Qur'an&Sunnahالقرآن

Fahreddin Râzî - Mefâtîhu'l-Gayb (Tefsîr-i Kebîr)

Fahreddîn Muhammed b. Ömer er-Râzî · AR

Bölüm V17/P096–V17/P097Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb (s. V17/P096–V17/P097)
Orijinal Metin (AR)

المسألة الثانية : المراد بالشيء الذي جعلوه حراما ما ذكروه من تحريم البحيرة والسائبة والوصيلة والحام وأيضا قوله تعالى : { يفترون وقالوا هاذه أنعام وحرث حجر } ( الأنعام : 138 ) إلى قوله : { وقالوا ما فى بطون هاذه الانعام خالصة لذكورنا ومحرم على أزواجنا } ( الأنعام : 139 ) وأيضا قوله تعالى : { ثمانية أزواج من الضأن اثنين ومن المعز اثنين } ( الأنعام : 143 ) والدليل عليه أن قوله : { فجعلتم منه حراما } إشارة إلى أمر تقدم منهم ، ولم يحك الله تعالى عنهم إلا هذا ، فوجب توجه هذا الكلام إليه ، ثم لما حكى تعالى عنهم ذلك قال لرسوله عليه الصلاة والسلام : { قل الله أذن لكم أم على الله تفترون } وهذه القسمة صحيحة ، لأن هذه الأحكام إما أن تكون من الله تعالى أو لم تكن من الله فإن كانت من الله تعالى ، فهو المراد بقوله : { الله أذن لكم } وإن كانت ليست من الله . فهو المراد بقوله : { أم على الله تفترون } . ثم قال تعالى : { وما ظن الذين يفترون على الله الكذب } وهذا وإن كان في صورة الاستعلام فالمراد منه تعظيم وعيد من يفتري على الله . وقرأ عيسى بن عمر { وما ظن } على لفظ الفعل ومعناه أي ظن ظنوه يوم القيامة وجيء به على لفظ الماضي لما ذكرنا أن أحوال القيامة وإن كانت آتية إلا أنها لما كانت واجبة الوقوع في الحكمة ولا جرم عبر الله عنها بصيغة الماضي . ثم قال : { إن الله لذو فضل على الناس } أي بإعطاء العقل وإرسال الرسل وإنزال الكتب { ولاكن أكثرهم لا يشكرون } فلا يستعملون للعقل في التأمل في دلائل الله تعالى ولا يقبلون دعوة أنبياء الله ولا ينتفعون باستماع كتب الله . المسألة الثالثة : ما في قوله تعالى : { قل أرأيتم ما أنزل الله } فيه وجهان : أحدهما : بمعنى الذي فينتصب برأيتم والآخر أن يكون بمعنى أي في الاستفهام ، فينتصب بأنزل وهو قول الزجاج ، ومعنى أنزل ههنا خلق وأنشأ كقوله : { وأنزل لكم من الانعام ثمانية أزواج } ( الزمر : 6 ) وجاز أن يعبر عن الخلق بالإنزال ، لأن كل ما في الأرض من رزق فما أنزل من السماء من ضرع وزرع وغيرهما ، فلما كان إيجاده بالإنزال سمي إنزالا . ! 7 < { وما تكون فى شأن وما تتلوا منه من قرءان ولا تعملون من عمل إلا كنا عليكم شهودا إذ تفيضون فيه وما يعزب عن ربك من مثقال ذرة في الا رض ولا فى السمآء ولا أصغر من ذالك ولاأكبر إلا فى كتاب مبين } . > 7 < يونس : ( 61 ) وما تكون في . . . . . > > / في الآية مسائل : المسألة الأولى : اعلم أنه لما أطال الكلام في أمر الرسول بإيراد الدلائل على فساد مذاهب الكفار ، وفي أمره بإيراد الجواب عن شبهاتهم ، وفي أمره بتحمل أذاهم ، وبالرفق معهم ذكر هذا الكلام ليحصل به تمام السلوة والسرور للمطيعين ، وتمام الخوف والفزع للمذنبين ، وهو كونه سبحانه عالما بعمل كل واحد ، وبما في قلبه من الدواعي والصوارف ، فإن الإنسان ربما أظهر من نفسه نسكا وطاعة وزهدا وتقوى ، ويكون باطنه مملوأ من الخبث وربما كان بالعكس من ذلك فإذا كان الحق سبحانه عالما بما في البواطن كان ذلك من أعظم أنواع السرور للمطيعين ومن أعظم أنواع التهديد للمذنبين .

