قسم V02/P053Ebû Tâlib el-Mekkî — Kûtü'l-Kulûb (s. V02/P053)
متن اصلى (AR)فيأسى على ماليس له ويحزن على ما أخذ منه واستودعه ، أو يفرح بما ليس له لأنه لا يعلم أنه قد وهب له ، فيبقي عليه ، أو قد أعيره فيؤخذ منه ، فلما استرجعه من يده التي هي يده تعالى قبضه ، أيقن أنه لم يكن له وأنه إنما كان وديعة عنده فحزن وساء ، فهذا لما أيقن شك ، ولما علم جهل ورغب فيما ينبغي أن يزهد فيه ، فأي شك مع ذلك يتوهم المتوكل على الله ويدعي منازل الأقوياء الأغنياء بالله ، الشاهدين لمجاري قدر الله في تصاريف حكمه ، فإذا علم العبد أنه كاذب استكان استكانة الكذابين وتاب توبة المدعين ، ولم ينطق بكلام الصادقين ولا يدل إدلال المحبوبين ، فيكون تعريف الله إياه هذه المعاني تأديبا له ومزيد مثله ، وهذا مزيد الناقصين . ما حوله الله من خزانته التي هي في يده إلى خزانته الأخرى التي هي في يد غيره ، إذ قد علم أن يده خزانة مولاه ، وأن ما حوله منها لم يكن له وإنما كان قد استودعه ، فحزن وساءه حين استرجع منه ما أودعه وأعاره وأودعها غيره أو دفعها إلى من هي رزقه ، وكانت له من قبل ، أن المتوكل قد علم أن الله تعالى ، إذا وهب شيئا من الدنيا للأجسام من الملك وشيئا من الآخرة من الملكوت وصار ذلك رزقا للمتوكل في آخرته ، فآثر لضعف يقينه رزق دنياه على رزق آخرته لنقصان زهده ، ليس ذلك ، إلا للطمع فيه ، وفضل الرغبة والشره إذ قد علم أن ما أخذ منه كان وديعة لغيره عنده ، فهذه كلها ذنوب عند المتوكلين موجبات للتوبة والاستغفار عند الموقنين ، من قبل أن المتوكل قد علم أن الله إذا وهب شيئا من الملك في الدنيا للأجسام أو شيئا من ملكوت الآخرة في القلوب ، لم يأخذه أبدا ؛ فما كان في الدنيا بقي لصاحبه إلى آخر أثره حتى يفنيه ويبليه ، وما وهبه من الآخرة من الإيمان والعلم والعمل لم يأخذه أبدا بل ينميه ويزيده فيه إلى أبد الأبد في دار الأبد ، ولكن قد يعير ويستودع من أمور الدنيا وأمور الآخرة ، فهذا النوع لا بد أن يسترده ويسترجعه في الدنيا لأن حكمته أوجبت رده كما أوجب كرمه تبقية ما وهبه ، فلا ينبغي للمتوكل الموقن ما ذكرناه أن يحزنه ما حول الله من خزانته التي في يده مما أعاره واستودعه إلى خزانته الأخرى التي هي يد غيره ، ممن لعله يهبه له أو يبتليه بأحكامه فيه ، فيخرج أيضا من يده إلى يد غيره لأنه ما خرج من الدار شيء ، ولله حكمة وابتلاء في كل شيء ؛ فالحزن والأسف على فوت مثل هذا عند العارفين جناية ، ومن المؤمنين خيانة ، يستغفرون الله ويتوبون إليه كما يتوبون من المعاصي ، لأنهم قد شهدوا ما بيناه ولأنه قد أمرهم بترك الأسى على فائت الدنيا وقلة الفرح بما أتى منها ، إذ لا بد من كونهما لأنه قد علمه وبعد علمه قد كتبه وبعد كتبه قد أعلم به ، فكشف لهم اليقين عن الكتاب المستبين ؛ أن ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها ، فما ظهر من المصائب في الأموال والأنفس فقد سبق قبل خلق الخلق ، وهذا قوله تعالى : ( من قبل أن نبرأها ) الحديد : 22 ، قيل : من قبل أن نخلق الخليقة وقبل أن نبرأ الأرض وقيل : من قبل أن نبرأ الأنفس ، وقيل : من قبل أن نبرأ المصيبة ، ثم قال تعالى : ( لكيلا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم ) الحديد : 32 ، فالأسى على فقد الشيء على قدر الفرح بوجوده ، أفلا يستحي العبد أن يكون على ضد ما أمر به أو بخلاف ما يحبه منه مولاه ؟
لسان عثمانی (Osmanlıca) ترجمه سى (اهل سنت)فيأسى على ماليس له ويحزن على ما أخذ منه واستودعه ، أو يفرح بما ليس له لأنه لا يعلم أنه قد وهب له ، فيبقي عليه ، أو قد أعيره فيؤخذ منه ، فلما استرجعه من يده التي هي يده تعالى قبضه ، أيقن أنه لم يكن له وأنه إنما كان وديعة عنده فحزن وساء ، فهذا لما أيقن شك ، ولما علم جهل ورغب فيما ينبغي أن يزهد فيه ، فأي شك مع ذلك يتوهم المتوكل على الله ويدعي منازل الأقوياء الأغنياء بالله ، الشاهدين لمجاري قدر الله في تصاريف حكمه ، فإذا علم العبد أنه كاذب استكان استكانة الكذابين وتاب توبة المدعين ، ولم ينطق بكلام الصادقين ولا يدل إدلال المحبوبين ، فيكون تعريف الله إياه هذه المعاني تأديبا له ومزيد مثله ، وهذا مزيد الناقصين . ما حوله الله من خزانته التي هي في يده إلى خزانته الأخرى التي هي في يد غيره ، إذ قد علم أن يده خزانة مولاه ، وأن ما حوله منها لم يكن له وإنما كان قد استودعه ، فحزن وساءه حين استرجع منه ما أودعه وأعاره وأودعها غيره أو دفعها إلى من هي رزقه ، وكانت له من قبل ، أن المتوكل قد علم أن الله تعالى ، إذا وهب شيئا من الدنيا للأجسام من الملك وشيئا من الآخرة من الملكوت وصار ذلك رزقا للمتوكل في آخرته ، فآثر لضعف يقينه رزق دنياه على رزق آخرته لنقصان زهده ، ليس ذلك ، إلا للطمع فيه ، وفضل الرغبة والشره إذ قد علم أن ما أخذ منه كان وديعة لغيره عنده ، فهذه كلها ذنوب عند المتوكلين موجبات للتوبة والاستغفار عند الموقنين ، من قبل أن المتوكل قد علم أن الله إذا وهب شيئا من الملك في الدنيا للأجسام أو شيئا من ملكوت الآخرة في القلوب ، لم يأخذه أبدا ؛ فما كان في الدنيا بقي لصاحبه إلى آخر أثره حتى يفنيه ويبليه ، وما وهبه من الآخرة من الإيمان والعلم والعمل لم يأخذه أبدا بل ينميه ويزيده فيه إلى أبد الأبد في دار الأبد ، ولكن قد يعير ويستودع من أمور الدنيا وأمور الآخرة ، فهذا النوع لا بد أن يسترده ويسترجعه في الدنيا لأن حكمته أوجبت رده كما أوجب كرمه تبقية ما وهبه ، فلا ينبغي للمتوكل الموقن ما ذكرناه أن يحزنه ما حول الله من خزانته التي في يده مما أعاره واستودعه إلى خزانته الأخرى التي هي يد غيره ، ممن لعله يهبه له أو يبتليه بأحكامه فيه ، فيخرج أيضا من يده إلى يد غيره لأنه ما خرج من الدار شيء ، ولله حكمة وابتلاء في كل شيء ؛ فالحزن والأسف على فوت مثل هذا عند العارفين جناية ، ومن المؤمنين خيانة ، يستغفرون الله ويتوبون إليه كما يتوبون من المعاصي ، لأنهم قد شهدوا ما بيناه ولأنه قد أمرهم بترك الأسى على فائت الدنيا وقلة الفرح بما أتى منها ، إذ لا بد من كونهما لأنه قد علمه وبعد علمه قد كتبه وبعد كتبه قد أعلم به ، فكشف لهم اليقين عن الكتاب المستبين ؛ أن ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها ، فما ظهر من المصائب في الأموال والأنفس فقد سبق قبل خلق الخلق ، وهذا قوله تعالى : ( من قبل أن نبرأها ) الحديد : 22 ، قيل : من قبل أن نخلق الخليقة وقبل أن نبرأ الأرض وقيل : من قبل أن نبرأ الأنفس ، وقيل : من قبل أن نبرأ المصيبة ، ثم قال تعالى : ( لكيلا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم ) الحديد : 32 ، فالأسى على فقد الشيء على قدر الفرح بوجوده ، أفلا يستحي العبد أن يكون على ضد ما أمر به أو بخلاف ما يحبه منه مولاه ؟
قسم V02/P053Ebû Tâlib el-Mekkî — Kûtü'l-Kulûb (s. V02/P053)
