأربع اللاتي له : فالشكر والإيمان والدعاء والإستغفار قال الله تعالى : ( ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم وآمنتم ) وقال الله تعالى : وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون وقال تعالى : قل ما يعبأ بكم ربي لولا دعاؤكم وأما الثلاث اللاتي عليه : فالمكر والبغي والنكث قال الله تعالى : فمن نكث فإنما ينكث على نفسه وقال تعالى : ولا يحيق المكر السيء إلا بأهله وقال تعالى : إنما بغيكم على أنفسكم ( وكان الله شاكرا عليما ) أي يشكر عباده على طاعته ومعنى يشكرهم يثيبهم فيتقبل العمل القليل ويعطي عليه الثواب الجزيل وذلك شكر منه على عبادته والشكر في اللغة الظهور يقال : دابة شكور إذا أظهرت من السمن فوق ما تعطى من العلف وقد تقدم هذا المعنى مستوفي والعرب تقول في المثل : أشكر من بروقة لأنها يقال : تخضر وتنضر بظل السحاب دون مطر والله أعلم تم الجزء الخامس من تفسير القرطبي يتلوه إن شاء الله تعالى الجزء السادس 6 بسم الله الرحمن الرحيم < < النساء : ( 148 ) لا يحب الله . . . . . > > < > ( النساء 148 : 149 ) <
> فيه ثلاث مسائل : الأولى قوله تعالى : ( لا يحب الله الجهر بالسوء من القول ) وتم الكلام ثم قال جل وعز : ( إلا من ظلم ) إستثناء ليس من الأول في موضع نصب أي لكن من ظلم فله أن يقول ظلمني فلان ويجوز أن يكون في موضع رفع ويكون التقدير لا يحب الله أن يجهر أحد بالسوء إلا من ظلم وقراءة الجمهور ظلم بضم الظاء وكسر اللام ويجوز إسكانها ومن قرأ ظلم بفتح الظاء وفتح اللام وهو زيد بن أسلم وبن أبي إسحاق وغيرهما على ما يأتي فلا يجوز له أن يسكن اللام لخفة الفتحة فعلى القراءة الأولى قالت طائفة : المعنى لا يحب الله أن يجهر أحد بالسوء من القول إلا من ظلم فلا يكره له الجهر به ثم أختلفوا في كيفية الجهر بالسوء وما هو المباح من ذلك فقال الحسن : هو الرجل يظلم الرجل فلا يدع عليه ولكن ليقل : اللهم أعني عليه اللهم استخرج حقي اللهم حل بينه وبين ما يريد من ظلمي فهذا دعاء في المدافعة وهي أقل منازل السوء وقال بن عباس وغيره : المباح لمن ظلم أن يدعو على من ظلمه وإن صبر فهو خير له فهذا إطلاق في نوع الدعاء على الظالم وقال أيضا هو والسدي : لا بأس لمن ظلم أن ينتصر ممن ظلمه بمثل ظلمه ويجهر له بالسوء من القول وقال بن المستنير : إلا من ظلم معناه إلا من أكره على أن يجهر بسوء من القول كفر أو نحوه فذلك مباح والآية على هذا في الإكراه وكذا قال قطرب إلا من ظلم يريد المكره لأنه مظلوم فذلك موضوع عنه وإن كفر قال : ويجوز أن يكون المعنى إلا من ظلم على البدل كأنه قال : لا يحب الله إلا من ظلم أي لا يحب الله الظالم فكأنه يقول : يحب من ظلم أي يأجر من ظلم والتقدير على هذا القول : لا يحب الله ذا الجهر بالسوء إلا من ظلم على البدل وقال مجاهد : نزلت في الضيافة فرخص له أن يقول فيه قال بن جريج عن مجاهد : نزلت في رجل ضاف رجلا بفلاة من الأرض فلم يضيفه فنزلت : إلا من ظلم ورواه بن أبي نجيح أيضا عن مجاهد قال : نزلت هذه الآية لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم في الرجل يمر بالرجل فلا يضيفه فرخص له أن يقول فيه : إنه لم يحسن ضيافته وقد استدل من أوجب الضيافة بهذه الآية قالوا : لأن الظلم ممنوع منه فدل على وجوبها وهو قول الليث بن سعد والجمهور على أنها من مكارم الأخلاق وسيأتي بيانها في هود والذي يقتضيه ظاهر الآية أن للمظلوم أن ينتصر من ظالمه ولكن مع اقتصاد