Qur'an&Sunnahالقرآن

Ebû Tâlib el-Mekkî — Kûtü'l-Kulûb

محمد بن علي بن عطية الحارثي المشهور بأبي طالب المكي · AR

Dio V02/P023–V02/P024Ebû Tâlib el-Mekkî — Kûtü'l-Kulûb (s. V02/P023–V02/P024)
Orijinal Metin (AR)

ولا يضر التصرف والتكسب لمن صح توكله ولايقدح في مقامه ولا ينقص من حاله قال الله سبحانه : ( وجعلنا النهار معاشا ) النبأ : 11 ، وقال تعالى : ( وجعلنا لكم فيها معايش قليلا ما تشكرون ) الأعراف : 10 وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم : أحل ما أكل العبد من كسب يده وكل بيع مبرور ، وقد كان الصانع بيده أحب إليهم من التاجر ، والتاجر أحب إليهم من البطال ، وقال ابن مسعود : إني لأكره أن يكون الرجل بطالا ليس في عمل دنيا ، ولا في عمل آخرة ، ولأن التوكل من شرط الإيمان ووصف الإسلام ، قال الله تعالى : ( إن كنتم آمنتم بالله فعليه توكلوا إن كنتم مسلمين ) يونس : 84 ، فاشترط في الإيمان به والإسلام له التوكل عليه ، فإن كان حال المتوكل التصرف فيما قد وجه فيه ودخل في الأسباب وهو ناظر إلى المسبب في تصريفه ، معتمد عليه واثق به في حركته ، متسبب فيما يقلبه فيه مولاه ، متعيش فيما يسببه له ويوجهه فيه ، عالم بأن الله تعالى قد أودع الأشياء منافع خلقه وجعلها خزائن حكمته ومفاتح رزقه ، ويكون أيضا متبعا للسنة والأثر تاركا الترفه والتنعم ، فهو في تكسبه وتصرفه أفضل ممن دخلت عليه العلل في توكله فساكنها ، وقد ذكر لنا عن بعض العلماء أنه رؤي يطحن برجله ، وكان قد ترك العمل أربعين سنة فقيل له : دخلت في التكسب بعد أن كنت قد تركته ؟ فقال : يا هذا ، إذا عدمنا عز التوكل لم نصبر على ذل الاستشراف ، فكذلك الأمر فيمن دخلت عليه الآفة في ترك التكسب ، فليخرج منها إلى الاحتراف ، ومن دخل عليه اليقين فاقتطعه فليقعد عن الاكتساب ، فالتكسب خير من التشرف إلى الخلق واعتياد المسألة ، وسالك على طريق فهو يصل وإن كان في طريقه بعد ، والتوكل لمن أقعد به ناظر إلى الوكيل أفضل لمن صح له لفراغ قلبه من الخلق وشغله بالخالق ، وهو طريق قريب فصاحبه مقرب ، والتارك للتكسب طمعا في الخلق وترفها للنفس وحبا للمسألة واتباعا للهوى ، سالك على غير طريق لا قريب ولا بعيد هو عن المحجة جائر ، كما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم : لأن يأخذ أحدكم فأسه وحبله فيذهب إلى الجبل فيحتطب فيأكل ويتصدق ، خير له من أن يسأل الناس أعطوه أو منعوه ، وقال صلى الله عليه وسلم : استغنوا عن الناس ولو بشوص السواك يعني بمضغه ، وقال : من يضمن لي خصلة واحدة ، أضمن له الجنة ، لا يسأل الناس شيئا ، وقال بعض علمائنا : من أنكر التكسب فقد طعن في السنة ، ومن أنكرالقعود عن التكسب فقد طعن في التوحيد ، وقال : بعث النبي صلى الله عليه وسلم إلى الخلق وهم أصناف كما هم اليوم ، منهم التاجر ، والصانع ، والقاعد ، ومن يسأل الناس ، ومن لم يسأل الناس ، فما قال للتاجر اترك تجارتك ولا قال للقاعد : اكتسب واصنع ، بل جاءهم بالإيمان واليقين في جميع أحوالهم وتركهم مع الله في التدبير ، فعمل كل واحد بعمله في حاله ، وقد كان بعض المتوكلين يقول : من لم يصبر على جوع ثلاثة أيام أخاف أن لا يسعه ترك العمل إذا وجده ، وقال أيضا : من فقد الأسباب فضعف قلبه ، أو كان وجودها أسكن لقلبه من عدمها ، لم يصح له القعود عن المكاسب لأن فيه انتظار لغير الله ، وقال بعض العلماء : من طرقته فاقة تسعة أيام ، فتصور في قلبه طمع في خلق أو استشراف إلى عبد ، فالسوق أفضل له من المسجد ، وقال أبو سليمان الداراني : لا خير في عبد لزم القعود في البيت وقلبه معلق بقرع الباب متى يطرق بسبب ، وقال بعض علمائنا : إذا استوى عنده وجود السبب وعدمه ، وكان قلبه ساكنا مطمئنا عند العدم ، لم يشغله ذلك عن الله تعالى ، ولم يتفرق همه ، فترك التكسب والقعود لهذا ، أفضل لشغله بحاله وتزوده لمعاده ، وقد صح له مقام في التوكل ، وقال سهل وقد سئل : متى يصح للعبد التوكل ؟

Bosanski Tercümesi (Ehl-i Sünnet)

ولا يضر التصرف والتكسب لمن صح توكله ولايقدح في مقامه ولا ينقص من حاله قال الله سبحانه : ( وجعلنا النهار معاشا ) النبأ : 11 ، وقال تعالى : ( وجعلنا لكم فيها معايش قليلا ما تشكرون ) الأعراف : 10 وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم : أحل ما أكل العبد من كسب يده وكل بيع مبرور ، وقد كان الصانع بيده أحب إليهم من التاجر ، والتاجر أحب إليهم من البطال ، وقال ابن مسعود : إني لأكره أن يكون الرجل بطالا ليس في عمل دنيا ، ولا في عمل آخرة ، ولأن التوكل من شرط الإيمان ووصف الإسلام ، قال الله تعالى : ( إن كنتم آمنتم بالله فعليه توكلوا إن كنتم مسلمين ) يونس : 84 ، فاشترط في الإيمان به والإسلام له التوكل عليه ، فإن كان حال المتوكل التصرف فيما قد وجه فيه ودخل في الأسباب وهو ناظر إلى المسبب في تصريفه ، معتمد عليه واثق به في حركته ، متسبب فيما يقلبه فيه مولاه ، متعيش فيما يسببه له ويوجهه فيه ، عالم بأن الله تعالى قد أودع الأشياء منافع خلقه وجعلها خزائن حكمته ومفاتح رزقه ، ويكون أيضا متبعا للسنة والأثر تاركا الترفه والتنعم ، فهو في تكسبه وتصرفه أفضل ممن دخلت عليه العلل في توكله فساكنها ، وقد ذكر لنا عن بعض العلماء أنه رؤي يطحن برجله ، وكان قد ترك العمل أربعين سنة فقيل له : دخلت في التكسب بعد أن كنت قد تركته ؟ فقال : يا هذا ، إذا عدمنا عز التوكل لم نصبر على ذل الاستشراف ، فكذلك الأمر فيمن دخلت عليه الآفة في ترك التكسب ، فليخرج منها إلى الاحتراف ، ومن دخل عليه اليقين فاقتطعه فليقعد عن الاكتساب ، فالتكسب خير من التشرف إلى الخلق واعتياد المسألة ، وسالك على طريق فهو يصل وإن كان في طريقه بعد ، والتوكل لمن أقعد به ناظر إلى الوكيل أفضل لمن صح له لفراغ قلبه من الخلق وشغله بالخالق ، وهو طريق قريب فصاحبه مقرب ، والتارك للتكسب طمعا في الخلق وترفها للنفس وحبا للمسألة واتباعا للهوى ، سالك على غير طريق لا قريب ولا بعيد هو عن المحجة جائر ، كما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم : لأن يأخذ أحدكم فأسه وحبله فيذهب إلى الجبل فيحتطب فيأكل ويتصدق ، خير له من أن يسأل الناس أعطوه أو منعوه ، وقال صلى الله عليه وسلم : استغنوا عن الناس ولو بشوص السواك يعني بمضغه ، وقال : من يضمن لي خصلة واحدة ، أضمن له الجنة ، لا يسأل الناس شيئا ، وقال بعض علمائنا : من أنكر التكسب فقد طعن في السنة ، ومن أنكرالقعود عن التكسب فقد طعن في التوحيد ، وقال : بعث النبي صلى الله عليه وسلم إلى الخلق وهم أصناف كما هم اليوم ، منهم التاجر ، والصانع ، والقاعد ، ومن يسأل الناس ، ومن لم يسأل الناس ، فما قال للتاجر اترك تجارتك ولا قال للقاعد : اكتسب واصنع ، بل جاءهم بالإيمان واليقين في جميع أحوالهم وتركهم مع الله في التدبير ، فعمل كل واحد بعمله في حاله ، وقد كان بعض المتوكلين يقول : من لم يصبر على جوع ثلاثة أيام أخاف أن لا يسعه ترك العمل إذا وجده ، وقال أيضا : من فقد الأسباب فضعف قلبه ، أو كان وجودها أسكن لقلبه من عدمها ، لم يصح له القعود عن المكاسب لأن فيه انتظار لغير الله ، وقال بعض العلماء : من طرقته فاقة تسعة أيام ، فتصور في قلبه طمع في خلق أو استشراف إلى عبد ، فالسوق أفضل له من المسجد ، وقال أبو سليمان الداراني : لا خير في عبد لزم القعود في البيت وقلبه معلق بقرع الباب متى يطرق بسبب ، وقال بعض علمائنا : إذا استوى عنده وجود السبب وعدمه ، وكان قلبه ساكنا مطمئنا عند العدم ، لم يشغله ذلك عن الله تعالى ، ولم يتفرق همه ، فترك التكسب والقعود لهذا ، أفضل لشغله بحاله وتزوده لمعاده ، وقد صح له مقام في التوكل ، وقال سهل وقد سئل : متى يصح للعبد التوكل ؟