متن اصلى (AR)فيأسى على ماليس له ويحزن على ما أخذ منه واستودعه ، أو يفرح بما ليس له لأنه لا يعلم أنه قد وهب له ، فيبقي عليه ، أو قد أعيره فيؤخذ منه ، فلما استرجعه من يده التي هي يده تعالى قبضه ، أيقن أنه لم يكن له وأنه إنما كان وديعة عنده فحزن وساء ، فهذا لما أيقن شك ، ولما علم جهل ورغب فيما ينبغي أن يزهد فيه ، فأي شك مع ذلك يتوهم المتوكل على الله ويدعي منازل الأقوياء الأغنياء بالله ، الشاهدين لمجاري قدر الله في تصاريف حكمه ، فإذا علم العبد أنه كاذب استكان استكانة الكذابين وتاب توبة المدعين ، ولم ينطق بكلام الصادقين ولا يدل إدلال المحبوبين ، فيكون تعريف الله إياه هذه المعاني تأديبا له ومزيد مثله ، وهذا مزيد الناقصين . والمعاملة الخامسة أن يكون له بكل درهم تلف سبعمائة درهم ، كأنه قد أنفقه في سبيل الله ، حسب له ذلك لأنه قد كان نواه ، وكذلك إن لم يؤخذ ما في بيته استنباطا من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم فيمن ترك العزل فأقر النطفة قرارها : إن له أجر غلام ولد ، له من ذلك الجماع وعاش فقتل في سبيل الله ، وإن كان لم يولد له فقال : أنت تخلقه ، وأنت ترزقه إليك ، محياه إليك ، مماته أقرها قرارها ولك ذلك . والمعاملة السادسة أن لا يأثم أخوه الذي أخذ رحله إن كان قد جعله صدقة عليه ، فيؤجر أجرا ثانيا لإشفاقه على أخيه ، وحسن نظره للعصا من حيث لا يعلمون تخلقا بأخلاق مولاه ، وينال بعفوه عن ظالمه درجة المحسنين ، ويتحقق بمقام المتقين ويكون ممن وقع أجره على الله ، فيخفي له ما لا تعلم نفس من قرة العين ولأنه قد علم كيف جرى الأمر وأن الآخذ مبتلي بسوء القضاء ، وأنه قد عوفي إذ لم يكن هو ذلك العبد فيرحم أهل البلاء حينئذ ، ويحمد الله على ماعافاه فيشغله الشكر لله عن الدعاء على ظالمه ، قال بعض العارفين لبعض أصحابه : لم أسقط أهل المعرفة اللأئمة عن الظالمين لهم فقلت : لاأدري قال : لعلمهم أن الله قصدهم بذلك وابتلى الظالمين بهم فرحموهم ، وذلك داخل في نصر أخيه الظالم لنفسه ، وطاعة لأمر رسوله في قوله : أنصر أخاك ظالما أو مظلوما ؛ أي تمنعه عن الظلم فإذا عفا عنه فقد منعه من الظلم ، لأنه لو رآه منعه من أخذه أو وهبه له فيقوم عفوه عنه مقام رؤيته . والمعاملة السابعة تحققه في الزهد فيما ذهب ، وقال أبو سليمان الداراني لما بلغه عن مالك بن دينار أنه قال للمغيرة : اذهب فخذ تلك الركوة من البيت فلا حاجة لي بها ، وكان قد أهداها إليه وقبلها منه فقال : ولم ؟
لسان عثمانی (Osmanlıca) ترجمه سى (اهل سنت)فيأسى على ماليس له ويحزن على ما أخذ منه واستودعه ، أو يفرح بما ليس له لأنه لا يعلم أنه قد وهب له ، فيبقي عليه ، أو قد أعيره فيؤخذ منه ، فلما استرجعه من يده التي هي يده تعالى قبضه ، أيقن أنه لم يكن له وأنه إنما كان وديعة عنده فحزن وساء ، فهذا لما أيقن شك ، ولما علم جهل ورغب فيما ينبغي أن يزهد فيه ، فأي شك مع ذلك يتوهم المتوكل على الله ويدعي منازل الأقوياء الأغنياء بالله ، الشاهدين لمجاري قدر الله في تصاريف حكمه ، فإذا علم العبد أنه كاذب استكان استكانة الكذابين وتاب توبة المدعين ، ولم ينطق بكلام الصادقين ولا يدل إدلال المحبوبين ، فيكون تعريف الله إياه هذه المعاني تأديبا له ومزيد مثله ، وهذا مزيد الناقصين . والمعاملة الخامسة أن يكون له بكل درهم تلف سبعمائة درهم ، كأنه قد أنفقه في سبيل الله ، حسب له ذلك لأنه قد كان نواه ، وكذلك إن لم يؤخذ ما في بيته استنباطا من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم فيمن ترك العزل فأقر النطفة قرارها : إن له أجر غلام ولد ، له من ذلك الجماع وعاش فقتل في سبيل الله ، وإن كان لم يولد له فقال : أنت تخلقه ، وأنت ترزقه إليك ، محياه إليك ، مماته أقرها قرارها ولك ذلك . والمعاملة السادسة أن لا يأثم أخوه الذي أخذ رحله إن كان قد جعله صدقة عليه ، فيؤجر أجرا ثانيا لإشفاقه على أخيه ، وحسن نظره للعصا من حيث لا يعلمون تخلقا بأخلاق مولاه ، وينال بعفوه عن ظالمه درجة المحسنين ، ويتحقق بمقام المتقين ويكون ممن وقع أجره على الله ، فيخفي له ما لا تعلم نفس من قرة العين ولأنه قد علم كيف جرى الأمر وأن الآخذ مبتلي بسوء القضاء ، وأنه قد عوفي إذ لم يكن هو ذلك العبد فيرحم أهل البلاء حينئذ ، ويحمد الله على ماعافاه فيشغله الشكر لله عن الدعاء على ظالمه ، قال بعض العارفين لبعض أصحابه : لم أسقط أهل المعرفة اللأئمة عن الظالمين لهم فقلت : لاأدري قال : لعلمهم أن الله قصدهم بذلك وابتلى الظالمين بهم فرحموهم ، وذلك داخل في نصر أخيه الظالم لنفسه ، وطاعة لأمر رسوله في قوله : أنصر أخاك ظالما أو مظلوما ؛ أي تمنعه عن الظلم فإذا عفا عنه فقد منعه من الظلم ، لأنه لو رآه منعه من أخذه أو وهبه له فيقوم عفوه عنه مقام رؤيته . والمعاملة السابعة تحققه في الزهد فيما ذهب ، وقال أبو سليمان الداراني لما بلغه عن مالك بن دينار أنه قال للمغيرة : اذهب فخذ تلك الركوة من البيت فلا حاجة لي بها ، وكان قد أهداها إليه وقبلها منه فقال : ولم ؟
قسم V02/P053–V02/P054Ebû Tâlib el-Mekkî — Kûtü'l-Kulûb (s. V02/P053–V02/P054)
متن اصلى (AR)قال يوسوس إلى العدو أن اللص قد أخذها وكان مالك لا يغلق بابه إنما كان يشده بشريط وكان يقول : لولا الكلاب ما شددته أيضا ، فقال أبو سليمان : هذا من ضعف قلوب الصوفيين ، هو قد زهد مني الدنيا فما عليه بمن أخذها ، وهذا كما قال أبو سليمان : لأن الزهد إذا صح دخل الرضا فيه ، ولقول مالك أيضا وجه كأنه كره أن يعصي الله به ، فيكون هو سبب معصية الله ، ولكن قول أبي سليمان أعلى لأجل التوكل والرضا ، وهذا الذي ذكرناه من ذهاب ما في البيت هو لكل من ذهب له مال في سفر أو حضر ، ولكل من أصيب بمصيبة في نفس أو أهل هذه المعاملات كلها إذا اعتقدها بقلبه وكانت في خلده ووجده ، وإن لم ينطق بها أو يظهرها : فأكثر الناس إيمانا وأحسنهم يقينا أقلهم غما وأيسرهم أسى على ما فات من الدنيا ، وأحسنهم رضا وأنفذهم شهادة من رأى أن ذلك نعمة أوجبت عليهم شكرا ، وأقل الناس إيمانا وأضعفهم يقينا أشدهم أسى وأكثرهم غما على ما فات ، وأطولهم شكوى وأقلهم شكرا ، فالمصائب محنة تكشف الزهد في الدنيا والرغبة ، ألم تسمع إلى الحديث الذي جاء فيه هذا الدعاء : وأسألك من اليقين ما تهون به علينا مصائب الدنيا ، فشدة الغم على فوت الدنيا دليل على حبها وعلامة ضعف اليقين بمحبوبه وسهوله الغم على فوتها دليل على الزهد فيها وقوة اليقين بربه ، فإن وجد المتوكل رحله بحاله لم يضره بتبقيته شيء وكان له أحر ما قد نوى من المعاملات ، ولا أعلم هذا القول واعتقاده عند خروج العبد من منزله أو تركه لرحله أو خروجه في سفر ينفعه شيئا ولا يضره ، ولا يقدم ضياع شيء حكم الله ببقائه له ولا يؤخر ترك العقد لهذا تبقية ما حكم الله بذهابه ، ومع ذلك فيكون له حال من التوكل ومقامات في المعاملات إلا شيئا واحدا من باب نقصان الدنيا من طريق الورع ، فإنه ينقصه وهو أنه إن أخذ ما توكل على الله فيه ، وفوض إليه أمره به ، ثم رد عليه ، لم يستحب له في الورع أن يتملكه ، ولا أن يرجع فيه في حسن الأدب ، لأنه قد كان جعله صدقة في سبيل الله ، فإن رجع فيه لم ينقص ذلك توكله ، لأنه قد صح تفويضه إلى الوكيل في الخالين معا ، فيكون رده عليه لأنه قد كان وهبه له بمنزلته ابتداء عطاء منه . وقد روينا أن ابن عمر سرقت ناقته فطلبها حتى أعيا ، ثم قال : في سبيل الله ، فدخل المسجد وصلى ركعتين فجاءه رجل فقال : يا أبا عبد الرحمن ، إن ناقتك في مكان كذا ، فلبس نعله وقام ثم نزعها ، ثم قال : أستغفر الله ، وجلس فقيل له : ألا تذهب فتأخذها فقال : إني قد كنت قلت : في سبيل الله ، وحدثت عن بعضهم قال : رأيت بعض إخواني في النوم بعد موته فقلت : مافعل الله بك ؟ فقال : غفر لي وأدخلني الجنة ، وعرضت على منازلي فيها فرأيتها ، قال وهو في ذلك كئيب حزين فقلت : قد دخلت الجنة وغفر لك وأنت حزين ، فتنفس الصعداء ثم قال : نعم إني لاأزال حزينا إلى يوم القيامة ، قلت : ولم ذلك ؟ قال : إني لما رأيت منازلي من الجنة رفعت لي مقامات في عليين ما رأيت مثلها فيما رأيت ، ففرحت بها ، فلما هممت بدخولها ، نادى مناد من فوقها : اصرفوه عنها فليست هذه له ، إنما هذه لمن أمضى السبيل فقلت : وما أمضى السبيل ؟