إن كان مؤمنا كما قال الحسن فأما أن يقابل القذف بالقذف ونحوه فلا وقد تقدم في البقرة وإن كان كافرا فأرسل لسانك وادع بما شئت من الهلكة وبكل دعاء كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم حيث قال : ( اللهم اشدد وطأتك على مضر واجعلها عليهم سنين كسني يوسف ( وقال : ( اللهم عليك بفلان وفلان ( سماهم وإن كان مجاهرا بالظلم دعى عليه جهرا ولم يكن له عرض محترم ولا بدن محترم ولا مال محترم وقد روى أبو داود عن عائشة قال : سرق لها شيء فجعلت تدعو عليه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لا تسبخي عنه ( أي لا تخففي عنه العقوبة بدعائك عليه وروي أيضا عن عمرو بن الشريد عن أبيه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( لي الواجد ظلم يحل عرضه وعقوبته ( قال بن المبارك : يحل عرضه يغلظ له وعقوبته يحبس له وفي صحيح مسلم ( مطل الغني ظلم ( فالموسر المتمكن إذا طولب بالأداء ومطل ظلم وذلك يبيح من عرضه أن يقال فيه : فلان يمطل الناس ويحبس حقوقهم ويبيح للإمام أدبه وتعزيره حتى يرتدع عن ذلك حكى معناه عن سفيان وهو معنى قول بن المبارك رضي الله عنهما الثانية وليس من هذا الباب ما وقع في صحيح مسلم من قول العباس في علي رضي الله عنهما بحضرة عمر وعثمان والزبير وعبد الرحمن بن عوف : يا أمير المؤمنين اقض بيني وبين هذا الكاذب الآثم الغادر الخائن الحديث ولم يرد عليه واحد منهم لأنها كانت حكومة كل واحد منهما يعتقدها لنفسه حتى أنفذ فيها عليهم عمر الواجب قاله بن العربي وقال علماؤنا : هذا إنما يكون فيما إذا استوت المنازل أو تقاربت وأما إذا تفاوتت فلا تمكن الغوغاء من أن تستطيل على الفضلاء وإنما تطلب حقها بمجرد الدعوى من غير تصريح بظلم ولا غضب وهذا صحيح وعليه تدل الآثار ووجه آخر وهو أن هذا القول أخرجه من العباس الغضب وصولة سلطة العمومة فإن العم صنو الأب ولا شك أن الأب إذا أطلق هذه الألفاظ على ولده إنما يحمل ذلك منه على أنه قصد الإغلاظ والردع مبالغة في تأديبه لا أنه موصوف بتلك الأمور ثم انضاف إلى هذا أنهم في محاجة ولاية دينية فكان العباس يعتقد أن مخالفته فيها لا تجوز وأن مخالفته فيها تؤدي إلى أن يتصف المخالف بتلك الأمور فأطلقها ببوادر الغضب على هذه الأوجه ولما علم الحاضرون ذلك لم ينكروا عليه أشار إلى هذا المازري والقاضي عياض وغيرهما الثالثة فأما من قرأ ظلم بالفتح في الظاء واللام وهي قراءة زيد بن أسلم وكان من العلماء بالقرآن بالمدينة بعد محمد بن كعب القرظي وقراءة بن أبي إسحاق والضحاك وبن عباس وبن جبير وعطاء بن السائب فالمعنى : إلا من ظلم في فعل أو قول فاجهروا له بالسوء من القول في معنى النهي عن فعله والتوبيخ له والرد عليه المعنى لا يحب الله أن يقال لمن تاب من النفاق : ألست نافقت إلا من ظلم أي أقام على النفاق ودل على هذا قوله تعالى : إلا الذين تابوا قال بن زيد : وذلك أنه سبحانه لما أخبر عن المنافقين أنهم في الدرك الأسفل من النار كان ذلك جهرا بسوء من القول ثم قال لهم بعد ذلك : ما يفعل الله بعذابكم على معنى التأنيس والاستدعاء إلى الشكر والإيمان ثم قال للمؤمنين : لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم في إقامته على النفاق فإنه يقال له : ألست المنافق الكافر الذي لك في الآخرة الدرك الأسفل من النار ونحو هذا من القول وقال قوم : معنى الكلام : لا يحب الله أن يجهر أحد بالسوء من القول ثم استثنى استثناء منقطعا أي لكن من ظلم فإنه