Bagian V13/P140–V13/P141Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb (s. V13/P140–V13/P141)
Orijinal Metin (AR)والمرتبة الثالثة : وهي تركيب البديهيات حتى يتوصل بتركيباتها إلى تعرف المجهولات النظرية ، فهي المراد من قوله تعالى : { وجعلنا له نورا } . والمرتبة الرابعة : وهي قوله : { يمشي به فى الناس } إشارة إلى كونه مستحضرا لتلك الجلايا القدسية ناظرا إليها ، وعند هذا تتم درجات سعادات النفس الإنسانية ، ويمكن أن يقال أيضا الحياة عبارة عن الاستعداد القائم بجوهر الروح ، والنور عبارة عن إيصال نور الوحي والتنزيل به . فإنه لا بد في الإبصار من أمرين : من سلامة الحاسة ، ومن طلوع الشمس ، فكذلك البصيرة لا بد فيها من أمرين : من سلامة حاسة العقل ، ومن طلوع نور الوحي والتنزيل ، فلهذا السبب قال المفسرون : المراد بهذا النور ، القرآن . ومنهم من قال : هو نور الدين ، ومنهم من قال : هو نور الحكمة ، والأقوال بأسرها متقاربة ، والتحقيق ما ذكرناه . وأما مثل الكافر { فهو كمن في الظلمات ليس بخارج منها } وفي قوله : { ليس بخارج منها } دقيقة عقلية ، وهي أن الشيء إذا دام حصوله مع الشيء صار كالأمر الذاتي والصفة اللازمة له . فإذا دام كون الكافر في ظلمات الجهل والأخلاق الذميمة صارت تلك الظلمات كالصفة الذاتية اللازمة له يعسر إزالتها عنه ، نعوذ بالله من هذه الحالة . وأيضا الواقف في الظلمات يبقى متحيرا لا يهتدي إلى وجه صلاحه فيستولي عليه الخوف والفزع ، والعجز والوقوف . المسألة الرابعة : اختلفوا في أن هذين المثلين المذكورين هل هما مخصوصان بإنسانين معينين أو عامان في كل مؤمن وكافر . فيه قولان : الأول : أنه خاص بإنسانين على التعيين ، ثم فيه وجوه : الأول : قال ابن عباس : إن أبا جهل رمى النبي صلى الله عليه وسلم بفرث وحمزة يومئذ لم يؤمن ، فأخبر حمزة بذلك عند قدومه من صيد له والقوس بيده ، فعمد إلى أبي جهل وتوخاه بالقوس ، وجعل يضرب رأسه ، فقال له أبو جهل : أما ترى ما جاء به ؟ سفه عقولنا ، وسب آلهتنا ، فقال / حمزة : أنتم أسفه الناس ، تعبدون الحجارة من دون الله ، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله ، فنزلت هذه الآية . والرواية الثانية : قال مقاتل : نزلت هذه الآية في النبي صلى الله عليه وسلم وأبي جهل وذلك أنه قال : زاحمنا بنو عبد مناف في الشرف ، حتى إذا صرنا كفرسى رهان ، قالوا منا نبي يوحى إليه . والله لا نؤمن به ، إلا أن يأتينا وحي كما يأتيه فنزلت هذه الآية . والرواية الثالثة : قال عكرمة والكلبي : نزلت في عمار بن ياسر وأبي جهل . والرواية الرابعة : قال الضحاك : نزلت في عمر بن الخطاب وأبي جهل . والقول الثاني : إن هذه الآية عامة في حق جميع المؤمنين والكافرين ، وهذا هو الحق ، لأن المعنى إذا كان حاصلا في الكل ، كان التخصيص محض التحكم ، وأيضا قد ذكرنا أن هذه السورة نزلت دفعة واحدة / فالقول بأن سبب نزول هذه الآية المعينة ، كذا وكذا مشكل ، إلا إذا قيل إن النبي صلى الله عليه وسلم قال : إن مراد الله تعالى من هذه الآية العامة ، فلان بعينه .
Bahasa Indonesia Tercümesi (Ehl-i Sünnet)والمرتبة الثالثة : وهي تركيب البديهيات حتى يتوصل بتركيباتها إلى تعرف المجهولات النظرية ، فهي المراد من قوله تعالى : { وجعلنا له نورا } . والمرتبة الرابعة : وهي قوله : { يمشي به فى الناس } إشارة إلى كونه مستحضرا لتلك الجلايا القدسية ناظرا إليها ، وعند هذا تتم درجات سعادات النفس الإنسانية ، ويمكن أن يقال أيضا الحياة عبارة عن الاستعداد القائم بجوهر الروح ، والنور عبارة عن إيصال نور الوحي والتنزيل به . فإنه لا بد في الإبصار من أمرين : من سلامة الحاسة ، ومن طلوع الشمس ، فكذلك البصيرة لا بد فيها من أمرين : من سلامة حاسة العقل ، ومن طلوع نور الوحي والتنزيل ، فلهذا السبب قال المفسرون : المراد بهذا النور ، القرآن . ومنهم من قال : هو نور الدين ، ومنهم من قال : هو نور الحكمة ، والأقوال بأسرها متقاربة ، والتحقيق ما ذكرناه . وأما مثل الكافر { فهو كمن في الظلمات ليس بخارج منها } وفي قوله : { ليس بخارج منها } دقيقة عقلية ، وهي أن الشيء إذا دام حصوله مع الشيء صار كالأمر الذاتي والصفة اللازمة له . فإذا دام كون الكافر في ظلمات الجهل والأخلاق الذميمة صارت تلك الظلمات كالصفة الذاتية اللازمة له يعسر إزالتها عنه ، نعوذ بالله من هذه الحالة . وأيضا الواقف في الظلمات يبقى متحيرا لا يهتدي إلى وجه صلاحه فيستولي عليه الخوف والفزع ، والعجز والوقوف . المسألة الرابعة : اختلفوا في أن هذين المثلين المذكورين هل هما مخصوصان بإنسانين معينين أو عامان في كل مؤمن وكافر . فيه قولان : الأول : أنه خاص بإنسانين على التعيين ، ثم فيه وجوه : الأول : قال ابن عباس : إن أبا جهل رمى النبي صلى الله عليه وسلم بفرث وحمزة يومئذ لم يؤمن ، فأخبر حمزة بذلك عند قدومه من صيد له والقوس بيده ، فعمد إلى أبي جهل وتوخاه بالقوس ، وجعل يضرب رأسه ، فقال له أبو جهل : أما ترى ما جاء به ؟ سفه عقولنا ، وسب آلهتنا ، فقال / حمزة : أنتم أسفه الناس ، تعبدون الحجارة من دون الله ، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله ، فنزلت هذه الآية . والرواية الثانية : قال مقاتل : نزلت هذه الآية في النبي صلى الله عليه وسلم وأبي جهل وذلك أنه قال : زاحمنا بنو عبد مناف في الشرف ، حتى إذا صرنا كفرسى رهان ، قالوا منا نبي يوحى إليه . والله لا نؤمن به ، إلا أن يأتينا وحي كما يأتيه فنزلت هذه الآية . والرواية الثالثة : قال عكرمة والكلبي : نزلت في عمار بن ياسر وأبي جهل . والرواية الرابعة : قال الضحاك : نزلت في عمر بن الخطاب وأبي جهل . والقول الثاني : إن هذه الآية عامة في حق جميع المؤمنين والكافرين ، وهذا هو الحق ، لأن المعنى إذا كان حاصلا في الكل ، كان التخصيص محض التحكم ، وأيضا قد ذكرنا أن هذه السورة نزلت دفعة واحدة / فالقول بأن سبب نزول هذه الآية المعينة ، كذا وكذا مشكل ، إلا إذا قيل إن النبي صلى الله عليه وسلم قال : إن مراد الله تعالى من هذه الآية العامة ، فلان بعينه .
Bagian V13/P141–V13/P142Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb (s. V13/P141–V13/P142)
Orijinal Metin (AR)المسألة الخامسة : هذه الآية من أقوى الدلائل أيضا على أن الكفر والإيمان من الله تعالى ، لأن قوله : { فأحييناه } وقوله : { وجعلنا له نورا يمشي به فى الناس } قد بينا أنه كناية عن المعرفة والهدى ، وذلك يدل على أن كل هذه الأمور إنما تحصل من الله تعالى وبإذنه ، والدلائل العقلية ساعدت على صحته ، وهو دليل الداعي على ما لخصناه ، وأيضا أن عاقلا لا يختار الجهل والكفر لنفسه ، فمن المحال أن يختار الإنسان جعل نفسه جاهلا كافرا ، فلما قصد تحصيل الإيمان والمعرفة ، ولم يحصل ذلك ، وإنما حصل ضده وهو الكفر والجهل ، علمنا أن ذلك حصل بإيجاد غيره . فإن قالوا إنما اختاره لاعتقاده في ذلك الجهل أنه علم . قلنا : فحاصل هذا الكلام أنه إنما اختار هذا الجهل لسابقة جهل آخر ، فإن كان الكلام في ذلك الجهل السابق كما في المسبوق لزم الذهاب إلى غير النهاية ، وإلا فوجب الانتهاء إلى جهل يحصل فيه لإيجاده وتكوينه ، وهو المطلوب . ! 7 < { وكذالك جعلنا في كل قرية أكابر مجرميها ليمكروا فيها وما يمكرون إلا بأنفسهم وما يشعرون } . > 7 < الأنعام : ( 123 ) وكذلك جعلنا في . . . . . > > / المسألة الأولى : ( الكاف ) في قوله : { وكذالك } يوجب التشبيه ، وفيه قولان : الأول : وكما جعلنا في مكة صناديدها ليمكروا فيها ، كذلك جعلنا في كل قرية أكابر مجرميها . الثاني : أنه معطوف على ماقبله ، أي كما زينا للكافرين أعمالهم ، كذلك جعلنا . المسألة الثانية : الأكابر جمع الأكبر الذي هو اسم ، والآية على التقديم والتأخير تقديره : جعلنا مجرميها أكابر ، ولا يجوز أن يكون الأكابر مضافة ، فإنه لا يتم المعنى ، ويحتاج إلى إضمار المفعول الثاني للجعل ، لأنك إذا قلت : جعلت زيدا ، وسكت ، لم يفد الكلام حتى تقول رئيسا أو ذليلا أو ما أشبه ذلك ، لاقتضاء الجعل مفعولين ، ولأنك إذا أضفت الأكابر ، فقد أضفت الصفة إلى الموصوف ، وذلك لا يجوز عند البصريين . المسألة الثالثة : صار تقدير الآية : جعلنا في كل قرية مجرميها أكابر ليمكروا فيها ، وذلك يقتضي أنه تعالى إنما جعلهم بهذه الصفة ، لأنه أراد منهم أن يمكروا بالناس ، فهذا أيضا يدل على أن الخير والشر بإرادة الله تعالى . أجاب الجبائي عنه : بأن حمل هذه اللام على لام العاقبة . وذكر غيره أنه تعالى لما لم يمنعهم عن المكر صار شبيها بما إذا أراد ذلك ، فجاء الكلام على سبيل التشبيه ، وهذا السؤال مع جوابه قد تكرر مرارا خارجة عن الحد والحصر . المسألة الرابعة : قال الزجاج : إنما جعل المجرمين أكابر ، لأنهم لأجل رياستهم أقدر على الغدر والمكر وترويج الأباطيل على الناس من غيرهم ، ولأن كثرة المال وقوة الجاه تحمل الإنسان على المبالغة في حفظهما ، وذلك الحفظ لا يتم إلا بجميع الأخلاق الذميمة من الغدر والمكر ، والكذب ، والغيبة ، والنميمة ، والإيمان الكاذبة ، ولو لم يكن للمال والجاه عيب سوى أن الله تعالى حكم بأنه إنما وصف بهذه الصفات الذميمة من كان له مال وجاه ، لكفى ذلك دليلا على خساسة المال والجاه .