Dio V02/P024–V02/P026Ebû Tâlib el-Mekkî — Kûtü'l-Kulûb (s. V02/P024–V02/P026)
Orijinal Metin (AR)

فقال : إذا دخل عليه الضر في جسده ، والنقص في ماله ، فلم يلتفت إليه ولم يحزن عليه شغلا بحاله وينظر إلى قيام الله عليه ، وقال إبراهيم الخواص وهو إمام المتوكلين : من المتأخرين : ثلاثة مواطن حمل الزاد فيهن من آداب التوكل : القعود في المسجد والركوب في سفينة وصحبه القافلة ، وقال سفيان الثوري : العالم إذا لم يكن له معيشة صار وكيلا للظلمة ، والعابد إذا لم تكن له معيشة أكل بدينه ، والجاهل إذا لم تكن له معيشة كان سفيرا للفساق ، وقال بعض أهل المعرفة : الناس ثلاثة ، رجل شغله معاده عن معاشه فهذه درجة الفائزين ، ورجل شغله معاشه لمعاده فتلك حال الناجين ، وآخر شغله معاشه عن معاده فهذه صفة الهالكين . لفائزين ، ورجل شغله معاشه لمعاده فتلك حال الناجين ، وآخر شغله معاشه عن معاده فهذه صفة الهالكين . وروينا عن علي رضي الله عنه الرزق رزقان : رزق يطلبك ورزق تطلبه ، ففسره بعض العلماء فقال : الرزق الذي يطلبك هو رزق الغذاء ، والرزق الذي تطلبه رزق التمليك ، وهو طلب فضول القوت ، وقال أبو يعقوب السوسي وقد كان له مقام مكين في التوكل : التوكل على ثلاثة مقامات ، عام وخاص عام وخاص خاص ، فمن دخل في الأسباب واستعمل العلم وتوكل على الله تعالى ولم يتحقق باليقين فهو عام ، ومن ترك الأسباب وتوكل على الله وحقق في اليقين فهو خاص عام ، ومن خرج من الأسباب على حقيقته لوجود اليقين ، ثم دخل في الأسباب فتصرف لغيره فهذا خاص خاص ، وهذا وصف الطبقة العليا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم العشرة وغيرهم ، جودهم اليقين من الدنيا فأدخلهم العلم في الأسباب لغيرهم ردت عليهم أحوال الغير ، واتسعوا بالعلم على حقيقة اليقين ، ولذلك كان الخواص رحمه الله تعالى يقول : دخول الخصوص في الأسباب لغيرهم ردت عليهم أحوال الغير وجعلوا رازقين لهم ، فتصرفوا فيها لأجلهم وهم بريئون من التعلق بها ، وقد كان أبو جعفر الحداد شيخ الجنيد أحد المتوكلين وقال : أخفيت التوكل عشرين سنة ولا فارقت السوق ، أكتسب في كل يوم دينارا وعشرة دراهم ، أبيت منه دانقا ولا أستريح فيه إلى قيراط ، أدخل به الحمام بل أخرجه كله قبل الليل ، وكان الجنيد لا يتكلم في التوكل بحضرة أبي جعفر يقول : أستحي من الله أن أتكلم في مقامه وهو حاضر ، وقد شرط النبي صلى الله عليه وسلم للعطاء ترك المسألة والاستشراف تنزيها للفقراء وردا لهم إلى الله تعالى ، لأن في مسألة العبد الفقير ذلا ذليلا وحرصا على الدنيا جليلا ، وفي الاستشراف إلى العبيد طمع في غير مطمع ، ونظر إلى غير الله ، وإتيان البيوت من غير أبوابها ، ومنه ماروي عن النبي صلى الله عليه وسلم : مسألة الناس من الفواحش ما أحل من الفواحش غيرها ، وقال صلى الله عليه وسلم : من استغنى أغناه الله ، ومن استعف أعفه الله ، ومن فتح علىه نفسه باب مسألة فتح الله عليه باب فقر ، فكان الفقراء الصادقين جعل لهم أخذ العطاء ، بل ندبوا إلى قبوله عوضا لهم من ذلك لما منعوا من الاستشراف والسؤال تنزيها لهم وتفضيلا ، فمثلهم في ذلك مثل أهل البيت جعل لهم خمس الخمس من الغنائم لما حرمت عليهم الصدقة تفضيلا لهم وتشريفا ، وقد كان أحمد بن حنبل رحمه الله أمر أبا بكر المروزي أن يعطي بعض الفقراء شيئا فيه فضل عما كان استأجره عليه فرده ، فلما ولي قال له أحمد : ألحقه فادفعه فإنه يأخذه قال : فلحقه المروزي فدفعه إليه فأخذ ، فسأل أحمد عن ذلك : كيف رد في الأول وأخذ في الثاني ؟

Bosanski Tercümesi (Ehl-i Sünnet)

فقال : إذا دخل عليه الضر في جسده ، والنقص في ماله ، فلم يلتفت إليه ولم يحزن عليه شغلا بحاله وينظر إلى قيام الله عليه ، وقال إبراهيم الخواص وهو إمام المتوكلين : من المتأخرين : ثلاثة مواطن حمل الزاد فيهن من آداب التوكل : القعود في المسجد والركوب في سفينة وصحبه القافلة ، وقال سفيان الثوري : العالم إذا لم يكن له معيشة صار وكيلا للظلمة ، والعابد إذا لم تكن له معيشة أكل بدينه ، والجاهل إذا لم تكن له معيشة كان سفيرا للفساق ، وقال بعض أهل المعرفة : الناس ثلاثة ، رجل شغله معاده عن معاشه فهذه درجة الفائزين ، ورجل شغله معاشه لمعاده فتلك حال الناجين ، وآخر شغله معاشه عن معاده فهذه صفة الهالكين . لفائزين ، ورجل شغله معاشه لمعاده فتلك حال الناجين ، وآخر شغله معاشه عن معاده فهذه صفة الهالكين . وروينا عن علي رضي الله عنه الرزق رزقان : رزق يطلبك ورزق تطلبه ، ففسره بعض العلماء فقال : الرزق الذي يطلبك هو رزق الغذاء ، والرزق الذي تطلبه رزق التمليك ، وهو طلب فضول القوت ، وقال أبو يعقوب السوسي وقد كان له مقام مكين في التوكل : التوكل على ثلاثة مقامات ، عام وخاص عام وخاص خاص ، فمن دخل في الأسباب واستعمل العلم وتوكل على الله تعالى ولم يتحقق باليقين فهو عام ، ومن ترك الأسباب وتوكل على الله وحقق في اليقين فهو خاص عام ، ومن خرج من الأسباب على حقيقته لوجود اليقين ، ثم دخل في الأسباب فتصرف لغيره فهذا خاص خاص ، وهذا وصف الطبقة العليا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم العشرة وغيرهم ، جودهم اليقين من الدنيا فأدخلهم العلم في الأسباب لغيرهم ردت عليهم أحوال الغير ، واتسعوا بالعلم على حقيقة اليقين ، ولذلك كان الخواص رحمه الله تعالى يقول : دخول الخصوص في الأسباب لغيرهم ردت عليهم أحوال الغير وجعلوا رازقين لهم ، فتصرفوا فيها لأجلهم وهم بريئون من التعلق بها ، وقد كان أبو جعفر الحداد شيخ الجنيد أحد المتوكلين وقال : أخفيت التوكل عشرين سنة ولا فارقت السوق ، أكتسب في كل يوم دينارا وعشرة دراهم ، أبيت منه دانقا ولا أستريح فيه إلى قيراط ، أدخل به الحمام بل أخرجه كله قبل الليل ، وكان الجنيد لا يتكلم في التوكل بحضرة أبي جعفر يقول : أستحي من الله أن أتكلم في مقامه وهو حاضر ، وقد شرط النبي صلى الله عليه وسلم للعطاء ترك المسألة والاستشراف تنزيها للفقراء وردا لهم إلى الله تعالى ، لأن في مسألة العبد الفقير ذلا ذليلا وحرصا على الدنيا جليلا ، وفي الاستشراف إلى العبيد طمع في غير مطمع ، ونظر إلى غير الله ، وإتيان البيوت من غير أبوابها ، ومنه ماروي عن النبي صلى الله عليه وسلم : مسألة الناس من الفواحش ما أحل من الفواحش غيرها ، وقال صلى الله عليه وسلم : من استغنى أغناه الله ، ومن استعف أعفه الله ، ومن فتح علىه نفسه باب مسألة فتح الله عليه باب فقر ، فكان الفقراء الصادقين جعل لهم أخذ العطاء ، بل ندبوا إلى قبوله عوضا لهم من ذلك لما منعوا من الاستشراف والسؤال تنزيها لهم وتفضيلا ، فمثلهم في ذلك مثل أهل البيت جعل لهم خمس الخمس من الغنائم لما حرمت عليهم الصدقة تفضيلا لهم وتشريفا ، وقد كان أحمد بن حنبل رحمه الله أمر أبا بكر المروزي أن يعطي بعض الفقراء شيئا فيه فضل عما كان استأجره عليه فرده ، فلما ولي قال له أحمد : ألحقه فادفعه فإنه يأخذه قال : فلحقه المروزي فدفعه إليه فأخذ ، فسأل أحمد عن ذلك : كيف رد في الأول وأخذ في الثاني ؟

Dio V02/P026–V02/P027Ebû Tâlib el-Mekkî — Kûtü'l-Kulûb (s. V02/P026–V02/P027)
Orijinal Metin (AR)

