Bölüm V17/P085–V17/P086Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb (s. V17/P085–V17/P086)
Orijinal Metin (AR)واعلم أن دليل القول الأول هو قوله تعالى : { وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا } ( الإسراء : 15 ) وقوله : { رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل } ( النساء : 165 ) وقوله : { ولو أنا أهلكناهم بعذاب من قبله لقالوا ربنا لولا أرسلت إلينا رسولا } ( طه : 134 ) ودليل القول الثاني قوله تعالى : { وكذالك جعلناكم أمة وسطا } إلى قوله : { ويكون الرسول عليكم شهيدا } ( البقرة : 143 ) وقوله : { وقال الرسول يارب رب إن قومى اتخذوا هاذا القرءان مهجورا } ( الفرقان : 30 ) وقوله تعالى : { قضى بينهم بالقسط وهم لا يظلمون } فالتكرير لأجل التأكيد والمبالغة في نفي الظلم . ! 7 < { ويقولون متى هاذا الوعد إن كنتم صادقين قل لا أملك لنفسى ضرا ولا نفعا إلا ما شآء الله لكل أمة أجل إذا جآء أجلهم فلا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون } . > 7 < يونس : ( 48 - 49 ) ويقولون متى هذا . . . . . > > @87@ / اعلم أن هذه الشبهة الخامسة من شبهات منكري النبوة فإنه عليه السلام كلما هددهم بنزول العذاب ومر زمان ولم يظهر ذلك العذاب ، قالوا متى هذا الوعد إن كنتم صادقين ، واحتجوا بعدم ظهوره على القدح في نوبته عليه السلام ، وفي الآية مسائل : المسألة الأولى : أن قوله تعالى : { ويقولون متى هاذا الوعد } كالدليل على أن المراد مما تقدم من قوله : { قضى بينهم بالقسط } ( يونس : 147 ) القضاء بذلك في الدنيا ، لأنه لا يجوز أن يقولوا متى هذا الوعد عند حضورهم في الدار الآخرة ، لأن الحال في الآخرة حال يقين ومعرفة لحصول كل وعد ووعيد وإلا ظهر أنهم إنما قالوا ذلك على وجه التكذيب للرسول عليه السلام فيما أخبرهم من نزول العذاب للأعداء والنصرة للأولياء أو على وجه الاستبعاد لكونه محقا في ذلك الإخبار ، ويدل هذا القول على أن كل أمة قالت لرسولها مثل ذلك القول بدليل قوله : { إن كنتم } وذلك لفظ جمع وهو موافق لقوله : { يفعلون ولكل أمة رسول } ( يونس : 47 ) ثم إنه تعالى أمره بأن يجيب عن هذه الشبهة بجواب يحسم المادة وهو قوله : { قل لا أملك لنفسى ضرا ولا نفعا إلا ما شاء الله } والمراد أن إنزال العذاب على الأعداء وإظهار النصرة للأولياء لا يقدر عليه أحد إلا الله سبحانه ، وأنه تعالى ما عين لذلك الوعد والوعيد وقتا معينا حتى يقال : لما لم يحصل ذلك الموعود في ذلك الوقت ، دل على حصول الخلف فكان تعيين الوقت مفوضا إلى الله سبحانه ، إما بحسب مشيئته وإلهيته عند من لا يعلل أفعاله وأحكامه برعاية المصالح ، وإما بحسب المصلحة المقدرة عند من يعلل أفعاله وأحكامه برعاية المصالح ، ثم إذا حضر الوقت الذي وقته الله تعالى لحدوث ذلك الحادث فإنه لا بد وأن يحدث فيه ، ويمتنع عليه التقدم والتأخر . المسألة الثانية : المعتزلة احتجوا بقوله : { قل لا أملك لنفسى ضرا ولا نفعا إلا ما شاء الله } / فقالوا : هذا الاستثناء يدل على أن العبد لا يملمصالح ، ثم إذا حضر الوقت الذي وقته الله تعالى لحدوث ذلك الحادث فإنه لا بد وأن يحدث فيه ، ويمتنع عليه التقدم والتأخر .
Türkçe Tercümesi (Ehl-i Sünnet)واعلم أن دليل القول الأول هو قوله تعالى : { وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا } ( الإسراء : 15 ) وقوله : { رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل } ( النساء : 165 ) وقوله : { ولو أنا أهلكناهم بعذاب من قبله لقالوا ربنا لولا أرسلت إلينا رسولا } ( طه : 134 ) ودليل القول الثاني قوله تعالى : { وكذالك جعلناكم أمة وسطا } إلى قوله : { ويكون الرسول عليكم شهيدا } ( البقرة : 143 ) وقوله : { وقال الرسول يارب رب إن قومى اتخذوا هاذا القرءان مهجورا } ( الفرقان : 30 ) وقوله تعالى : { قضى بينهم بالقسط وهم لا يظلمون } فالتكرير لأجل التأكيد والمبالغة في نفي الظلم . ! 7 < { ويقولون متى هاذا الوعد إن كنتم صادقين قل لا أملك لنفسى ضرا ولا نفعا إلا ما شآء الله لكل أمة أجل إذا جآء أجلهم فلا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون } . > 7 < يونس : ( 48 - 49 ) ويقولون متى هذا . . . . . > > @87@ / اعلم أن هذه الشبهة الخامسة من شبهات منكري النبوة فإنه عليه السلام كلما هددهم بنزول العذاب ومر زمان ولم يظهر ذلك العذاب ، قالوا متى هذا الوعد إن كنتم صادقين ، واحتجوا بعدم ظهوره على القدح في نوبته عليه السلام ، وفي الآية مسائل : المسألة الأولى : أن قوله تعالى : { ويقولون متى هاذا الوعد } كالدليل على أن المراد مما تقدم من قوله : { قضى بينهم بالقسط } ( يونس : 147 ) القضاء بذلك في الدنيا ، لأنه لا يجوز أن يقولوا متى هذا الوعد عند حضورهم في الدار الآخرة ، لأن الحال في الآخرة حال يقين ومعرفة لحصول كل وعد ووعيد وإلا ظهر أنهم إنما قالوا ذلك على وجه التكذيب للرسول عليه السلام فيما أخبرهم من نزول العذاب للأعداء والنصرة للأولياء أو على وجه الاستبعاد لكونه محقا في ذلك الإخبار ، ويدل هذا القول على أن كل أمة قالت لرسولها مثل ذلك القول بدليل قوله : { إن كنتم } وذلك لفظ جمع وهو موافق لقوله : { يفعلون ولكل أمة رسول } ( يونس : 47 ) ثم إنه تعالى أمره بأن يجيب عن هذه الشبهة بجواب يحسم المادة وهو قوله : { قل لا أملك لنفسى ضرا ولا نفعا إلا ما شاء الله } والمراد أن إنزال العذاب على الأعداء وإظهار النصرة للأولياء لا يقدر عليه أحد إلا الله سبحانه ، وأنه تعالى ما عين لذلك الوعد والوعيد وقتا معينا حتى يقال : لما لم يحصل ذلك الموعود في ذلك الوقت ، دل على حصول الخلف فكان تعيين الوقت مفوضا إلى الله سبحانه ، إما بحسب مشيئته وإلهيته عند من لا يعلل أفعاله وأحكامه برعاية المصالح ، وإما بحسب المصلحة المقدرة عند من يعلل أفعاله وأحكامه برعاية المصالح ، ثم إذا حضر الوقت الذي وقته الله تعالى لحدوث ذلك الحادث فإنه لا بد وأن يحدث فيه ، ويمتنع عليه التقدم والتأخر . المسألة الثانية : المعتزلة احتجوا بقوله : { قل لا أملك لنفسى ضرا ولا نفعا إلا ما شاء الله } / فقالوا : هذا الاستثناء يدل على أن العبد لا يملمصالح ، ثم إذا حضر الوقت الذي وقته الله تعالى لحدوث ذلك الحادث فإنه لا بد وأن يحدث فيه ، ويمتنع عليه التقدم والتأخر .
Bölüm V17/P086–V17/P087Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb (s. V17/P086–V17/P087)
Orijinal Metin (AR)المسألة الثانية : المعتزلة احتجوا بقوله : { قل لا أملك لنفسى ضرا ولا نفعا إلا ما شاء الله } / فقالوا : هذا الاستثناء يدل على أن العبد لا يملوله : { إذا جاء أجلهم فلا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون } يدل على أن أحدا لا يموت إلا بانقضاء أجله ، وكذلك المقتول لا يقتل إلا على هذا الوجه ، وهذه مسألة طويلة وقد ذكرناها في هذا الكتاب في مواضع كثيرة . المسألة الخامسة : أنه تعالى قال ههنا : { إذا جاء أجلهم فلا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون } فقوله : { إذا جاء أجلهم } شرط وقوله : { فلا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون } جزاء والفاء حرف الجزاء ، فوجب إدخاله على الجزاء كما في هذه الآية ، وهذه الآية تدل على أن الجزاء يحصل مع حصول الشرط لا متأخرا عنه وأن حرف الفاء لا يدل على التراخي وإنما يدل على كونه جزاء . إذا ثبت هذا فنقول : إذا قال الرجل لامرأة أجنبية إن نكحتك فأنت طالق قال الشافعي رضي الله عنه : لا يصح هذا التعليق ، وقال أبو حنيفة رضي الله عنه : يصح ، والدليل على أنه لا يصح أن هذه الآية دلت على أن الجزاء إنما يحصل حال حصول الشرط ، فلو صح هذا التعليق لوجب أن يحصل الطلاق مقارنا للنكاح ، لما ثبت أن الجزاء يجب حصوله مع حصول الشرط ، وذلك يوجب الجمع بين الضدين ، ولما كان هذا اللازم باطلا وجب أن لا يصح هذا التعليق . ! 7 < { قل أرءيتم إن أتاكم عذابه بياتا أو نهارا ماذا يستعجل منه المجرمون أثم إذا ما وقع ءامنتم به ءآأن وقد كنتم به تستعجلون ثم قيل للذين ظلموا ذوقوا عذاب الخلد هل تجزون إلا بما كنتم تكسبون } . > 7 < يونس : ( 50 - 52 ) قل أرأيتم إن . . . . . > > /اعلم أن هذا هو الجواب الثاني عن قولهم متى هذا الوعد إن كنتم صادقين ، وفيه مسائل : المسألة الأولى : حاصل الجواب أن يقال لأولئك الكفار الذين يطلبون نزول العذاب بتقدير أن يحصل هذا المطلوب وينزل هذا العذاب ما الفائدة لكم فيه ؟ فإن قلتم نؤمن عنده ، فذلك باطل ، لأن الإيمان في ذلك الوقت إيمان حاصل في وقت الإلجاء والقسر ، وذلك لا يفيد نفعا ألبتة ، فثبت أن هذا الذي تطلبونه لو حصل لم يحصل منه إلا العذاب في الدنيا ، ثم يحصل عقيبه يوم القيامة عذاب آخر أشد منه ، وهو أنه يقال : للذين ظلموا ذوقوا عذاب الخلد ، ثم يقرن بذلك العذاب كلام يدل على الإهانة والتحقير وهو أنه تعالى يقول : { هل تجزون إلا بما كنتم تكسبون } فحاصل هذا الجواب : أن هذا الذي تطلبونه هو محض الضرر العاري عن جهات النفع والعاقل لا يفعل ذلك . المسألة الثانية : قوله : { بياتا } أي ليلا يقال بت ليلتي أفعل كذا ، والسبب فيه أن الإنسان في الليل يكون ظاهرا في البيت ، فجعل هذا اللفظ كناية عن الليل والبيات مصدر مثل التبييت كالوداع والسراح ، ويقال في النهار ظللت أفعل كذا ، لأن الإنسان في النهار يكون ظاهرا في الظل . وانتصب بياتا على الظرف أي وقت بيات وكلمة { ماذا } فيها وجهان : أحدهما : أن يكون ماذا اسما واحدا ويكون منصوب المحل كما لو قال ماذا أراد الله ، ويجوز أن يكون ذا بمعنى الذي ، فيكون ماذا كلمتين ومحل ما الرفع على الابتداء وخبره ذا وهو بمعنى الذي ، فيكون معناه ما الذي يستعجل منه المجرمون ومعناه ، أي شيء الذي يستعجل من العذاب المجرمون . واعلم أن قوله : { إن أتاكم عذابه بياتا أو نهارا } شرط .