Bahasa Indonesia Tercümesi (Ehl-i Sünnet)المسألة الخامسة : هذه الآية من أقوى الدلائل أيضا على أن الكفر والإيمان من الله تعالى ، لأن قوله : { فأحييناه } وقوله : { وجعلنا له نورا يمشي به فى الناس } قد بينا أنه كناية عن المعرفة والهدى ، وذلك يدل على أن كل هذه الأمور إنما تحصل من الله تعالى وبإذنه ، والدلائل العقلية ساعدت على صحته ، وهو دليل الداعي على ما لخصناه ، وأيضا أن عاقلا لا يختار الجهل والكفر لنفسه ، فمن المحال أن يختار الإنسان جعل نفسه جاهلا كافرا ، فلما قصد تحصيل الإيمان والمعرفة ، ولم يحصل ذلك ، وإنما حصل ضده وهو الكفر والجهل ، علمنا أن ذلك حصل بإيجاد غيره . فإن قالوا إنما اختاره لاعتقاده في ذلك الجهل أنه علم . قلنا : فحاصل هذا الكلام أنه إنما اختار هذا الجهل لسابقة جهل آخر ، فإن كان الكلام في ذلك الجهل السابق كما في المسبوق لزم الذهاب إلى غير النهاية ، وإلا فوجب الانتهاء إلى جهل يحصل فيه لإيجاده وتكوينه ، وهو المطلوب . ! 7 < { وكذالك جعلنا في كل قرية أكابر مجرميها ليمكروا فيها وما يمكرون إلا بأنفسهم وما يشعرون } . > 7 < الأنعام : ( 123 ) وكذلك جعلنا في . . . . . > > / المسألة الأولى : ( الكاف ) في قوله : { وكذالك } يوجب التشبيه ، وفيه قولان : الأول : وكما جعلنا في مكة صناديدها ليمكروا فيها ، كذلك جعلنا في كل قرية أكابر مجرميها . الثاني : أنه معطوف على ماقبله ، أي كما زينا للكافرين أعمالهم ، كذلك جعلنا . المسألة الثانية : الأكابر جمع الأكبر الذي هو اسم ، والآية على التقديم والتأخير تقديره : جعلنا مجرميها أكابر ، ولا يجوز أن يكون الأكابر مضافة ، فإنه لا يتم المعنى ، ويحتاج إلى إضمار المفعول الثاني للجعل ، لأنك إذا قلت : جعلت زيدا ، وسكت ، لم يفد الكلام حتى تقول رئيسا أو ذليلا أو ما أشبه ذلك ، لاقتضاء الجعل مفعولين ، ولأنك إذا أضفت الأكابر ، فقد أضفت الصفة إلى الموصوف ، وذلك لا يجوز عند البصريين . المسألة الثالثة : صار تقدير الآية : جعلنا في كل قرية مجرميها أكابر ليمكروا فيها ، وذلك يقتضي أنه تعالى إنما جعلهم بهذه الصفة ، لأنه أراد منهم أن يمكروا بالناس ، فهذا أيضا يدل على أن الخير والشر بإرادة الله تعالى . أجاب الجبائي عنه : بأن حمل هذه اللام على لام العاقبة . وذكر غيره أنه تعالى لما لم يمنعهم عن المكر صار شبيها بما إذا أراد ذلك ، فجاء الكلام على سبيل التشبيه ، وهذا السؤال مع جوابه قد تكرر مرارا خارجة عن الحد والحصر . المسألة الرابعة : قال الزجاج : إنما جعل المجرمين أكابر ، لأنهم لأجل رياستهم أقدر على الغدر والمكر وترويج الأباطيل على الناس من غيرهم ، ولأن كثرة المال وقوة الجاه تحمل الإنسان على المبالغة في حفظهما ، وذلك الحفظ لا يتم إلا بجميع الأخلاق الذميمة من الغدر والمكر ، والكذب ، والغيبة ، والنميمة ، والإيمان الكاذبة ، ولو لم يكن للمال والجاه عيب سوى أن الله تعالى حكم بأنه إنما وصف بهذه الصفات الذميمة من كان له مال وجاه ، لكفى ذلك دليلا على خساسة المال والجاه .
Bagian V13/P142–V13/P143Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb (s. V13/P142–V13/P143)
Orijinal Metin (AR)ثم قال تعالى : { وما يمكرون إلا بأنفسهم وما يشعرون } والمراد منه ما ذكره الله تعالى في آية أخرى ، وهي قوله : { ولا يحيق المكر السيىء إلا بأهله } وقد ذكرنا حقيقة ذلك في أول سورة البقرة في تفسير قوله تعالى : { الله يستهزىء بهم } قالت المعتزلة : لا شك أن قوله : { وما يمكرون إلا بأنفسهم وما يشعرون } مذكور في معرض التهديد والزجر ، فلو كان ما قبل هذه الآية يدل على أنه تعالى أراد منهم أن يمكروا بالناس ، فكيف يليق بالرحيم الكريم الحكيم الحليم أن يريد منهم المكر ، ويخلق فيهم المكر ، ثم يهددهم عليه ويعاقبهم أشد العقاب عليه ؟ واعلم أن معارضة هذا الكلام / بالوجوه المشهورة قد ذكرناها مرارا . ! 7 < { وإذا جآءتهم ءاية قالوا لن نؤمن حتى نؤتى مثل مآ أوتى رسل الله الله أعلم حيث يجعل رسالته سيصيب الذين أجرموا صغار عند الله وعذاب شديد بما كانوا يمكرون } . > 7 ! < < الأنعام : ( 124 ) وإذا جاءتهم آية . . . . . > > اعلم أنه تعالى حكى عن مكر هؤلاء الكفار وحسدهم أنهم متى ظهرت لهم معجزة قاهرة تدل على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم قالوا : لن نؤمن حتى يحصل لنا مثل هذا المنصب من عند الله ، وهذا يدل على نهاية حسدهم ، وأنهم إنما بقوا مصرين على الكفر لا لطلب الحجة والدلائل ، بل لنهاية الحسد . قال المفسرون : قال الوليد بن المغيرة : والله لو كانت النبوة حقا لكنت أنا أحق بها من محمد ، فإني أكثر منه مالا وولدا ، فنزلت هذه الآية . وقال الضحاك : أراد كل واحد منهم أن يخص بالوحي والرسالة ، كما أخبر الله تعالى عنهم في قوله : { بل يريد كل امرىء منهم أن يؤتى صحفا منشرة } فظاهر الآية التي نحن في تفسيرها يدل على ذلك أيضا لأنه تعالى قال : { وإذا جاءتهم ءاية قالوا لن نؤمن حتى نؤتى مثل ما أوتى رسل الله } وهذا يدل على أن جماعة منهم كانوا يقولون هذا الكلام . وأيضا فما قبل هذه الآية يدل على ذلك أيضا ، وهو قوله : { وكذالك جعلنا في كل قرية أكابر مجرميها ليمكروا فيها } ثم ذكر عقيب تلك الآية أنهم قالوا : { لن نؤمن حتى نؤتى مثل ما أوتى رسل الله } وظاهره يدل على أن المكر المذكور في الآية الأولى هو هذا الكلام الخبيث . وأما قوله تعالى : { لن نؤمن حتى نؤتى مثل ما أوتى رسل الله } ففيه قولان : القول الأول : وهو المشهور ، أراد القوم أن تحصل لهم النبوة والرسالة ، كما حصلت لمحمد عليه الصلاة والسلام ، وأن يكونوا متبوعين لا تابعين ، ومخدومين لا خادمين .
Bahasa Indonesia Tercümesi (Ehl-i Sünnet)ثم قال تعالى : { وما يمكرون إلا بأنفسهم وما يشعرون } والمراد منه ما ذكره الله تعالى في آية أخرى ، وهي قوله : { ولا يحيق المكر السيىء إلا بأهله } وقد ذكرنا حقيقة ذلك في أول سورة البقرة في تفسير قوله تعالى : { الله يستهزىء بهم } قالت المعتزلة : لا شك أن قوله : { وما يمكرون إلا بأنفسهم وما يشعرون } مذكور في معرض التهديد والزجر ، فلو كان ما قبل هذه الآية يدل على أنه تعالى أراد منهم أن يمكروا بالناس ، فكيف يليق بالرحيم الكريم الحكيم الحليم أن يريد منهم المكر ، ويخلق فيهم المكر ، ثم يهددهم عليه ويعاقبهم أشد العقاب عليه ؟ واعلم أن معارضة هذا الكلام / بالوجوه المشهورة قد ذكرناها مرارا . ! 7 < { وإذا جآءتهم ءاية قالوا لن نؤمن حتى نؤتى مثل مآ أوتى رسل الله الله أعلم حيث يجعل رسالته سيصيب الذين أجرموا صغار عند الله وعذاب شديد بما كانوا يمكرون } . > 7 ! < < الأنعام : ( 124 ) وإذا جاءتهم آية . . . . . > > اعلم أنه تعالى حكى عن مكر هؤلاء الكفار وحسدهم أنهم متى ظهرت لهم معجزة قاهرة تدل على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم قالوا : لن نؤمن حتى يحصل لنا مثل هذا المنصب من عند الله ، وهذا يدل على نهاية حسدهم ، وأنهم إنما بقوا مصرين على الكفر لا لطلب الحجة والدلائل ، بل لنهاية الحسد . قال المفسرون : قال الوليد بن المغيرة : والله لو كانت النبوة حقا لكنت أنا أحق بها من محمد ، فإني أكثر منه مالا وولدا ، فنزلت هذه الآية . وقال الضحاك : أراد كل واحد منهم أن يخص بالوحي والرسالة ، كما أخبر الله تعالى عنهم في قوله : { بل يريد كل امرىء منهم أن يؤتى صحفا منشرة } فظاهر الآية التي نحن في تفسيرها يدل على ذلك أيضا لأنه تعالى قال : { وإذا جاءتهم ءاية قالوا لن نؤمن حتى نؤتى مثل ما أوتى رسل الله } وهذا يدل على أن جماعة منهم كانوا يقولون هذا الكلام . وأيضا فما قبل هذه الآية يدل على ذلك أيضا ، وهو قوله : { وكذالك جعلنا في كل قرية أكابر مجرميها ليمكروا فيها } ثم ذكر عقيب تلك الآية أنهم قالوا : { لن نؤمن حتى نؤتى مثل ما أوتى رسل الله } وظاهره يدل على أن المكر المذكور في الآية الأولى هو هذا الكلام الخبيث . وأما قوله تعالى : { لن نؤمن حتى نؤتى مثل ما أوتى رسل الله } ففيه قولان : القول الأول : وهو المشهور ، أراد القوم أن تحصل لهم النبوة والرسالة ، كما حصلت لمحمد عليه الصلاة والسلام ، وأن يكونوا متبوعين لا تابعين ، ومخدومين لا خادمين .