فقال : إنه كان قد استشرف لذلك فرده ، وقد أحسن فلما انصرف أيست نفسه منه فلذلك قبل ، وقد كان الخواص إذا نظر إلى عبد في العطاء أو خاف اعتياد النفس له ، لم يقبل منه شيئا ، وكان يقول : صوفي لا يكون بحريف ، وهذا كله يحسن في حال المنفرد ، فأما ذو العيال فالأمر عليه واسع من ذلك ، ولابأس أن يأخذ لعياله كما أخذ لأجل غيره من الناس ، لأن عياله عيال الله عنده ، قد وكله بهم وأجرى أرزاقهم على يده ، فإن طلب لهم وحث على استخراج حقهم مما أوجب الله لهم لم ينقص ذلك من حاله ، وآخى رسول الله صلى الله عليه وسلم بين سعد بن الربيع وبين عبد الرحمن بن عوف ، فقال له سعد : أشاطرك مالي وأهلي ، فقال عبد الرحمن : بارك الله لك في أهلك ومالك ، دلوني على السوق ، فعمل يومه ذلك فراح بشيء من سمن وأقط ، فلو كان التكسب في الأسواق ينقص التوكل لم يختر عبد الرحمن وهو إمام الأئمة ما ينقص توكله ، ولكنه أحب إدخال المشقة على نفسه وكره التنعم ، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لمعاذ : إياك والتنعم ؛ فإن عباد الله ليسوا بالمتنعمين ، ورؤي فضالة بن عبيد أشعث أغبر جافيا وهو أمير مصر ، فقيل له : لم أنت هكذا ؟ فقال : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهانا عن الإرفاه وأمرنا أن نحتفي أحيانا ، ثم اختار عبد الرحمن أيضا إيثار أخيه بما أبره به رعاية لحق إخوته ولأن الله تعالى قد ندب إلى الإيثار ووصف به الأحباب ، وأعلى من عبد الرحمن مقاما إمام الأئمة أبو بكر الصديق رضي الله عنه ، لما بويع بالخلافة أخذ الأثواب تحت حضنه ودخل السوق ينادي : هذا في أتم أحواله ، حين أهل للخلافة وأقيم مقام النبوة ، حتى اجتمع المسلمون فكرهوا له ذلك فقال : لا تشغلوني عن عيالي ، فإني إن أضعتهم كنت لما سواهم أضيع ، حتى فرضوا له قوت أهل بيت من المسلمين ، لا وكس ولا شطط فلما رضوا جميعا بذلك وأنفقوا عليه ، ترك السوق لشغله بهم وبأمورهم ؛ ألا تراه كيف آثر القيام بحقه وما أوجب الله عليه لأهله ، وتواضع لله في حال رفعته ، وأسقط الخلق عن عينه ، حتى كره المسلمون ذلك فتركه بحكم ثان ، فكذلك التوكل لا يزال مع الحكم الأول ، حتى ينهج الله له طريقا آخر فيسلكه بطريق ثان ، وقد كان بعض علماء السلف يجمع إليه الناس للكلام عليهم فكان يقول : لو أعلم أن أهلي يحتاجون إلى باقة بقل ما تكلمت عليكم ، ففي هذا بيان وبرهان لمن لم تستهوه الأهواء في إنكار التكسب على أهل التوكل احتجاجا لنفسه واعتذارا من بطالته ، ولا يسع العلماء في الدين إلا البيان وكشف حقيقة العلم بالبرهان ، فالتكسب والأسباب طرق أودعها الله العطاء والأرزاق لا هي تعطى وترزق بمنزلة الأواسط من الأشخاص ، فالمتوكل المتسبب موقن أن الله سبحانه هو المعطي والمانع ، وأنه هو المسبب الرازق ، وأنه هو الأول في التصريف والآخر في التقليب ، فقلته ناظر إلى القسام ، ونفسه ساكنة إلى القسم ، وقلبه قانع راض بالمقسوم ، وجسمه متحرك في المعلوم الذي وجه فيه وسبب له ، وهو عارف بمقامه ، وبالمراد منه ، راض بحاله وما قد استسعى فيه وألزم إياه ، والذي ينقص المتوكل ، ويخرجه من حد التوكل ، اكتساب الشبهات للاستكثار ، أو السعي بالتكسب للجمع والافتخار ، أو الحرص على طلب ما حظره العلم عليه أو لطلب ما يكره المنال منه ، أو التسخط للأقدار إذا لم تؤاته على ماقدر ، أو ترك لنصح لمن عامله بأن يحتال عليه ، أو يدبر أو التشرف إلى الخلق أو الطمع في سبب ؛ فهذا كله لا يصح معه التوكل ، وقد قال بعض العلماء : إن العبد إذا دخل السوق للتكسب فكان درهمه أحب إليه من درهم غيره ، لم ينصح للمسلمين في المبايعة ، وهذا عنده يخرجه من التوكل ودخول الآفات ومساكنتها ، لقصور علم أو غلبة هوى يخرج العبد من التوكل ، وهو أن يكون متوكلا على الناس بأن يطمع فيهم ، أو يتصدى لهم بالتعرض والتصنع ، أو يكون متوكلا على صحة جسمه ودوام عوافيه وأنه لا يرزق إلا من كده ، أو يكون متوكلا على ماله بأن يثق به ويطمئن إليه ويحسب أنه إن افتقر انقطع رزقه ، وعلامة ذلك ضنته به وإعداده له ؛ عدة لكذا وعدة لكذا ، فهذه المعاني تخرج من التوكل ، فقد تخفي دقائقها وتدق حقائقها إلا على جهابذة العلماء الرابحين في العلم ، المتضلعين باليقين ، القائمين على الدوام بالشهادة ؛ فمن نظر إلى هذه المعاني من الأسباب والأشخاص أو سكن إليها سكون أنس ، فيقوى قلبه بوجودها فإنه يضطرب ويستوحش أو يضعف قلبه لفقدها فهي علة في توكله .

Bosanski Tercümesi (Ehl-i Sünnet)

فقال : إنه كان قد استشرف لذلك فرده ، وقد أحسن فلما انصرف أيست نفسه منه فلذلك قبل ، وقد كان الخواص إذا نظر إلى عبد في العطاء أو خاف اعتياد النفس له ، لم يقبل منه شيئا ، وكان يقول : صوفي لا يكون بحريف ، وهذا كله يحسن في حال المنفرد ، فأما ذو العيال فالأمر عليه واسع من ذلك ، ولابأس أن يأخذ لعياله كما أخذ لأجل غيره من الناس ، لأن عياله عيال الله عنده ، قد وكله بهم وأجرى أرزاقهم على يده ، فإن طلب لهم وحث على استخراج حقهم مما أوجب الله لهم لم ينقص ذلك من حاله ، وآخى رسول الله صلى الله عليه وسلم بين سعد بن الربيع وبين عبد الرحمن بن عوف ، فقال له سعد : أشاطرك مالي وأهلي ، فقال عبد الرحمن : بارك الله لك في أهلك ومالك ، دلوني على السوق ، فعمل يومه ذلك فراح بشيء من سمن وأقط ، فلو كان التكسب في الأسواق ينقص التوكل لم يختر عبد الرحمن وهو إمام الأئمة ما ينقص توكله ، ولكنه أحب إدخال المشقة على نفسه وكره التنعم ، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لمعاذ : إياك والتنعم ؛ فإن عباد الله ليسوا بالمتنعمين ، ورؤي فضالة بن عبيد أشعث أغبر جافيا وهو أمير مصر ، فقيل له : لم أنت هكذا ؟ فقال : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهانا عن الإرفاه وأمرنا أن نحتفي أحيانا ، ثم اختار عبد الرحمن أيضا إيثار أخيه بما أبره به رعاية لحق إخوته ولأن الله تعالى قد ندب إلى الإيثار ووصف به الأحباب ، وأعلى من عبد الرحمن مقاما إمام الأئمة أبو بكر الصديق رضي الله عنه ، لما بويع بالخلافة أخذ الأثواب تحت حضنه ودخل السوق ينادي : هذا في أتم أحواله ، حين أهل للخلافة وأقيم مقام النبوة ، حتى اجتمع المسلمون فكرهوا له ذلك فقال : لا تشغلوني عن عيالي ، فإني إن أضعتهم كنت لما سواهم أضيع ، حتى فرضوا له قوت أهل بيت من المسلمين ، لا وكس ولا شطط فلما رضوا جميعا بذلك وأنفقوا عليه ، ترك السوق لشغله بهم وبأمورهم ؛ ألا تراه كيف آثر القيام بحقه وما أوجب الله عليه لأهله ، وتواضع لله في حال رفعته ، وأسقط الخلق عن عينه ، حتى كره المسلمون ذلك فتركه بحكم ثان ، فكذلك التوكل لا يزال مع الحكم الأول ، حتى ينهج الله له طريقا آخر فيسلكه بطريق ثان ، وقد كان بعض علماء السلف يجمع إليه الناس للكلام عليهم فكان يقول : لو أعلم أن أهلي يحتاجون إلى باقة بقل ما تكلمت عليكم ، ففي هذا بيان وبرهان لمن لم تستهوه الأهواء في إنكار التكسب على أهل التوكل احتجاجا لنفسه واعتذارا من بطالته ، ولا يسع العلماء في الدين إلا البيان وكشف حقيقة العلم بالبرهان ، فالتكسب والأسباب طرق أودعها الله العطاء والأرزاق لا هي تعطى وترزق بمنزلة الأواسط من الأشخاص ، فالمتوكل المتسبب موقن أن الله سبحانه هو المعطي والمانع ، وأنه هو المسبب الرازق ، وأنه هو الأول في التصريف والآخر في التقليب ، فقلته ناظر إلى القسام ، ونفسه ساكنة إلى القسم ، وقلبه قانع راض بالمقسوم ، وجسمه متحرك في المعلوم الذي وجه فيه وسبب له ، وهو عارف بمقامه ، وبالمراد منه ، راض بحاله وما قد استسعى فيه وألزم إياه ، والذي ينقص المتوكل ، ويخرجه من حد التوكل ، اكتساب الشبهات للاستكثار ، أو السعي بالتكسب للجمع والافتخار ، أو الحرص على طلب ما حظره العلم عليه أو لطلب ما يكره المنال منه ، أو التسخط للأقدار إذا لم تؤاته على ماقدر ، أو ترك لنصح لمن عامله بأن يحتال عليه ، أو يدبر أو التشرف إلى الخلق أو الطمع في سبب ؛ فهذا كله لا يصح معه التوكل ، وقد قال بعض العلماء : إن العبد إذا دخل السوق للتكسب فكان درهمه أحب إليه من درهم غيره ، لم ينصح للمسلمين في المبايعة ، وهذا عنده يخرجه من التوكل ودخول الآفات ومساكنتها ، لقصور علم أو غلبة هوى يخرج العبد من التوكل ، وهو أن يكون متوكلا على الناس بأن يطمع فيهم ، أو يتصدى لهم بالتعرض والتصنع ، أو يكون متوكلا على صحة جسمه ودوام عوافيه وأنه لا يرزق إلا من كده ، أو يكون متوكلا على ماله بأن يثق به ويطمئن إليه ويحسب أنه إن افتقر انقطع رزقه ، وعلامة ذلك ضنته به وإعداده له ؛ عدة لكذا وعدة لكذا ، فهذه المعاني تخرج من التوكل ، فقد تخفي دقائقها وتدق حقائقها إلا على جهابذة العلماء الرابحين في العلم ، المتضلعين باليقين ، القائمين على الدوام بالشهادة ؛ فمن نظر إلى هذه المعاني من الأسباب والأشخاص أو سكن إليها سكون أنس ، فيقوى قلبه بوجودها فإنه يضطرب ويستوحش أو يضعف قلبه لفقدها فهي علة في توكله .