لسان عثمانی (Osmanlıca) ترجمه سى (اهل سنت)قال يوسوس إلى العدو أن اللص قد أخذها وكان مالك لا يغلق بابه إنما كان يشده بشريط وكان يقول : لولا الكلاب ما شددته أيضا ، فقال أبو سليمان : هذا من ضعف قلوب الصوفيين ، هو قد زهد مني الدنيا فما عليه بمن أخذها ، وهذا كما قال أبو سليمان : لأن الزهد إذا صح دخل الرضا فيه ، ولقول مالك أيضا وجه كأنه كره أن يعصي الله به ، فيكون هو سبب معصية الله ، ولكن قول أبي سليمان أعلى لأجل التوكل والرضا ، وهذا الذي ذكرناه من ذهاب ما في البيت هو لكل من ذهب له مال في سفر أو حضر ، ولكل من أصيب بمصيبة في نفس أو أهل هذه المعاملات كلها إذا اعتقدها بقلبه وكانت في خلده ووجده ، وإن لم ينطق بها أو يظهرها : فأكثر الناس إيمانا وأحسنهم يقينا أقلهم غما وأيسرهم أسى على ما فات من الدنيا ، وأحسنهم رضا وأنفذهم شهادة من رأى أن ذلك نعمة أوجبت عليهم شكرا ، وأقل الناس إيمانا وأضعفهم يقينا أشدهم أسى وأكثرهم غما على ما فات ، وأطولهم شكوى وأقلهم شكرا ، فالمصائب محنة تكشف الزهد في الدنيا والرغبة ، ألم تسمع إلى الحديث الذي جاء فيه هذا الدعاء : وأسألك من اليقين ما تهون به علينا مصائب الدنيا ، فشدة الغم على فوت الدنيا دليل على حبها وعلامة ضعف اليقين بمحبوبه وسهوله الغم على فوتها دليل على الزهد فيها وقوة اليقين بربه ، فإن وجد المتوكل رحله بحاله لم يضره بتبقيته شيء وكان له أحر ما قد نوى من المعاملات ، ولا أعلم هذا القول واعتقاده عند خروج العبد من منزله أو تركه لرحله أو خروجه في سفر ينفعه شيئا ولا يضره ، ولا يقدم ضياع شيء حكم الله ببقائه له ولا يؤخر ترك العقد لهذا تبقية ما حكم الله بذهابه ، ومع ذلك فيكون له حال من التوكل ومقامات في المعاملات إلا شيئا واحدا من باب نقصان الدنيا من طريق الورع ، فإنه ينقصه وهو أنه إن أخذ ما توكل على الله فيه ، وفوض إليه أمره به ، ثم رد عليه ، لم يستحب له في الورع أن يتملكه ، ولا أن يرجع فيه في حسن الأدب ، لأنه قد كان جعله صدقة في سبيل الله ، فإن رجع فيه لم ينقص ذلك توكله ، لأنه قد صح تفويضه إلى الوكيل في الخالين معا ، فيكون رده عليه لأنه قد كان وهبه له بمنزلته ابتداء عطاء منه . وقد روينا أن ابن عمر سرقت ناقته فطلبها حتى أعيا ، ثم قال : في سبيل الله ، فدخل المسجد وصلى ركعتين فجاءه رجل فقال : يا أبا عبد الرحمن ، إن ناقتك في مكان كذا ، فلبس نعله وقام ثم نزعها ، ثم قال : أستغفر الله ، وجلس فقيل له : ألا تذهب فتأخذها فقال : إني قد كنت قلت : في سبيل الله ، وحدثت عن بعضهم قال : رأيت بعض إخواني في النوم بعد موته فقلت : مافعل الله بك ؟ فقال : غفر لي وأدخلني الجنة ، وعرضت على منازلي فيها فرأيتها ، قال وهو في ذلك كئيب حزين فقلت : قد دخلت الجنة وغفر لك وأنت حزين ، فتنفس الصعداء ثم قال : نعم إني لاأزال حزينا إلى يوم القيامة ، قلت : ولم ذلك ؟ قال : إني لما رأيت منازلي من الجنة رفعت لي مقامات في عليين ما رأيت مثلها فيما رأيت ، ففرحت بها ، فلما هممت بدخولها ، نادى مناد من فوقها : اصرفوه عنها فليست هذه له ، إنما هذه لمن أمضى السبيل فقلت : وما أمضى السبيل ؟
قسم V02/P054–V02/P055Ebû Tâlib el-Mekkî — Kûtü'l-Kulûb (s. V02/P054–V02/P055)
متن اصلى (AR)قيل لي : قد كنت تقول للشيء إذا ذهب منك : في سبيل الله ، ثم ترجع فيه فلو كنت أمضيت السبيل لأمضيناها لك ، وقد حدثونا أن الربيع بن خيتم سرق فرسه وكان ثمنه عشرين ألفا ، وكان قائما يصلي فلم يقطع صلاته ولم ينزعج لطلبه فجاءه الناس يعزونه فقال : أما إني قد كنت رأيته وهو يحله ، قيل : وما منعك أن تزجره ؟ قال : كنت فيما هو أحب إلي من ذاك يعني الصلاة قال : فجعلوا يدعون عليه فقال : لا تفعلوا وقولوا خيرا فإني قد جعلتها صدقة عليه ، وقيل لبعضهم في شيء قد كان سرق له : ألا تدعو على ظالمك ؟ فقال : ما أحب أن أكون عونا للشيطان عليه ، قيل : أفرأيت لو ردت إليك سرقتك أكنت تأخذها ؟ قال : ولا كنت أنظر إليها إني قد كنت أحللته منها ، وقيل لآخر : أدع الله على من ظلمك ، قال : ماظلمني أحد ثم قال : إنما ظلم نفسه فلا يكفيه المسكين ظلمه لنفسه حتى أزيده شرا ، وذهب لبعض المسلمين مال فجاء قوم يعزونه عليه فقال : ما تعزوني على أمر الدنيا ، فوالله ما حزنت على ذهابها فكيف على ذهاب شيء منها قيل : ولم ؟ قال : شغلني الشكر عليه عن الحزن ، وقد كانوا يقولون : إذا ظلموا من الغصب والسرقة وغير ذلك ، هذه نعمة الله علينا إذ لم يجعلنا ظالمين مظلومين وجعلنا أعظم مما فاتنا من الظلامة ، وقد كان السلف يخافون أن يذكروا الظالم بالسب له والدعاء عليه فيكون ذلك زيادة على مظلمتهم . وقد روينا : من دعا على ظالمه فقد انتصر ، وأكثر بعضهم بشتم الحجاج عند بعض السلف فقال له : لا تغرق في شتمته فإن الله ينتصف للحجاج ممن انتهك عرضه كما ينتصف منه لمن أخذ ماله ، وفي الخبر أن العبد ليظلم المظلمة ، فلا يزال يشتم ظالمه ويسبه حتى يكون بمقدار ماظلمه ، ثم يبقى للظالم عليه مطالبة بما زاد عليه يقتص له من المظلوم ، وقال بعض العلماء لرجل وقد كان شكا إليه قطع الطريق وأخذ ماله فقال له : إن لم يكن غمك أنه قد صار في المسلمين من يستحل هذا أكثر من غمك بمالك فما نصحت للمسلمين ، وسرقت من علي بن الفضيل دنانير وهو يطوف بالبيت فرآه أبوه وهو يبكي ويحزن فقال : أعلى الدنانير تبكي ؟
لسان عثمانی (Osmanlıca) ترجمه سى (اهل سنت)قيل لي : قد كنت تقول للشيء إذا ذهب منك : في سبيل الله ، ثم ترجع فيه فلو كنت أمضيت السبيل لأمضيناها لك ، وقد حدثونا أن الربيع بن خيتم سرق فرسه وكان ثمنه عشرين ألفا ، وكان قائما يصلي فلم يقطع صلاته ولم ينزعج لطلبه فجاءه الناس يعزونه فقال : أما إني قد كنت رأيته وهو يحله ، قيل : وما منعك أن تزجره ؟ قال : كنت فيما هو أحب إلي من ذاك يعني الصلاة قال : فجعلوا يدعون عليه فقال : لا تفعلوا وقولوا خيرا فإني قد جعلتها صدقة عليه ، وقيل لبعضهم في شيء قد كان سرق له : ألا تدعو على ظالمك ؟ فقال : ما أحب أن أكون عونا للشيطان عليه ، قيل : أفرأيت لو ردت إليك سرقتك أكنت تأخذها ؟ قال : ولا كنت أنظر إليها إني قد كنت أحللته منها ، وقيل لآخر : أدع الله على من ظلمك ، قال : ماظلمني أحد ثم قال : إنما ظلم نفسه فلا يكفيه المسكين ظلمه لنفسه حتى أزيده شرا ، وذهب لبعض المسلمين مال فجاء قوم يعزونه عليه فقال : ما تعزوني على أمر الدنيا ، فوالله ما حزنت على ذهابها فكيف على ذهاب شيء منها قيل : ولم ؟ قال : شغلني الشكر عليه عن الحزن ، وقد كانوا يقولون : إذا ظلموا من الغصب والسرقة وغير ذلك ، هذه نعمة الله علينا إذ لم يجعلنا ظالمين مظلومين وجعلنا أعظم مما فاتنا من الظلامة ، وقد كان السلف يخافون أن يذكروا الظالم بالسب له والدعاء عليه فيكون ذلك زيادة على مظلمتهم . وقد روينا : من دعا على ظالمه فقد انتصر ، وأكثر بعضهم بشتم الحجاج عند بعض السلف فقال له : لا تغرق في شتمته فإن الله ينتصف للحجاج ممن انتهك عرضه كما ينتصف منه لمن أخذ ماله ، وفي الخبر أن العبد ليظلم المظلمة ، فلا يزال يشتم ظالمه ويسبه حتى يكون بمقدار ماظلمه ، ثم يبقى للظالم عليه مطالبة بما زاد عليه يقتص له من المظلوم ، وقال بعض العلماء لرجل وقد كان شكا إليه قطع الطريق وأخذ ماله فقال له : إن لم يكن غمك أنه قد صار في المسلمين من يستحل هذا أكثر من غمك بمالك فما نصحت للمسلمين ، وسرقت من علي بن الفضيل دنانير وهو يطوف بالبيت فرآه أبوه وهو يبكي ويحزن فقال : أعلى الدنانير تبكي ؟