Türkçe Tercümesi (Ehl-i Sünnet)

المسألة الثانية : المراد بالشيء الذي جعلوه حراما ما ذكروه من تحريم البحيرة والسائبة والوصيلة والحام وأيضا قوله تعالى : { يفترون وقالوا هاذه أنعام وحرث حجر } ( الأنعام : 138 ) إلى قوله : { وقالوا ما فى بطون هاذه الانعام خالصة لذكورنا ومحرم على أزواجنا } ( الأنعام : 139 ) وأيضا قوله تعالى : { ثمانية أزواج من الضأن اثنين ومن المعز اثنين } ( الأنعام : 143 ) والدليل عليه أن قوله : { فجعلتم منه حراما } إشارة إلى أمر تقدم منهم ، ولم يحك الله تعالى عنهم إلا هذا ، فوجب توجه هذا الكلام إليه ، ثم لما حكى تعالى عنهم ذلك قال لرسوله عليه الصلاة والسلام : { قل الله أذن لكم أم على الله تفترون } وهذه القسمة صحيحة ، لأن هذه الأحكام إما أن تكون من الله تعالى أو لم تكن من الله فإن كانت من الله تعالى ، فهو المراد بقوله : { الله أذن لكم } وإن كانت ليست من الله . فهو المراد بقوله : { أم على الله تفترون } . ثم قال تعالى : { وما ظن الذين يفترون على الله الكذب } وهذا وإن كان في صورة الاستعلام فالمراد منه تعظيم وعيد من يفتري على الله . وقرأ عيسى بن عمر { وما ظن } على لفظ الفعل ومعناه أي ظن ظنوه يوم القيامة وجيء به على لفظ الماضي لما ذكرنا أن أحوال القيامة وإن كانت آتية إلا أنها لما كانت واجبة الوقوع في الحكمة ولا جرم عبر الله عنها بصيغة الماضي . ثم قال : { إن الله لذو فضل على الناس } أي بإعطاء العقل وإرسال الرسل وإنزال الكتب { ولاكن أكثرهم لا يشكرون } فلا يستعملون للعقل في التأمل في دلائل الله تعالى ولا يقبلون دعوة أنبياء الله ولا ينتفعون باستماع كتب الله . المسألة الثالثة : ما في قوله تعالى : { قل أرأيتم ما أنزل الله } فيه وجهان : أحدهما : بمعنى الذي فينتصب برأيتم والآخر أن يكون بمعنى أي في الاستفهام ، فينتصب بأنزل وهو قول الزجاج ، ومعنى أنزل ههنا خلق وأنشأ كقوله : { وأنزل لكم من الانعام ثمانية أزواج } ( الزمر : 6 ) وجاز أن يعبر عن الخلق بالإنزال ، لأن كل ما في الأرض من رزق فما أنزل من السماء من ضرع وزرع وغيرهما ، فلما كان إيجاده بالإنزال سمي إنزالا . ! 7 < { وما تكون فى شأن وما تتلوا منه من قرءان ولا تعملون من عمل إلا كنا عليكم شهودا إذ تفيضون فيه وما يعزب عن ربك من مثقال ذرة في الا رض ولا فى السمآء ولا أصغر من ذالك ولاأكبر إلا فى كتاب مبين } . > 7 < يونس : ( 61 ) وما تكون في . . . . . > > / في الآية مسائل : المسألة الأولى : اعلم أنه لما أطال الكلام في أمر الرسول بإيراد الدلائل على فساد مذاهب الكفار ، وفي أمره بإيراد الجواب عن شبهاتهم ، وفي أمره بتحمل أذاهم ، وبالرفق معهم ذكر هذا الكلام ليحصل به تمام السلوة والسرور للمطيعين ، وتمام الخوف والفزع للمذنبين ، وهو كونه سبحانه عالما بعمل كل واحد ، وبما في قلبه من الدواعي والصوارف ، فإن الإنسان ربما أظهر من نفسه نسكا وطاعة وزهدا وتقوى ، ويكون باطنه مملوأ من الخبث وربما كان بالعكس من ذلك فإذا كان الحق سبحانه عالما بما في البواطن كان ذلك من أعظم أنواع السرور للمطيعين ومن أعظم أنواع التهديد للمذنبين .