Türkçe Tercümesi (Ehl-i Sünnet)المسألة الثانية : المعتزلة احتجوا بقوله : { قل لا أملك لنفسى ضرا ولا نفعا إلا ما شاء الله } / فقالوا : هذا الاستثناء يدل على أن العبد لا يملوله : { إذا جاء أجلهم فلا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون } يدل على أن أحدا لا يموت إلا بانقضاء أجله ، وكذلك المقتول لا يقتل إلا على هذا الوجه ، وهذه مسألة طويلة وقد ذكرناها في هذا الكتاب في مواضع كثيرة . المسألة الخامسة : أنه تعالى قال ههنا : { إذا جاء أجلهم فلا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون } فقوله : { إذا جاء أجلهم } شرط وقوله : { فلا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون } جزاء والفاء حرف الجزاء ، فوجب إدخاله على الجزاء كما في هذه الآية ، وهذه الآية تدل على أن الجزاء يحصل مع حصول الشرط لا متأخرا عنه وأن حرف الفاء لا يدل على التراخي وإنما يدل على كونه جزاء . إذا ثبت هذا فنقول : إذا قال الرجل لامرأة أجنبية إن نكحتك فأنت طالق قال الشافعي رضي الله عنه : لا يصح هذا التعليق ، وقال أبو حنيفة رضي الله عنه : يصح ، والدليل على أنه لا يصح أن هذه الآية دلت على أن الجزاء إنما يحصل حال حصول الشرط ، فلو صح هذا التعليق لوجب أن يحصل الطلاق مقارنا للنكاح ، لما ثبت أن الجزاء يجب حصوله مع حصول الشرط ، وذلك يوجب الجمع بين الضدين ، ولما كان هذا اللازم باطلا وجب أن لا يصح هذا التعليق . ! 7 < { قل أرءيتم إن أتاكم عذابه بياتا أو نهارا ماذا يستعجل منه المجرمون أثم إذا ما وقع ءامنتم به ءآأن وقد كنتم به تستعجلون ثم قيل للذين ظلموا ذوقوا عذاب الخلد هل تجزون إلا بما كنتم تكسبون } . > 7 < يونس : ( 50 - 52 ) قل أرأيتم إن . . . . . > > /اعلم أن هذا هو الجواب الثاني عن قولهم متى هذا الوعد إن كنتم صادقين ، وفيه مسائل : المسألة الأولى : حاصل الجواب أن يقال لأولئك الكفار الذين يطلبون نزول العذاب بتقدير أن يحصل هذا المطلوب وينزل هذا العذاب ما الفائدة لكم فيه ؟ فإن قلتم نؤمن عنده ، فذلك باطل ، لأن الإيمان في ذلك الوقت إيمان حاصل في وقت الإلجاء والقسر ، وذلك لا يفيد نفعا ألبتة ، فثبت أن هذا الذي تطلبونه لو حصل لم يحصل منه إلا العذاب في الدنيا ، ثم يحصل عقيبه يوم القيامة عذاب آخر أشد منه ، وهو أنه يقال : للذين ظلموا ذوقوا عذاب الخلد ، ثم يقرن بذلك العذاب كلام يدل على الإهانة والتحقير وهو أنه تعالى يقول : { هل تجزون إلا بما كنتم تكسبون } فحاصل هذا الجواب : أن هذا الذي تطلبونه هو محض الضرر العاري عن جهات النفع والعاقل لا يفعل ذلك . المسألة الثانية : قوله : { بياتا } أي ليلا يقال بت ليلتي أفعل كذا ، والسبب فيه أن الإنسان في الليل يكون ظاهرا في البيت ، فجعل هذا اللفظ كناية عن الليل والبيات مصدر مثل التبييت كالوداع والسراح ، ويقال في النهار ظللت أفعل كذا ، لأن الإنسان في النهار يكون ظاهرا في الظل . وانتصب بياتا على الظرف أي وقت بيات وكلمة { ماذا } فيها وجهان : أحدهما : أن يكون ماذا اسما واحدا ويكون منصوب المحل كما لو قال ماذا أراد الله ، ويجوز أن يكون ذا بمعنى الذي ، فيكون ماذا كلمتين ومحل ما الرفع على الابتداء وخبره ذا وهو بمعنى الذي ، فيكون معناه ما الذي يستعجل منه المجرمون ومعناه ، أي شيء الذي يستعجل من العذاب المجرمون . واعلم أن قوله : { إن أتاكم عذابه بياتا أو نهارا } شرط .
Bölüm V17/P087–V17/P089Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb (s. V17/P087–V17/P089)
Orijinal Metin (AR)وجوابه : قوله ماذا يستعجل منه المجرمون ، وهو كقولك إن أتيتك ماذا تطعمني ، يعني : إن حصل هذا المطلوب ، فأي مقصود تستعجلونه منه . وأما قوله : { أثم إذا ما وقع ءامنتم به } فاعلم أن دخول حرف الاستفهام على ثم كدخوله على الواو والفاء في قوله : { أو أمن أهل القرى } ( الأعراف : 98 ) { أفأمن } ( الأعراف : 97 ) وهو يفيد التقريع والتوبيخ ، ثم أخبر تعالى أن ذلك الإيمان غير واقع لهم بل يعيرون ويوبخون ، يقال : آلآن تؤمنون وترجون الانتفاع بالإيمان مع أنكم كنتم قبل ذلك به تستعجلون على سبيل السخرية والاستهزاء ، وقرىء { الئان } بحذف الهمزة التي بعد اللام وإلقاء حركتها على اللام . وأما قوله : { ثم قيل للذين ظلموا ذوقوا عذاب الخلد } فهو عطف عى الفعل المضمر قبل { الئان } والتقدير : قيل : آلان وقد كنتم به تستعجلون ثم قيل للذين ظلموا ذوقوا عذاب الخلد . / وأما قوله تعالى : { هل تجزون إلا بما كنتم تكسبون } ففيه ثلاث مسائل : المسألة الأولى : أنه تعالى أينما ذكر العقاب والعذاب ذكر هذه العلة كأن سائلا يسأل وهو يقول : يا رب العزة أنت الغني عن الكل فكيف يليق برحمتك هذا التشديد والوعيد ، فهو تعالى يقول : ( أنا ما عالمته بهذه المعاملة ابتداء بل هذا وصل إليه جزاء على عمله الباطل ) وذلك يدل على أن جانب الرحمة راجح غالب ، وجانب العذاب مرجوح مغلوب . المسألة الثانية : ظاهر الآية يدل على أن الجزاء يوجب العمل ، أما عند الفلاسفة فهو أثر العمل ، لأن العمل الصالح يوجب تنوير القلب ، وإشراقه إيجاب العلة معلولها وأما عند المعتزلة فلأن العمل الصالح يوجب استحقاق الثواب على الله تعالى وأما عند أهل السنة ، فلأن ذلك الجزاء واجب بحكم الوعد المحض . المسألة الثالثة : الآية تدل على كون العبد مكتسبا خلافا للجبرية ، وعندنا أن كونه مكتسبا معناه أن مجموع القدرة مع الداعية الخالصة يوجب الفعل والمسألة الطويلة معروفة بدلائلها . ! 7 < { ويستنبئونك أحق هو قل إى وربىإنه لحق ومآ أنتم بمعجزين ولو أن لكل نفس ظلمت ما فى الا رض لافتدت به وأسروا الندامة لما رأوا العذاب وقضى بينهم بالقسط وهم لا يظلمون } . > 7 < يونس : ( 53 - 54 ) ويستنبئونك أحق هو . . . . . > > اعلم أنه سبحانه أخبر عن الكفار بقوله : { ويقولون متى هاذا الوعد إن كنتم صادقين } . وأجاب عنه بما تقدم فحكى عنهم أنهم رجعوا إلى الرسول مرة أخرى في عين هذه الواقعة وسألوه عن ذلك السؤال مرة أخرى وقالوا : أحق هو واعلم أن هذا السؤال جهل محض من وجوه : أولها : أنه قد تقدم هذا السؤال مع الجواب فلا يكون في الإعادة فائدة . وثانيها : أنه تقدم ذكر الدلالة العقلية على كون محمد رسولا من عند الله ، وهو بيان كون القرآن معجزا ، وإذا صحت نبوته لزم القطع بصحة كل ما يخبر عن وقوعه ، فهذه المعاني توجب الإعراض عنهم ، / وترك الالتفات إلى سؤالهم ، واختلفوا في الضمير في قوله : { أحق هو } قيل : أحق ما جئتنا به من القرآن والنبوة والشرائع . وقيل : ما تعدنا من البعث والقيامة . وقيل : ما تعدنا من نزول العذاب علينا في الدنيا .