Dio V02/P027Ebû Tâlib el-Mekkî — Kûtü'l-Kulûb (s. V02/P027)
Orijinal Metin (AR)

عن عيالي ، فإني إن أضعتهم كنت لما سواهم أضيع ، حتى فرضوا له قوت أهل بيت من المسلمين ، لا وكس ولا شطط فلما رضوا جميعا بذلك وأنفقوا عليه ، ترك السوق لشغله بهم وبأمورهم ؛ ألا تراه كيف آثر القيام بحقه وما أوجب الله عليه لأهله ، وتواضع لله في حال رفعته ، وأسقط الخلق عن عينه ، حتى كره المسلمون ذلك فتركه بحكم ثان ، فكذلك التوكل لا يزال مع الحكم الأول ، حتى ينهج الله له طريقا آخر فيسلكه بطريق ثان ، وقد كان بعض علماء السلف يجمع إليه الناس للكلام عليهم فكان يقول : لو أعلم أن أهلي يحتاجون إلى باقة بقل ما تكلمت عليكم ، ففي هذا بيان وبرهان لمن لم تستهوه الأهواء في إنكار التكسب على أهل التوكل احتجاجا لنفسه واعتذارا من بطالته ، ولا يسع العلماء في الدين إلا البيان وكشف حقيقة العلم بالبرهان ، فالتكسب والأسباب طرق أودعها الله العطاء والأرزاق لا هي تعطى وترزق بمنزلة الأواسط من الأشخاص ، فالمتوكل المتسبب موقن أن الله سبحانه هو المعطي والمانع ، وأنه هو المسبب الرازق ، وأنه هو الأول في التصريف والآخر في التقليب ، فقلته ناظر إلى القسام ، ونفسه ساكنة إلى القسم ، وقلبه قانع راض بالمقسوم ، وجسمه متحرك في المعلوم الذي وجه فيه وسبب له ، وهو عارف بمقامه ، وبالمراد منه ، راض بحاله وما قد استسعى فيه وألزم إياه ، والذي ينقص المتوكل ، ويخرجه من حد التوكل ، اكتساب الشبهات للاستكثار ، أو السعي بالتكسب للجمع والافتخار ، أو الحرص على طلب ما حظره العلم عليه أو لطلب ما يكره المنال منه ، أو التسخط للأقدار إذا لم تؤاته على ماقدر ، أو ترك لنصح لمن عامله بأن يحتال عليه ، أو يدبر أو التشرف إلى الخلق أو الطمع في سبب ؛ فهذا كله لا يصح معه التوكل ، وقد قال بعض العلماء : إن العبد إذا دخل السوق للتكسب فكان درهمه أحب إليه من درهم غيره ، لم ينصح للمسلمين في المبايعة ، وهذا عنده يخرجه من التوكل ودخول الآفات ومساكنتها ، لقصور علم أو غلبة هوى يخرج العبد من التوكل ، وهو أن يكون متوكلا على الناس بأن يطمع فيهم ، أو يتصدى لهم بالتعرض والتصنع ، أو يكون متوكلا على صحة جسمه ودوام عوافيه وأنه لا يرزق إلا من كده ، أو يكون متوكلا على ماله بأن يثق به ويطمئن إليه ويحسب أنه إن افتقر انقطع رزقه ، وعلامة ذلك ضنته به وإعداده له ؛ عدة لكذا وعدة لكذا ، فهذه المعاني تخرج من التوكل ، فقد تخفي دقائقها وتدق حقائقها إلا على جهابذة العلماء الرابحين في العلم ، المتضلعين باليقين ، القائمين على الدوام بالشهادة ؛ فمن نظر إلى هذه المعاني من الأسباب والأشخاص أو سكن إليها سكون أنس ، فيقوى قلبه بوجودها فإنه يضطرب ويستوحش أو يضعف قلبه لفقدها فهي علة في توكله .

Bosanski Tercümesi (Ehl-i Sünnet)

عن عيالي ، فإني إن أضعتهم كنت لما سواهم أضيع ، حتى فرضوا له قوت أهل بيت من المسلمين ، لا وكس ولا شطط فلما رضوا جميعا بذلك وأنفقوا عليه ، ترك السوق لشغله بهم وبأمورهم ؛ ألا تراه كيف آثر القيام بحقه وما أوجب الله عليه لأهله ، وتواضع لله في حال رفعته ، وأسقط الخلق عن عينه ، حتى كره المسلمون ذلك فتركه بحكم ثان ، فكذلك التوكل لا يزال مع الحكم الأول ، حتى ينهج الله له طريقا آخر فيسلكه بطريق ثان ، وقد كان بعض علماء السلف يجمع إليه الناس للكلام عليهم فكان يقول : لو أعلم أن أهلي يحتاجون إلى باقة بقل ما تكلمت عليكم ، ففي هذا بيان وبرهان لمن لم تستهوه الأهواء في إنكار التكسب على أهل التوكل احتجاجا لنفسه واعتذارا من بطالته ، ولا يسع العلماء في الدين إلا البيان وكشف حقيقة العلم بالبرهان ، فالتكسب والأسباب طرق أودعها الله العطاء والأرزاق لا هي تعطى وترزق بمنزلة الأواسط من الأشخاص ، فالمتوكل المتسبب موقن أن الله سبحانه هو المعطي والمانع ، وأنه هو المسبب الرازق ، وأنه هو الأول في التصريف والآخر في التقليب ، فقلته ناظر إلى القسام ، ونفسه ساكنة إلى القسم ، وقلبه قانع راض بالمقسوم ، وجسمه متحرك في المعلوم الذي وجه فيه وسبب له ، وهو عارف بمقامه ، وبالمراد منه ، راض بحاله وما قد استسعى فيه وألزم إياه ، والذي ينقص المتوكل ، ويخرجه من حد التوكل ، اكتساب الشبهات للاستكثار ، أو السعي بالتكسب للجمع والافتخار ، أو الحرص على طلب ما حظره العلم عليه أو لطلب ما يكره المنال منه ، أو التسخط للأقدار إذا لم تؤاته على ماقدر ، أو ترك لنصح لمن عامله بأن يحتال عليه ، أو يدبر أو التشرف إلى الخلق أو الطمع في سبب ؛ فهذا كله لا يصح معه التوكل ، وقد قال بعض العلماء : إن العبد إذا دخل السوق للتكسب فكان درهمه أحب إليه من درهم غيره ، لم ينصح للمسلمين في المبايعة ، وهذا عنده يخرجه من التوكل ودخول الآفات ومساكنتها ، لقصور علم أو غلبة هوى يخرج العبد من التوكل ، وهو أن يكون متوكلا على الناس بأن يطمع فيهم ، أو يتصدى لهم بالتعرض والتصنع ، أو يكون متوكلا على صحة جسمه ودوام عوافيه وأنه لا يرزق إلا من كده ، أو يكون متوكلا على ماله بأن يثق به ويطمئن إليه ويحسب أنه إن افتقر انقطع رزقه ، وعلامة ذلك ضنته به وإعداده له ؛ عدة لكذا وعدة لكذا ، فهذه المعاني تخرج من التوكل ، فقد تخفي دقائقها وتدق حقائقها إلا على جهابذة العلماء الرابحين في العلم ، المتضلعين باليقين ، القائمين على الدوام بالشهادة ؛ فمن نظر إلى هذه المعاني من الأسباب والأشخاص أو سكن إليها سكون أنس ، فيقوى قلبه بوجودها فإنه يضطرب ويستوحش أو يضعف قلبه لفقدها فهي علة في توكله .