Bölüm V17/P097–V17/P098Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb (s. V17/P097–V17/P098)
Orijinal Metin (AR)

المسألة الثانية : اعلم أنه تعالى خصص الرسول في أول هذه الآية بالخطاب في أمرين ، ثم أتبع ذلك بتعميم الخطاب مع كل المكلفين في شيء واحد ، أما الأمران المخصوصان بالرسول عليه الصلاة والسلام . فالأول : منهما قوله : { وما تكون فى شأن } واعلم أن { ما } ههنا جحد والشأن الخطب والجمع الشؤن ، تقول العرب ما شأن فلان أي ما حاله ، قال الأخفش : وتقول ما شأنت شأنه أي ما عملت عمله ، وفيه وجهان : قال ابن عباس : وما تكون يا محمد في شأن يريد من أعمال البر وقال الحسن : في شأن من شأن الدنيا وحوائجك فيها . والثاني : منهما قوله تعالى : { وما تكون فى شأن وما } واختلفوا في أن الضمير في قوله : { منه } إلى ماذا يعود ؟ وذكروا فيه ثلاثة أوجه : الأول : أنه راجع إلى الشأن لأن تلاوة القرآن شأن من شأن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، بل هو معظم / شأنه ، وعلى هذا التقدير ، فكان هذا داخلا تحت قوله : { وما تكون فى شأن } إلا أنه خصه بالذكر تنبيها على علو مرتبته ، كما في قوله تعالى : { وملئكته ورسله وجبريل وميكال } ( البقرة : 98 ) وكما في قوله : { وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح وإبراهيم } ( الأحزاب : 7 ) والثاني : أن هذا الضمير عائد إلى القرآن والتقدير : وما تتلو من القرآن من قرآن ، وذلك لأن كما أن القرآن اسم للمجموع ، فكذلك هو اسم لكل جزء من أجزاء القرآن والإضمار قبل الذكر ، يدل على التعظيم . الثالث : أن يكون التقدير : وما تتلو من قرآن من الله أي نازل من عند الله . وأقول : قوله : { وما تكون فى شأن وما تتلوا منه من قرءان } أمران مخصوصان بالرسول صلى الله عليه وسلم . وأما قوله : { ولا تعملون من عمل } فهذا خطاب مع النبي ومع جميع الأمة . والسبب في أن خص الرسول بالخطاب أولا ، ثم عمم الخطاب مع الكل ، هو أن قوله : { وما تكون فى شأن وما تتلوا منه من قرءان } وإن كان بحسب الظاهر خطابا مختصا بالرسول ، إلا أن الأمة داخلون فيه ومرادون منه ، لأنه من المعلوم أنه إذا خوطب رئيس القوم كان القوم داخلين في ذلك الخطاب . والدليل عليه قوله تعالى : { الحكيم يأيها النبى إذا طلقتم النساء } ( الطلاق : 1 ) ثم إنه تعالى بعد أن خص الرسول بذينك الخطابين عمم الكل بالخطاب الثالث فقال : { ولا تعملون من عمل } فدل ذلك على كونهم داخلين في الخطابين الأولين . ثم قال تعالى : { إلا كنا عليكم شهودا } وذلك لأن الله تعالى شاهد على كل شيء ، وعالم بكل شيء ، أما على أصول أهل السنة والجماعة ، فالأمر فيه ظاهر ، لأنه لا محدث ولا خالق ولا موجد إلا الله تعالى . فكل ما يدخل في الوجود من أفعال العباد وأعمالهم الظاهرة والباطنة ، فكلها حصلت بإيجاد الله تعالى وإحداثه . والموجد للشيء لا بد وأن يكون عالما به ، فوجب كونه تعالى عالما بكل المعلومات ، وأما على أصول المعتزلة ، فقد قالوا : إنه تعالى حي وكل من كان حيا ، فإنه يصح أن يعلم كل واحد من المعلومات ، والموجب لتلك العالمية ، هو ذاته سبحانه . فنسبة ذاته إلى اقتضاء حصول العالمية ببعض المعلومات كنسبة ذاته إلى اقتضاء حصول العالمية بسائر المعلومات ، فلما اقتضت ذاته حصول العالمية ببعض المعلومات وجب أن تقتضي حصول العالمية بجميع المعلومات فثبت كونه تعالى عالما بجميع المعلومات .