قسم V02/P055–V02/P056Ebû Tâlib el-Mekkî — Kûtü'l-Kulûb (s. V02/P055–V02/P056)
متن اصلى (AR)فقال : لا والله ، ولكن على المسكين ، أنه يسأل يوم القيامة بهم ولا يكون له حجة ، وقيل لبعضهم في معنى هذا : أدع على من ظلمك ، فقال : إني مشغول بالحزن عليه عن الدعاء عليه ؛ فإن رد علي المتوكل كل ما أخذ منه فالأفضل له أن لا يتملكه ، إن كان قد جعله في سبيل الله ليمضي السبيل ، فإن كان قد جعله صدقة على الآخذ نظر في ذلك فإن كان فقيرا حمله فقره على السرقة والخيانة والحاجة أمضى صدقته عليه ، وإن كان غير ذلك صرفها إلى فقير ، وقد كان بعضهم إذا أخذ له الشيء يشترط فيقول : إن كان فقيرا فهو صدقة عليه ، وإن كان محتاجا فهو في حل ، وقد أخبرني بعض الأشياخ عن شيخ كان بمكة من العباد أنه اتهم بعض الحجاج بسرقة هميانه لأنه كان قائما إلى جانبه ، فقال له : كم كان فيه فأخبره ، فحمله إلى منزله فوزن له من المال ، ثم إن أصحابه أعلموه أنهم مزحوا معه وحلوا هميانه وهو نائم ، فجاء هو وأصحابه إليه فردوا عليه ماله ، فقال : ما كانت لتعود إلي بعد إذ خرجت هي لكم ، فقلنا : لاحاجة لنا فيها فقال : خذوها ، قال : فأبينا ، فقال : يابني ، ودعا ابنا له وجعل يصرها صررا ويبعث بها إلى قوم حتى فرغ منها ، وهذا كانت نيته إخراجها لله سبحانه فلم يعد فيما أخرجه ، كما نقول فيمن أخرج رغيفا إلى سائل أو أعد درهما لفقير فلم يصادفه : إنا نستحب أن لا يرجع إلى ملكه بل يعزله لسائل آخر أو فقير غيره ، لم يزل هذا من أخلاق المؤمنين ، وقد رأينا من كان بهذا الوصف وهذا طريق قد عفا أثره ودرس خبره ، فمن عمل به فقد أحياه وأظهره وقد كان قديما طريقا إلى الله تعالى عليه السابلة من الأولياء .
لسان عثمانی (Osmanlıca) ترجمه سى (اهل سنت)فقال : لا والله ، ولكن على المسكين ، أنه يسأل يوم القيامة بهم ولا يكون له حجة ، وقيل لبعضهم في معنى هذا : أدع على من ظلمك ، فقال : إني مشغول بالحزن عليه عن الدعاء عليه ؛ فإن رد علي المتوكل كل ما أخذ منه فالأفضل له أن لا يتملكه ، إن كان قد جعله في سبيل الله ليمضي السبيل ، فإن كان قد جعله صدقة على الآخذ نظر في ذلك فإن كان فقيرا حمله فقره على السرقة والخيانة والحاجة أمضى صدقته عليه ، وإن كان غير ذلك صرفها إلى فقير ، وقد كان بعضهم إذا أخذ له الشيء يشترط فيقول : إن كان فقيرا فهو صدقة عليه ، وإن كان محتاجا فهو في حل ، وقد أخبرني بعض الأشياخ عن شيخ كان بمكة من العباد أنه اتهم بعض الحجاج بسرقة هميانه لأنه كان قائما إلى جانبه ، فقال له : كم كان فيه فأخبره ، فحمله إلى منزله فوزن له من المال ، ثم إن أصحابه أعلموه أنهم مزحوا معه وحلوا هميانه وهو نائم ، فجاء هو وأصحابه إليه فردوا عليه ماله ، فقال : ما كانت لتعود إلي بعد إذ خرجت هي لكم ، فقلنا : لاحاجة لنا فيها فقال : خذوها ، قال : فأبينا ، فقال : يابني ، ودعا ابنا له وجعل يصرها صررا ويبعث بها إلى قوم حتى فرغ منها ، وهذا كانت نيته إخراجها لله سبحانه فلم يعد فيما أخرجه ، كما نقول فيمن أخرج رغيفا إلى سائل أو أعد درهما لفقير فلم يصادفه : إنا نستحب أن لا يرجع إلى ملكه بل يعزله لسائل آخر أو فقير غيره ، لم يزل هذا من أخلاق المؤمنين ، وقد رأينا من كان بهذا الوصف وهذا طريق قد عفا أثره ودرس خبره ، فمن عمل به فقد أحياه وأظهره وقد كان قديما طريقا إلى الله تعالى عليه السابلة من الأولياء .
قسم V02/P056–V02/P057Ebû Tâlib el-Mekkî — Kûtü'l-Kulûb (s. V02/P056–V02/P057)
متن اصلى (AR)ذكر بيان آخر من أحكام المتوكل اعلم أن التوكل على الله في الأسباب لا يوجب بقاءها للعبد ولا إيثاره بها ولا حفظها عليه ، ولا يقدم شيئا عن شيء ولا يؤخره لصلاح دنيا أو اختيارعبد ، بل هو إلى الإذهاب والإتلاف أقرب لأن التوكل قرين الزهد ، هكذا هو عند الخصوص ولأجل اختيار العبد وتحقيق صدقه محنة له ، ولأجل من نفي الشيء من الدنيا ، قال الله سبحانه وتعالى : ( فما أوتيتم من شيء فمتاع الحياة ) الشورى : 36 فإن ذهب ماله فصبر أو شكر أو رضي ، كان صادقا في توكله ، وهذه أحوال المتوكلين في التوكل إن كانوا صادقين ، وإن عجز واضطرب كان كاذبا في توهمه للتوكل ويلزمه من مجاهدة النفس عند اضطرابها بعد عدم الأشياء ما يلزمه من مجاهداتها ونفي الآفات في سائر الأعمال ، فإن حفظ عليه ماله فقد رفق به في ذ لك وستر عليه عن كشف حقيقة حاله بتلف ذلك ، وجعلت كرامة من الدنيا له ليطمئن بذلك في حاله ويسكن به قلبه في طريقه ، وهذا مقام الضعفاء ، وإن نقص من الدنيا فقد أقيم مقام أهل البلاء ، الأمثل فالأمثل بالأنبياء ، ولولا الامتحان لكثر الصادقون وكذلك التوكل على الله في ترك الدواء لا يجلب العوافي ولا يعجلها ، ولا ينقص من الأمراض ولا يذهبها ، بل هو إلى الازدياد منها أقرب للتمحيص والابتلاء ، ومنه قوله عز وجل : ( وليمحص الله الذين آمنوا ويمحق الكافرين ) آل عمران : 141 ، فمن لم يشهد نقصان الدنيا من النفس والمال نعمة توجب عليه الشكر ، ويرى المنع عطاء فقد جهل تلك النعمة بإضاعة شكرها ، فما فاته من جهل النعمة ، وترك الشكر ، أعظم مما يترك من جميع الدنيا ، وأخاف عليه لطيفة من المحق ، والمحق نقصان الشيء إلى ذهاب جملته عند الكفر بنعمته لقوله تعالى : ويمحق الكافرين فالله أعلم أي شيء يمحقه وينقصه ، بمقدار ما كفر شكر نعمته ، وقد قال سبحانه : ( ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات وبشر الصابرين ) البقرة : 155 فهذا النقص من هذه الخمس التي المزيد منها هو جملة الدنيا ، هو المزيد من الآخرة لا ضد الدنيا كما قال تعالى : ( وما عند الله خير وأبقى للذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون ) الشورى : 36 فصبروا على مصائبهم توكلا على ربهم ، ثم توكلوا رهم لشهادة وكيلهم ولحسن ظنهم به ، ثم صبروا على توكلهم لتمام حالهم ، ويعلو بذلك فيه مقامهم : فالصبر أول مقام في التوكل وهو عند مشاهدة القضاء بلاء ، والشكر أعلى من ذلك هو شهود البلاء نعمة ، والرضا فوق ذلك كله وهو أعلى التوكل وهو مقام المحبين من المتوكلين ، قال الله عز وجل في وصف عموم المتوكلين : ( وما عند الله خير وأبقى أفلا تعقلون ) القصص : 60 ، فمن اتقى الله وعقل خطابه توكل عليه فيما أصابه ، فلم ييأس على ما فات ولم يفرح من الدنيا بما هو آت وهذا أوسط الزهد وأول التوكل ، وقال تعالى في وصف الخصوص : ( وما عند الله خير وأبقى للذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون ) الشورى : 36 فأهل العقل عن الله والمتقون له هم المتوكلون عليه ، وقد زهدهم فيما يفنى برغبته إياهم فيما يبقى حين فهموا الخطاب ، إذ هم أولو الألباب وذلك أنه أضاف ما عنده إليه ووصفه بالبقاء ليرغبوا فيه ، لأنهم قد توكلوا عليه وأضاف ما عندهم إليهم ليزهدوا فيه ، ووصفه بالفناء لأنهم قد زهدوا في نفوسهم ، إذ قد باعوها منه ، فكيف يتملكون ماعندها ؟ والعبد وماله لسيده وهو تعالى قد اشتراها منهم لرغبتهم فيه ، وعوضهم منها ما يبقى لهم فقال تعالى : ( ما عندكم ينفد وما عند الله باق ) النحل : 96 ذكر بيان آخر من فضيلة المتوكل