Türkçe Tercümesi (Ehl-i Sünnet)وجوابه : قوله ماذا يستعجل منه المجرمون ، وهو كقولك إن أتيتك ماذا تطعمني ، يعني : إن حصل هذا المطلوب ، فأي مقصود تستعجلونه منه . وأما قوله : { أثم إذا ما وقع ءامنتم به } فاعلم أن دخول حرف الاستفهام على ثم كدخوله على الواو والفاء في قوله : { أو أمن أهل القرى } ( الأعراف : 98 ) { أفأمن } ( الأعراف : 97 ) وهو يفيد التقريع والتوبيخ ، ثم أخبر تعالى أن ذلك الإيمان غير واقع لهم بل يعيرون ويوبخون ، يقال : آلآن تؤمنون وترجون الانتفاع بالإيمان مع أنكم كنتم قبل ذلك به تستعجلون على سبيل السخرية والاستهزاء ، وقرىء { الئان } بحذف الهمزة التي بعد اللام وإلقاء حركتها على اللام . وأما قوله : { ثم قيل للذين ظلموا ذوقوا عذاب الخلد } فهو عطف عى الفعل المضمر قبل { الئان } والتقدير : قيل : آلان وقد كنتم به تستعجلون ثم قيل للذين ظلموا ذوقوا عذاب الخلد . / وأما قوله تعالى : { هل تجزون إلا بما كنتم تكسبون } ففيه ثلاث مسائل : المسألة الأولى : أنه تعالى أينما ذكر العقاب والعذاب ذكر هذه العلة كأن سائلا يسأل وهو يقول : يا رب العزة أنت الغني عن الكل فكيف يليق برحمتك هذا التشديد والوعيد ، فهو تعالى يقول : ( أنا ما عالمته بهذه المعاملة ابتداء بل هذا وصل إليه جزاء على عمله الباطل ) وذلك يدل على أن جانب الرحمة راجح غالب ، وجانب العذاب مرجوح مغلوب . المسألة الثانية : ظاهر الآية يدل على أن الجزاء يوجب العمل ، أما عند الفلاسفة فهو أثر العمل ، لأن العمل الصالح يوجب تنوير القلب ، وإشراقه إيجاب العلة معلولها وأما عند المعتزلة فلأن العمل الصالح يوجب استحقاق الثواب على الله تعالى وأما عند أهل السنة ، فلأن ذلك الجزاء واجب بحكم الوعد المحض . المسألة الثالثة : الآية تدل على كون العبد مكتسبا خلافا للجبرية ، وعندنا أن كونه مكتسبا معناه أن مجموع القدرة مع الداعية الخالصة يوجب الفعل والمسألة الطويلة معروفة بدلائلها . ! 7 < { ويستنبئونك أحق هو قل إى وربىإنه لحق ومآ أنتم بمعجزين ولو أن لكل نفس ظلمت ما فى الا رض لافتدت به وأسروا الندامة لما رأوا العذاب وقضى بينهم بالقسط وهم لا يظلمون } . > 7 < يونس : ( 53 - 54 ) ويستنبئونك أحق هو . . . . . > > اعلم أنه سبحانه أخبر عن الكفار بقوله : { ويقولون متى هاذا الوعد إن كنتم صادقين } . وأجاب عنه بما تقدم فحكى عنهم أنهم رجعوا إلى الرسول مرة أخرى في عين هذه الواقعة وسألوه عن ذلك السؤال مرة أخرى وقالوا : أحق هو واعلم أن هذا السؤال جهل محض من وجوه : أولها : أنه قد تقدم هذا السؤال مع الجواب فلا يكون في الإعادة فائدة . وثانيها : أنه تقدم ذكر الدلالة العقلية على كون محمد رسولا من عند الله ، وهو بيان كون القرآن معجزا ، وإذا صحت نبوته لزم القطع بصحة كل ما يخبر عن وقوعه ، فهذه المعاني توجب الإعراض عنهم ، / وترك الالتفات إلى سؤالهم ، واختلفوا في الضمير في قوله : { أحق هو } قيل : أحق ما جئتنا به من القرآن والنبوة والشرائع . وقيل : ما تعدنا من البعث والقيامة . وقيل : ما تعدنا من نزول العذاب علينا في الدنيا .
Bölüm V17/P089–V17/P090Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb (s. V17/P089–V17/P090)
Orijinal Metin (AR)ثم إنه تعالى أمره أن يجيبهم بقوله : { قل إى وربى إنه لحق } والفائدة فيه أمور : أحدها : أن يستمليهم ويتكلم معهم بالكلام المعتاد ومن الظاهر أن من أخبر عن شيء ، وأكده بالقسم فقد أخرجه عن الهزل وأدخله في باب الجد . وثانيها : أن الناس طبقات فمنهم من لا يقر بالشيء إلا بالبرهان الحقيقي ، ومنهم من لا ينتفع بالبرهان الحقيقي ، بل ينتفع بالأشياء الإقناعية ، نحو القسم فإن الأعرابي الذي جاء الرسول عليه السلام ، وسأل عن نبوته ورسالته اكتفى في تحقيق تلك الدعوى بالقسم ، فكذا ههنا . ثم إنه تعالى أكد ذلك بقوله : { وما أنتم بمعجزين } ولا بد فيه من تقدير محذوف ، فيكون المراد وما أنتم بمعجزين لمن وعدكم بالعذاب أن ينزله عليكم والغرض منه التنبيه على أن أحدا لا يجوز أن يمانع ربه ويدافعه عما أراد وقضى ، ثم إنه تعالى بين أن هذا الجنس من الكلمات ، إنما يجوز عليهم ما داموا في الدنيا فأما إذا حضروا محفل القيامة وعاينوا قهر الله تعالى ، وآثار عظمته تركوا ذلك واشتغلوا بأشياء أخرى ، ثم إنه تعالى حكى عنهم ثلاثة أشياء : أولها : قوله : { ولو أن لكل نفس ظلمت ما فى الارض لافتدت به } إلا أن ذلك متعذر لأنه في محفل القيامة لا يملك شيئا كما قال تعالى : { وكلهم ءاتيه يوم القيامة فردا } ( مريم : 95 ) وبتقدير : أن يملك خزائن الأرض لا ينفعه الفداء لقوله تعالى : { ولا يؤخذ منها عدل ولا هم ينصرون } ( البقرة : 48 ) وقال في صفة هذا اليوم { لا بيع فيه ولا خلة ولا شفاعة } ( البقرة : 254 ) وثانيها : قوله : { وأسروا الندامة لما رأوا العذاب } . واعلم أن قوله : { وأسروا الندامة } جاء على لفظ الماضي ، والقيامة من الأمور المستقبلة إلا أنها لما كانت واجبة الوقوع ، جعل الله مستقبلها كالماضي ، واعلم أن الإسرار هو الإخفاء والإظهار وهو من الأضداد ، أما ورود هذه اللفظة بمعنى الإخفاء فظاهر وأما ورودها بمعنى الإظهار فهو من قولهم سر الشيء وأسره إذا أظهره . إذا عرفت هذا فنقول : من الناس من قال : المراد منه إخفاء تلك الندامة ، والسبب في هذا الإخفاء وجوه : الأول : أنهم لما رأوا العذاب الشديد صاروا مبهوتين متحيرين ، فلم يطيقوا عنده بكاء ولا صراخا سوى إسرار الندم كالحال فيمن يذهب به ليصلب فإنه يبقى مبهوتا متخيرا لا ينطق بكلمة . الثاني : أنهم أسروا الندامة من سفلتهم وأتباعهم حياء منهم وخوفا من توبيخهم . / فإن قيل : إن مهاية ذلك الموقف تمنع الإنسان عن هذا التدبير فكيف قدموا عليه . قلنا : إن هذا الكتمان إنما يحصل قبل الاحتراق بالنار ، فإذا احترقوا تركوا هذا الإخفاء وأظهروه بدليل قوله تعالى : { قالوا ربنا غلبت علينا شقوتنا } ( المؤمنون : 106 ) الثالث : أنهم أسروا تلك الندامة لأنهم اخلصوا لله في تلك الندامة ، ومن أخلص في الدعاء أسره ، وفيه تهكم بهم وبإخلاصهم يعني أنهم لما أتوا بهذا الإخلاص في غير وقته ولم ينفعهم ، بل كان من الواجب عليهم أن يأتوا به في دار الدنيا وقت التكليف ، وأما من فسر الإسرار بالإظهار فقوله : ظاهر لأنهم إنما أخفوا الندامة على الكفر والفسق في الدنيا لأجل حفظ الرياسة ، وفي القيامة بطل هذا الغرض فوجب الإظهار . وثالثها : قوله تعالى : { وقضى بينهم بالقسط وهم لا يظلمون } فقيل بين المؤمنين والكافرين ، وقيل بين الرؤساء والأتباع ، وقيل بين الكفار بإنزال العقوبة عليهم .
Türkçe Tercümesi (Ehl-i Sünnet)ثم إنه تعالى أمره أن يجيبهم بقوله : { قل إى وربى إنه لحق } والفائدة فيه أمور : أحدها : أن يستمليهم ويتكلم معهم بالكلام المعتاد ومن الظاهر أن من أخبر عن شيء ، وأكده بالقسم فقد أخرجه عن الهزل وأدخله في باب الجد . وثانيها : أن الناس طبقات فمنهم من لا يقر بالشيء إلا بالبرهان الحقيقي ، ومنهم من لا ينتفع بالبرهان الحقيقي ، بل ينتفع بالأشياء الإقناعية ، نحو القسم فإن الأعرابي الذي جاء الرسول عليه السلام ، وسأل عن نبوته ورسالته اكتفى في تحقيق تلك الدعوى بالقسم ، فكذا ههنا . ثم إنه تعالى أكد ذلك بقوله : { وما أنتم بمعجزين } ولا بد فيه من تقدير محذوف ، فيكون المراد وما أنتم بمعجزين لمن وعدكم بالعذاب أن ينزله عليكم والغرض منه التنبيه على أن أحدا لا يجوز أن يمانع ربه ويدافعه عما أراد وقضى ، ثم إنه تعالى بين أن هذا الجنس من الكلمات ، إنما يجوز عليهم ما داموا في الدنيا فأما إذا حضروا محفل القيامة وعاينوا قهر الله تعالى ، وآثار عظمته تركوا ذلك واشتغلوا بأشياء أخرى ، ثم إنه تعالى حكى عنهم ثلاثة أشياء : أولها : قوله : { ولو أن لكل نفس ظلمت ما فى الارض لافتدت به } إلا أن ذلك متعذر لأنه في محفل القيامة لا يملك شيئا كما قال تعالى : { وكلهم ءاتيه يوم القيامة فردا } ( مريم : 95 ) وبتقدير : أن يملك خزائن الأرض لا ينفعه الفداء لقوله تعالى : { ولا يؤخذ منها عدل ولا هم ينصرون } ( البقرة : 48 ) وقال في صفة هذا اليوم { لا بيع فيه ولا خلة ولا شفاعة } ( البقرة : 254 ) وثانيها : قوله : { وأسروا الندامة لما رأوا العذاب } . واعلم أن قوله : { وأسروا الندامة } جاء على لفظ الماضي ، والقيامة من الأمور المستقبلة إلا أنها لما كانت واجبة الوقوع ، جعل الله مستقبلها كالماضي ، واعلم أن الإسرار هو الإخفاء والإظهار وهو من الأضداد ، أما ورود هذه اللفظة بمعنى الإخفاء فظاهر وأما ورودها بمعنى الإظهار فهو من قولهم سر الشيء وأسره إذا أظهره . إذا عرفت هذا فنقول : من الناس من قال : المراد منه إخفاء تلك الندامة ، والسبب في هذا الإخفاء وجوه : الأول : أنهم لما رأوا العذاب الشديد صاروا مبهوتين متحيرين ، فلم يطيقوا عنده بكاء ولا صراخا سوى إسرار الندم كالحال فيمن يذهب به ليصلب فإنه يبقى مبهوتا متخيرا لا ينطق بكلمة . الثاني : أنهم أسروا الندامة من سفلتهم وأتباعهم حياء منهم وخوفا من توبيخهم . / فإن قيل : إن مهاية ذلك الموقف تمنع الإنسان عن هذا التدبير فكيف قدموا عليه . قلنا : إن هذا الكتمان إنما يحصل قبل الاحتراق بالنار ، فإذا احترقوا تركوا هذا الإخفاء وأظهروه بدليل قوله تعالى : { قالوا ربنا غلبت علينا شقوتنا } ( المؤمنون : 106 ) الثالث : أنهم أسروا تلك الندامة لأنهم اخلصوا لله في تلك الندامة ، ومن أخلص في الدعاء أسره ، وفيه تهكم بهم وبإخلاصهم يعني أنهم لما أتوا بهذا الإخلاص في غير وقته ولم ينفعهم ، بل كان من الواجب عليهم أن يأتوا به في دار الدنيا وقت التكليف ، وأما من فسر الإسرار بالإظهار فقوله : ظاهر لأنهم إنما أخفوا الندامة على الكفر والفسق في الدنيا لأجل حفظ الرياسة ، وفي القيامة بطل هذا الغرض فوجب الإظهار . وثالثها : قوله تعالى : { وقضى بينهم بالقسط وهم لا يظلمون } فقيل بين المؤمنين والكافرين ، وقيل بين الرؤساء والأتباع ، وقيل بين الكفار بإنزال العقوبة عليهم .