يجهر بالسوء ظلما وعدوانا وهو ظالم في ذلك قلت : وهذا شأن كثير من الظلمة ودأبهم فإنهم مع ظلمهم يستطيلون بألسنتهم وينالون من عرض مظلومهم ما حرم عليهم وقال أبو إسحاق الزجاج : يجوز أن يكون المعنى إلا من ظلم فقال سوءا فإنه ينبغي أن تأخذوا على يديه ويكون الاستثناء ليس من الأول قلت : ويدل على هذا أحاديث منها قوله عليه السلام : ( خذوا على أيدي سفهائكم ( وقوله : ( انصر أخاك ظالما أو مظلوما ( قالوا : هذا ننصره مظلوما فكيف ننصره ظالما قال : ( تكفه عن الظلم ( وقال الفراء : إلا من ظلم يعني ولا من ظلم قوله تعالى : ( وكان الله سميعا عليما ) تحذير للظالم حتى لا يظلم وللمظلوم حتى لا يتعدى الحد في الانتصار ثم اتبع هذا بقوله : ( إن تبدوا خيرا أو تخفوه أو تعفوا عن سوء ) فندب إلى العفو ورغب فيه والعفو من صفة الله تعالى مع القدرة على الإنتقام وقد تقدم في آل عمران فضل العافين عن الناس ففي هذه الألفاظ اليسيرة معان كثيرة لمن تأملها وقيل : إن عفوت فإن الله يعفو عنك روى بن المبارك قال : حدثني من سمع الحسن يقول : إذا جثت الأمم بين يدي رب العالمين يوم القيامة نودي ليقم من أجره على الله فلا يقوم إلا من عفا في الدنيا يصدق هذا الحديث قوله تعالى : فمن عفا وأصلح فأجره على الله < <
النساء : ( 150 ) إن الذين يكفرون . . . . . > > < > ( النساء 150 : 151 ) < > فيه ثلاث مسائل : الأول قوله تعالى : ( إن الذين يكفرون ) لما ذكر المشركين والمنافقين ذكر الكفار من أهل الكتاب اليهود والنصارى إذ كفروا بمحمد صلى الله عليه وسلم وبين أن الكفر به كفر بالكل لأنه ما من نبي إلا وقد أمر قومه بالإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم وبجميع الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ومعنى ( يريدون أن يفرقوا بين الله ورسله ) أي بين الإيمان بالله ورسله فنص سبحانه على أن التفريق بين الله ورسله كفر وإنما كان كفرا لأن الله سبحانه فرض على الناس أن يعبدوه بما شرع لهم على ألسنة الرسل فإذا جحدوا الرسل ردوا عليهم شرائعهم ولم يقبلوها منهم فكانوا ممتنعين من التزام العبودية التي أمروا بالتزامها فكان كجحد الصانع سبحانه وجحد الصانع كفر لما فيه من ترك التزام الطاعة والعبودية وكذلك التفريق بين رسله في الإيمان بهم كفر وهي : المسألة الثانية لقوله تعالى : ( ويقولون نؤمن ببعض ونكفر ببعض ) وهم اليهود آمنوا بموسى وكفروا بعيسى ومحمد وقد تقدم هذا من قولهم في البقرة ويقولون لعوامهم : لم نجد ذكر محمد في كتبنا ( ويريدون أن يتخذوا بين ذلك سبيلا ) أي يتخذوا بين الإيمان والجحد طريقا أي دينا مبتدعا بين الإسلام واليهودية وقال : ذلك ولم يقل ذينك لأن ذلك تقع للاثنين ولو كان ذينك لجاز الثالثة قوله تعالى : ( أولئك هم الكافرون حقا ) تأكيد يزيل التوهم في إيمانهم حين وصفهم بأنهم يقولون نؤمن ببعض وأن ذلك لا ينفعهم إذا كفروا برسوله وإذا كفروا برسوله فقد كفروا به عز وجل وكفروا بكل رسول مبشر بذلك الرسول فلذلك صاروا الكافرين حقا و ( للكافرين ) يقوم مقام المفعول الثاني لأعتدنا أي أعتدنا لجميع أصنافهم ( عذابا مهينا ) أي مذلا < < النساء : ( 152 ) والذين آمنوا بالله . . . . . > > < > ( النساء 152 ) < > يعني به النبي صلى الله عليه وسلم وأمته < < النساء : ( 153 ) يسألك أهل الكتاب . . . . . > > < > ( النساء 153 ) < > سألت اليهود محمدا صلى الله عليه وسلم أن يصعد إلى السماء وهم يرونه فينزل عليهم