Bagian V13/P143–V13/P144Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb (s. V13/P143–V13/P144)
Orijinal Metin (AR)والقول الثاني : وهو قول الحسن ، ومنقول عن ابن عباس : أن المعنى ، وإذا جاءتهم آية من القرآن تأمرهم باتباع النبي . قالوا : { لن نؤمن حتى تؤتى مثل ما أوتى رسل الله } وهو قول مشركي العرب { لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الارض ينبوعا } إلى قوله : { حتى تنزل علينا كتابا نقرءه } / من الله إلى أبي جهل ، وإلى فلان وفلان كتابا على حدة ، وعلى هذا التقدير : فالقوم ما طلبوا النبوة ، وإنما طلبوا أن تأتيهم آيات قاهرة ومعجزات ظاهرة مثل معجزات الأنبياء المتقدمين كي تدل على صحة نبوة محمد عليه الصلاة والسلام . قال المحققون : والقول الأول أقوى وأولى ، لأن قوله : { الله أعلم حيث يجعل رسالته } لا يليق إلا بالقول الأول ، ولمن ينصر القول الثاني أن يقول : إنهم لما اقترحوا تلك الآيات القاهرة ، فلو أجابهم الله إليها وأظهر تلك المعجزات على وفق التماسهم ، لكانوا قد قربوا من منصب الرسالة ، وحينئذ يصلح أن يكون قوله : { الله أعلم حيث يجعل رسالته } جوابا على هذا الكلام . وأما قوله : { الله أعلم حيث يجعل رسالته } فالمعنى أن للرسالة موضعا مخصوصا لا يصلح وضعها إلا فيه ، فمن كان مخصوصا موصوفا بتلك الصفات التي لأجلها يصلح وضع الرسالة فيه كان رسولا وإلا فلا ، والعالم بتلك الصفات ليس إلا الله تعالى . واعلم أن الناس اختلفوا في هذه المسألة ، فقال بعضهم : النفوس والأرواح متساوية في تمام الماهية ، فحصول النبوة والرسالة لبعضها دون البعض تشريف من الله وإحسان وتفضل . وقال آخرون : بل النفوس البشرية مختلفة بجواهرها وماهياتها ، فبعضها خيرة طاهرة من علائق الجسمانيات مشرقة بالأنوار الإلهية مستعلية منورة . وبعضها خسيسة كدرة محبة للجسمانيات ، فالنفس ما لم تكن من القسم الأول ، لم تصلح لقبول الوحي والرسالة . ثم إن القسم الأول يقع الاختلاف فيه بالزيادة والنقصان والقوة والضعف إلى مراتب لا نهاية لها ، فلا جرم كانت مراتب الرسل مختلفة ، فمنهم من حصلت له المعجزات القوية والتبع القليل ، ومنهم من حصلت له معجزة واحدة أو اثنتان وحصل له تبع عظيم ، ومنهم من كان الرفق غالبا عليه ، ومنهم من كان التشديد غالبا عليه ، وهذا النوع من البحث فيه استقصاء ، ولا يليق ذكره بهذا الموضع وقوله تعالى : { الله أعلم حيث يجعل رسالته } فيه تنبيه على دقيقة أخرى . وهي : أن أقل ما لا بد منه في حصول النبوة والرسالة البراءة عن المكر والغدر ، والغل والحسد . وقوله : { لن نؤمن حتى نؤتى مثل ما أوتى رسل الله } عين المكر والغدر والحسد ، فكيف يعقل حصول النبوة والرسالة مع هذه الصفات ؟ ثم بين تعالى أنهم لكونهم موصوفين بهذه الصفات الذميمة سيبصيبهم صغار عند الله وعذاب شديد وتقريره أن الثواب لا يتم إلا بأمرين ، التعظيم والمنفعة ، والعقاب أيضا إنما يتم بأمرين : الإهانة والضرر . والله تعالى توعدهم بمجموع هذين الأمرين ، في هذه الآية ، أما الإهابة فقوله : { سيصيب الذين أجرموا صغار عند الله وعذاب شديد } ( الأنعام : 124 ) وإنما قدم ذكر الصغار على ذكر الضرر ، لأن القوم إنما تمردوا عن طاعة / محمد عليه الصلاة والسلام طلبا للعز والكرامة ، فالله تعالى بين أنه يقابلهم بضد مطلوبهم ، فأول ما يوصل إليهم إنما يوصل الصغار والذل والهوان ، وفي قوله : { صغار عند الله } وجوه : الأول : أن يكون المراد أن هذا الصغار إنما يحصل في الآخرة ، حيث لا حاكم ينفذ حكمه سواه . والثاني : أنهم يصيبهم صغار بحكم الله وإيجابه في در الدنيا ، فلما كان ذلك الصغار هذا حاله ، جاز أن يضاف إلى عند الله . الثالث : أن يكون المراد { سيصيب الذين أجرموا صغار } ثم استأنف . وقال : { عند الله } أي معدلهم ذلك ، والمقصود منه التأكيد ، الرابع : أن يكون المراد صغار من عند الله ، وعلى هذا التقدير : فلا بد من إضمار كلمة ( من ) وأما بيان الضرر والعذاب ، فهو قوله : { وعذاب شديد } فحصل بهذا الكلام أنه تعالى أعد لهم الخزي العظيم والعذاب الشديد ، ثم بين أن ذلك إنما يصيبهم لأجل مكرهم وكذبهم وحسدهم .
Bahasa Indonesia Tercümesi (Ehl-i Sünnet)والقول الثاني : وهو قول الحسن ، ومنقول عن ابن عباس : أن المعنى ، وإذا جاءتهم آية من القرآن تأمرهم باتباع النبي . قالوا : { لن نؤمن حتى تؤتى مثل ما أوتى رسل الله } وهو قول مشركي العرب { لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الارض ينبوعا } إلى قوله : { حتى تنزل علينا كتابا نقرءه } / من الله إلى أبي جهل ، وإلى فلان وفلان كتابا على حدة ، وعلى هذا التقدير : فالقوم ما طلبوا النبوة ، وإنما طلبوا أن تأتيهم آيات قاهرة ومعجزات ظاهرة مثل معجزات الأنبياء المتقدمين كي تدل على صحة نبوة محمد عليه الصلاة والسلام . قال المحققون : والقول الأول أقوى وأولى ، لأن قوله : { الله أعلم حيث يجعل رسالته } لا يليق إلا بالقول الأول ، ولمن ينصر القول الثاني أن يقول : إنهم لما اقترحوا تلك الآيات القاهرة ، فلو أجابهم الله إليها وأظهر تلك المعجزات على وفق التماسهم ، لكانوا قد قربوا من منصب الرسالة ، وحينئذ يصلح أن يكون قوله : { الله أعلم حيث يجعل رسالته } جوابا على هذا الكلام . وأما قوله : { الله أعلم حيث يجعل رسالته } فالمعنى أن للرسالة موضعا مخصوصا لا يصلح وضعها إلا فيه ، فمن كان مخصوصا موصوفا بتلك الصفات التي لأجلها يصلح وضع الرسالة فيه كان رسولا وإلا فلا ، والعالم بتلك الصفات ليس إلا الله تعالى . واعلم أن الناس اختلفوا في هذه المسألة ، فقال بعضهم : النفوس والأرواح متساوية في تمام الماهية ، فحصول النبوة والرسالة لبعضها دون البعض تشريف من الله وإحسان وتفضل . وقال آخرون : بل النفوس البشرية مختلفة بجواهرها وماهياتها ، فبعضها خيرة طاهرة من علائق الجسمانيات مشرقة بالأنوار الإلهية مستعلية منورة . وبعضها خسيسة كدرة محبة للجسمانيات ، فالنفس ما لم تكن من القسم الأول ، لم تصلح لقبول الوحي والرسالة . ثم إن القسم الأول يقع الاختلاف فيه بالزيادة والنقصان والقوة والضعف إلى مراتب لا نهاية لها ، فلا جرم كانت مراتب الرسل مختلفة ، فمنهم من حصلت له المعجزات القوية والتبع القليل ، ومنهم من حصلت له معجزة واحدة أو اثنتان وحصل له تبع عظيم ، ومنهم من كان الرفق غالبا عليه ، ومنهم من كان التشديد غالبا عليه ، وهذا النوع من البحث فيه استقصاء ، ولا يليق ذكره بهذا الموضع وقوله تعالى : { الله أعلم حيث يجعل رسالته } فيه تنبيه على دقيقة أخرى . وهي : أن أقل ما لا بد منه في حصول النبوة والرسالة البراءة عن المكر والغدر ، والغل والحسد . وقوله : { لن نؤمن حتى نؤتى مثل ما أوتى رسل الله } عين المكر والغدر والحسد ، فكيف يعقل حصول النبوة والرسالة مع هذه الصفات ؟ ثم بين تعالى أنهم لكونهم موصوفين بهذه الصفات الذميمة سيبصيبهم صغار عند الله وعذاب شديد وتقريره أن الثواب لا يتم إلا بأمرين ، التعظيم والمنفعة ، والعقاب أيضا إنما يتم بأمرين : الإهانة والضرر . والله تعالى توعدهم بمجموع هذين الأمرين ، في هذه الآية ، أما الإهابة فقوله : { سيصيب الذين أجرموا صغار عند الله وعذاب شديد } ( الأنعام : 124 ) وإنما قدم ذكر الصغار على ذكر الضرر ، لأن القوم إنما تمردوا عن طاعة / محمد عليه الصلاة والسلام طلبا للعز والكرامة ، فالله تعالى بين أنه يقابلهم بضد مطلوبهم ، فأول ما يوصل إليهم إنما يوصل الصغار والذل والهوان ، وفي قوله : { صغار عند الله } وجوه : الأول : أن يكون المراد أن هذا الصغار إنما يحصل في الآخرة ، حيث لا حاكم ينفذ حكمه سواه . والثاني : أنهم يصيبهم صغار بحكم الله وإيجابه في در الدنيا ، فلما كان ذلك الصغار هذا حاله ، جاز أن يضاف إلى عند الله . الثالث : أن يكون المراد { سيصيب الذين أجرموا صغار } ثم استأنف . وقال : { عند الله } أي معدلهم ذلك ، والمقصود منه التأكيد ، الرابع : أن يكون المراد صغار من عند الله ، وعلى هذا التقدير : فلا بد من إضمار كلمة ( من ) وأما بيان الضرر والعذاب ، فهو قوله : { وعذاب شديد } فحصل بهذا الكلام أنه تعالى أعد لهم الخزي العظيم والعذاب الشديد ، ثم بين أن ذلك إنما يصيبهم لأجل مكرهم وكذبهم وحسدهم .