Bölüm V17/P090–V17/P091Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb (s. V17/P090–V17/P091)
Orijinal Metin (AR)واعلم أن الكفار وإن اشتركوا في العذاب فإنه لا بد وأن يقضي الله تعالى بينهم لأنه لا يمتنع أن يكون قد ظلم بعضهم بعضا في الدنيا وخانه ، فيكون في ذلك القضاء تخفيف من عذاب بعضهم ، وتثقيل لعذاب الباقين ، لأن العدل يقتضي أن ينتصف للمظلومين من الظالمين ، ولا سبيل إليه إلا بأن يخفف من عذاب المظلومين ويثقل في عذاب الظالمين . ! 7 < { ألاإن لله ما فى السماوات والا رض ألا إن وعد الله حق ولاكن أكثرهم لا يعلمون هو يحى ويميت وإليه ترجعون } . > 7 < يونس : ( 55 - 56 ) ألا إن لله . . . . . > > اعلم أن من الناس من قال : إن تعلق هذه الآية بما قبلها هو أنه تعالى قال قبل هذه الآية { ولو أن لكل نفس ظلمت ما فى الارض لافتدت به } ( يونس : 54 ) فلا جرم قال في هذه الآية ليس للظالم شيء يفتدى به ، فإن كل الأشياء ملك الله تعالى وملكه ، واعلم أن هذا التوجيه حسن ، أما الأحسن أن يقال إنا قد ذكرنا أن الناس على طبقات ، فمنهم من يكون انتفاعه بالإقناعيات أكثر من انتفاعه بالبرهانيات ، أما المحققون فإنهم لا يلتفتون إلى الإقناعيات أكثر من انتفاعه بالبرهانيات ، أما المحققون فإنهم لا يلتفتون إلى الإقناعيات ، وإنما تعويلهم على الدلائل البينة والبراهين القاطعة ، فلما حكى الله تعالى عن الكفار أنهم قالوا أحق هو ؟ أمر الرسول عليه السلام بأن يقول : { إى وربى } وهذا جار مجرى الإقناعيات ، فلما ذكر ذلك أتبعه بما هو البرهان القاطع / على صحته وتقريره أن القول بالنبوة والقول بصحة المعاد يتفرعان على إثبات الإله القادر الحكيم وأن كل ما سواه فهو ملكه وملكه ، فعبر عن هذا المعنى بقوله : { ألا إن لله ما فى السماوات والارض } ولم يذكر الدليل على صحة هذه القضية ، لأنه تعالى قد استقصى في تقرير هذه الدلائل فيما سبق من هذه السورة ، وهو قوله : { إن فى اختلاف اليل والنهار وما خلق الله فى السماوات والارض } ( يونس : 6 ) وقوله : { هو الذى جعل الشمس ضياء والقمر نورا وقدره منازل } ( يونس : 5 ) فلما تقدم ذكر هذه الدلائل القاهرة اكتفى بذكرها ، وذكر أن كل ما في العالم من نبات وحيوان وجسد وروح وظلمة ونور فهو ملكه وملكه ، ومتى كان الأمر كذلك ، كان قادرا على كل الممكنات ، عالما بكل المعلومات غنيا عن جميع الحاجات ، منزها عن النقائص والآفات ، فهو تعالى لكونه قادرا على جميع الممكنات يكون قادرا على إنزال العذاب على الأعداء في الدنيا وفي الآخرة ويكون قادرا على إيصال الرحمة إلى الأولياء في الدنيا وفي الآخرة ويكون قادرا على تأييد رسوله عليه السلام بالدلائل القاطعة والمعجزات الباهرة ويكون قادرا على إعلاء شأن رسوله وإظهار دينه وتقوية شرعه ، ولما كان قادرا على كل ذلك فقد بطل الاستهزاء والتعجب ولما كان منزها عن النقائص والآفات ، كان منزها عن الخلف والكذب وكل ما وعد به فلا بد وأن يقع ، هذا إذا قلنا : إنه تعالى لا يراعي مصالح العباد ، أما إذا قلنا : إنه تعالى يراعيها فنقول : الكذب إنما يصدر عن العاقل ، إما للعجز أو للجهل أو للحاجة ، ولما كان الحق سبحانه منزها عن الكل كان الكذب عليه محالا ، فلما أخبر عن نزول العذاب بهؤلاء الكفار ، وبحصول الحشر والنشر وجب القطع بوقوعه ، فثبت بهذا البيان أن قوله تعالى : { ألا إن لله ما فى السماوات والارض } مقدمة توجب الجزم بصحة قوله : { ألا إن وعد الله حق } ثم قال : { ولاكن أكثرهم لا يعلمون } والمراد أنهم غافلون عن هذه الدلائل ، مغرورون بظواهر الأمور ، فلا جرم بقوا محرومين عن هذه المعارف ، ثم إنه أكد هذه الدلائل فقال : { هو يحى ويميت وإليه ترجعون } والمراد أنه لما قدر على الإحياء في المرة الأولى فإذا أماته وجب أن يبقى قادرا على إحيائه في المرة الثانية ، فظهر بما ذكرنا أنه تعالى أمر رسوله بأن يقول : { إى وربى } ( يونس : 53 ) ثم إنه تعالى أتبع ذلك الكلام بذكر هذه الدلائل القاهرة .
Türkçe Tercümesi (Ehl-i Sünnet)واعلم أن الكفار وإن اشتركوا في العذاب فإنه لا بد وأن يقضي الله تعالى بينهم لأنه لا يمتنع أن يكون قد ظلم بعضهم بعضا في الدنيا وخانه ، فيكون في ذلك القضاء تخفيف من عذاب بعضهم ، وتثقيل لعذاب الباقين ، لأن العدل يقتضي أن ينتصف للمظلومين من الظالمين ، ولا سبيل إليه إلا بأن يخفف من عذاب المظلومين ويثقل في عذاب الظالمين . ! 7 < { ألاإن لله ما فى السماوات والا رض ألا إن وعد الله حق ولاكن أكثرهم لا يعلمون هو يحى ويميت وإليه ترجعون } . > 7 < يونس : ( 55 - 56 ) ألا إن لله . . . . . > > اعلم أن من الناس من قال : إن تعلق هذه الآية بما قبلها هو أنه تعالى قال قبل هذه الآية { ولو أن لكل نفس ظلمت ما فى الارض لافتدت به } ( يونس : 54 ) فلا جرم قال في هذه الآية ليس للظالم شيء يفتدى به ، فإن كل الأشياء ملك الله تعالى وملكه ، واعلم أن هذا التوجيه حسن ، أما الأحسن أن يقال إنا قد ذكرنا أن الناس على طبقات ، فمنهم من يكون انتفاعه بالإقناعيات أكثر من انتفاعه بالبرهانيات ، أما المحققون فإنهم لا يلتفتون إلى الإقناعيات أكثر من انتفاعه بالبرهانيات ، أما المحققون فإنهم لا يلتفتون إلى الإقناعيات ، وإنما تعويلهم على الدلائل البينة والبراهين القاطعة ، فلما حكى الله تعالى عن الكفار أنهم قالوا أحق هو ؟ أمر الرسول عليه السلام بأن يقول : { إى وربى } وهذا جار مجرى الإقناعيات ، فلما ذكر ذلك أتبعه بما هو البرهان القاطع / على صحته وتقريره أن القول بالنبوة والقول بصحة المعاد يتفرعان على إثبات الإله القادر الحكيم وأن كل ما سواه فهو ملكه وملكه ، فعبر عن هذا المعنى بقوله : { ألا إن لله ما فى السماوات والارض } ولم يذكر الدليل على صحة هذه القضية ، لأنه تعالى قد استقصى في تقرير هذه الدلائل فيما سبق من هذه السورة ، وهو قوله : { إن فى اختلاف اليل والنهار وما خلق الله فى السماوات والارض } ( يونس : 6 ) وقوله : { هو الذى جعل الشمس ضياء والقمر نورا وقدره منازل } ( يونس : 5 ) فلما تقدم ذكر هذه الدلائل القاهرة اكتفى بذكرها ، وذكر أن كل ما في العالم من نبات وحيوان وجسد وروح وظلمة ونور فهو ملكه وملكه ، ومتى كان الأمر كذلك ، كان قادرا على كل الممكنات ، عالما بكل المعلومات غنيا عن جميع الحاجات ، منزها عن النقائص والآفات ، فهو تعالى لكونه قادرا على جميع الممكنات يكون قادرا على إنزال العذاب على الأعداء في الدنيا وفي الآخرة ويكون قادرا على إيصال الرحمة إلى الأولياء في الدنيا وفي الآخرة ويكون قادرا على تأييد رسوله عليه السلام بالدلائل القاطعة والمعجزات الباهرة ويكون قادرا على إعلاء شأن رسوله وإظهار دينه وتقوية شرعه ، ولما كان قادرا على كل ذلك فقد بطل الاستهزاء والتعجب ولما كان منزها عن النقائص والآفات ، كان منزها عن الخلف والكذب وكل ما وعد به فلا بد وأن يقع ، هذا إذا قلنا : إنه تعالى لا يراعي مصالح العباد ، أما إذا قلنا : إنه تعالى يراعيها فنقول : الكذب إنما يصدر عن العاقل ، إما للعجز أو للجهل أو للحاجة ، ولما كان الحق سبحانه منزها عن الكل كان الكذب عليه محالا ، فلما أخبر عن نزول العذاب بهؤلاء الكفار ، وبحصول الحشر والنشر وجب القطع بوقوعه ، فثبت بهذا البيان أن قوله تعالى : { ألا إن لله ما فى السماوات والارض } مقدمة توجب الجزم بصحة قوله : { ألا إن وعد الله حق } ثم قال : { ولاكن أكثرهم لا يعلمون } والمراد أنهم غافلون عن هذه الدلائل ، مغرورون بظواهر الأمور ، فلا جرم بقوا محرومين عن هذه المعارف ، ثم إنه أكد هذه الدلائل فقال : { هو يحى ويميت وإليه ترجعون } والمراد أنه لما قدر على الإحياء في المرة الأولى فإذا أماته وجب أن يبقى قادرا على إحيائه في المرة الثانية ، فظهر بما ذكرنا أنه تعالى أمر رسوله بأن يقول : { إى وربى } ( يونس : 53 ) ثم إنه تعالى أتبع ذلك الكلام بذكر هذه الدلائل القاهرة .