لسان عثمانی (Osmanlıca) ترجمه سى (اهل سنت)ذكر بيان آخر من أحكام المتوكل اعلم أن التوكل على الله في الأسباب لا يوجب بقاءها للعبد ولا إيثاره بها ولا حفظها عليه ، ولا يقدم شيئا عن شيء ولا يؤخره لصلاح دنيا أو اختيارعبد ، بل هو إلى الإذهاب والإتلاف أقرب لأن التوكل قرين الزهد ، هكذا هو عند الخصوص ولأجل اختيار العبد وتحقيق صدقه محنة له ، ولأجل من نفي الشيء من الدنيا ، قال الله سبحانه وتعالى : ( فما أوتيتم من شيء فمتاع الحياة ) الشورى : 36 فإن ذهب ماله فصبر أو شكر أو رضي ، كان صادقا في توكله ، وهذه أحوال المتوكلين في التوكل إن كانوا صادقين ، وإن عجز واضطرب كان كاذبا في توهمه للتوكل ويلزمه من مجاهدة النفس عند اضطرابها بعد عدم الأشياء ما يلزمه من مجاهداتها ونفي الآفات في سائر الأعمال ، فإن حفظ عليه ماله فقد رفق به في ذ لك وستر عليه عن كشف حقيقة حاله بتلف ذلك ، وجعلت كرامة من الدنيا له ليطمئن بذلك في حاله ويسكن به قلبه في طريقه ، وهذا مقام الضعفاء ، وإن نقص من الدنيا فقد أقيم مقام أهل البلاء ، الأمثل فالأمثل بالأنبياء ، ولولا الامتحان لكثر الصادقون وكذلك التوكل على الله في ترك الدواء لا يجلب العوافي ولا يعجلها ، ولا ينقص من الأمراض ولا يذهبها ، بل هو إلى الازدياد منها أقرب للتمحيص والابتلاء ، ومنه قوله عز وجل : ( وليمحص الله الذين آمنوا ويمحق الكافرين ) آل عمران : 141 ، فمن لم يشهد نقصان الدنيا من النفس والمال نعمة توجب عليه الشكر ، ويرى المنع عطاء فقد جهل تلك النعمة بإضاعة شكرها ، فما فاته من جهل النعمة ، وترك الشكر ، أعظم مما يترك من جميع الدنيا ، وأخاف عليه لطيفة من المحق ، والمحق نقصان الشيء إلى ذهاب جملته عند الكفر بنعمته لقوله تعالى : ويمحق الكافرين فالله أعلم أي شيء يمحقه وينقصه ، بمقدار ما كفر شكر نعمته ، وقد قال سبحانه : ( ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات وبشر الصابرين ) البقرة : 155 فهذا النقص من هذه الخمس التي المزيد منها هو جملة الدنيا ، هو المزيد من الآخرة لا ضد الدنيا كما قال تعالى : ( وما عند الله خير وأبقى للذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون ) الشورى : 36 فصبروا على مصائبهم توكلا على ربهم ، ثم توكلوا رهم لشهادة وكيلهم ولحسن ظنهم به ، ثم صبروا على توكلهم لتمام حالهم ، ويعلو بذلك فيه مقامهم : فالصبر أول مقام في التوكل وهو عند مشاهدة القضاء بلاء ، والشكر أعلى من ذلك هو شهود البلاء نعمة ، والرضا فوق ذلك كله وهو أعلى التوكل وهو مقام المحبين من المتوكلين ، قال الله عز وجل في وصف عموم المتوكلين : ( وما عند الله خير وأبقى أفلا تعقلون ) القصص : 60 ، فمن اتقى الله وعقل خطابه توكل عليه فيما أصابه ، فلم ييأس على ما فات ولم يفرح من الدنيا بما هو آت وهذا أوسط الزهد وأول التوكل ، وقال تعالى في وصف الخصوص : ( وما عند الله خير وأبقى للذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون ) الشورى : 36 فأهل العقل عن الله والمتقون له هم المتوكلون عليه ، وقد زهدهم فيما يفنى برغبته إياهم فيما يبقى حين فهموا الخطاب ، إذ هم أولو الألباب وذلك أنه أضاف ما عنده إليه ووصفه بالبقاء ليرغبوا فيه ، لأنهم قد توكلوا عليه وأضاف ما عندهم إليهم ليزهدوا فيه ، ووصفه بالفناء لأنهم قد زهدوا في نفوسهم ، إذ قد باعوها منه ، فكيف يتملكون ماعندها ؟ والعبد وماله لسيده وهو تعالى قد اشتراها منهم لرغبتهم فيه ، وعوضهم منها ما يبقى لهم فقال تعالى : ( ما عندكم ينفد وما عند الله باق ) النحل : 96 ذكر بيان آخر من فضيلة المتوكل
قسم V02/P057–V02/P058Ebû Tâlib el-Mekkî — Kûtü'l-Kulûb (s. V02/P057–V02/P058)
متن اصلى (AR)اعلم يقينا أن الله تعالى لوجعل الخلائق كلهم من أهل السموات والأرضين على علم أعلمهم به ، وعقل أعقلهم عنه وحكمة أحكمهم عنده ، ثم زاد كل واحد من الخلائق مثل عدد جميعهم وأضعافه علما وحكمة وعقلا ، ثم كشف لهم العواقب وأطلعهم على السرائر وأعلمهم بواطن النعم ، وعرفهم دقائق العقوبات وأوقفهم على خفايا اللطف في الدنيا والآخرة ، ثم قال لهم : دبروا الملك بما أعطيتكم من العلوم والعقول عن مشاهدتكم عواقب الأمور ، ثم أعانهم على ذلك وقواهم له ، لما زاد تدبيرهم على ما يراه من تدبير الله تعالى من الخير والشر والنفع والضر جناح بعوضة ، ولا نقص جناح بعوضة ولا أوجبت العقول المكاشفات ولا العلوم المشاهدات غير هذا التدبير ، ولا قضت بغير هذا التقدير الذي يعاينه ويقلب فيه ، ولكن لا يبصرون لأنه أجراه على ترتيب العقول وعلى معاني العرف والمعتاد من الأمور ، بالأسباب المعروفة والأواسط المشهورة على معيار ما طبع العقول فيه وجبل العقول عليه ، ثم غيب مع ذلك العواقب وحجب السرائر وأخفى المثاوب ، فغاب بعينها حسن التدبير وجميل التقدير فجهل أكثر الناس الحكم إلا المتوكلين وما يعقلها إلا العالمون ، ويقال : أصغر ماخلق الله من الحيوان والموات البعوضة والخردلة ، وفي كل واحدة منها ثلاثمائة وستون حكمة ، ثم يتزايد الحكم في المخلوقات على قدر تفاوتها في العظم والمنافع ومزيد آخر من الهدى ، والبيان لو تمنى أهل النهي من أولي الألباب الذين كشف عن قلوبهم الحجاب نهاية أمانيهم ، فكونت أمانيهم على ما تمنوا لكان رضاهم عن الله في تدبيره ومعرفتهم بحسن تقديره لهم ، خير لهم من كون أمانيهم ، وأفضل لهم عند الله من قبل إن الله ، أحكم الحاكمين ، وقال تعالى موبخا للإنسان مجهلا للتمني لقلة الإيقان : ( أم للإنسان ما تمنى ) ( فلله الآخرة والأولى ) النجم : 24 - 25 أي يحكم فيهما بترك الأماني لأنه قال تعالى : ( ولو اتبع الحق أهواءهم لفسدت السموات والأرض ومن فيهن ) المؤمنون : 71 فالمتوكل محب لله تعالى مسرور بربه فرح له بملكه ، بأن له الآخرة والأولى يحكم فيهما كيف شاء ، والعبد عاجز لا يقدر على شيء ، فهذا أول مقام في المحبة ، فقد كفى الخلائق هذا كله بحسن تدبير الخالق العليم الخبير البصير ، وإنما يحتاجون إلى معرفة بالحكمة ومشاهدة للحكم والرحمة ، وإلى بصيرة ويقين يسكن عندها قلوبهم ولا يضطرب ، هذا الذي ذكرناه عند الموقنين وستطلع العموم على سر ما ذكرناه من لطيف التدبير وباطن التقدير ، وهو سر القدر ولطائف المقدر في الآخرة عند المعاينة ، وقد كشف الغطاء وظهر ما تحته من عجائب الخبء في السموات والأرض ، وقد أطلع الله على ذلك العلماء به في الدنيا وهو محمود مشكور على ما أظهر وأخفى ، ففي كل واحد منهما نعمة ، ومع كل واصف منها حكمة ورحمة ، ولكن قد خلق الله العلماء بأخلاقه فليس يكشفون من علمه إلا بقدر ما كشف ، وليس يعرفون من سر قدره إلا بمعيار ما عرف ، وقال تعالى : ( وإن من شيء إلا عندنا خزائنه وما ننزله إلا بقدر معلوم ) الحجر : 21 فقد تأدبوا بهذا الخطاب ووقفوا عنده ، وقال أبو سليمان الداراني : إذا لاحظت الأشياء من فوق وجدت لها طعما آخر ، وقال بعض العارفين : إذا رأيت الأشياء كلها كشيء واحد من معدن واحد ، رأيت ما لم تسمع وفهمت ما لم تفهم الخلق ، وقال بعضهم : لا ترى العجب حتى ترى عجبا فإن لم تر عجبا رأيت العجب . ذكر بيان آخر من وصف المتوكلين