Dio V02/P027–V02/P028Ebû Tâlib el-Mekkî — Kûtü'l-Kulûb (s. V02/P027–V02/P028)
Orijinal Metin (AR)

وروينا عن بشر بن الحرث قال : إن العبد ليقرأ ، إياك نعبد وإياك نستعين ، فيقول الله تعالى : كذبت ، ما إياي تعبد ولا بي تستعين ؛ لو كنت تعبد إياي لم تؤثر هواك على رضاي ، ولو كنت بي تستعين لم تسكن إلى حولك ولا قوتك ولا إلى مالك ونفسك ، وإن التارك للتكسب والتصرف في الأسواق إذا كان في أدنى كفاية وأعين بالصبر والقناعة ، في مثل زماننا هذا أفضل وأتم حالا من المتكسب إذا خاف أن لا ينال المعيشة إلا بمعصية الله من دخوله في شبهة عيانا أو خيانة لإخوانه المسلمين ، ولأنه قد تعذر القيام بشرائط العلم مع مباشرة الأسباب وكثرة دخول الآفات والفساد في الاكتساب ، فترك ملابسة أهل الأسواق ومخالطتهم على هذا الوصف المكروه أقرب إلى السلامة لبعده من رؤية الأشياء ، وفقده مباشرتها ، لأن الحكم متعلق بالرؤية ، ومثل الحرام مثل المنكر إذا لم تره سقط عنك حكمه ، وليس الخبر كالمعاينة ولا المجاورة كالمباشرة ولا المعاين كالمخبر ، وذلك كخبر من زل عن حقيقة الكعبة على البعد إلا أنه متوجه إلى الشطر ، فصلاته جائزة ولو زل عنه أنملة مع المعاينة لها بطلت صلاته ، والتكسب ليس بفرض وقد يفترض بأحد معنيين بوجود العيال وعدم كفايتهم من وجه من الوجوه المباحة ، أو بأن يقطع عدمه عن فرض ويضعف عنه مع فقد ما يقام به الفرض مما لابد منه ، وقد كان بشر بن الحرث ترك التكسب ، وكان يتكلم في الحلال ويشدد فيه فقيل له : ياأبا نصر ، فأنت من أين تأكل ؟ فقال : من حيث تأكلون ، ولكن ليس من يأكل وهو يبكي مثل من يأكل وهو يضحك ، وقال مرة : ولكن يد أقصر من يد ولقمة أصغر من لقمة ، وقد كان للثوري خمسون دينارا يتجر له بها ، ثم أخذها في آخر أمره ففرقها على إخوانه وترك التكسب ، ويقال إنه فعل ذلك لما مات عياله ، وليس للعبد أن يحمل حال عياله على حاله إلا أن يكون اختيارهم كاختياره ، وصبرهم على فقرهم ومعرفتهم بفضله كمعرفته ، فجائز حينئذ أن يسير بهم سيريه ، ويسقط عنه التكسب لأجلهم ، لأنهم كهو في الحال مع سقوط المطالبة منهم بحقوقهم عليه ، وقد فعل ذلك جماعة من السلف ، وبعض العارفين يفضلون من لا معلوم له على من له معلوم ، وهم لا يرون ترك التكسب أفضل لأنه معلوم ، ويعد هؤلاء سكون القلب مع وجود المعلوم علة ، ولكن إذا سكن قلبه مع غير معلوم ، واجتمع همه وانقطع طمعه في حال المعدوم ؛ فهذا هو المقام وتفصيل هذا في التوسط من المقال عندي والله أعلم أن العبد لا يفضل بنفس عدم المعلوم ، كما لا يفضل بنفس القعود عن المكاسب ، وإنما يفضل بحاله من مقامه ؛ فإذا كان ذو المعلوم أحسن معرفة وأقوى يقينا ، فضل على من لامعلوم له ، ولا يكون سكون القلب وطمأنينة النفس أيضا مع وجود المعلوم علة في الحال على قدر المقام ، ولكن لا يكون مقاما يرفع به ولا حالا يفضل فيه ، إلا أن الطمع في الخلق وتشتت القلب مع وجود معلوم الكفاءة نقصان عند الكل وعندي ، وقطع الطمع في الخلق واجتماع القلب مع العدم أفضل وأعلى درجة عند الجماعة .

Bosanski Tercümesi (Ehl-i Sünnet)

وروينا عن بشر بن الحرث قال : إن العبد ليقرأ ، إياك نعبد وإياك نستعين ، فيقول الله تعالى : كذبت ، ما إياي تعبد ولا بي تستعين ؛ لو كنت تعبد إياي لم تؤثر هواك على رضاي ، ولو كنت بي تستعين لم تسكن إلى حولك ولا قوتك ولا إلى مالك ونفسك ، وإن التارك للتكسب والتصرف في الأسواق إذا كان في أدنى كفاية وأعين بالصبر والقناعة ، في مثل زماننا هذا أفضل وأتم حالا من المتكسب إذا خاف أن لا ينال المعيشة إلا بمعصية الله من دخوله في شبهة عيانا أو خيانة لإخوانه المسلمين ، ولأنه قد تعذر القيام بشرائط العلم مع مباشرة الأسباب وكثرة دخول الآفات والفساد في الاكتساب ، فترك ملابسة أهل الأسواق ومخالطتهم على هذا الوصف المكروه أقرب إلى السلامة لبعده من رؤية الأشياء ، وفقده مباشرتها ، لأن الحكم متعلق بالرؤية ، ومثل الحرام مثل المنكر إذا لم تره سقط عنك حكمه ، وليس الخبر كالمعاينة ولا المجاورة كالمباشرة ولا المعاين كالمخبر ، وذلك كخبر من زل عن حقيقة الكعبة على البعد إلا أنه متوجه إلى الشطر ، فصلاته جائزة ولو زل عنه أنملة مع المعاينة لها بطلت صلاته ، والتكسب ليس بفرض وقد يفترض بأحد معنيين بوجود العيال وعدم كفايتهم من وجه من الوجوه المباحة ، أو بأن يقطع عدمه عن فرض ويضعف عنه مع فقد ما يقام به الفرض مما لابد منه ، وقد كان بشر بن الحرث ترك التكسب ، وكان يتكلم في الحلال ويشدد فيه فقيل له : ياأبا نصر ، فأنت من أين تأكل ؟ فقال : من حيث تأكلون ، ولكن ليس من يأكل وهو يبكي مثل من يأكل وهو يضحك ، وقال مرة : ولكن يد أقصر من يد ولقمة أصغر من لقمة ، وقد كان للثوري خمسون دينارا يتجر له بها ، ثم أخذها في آخر أمره ففرقها على إخوانه وترك التكسب ، ويقال إنه فعل ذلك لما مات عياله ، وليس للعبد أن يحمل حال عياله على حاله إلا أن يكون اختيارهم كاختياره ، وصبرهم على فقرهم ومعرفتهم بفضله كمعرفته ، فجائز حينئذ أن يسير بهم سيريه ، ويسقط عنه التكسب لأجلهم ، لأنهم كهو في الحال مع سقوط المطالبة منهم بحقوقهم عليه ، وقد فعل ذلك جماعة من السلف ، وبعض العارفين يفضلون من لا معلوم له على من له معلوم ، وهم لا يرون ترك التكسب أفضل لأنه معلوم ، ويعد هؤلاء سكون القلب مع وجود المعلوم علة ، ولكن إذا سكن قلبه مع غير معلوم ، واجتمع همه وانقطع طمعه في حال المعدوم ؛ فهذا هو المقام وتفصيل هذا في التوسط من المقال عندي والله أعلم أن العبد لا يفضل بنفس عدم المعلوم ، كما لا يفضل بنفس القعود عن المكاسب ، وإنما يفضل بحاله من مقامه ؛ فإذا كان ذو المعلوم أحسن معرفة وأقوى يقينا ، فضل على من لامعلوم له ، ولا يكون سكون القلب وطمأنينة النفس أيضا مع وجود المعلوم علة في الحال على قدر المقام ، ولكن لا يكون مقاما يرفع به ولا حالا يفضل فيه ، إلا أن الطمع في الخلق وتشتت القلب مع وجود معلوم الكفاءة نقصان عند الكل وعندي ، وقطع الطمع في الخلق واجتماع القلب مع العدم أفضل وأعلى درجة عند الجماعة .

Dio V02/P028–V02/P029Ebû Tâlib el-Mekkî — Kûtü'l-Kulûb (s. V02/P028–V02/P029)
Orijinal Metin (AR)

وفي حديث حية وسوار ابني خالد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لهما : لاتيأسا من الرزق ما تهززت رؤوسكما ، فإن ابن آدم تلده أمه أحمر ليس عليه قشر ثم يرزقه الله بعد ، وقال صلى الله عليه وسلم : للرجل الذي ناوله التمرة لو لم تأتها لأتتك ، ويقال إن العبد لو هرب من رزقه لأدركه كما لو هرب من الموت لأدركه الموت ، وأن الرزق لا ينقطع عن العبد حتى يظهر له ملك الموت ، فحينئذ ينقطع عنه رزق الدنيا ويدخل في رزق الآخرة ، فيكون أول رزق الآخرة آخر رزق الدنيا ولا آخر لهذا الرزق ، وقال سهل بن عبد الله الدستوائي : لو أن العبد سأل الله أن لا يرزقه لم يستجب له ولقال له : ياجاهل ، أنا خلقتك ولا بد من أن أرزقك أبدا ، وقال وقد سئل عن القوت فقال : هو الحي الذي لا يموت فقيل : إنما سألتك عن القوام ، فقال : القوام هو العلم ، قيل : سألناك عن الغذاء ، فقال : الغذاء هو الذكر ، قيل : سألناك عن طعمة الجسد ، فقال : مالك وللجسد ، دع من تولاه أولا يتولاه آخرا ، إذا دخل عليه علة فرده إلى صانعه ؛ أما رأيت الصنعة إذا عابت ردوها إلى صانعها حتى يصلحها ، وقال الخواص وقد روينا عن سهل : إن الله تعالى يلقي على الخصوص الفاقة ويحوجهم إلى الخلق بالطمع فيهم ، ويلقي في قلوب الخلق المنع لهم فيحرمهم ما في أيديهم ليردهم إليه فإذا رجعوا إليه آيسين منقادين رزقهم من حيث لا يحتسبون ، ومن علامة الخصوص أنهم إذا استشرفوا إلى شيء حرموا ذلك الشيء وإذا سكنوا إلى عبد سلط عليهم ليرفع سكونهم إليه ، وقد كان بعضهم إذا جاءه السبب بعد تطلع إليه رده ، ومنهم من كان يخرجه ولا يتناول منه عقوبة لنفسه ، وكان ذو النون المصري يتكلم على إخوانه في علم التوحيد والمعرفة فسأله غلام شاب عن الخبز : من أين هو ؟ فقال : خذوا بيده واذهبوا به إلى الصوفية حتى يعلموه الأدب ، وقد حكي عن معروف أبي محفوظ الكرخي أنه ذكر له انقباض بشر عن الأسباب التي تفتتح له فقال : إن أخي بشرا قبضه الورع ، وأنا نشطتني المعرفة ، إلا أن معروفا كان لا يأخذ السبب إلا عند الحاجة ، ويأخذ منه ما لا بد له منه ، وكان لايدخر ، وكان قصير الأمل لم يكن يأمل البقاء من وقت صلاة إلى صلاة أخرى ؛ كان إذا صلى الظهر يقول للجيران : اطلبوا ؟ لكم من يصلي صلاة العصر ، وكان يقول : إنما أنا ضيف في دار مولاي إن أطعمني أكلت متى أطعمني ، وإن أجاعني صبرت حتى يطعمني ، وقد كان أبو محمد سهل يقول : المتوكل لا يسأل ولا يرد ولا يحتكر .