كتابا مكتوبا فيما يدعيه على صدقه دفعة واحدة كما أتى موسى بالتوراة تعنتا له صلى الله عليه وسلم فأعلم الله عز وجل أن آباءهم قد عنتوا موسى عليه السلام بأكبر من هذا ( فقالوا أرنا الله جهرة ) أي عيانا وقد تقدم في البقرة و ( جهرة ) نعت لمصدر محذوف أي رؤية جهرة فعوقبوا بالصاعقة لعظم ما جاؤوا به من السؤال والظلم من بعد ما رأوا من المعجزات قوله تعالى : ثم اتخذوا العجل في الكلام حذف تقديره : فأحييناهم فلم يبرحوا فاتخذوا العجل وقد تقدم في البقرة ويأتي ذكره في طه إن شاء الله ( من بعد ما جاءتهم البينات ) أي البراهين والدلالات والمعجزات الظاهرات من اليد والعصا وفلق البحر وغيرها بأنه لا معبود إلا الله عز وجل ( فعفونا عن ذلك ) أي عما كان منهم من التعنت ( وآتينا موسى سلطانا مبينا ) أي حجة بينة وهي الآيات التي جاء بها وسميت سلطانا لأن من جاء بها قاهر بالحجة وهي قاهرة للقلوب بأن تعلم أنه ليس في قوى البشر أن يأتوا بمثلها < < النساء : ( 154 ) ورفعنا فوقهم الطور . . . . . > > < > ( النساء 154 ) <
> قوله تعالى : ( ورفعنا فوقهم الطور بميثاقهم ) أي بسبب نقضهم الميثاق الذي أخذ منهم وهو العمل بما في التوراة وقد تقدم رفع الجبل ودخولهم الباب في البقرة و ( سجدا ) نصب على الحال وقرأ ورش وحده ( وقلنا لهم لا تعدوا في السبت ) بفتح العين من عدا يعدو عدوا وعدوانا وعدوا وعداء أي باقتناص الحيتان كما تقدم في البقرة والأصل فيه تعتدوا أدغمت التاء في الدال قال النحاس : ولا يجوز إسكان العين ولا يوصل إلى الجمع بين ساكنين في هذا والذي يقرأ بها إنما يروم الخطأ ( وأخذنا منهم ميثاقا غليظا ) يعني العهد الذي أخذ عليهم في التوراة وقيل عهد مؤكد باليمين فسمي غليظا لذلك < < النساء : ( 155 ) فبما نقضهم ميثاقهم . . . . . > > < > ( النساء 155 : 156 ) < > قوله تعالى : ( فبما نقضهم ميثاقهم ) فبما نقضهم خفض بالباء وما زائدة مؤكدة كقوله : فبما رحمة من الله وقد تقدم والباء متعلقة بمحذوف التقدير : فبنقضهم ميثاقهم لعناهم عن قتادة وغيره وحذف هذا لعلم السامع وقال أبو الحسن علي بن حمزة الكسائي : هو متعلق بما قبله والمعنى فأخذتهم الصاعقة بظلمهم إلى قوله : فبما نقضهم ميثاقهم قال : ففسر ظلمهم الذي أخذتهم الصاعقة من أجله بما بعده من نقضهم الميثاق وقتلهم الأنبياء وسائر ما بين من الأشياء التي ظلموا فيها أنفسهم وأنكر ذلك الطبري وغيره لأن الذين أخذتهم الصاعقة كانوا على عهد موسى والذين قتلوا الأنبياء ورموا مريم بالبهتان كانوا بعد موسى بزمان فلم تأخذ الصاعقة الذين أخذتهم برميهم مريم بالبهتان قال المهدوي وغيره : وهذا لا يلزم لأنه يجوز أن يخبر عنهم والمراد آباؤهم على ما تقدم في البقرة قال الزجاج : المعنى فبنقضهم ميثاقهم حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم لأن هذه القصة ممتدة إلى قوله : فبظلم من الذين هادوا حرمنا ونقضهم الميثاق أنه أخذ عليهم أن يبينوا صفة النبي صلى الله عليه وسلم وقيل : المعنى فبنقضهم ميثاقهم وفعلهم كذا وفعلهم كذا طبع الله على قلوبهم وقيل : المعنى فبنقضهم لا يؤمنون إلا قليلا والفاء مقحمة و ( كفرهم ) عطف وكذا و ( قتلهم ) والمراد ( بآيات الله ) كتبهم التي حرفوها و ( غلف ) جمع غلاف أي قلوبنا أوعية للعلم فلا حاجة بنا إلى علم سوى ما عندنا وقيل : هو جمع أغلف وهو المغطى بالغلاف أي قلوبنا في أغطية فلا نفقه ما تقول وهو كقوله : قلوبنا في أكنة وقد تقدم هذا في البقرة