Bagian V13/P144–V13/P145Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb (s. V13/P144–V13/P145)
Orijinal Metin (AR)! 7 < { فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا كأنما يصعد فى السمآء كذالك يجعل الله الرجس على الذين لا يؤمنون } . > 7 ! < < الأنعام : ( 125 ) فمن يرد الله . . . . . > > في الآية مسائل : المسألة الأولى : تمسك أصحابنا بهذه الآية في بيان أن الضلال والهداية من الله تعالى . واعلم أن هذه الآية كما أن لفظها يدل على قولنا ، فلفظها أيضا يدل على الدليل القاطع العقلي الذي في هذه المسألة ، وبيانه أن العبد قادر على الإيمان وقادر على الفكر ، فقدرته بالنسبة إلى هذين الأمرين حاصلة على السوية ، فيمتنع صدور الإيمان عنه بدلا من الكفر أو الكفر بدلا من الإيمان ، إلا إذا حصل في القلب داعية إليه ، وقد بينا ذلك مرارا كثيرة في هذا الكتاب ، وتلك الداعية لا معنى لها إلا علمه أو اعتقاده أو ظنه بكون ذلك الفعل مشتملا على مصلحة زائدة ومنفعة راجحة ، فإنه إذا حصل هذا المعنى في القلب دعاه ذلك إلى فعل ذلك الشيء ، وإن حصل في القلب علم أو اعتقاد أن ظن بكون ذلك الفعل مشتملا على ضرر زائد ومفسدة راجحة دعاه ذلك إلى / تركه ، وبينا بالدليل أن حصول هذه الدواعي لا بد وأن يكون من الله تعالى ، وأن مجموع القدرة مع الداعي يوجب الفعل . إذا ثبت هذا فنقول : يستحيل أن يصدر الإيمان عن العبد إلاإذا خلق الله في قلبه اعتقاد أن الإيمان راجح المنفعة زائد المصلحة ، وإذا حصل في القلب هذا الإعتقاد مال القلب ، وحصل في النفس رغبة شديدة في تحصيله ، وهذا هو انشراح الصدر للإيمان . فأما إذا حصل في القلب اعتقاد أن الإيمان بمحمد مثلا سبب مفسدة عظيمة في الدين والدنيا ، ويوجب المضار الكثيرة فعند هذا يترتب على حصول هذا الإعتقاد نفرة شديدة عن الإيمان بمحمد عليه الصلاة والسلام ، وهذا هو المراد من أنه تعالى يجعل صدره ضيقا حرجا ، فصار تقدير الآية : أن من أراد الله تعالى منه الإيمان قوى دواعيه إلى الإيمان ، ومن أراد الله منه الكفر قوى صوارفه عن الإيمان ، وقوى دواعيه إلى الكفر . ولما ثبت بالدليل العقلي أن الأمر كذلك ، ثبت أن لفظ القرآن مشتمل على هذه الدلائل العقلية ، وإذا انطبق قاطع البرهان على صريح لفظ القرآن ، فليس وراءه بيان ولا برهان . قالت المعتزلة : لنا في هذه الآية مقامان : المقام الأول : بيان أنه لا دلالة في هذه الآية على قولكم . المقام الثاني : مقام التأويل المطابق لمذهبنا وقولنا . أما المقام الأول : فتقريره من وجوه : الوجه الأول : أن هذه الآية ليس فيها أنه تعالى أضل قوما أو يضلهم ، لأنه ليس فيها أكثر من أنه متى أراد أن يهدي إنسانا فعل به كيت وكيت ، وإذا أراد إضلاله فعل به كيت وكيت ، وليس في الآية أنه تعالى يريد ذلك أو لا يريده . والدليل عليه أنه تعالى قال : { لو أردنا أن نتخذ لهوا لاتخذناه من لدنا إن كنا فاعلين } ( الأنبياء : 17 ) فبين تعالى أنه يفعل اللهو لو أراده ، ولا خلاف أنه تعالى لا يريد ذلك ولا يفعله . الوجه الثاني : أنه تعالى لم يقل : ومن يرد أن يضله عن الإسلام ، بل قال : { ومن يرد أن يضله } فلم قلتم أن المراد ؟ ومن يرد أن يضله عن الإيمان . والوجه الثالث : أنه تعالى بين في آخر الآية أنه إنما يفعل هذا الفعل بهذا الكافر جزاء على كفره ، وأنه ليس ذلك على سبيل الابتداء ، فقال : { كذالك يجعل الله الرجس على الذين لا يؤمنون } ( الأنعام : 125 ) .
Bahasa Indonesia Tercümesi (Ehl-i Sünnet)! 7 < { فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا كأنما يصعد فى السمآء كذالك يجعل الله الرجس على الذين لا يؤمنون } . > 7 ! < < الأنعام : ( 125 ) فمن يرد الله . . . . . > > في الآية مسائل : المسألة الأولى : تمسك أصحابنا بهذه الآية في بيان أن الضلال والهداية من الله تعالى . واعلم أن هذه الآية كما أن لفظها يدل على قولنا ، فلفظها أيضا يدل على الدليل القاطع العقلي الذي في هذه المسألة ، وبيانه أن العبد قادر على الإيمان وقادر على الفكر ، فقدرته بالنسبة إلى هذين الأمرين حاصلة على السوية ، فيمتنع صدور الإيمان عنه بدلا من الكفر أو الكفر بدلا من الإيمان ، إلا إذا حصل في القلب داعية إليه ، وقد بينا ذلك مرارا كثيرة في هذا الكتاب ، وتلك الداعية لا معنى لها إلا علمه أو اعتقاده أو ظنه بكون ذلك الفعل مشتملا على مصلحة زائدة ومنفعة راجحة ، فإنه إذا حصل هذا المعنى في القلب دعاه ذلك إلى فعل ذلك الشيء ، وإن حصل في القلب علم أو اعتقاد أن ظن بكون ذلك الفعل مشتملا على ضرر زائد ومفسدة راجحة دعاه ذلك إلى / تركه ، وبينا بالدليل أن حصول هذه الدواعي لا بد وأن يكون من الله تعالى ، وأن مجموع القدرة مع الداعي يوجب الفعل . إذا ثبت هذا فنقول : يستحيل أن يصدر الإيمان عن العبد إلاإذا خلق الله في قلبه اعتقاد أن الإيمان راجح المنفعة زائد المصلحة ، وإذا حصل في القلب هذا الإعتقاد مال القلب ، وحصل في النفس رغبة شديدة في تحصيله ، وهذا هو انشراح الصدر للإيمان . فأما إذا حصل في القلب اعتقاد أن الإيمان بمحمد مثلا سبب مفسدة عظيمة في الدين والدنيا ، ويوجب المضار الكثيرة فعند هذا يترتب على حصول هذا الإعتقاد نفرة شديدة عن الإيمان بمحمد عليه الصلاة والسلام ، وهذا هو المراد من أنه تعالى يجعل صدره ضيقا حرجا ، فصار تقدير الآية : أن من أراد الله تعالى منه الإيمان قوى دواعيه إلى الإيمان ، ومن أراد الله منه الكفر قوى صوارفه عن الإيمان ، وقوى دواعيه إلى الكفر . ولما ثبت بالدليل العقلي أن الأمر كذلك ، ثبت أن لفظ القرآن مشتمل على هذه الدلائل العقلية ، وإذا انطبق قاطع البرهان على صريح لفظ القرآن ، فليس وراءه بيان ولا برهان . قالت المعتزلة : لنا في هذه الآية مقامان : المقام الأول : بيان أنه لا دلالة في هذه الآية على قولكم . المقام الثاني : مقام التأويل المطابق لمذهبنا وقولنا . أما المقام الأول : فتقريره من وجوه : الوجه الأول : أن هذه الآية ليس فيها أنه تعالى أضل قوما أو يضلهم ، لأنه ليس فيها أكثر من أنه متى أراد أن يهدي إنسانا فعل به كيت وكيت ، وإذا أراد إضلاله فعل به كيت وكيت ، وليس في الآية أنه تعالى يريد ذلك أو لا يريده . والدليل عليه أنه تعالى قال : { لو أردنا أن نتخذ لهوا لاتخذناه من لدنا إن كنا فاعلين } ( الأنبياء : 17 ) فبين تعالى أنه يفعل اللهو لو أراده ، ولا خلاف أنه تعالى لا يريد ذلك ولا يفعله . الوجه الثاني : أنه تعالى لم يقل : ومن يرد أن يضله عن الإسلام ، بل قال : { ومن يرد أن يضله } فلم قلتم أن المراد ؟ ومن يرد أن يضله عن الإيمان . والوجه الثالث : أنه تعالى بين في آخر الآية أنه إنما يفعل هذا الفعل بهذا الكافر جزاء على كفره ، وأنه ليس ذلك على سبيل الابتداء ، فقال : { كذالك يجعل الله الرجس على الذين لا يؤمنون } ( الأنعام : 125 ) .