Bosanski Tercümesi (Ehl-i Sünnet)

وفي حديث حية وسوار ابني خالد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لهما : لاتيأسا من الرزق ما تهززت رؤوسكما ، فإن ابن آدم تلده أمه أحمر ليس عليه قشر ثم يرزقه الله بعد ، وقال صلى الله عليه وسلم : للرجل الذي ناوله التمرة لو لم تأتها لأتتك ، ويقال إن العبد لو هرب من رزقه لأدركه كما لو هرب من الموت لأدركه الموت ، وأن الرزق لا ينقطع عن العبد حتى يظهر له ملك الموت ، فحينئذ ينقطع عنه رزق الدنيا ويدخل في رزق الآخرة ، فيكون أول رزق الآخرة آخر رزق الدنيا ولا آخر لهذا الرزق ، وقال سهل بن عبد الله الدستوائي : لو أن العبد سأل الله أن لا يرزقه لم يستجب له ولقال له : ياجاهل ، أنا خلقتك ولا بد من أن أرزقك أبدا ، وقال وقد سئل عن القوت فقال : هو الحي الذي لا يموت فقيل : إنما سألتك عن القوام ، فقال : القوام هو العلم ، قيل : سألناك عن الغذاء ، فقال : الغذاء هو الذكر ، قيل : سألناك عن طعمة الجسد ، فقال : مالك وللجسد ، دع من تولاه أولا يتولاه آخرا ، إذا دخل عليه علة فرده إلى صانعه ؛ أما رأيت الصنعة إذا عابت ردوها إلى صانعها حتى يصلحها ، وقال الخواص وقد روينا عن سهل : إن الله تعالى يلقي على الخصوص الفاقة ويحوجهم إلى الخلق بالطمع فيهم ، ويلقي في قلوب الخلق المنع لهم فيحرمهم ما في أيديهم ليردهم إليه فإذا رجعوا إليه آيسين منقادين رزقهم من حيث لا يحتسبون ، ومن علامة الخصوص أنهم إذا استشرفوا إلى شيء حرموا ذلك الشيء وإذا سكنوا إلى عبد سلط عليهم ليرفع سكونهم إليه ، وقد كان بعضهم إذا جاءه السبب بعد تطلع إليه رده ، ومنهم من كان يخرجه ولا يتناول منه عقوبة لنفسه ، وكان ذو النون المصري يتكلم على إخوانه في علم التوحيد والمعرفة فسأله غلام شاب عن الخبز : من أين هو ؟ فقال : خذوا بيده واذهبوا به إلى الصوفية حتى يعلموه الأدب ، وقد حكي عن معروف أبي محفوظ الكرخي أنه ذكر له انقباض بشر عن الأسباب التي تفتتح له فقال : إن أخي بشرا قبضه الورع ، وأنا نشطتني المعرفة ، إلا أن معروفا كان لا يأخذ السبب إلا عند الحاجة ، ويأخذ منه ما لا بد له منه ، وكان لايدخر ، وكان قصير الأمل لم يكن يأمل البقاء من وقت صلاة إلى صلاة أخرى ؛ كان إذا صلى الظهر يقول للجيران : اطلبوا ؟ لكم من يصلي صلاة العصر ، وكان يقول : إنما أنا ضيف في دار مولاي إن أطعمني أكلت متى أطعمني ، وإن أجاعني صبرت حتى يطعمني ، وقد كان أبو محمد سهل يقول : المتوكل لا يسأل ولا يرد ولا يحتكر .

Dio V02/P029Ebû Tâlib el-Mekkî — Kûtü'l-Kulûb (s. V02/P029)
Orijinal Metin (AR)

ذكر الادخار مع التوكل

Bosanski Tercümesi (Ehl-i Sünnet)

ذكر الادخار مع التوكل

Dio V02/P029–V02/P031Ebû Tâlib el-Mekkî — Kûtü'l-Kulûb (s. V02/P029–V02/P031)
Orijinal Metin (AR)

ولا يضر الادخار مع صحة التوكل إذا كان مدخرا لله وفيه ، وكان ماله موقوفا على رضا مولاه لا مدخرا لحظوظ نفسه وهواه ، فهو حينئذ مدخرا لحقوق الله التي أوجبها عليه ، فإذا رآها بذل ماله فيها ، والقيام بحقوق الله لا ينقص مقامات العبد بل يزيدها علوا ، وحدثونا عن بعض أصحاب بشر بن الحرث قال : كنت عنده ضحوة من النهار ، فدخل عليه كهل أسمر خفيف العارضين ، فقام إليه بشر قال : وما رأيته قام لأحد غيره قال : ودفع إلي كفا من دراهم فقال : اشتر لنا من أطيب ما تقدر عليه من الطعام والطيب ، قال : وما قال لي قط مثل ذلك ، قال : فجئت بالطعام فوضعته بين يديه ، فأكل معه ، وما رأيته أكل مع غيره ، قال : فأكلنا حاجتنا وبقي من الطعام شيء كثير ، فأخذه الرجل فجمعه في ثوبه فجعله تحت يده وانصرف قال : فعجبت من فعله ذلك وكرهته له إذ لم يأمره بشر بذلك ولا هو استأذنه فيه ، فقال لي بشر بعد ذلك : لعلك أنكرت فعله ذلك ، قلت : نعم ، أخذ بقية الطعام من غير إذن ، فقال : تعرفه ؟ قلت لا ، قال : ذلك أخونا فتح الموصلي ، زارنا اليوم من الموصل ، وإنما أراد أن يعلمنا أن التوكل إذا صح لم يضر معه الادخار ، وترك الادخار إنما هو حال من مقامه قصر الأمل ، وقد يصح التوكل مع تأميل البقاء ، فإن كان أمله للحياة لطاعة مولاه وخدمته والجهاد في سبيل الله فضل ذلك ، وهذا طريق طائفة من الراجين والمستأنسين ، وإن كان أمله للحياة لأجل متعة نفسه ، وأخذ حظوظها من دنياه ، نقص ذلك من زهده في الدنيا ، فسرى النقص إلى توكله ، وما نقص من الزهد نقص من التوكل بحسابه ، وليس ما زاد في الزهد يزيد في التوكل بحسابه ، لأن الزهد من شرط خصوص التوكل ، وليس التوكل من شرط عموم الزهد ، فكل متوكل ذي مقام زاهد لا محالة ، وليس كل زاهد في مقام متوكلا لأن التوكل مقام والزهد حال ، والمقامات للمقربين والأحوال في أصحاب اليمين إلا أن من أعطى حقيقة الزهد فإنه يعطي التوكل لا محالة ، لأن حقائق الأحوال وثبوتها ، ودوام استقامة أهلها فيها ، ولزومها لقلوبهم هي مقامات ؛ فإذا جاز للمتوكل تأميل البقاء لشهر أو شهرين جاز له الادخار لذلك ، إلا أن طول الأمل يخرج من حقيقة التوكل عند الخواص ولا يخرجه من حده عندي ، وأكره للمتوكل الادخار لأكثر من أربعين يوما ، كما يكره تأميل البقاء لأكثر من أربعين ، ومن ادخر لصلاح قلبه وتسكين نفسه وقطع تشرفه إلى الناس ؛ إن كان مقامه السكون مع المعلوم ، فالادخار له أفضل ، فأما من ادخر لعياله لتسكن قلوبهم ولوجود رضاهم عن الله ، ولسقوط حكمهم عنه ليتفرغ لعبادة ربه ، فهو فاضل في ادخاره اتفقوا عليه ، ولأنه في ذلك قائم بحكم ربه راع لرعيته التي هو مسؤول عنها ، وقد ادخر رسول الله صلى الله عليه وسلم لعياله قوت سنة ليسن ذلك ، وقد نهي أم أيمن وغيرها أن تدخر شيئا لغد ، ونهى بلالا أيضا عن الادخار ليقتدي به أهل المقامات في ذلك ، كما روي أنه قبض صلى الله عليه وسلم وله بردان في الحف ينسحبان ، وقد كان عليه السلام أقصر أملا من ذلك ، كان يبول فيتيمم قبل أن يصل إلى الماء ، فيقال له في ذلك إن الماء منك قريب ، فقال : وما يدريني لعلي لا أبلغه ، ولكن فعله لئلا يهلك من طال أمله من أمته ، فجعل فعله نجاة له ، فهذا يدلك أن الادخار يتسع ويضيق على قدر مشاهدات العارفين ، من قبل أن الشريعة جاءت بالرخصة والعزيمة ؛ فالعزائم من الدين للأقوياء الحاملين ، والرخص من الدنيا للضعفاء المخمولين ، وقد كان الخواص يدقق في أحوال التوكل ويذكر أن الادخار يخرج من حد التوكل ، ولم يكن يفارقه أربعة أشياء ، وكان يقول : ادخارها من تمام حال المتوكل لأنها من أمور الدين ؛ الركوة والحبل والإبرة والخيوط والمقراض ، وكان سهل يضرب لمدخر مثلا في قصر الأمل وطوله فيقول : مثل من يترك الادخار مثل رجل يقول : أريد أن أخرج إلى الأيلة فيقال له : خذ رغيفا فإن قال : أريد أن أخرج إلى عبادان قيل له خذ رغيفين فإن قال : أريد أن أخرج إلى العسكر قيل له : خذ أربعة أرغفة قال : فكذلك ترك الادخار على قدر قصر الأمل وطوله ، وأعجب ما سمعت في انقطاع الأمل ما حكي أن موسى والخضر اجتمعا ، فشكا موسى إلى الخضر الجوع فقال : أقعد فقعد ، فتكلم الخضر بشيء فأقبل ظبي مخيض حتى وقف بينهما ، فوقع نصفين نصفه إلى الخضر مشويا ونصفه إلى موسى نيئا ، فقال له الخضر : قم فاقدح نارا واشو نصيبك ، وأخذ الخضر يأكل ، ففعل ذلك موسى ثم سأله : لم وقع نصفه إليك مشويا ؟