Bölüm V17/P091–V17/P092Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb (s. V17/P091–V17/P092)
Orijinal Metin (AR)واعلم أن في قوله : { ألا إن لله ما فى السماوات والارض } دقيقة أخرى وهي كلمة { إلا } وذلك لأن هذه الكلمة إنما تذكر عند تنبيه الغافلين وإيقاظ النائمين وأهل هذا العالم مشغولون بالنظر إلى الأسباب الظاهرة فيقولون البستان للأمير والدار للوزير والغلام لزيد والجارية لعمرو فيضيفون كل شيء إلى مالك آخر والخلق لكونهم مستغرقين في نوم الجهل ورقدة الغفلة يظنون صحة تلك الإضافات فالحق نادى هؤلاء النائمين الغافلين بقوله : { ألا إن لله ما فى السماوات والارض } وذلك لأنه / لما ثبت بالعقل أن ما سوى الواحد الأحد الحق ممكن لذاته ، وثبت أن الممكن مستند إلى الواجب لذاته إما ابتداء أو بواسطة ، فثبت أن ما سواه ملكه وملكه ، وإذا كان كذلك ، فليس لغيره في الحقيقة ملك ، فلما كان أكثر الخلق غافلين عن معرفة هذا المعنى غير عالمين به ، لا جرم أمر الله رسوله عليه الصلاة والسلام أن يذكر هذا النداء ، لعل واحدا منهم يستيقظ من نوم الجهالة ورقدة الضلالة . ! 7 < { ياأيها الناس قد جآءتكم موعظة من ربكم وشفآء لما فى الصدور وهدى ورحمة للمؤمنين قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون } . > 7 < يونس : ( 57 - 58 ) يا أيها الناس . . . . . > > في الآية مسائل : المسألة الأولى : اعلم أن الطريق إلى إثبات نبوة الأنبياء عليهم السلام أمران : الأول : أن نقول إن هذا الشخص قد ادعى النبوة وظهرت المعجزة على يده وكل من كان كذلك ، فهو رسول من عند الله حقا وصدقا ، وهذا الطريق مما قد ذكره الله تعالى في هذه السورة وقرره على أحسن الوجوه في قوله : { وما كان هاذا القرءان أن يفترى من دون الله ولاكن تصديق الذى بين يديه وتفصيل الكتاب لا ريب فيه من رب العالمين أم يقولون افتراه قل فأتوا بسورة مثله وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين } ( يوس : 37 ، 38 ) وقد ذكرنا في تفسير هذه الآية ما يقوي الدين ويورث اليقين ويزيل الشكوك والشبهات ويبطل الجهالات والضلالات . وأما الطريق الثاني فهو أن نعلم بعقولنا أن الإعتقاد الحق والعمل الصالح ما هو ؟ فكل من جاء ودعا الخلق إليهم وحملهم عليه وكانت لنفسه قوة قوية في نقل الناس من الكفر إلى الإيمان ، ومن الإعتقاد الباطل إلى الإعتقاد الحق ، ومن الأعمال الداعية إلى الدنيا إلى الأعمال الداعية إلى الآخرة فهو النبي الحق الصادق المصدق ، وتقريره : أن نفوس الخلق قد استولى عليها أنواع النقص والجهل وحب الدنيا ، ونحن نعلم بعقولنا أن سعادة الإنسان لا تحصل إلا بالاعتقاد الحق والعمل الصالح ، وحاصله يرجع إلى حرف واحد وهو أن كل ما قوى نفرتك عن الدنيا ورغبتك في الآخرة فهو / العمل الصالح وكل ما كان بالضد من ذلك فهو العمل الباطل والمعصية ، وإذا كان الأمر كذلك كانوا محتاجين إلى إنسان كامل ، قوي النفس ، مشرق الروح ، علوي الطبيعة ، ويكون بحيث يقوى على نقل هؤلاء الناقصين من مقام النقصان إلى مقام الكمال ، وذلك هو النبي . فالحاصل أن الناس أقسام ثلاثة : الناقصون والكاملون الذين لا يقدرون على تكميل الناقصين ، والقسم الثالث هو الكامل الذي يقدر على تكميل الناقصين ، فالقسم الأول هو عامة الخلق ، والقسم الثاني هم الأولياء ، والقسم الثالث هم الأنبياء ، ولما كانت القدرة على نقل الناقصين من درجة النقصان إلى درجة الكمال مراتبها مختلفة ودرجاتها متفاوتة ، لا جرم كانت درجات الأنبياء في قوة النبوة مختلفة . ولهذا السر : قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( علماء أمتي كأنبياء بني إسرائيل ) .
Türkçe Tercümesi (Ehl-i Sünnet)واعلم أن في قوله : { ألا إن لله ما فى السماوات والارض } دقيقة أخرى وهي كلمة { إلا } وذلك لأن هذه الكلمة إنما تذكر عند تنبيه الغافلين وإيقاظ النائمين وأهل هذا العالم مشغولون بالنظر إلى الأسباب الظاهرة فيقولون البستان للأمير والدار للوزير والغلام لزيد والجارية لعمرو فيضيفون كل شيء إلى مالك آخر والخلق لكونهم مستغرقين في نوم الجهل ورقدة الغفلة يظنون صحة تلك الإضافات فالحق نادى هؤلاء النائمين الغافلين بقوله : { ألا إن لله ما فى السماوات والارض } وذلك لأنه / لما ثبت بالعقل أن ما سوى الواحد الأحد الحق ممكن لذاته ، وثبت أن الممكن مستند إلى الواجب لذاته إما ابتداء أو بواسطة ، فثبت أن ما سواه ملكه وملكه ، وإذا كان كذلك ، فليس لغيره في الحقيقة ملك ، فلما كان أكثر الخلق غافلين عن معرفة هذا المعنى غير عالمين به ، لا جرم أمر الله رسوله عليه الصلاة والسلام أن يذكر هذا النداء ، لعل واحدا منهم يستيقظ من نوم الجهالة ورقدة الضلالة . ! 7 < { ياأيها الناس قد جآءتكم موعظة من ربكم وشفآء لما فى الصدور وهدى ورحمة للمؤمنين قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون } . > 7 < يونس : ( 57 - 58 ) يا أيها الناس . . . . . > > في الآية مسائل : المسألة الأولى : اعلم أن الطريق إلى إثبات نبوة الأنبياء عليهم السلام أمران : الأول : أن نقول إن هذا الشخص قد ادعى النبوة وظهرت المعجزة على يده وكل من كان كذلك ، فهو رسول من عند الله حقا وصدقا ، وهذا الطريق مما قد ذكره الله تعالى في هذه السورة وقرره على أحسن الوجوه في قوله : { وما كان هاذا القرءان أن يفترى من دون الله ولاكن تصديق الذى بين يديه وتفصيل الكتاب لا ريب فيه من رب العالمين أم يقولون افتراه قل فأتوا بسورة مثله وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين } ( يوس : 37 ، 38 ) وقد ذكرنا في تفسير هذه الآية ما يقوي الدين ويورث اليقين ويزيل الشكوك والشبهات ويبطل الجهالات والضلالات . وأما الطريق الثاني فهو أن نعلم بعقولنا أن الإعتقاد الحق والعمل الصالح ما هو ؟ فكل من جاء ودعا الخلق إليهم وحملهم عليه وكانت لنفسه قوة قوية في نقل الناس من الكفر إلى الإيمان ، ومن الإعتقاد الباطل إلى الإعتقاد الحق ، ومن الأعمال الداعية إلى الدنيا إلى الأعمال الداعية إلى الآخرة فهو النبي الحق الصادق المصدق ، وتقريره : أن نفوس الخلق قد استولى عليها أنواع النقص والجهل وحب الدنيا ، ونحن نعلم بعقولنا أن سعادة الإنسان لا تحصل إلا بالاعتقاد الحق والعمل الصالح ، وحاصله يرجع إلى حرف واحد وهو أن كل ما قوى نفرتك عن الدنيا ورغبتك في الآخرة فهو / العمل الصالح وكل ما كان بالضد من ذلك فهو العمل الباطل والمعصية ، وإذا كان الأمر كذلك كانوا محتاجين إلى إنسان كامل ، قوي النفس ، مشرق الروح ، علوي الطبيعة ، ويكون بحيث يقوى على نقل هؤلاء الناقصين من مقام النقصان إلى مقام الكمال ، وذلك هو النبي . فالحاصل أن الناس أقسام ثلاثة : الناقصون والكاملون الذين لا يقدرون على تكميل الناقصين ، والقسم الثالث هو الكامل الذي يقدر على تكميل الناقصين ، فالقسم الأول هو عامة الخلق ، والقسم الثاني هم الأولياء ، والقسم الثالث هم الأنبياء ، ولما كانت القدرة على نقل الناقصين من درجة النقصان إلى درجة الكمال مراتبها مختلفة ودرجاتها متفاوتة ، لا جرم كانت درجات الأنبياء في قوة النبوة مختلفة . ولهذا السر : قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( علماء أمتي كأنبياء بني إسرائيل ) .