Bagian V13/P145–V13/P146Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb (s. V13/P145–V13/P146)
Orijinal Metin (AR)الوجه الرابع : أن قوله : { ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا } فهذا يشعر بأن جعل الصدر ضيقا حرجا يتقدم حصوله على حصول الضلالة / وأن لحصول ذلك المتقدم أثرا في حصول / الضلال وذلك باطل بالإجماع . أما عندنا : فلا نقول به . وأما عندكم : فلأن المقتضى لحصول الجهل والضلال هو أن الله تعالى يخلقه فيه لقدرته . فثبت بهذه الوجوه الأربعة أن هذه الآية لا تدل على قولكم . أما المقام الثاني : وهو أن تفسير هذه الآية على وجه يليق بقولنا ، فتقريره من وجوه : الأول : وهو الذي اختاره الجبائي ، ونصره القاضي ، فنقول : تقدير الآية : ومن يرد الله أن يهديه يوم القيامة إلى طريق الجنة ، يشرح صدره للإسلام حتى يثبت عليه ، ولا يزول عنه ، وتفسير هذا الشرح هو أنه تعالى يفعل به ألطافا تدعوه إلى البقاء على الإيمان والثبات عليه ، وفي هذا النوع ألطاف لا يمكن فعلها بالمؤمن ، إلا بعد أن يصير مؤمنا ، وهي بعد أن يصير الرجل مؤمنا يدعوه إلى البقاء على الإيمان والثبات عليه وإليه الإشارة بقوله تعالى : { ومن يؤمن بالله يهد قلبه } ( التغابن : 11 ) وبقوله : { والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا } ( العنكبوت : 69 ) فإذا آمن عبد وأراد الله ثباته فحينئذ يشرح صدره ، أي يفعل به الألطاف التي تقتضي ثباته على الإيمان ودوامه عليه . فأما إذا كفر وعاند ، وأراد الله تعالى أن يضله عن طريق الجنة ، فعند ذلك يلقي في صدره الضيق والحرج . ثم سأل الجبائي نفسه وقال : كيف يصح ذلك ونجد الكفار طيبي النفوس لا غم لهم البتة ولا حزن ؟ وأجاب عنه : بأنه تعالى لم يخبر بأنه يفعل بهم ذلك في كل وقت فلا يمتنع كونهم في بعض الأوقات طيبي القلوب . وسأل القاضي نفسه على هذا الجواب سؤالا آخر فقال : فيجب أن تقطعوا في كل كافر بأنه يجد من نفسه ذلك الضيق والحرج في بعض الأوقات . وأجاب عنه بأن قال : وكذلك نقول ودفع ذلك لا يمكن خصوصا عند ورود أدلة الله تعالى وعند ظهور نصرة الله للمؤمنين ، وعند ظهور الذلة والصغار فيهم ، هذا غاية تقرير هذا الجواب . والوجه الثاني : في التأويل قالوا لم لا يجوز أن يقال : المراد فمن يرد الله أن يهديه إلى الجنة يشرح صدره للإسلام ؟ أي يشرح صدره للإسلام في ذلك الوقت الذي يهديه فيه إلى الجنة ، لأنه لما رأى أن بسبب الإيمان وجد هذه الدرجة العالية ، والمرتبة الشريفة يزداد رغبة في الإيمان ، ويحصل في قلبه مزيد انشراح وميل إليه ، ومن يرد أن يضله يوم القيامة عن طريق الجنة ، ففي ذلك الوقت يضيق صدره ، ويحرج صدره بسبب الحزن الشديد الذي ناله عند الحرمان من الجنة والدخول في النار . قالوا : فهذا وجه قريب واللفظ محتمل له ، فوجب حمل اللفظ عليه . والوجه الثالث : في التأويل أن يقال : حصل في الكلام تقديم وتأخير ، فيكون المعنى من شرح صدر نفسه بالإيمان فقد أراد الله أن يهديه أي يخصه بالألطاف الداعية إلى الثبات على الإيمان ، أو يهديه بمعنى أنه يهديه إلى طريق الجنة ، ومن جعل صدره ضيقا حرجا عن الإيمان ، / فقد أراد الله أن يضله عن طريق الجنة ، أو يضله بمعنى أنه يحرمه عن الألطاف الداعية إلى الثبات على الإيمان ، فهذا هو مجموع كلامهم في هذا الباب . والجواب عما قالوه أولا : من أن الله تعالى لم يقل في هذه الآية أنه يضله ، بل المذكور فيه أنه لو أراد أن يضله لفعل كذا وكذا .
Bahasa Indonesia Tercümesi (Ehl-i Sünnet)الوجه الرابع : أن قوله : { ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا } فهذا يشعر بأن جعل الصدر ضيقا حرجا يتقدم حصوله على حصول الضلالة / وأن لحصول ذلك المتقدم أثرا في حصول / الضلال وذلك باطل بالإجماع . أما عندنا : فلا نقول به . وأما عندكم : فلأن المقتضى لحصول الجهل والضلال هو أن الله تعالى يخلقه فيه لقدرته . فثبت بهذه الوجوه الأربعة أن هذه الآية لا تدل على قولكم . أما المقام الثاني : وهو أن تفسير هذه الآية على وجه يليق بقولنا ، فتقريره من وجوه : الأول : وهو الذي اختاره الجبائي ، ونصره القاضي ، فنقول : تقدير الآية : ومن يرد الله أن يهديه يوم القيامة إلى طريق الجنة ، يشرح صدره للإسلام حتى يثبت عليه ، ولا يزول عنه ، وتفسير هذا الشرح هو أنه تعالى يفعل به ألطافا تدعوه إلى البقاء على الإيمان والثبات عليه ، وفي هذا النوع ألطاف لا يمكن فعلها بالمؤمن ، إلا بعد أن يصير مؤمنا ، وهي بعد أن يصير الرجل مؤمنا يدعوه إلى البقاء على الإيمان والثبات عليه وإليه الإشارة بقوله تعالى : { ومن يؤمن بالله يهد قلبه } ( التغابن : 11 ) وبقوله : { والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا } ( العنكبوت : 69 ) فإذا آمن عبد وأراد الله ثباته فحينئذ يشرح صدره ، أي يفعل به الألطاف التي تقتضي ثباته على الإيمان ودوامه عليه . فأما إذا كفر وعاند ، وأراد الله تعالى أن يضله عن طريق الجنة ، فعند ذلك يلقي في صدره الضيق والحرج . ثم سأل الجبائي نفسه وقال : كيف يصح ذلك ونجد الكفار طيبي النفوس لا غم لهم البتة ولا حزن ؟ وأجاب عنه : بأنه تعالى لم يخبر بأنه يفعل بهم ذلك في كل وقت فلا يمتنع كونهم في بعض الأوقات طيبي القلوب . وسأل القاضي نفسه على هذا الجواب سؤالا آخر فقال : فيجب أن تقطعوا في كل كافر بأنه يجد من نفسه ذلك الضيق والحرج في بعض الأوقات . وأجاب عنه بأن قال : وكذلك نقول ودفع ذلك لا يمكن خصوصا عند ورود أدلة الله تعالى وعند ظهور نصرة الله للمؤمنين ، وعند ظهور الذلة والصغار فيهم ، هذا غاية تقرير هذا الجواب . والوجه الثاني : في التأويل قالوا لم لا يجوز أن يقال : المراد فمن يرد الله أن يهديه إلى الجنة يشرح صدره للإسلام ؟ أي يشرح صدره للإسلام في ذلك الوقت الذي يهديه فيه إلى الجنة ، لأنه لما رأى أن بسبب الإيمان وجد هذه الدرجة العالية ، والمرتبة الشريفة يزداد رغبة في الإيمان ، ويحصل في قلبه مزيد انشراح وميل إليه ، ومن يرد أن يضله يوم القيامة عن طريق الجنة ، ففي ذلك الوقت يضيق صدره ، ويحرج صدره بسبب الحزن الشديد الذي ناله عند الحرمان من الجنة والدخول في النار . قالوا : فهذا وجه قريب واللفظ محتمل له ، فوجب حمل اللفظ عليه . والوجه الثالث : في التأويل أن يقال : حصل في الكلام تقديم وتأخير ، فيكون المعنى من شرح صدر نفسه بالإيمان فقد أراد الله أن يهديه أي يخصه بالألطاف الداعية إلى الثبات على الإيمان ، أو يهديه بمعنى أنه يهديه إلى طريق الجنة ، ومن جعل صدره ضيقا حرجا عن الإيمان ، / فقد أراد الله أن يضله عن طريق الجنة ، أو يضله بمعنى أنه يحرمه عن الألطاف الداعية إلى الثبات على الإيمان ، فهذا هو مجموع كلامهم في هذا الباب . والجواب عما قالوه أولا : من أن الله تعالى لم يقل في هذه الآية أنه يضله ، بل المذكور فيه أنه لو أراد أن يضله لفعل كذا وكذا .
Bagian V13/P146–V13/P147Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb (s. V13/P146–V13/P147)
Orijinal Metin (AR)فنقول : قوله تعالى في آخر الآية : { كذالك يجعل الله الرجس على الذين لا يؤمنون } تصريح بأنه يفعل بهم ذلك الإضلال لأن حرف ( الكاف ) في قوله : { كذالك } يفيد التشبيه ، والتقدير : وكما جعلنا ذلك الضيق والحرج في صدره ، فكذلك نجعل الرجس على قلوب الذين لا يؤمنون . والجواب عما قالوه ثانيا وهو قوله : ومن يرد الله أن يضله عن الدين . فنقول : إن قوله في آخر الآية : { كذالك يجعل الله الرجس على الذين لا يؤمنون } تصريح بأن المراد من قوله : { ومن يرد أن يضله } هو أنه يضله عن الدين . والجواب عما قالوه ثالثا : من أن قوله : { كذالك يجعل الله الرجس على الذين لا يؤمنون } يدل على أنه تعالى إنما يلقي ذلك الضيق والحرج في صدورهم جزاء على كفرهم . فنقول : لا نسلم أن المراد ذلك ، بل المراد كذلك يجعل الله الرجس على قلوب الذين قضي عليهم بأنهم لا يؤمنون ، وإذا حملنا هذه الآية على هذا الوجه ، سقط ما ذكروه . والجواب عما قالوه رابعا : من أن ظاهر الآية يقتضي أن يكون ضيق الصدر وحرجه شيئا متقدما على الضلال وموجبا له . فنقول : الأمر كذلك ، لأنه تعالى إذا خلق في قلبه اعتقادا بأن الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم يوجب الذم في الدنيا والعقوبة في الآخرة ، فهذا الإعتقاد يوجب إعراض النفس ونفور القلب عن قبول ذلك الإيمان ويحصل في ذلك القلب نفرة ونبوة عن قبول ذلك الإيمان وهذه الحالة شبيهة بالضيق الشديد ، لأن الطريق إذا كان ضيقا لم يقدر الداخل على أن يدخل فيه ، فكذلك القلب إذا حصل فيه هذا الإعتقاد امتنع دخول الإيمان فيه ، فلأجل حصول هذه المشابهة من هذا الوجه ، أطلق لفظ الضيق والحرج عليه ، فقد سقط هذا الكلام . وأما الوجه الأول : من التأويلات الثلاثة التي ذكروها . فالجواب عنه : أن حاصل ذلك الكلام يرجع إلى تفصيل الضيق والحرج باستيلاء الغم والحزن على قلب الكافر ، وهذا بعيد ، لأنه تعالى ميز الكافر عن المؤمن بهذا الضيق والحرج ، فلو / كان المراد منه حصول الغم والحزن في قلب الكافر ، لوجب أن يكون ما يحصل في قلب الكافر من الغموم والهموم والأحزان أزيد مما يحصل في قلب المؤمن زيادة يعرفها كل أحد ، ومعلوم أنه ليس الأمر كذلك ، بل الأمر في حزن الكافر والمؤمن على السوية ، بل الحزم والبلاء في حق المؤمن أكثر . قال تعالى : { ولولا أن يكون الناس أمة واحدة لجعلنا لمن يكفر بالرحمان لبيوتهم سقفا من فضة } وقال عليه السلام : ( خص البلاء بالأنبياء ثم بالأولياء ثم الأمثل فالأمثل ) . وأما الوجه الثاني : من التأويلات الثلاثة فهو أيضا مدفوع ، لأنه يرجع حاصله إلى إيضاح الواضحات لأن كل أحد يعلم بالضرورة أن كل من هداه الله تعالى إلى الجنة بسبب الإيمان فإنه يفرح بسبب تلك الهداية وينشرح صدره للإيمان مزيد انشراح في ذلك الوقت . وكذلك القول في قوله : { ومن يرد أن يضله } ( الزخرف : 33 ) المراد من يضله عن طريق الجنة فإنه يضيق قلبه في ذلك الوقت فإن حصول هذا المعنى معلوم بالضرورة ، فحمل الآية عليه إخراج لهذه الآية من الفائدة .