Bosanski Tercümesi (Ehl-i Sünnet)

ولا يضر الادخار مع صحة التوكل إذا كان مدخرا لله وفيه ، وكان ماله موقوفا على رضا مولاه لا مدخرا لحظوظ نفسه وهواه ، فهو حينئذ مدخرا لحقوق الله التي أوجبها عليه ، فإذا رآها بذل ماله فيها ، والقيام بحقوق الله لا ينقص مقامات العبد بل يزيدها علوا ، وحدثونا عن بعض أصحاب بشر بن الحرث قال : كنت عنده ضحوة من النهار ، فدخل عليه كهل أسمر خفيف العارضين ، فقام إليه بشر قال : وما رأيته قام لأحد غيره قال : ودفع إلي كفا من دراهم فقال : اشتر لنا من أطيب ما تقدر عليه من الطعام والطيب ، قال : وما قال لي قط مثل ذلك ، قال : فجئت بالطعام فوضعته بين يديه ، فأكل معه ، وما رأيته أكل مع غيره ، قال : فأكلنا حاجتنا وبقي من الطعام شيء كثير ، فأخذه الرجل فجمعه في ثوبه فجعله تحت يده وانصرف قال : فعجبت من فعله ذلك وكرهته له إذ لم يأمره بشر بذلك ولا هو استأذنه فيه ، فقال لي بشر بعد ذلك : لعلك أنكرت فعله ذلك ، قلت : نعم ، أخذ بقية الطعام من غير إذن ، فقال : تعرفه ؟ قلت لا ، قال : ذلك أخونا فتح الموصلي ، زارنا اليوم من الموصل ، وإنما أراد أن يعلمنا أن التوكل إذا صح لم يضر معه الادخار ، وترك الادخار إنما هو حال من مقامه قصر الأمل ، وقد يصح التوكل مع تأميل البقاء ، فإن كان أمله للحياة لطاعة مولاه وخدمته والجهاد في سبيل الله فضل ذلك ، وهذا طريق طائفة من الراجين والمستأنسين ، وإن كان أمله للحياة لأجل متعة نفسه ، وأخذ حظوظها من دنياه ، نقص ذلك من زهده في الدنيا ، فسرى النقص إلى توكله ، وما نقص من الزهد نقص من التوكل بحسابه ، وليس ما زاد في الزهد يزيد في التوكل بحسابه ، لأن الزهد من شرط خصوص التوكل ، وليس التوكل من شرط عموم الزهد ، فكل متوكل ذي مقام زاهد لا محالة ، وليس كل زاهد في مقام متوكلا لأن التوكل مقام والزهد حال ، والمقامات للمقربين والأحوال في أصحاب اليمين إلا أن من أعطى حقيقة الزهد فإنه يعطي التوكل لا محالة ، لأن حقائق الأحوال وثبوتها ، ودوام استقامة أهلها فيها ، ولزومها لقلوبهم هي مقامات ؛ فإذا جاز للمتوكل تأميل البقاء لشهر أو شهرين جاز له الادخار لذلك ، إلا أن طول الأمل يخرج من حقيقة التوكل عند الخواص ولا يخرجه من حده عندي ، وأكره للمتوكل الادخار لأكثر من أربعين يوما ، كما يكره تأميل البقاء لأكثر من أربعين ، ومن ادخر لصلاح قلبه وتسكين نفسه وقطع تشرفه إلى الناس ؛ إن كان مقامه السكون مع المعلوم ، فالادخار له أفضل ، فأما من ادخر لعياله لتسكن قلوبهم ولوجود رضاهم عن الله ، ولسقوط حكمهم عنه ليتفرغ لعبادة ربه ، فهو فاضل في ادخاره اتفقوا عليه ، ولأنه في ذلك قائم بحكم ربه راع لرعيته التي هو مسؤول عنها ، وقد ادخر رسول الله صلى الله عليه وسلم لعياله قوت سنة ليسن ذلك ، وقد نهي أم أيمن وغيرها أن تدخر شيئا لغد ، ونهى بلالا أيضا عن الادخار ليقتدي به أهل المقامات في ذلك ، كما روي أنه قبض صلى الله عليه وسلم وله بردان في الحف ينسحبان ، وقد كان عليه السلام أقصر أملا من ذلك ، كان يبول فيتيمم قبل أن يصل إلى الماء ، فيقال له في ذلك إن الماء منك قريب ، فقال : وما يدريني لعلي لا أبلغه ، ولكن فعله لئلا يهلك من طال أمله من أمته ، فجعل فعله نجاة له ، فهذا يدلك أن الادخار يتسع ويضيق على قدر مشاهدات العارفين ، من قبل أن الشريعة جاءت بالرخصة والعزيمة ؛ فالعزائم من الدين للأقوياء الحاملين ، والرخص من الدنيا للضعفاء المخمولين ، وقد كان الخواص يدقق في أحوال التوكل ويذكر أن الادخار يخرج من حد التوكل ، ولم يكن يفارقه أربعة أشياء ، وكان يقول : ادخارها من تمام حال المتوكل لأنها من أمور الدين ؛ الركوة والحبل والإبرة والخيوط والمقراض ، وكان سهل يضرب لمدخر مثلا في قصر الأمل وطوله فيقول : مثل من يترك الادخار مثل رجل يقول : أريد أن أخرج إلى الأيلة فيقال له : خذ رغيفا فإن قال : أريد أن أخرج إلى عبادان قيل له خذ رغيفين فإن قال : أريد أن أخرج إلى العسكر قيل له : خذ أربعة أرغفة قال : فكذلك ترك الادخار على قدر قصر الأمل وطوله ، وأعجب ما سمعت في انقطاع الأمل ما حكي أن موسى والخضر اجتمعا ، فشكا موسى إلى الخضر الجوع فقال : أقعد فقعد ، فتكلم الخضر بشيء فأقبل ظبي مخيض حتى وقف بينهما ، فوقع نصفين نصفه إلى الخضر مشويا ونصفه إلى موسى نيئا ، فقال له الخضر : قم فاقدح نارا واشو نصيبك ، وأخذ الخضر يأكل ، ففعل ذلك موسى ثم سأله : لم وقع نصفه إليك مشويا ؟

Dio V02/P031–V02/P032Ebû Tâlib el-Mekkî — Kûtü'l-Kulûb (s. V02/P031–V02/P032)
Orijinal Metin (AR)

فقال : إنه لم يبق لي في الدنيا أمل ، وعلى ذلك فإن الادخار ينقص من فضائل الزاهدين بمقدار ما يمنع من حقيقة الزهد ، وفي حديث شهر بن حوشب عن أبي أمامة في ذكر الفقير الذي أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم عليا وأسامة ، فغسلاه وكفنه ببردته فلما دفنه قال لأصحابه : إنه يبعث يوم القيامة ووجهه كالقمر ليلة البدر ، ولولا خصلة كانت فيه لبعث وجهه كالشمس الضاحية فقلنا : وما هي يا رسول الله قال : إنه كان صواما قواما كثير الذكر لله ، غير أنه كان إذا جاءه الشتاء ادخر حلة الصيف لصيفه ، وإذا جاءه الصيف ادخر حلة الشتاء لشتائه من قابل ، ثم قال : من أقل ما أوتيتم اليقين وعزيمة الصبر ، ومن أعطى حظه منها لم يبال ما فاته من قيام الليل وصيام النهار ، وحدثونا عن بعض العارفين قال : رأيت في النوم كأن القيامة قد قامت ، وكان الناس يساقون زمرة زمرة إلى الجنة على طبقات ، قال : فنظرت إلى طبقة أحسن الناس هيئة ، وأعلاهم مرتقى ، وأسرعهم سبقا ، فقلت هذه أفضلهم ، أكون فيهم قال : فذهبت لأخطو إليهم ، وأدخل معهم في طريقهم ، فإذا بملائكة حولهم قد منعوني ، وقالوا : قف مكانك حتى يجيء أصحابك فتدخل معهم فقلت : تمنعوني أن أكون مع هؤلاء السابقين ، فقالوا : هذا طريق لايسلكه إلا من لم يكن له إلا قميص واحد ، ومن كل شيء واحد ، وأنت لك قميصان ومن الأشياء زوجان ، قال : فانتبهت باكيا حزينا فجعلت على نفسي أن لا أملك من كل شيء إلا واحدا ، وقد كان حذيفة المرعشي يقول : منذ أربعين سنة لم أملك إلا قيمصا واحدا ، وكان كثير من السلف إذا استجد ثوبا أو شيئا أخرج الأول منهما ، وكانوا يستعملون الشيء الواحد من الأشياء الكثيرة ؛ وهذا كله داخل في التحقق بالزهد وهو من فضائل المتوكلين ، والخبر المشهور أن رجلا من أهل الصفة توفي فما وجدوا له كفنا ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : فتشوا ثوبه قال فوجدنا داخل أزاره دينارين ، فقال : كيتان ، وقد كان غيره من المسلمين يموت ويخلف عدة ، فلا يقول له ذلك لأن هذا كان حاله الزهد وإظهار الفقر فعابه الادخار . ا واشو نصيبك ، وأخذ الخضر يأكل ، ففعل ذلك موسى ثم سأله : لم وقع نصفه إليك مشويا ؟