Bölüm V17/P092–V17/P093Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb (s. V17/P092–V17/P093)
Orijinal Metin (AR)إذا عرفت هذه المقدمة فنقول : إنه تعالى لما بين صحة نبوة محمد صلى الله عليه وسلم بطريق المعجزة ، ففي هذه الآية بين صحة نبوته بالطريق الثاني ، وهذا الطريق طريق كاشف عن حقيقة النبوة معرف لماهيتها ، فالاستدلال بالمعجز هو الذي يسميه المنطقيون برهان الآن ، وهذا الطريق هو الطريق الذي يسمونه برهان اللم ، وهو أشرف وأعلى وأكمل وأفضل . المسألة الثانية : اعلم أنه تعالى وصف القرآن في هذه الآية بصفات أربعة : أولها : كونه موعظة من عند الله . وثانيها : كونه شفاء لما في الصدور . وثالثها : كونه هدى . ورابعها : كونه رحمة للمؤمنين . ولا بد لكل واحد من هذه الصفات من فائدة مخصوصة فنقول : إن الأرواح لما تعلقت بالأجساد كان ذلك التعلق بسبب عشق طبيعي وجب للروح على الجسد ، ثم إن جوهر الروح التذ بمشتهيات هذا العالم الجسداني وطيباته بواسطة الحواس الخمس وتمرن على ذلك وألف هذه الطريقة واعتادها . ومن المعلوم أن نور العقل إنما يحصل في آخر الدرجة ، حيث قويت العلائق الحسية والحوادث الجسدانية ، فصار ذلك الاستغراق سببا لحصول العقائد الباطلة والأخلاق الذميمة في جوهر الروح ، وهذه الأحوال تجري مجرى الأمراض الشديدة لجوهر الروح ، فلا بد لها من طبيب حاذق ، فإن من وقع في المرض الشديد ، فإن لم يتفق له طبيب حاذق يعالجه بالعلاجات الصائبة مات لا محالة ، وإن اتفق أن صادفه مثل هذا الطبيب ، وكان هذا البدن قابلا للعلاجات الصائبة فربما حصلت الصحة وزال السقم . إذا عرفت هذا فنقول : إن محمدا صلى الله عليه وسلم كان كالطبيب الحاذق ، وهذا القرآن عبارة عن مجموع أدويته التي بتركيبها تعالج القلوب المريضة . ثم إن الطبيب إذا وصل إلى المريض فله معه مراتب أربعة : المرتبة الأولى : أن ينهاه عن تناول ما لا ينبغي ويأمره بالاحتراز عن تلك الأشياء التي بسببها وقع في ذلك المرض ، وهذا هو الموعظة فإنه لا معنى للوعظ إلا الزجر عن كل ما يبعد عن رضوان الله تعالى ، والمنع عن كل ما يشغل القلب بغير الله . المرتبة الثانية : الشفاء وهو أن يسقيه أدوية تزيل عن باطنه تلك الأخلاط الفاسدة الموجبة للمرض ، فكذلك الأنبياء عليهم السلام إذا منعوا الخلق عن فعل المحظورات صارت ظواهرهم مطهرة عن فعل ما لا ينبغي فحينئذ يأمرونهم بطهارة الباطن وذلك بالمجاهدة في إزالة الأخلاق الذميمة وتحصيل الأخلاق الحميدة ، وأوائلها ما ذكره الله تعالى في قوله : { إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتآء ذى القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغى } ( النحل : 90 ) وذلك لأنا ذكرنا أن العقائد الفاسدة والأخلاق الذميمة جارية مجرى الأمراض ، فإذا زالت فقد حصل الشفاء للقلب وصار جوهر الروح مطهرا عن جميع النقوش المانعة عن مطالعة عالم الملكوت .
Türkçe Tercümesi (Ehl-i Sünnet)إذا عرفت هذه المقدمة فنقول : إنه تعالى لما بين صحة نبوة محمد صلى الله عليه وسلم بطريق المعجزة ، ففي هذه الآية بين صحة نبوته بالطريق الثاني ، وهذا الطريق طريق كاشف عن حقيقة النبوة معرف لماهيتها ، فالاستدلال بالمعجز هو الذي يسميه المنطقيون برهان الآن ، وهذا الطريق هو الطريق الذي يسمونه برهان اللم ، وهو أشرف وأعلى وأكمل وأفضل . المسألة الثانية : اعلم أنه تعالى وصف القرآن في هذه الآية بصفات أربعة : أولها : كونه موعظة من عند الله . وثانيها : كونه شفاء لما في الصدور . وثالثها : كونه هدى . ورابعها : كونه رحمة للمؤمنين . ولا بد لكل واحد من هذه الصفات من فائدة مخصوصة فنقول : إن الأرواح لما تعلقت بالأجساد كان ذلك التعلق بسبب عشق طبيعي وجب للروح على الجسد ، ثم إن جوهر الروح التذ بمشتهيات هذا العالم الجسداني وطيباته بواسطة الحواس الخمس وتمرن على ذلك وألف هذه الطريقة واعتادها . ومن المعلوم أن نور العقل إنما يحصل في آخر الدرجة ، حيث قويت العلائق الحسية والحوادث الجسدانية ، فصار ذلك الاستغراق سببا لحصول العقائد الباطلة والأخلاق الذميمة في جوهر الروح ، وهذه الأحوال تجري مجرى الأمراض الشديدة لجوهر الروح ، فلا بد لها من طبيب حاذق ، فإن من وقع في المرض الشديد ، فإن لم يتفق له طبيب حاذق يعالجه بالعلاجات الصائبة مات لا محالة ، وإن اتفق أن صادفه مثل هذا الطبيب ، وكان هذا البدن قابلا للعلاجات الصائبة فربما حصلت الصحة وزال السقم . إذا عرفت هذا فنقول : إن محمدا صلى الله عليه وسلم كان كالطبيب الحاذق ، وهذا القرآن عبارة عن مجموع أدويته التي بتركيبها تعالج القلوب المريضة . ثم إن الطبيب إذا وصل إلى المريض فله معه مراتب أربعة : المرتبة الأولى : أن ينهاه عن تناول ما لا ينبغي ويأمره بالاحتراز عن تلك الأشياء التي بسببها وقع في ذلك المرض ، وهذا هو الموعظة فإنه لا معنى للوعظ إلا الزجر عن كل ما يبعد عن رضوان الله تعالى ، والمنع عن كل ما يشغل القلب بغير الله . المرتبة الثانية : الشفاء وهو أن يسقيه أدوية تزيل عن باطنه تلك الأخلاط الفاسدة الموجبة للمرض ، فكذلك الأنبياء عليهم السلام إذا منعوا الخلق عن فعل المحظورات صارت ظواهرهم مطهرة عن فعل ما لا ينبغي فحينئذ يأمرونهم بطهارة الباطن وذلك بالمجاهدة في إزالة الأخلاق الذميمة وتحصيل الأخلاق الحميدة ، وأوائلها ما ذكره الله تعالى في قوله : { إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتآء ذى القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغى } ( النحل : 90 ) وذلك لأنا ذكرنا أن العقائد الفاسدة والأخلاق الذميمة جارية مجرى الأمراض ، فإذا زالت فقد حصل الشفاء للقلب وصار جوهر الروح مطهرا عن جميع النقوش المانعة عن مطالعة عالم الملكوت .
Bölüm V17/P093–V17/P094Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb (s. V17/P093–V17/P094)
Orijinal Metin (AR)والمرتبة الثالثة : حصول الهدى ، وهذه المرتبة لا يمكن حصولها إلا بعد المرتبة الثانية ، لأن جوهر الروح الناطقة قابل للجلايا القدسية والأضواء الإلهية وفيض الرحمة عام غير منقطع على ما قال عليه الصلاة والسلام : ( إن لربكم في أيام دهركم نفحات ألا فتعرضوا لها ) وأيضا فالمنع إنما يكون إما للعجز أو للجهل أو للبخل ، والكل في حق الحق ممتنع ، فالمنع في حقه ممتنع ، فعلى هذا عدم حصول هذه الأضواء الروحانية ، إنما كان لأجل أن العقائد الفاسدة والأخلاق الذميمة طبعها طبع الظلمة ، وعند قيام الظلمة يمتنع حصول النور ، فإذا زالت تلك الأحوال ، فقد زال العائق فلا بد وأن يقع ضوء عالم القدس في جوهر النفس القدسية ، ولا معنى لذلك الضوء إلا الهدى ، فعند هذه الحالة تصير هذه النفس بحيث قد انطبع فيها نقش الملكوت وتجلى لها قدس اللاهوت ، وأول هذه المرتبة هو قوله : { أحد يأيتها النفس المطمئنة ارجعى إلى ربك } ( الفجر : 27 ) وأوسطها قوله تعالى : { ففروا إلى الله } ( الذاريات : 50 ) وآخرها قوله : { قل الله ثم ذرهم فى خوضهم يلعبون } ( الأنعام : 91 ) ومجموعها قوله : { ولله غيب السماوات والارض وإليه يرجع الامر كله فاعبده وتوكل عليه وما ربك بغافل عما تعملون } ( هود : 123 ) وسيجيء تفسير هذه الآيات في مواضعها بإذن الله تعالى ، وهذه المرتبة هي المراد بقوله سبحانه { وهدى } . وأما المرتبة الرابعة : فهي أن تصير النفس البالغة إلى هذه الدرجات الروحانية والمعارج الربانية بحيث تفيض أنوارها على أرواح الناقصين فيض النور من جوهر الشمس على أجرام هذا العالم ، وذلك هو المراد بقوله { ورحمة للمؤمنين } وإنما خص المؤمنين بهذا المعنى / لأن أرواح المعاندين لا تستضيء بأنوار أرواح الأنبياء عليهم السلام ، لأن الجسم القابل للنور عن قرص الشمس / هو الذي يكون وجهه مقابلا لوجه الشمس ، فإن لم تحصل هذه المقابلة لم يقع ضوء الشمس عليه ، فكذلك كل روح لما لم تتوجه إلى خدمة أرواح الأنبياء المطهرين ، لم تنتفع بأنوارهم ، ولم يصل إليها آثار تلك الأرواح المطهرة المقدسة ، وكما أن الأجسام التي لا تكون مقابلة لقرص الشمس مختلفة الدرجات والمراتب في البعد عن هذه المقابلة ولا تزال تتزايد درجات هذا البعد حتى ينتهي ذلك الجسم إلى غاية بعده عن مقابلة قرص الشمس ، فلا جرم يبقى خالص الظلمة ، فكذلك تتفاوت مراتب النفوس في قبول هذه الأنوار عن أرواح الأنبياء ولا تزال تتزايد حتى تنتهي إلى النفس التي كملت ظلمتها ، وعظمت شقاوتها وانتهت في العقائد الفاسدة ، والأخلاق الذميمة إلى أقصى الغايات ، وأبعد النهايات ، فالحاصل أن الموعظة إشارة إلى تطهير ظواهر الخلق عما لا ينبغي وهو الشريعة ، والشفاء إشارة إلى تطهير الأرواح عن العقائد الفاسدة والأخلاق الذميمة وهو الطريقة والهدى وهو إشارة إلى ظهور نور الحق في قلوب الصديقين وهو الحقيقة ، والرحمة وهي إشارة إلى كونها بالغة في الكمال والإشراق إلى حيث تصير مكملة للناقصين وهي النبوة ، فهذه درجات عقلية ومراتب برهانية مدلول عليها بهذه الألفاظ القرآنية لا يمكن تأخير ما تقدم ذكره ولا تقديم ما تأخر ذكره ، ولما نبه الله تعالى في هذه الآية على هذه الأسرار العالية الآلهية قال : { قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون } والمقصود منه الإشارة إلى ما قرره حكماء الإسلام من أن السعادات الروحانية أفضل من السعادات الجسمانية وقد سبق في مواضع كثيرة من هذا الكتاب المبالغة في تقرير هذا المعنى فلا فائدة في الإعادة انتهى .