لسان عثمانی (Osmanlıca) ترجمه سى (اهل سنت)اعلم يقينا أن الله تعالى لوجعل الخلائق كلهم من أهل السموات والأرضين على علم أعلمهم به ، وعقل أعقلهم عنه وحكمة أحكمهم عنده ، ثم زاد كل واحد من الخلائق مثل عدد جميعهم وأضعافه علما وحكمة وعقلا ، ثم كشف لهم العواقب وأطلعهم على السرائر وأعلمهم بواطن النعم ، وعرفهم دقائق العقوبات وأوقفهم على خفايا اللطف في الدنيا والآخرة ، ثم قال لهم : دبروا الملك بما أعطيتكم من العلوم والعقول عن مشاهدتكم عواقب الأمور ، ثم أعانهم على ذلك وقواهم له ، لما زاد تدبيرهم على ما يراه من تدبير الله تعالى من الخير والشر والنفع والضر جناح بعوضة ، ولا نقص جناح بعوضة ولا أوجبت العقول المكاشفات ولا العلوم المشاهدات غير هذا التدبير ، ولا قضت بغير هذا التقدير الذي يعاينه ويقلب فيه ، ولكن لا يبصرون لأنه أجراه على ترتيب العقول وعلى معاني العرف والمعتاد من الأمور ، بالأسباب المعروفة والأواسط المشهورة على معيار ما طبع العقول فيه وجبل العقول عليه ، ثم غيب مع ذلك العواقب وحجب السرائر وأخفى المثاوب ، فغاب بعينها حسن التدبير وجميل التقدير فجهل أكثر الناس الحكم إلا المتوكلين وما يعقلها إلا العالمون ، ويقال : أصغر ماخلق الله من الحيوان والموات البعوضة والخردلة ، وفي كل واحدة منها ثلاثمائة وستون حكمة ، ثم يتزايد الحكم في المخلوقات على قدر تفاوتها في العظم والمنافع ومزيد آخر من الهدى ، والبيان لو تمنى أهل النهي من أولي الألباب الذين كشف عن قلوبهم الحجاب نهاية أمانيهم ، فكونت أمانيهم على ما تمنوا لكان رضاهم عن الله في تدبيره ومعرفتهم بحسن تقديره لهم ، خير لهم من كون أمانيهم ، وأفضل لهم عند الله من قبل إن الله ، أحكم الحاكمين ، وقال تعالى موبخا للإنسان مجهلا للتمني لقلة الإيقان : ( أم للإنسان ما تمنى ) ( فلله الآخرة والأولى ) النجم : 24 - 25 أي يحكم فيهما بترك الأماني لأنه قال تعالى : ( ولو اتبع الحق أهواءهم لفسدت السموات والأرض ومن فيهن ) المؤمنون : 71 فالمتوكل محب لله تعالى مسرور بربه فرح له بملكه ، بأن له الآخرة والأولى يحكم فيهما كيف شاء ، والعبد عاجز لا يقدر على شيء ، فهذا أول مقام في المحبة ، فقد كفى الخلائق هذا كله بحسن تدبير الخالق العليم الخبير البصير ، وإنما يحتاجون إلى معرفة بالحكمة ومشاهدة للحكم والرحمة ، وإلى بصيرة ويقين يسكن عندها قلوبهم ولا يضطرب ، هذا الذي ذكرناه عند الموقنين وستطلع العموم على سر ما ذكرناه من لطيف التدبير وباطن التقدير ، وهو سر القدر ولطائف المقدر في الآخرة عند المعاينة ، وقد كشف الغطاء وظهر ما تحته من عجائب الخبء في السموات والأرض ، وقد أطلع الله على ذلك العلماء به في الدنيا وهو محمود مشكور على ما أظهر وأخفى ، ففي كل واحد منهما نعمة ، ومع كل واصف منها حكمة ورحمة ، ولكن قد خلق الله العلماء بأخلاقه فليس يكشفون من علمه إلا بقدر ما كشف ، وليس يعرفون من سر قدره إلا بمعيار ما عرف ، وقال تعالى : ( وإن من شيء إلا عندنا خزائنه وما ننزله إلا بقدر معلوم ) الحجر : 21 فقد تأدبوا بهذا الخطاب ووقفوا عنده ، وقال أبو سليمان الداراني : إذا لاحظت الأشياء من فوق وجدت لها طعما آخر ، وقال بعض العارفين : إذا رأيت الأشياء كلها كشيء واحد من معدن واحد ، رأيت ما لم تسمع وفهمت ما لم تفهم الخلق ، وقال بعضهم : لا ترى العجب حتى ترى عجبا فإن لم تر عجبا رأيت العجب . ذكر بيان آخر من وصف المتوكلين
قسم V02/P058–V02/P060Ebû Tâlib el-Mekkî — Kûtü'l-Kulûb (s. V02/P058–V02/P060)
متن اصلى (AR)اعلم أن العلماء بالله سبحانه ؛ لم يتوكلوا عليه لأجل أن يحفظ لهم دنياهم ، ولا لأجل تبليغهم مرادهم ، ولا ليشترطوا عليه حسن القضاء بما يحبون ، ولا ليبدل لهم جريان أحكامه عما يكرهون ولا ليغير لهم سابق مشيئته إلى ما يعقلون ، ولا ليحول عنهم سنته التي خلت في عباده من الابتلاء والاختبار ، هو أجل في قلوبهم من ذلك وهم أعقل عنه وأعرف به من هذا ، لو اعتقد عارف بالله أحد هذه المعاني مع الله في توكله كان كبيرة توجب عليه التوبة وكان توكله معصية ، وإنما أخذوا نفوسهم بالصبر على أحكامه كيف جرت ، فطالبوا قلوبهم بالرضا عنه كيف جرت ، وقال رجل لمالك بن أنس : يا أبا عبد الله ، إني تعلقت بأستار الكعبة فتبت من كل ذنب وحلفت أن لا أعصي الله فيما أستقبل ، فقال له : ويحك ، ومن أعظم معصية منك تتألى على الله أن لا ينفذ حكمه فيك ، وأنشدنا بعض العلماء لبعض الحكماء : لما رأيت القضا جاريا . . . لا شك فيه ولا مرية توكلت حقا على خالقي . . . وألقيت نفسي مع الجرية وإنما كرهو ما كره الله طاعة لله ، فذلك كراهة ما كره حبا لله واكتراما لحكمه عليهم ، لاكراهة ما قضى إذ ليس لهم أن يقولوا : فلم قضيت ما تكره ولم كرهت ما قضيت ؟ هو أجل وأعظم ، وفي نفوسهم أخوف وأهيب أن يواجهوه بهذا الخطاب في قول أو عقد ، بل عرفوا حكمته فيه وصبروا على حكمه به ، وإنما توكل العلماء به عليه لأجل أنه يحب المتوكلين ولأجل أنه يستحق التفويض إليه ويستوجب التسليم له ، إذ كان هو الوكيل الأول والكفيل الآجل حين سمعوه يقول : والله على شيء وكيل ، ثم استوى على العرش يدبر الأمر ما من شفيع إلا من بعد إذنه ، وحين فقهوا قوله : ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون ، ولما عقلوا من خطابه : أليس الله بأحكم الحاكمين أو لأجل أنه أمر بالتوكل ، وندب إليه وحقق الإيمان به ؛ إذ سمعوه تعالى يقول : أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت ، أمن يملك السمع والأبصار ومن يدبر الأمر ؟ وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها ، وفي السماء رزقكم ، وما توعدون ، ثم أقسم عليه بنفسه أنه حق فتوكلوا عليه إستحياء ، منه ولوجود اليقين الذي رفع خفايا الشك وحذر من التهمة له وتوثقة بالاعتقاد عليه ؛ فمنهم من توكل عليه لأجل هذه المعاني كلها ، ومنهم من توكل عليه لمشاهدة بعضها فكل عبد توكله عن الوصف الذي به عرفه ، وكل عرفه عن العذر المتجلي الذي عرفه ؛ فكل يطيعه على قدر قربه منه ، وكل يقرب على قدر علمه بقربه منه بقدر مايعرف من كينونية في مكنون كأنه ، وكل بعلمه على قدر عنايته به ومن ورائه سر القدر ، فمشاهدة كل عبد من مقامه وحاله عن وجد شهادته وجزاؤه نحو معاملته ، والله يضاعف لمن يشاء هم درجات عند الله ، والله بصير بما يعملون ، لهم دار السلام عند ربهم وهو وليهم بما كانوا يعملون ، فدار السلام جامعة لهم وهم متفاوتون في درجاتها كدار الدنيا تجمعهم ، وهو يرفعهم لديه في ملكوتها بتخصيص التولي وحسن الولايات عن تحسين المعاملات ، الله يجيبي إليه من يشاء ويهدي إليه من ينيب ، ومن الخصوص من توكل عليه تعظيما له وإجلالا ، ومنهم من توكل عليه يقينا بوعده ليحقق صدقه كأنه قد أخذ الموعود بيده إذ يقول تعالى : ومن أوفى بعهده من الله أنه كان وعده مأتيا ، ومنهم من توكل عليه استسلاما لما شهد من قهر عزه وعظيم قدره ، ومنهم من توكل عليه ليحفظ عليه ماله فيه ، ومنهم من توكل عليه ليحفظ له ما استحفظه ويعصمه في ماله عليه ، ومنهم من توكل عليه لقيامه بشهادته عن حسن معرفته ، ومنهم من توكل عليه تسليما له عن جميل معاملته ، ومنهم من فوض إليه لحسن تدبيره عنده وبحكم تقديره ، ومنهم من توكل عليه لأن توحيده له وشهادة قيوميته ، ذلك يقتضيه ، فهذه كانت مواجيد أوليائه ومناهج أحبابه عن مشاهدة القرب ومعرفة القريب ، وبعضهم أعلى مقاما من بعض ، وبعض هذه المشاهدات أقرب وأرفع فأعلاها من توكل عليه للإجلال والتعظيم ، وأوسطها من توكل عليه للمحبة والخوف ، وأدناها من توكل عليه تسليما له وتحببا إليه ، وقد ذكرنا أيضا من توكل العموم ما يستحي العارفون من ذكره ، وينزهون قلوبهم عن فكره ، وهو التوكل عليه في القلوب ، وقد طوينا ذكر توكل خصوص الخصوص من صديقي المقربين لأنه لا يحتمله عقل عاقل ولا يسع أن يستودع في كتاب الناقل إذ ربما نظر فيه منكر جاهل ، والله المستعان فدخل من عرفه فيما يحب لأجله ، ورغبوا فيما مدح لوصفه ليحصل لهم وصف يعطيهم به الولي حسن ثناء ، ينالون بذلك قربة منه ومحبة لديه .