Bosanski Tercümesi (Ehl-i Sünnet)

فقال : إنه لم يبق لي في الدنيا أمل ، وعلى ذلك فإن الادخار ينقص من فضائل الزاهدين بمقدار ما يمنع من حقيقة الزهد ، وفي حديث شهر بن حوشب عن أبي أمامة في ذكر الفقير الذي أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم عليا وأسامة ، فغسلاه وكفنه ببردته فلما دفنه قال لأصحابه : إنه يبعث يوم القيامة ووجهه كالقمر ليلة البدر ، ولولا خصلة كانت فيه لبعث وجهه كالشمس الضاحية فقلنا : وما هي يا رسول الله قال : إنه كان صواما قواما كثير الذكر لله ، غير أنه كان إذا جاءه الشتاء ادخر حلة الصيف لصيفه ، وإذا جاءه الصيف ادخر حلة الشتاء لشتائه من قابل ، ثم قال : من أقل ما أوتيتم اليقين وعزيمة الصبر ، ومن أعطى حظه منها لم يبال ما فاته من قيام الليل وصيام النهار ، وحدثونا عن بعض العارفين قال : رأيت في النوم كأن القيامة قد قامت ، وكان الناس يساقون زمرة زمرة إلى الجنة على طبقات ، قال : فنظرت إلى طبقة أحسن الناس هيئة ، وأعلاهم مرتقى ، وأسرعهم سبقا ، فقلت هذه أفضلهم ، أكون فيهم قال : فذهبت لأخطو إليهم ، وأدخل معهم في طريقهم ، فإذا بملائكة حولهم قد منعوني ، وقالوا : قف مكانك حتى يجيء أصحابك فتدخل معهم فقلت : تمنعوني أن أكون مع هؤلاء السابقين ، فقالوا : هذا طريق لايسلكه إلا من لم يكن له إلا قميص واحد ، ومن كل شيء واحد ، وأنت لك قميصان ومن الأشياء زوجان ، قال : فانتبهت باكيا حزينا فجعلت على نفسي أن لا أملك من كل شيء إلا واحدا ، وقد كان حذيفة المرعشي يقول : منذ أربعين سنة لم أملك إلا قيمصا واحدا ، وكان كثير من السلف إذا استجد ثوبا أو شيئا أخرج الأول منهما ، وكانوا يستعملون الشيء الواحد من الأشياء الكثيرة ؛ وهذا كله داخل في التحقق بالزهد وهو من فضائل المتوكلين ، والخبر المشهور أن رجلا من أهل الصفة توفي فما وجدوا له كفنا ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : فتشوا ثوبه قال فوجدنا داخل أزاره دينارين ، فقال : كيتان ، وقد كان غيره من المسلمين يموت ويخلف عدة ، فلا يقول له ذلك لأن هذا كان حاله الزهد وإظهار الفقر فعابه الادخار . ا واشو نصيبك ، وأخذ الخضر يأكل ، ففعل ذلك موسى ثم سأله : لم وقع نصفه إليك مشويا ؟

Dio V02/P032Ebû Tâlib el-Mekkî — Kûtü'l-Kulûb (s. V02/P032)
Orijinal Metin (AR)

فقال : إنه لم يبق لي في الدنيا أمل ، وعلى ذلك فإن الادخار ينقص من فضائل الزاهدين بمقدار ما يمنع من حقيقة الزهد ، وفي حديث شهر بن حوشب عن أبي أمامة في ذكر الفقير الذي أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم عليا وأسامة ، فغسلاه وكفنه ببردته فلما دفنه قال لأصحابه : إنه يبعث يوم القيامة ووجهه كالقمر ليلة البدر ، ولولا خصلة كانت فيه لبعث وجهه كالشمس الضاحية فقلنا : وما هي يا رسول الله قال : إنه كان صواما قواما كثير الذكر لله ، غير أنه كان إذا جاءه الشتاء ادخر حلة الصيف لصيفه ، وإذا جاءه الصيف ادخر حلة الشتاء لشتائه من قابل ، ثم قال : من أقل ما أوتيتم اليقين وعزيمة الصبر ، ومن أعطى حظه منها لم يبال ما فاته من قيام الليل وصيام النهار ، وحدثونا عن بعض العارفين قال : رأيت في النوم كأن القيامة قد قامت ، وكان الناس يساقون زمرة زمرة إلى الجنة على طبقات ، قال : فنظرت إلى طبقة أحسن الناس هيئة ، وأعلاهم مرتقى ، وأسرعهم سبقا ، فقلت هذه أفضلهم ، أكون فيهم قال : فذهبت لأخطو إليهم ، وأدخل معهم في طريقهم ، فإذا بملائكة حولهم قد منعوني ، وقالوا : قف مكانك حتى يجيء أصحابك فتدخل معهم فقلت : تمنعوني أن أكون مع هؤلاء السابقين ، فقالوا : هذا طريق لايسلكه إلا من لم يكن له إلا قميص واحد ، ومن كل شيء واحد ، وأنت لك قميصان ومن الأشياء زوجان ، قال : فانتبهت باكيا حزينا فجعلت على نفسي أن لا أملك من كل شيء إلا واحدا ، وقد كان حذيفة المرعشي يقول : منذ أربعين سنة لم أملك إلا قيمصا واحدا ، وكان كثير من السلف إذا استجد ثوبا أو شيئا أخرج الأول منهما ، وكانوا يستعملون الشيء الواحد من الأشياء الكثيرة ؛ وهذا كله داخل في التحقق بالزهد وهو من فضائل المتوكلين ، والخبر المشهور أن رجلا من أهل الصفة توفي فما وجدوا له كفنا ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : فتشوا ثوبه قال فوجدنا داخل أزاره دينارين ، فقال : كيتان ، وقد كان غيره من المسلمين يموت ويخلف عدة ، فلا يقول له ذلك لأن هذا كان حاله الزهد وإظهار الفقر فعابه الادخار .

Bosanski Tercümesi (Ehl-i Sünnet)

فقال : إنه لم يبق لي في الدنيا أمل ، وعلى ذلك فإن الادخار ينقص من فضائل الزاهدين بمقدار ما يمنع من حقيقة الزهد ، وفي حديث شهر بن حوشب عن أبي أمامة في ذكر الفقير الذي أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم عليا وأسامة ، فغسلاه وكفنه ببردته فلما دفنه قال لأصحابه : إنه يبعث يوم القيامة ووجهه كالقمر ليلة البدر ، ولولا خصلة كانت فيه لبعث وجهه كالشمس الضاحية فقلنا : وما هي يا رسول الله قال : إنه كان صواما قواما كثير الذكر لله ، غير أنه كان إذا جاءه الشتاء ادخر حلة الصيف لصيفه ، وإذا جاءه الصيف ادخر حلة الشتاء لشتائه من قابل ، ثم قال : من أقل ما أوتيتم اليقين وعزيمة الصبر ، ومن أعطى حظه منها لم يبال ما فاته من قيام الليل وصيام النهار ، وحدثونا عن بعض العارفين قال : رأيت في النوم كأن القيامة قد قامت ، وكان الناس يساقون زمرة زمرة إلى الجنة على طبقات ، قال : فنظرت إلى طبقة أحسن الناس هيئة ، وأعلاهم مرتقى ، وأسرعهم سبقا ، فقلت هذه أفضلهم ، أكون فيهم قال : فذهبت لأخطو إليهم ، وأدخل معهم في طريقهم ، فإذا بملائكة حولهم قد منعوني ، وقالوا : قف مكانك حتى يجيء أصحابك فتدخل معهم فقلت : تمنعوني أن أكون مع هؤلاء السابقين ، فقالوا : هذا طريق لايسلكه إلا من لم يكن له إلا قميص واحد ، ومن كل شيء واحد ، وأنت لك قميصان ومن الأشياء زوجان ، قال : فانتبهت باكيا حزينا فجعلت على نفسي أن لا أملك من كل شيء إلا واحدا ، وقد كان حذيفة المرعشي يقول : منذ أربعين سنة لم أملك إلا قيمصا واحدا ، وكان كثير من السلف إذا استجد ثوبا أو شيئا أخرج الأول منهما ، وكانوا يستعملون الشيء الواحد من الأشياء الكثيرة ؛ وهذا كله داخل في التحقق بالزهد وهو من فضائل المتوكلين ، والخبر المشهور أن رجلا من أهل الصفة توفي فما وجدوا له كفنا ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : فتشوا ثوبه قال فوجدنا داخل أزاره دينارين ، فقال : كيتان ، وقد كان غيره من المسلمين يموت ويخلف عدة ، فلا يقول له ذلك لأن هذا كان حاله الزهد وإظهار الفقر فعابه الادخار .

%0
10 Bölüm