Türkçe Tercümesi (Ehl-i Sünnet)

المسألة الثانية : اعلم أنه تعالى خصص الرسول في أول هذه الآية بالخطاب في أمرين ، ثم أتبع ذلك بتعميم الخطاب مع كل المكلفين في شيء واحد ، أما الأمران المخصوصان بالرسول عليه الصلاة والسلام . فالأول : منهما قوله : { وما تكون فى شأن } واعلم أن { ما } ههنا جحد والشأن الخطب والجمع الشؤن ، تقول العرب ما شأن فلان أي ما حاله ، قال الأخفش : وتقول ما شأنت شأنه أي ما عملت عمله ، وفيه وجهان : قال ابن عباس : وما تكون يا محمد في شأن يريد من أعمال البر وقال الحسن : في شأن من شأن الدنيا وحوائجك فيها . والثاني : منهما قوله تعالى : { وما تكون فى شأن وما } واختلفوا في أن الضمير في قوله : { منه } إلى ماذا يعود ؟ وذكروا فيه ثلاثة أوجه : الأول : أنه راجع إلى الشأن لأن تلاوة القرآن شأن من شأن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، بل هو معظم / شأنه ، وعلى هذا التقدير ، فكان هذا داخلا تحت قوله : { وما تكون فى شأن } إلا أنه خصه بالذكر تنبيها على علو مرتبته ، كما في قوله تعالى : { وملئكته ورسله وجبريل وميكال } ( البقرة : 98 ) وكما في قوله : { وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح وإبراهيم } ( الأحزاب : 7 ) والثاني : أن هذا الضمير عائد إلى القرآن والتقدير : وما تتلو من القرآن من قرآن ، وذلك لأن كما أن القرآن اسم للمجموع ، فكذلك هو اسم لكل جزء من أجزاء القرآن والإضمار قبل الذكر ، يدل على التعظيم . الثالث : أن يكون التقدير : وما تتلو من قرآن من الله أي نازل من عند الله . وأقول : قوله : { وما تكون فى شأن وما تتلوا منه من قرءان } أمران مخصوصان بالرسول صلى الله عليه وسلم . وأما قوله : { ولا تعملون من عمل } فهذا خطاب مع النبي ومع جميع الأمة . والسبب في أن خص الرسول بالخطاب أولا ، ثم عمم الخطاب مع الكل ، هو أن قوله : { وما تكون فى شأن وما تتلوا منه من قرءان } وإن كان بحسب الظاهر خطابا مختصا بالرسول ، إلا أن الأمة داخلون فيه ومرادون منه ، لأنه من المعلوم أنه إذا خوطب رئيس القوم كان القوم داخلين في ذلك الخطاب . والدليل عليه قوله تعالى : { الحكيم يأيها النبى إذا طلقتم النساء } ( الطلاق : 1 ) ثم إنه تعالى بعد أن خص الرسول بذينك الخطابين عمم الكل بالخطاب الثالث فقال : { ولا تعملون من عمل } فدل ذلك على كونهم داخلين في الخطابين الأولين . ثم قال تعالى : { إلا كنا عليكم شهودا } وذلك لأن الله تعالى شاهد على كل شيء ، وعالم بكل شيء ، أما على أصول أهل السنة والجماعة ، فالأمر فيه ظاهر ، لأنه لا محدث ولا خالق ولا موجد إلا الله تعالى . فكل ما يدخل في الوجود من أفعال العباد وأعمالهم الظاهرة والباطنة ، فكلها حصلت بإيجاد الله تعالى وإحداثه . والموجد للشيء لا بد وأن يكون عالما به ، فوجب كونه تعالى عالما بكل المعلومات ، وأما على أصول المعتزلة ، فقد قالوا : إنه تعالى حي وكل من كان حيا ، فإنه يصح أن يعلم كل واحد من المعلومات ، والموجب لتلك العالمية ، هو ذاته سبحانه . فنسبة ذاته إلى اقتضاء حصول العالمية ببعض المعلومات كنسبة ذاته إلى اقتضاء حصول العالمية بسائر المعلومات ، فلما اقتضت ذاته حصول العالمية ببعض المعلومات وجب أن تقتضي حصول العالمية بجميع المعلومات فثبت كونه تعالى عالما بجميع المعلومات .