Bahasa Indonesia Tercümesi (Ehl-i Sünnet)فنقول : قوله تعالى في آخر الآية : { كذالك يجعل الله الرجس على الذين لا يؤمنون } تصريح بأنه يفعل بهم ذلك الإضلال لأن حرف ( الكاف ) في قوله : { كذالك } يفيد التشبيه ، والتقدير : وكما جعلنا ذلك الضيق والحرج في صدره ، فكذلك نجعل الرجس على قلوب الذين لا يؤمنون . والجواب عما قالوه ثانيا وهو قوله : ومن يرد الله أن يضله عن الدين . فنقول : إن قوله في آخر الآية : { كذالك يجعل الله الرجس على الذين لا يؤمنون } تصريح بأن المراد من قوله : { ومن يرد أن يضله } هو أنه يضله عن الدين . والجواب عما قالوه ثالثا : من أن قوله : { كذالك يجعل الله الرجس على الذين لا يؤمنون } يدل على أنه تعالى إنما يلقي ذلك الضيق والحرج في صدورهم جزاء على كفرهم . فنقول : لا نسلم أن المراد ذلك ، بل المراد كذلك يجعل الله الرجس على قلوب الذين قضي عليهم بأنهم لا يؤمنون ، وإذا حملنا هذه الآية على هذا الوجه ، سقط ما ذكروه . والجواب عما قالوه رابعا : من أن ظاهر الآية يقتضي أن يكون ضيق الصدر وحرجه شيئا متقدما على الضلال وموجبا له . فنقول : الأمر كذلك ، لأنه تعالى إذا خلق في قلبه اعتقادا بأن الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم يوجب الذم في الدنيا والعقوبة في الآخرة ، فهذا الإعتقاد يوجب إعراض النفس ونفور القلب عن قبول ذلك الإيمان ويحصل في ذلك القلب نفرة ونبوة عن قبول ذلك الإيمان وهذه الحالة شبيهة بالضيق الشديد ، لأن الطريق إذا كان ضيقا لم يقدر الداخل على أن يدخل فيه ، فكذلك القلب إذا حصل فيه هذا الإعتقاد امتنع دخول الإيمان فيه ، فلأجل حصول هذه المشابهة من هذا الوجه ، أطلق لفظ الضيق والحرج عليه ، فقد سقط هذا الكلام . وأما الوجه الأول : من التأويلات الثلاثة التي ذكروها . فالجواب عنه : أن حاصل ذلك الكلام يرجع إلى تفصيل الضيق والحرج باستيلاء الغم والحزن على قلب الكافر ، وهذا بعيد ، لأنه تعالى ميز الكافر عن المؤمن بهذا الضيق والحرج ، فلو / كان المراد منه حصول الغم والحزن في قلب الكافر ، لوجب أن يكون ما يحصل في قلب الكافر من الغموم والهموم والأحزان أزيد مما يحصل في قلب المؤمن زيادة يعرفها كل أحد ، ومعلوم أنه ليس الأمر كذلك ، بل الأمر في حزن الكافر والمؤمن على السوية ، بل الحزم والبلاء في حق المؤمن أكثر . قال تعالى : { ولولا أن يكون الناس أمة واحدة لجعلنا لمن يكفر بالرحمان لبيوتهم سقفا من فضة } وقال عليه السلام : ( خص البلاء بالأنبياء ثم بالأولياء ثم الأمثل فالأمثل ) . وأما الوجه الثاني : من التأويلات الثلاثة فهو أيضا مدفوع ، لأنه يرجع حاصله إلى إيضاح الواضحات لأن كل أحد يعلم بالضرورة أن كل من هداه الله تعالى إلى الجنة بسبب الإيمان فإنه يفرح بسبب تلك الهداية وينشرح صدره للإيمان مزيد انشراح في ذلك الوقت . وكذلك القول في قوله : { ومن يرد أن يضله } ( الزخرف : 33 ) المراد من يضله عن طريق الجنة فإنه يضيق قلبه في ذلك الوقت فإن حصول هذا المعنى معلوم بالضرورة ، فحمل الآية عليه إخراج لهذه الآية من الفائدة .
Bagian V13/P147–V13/P148Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb (s. V13/P147–V13/P148)
Orijinal Metin (AR)وأما الوجه الثالث : من الوجوه الثلاثة ، فهو يقتضي تفكيك نظم الآية ، وذلك لأن الآية تقتضي أن يحصل انشراح الصدر من قبل الله أولا ، ثم يترتب عليه حصول الهداية والإيمان ، وأنتم عكستم القضية فقلتم العبد يجعل نفسه أولا منشرح الصدر ، ثم إن الله تعالى بعد ذلك يهديه بمعنى أنه يخصه بمزيد الألطاف الداعية له إلى الثبات على الإيمان ، والدلائل اللفظية إنما يمكن التمسك بها إذا أبقينا ما فيها من التركيبات والترتيبات فأما إذا أبطلناها وأزلناها لم يمكن التمسك بشيء منها أصلا ، وفتح هذا الباب يوجب أن لا يمكن التمسك بشيء من الآيات ، وإنه طعن في القرآن وإخراج له عن كونه حجة ، فهذا هو الكلام الفصل في هذه السؤالات ، ثم إنا نختم الكلام في هذه المسألة بهذه الخاتمة القاهرة ، وهي أنا بينا أن فعل الإيمان يتوقف على أن يحصل في القلب داعية جازمة إلى فعل الإيمان وفاعل تلك الداعية هو الله تعالى ، وكذلك القول في جانب الكفر ولفظ الآية منطبق على هذا المعنى ، لأن تقدير الآية فمن يرد الله أن يهديه قوى في قلبه ما يدعوه إلى الإيمان ومن يرد أن يضله ألقى في قلبه ما يصرفه عن الإيمان ويدعوه إلى الكفر / وقد ثبت بالبرهان العقلي أن الأمر يجب أن يكون كذلك ، وعلى هذا التقدير : فجميع ما ذكرتموه من السؤالات ساقط ، والله تعالى أعلم بالصواب . المسألة الثالثة : في تفسير ألفاظ الآية ، أما شرح الصدر ففي تفسير وجهان : الوجه الأول : قال الليث : يقال شرح الله صدره فانشرح أي وسع صدره لقبول ذلك الأمر فتوسع . وأقول : إن الليث فسر شرح الصدر بتوسيع الصدر ، ولا شك أنه ليس المراد منه أن / يوسع صدره على سبيل الحقيقة ، لأنه لا شبهة أن ذلك محال ، بل لا بد من تفسير توسيع الصدر فنقول : تحقيقه ما ذكرناه فيما تقدم ولا بأس بإعادته ، فنقول إذا اعتقد الإنسان في عمل من الأعمال أن نفعه زائد وخيره راجح مال طبعه إليه ، وقويت رغبته في حصوله وحصل في القلب استعداد شديد لتحصيله ، فتسمى هذه الحالة بسعة النفس ، وإذا اعتقد في عمل من الأعمال أن شره زائد وضرره راجح عظمت النفرة عنه وحصل في الطبع نفرة ونبوة عن قبوله ، ومعلوم أن الطريق إذا كان ضيقا لم يتمكن الداخل من الدخول فيه ، وإذا كان واسعا قدر الداخل على الدخول فيه فإذا حصل اعتقاد أن الأمر الفلاني زائد النفع والخير وحصل الميل إليه ، فقد حصل ذلك الميل في ذلك القلب ، فقيل : اتسع الصدر له وإذا حصل اعتقاد أنه زائد الضرر والمفسدة لم يحصل في القلب ميل إليه فقيل إنه ضيق فقد صار الصدر شبيها بالطريق الضيق الذي لا يمكن الدخول فيه ، فهذا تحقيق الكلام في سعة الصدر وضيقه . والوجه الثاني : في تفسير الشرح يقال : شرح فلان أمره إذا أظهره وأوضحه وشرح المسألة إذا كانت مشكلة فبينها .