لسان عثمانی (Osmanlıca) ترجمه سى (اهل سنت)اعلم أن العلماء بالله سبحانه ؛ لم يتوكلوا عليه لأجل أن يحفظ لهم دنياهم ، ولا لأجل تبليغهم مرادهم ، ولا ليشترطوا عليه حسن القضاء بما يحبون ، ولا ليبدل لهم جريان أحكامه عما يكرهون ولا ليغير لهم سابق مشيئته إلى ما يعقلون ، ولا ليحول عنهم سنته التي خلت في عباده من الابتلاء والاختبار ، هو أجل في قلوبهم من ذلك وهم أعقل عنه وأعرف به من هذا ، لو اعتقد عارف بالله أحد هذه المعاني مع الله في توكله كان كبيرة توجب عليه التوبة وكان توكله معصية ، وإنما أخذوا نفوسهم بالصبر على أحكامه كيف جرت ، فطالبوا قلوبهم بالرضا عنه كيف جرت ، وقال رجل لمالك بن أنس : يا أبا عبد الله ، إني تعلقت بأستار الكعبة فتبت من كل ذنب وحلفت أن لا أعصي الله فيما أستقبل ، فقال له : ويحك ، ومن أعظم معصية منك تتألى على الله أن لا ينفذ حكمه فيك ، وأنشدنا بعض العلماء لبعض الحكماء : لما رأيت القضا جاريا . . . لا شك فيه ولا مرية توكلت حقا على خالقي . . . وألقيت نفسي مع الجرية وإنما كرهو ما كره الله طاعة لله ، فذلك كراهة ما كره حبا لله واكتراما لحكمه عليهم ، لاكراهة ما قضى إذ ليس لهم أن يقولوا : فلم قضيت ما تكره ولم كرهت ما قضيت ؟ هو أجل وأعظم ، وفي نفوسهم أخوف وأهيب أن يواجهوه بهذا الخطاب في قول أو عقد ، بل عرفوا حكمته فيه وصبروا على حكمه به ، وإنما توكل العلماء به عليه لأجل أنه يحب المتوكلين ولأجل أنه يستحق التفويض إليه ويستوجب التسليم له ، إذ كان هو الوكيل الأول والكفيل الآجل حين سمعوه يقول : والله على شيء وكيل ، ثم استوى على العرش يدبر الأمر ما من شفيع إلا من بعد إذنه ، وحين فقهوا قوله : ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون ، ولما عقلوا من خطابه : أليس الله بأحكم الحاكمين أو لأجل أنه أمر بالتوكل ، وندب إليه وحقق الإيمان به ؛ إذ سمعوه تعالى يقول : أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت ، أمن يملك السمع والأبصار ومن يدبر الأمر ؟ وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها ، وفي السماء رزقكم ، وما توعدون ، ثم أقسم عليه بنفسه أنه حق فتوكلوا عليه إستحياء ، منه ولوجود اليقين الذي رفع خفايا الشك وحذر من التهمة له وتوثقة بالاعتقاد عليه ؛ فمنهم من توكل عليه لأجل هذه المعاني كلها ، ومنهم من توكل عليه لمشاهدة بعضها فكل عبد توكله عن الوصف الذي به عرفه ، وكل عرفه عن العذر المتجلي الذي عرفه ؛ فكل يطيعه على قدر قربه منه ، وكل يقرب على قدر علمه بقربه منه بقدر مايعرف من كينونية في مكنون كأنه ، وكل بعلمه على قدر عنايته به ومن ورائه سر القدر ، فمشاهدة كل عبد من مقامه وحاله عن وجد شهادته وجزاؤه نحو معاملته ، والله يضاعف لمن يشاء هم درجات عند الله ، والله بصير بما يعملون ، لهم دار السلام عند ربهم وهو وليهم بما كانوا يعملون ، فدار السلام جامعة لهم وهم متفاوتون في درجاتها كدار الدنيا تجمعهم ، وهو يرفعهم لديه في ملكوتها بتخصيص التولي وحسن الولايات عن تحسين المعاملات ، الله يجيبي إليه من يشاء ويهدي إليه من ينيب ، ومن الخصوص من توكل عليه تعظيما له وإجلالا ، ومنهم من توكل عليه يقينا بوعده ليحقق صدقه كأنه قد أخذ الموعود بيده إذ يقول تعالى : ومن أوفى بعهده من الله أنه كان وعده مأتيا ، ومنهم من توكل عليه استسلاما لما شهد من قهر عزه وعظيم قدره ، ومنهم من توكل عليه ليحفظ عليه ماله فيه ، ومنهم من توكل عليه ليحفظ له ما استحفظه ويعصمه في ماله عليه ، ومنهم من توكل عليه لقيامه بشهادته عن حسن معرفته ، ومنهم من توكل عليه تسليما له عن جميل معاملته ، ومنهم من فوض إليه لحسن تدبيره عنده وبحكم تقديره ، ومنهم من توكل عليه لأن توحيده له وشهادة قيوميته ، ذلك يقتضيه ، فهذه كانت مواجيد أوليائه ومناهج أحبابه عن مشاهدة القرب ومعرفة القريب ، وبعضهم أعلى مقاما من بعض ، وبعض هذه المشاهدات أقرب وأرفع فأعلاها من توكل عليه للإجلال والتعظيم ، وأوسطها من توكل عليه للمحبة والخوف ، وأدناها من توكل عليه تسليما له وتحببا إليه ، وقد ذكرنا أيضا من توكل العموم ما يستحي العارفون من ذكره ، وينزهون قلوبهم عن فكره ، وهو التوكل عليه في القلوب ، وقد طوينا ذكر توكل خصوص الخصوص من صديقي المقربين لأنه لا يحتمله عقل عاقل ولا يسع أن يستودع في كتاب الناقل إذ ربما نظر فيه منكر جاهل ، والله المستعان فدخل من عرفه فيما يحب لأجله ، ورغبوا فيما مدح لوصفه ليحصل لهم وصف يعطيهم به الولي حسن ثناء ، ينالون بذلك قربة منه ومحبة لديه .