وغرضهم بهذا درء حجة الرسل والطبع الختم وقد تقدم في البقرة بكفرهم أي جزاء لهم على كفرهم كما قال : بل لعنهم الله بكفرهم فلا يؤمنون إلا قليلا أي إيمانا قليلا أي ببعض الأنبياء وذلك غير نافع لهم ثم كرر وبكفرهم ليخبر أنهم كفروا كفرا بعد كفر وقيل : المعنى وبكفرهم بالمسيح فحذف لدلالة ما بعده عليه والعامل في بكفرهم هو العامل في بنقضهم لأنه معطوف عليه ولا يجوز أن يكون العامل فيه طبع والبهتان العظيم رميها بيوسف النجار وكان من الصالحين منهم والبهتان الكذب المفرط الذي يتعجب منه وقد تقدم والله سبحانه وتعالى أعلم < < النساء : ( 157 ) وقولهم إنا قتلنا . . . . . > > < > ( النساء 157 : 158 ) <
> قوله تعالى : ( وقولهم إنا قتلنا المسيح عيسى بن مريم ) كسرت إن لأنها مبتدأة بعد القول وفتحها لغة وقد تقدم في آل عمران اشتقاق لفظ المسيح ( رسول الله ) بدل وإن شئت على معنى أعني ( وما قتلوه وما صلبوه ) رد لقولهم ( ولكن شبه لهم ) أي ألقي شبهه على غيره كما تقدم في آل عمران وقيل : لم يكونوا يعرفون شخصه وقتلوا الذي قتلوه وهم شاكون فيه كما قال تعالى : ( وإن الذين اختلفوا فيه لفي شك منه ) والإخبار قيل : إنه عن جميعهم وقيل : إنه لم يختلف فيه إلا عوامهم ومعنى اختلافهم قول بعضهم إنه إله وبعضهم هو بن الله قاله الحسن : وقيل اختلافهم أن عوامهم قالوا قتلنا عيسى وقال من عاين رفعه إلى السماء : ما قتلناه وقيل اختلافهم أن النسطورية من النصارى قالوا : صلب عيسى من جهة ناسوته لا من جهة لاهوته وقالت الملكانية : وقع الصلب والقتل على المسيح بكماله ناسوته ولاهوته وقيل : اختلافهم هو أنهم قالوا : إن كان هذا صاحبنا فأين عيسى وإن كان هذا عيسى فأين صاحبنا وقيل : اختلافهم هو أن اليهود قالوا : نحن قتلناه لأن يهوذا رأس اليهود وهو الذي سعى في قتله وقالت طائفة من النصارى : بل قتلناه نحن وقالت طائفة منهم : بل رفعه الله إلى السماء ونحن ننظر إليه ( ما لهم به من علم ) من زائدة وتم الكلام ثم قال جل وعز : ( إلا اتباع الظن ) استثناء ليس من الأول في موضع نصب ويجوز أن يكون في موضع رفع على البدل أي ما لهم به من علم إلا اتباع الظن وأنشد سيبويه : وبلدة ليس بها أنيس إلا اليعافير وإلا العيس قوله تعالى : ( وما قتلوه يقينا ) قال بن عباس والسدي : المعنى ما قتلوا ظنهم يقينا كقولك : قتلته علما إذا علمته علما تاما فالهاء عائدة على الظن قال أبو عبيد : ولو كان المعنى وما قتلوا عيسى يقينا لقال : وما قتلوه فقط وقيل : المعنى وما قتلوا الذي شبه لهم أنه عيسى يقينا فالوقف على هذا على يقينا وقيل : المعنى وما قتلوا عيسى والوقف على وما قتلوه ويقينا نعت لمصدر محذوف وفيه تقديران : أحدهما أي قالوا هذا قولا يقينا أو قال الله هذا قولا يقينا والقول الآخر أن يكون المعنى وما علموه علما يقينا النحاس : إن قدرت المعنى بل رفعه الله إليه يقينا فهو خطأ لأنه لا يعمل ما بعد بل فيما قبلها لضعفها وأجاز بن الأنباري الوقف على وما قتلوه على أن ينصب يقينا بفعل مضمر هو جواب القسم تقديره : ولقد صدقتم يقينا أي صدقا يقينا ( بل رفعه الله إليه ) ابتداء كلام مستأنف أي إلى السماء والله تعالى متعال عن المكان وقد تقدم كيفية رفعه في آل عمران ( وكان الله عزيزا ) أي قويا بالنقمة من اليهود فسلط عليهم بطرس بن أستيسانوس الرومي فقتل منهم مقتلة عظيمة ( حكيما ) حكم عليهم باللعنة والغضب < < النساء : ( 159 ) وإن من أهل . . . . . > > < > ( النساء 159 ) <