Türkçe Tercümesi (Ehl-i Sünnet)والمرتبة الثالثة : حصول الهدى ، وهذه المرتبة لا يمكن حصولها إلا بعد المرتبة الثانية ، لأن جوهر الروح الناطقة قابل للجلايا القدسية والأضواء الإلهية وفيض الرحمة عام غير منقطع على ما قال عليه الصلاة والسلام : ( إن لربكم في أيام دهركم نفحات ألا فتعرضوا لها ) وأيضا فالمنع إنما يكون إما للعجز أو للجهل أو للبخل ، والكل في حق الحق ممتنع ، فالمنع في حقه ممتنع ، فعلى هذا عدم حصول هذه الأضواء الروحانية ، إنما كان لأجل أن العقائد الفاسدة والأخلاق الذميمة طبعها طبع الظلمة ، وعند قيام الظلمة يمتنع حصول النور ، فإذا زالت تلك الأحوال ، فقد زال العائق فلا بد وأن يقع ضوء عالم القدس في جوهر النفس القدسية ، ولا معنى لذلك الضوء إلا الهدى ، فعند هذه الحالة تصير هذه النفس بحيث قد انطبع فيها نقش الملكوت وتجلى لها قدس اللاهوت ، وأول هذه المرتبة هو قوله : { أحد يأيتها النفس المطمئنة ارجعى إلى ربك } ( الفجر : 27 ) وأوسطها قوله تعالى : { ففروا إلى الله } ( الذاريات : 50 ) وآخرها قوله : { قل الله ثم ذرهم فى خوضهم يلعبون } ( الأنعام : 91 ) ومجموعها قوله : { ولله غيب السماوات والارض وإليه يرجع الامر كله فاعبده وتوكل عليه وما ربك بغافل عما تعملون } ( هود : 123 ) وسيجيء تفسير هذه الآيات في مواضعها بإذن الله تعالى ، وهذه المرتبة هي المراد بقوله سبحانه { وهدى } . وأما المرتبة الرابعة : فهي أن تصير النفس البالغة إلى هذه الدرجات الروحانية والمعارج الربانية بحيث تفيض أنوارها على أرواح الناقصين فيض النور من جوهر الشمس على أجرام هذا العالم ، وذلك هو المراد بقوله { ورحمة للمؤمنين } وإنما خص المؤمنين بهذا المعنى / لأن أرواح المعاندين لا تستضيء بأنوار أرواح الأنبياء عليهم السلام ، لأن الجسم القابل للنور عن قرص الشمس / هو الذي يكون وجهه مقابلا لوجه الشمس ، فإن لم تحصل هذه المقابلة لم يقع ضوء الشمس عليه ، فكذلك كل روح لما لم تتوجه إلى خدمة أرواح الأنبياء المطهرين ، لم تنتفع بأنوارهم ، ولم يصل إليها آثار تلك الأرواح المطهرة المقدسة ، وكما أن الأجسام التي لا تكون مقابلة لقرص الشمس مختلفة الدرجات والمراتب في البعد عن هذه المقابلة ولا تزال تتزايد درجات هذا البعد حتى ينتهي ذلك الجسم إلى غاية بعده عن مقابلة قرص الشمس ، فلا جرم يبقى خالص الظلمة ، فكذلك تتفاوت مراتب النفوس في قبول هذه الأنوار عن أرواح الأنبياء ولا تزال تتزايد حتى تنتهي إلى النفس التي كملت ظلمتها ، وعظمت شقاوتها وانتهت في العقائد الفاسدة ، والأخلاق الذميمة إلى أقصى الغايات ، وأبعد النهايات ، فالحاصل أن الموعظة إشارة إلى تطهير ظواهر الخلق عما لا ينبغي وهو الشريعة ، والشفاء إشارة إلى تطهير الأرواح عن العقائد الفاسدة والأخلاق الذميمة وهو الطريقة والهدى وهو إشارة إلى ظهور نور الحق في قلوب الصديقين وهو الحقيقة ، والرحمة وهي إشارة إلى كونها بالغة في الكمال والإشراق إلى حيث تصير مكملة للناقصين وهي النبوة ، فهذه درجات عقلية ومراتب برهانية مدلول عليها بهذه الألفاظ القرآنية لا يمكن تأخير ما تقدم ذكره ولا تقديم ما تأخر ذكره ، ولما نبه الله تعالى في هذه الآية على هذه الأسرار العالية الآلهية قال : { قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون } والمقصود منه الإشارة إلى ما قرره حكماء الإسلام من أن السعادات الروحانية أفضل من السعادات الجسمانية وقد سبق في مواضع كثيرة من هذا الكتاب المبالغة في تقرير هذا المعنى فلا فائدة في الإعادة انتهى .
Bölüm V17/P094–V17/P095Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb (s. V17/P094–V17/P095)
Orijinal Metin (AR)المسألة الثانية : قوله : { قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا } وتقديره : بفضل الله وبرحمته فليفرحوا ، ثم يقول مرة أخرى : { فبذلك فليفرحوا } والتكرير للتأكيد . وأيضا قوله : { فبذلك فليفرحوا } يفيد الحصر ، يعني يجب أن لا يفرح الإنسان إلا بذلك . واعلم أن هذا الكلام يدل على أمرين : أحدهما : أنه يجب أن لا يفرح الإنسان بشيء من الأحوال الجسمانية ، ويدل عليه وجوه : الأول : أن جماعة من المحققين قالوا : لا معنى لهذه اللذات الجسمانية إلا دفع الآلام ، والمعنى العدمي لا يستحق أن يفرح به . والثاني : أن بتقدير أن تكون هذه اللذات صفات ثبوتية ، لكنها معنوية من وجوه : الأول : أن التضرر بآلامها أقوى من الانتفاع بلذاتها ألا ترى أن أقوى اللذات الجسمانية لذة الوقاع ، ولا شك أن الالتذاذ بها أقل مرتبة من الاستضرار بألم القولنج وسائر الآلام القوية . والثاني : أن مداخل اللذات الجسمانية قليلة ، فإنه لا سبيل إلى تحصيل اللذات الجسمانية إلا بهذين الطريقين أعني لذة البطن والفرج . وأما الآلام : فإن كل جزء من أجزاء بدن الإنسان معه نوع آخر من الآلام ، ولكل نوع منها خاصية ليست للنوع الآخر . والثالث : أن اللذات / الجسمانية لا تكون خالصة ألبتة بل تكون ممزوجة بأنواع من المكاره ، فلو لم يحصل في لذة الأكل والوقاع إلا إتعاب النفس في مقدماتها وفي لواحقها لكفى . الرابع : أن اللذات الجسمانية لا تكون باقية ، فكلما كان الالتذاذ بها أكثر كانت الحسرات الحاصلة من خوف فواتها أكثر وأشد ، ولذلك قال المعري : إن حزنا في ساعة الموت أضعا ف سرور في ساعة الميلاد فمن المعلوم أن الفرح الحاصل عند حدوث الولد لا يعادل الحزن الحاصل عند موته . الخامس : أن اللذات الجسمانية حال حصولها تكون ممتنعة البقاء ، لأن لذة الأكل لا تبقى بحالها ، بل كما زال ألم الجوع زال الالتذاذ بالأكل ولا يمكن استبقاء تلك اللذة . السادس : أن اللذات الجسمانية التذاذ بأشياء خسيسة ، فإنها التذاذ بكيفيات حاصلة في أجسام رخوة سريعة الفساد مستعدة للتغير ، فأما اللذات الروحانية فإنها بالضد في جميع هذه الجهات ، فثبت أن الفرح باللذات الجسمانية فرح باطل ، وأما الفرح الكامل فهو الفرح بالروحانيات والجواهر المقدسة وعالم الجلال ونور الكبرياء . والبحث الثاني : من مباحث هذه الآية أنه إذا حصلت اللذات الروحانية فإنه يجب على العاقل أن لا يفرح بها من حيث هي هي ، بل يجب أن يفرح بها من حيث إنها من الله تعالى وبفضل الله وبرحمته ، فلهذا السبب قال الصديقون : من فرح بنعمة الله من حيث إنها تلك النعمة فهو مشرك ، أما من فرح بنعمة الله من حيث إنها من الله كان فرحه بالله ، وذلك هو غاية الكمال ونهاية السعادة فقوله سبحانه : { قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا } يعني فليفرحوا بتلك النعم لا من حيث هي هي ، بل من حيث إنها بفضل الله وبرحمة الله ، فهذه أسرار عالية اشتملت عليها هذه الألفاظ التي ظهرت من عالم الوحي والتنزيل ، هذا ما تلخص عندنا في هذا الباب ، أما المفسرون فقالوا : فضل الله الإسلام ، ورحمته القرآن . وقال أبو سعيد الخدري : فضل الله القرآن ، ورحمته أن جعلكم من أهله .
Türkçe Tercümesi (Ehl-i Sünnet)المسألة الثانية : قوله : { قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا } وتقديره : بفضل الله وبرحمته فليفرحوا ، ثم يقول مرة أخرى : { فبذلك فليفرحوا } والتكرير للتأكيد . وأيضا قوله : { فبذلك فليفرحوا } يفيد الحصر ، يعني يجب أن لا يفرح الإنسان إلا بذلك . واعلم أن هذا الكلام يدل على أمرين : أحدهما : أنه يجب أن لا يفرح الإنسان بشيء من الأحوال الجسمانية ، ويدل عليه وجوه : الأول : أن جماعة من المحققين قالوا : لا معنى لهذه اللذات الجسمانية إلا دفع الآلام ، والمعنى العدمي لا يستحق أن يفرح به . والثاني : أن بتقدير أن تكون هذه اللذات صفات ثبوتية ، لكنها معنوية من وجوه : الأول : أن التضرر بآلامها أقوى من الانتفاع بلذاتها ألا ترى أن أقوى اللذات الجسمانية لذة الوقاع ، ولا شك أن الالتذاذ بها أقل مرتبة من الاستضرار بألم القولنج وسائر الآلام القوية . والثاني : أن مداخل اللذات الجسمانية قليلة ، فإنه لا سبيل إلى تحصيل اللذات الجسمانية إلا بهذين الطريقين أعني لذة البطن والفرج . وأما الآلام : فإن كل جزء من أجزاء بدن الإنسان معه نوع آخر من الآلام ، ولكل نوع منها خاصية ليست للنوع الآخر . والثالث : أن اللذات / الجسمانية لا تكون خالصة ألبتة بل تكون ممزوجة بأنواع من المكاره ، فلو لم يحصل في لذة الأكل والوقاع إلا إتعاب النفس في مقدماتها وفي لواحقها لكفى . الرابع : أن اللذات الجسمانية لا تكون باقية ، فكلما كان الالتذاذ بها أكثر كانت الحسرات الحاصلة من خوف فواتها أكثر وأشد ، ولذلك قال المعري : إن حزنا في ساعة الموت أضعا ف سرور في ساعة الميلاد فمن المعلوم أن الفرح الحاصل عند حدوث الولد لا يعادل الحزن الحاصل عند موته . الخامس : أن اللذات الجسمانية حال حصولها تكون ممتنعة البقاء ، لأن لذة الأكل لا تبقى بحالها ، بل كما زال ألم الجوع زال الالتذاذ بالأكل ولا يمكن استبقاء تلك اللذة . السادس : أن اللذات الجسمانية التذاذ بأشياء خسيسة ، فإنها التذاذ بكيفيات حاصلة في أجسام رخوة سريعة الفساد مستعدة للتغير ، فأما اللذات الروحانية فإنها بالضد في جميع هذه الجهات ، فثبت أن الفرح باللذات الجسمانية فرح باطل ، وأما الفرح الكامل فهو الفرح بالروحانيات والجواهر المقدسة وعالم الجلال ونور الكبرياء . والبحث الثاني : من مباحث هذه الآية أنه إذا حصلت اللذات الروحانية فإنه يجب على العاقل أن لا يفرح بها من حيث هي هي ، بل يجب أن يفرح بها من حيث إنها من الله تعالى وبفضل الله وبرحمته ، فلهذا السبب قال الصديقون : من فرح بنعمة الله من حيث إنها تلك النعمة فهو مشرك ، أما من فرح بنعمة الله من حيث إنها من الله كان فرحه بالله ، وذلك هو غاية الكمال ونهاية السعادة فقوله سبحانه : { قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا } يعني فليفرحوا بتلك النعم لا من حيث هي هي ، بل من حيث إنها بفضل الله وبرحمة الله ، فهذه أسرار عالية اشتملت عليها هذه الألفاظ التي ظهرت من عالم الوحي والتنزيل ، هذا ما تلخص عندنا في هذا الباب ، أما المفسرون فقالوا : فضل الله الإسلام ، ورحمته القرآن . وقال أبو سعيد الخدري : فضل الله القرآن ، ورحمته أن جعلكم من أهله .