Bahasa Indonesia Tercümesi (Ehl-i Sünnet)وأما الوجه الثالث : من الوجوه الثلاثة ، فهو يقتضي تفكيك نظم الآية ، وذلك لأن الآية تقتضي أن يحصل انشراح الصدر من قبل الله أولا ، ثم يترتب عليه حصول الهداية والإيمان ، وأنتم عكستم القضية فقلتم العبد يجعل نفسه أولا منشرح الصدر ، ثم إن الله تعالى بعد ذلك يهديه بمعنى أنه يخصه بمزيد الألطاف الداعية له إلى الثبات على الإيمان ، والدلائل اللفظية إنما يمكن التمسك بها إذا أبقينا ما فيها من التركيبات والترتيبات فأما إذا أبطلناها وأزلناها لم يمكن التمسك بشيء منها أصلا ، وفتح هذا الباب يوجب أن لا يمكن التمسك بشيء من الآيات ، وإنه طعن في القرآن وإخراج له عن كونه حجة ، فهذا هو الكلام الفصل في هذه السؤالات ، ثم إنا نختم الكلام في هذه المسألة بهذه الخاتمة القاهرة ، وهي أنا بينا أن فعل الإيمان يتوقف على أن يحصل في القلب داعية جازمة إلى فعل الإيمان وفاعل تلك الداعية هو الله تعالى ، وكذلك القول في جانب الكفر ولفظ الآية منطبق على هذا المعنى ، لأن تقدير الآية فمن يرد الله أن يهديه قوى في قلبه ما يدعوه إلى الإيمان ومن يرد أن يضله ألقى في قلبه ما يصرفه عن الإيمان ويدعوه إلى الكفر / وقد ثبت بالبرهان العقلي أن الأمر يجب أن يكون كذلك ، وعلى هذا التقدير : فجميع ما ذكرتموه من السؤالات ساقط ، والله تعالى أعلم بالصواب . المسألة الثالثة : في تفسير ألفاظ الآية ، أما شرح الصدر ففي تفسير وجهان : الوجه الأول : قال الليث : يقال شرح الله صدره فانشرح أي وسع صدره لقبول ذلك الأمر فتوسع . وأقول : إن الليث فسر شرح الصدر بتوسيع الصدر ، ولا شك أنه ليس المراد منه أن / يوسع صدره على سبيل الحقيقة ، لأنه لا شبهة أن ذلك محال ، بل لا بد من تفسير توسيع الصدر فنقول : تحقيقه ما ذكرناه فيما تقدم ولا بأس بإعادته ، فنقول إذا اعتقد الإنسان في عمل من الأعمال أن نفعه زائد وخيره راجح مال طبعه إليه ، وقويت رغبته في حصوله وحصل في القلب استعداد شديد لتحصيله ، فتسمى هذه الحالة بسعة النفس ، وإذا اعتقد في عمل من الأعمال أن شره زائد وضرره راجح عظمت النفرة عنه وحصل في الطبع نفرة ونبوة عن قبوله ، ومعلوم أن الطريق إذا كان ضيقا لم يتمكن الداخل من الدخول فيه ، وإذا كان واسعا قدر الداخل على الدخول فيه فإذا حصل اعتقاد أن الأمر الفلاني زائد النفع والخير وحصل الميل إليه ، فقد حصل ذلك الميل في ذلك القلب ، فقيل : اتسع الصدر له وإذا حصل اعتقاد أنه زائد الضرر والمفسدة لم يحصل في القلب ميل إليه فقيل إنه ضيق فقد صار الصدر شبيها بالطريق الضيق الذي لا يمكن الدخول فيه ، فهذا تحقيق الكلام في سعة الصدر وضيقه . والوجه الثاني : في تفسير الشرح يقال : شرح فلان أمره إذا أظهره وأوضحه وشرح المسألة إذا كانت مشكلة فبينها .
Bagian V13/P148–V13/P149Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb (s. V13/P148–V13/P149)
Orijinal Metin (AR)واعلم أن لفظ الشرح غير مختص بالجانب الحق ، لأنه وارد في الإسلام في قوله : { أفمن شرح الله صدره للإسلام } ( الزمر : 22 ) وفي الكفر في قوله : { ولاكن من شرح بالكفر صدرا } ( النحل : 106 ) قال المفسرون : لما نزلت هذه الآية سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم وقيل له : كيف يشرح الله صدره ؟ فقال عليه السلام : ( يقذف فيه نورا حتى ينفسح وينشرح ) فقيل له وهل لذلك من أمارة يعرف بها ؟ فقال عليه السلام : ( الإنابة إلى دار الخلود والتجافي عن دار الغرور والاستعداد للموت قبل نزول الموت ) وأقول هذا الحديث من أدل الدلائل على صحة ما ذكرناه في تفسير شرح الله الصدر ، وتقريره أن الإنسان إذا تصور أن الاشتغال بعمل الآخرة زائد النفع والخير ، وأن الاشتغال بعمل الدنيا زائد الضرر والشر ، فإذا حصل الجزم بذلك إما بالبرهان أو بالتجربة أو التقليد لا بد وأن يترتب على حصول هذا الإعتقاد حصول الرغبة في الآخرة ، وهو المراد من الإنابة إلى دار الخلود والنفرة عن دار الدنيا ، وهو المراد من التجافي عن دار الغرور ، وأما الاستعداد للموت قبل نزول الموت فهو مشتمل على الأمرين ، أعني النفرة عن الدنيا والرغبة في الآخرة . إذا عرفت هذا فنقول : الداعي إلى الفعل لا بد وأن يحصل قبل حصول الفعل ، وشرح الصدر للإيمان عبارة عن حصول الداعي إلى الإيمان ، فلهذا المعنى أشعر ظاهر هذه الآية بأن شرح الصدر متقدم على حصول الإسلام ، وكذا القول في جانب الكفر . أما قوله : { ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا } ففيه مباحث : / البحث الأول : قرأ ابن كثير { ضيقا } ساكنة الياء وكذا في كل القرآن ، والباقون مشددة الياء مكسورة ، فيحتمل أن يكون المشدد والمخفف بمعنى واحد ، كسيد وسيد ، وهين وهين ولين ولين ، وميت وميت ، وقرأ نافع وأبو بكر عن عاصم { حرجا } بكسر الراء ، والباقون بفتحها قال الفراء : وهو في كسره ونصبه بمنزلة الوجل والوجل ، والقرد والقرد ، والدنف والدنف . قال الزجاج : الحرج في اللغة أضيق الضيق ومعناه : أنه ضيق جدا / فمن قال : أنه رجل حرج الصدر بفتح الراء فمعناه : ذو حرج في صدره ، ومن قال : حرج جعله فاعلا ، وكذلك رجل دنف ذو دنف ، ودنف نعت . البحث الثاني : قال بعضهم : الحرج ، بكسر الراء الضيق ، والحرج بالفتح جمع حرجة ، وهو الموضع الكثير الأشجار الذي لا تناله الراعية . وحكى الواحدي في هذا الباب حكايتين : إحداهما : روى عن عبيد بن عمير عن ابن عباس أنه قرأ هذه الآية وقال : هل ههنا أحد من بني بكر . قال رجل : نعم . قال : ما الحرجة فيكم . قال : الوادي الكثير الشجر المشتبك الذي لا طريق فيه . فقال ابن عباس : كذلك قلب الكافر . والثانية : روى الواحدي عن أبي الصلت الثقفي قال : قرأ عمر بن الخطاب رضي الله عنه هذه الآية ، ثم قال : ائتوني برجل من كنانة جعلوه راعيا فأتوا به ، فقال له عمر : يا فتى ما الحرجة فيكم . قال : الحرجة فينا الشجرة تحدق بها الأشجار فلا يصل إليها راعية ولا وحشية . فقال عمر : كذلك قلب الكافر لا يصل إليه شيء من الخير . أما قوله تعالى : { كأنما يصعد فى السماء } ففيه بحثان :
Bahasa Indonesia Tercümesi (Ehl-i Sünnet)واعلم أن لفظ الشرح غير مختص بالجانب الحق ، لأنه وارد في الإسلام في قوله : { أفمن شرح الله صدره للإسلام } ( الزمر : 22 ) وفي الكفر في قوله : { ولاكن من شرح بالكفر صدرا } ( النحل : 106 ) قال المفسرون : لما نزلت هذه الآية سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم وقيل له : كيف يشرح الله صدره ؟ فقال عليه السلام : ( يقذف فيه نورا حتى ينفسح وينشرح ) فقيل له وهل لذلك من أمارة يعرف بها ؟ فقال عليه السلام : ( الإنابة إلى دار الخلود والتجافي عن دار الغرور والاستعداد للموت قبل نزول الموت ) وأقول هذا الحديث من أدل الدلائل على صحة ما ذكرناه في تفسير شرح الله الصدر ، وتقريره أن الإنسان إذا تصور أن الاشتغال بعمل الآخرة زائد النفع والخير ، وأن الاشتغال بعمل الدنيا زائد الضرر والشر ، فإذا حصل الجزم بذلك إما بالبرهان أو بالتجربة أو التقليد لا بد وأن يترتب على حصول هذا الإعتقاد حصول الرغبة في الآخرة ، وهو المراد من الإنابة إلى دار الخلود والنفرة عن دار الدنيا ، وهو المراد من التجافي عن دار الغرور ، وأما الاستعداد للموت قبل نزول الموت فهو مشتمل على الأمرين ، أعني النفرة عن الدنيا والرغبة في الآخرة . إذا عرفت هذا فنقول : الداعي إلى الفعل لا بد وأن يحصل قبل حصول الفعل ، وشرح الصدر للإيمان عبارة عن حصول الداعي إلى الإيمان ، فلهذا المعنى أشعر ظاهر هذه الآية بأن شرح الصدر متقدم على حصول الإسلام ، وكذا القول في جانب الكفر . أما قوله : { ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا } ففيه مباحث : / البحث الأول : قرأ ابن كثير { ضيقا } ساكنة الياء وكذا في كل القرآن ، والباقون مشددة الياء مكسورة ، فيحتمل أن يكون المشدد والمخفف بمعنى واحد ، كسيد وسيد ، وهين وهين ولين ولين ، وميت وميت ، وقرأ نافع وأبو بكر عن عاصم { حرجا } بكسر الراء ، والباقون بفتحها قال الفراء : وهو في كسره ونصبه بمنزلة الوجل والوجل ، والقرد والقرد ، والدنف والدنف . قال الزجاج : الحرج في اللغة أضيق الضيق ومعناه : أنه ضيق جدا / فمن قال : أنه رجل حرج الصدر بفتح الراء فمعناه : ذو حرج في صدره ، ومن قال : حرج جعله فاعلا ، وكذلك رجل دنف ذو دنف ، ودنف نعت . البحث الثاني : قال بعضهم : الحرج ، بكسر الراء الضيق ، والحرج بالفتح جمع حرجة ، وهو الموضع الكثير الأشجار الذي لا تناله الراعية . وحكى الواحدي في هذا الباب حكايتين : إحداهما : روى عن عبيد بن عمير عن ابن عباس أنه قرأ هذه الآية وقال : هل ههنا أحد من بني بكر . قال رجل : نعم . قال : ما الحرجة فيكم . قال : الوادي الكثير الشجر المشتبك الذي لا طريق فيه . فقال ابن عباس : كذلك قلب الكافر . والثانية : روى الواحدي عن أبي الصلت الثقفي قال : قرأ عمر بن الخطاب رضي الله عنه هذه الآية ، ثم قال : ائتوني برجل من كنانة جعلوه راعيا فأتوا به ، فقال له عمر : يا فتى ما الحرجة فيكم . قال : الحرجة فينا الشجرة تحدق بها الأشجار فلا يصل إليها راعية ولا وحشية . فقال عمر : كذلك قلب الكافر لا يصل إليه شيء من الخير . أما قوله تعالى : { كأنما يصعد فى السماء } ففيه بحثان :