قسم V02/P060Ebû Tâlib el-Mekkî — Kûtü'l-Kulûb (s. V02/P060)
متن اصلى (AR)ذكر بيان آخر في التوكل وما لا ينقص المتوكل
لسان عثمانی (Osmanlıca) ترجمه سى (اهل سنت)ذكر بيان آخر في التوكل وما لا ينقص المتوكل
قسم V02/P060–V02/P061Ebû Tâlib el-Mekkî — Kûtü'l-Kulûb (s. V02/P060–V02/P061)
متن اصلى (AR)ولا ينقص المتوكل على الله سبحانه مسألة مولاه فيما أحب من صالح الدنيا ومزيد الآخرة ، إذ لم يقصد غير مطلوب ، وكان مفوضا إلى الله الأمور ، ولكن يحتاج إلى معرفة الإجابة ؛ فقد يكون المنع إجابة وقربا إذا كان العطاء شغلا عنه ، وبعد الآن الخيرة فيما لا يعلم العبد ، وقد يكون فيما يكره مما يعلم الله سبحانه حسن عاقبته ، لا فيما يعقل العبد عاجل منفعته ، فعليه التسليم لحكم الحاكم والرضا بقسم القاسم ، فإن سأل تكاثرا من الدنيا ، أو مالا يحتاج إليه ، وما ليس فيه صلاح قلبه ، ولا قربة إلى ربه ، أخرجه من حقيقة التوكل بمقدار ما يخرجه من الزهد ؛ وإن انقطع بالذكر عن المسألة أعطاه فوق عطاء من سأله ، وإن سكت حياء من الوكيل إذ هو حسبه فشهد الكفاية ورضي بجميع التصرف ، فهذا مقام من المواجهة عن مشاهدة القيومية وهو حال المقربين ، ولا يقدح في التوكل تشرف المتوكل إلى رزقه لأنه خلق ضعيفا ذا فاقة ، ورزقه معلوم لا بد منه ، والمعلوم مقسوم فتشرفه إلى القسم تشرف منه إلى القاسم ، ومن تشرف إلى مولاه شرفه وتولاه ، ولكن إن تشرف إلى الزيادة ، وخرج من القناعة ، وطلب العادة ، وأراد الشيء قبل وقته ، أو كره تأخره عنه إلى وقت مقدوره ، فإن هذا يقدح في توكله وينقص من زهده ، ولو كان الشرف إلى الرزق منها والتطلع إلى الرزق مجملا ينقص التوكل لعللنا من باع واشترى وجهلنا من تعالج من علله بالدواء ، لأن في ذلك تشرفا إلى الرزق وتطلعا إلى البرء ، فجاء من ذلك تضعيف التابعين وطعن على المتداوين من الصحابة والسلف الصالح ، وأخرجهم ذلك من التوكل والزهد ، فلهم منها مقامات ، ولا يخرجه من التوكل مطالعته للعوض على معاملته من جزاء الآخرة ، لأنه قد شوق إلى ذلك وندب إليه ، ولكن لا يدخله ذلك في حقيقة الإخلاص ولا يرفعه إلى علو درجة الصديقين من المتوكلين ، وقد يكون مزيدا على قدر حاله ، إلا أنه لا يدخله في إخلاص المحبين ، ولايرفعه في درجات المقربين ، ولا يصح التوكل إلا بزهده في الدنيا ، وأول الزهد ترك الرغبة في الحرام ، وأول أحوال المتوكل في القوت ثم الصبر على حكم الحي الذي لا يموت ، وأعلى التوكل التوكل عليه في الاستسلام للأحكام والرضا عنه في المسابقة بين الأقدام ، وهو إطراح النفس ونسيانها شغلا منه عنها بنفسها وحبا له ، وحقيقة التوكل بعد مشاهدة يد الوكيل ، فإذا ظهرت يده غابت الأيدي فيها ، فعندها توكلت عليه بتدلل فقبل توكلك ، واستسلمت إليه فسلمك ، فإنه يتجلى لك بوصف يلزمك حكما ، يضطرك الحكم إلى الحاكم ويوقفك الوصف على الوكيل ، كما يضطرك الحاكم إلى الحكم ويجري لك وعليك ماشاء من القسم ، فأعلى توكلك عليه حياء منه ، وإشهاده إياك توكله لك بحسن التدبير ، لم يكلك إلى سواه ولم يولك إلا إياه : فإما أن يقتضيك تصبرا له ، وإما أن يقتضيك تفويضا إليه ، وأما أن يقتضيك رضا عنه أو تسليما له أو استراحة من تدبيرك لنفسك ، أو يسقط عنك اهتمامك بتقديرك وأمانيك ، ومن يتوكل على الله فهو حسبه ، والحسب أي الحسب يجعله ما شاء كيف شاء ، فقد قيل : حسبه أي التوكل ، وقد قيل : التوكل حسبه من سائر المقامات ، وقيل : الله حسبه أي يكفيه ممن سواه ، قال تعالى معرفا للكافة مسليا للجماعة : ( إن الله بالغ أمره ) الطلاق : 3 ؛ أي منفذ حكمه فيمن توكل عليه وفيمن لم يتوكل عليه ، إلا أن من توكل عليه يكون الله حسبه أي يكفيه أيضا مهم الآخرة والدنيا ، ولا يزيد من لم يتوكل عليه جناح بعوضة في قسمه ، كما لا ينقص من توكل عليه ذرة من رزقه ، لكن يزيد من توكل عليه هدى إلى هداه ويرفعه مقاما في اليقين على تقواه ، ويعزه بعزه وينقص من لم يتوكل عليه من اليقين ، ويزيده من التعب والهم ما يشتت قلبه ويشغل فكره ، والمتوكل عليه يوجب له بذلك تكفير سيئاته ، ويلقي عليه رضاه ومحباته ، والكفاية فقد ضمنها تعالى لمن صدق في توكله عليه ، والوقاية فقد وهبها لمن أحسن تفويضه إليه ، إلا أن الاختيار وعلم الاستئثار إليه والكفاية والوقاية يجعل ذلك ما شاء كيف شاء وأين شاء ومتى شاء من أمور الدنيا وأمور الآخرة ، ومن حيث لا يعلم لأن العبد موجود ، فجرى عليه الأحكام في الدارين ، وفقير محتاج إلى اللطف والرحمة والرفق في المكانين ، والله هو الغني الحميد المبدئ المعيد ، وقيل لأبي محمد سهل : متى يصح للعبد التوكل ؟
لسان عثمانی (Osmanlıca) ترجمه سى (اهل سنت)ولا ينقص المتوكل على الله سبحانه مسألة مولاه فيما أحب من صالح الدنيا ومزيد الآخرة ، إذ لم يقصد غير مطلوب ، وكان مفوضا إلى الله الأمور ، ولكن يحتاج إلى معرفة الإجابة ؛ فقد يكون المنع إجابة وقربا إذا كان العطاء شغلا عنه ، وبعد الآن الخيرة فيما لا يعلم العبد ، وقد يكون فيما يكره مما يعلم الله سبحانه حسن عاقبته ، لا فيما يعقل العبد عاجل منفعته ، فعليه التسليم لحكم الحاكم والرضا بقسم القاسم ، فإن سأل تكاثرا من الدنيا ، أو مالا يحتاج إليه ، وما ليس فيه صلاح قلبه ، ولا قربة إلى ربه ، أخرجه من حقيقة التوكل بمقدار ما يخرجه من الزهد ؛ وإن انقطع بالذكر عن المسألة أعطاه فوق عطاء من سأله ، وإن سكت حياء من الوكيل إذ هو حسبه فشهد الكفاية ورضي بجميع التصرف ، فهذا مقام من المواجهة عن مشاهدة القيومية وهو حال المقربين ، ولا يقدح في التوكل تشرف المتوكل إلى رزقه لأنه خلق ضعيفا ذا فاقة ، ورزقه معلوم لا بد منه ، والمعلوم مقسوم فتشرفه إلى القسم تشرف منه إلى القاسم ، ومن تشرف إلى مولاه شرفه وتولاه ، ولكن إن تشرف إلى الزيادة ، وخرج من القناعة ، وطلب العادة ، وأراد الشيء قبل وقته ، أو كره تأخره عنه إلى وقت مقدوره ، فإن هذا يقدح في توكله وينقص من زهده ، ولو كان الشرف إلى الرزق منها والتطلع إلى الرزق مجملا ينقص التوكل لعللنا من باع واشترى وجهلنا من تعالج من علله بالدواء ، لأن في ذلك تشرفا إلى الرزق وتطلعا إلى البرء ، فجاء من ذلك تضعيف التابعين وطعن على المتداوين من الصحابة والسلف الصالح ، وأخرجهم ذلك من التوكل والزهد ، فلهم منها مقامات ، ولا يخرجه من التوكل مطالعته للعوض على معاملته من جزاء الآخرة ، لأنه قد شوق إلى ذلك وندب إليه ، ولكن لا يدخله ذلك في حقيقة الإخلاص ولا يرفعه إلى علو درجة الصديقين من المتوكلين ، وقد يكون مزيدا على قدر حاله ، إلا أنه لا يدخله في إخلاص المحبين ، ولايرفعه في درجات المقربين ، ولا يصح التوكل إلا بزهده في الدنيا ، وأول الزهد ترك الرغبة في الحرام ، وأول أحوال المتوكل في القوت ثم الصبر على حكم الحي الذي لا يموت ، وأعلى التوكل التوكل عليه في الاستسلام للأحكام والرضا عنه في المسابقة بين الأقدام ، وهو إطراح النفس ونسيانها شغلا منه عنها بنفسها وحبا له ، وحقيقة التوكل بعد مشاهدة يد الوكيل ، فإذا ظهرت يده غابت الأيدي فيها ، فعندها توكلت عليه بتدلل فقبل توكلك ، واستسلمت إليه فسلمك ، فإنه يتجلى لك بوصف يلزمك حكما ، يضطرك الحكم إلى الحاكم ويوقفك الوصف على الوكيل ، كما يضطرك الحاكم إلى الحكم ويجري لك وعليك ماشاء من القسم ، فأعلى توكلك عليه حياء منه ، وإشهاده إياك توكله لك بحسن التدبير ، لم يكلك إلى سواه ولم يولك إلا إياه : فإما أن يقتضيك تصبرا له ، وإما أن يقتضيك تفويضا إليه ، وأما أن يقتضيك رضا عنه أو تسليما له أو استراحة من تدبيرك لنفسك ، أو يسقط عنك اهتمامك بتقديرك وأمانيك ، ومن يتوكل على الله فهو حسبه ، والحسب أي الحسب يجعله ما شاء كيف شاء ، فقد قيل : حسبه أي التوكل ، وقد قيل : التوكل حسبه من سائر المقامات ، وقيل : الله حسبه أي يكفيه ممن سواه ، قال تعالى معرفا للكافة مسليا للجماعة : ( إن الله بالغ أمره ) الطلاق : 3 ؛ أي منفذ حكمه فيمن توكل عليه وفيمن لم يتوكل عليه ، إلا أن من توكل عليه يكون الله حسبه أي يكفيه أيضا مهم الآخرة والدنيا ، ولا يزيد من لم يتوكل عليه جناح بعوضة في قسمه ، كما لا ينقص من توكل عليه ذرة من رزقه ، لكن يزيد من توكل عليه هدى إلى هداه ويرفعه مقاما في اليقين على تقواه ، ويعزه بعزه وينقص من لم يتوكل عليه من اليقين ، ويزيده من التعب والهم ما يشتت قلبه ويشغل فكره ، والمتوكل عليه يوجب له بذلك تكفير سيئاته ، ويلقي عليه رضاه ومحباته ، والكفاية فقد ضمنها تعالى لمن صدق في توكله عليه ، والوقاية فقد وهبها لمن أحسن تفويضه إليه ، إلا أن الاختيار وعلم الاستئثار إليه والكفاية والوقاية يجعل ذلك ما شاء كيف شاء وأين شاء ومتى شاء من أمور الدنيا وأمور الآخرة ، ومن حيث لا يعلم لأن العبد موجود ، فجرى عليه الأحكام في الدارين ، وفقير محتاج إلى اللطف والرحمة والرفق في المكانين ، والله هو الغني الحميد المبدئ المعيد ، وقيل لأبي محمد سهل : متى يصح للعبد التوكل ؟