Bölüm V17/P095–V17/P096Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb (s. V17/P095–V17/P096)
Orijinal Metin (AR)المسألة الرابعة : قرىء { فلتفرحوا } بالتاء ، قال الفراء : وقد ذكر عن زيد بن ثابت أنه قرأ بالتاء وقال : معناه فبذلك فلتفرحوا يا أصحاب محمد هو خير مما يجمع الكفار ، قال وقريب من هذه القراءة قراءة أبي { فبذلك } والأصل في الأمر للمخاطب والغائب اللام نحو لتقم يا زيد وليقم زيد ، وذلك لأن حكم الأمر في الصورتين واحد ، إلا أن العرب حذفوا اللام من فعل المأمور المخاطب لكثرة استعماله ، وحذفوا التاء أيضا وأدخلوا ألف الوصل نحو اضرب واقتل ليقع الابتداء به وكان الكسائي يعيب قولهم فليفرحوا لأنه وجده قليلا فجعله عيبا إلا أن ذلك هو الأصل ، وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في بعض المشاهد : ( لتأخذوا مصافكم ) يريد به خذوا ، هذا كله كلام / الفراء . وقرىء { تجمعون } بالتاء ووجهه أنه تعالى عنى المخاطبين والغائبين إلا أنه غلب المخاطب على الغائب كما يغلب التذكير على التأنيث ، فكأنه أراد المؤمنين هكذا قاله أهل اللغة وفيه دقيقة عقلية وهو أن الإنسان حصل فيه معنى يدعوه إلى خدمة الله تعالى وإلى الاتصال بعالم الغيب ومعارج الروحانيات ، وفيه معنى آخر يدعوه إلى عالم الحس والجسم واللذات الجسدانية ، وما دام الروح متعلقا بهذا الجسد ، فإنه لا ينفك عن حب الجسد ، وعن طلب اللذات الجسمانية ، فكأنه تعالى خاطب الصديقين العارفين ، وقال : حصلت الخصومة بين الحوادث العقلية الإلهية وبين النوازع النفسانية الجسدانية ، والترجيح لجانب العقل لأنه يدعو إلى فضل الله ورحمته والنفس تدعو إلى جمع الدنيا وشهواتها وفضل الله ورحمته خير لكم مما تجمعون من الدنيا لأن الآخرة خير وأبقى ، وما كان كذلك فهو أولى بالطلب والتحصيل . ! 7 < { قل أرأيتم مآ أنزل الله لكم من رزق فجعلتم منه حراما وحلالا قل ءآلله أذن لكم أم على الله تفترون وما ظن الذين يفترون على الله الكذب يوم القيامة إن الله لذو فضل على الناس ولاكن أكثرهم لا يشكرون } . > 7 < يونس : ( 59 - 60 ) قل أرأيتم ما . . . . . > > وفي الآية مسائل : المسألة الأولى : اعلم أن الناس ذكروا في تعلق هذه الآية بما قبلها وجوها ، ولا أستحسن واحدا منها . والذي يخطر بالبال والعلم عند الله تعالى وجهان : الأول : أن المقصود من هذا الكلام ذكر طريق ثالث في إثبات النبوة . وتقريره أنه عليه الصلاة والسلام قال للقوم : ( إنكم تحكمون بحل بعض الأشياء وحرمة بعضها فهذا الحكم تقولونه على سبيل الافتراء على الله تعالى ، أو تعلمون أنه حكم حكم الله به ) والأول طريق باطل بالاتفاق ، فلم يبق إلا الثاني ، ثم من المعلوم أنه تعالى ما خاطبكم به من غير واسطة ، ولما بطل هذا ، ثبت أن هذه الأحكام إنما وصلت إليكم بقول رسول أرسله الله إليكم ونبي بعثه الله إليكم ، وحاصل الكلام أن حكمهم بحل بعض الأشياء وحرمة بعضها مع اشتراك الكل في الصفات المحسوسة والمنافع المحسوسة ، يدل على اعترافكم بصحة النبوة والرسالة وإذا / كان الأمر كذلك ، فكيف يمكنكم أن تبالغوا هذه المبالغات العظيمة في إنكار النبوة والرسالة وحمل الآية على هذا الوجه الذي ذكرته طريق حسن معقول . الطريق الثاني : في حسن تعلق هذه الآية بما قبلها هو أنه عليه الصلاة والسلام ، لما ذكر الدلائل الكثيرة على صحة نبوة نفسه وبين فساد سؤالاتهم وشبهاتهم في إنكارها ، أتبع ذلك ببيان فساد طريقتهم في شرائعهم وأحكامهم وبين أن التمييز بين هذه الأشياء بالحل والحرمة ، مع أنه لم يشهد بذلك لا عقل ولا نقل طريق باطل ومنهج فاسد ، والمقصود إبطال مذاهب القوم في أديانهم وفي أحكامهم ، وأنهم ليسوا على شيء في باب من الأبواب .
Türkçe Tercümesi (Ehl-i Sünnet)المسألة الرابعة : قرىء { فلتفرحوا } بالتاء ، قال الفراء : وقد ذكر عن زيد بن ثابت أنه قرأ بالتاء وقال : معناه فبذلك فلتفرحوا يا أصحاب محمد هو خير مما يجمع الكفار ، قال وقريب من هذه القراءة قراءة أبي { فبذلك } والأصل في الأمر للمخاطب والغائب اللام نحو لتقم يا زيد وليقم زيد ، وذلك لأن حكم الأمر في الصورتين واحد ، إلا أن العرب حذفوا اللام من فعل المأمور المخاطب لكثرة استعماله ، وحذفوا التاء أيضا وأدخلوا ألف الوصل نحو اضرب واقتل ليقع الابتداء به وكان الكسائي يعيب قولهم فليفرحوا لأنه وجده قليلا فجعله عيبا إلا أن ذلك هو الأصل ، وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في بعض المشاهد : ( لتأخذوا مصافكم ) يريد به خذوا ، هذا كله كلام / الفراء . وقرىء { تجمعون } بالتاء ووجهه أنه تعالى عنى المخاطبين والغائبين إلا أنه غلب المخاطب على الغائب كما يغلب التذكير على التأنيث ، فكأنه أراد المؤمنين هكذا قاله أهل اللغة وفيه دقيقة عقلية وهو أن الإنسان حصل فيه معنى يدعوه إلى خدمة الله تعالى وإلى الاتصال بعالم الغيب ومعارج الروحانيات ، وفيه معنى آخر يدعوه إلى عالم الحس والجسم واللذات الجسدانية ، وما دام الروح متعلقا بهذا الجسد ، فإنه لا ينفك عن حب الجسد ، وعن طلب اللذات الجسمانية ، فكأنه تعالى خاطب الصديقين العارفين ، وقال : حصلت الخصومة بين الحوادث العقلية الإلهية وبين النوازع النفسانية الجسدانية ، والترجيح لجانب العقل لأنه يدعو إلى فضل الله ورحمته والنفس تدعو إلى جمع الدنيا وشهواتها وفضل الله ورحمته خير لكم مما تجمعون من الدنيا لأن الآخرة خير وأبقى ، وما كان كذلك فهو أولى بالطلب والتحصيل . ! 7 < { قل أرأيتم مآ أنزل الله لكم من رزق فجعلتم منه حراما وحلالا قل ءآلله أذن لكم أم على الله تفترون وما ظن الذين يفترون على الله الكذب يوم القيامة إن الله لذو فضل على الناس ولاكن أكثرهم لا يشكرون } . > 7 < يونس : ( 59 - 60 ) قل أرأيتم ما . . . . . > > وفي الآية مسائل : المسألة الأولى : اعلم أن الناس ذكروا في تعلق هذه الآية بما قبلها وجوها ، ولا أستحسن واحدا منها . والذي يخطر بالبال والعلم عند الله تعالى وجهان : الأول : أن المقصود من هذا الكلام ذكر طريق ثالث في إثبات النبوة . وتقريره أنه عليه الصلاة والسلام قال للقوم : ( إنكم تحكمون بحل بعض الأشياء وحرمة بعضها فهذا الحكم تقولونه على سبيل الافتراء على الله تعالى ، أو تعلمون أنه حكم حكم الله به ) والأول طريق باطل بالاتفاق ، فلم يبق إلا الثاني ، ثم من المعلوم أنه تعالى ما خاطبكم به من غير واسطة ، ولما بطل هذا ، ثبت أن هذه الأحكام إنما وصلت إليكم بقول رسول أرسله الله إليكم ونبي بعثه الله إليكم ، وحاصل الكلام أن حكمهم بحل بعض الأشياء وحرمة بعضها مع اشتراك الكل في الصفات المحسوسة والمنافع المحسوسة ، يدل على اعترافكم بصحة النبوة والرسالة وإذا / كان الأمر كذلك ، فكيف يمكنكم أن تبالغوا هذه المبالغات العظيمة في إنكار النبوة والرسالة وحمل الآية على هذا الوجه الذي ذكرته طريق حسن معقول . الطريق الثاني : في حسن تعلق هذه الآية بما قبلها هو أنه عليه الصلاة والسلام ، لما ذكر الدلائل الكثيرة على صحة نبوة نفسه وبين فساد سؤالاتهم وشبهاتهم في إنكارها ، أتبع ذلك ببيان فساد طريقتهم في شرائعهم وأحكامهم وبين أن التمييز بين هذه الأشياء بالحل والحرمة ، مع أنه لم يشهد بذلك لا عقل ولا نقل طريق باطل ومنهج فاسد ، والمقصود إبطال مذاهب القوم في أديانهم وفي أحكامهم ، وأنهم ليسوا على شيء في باب من الأبواب .