Bagian V13/P149–V13/P150Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb (s. V13/P149–V13/P150)
Orijinal Metin (AR)البحث الأول : قرأ ابن كثير { يصعد } ساكنة الصاد وقرأ أبو بكر عن عاصم { يصاعد } بالألف وتشديد الصاد بمعنى يتصاعد ، والباقون { إليه يصعد } بتشديد الصاد والعين بغير ألف ، أما قراءة ابن كثير { يصعد } فهي من الصعود ، والمعنى : أنه في نفوره عن الإسلام وثقله عليه بمنزلة من تكلف الصعود إلى السماء ، فكما أن ذلك التكليف ثقيل على القلب ، فكذلك الإيمان ثقيل على قلب الكافر وأما قراءة أبي بكر { يصاعد } فهو مثل يتصاعد . وأما قراءة الباقين { إليه يصعد } فهي بمعنى يتصعد ، فأدغمت التاء في الصاد ومعنى يتصعد يتكلف ما يثقل عليه . البحث الثاني : في كيفية هذا التشبيه وجهان : الأول : كما أن الإنسان إذا كلف الصعود إلى السماء ثقل ذلك التكليف عليه ، وعظم وصعب عليه ، وقويت نفرته عنه ، فكذلك الكافر يثقل عليه الإيمان وتعظم نفرته عنه . والثاني : أن يكون التقدير أن قلبه ينبو عن الإسلام ويتباعد عن قبول الإيمان ، فشبه ذلك البعد ببعد من يصعد من الأرض إلى السماء . / أما قوله : { كذالك يجعل الله الرجس على الذين لا يؤمنون } ففيه بحثان : البحث الأول : الكاف في قوله : { كذالك } يفيد التشبيه بشيء ، وفيه وجهان : الأول : التقدير أن يجعل الله الرجس عليهم كجعله ضيق الصدر في قلوبهم . والثاني : قال الزجاج التقدير : مثل ما قصصنا عليك ، يجعل الله الرجس . البحث الثاني : اختلفوا في تفسير { الرجس } فقال ابن عباس : هو الشيطان يسلطه الله عليهم وقال مجاهد : { الرجس } مالا خير فيه . وقال عطاء : { الرجس } العذاب . وقال الزجاج : { الرجس } اللعنة في الدنيا والعذاب في الآخرة . ولنختم تفسير هذه الآية بما روي عن محمد بن كعب القرظي أنه قال تذاكرنا في أمر القدرية عند ابن عمر . فقال : لعنت القدرية على لسان سبعين نبيا ، منهم نبينا صلى الله عليه وسلم . فإذا كان يوم القيامة نادى مناد ، وقد جمع الناس بحيث يسمع الكل أين خصماء الله ، فتقوم القدرية وقد أورد القاضي هذا الحديث في تفسيره . وقال : هذا الحديث من أقوى ما يدل على أن القدرية هم الذين ينسبون أفعال العباد إلى الله تعالى قضاء وقدرا وخلقا ، لأن الذين يقولون هذا القول ، هم خصماء الله ، لأنهم يقولون لله أي ذنب لنا حتى تعاقبنا ، وأنت الذي خلقته فينا وإرادته منا ، وقضيته علينا ، ولم تخلقنا إلا له ، وما يسرت لنا غيره ، فهؤلاء لا بد وأن يكونوا خصماء الله بسبب هذه الحجة أما الذين قالوا : إن الله مكن وأزاح العلة ، وإنما أتى العبد من قبل نفسه ، فكلامه موافق لما يعامل به من إنزال العقوبة / فلا يكونون خصماء الله ، بل يكونون منقادين لله هذا كلام القاضي وهو عجيب جدا وذلك لأنه يقال له يبعد منك أنك ما عرفت من مذاهب خصومك أنه ليس للعبد على الله حجة ولا استحقاق بوجه من الوجوه ، وأن كل ما يفعله الرب في العبد فهو حكمة وصواب ، وليس للعبد على الرب اعتراض ولا مناظرة ، فكيف يصير الإنسان الذي هذا دينه واعتقاده خصما لله تعالى . أما الذين يكونون خصماء لله فهم المعتزلة وتقريره من وجوه : الأول : أنه يدعي عليه وجوب الثواب والعوض ، ويقول : لو لم تعطني ذلك لخرجت عن الإلهية وصرت معزولا عن الربوبية وصرت من جملة السفهاء ، فهذا الذي مذهبه واعتقاده ذلك هو الخصم لله تعالى . والثاني : أن من واظب على الكفر سبعين سنة ، ثم إنه في آخر زمن حياته قال : لا إله إلا الله محمد رسول الله عن القلب ، ثم مات ، ثم إن رب العالمين أعطاه النعم الفائقة والدرجات الزائدة ألف ألف سنة ، ثم أراد أن يقطع تلك النعم عنه لحظة واحدة ، فذلك العبد يقول : أيها الإله إياك ، ثم إياك أن تترك ذلك لحظة واحدة ، فإنك إن تركته لحظة واحدة صرت معزولا عن الإلهية / والحاصل : أن إقدام ذلك العبد على ذلك الإيمان لحظة واحدة أوجب على الإله إيصال تلك النعم مدة لا آخر لها ، ولا طريق له البتة إلى الخلاص عن هذه العهدة ، فهذا هو الخصومة . أما من يقول إنه لا حق لأحد من الملائكة والأنبياء على الله تعالى . وكل ما يوصل إليهم من الثواب فهو تفضل وإحسان من الله تعالى ، فهذا لا يكون خصما .
Bahasa Indonesia Tercümesi (Ehl-i Sünnet)البحث الأول : قرأ ابن كثير { يصعد } ساكنة الصاد وقرأ أبو بكر عن عاصم { يصاعد } بالألف وتشديد الصاد بمعنى يتصاعد ، والباقون { إليه يصعد } بتشديد الصاد والعين بغير ألف ، أما قراءة ابن كثير { يصعد } فهي من الصعود ، والمعنى : أنه في نفوره عن الإسلام وثقله عليه بمنزلة من تكلف الصعود إلى السماء ، فكما أن ذلك التكليف ثقيل على القلب ، فكذلك الإيمان ثقيل على قلب الكافر وأما قراءة أبي بكر { يصاعد } فهو مثل يتصاعد . وأما قراءة الباقين { إليه يصعد } فهي بمعنى يتصعد ، فأدغمت التاء في الصاد ومعنى يتصعد يتكلف ما يثقل عليه . البحث الثاني : في كيفية هذا التشبيه وجهان : الأول : كما أن الإنسان إذا كلف الصعود إلى السماء ثقل ذلك التكليف عليه ، وعظم وصعب عليه ، وقويت نفرته عنه ، فكذلك الكافر يثقل عليه الإيمان وتعظم نفرته عنه . والثاني : أن يكون التقدير أن قلبه ينبو عن الإسلام ويتباعد عن قبول الإيمان ، فشبه ذلك البعد ببعد من يصعد من الأرض إلى السماء . / أما قوله : { كذالك يجعل الله الرجس على الذين لا يؤمنون } ففيه بحثان : البحث الأول : الكاف في قوله : { كذالك } يفيد التشبيه بشيء ، وفيه وجهان : الأول : التقدير أن يجعل الله الرجس عليهم كجعله ضيق الصدر في قلوبهم . والثاني : قال الزجاج التقدير : مثل ما قصصنا عليك ، يجعل الله الرجس . البحث الثاني : اختلفوا في تفسير { الرجس } فقال ابن عباس : هو الشيطان يسلطه الله عليهم وقال مجاهد : { الرجس } مالا خير فيه . وقال عطاء : { الرجس } العذاب . وقال الزجاج : { الرجس } اللعنة في الدنيا والعذاب في الآخرة . ولنختم تفسير هذه الآية بما روي عن محمد بن كعب القرظي أنه قال تذاكرنا في أمر القدرية عند ابن عمر . فقال : لعنت القدرية على لسان سبعين نبيا ، منهم نبينا صلى الله عليه وسلم . فإذا كان يوم القيامة نادى مناد ، وقد جمع الناس بحيث يسمع الكل أين خصماء الله ، فتقوم القدرية وقد أورد القاضي هذا الحديث في تفسيره . وقال : هذا الحديث من أقوى ما يدل على أن القدرية هم الذين ينسبون أفعال العباد إلى الله تعالى قضاء وقدرا وخلقا ، لأن الذين يقولون هذا القول ، هم خصماء الله ، لأنهم يقولون لله أي ذنب لنا حتى تعاقبنا ، وأنت الذي خلقته فينا وإرادته منا ، وقضيته علينا ، ولم تخلقنا إلا له ، وما يسرت لنا غيره ، فهؤلاء لا بد وأن يكونوا خصماء الله بسبب هذه الحجة أما الذين قالوا : إن الله مكن وأزاح العلة ، وإنما أتى العبد من قبل نفسه ، فكلامه موافق لما يعامل به من إنزال العقوبة / فلا يكونون خصماء الله ، بل يكونون منقادين لله هذا كلام القاضي وهو عجيب جدا وذلك لأنه يقال له يبعد منك أنك ما عرفت من مذاهب خصومك أنه ليس للعبد على الله حجة ولا استحقاق بوجه من الوجوه ، وأن كل ما يفعله الرب في العبد فهو حكمة وصواب ، وليس للعبد على الرب اعتراض ولا مناظرة ، فكيف يصير الإنسان الذي هذا دينه واعتقاده خصما لله تعالى . أما الذين يكونون خصماء لله فهم المعتزلة وتقريره من وجوه : الأول : أنه يدعي عليه وجوب الثواب والعوض ، ويقول : لو لم تعطني ذلك لخرجت عن الإلهية وصرت معزولا عن الربوبية وصرت من جملة السفهاء ، فهذا الذي مذهبه واعتقاده ذلك هو الخصم لله تعالى . والثاني : أن من واظب على الكفر سبعين سنة ، ثم إنه في آخر زمن حياته قال : لا إله إلا الله محمد رسول الله عن القلب ، ثم مات ، ثم إن رب العالمين أعطاه النعم الفائقة والدرجات الزائدة ألف ألف سنة ، ثم أراد أن يقطع تلك النعم عنه لحظة واحدة ، فذلك العبد يقول : أيها الإله إياك ، ثم إياك أن تترك ذلك لحظة واحدة ، فإنك إن تركته لحظة واحدة صرت معزولا عن الإلهية / والحاصل : أن إقدام ذلك العبد على ذلك الإيمان لحظة واحدة أوجب على الإله إيصال تلك النعم مدة لا آخر لها ، ولا طريق له البتة إلى الخلاص عن هذه العهدة ، فهذا هو الخصومة . أما من يقول إنه لا حق لأحد من الملائكة والأنبياء على الله تعالى . وكل ما يوصل إليهم من الثواب فهو تفضل وإحسان من الله تعالى ، فهذا لا يكون خصما .