Bölüm V17/P098–V17/P099Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb (s. V17/P098–V17/P099)
Orijinal Metin (AR)

أما قوله تعالى : { إذ للعالمين فيه } فاعلم أن الإفاضة ههنا الدخول في العمل على جهة الانصباب إليه وهو الانبساط في العمل ، يقال أفاض القوم في الحديث إذا اندفعوا فيه ، وقد أفاضوا من عرفة إذا دفعوا منه بكثرتهم ، فتفرقوا . فإن قيل : { إذ } ههنا بمعنى حين ، فيصير تقدير الكلام إلا كنا عليكم شهودا حين تفيضون فيه ، / وشهادة الله تعالى عبارة عن علمه ، فيلزم منه أن يقال إنه تعالى ما علم الأشياء إلا عند وجودها وذلك باطل . قلنا : هذا السؤال بناء على أن شهادة الله تعالى عبادة عن علمه ، وهذا ممنوع ، فإن الشهادة لا تكون إلا عند وجود المشهود عليه ، وأما العلم ، فلا يمتنع تقدمه على الشيء ، والدليل عليه أن الرسول عليه السلام ، لو أخبرنا عن زيد أنه يأكل غدا كنا من قبل حصول تلك الحالة عالمين بها ولا نوصف بكوننا شاهدين لها . واعلم أن حاصل هذه الكلمات أنه لا يخرج عن علم الله شيء ، ثم إنه تعالى أكد هذا الكلام زيادة تأكيد ، فقال : { وما يعزب عن ربك من مثقال ذرة في الارض ولا فى السماء ولا أصغر من ذالك ولا أكبر إلا } وفيه مسائل : المسألة الأولى : أصل العزوب من البعد . يقال : كلأ عازب إذا كان بعيد المطلب ، وعزب الرجل بإبله إذا أرسلها إلى موضع بعيد من المنزل ، والرجل سمي عزبا لبعده عن الأهل ، وعزب الشيء عن علمي إذا بعد . المسألة الثانية : قرأ الكسائي { وما يعزب } بكسر الزاي ، والباقون بالضم ، وفيه لغتان : عزب يعزب ، وعزب يعزب . المسألة الثالثة : قوله : { من مثقال ذرة } أي وزن ذرة ، ومثقال الشيء ما يساويه في الثقل ، والمعنى : ما يساوي ذرة والذر صغار النمل واحدها ذرة ، وهي تكون خفيفة الوزن جدا ، وقوله : { في الارض ولا فى السماء } فالمعنى ظاهر . فإن قيل : لم قدم الله ذكر الأرض ههنا على ذكر السماء مع أنه تعالى قال في سورة سبأ : { عالم الغيب لا يعزب عنه مثقال ذرة فى السماوات ولا فى الارض } ( سبأ : 3 ) . قلنا : حق السماء أن تقدم على الأرض إلا أنه تعالى لما ذكر في هذه الآية شهادته على أحوال أهل الأرض وأعمالهم ، ثم وصل ذلك قوله لا يعزب عنه ، ناسب أن تقدم الأرض على السماء في هذا الموضع . ثم قال : { ولا أصغر من ذالك ولا أكبر } وفيه قراءتان قرأ حمزة { ولا أصغر ولا أكبر } بالرفع فيهما ، والباقون بالنصب . واعلم أن قوله : { وما يعزب عن ربك من مثقال ذرة } تقديره وما يعزب عن ربك مثقال ذرة فلفظ { مثقال } عند دخول كلمة { من } عليه مجرور بحسب الظاهر ، ولكنه مرفوع في المعنى / فالمعطوف عليه إن عطف على الظاهر كان مجرورا إلا أن لفظ أصغر وأكبر غير منصرف ، فكان مفتوحا / وإن عطف على المحل ، وجب كونه مرفوعا ، ونظيره قوله ما أتاني من أحد عاقل وعاقل ، وكذا قوله : { مالكم من إلاه غيره } ( الأعراف : 59 ) وغيره وقال الشاعر : فلسنا بالجبال ولا الحديدا هذا ما ذكره النحويون ، قال صاحب ( الكشاف ) : لو صح هذا العطف لصار تقدير هذه الآية وما يعزب عنه شيء في الأرض ولا في السماء إلا في كتاب : وحينئذ يلزم أن يكون الشيء الذي في الكتاب خارجا عن علم الله تعالى وأنه باطل . وأجاب بعض المحققين عنه بوجهين : الوجه الأول : أنا بينا أن العزوب عبارة عن مطلق البعد .

Türkçe Tercümesi (Ehl-i Sünnet)

أما قوله تعالى : { إذ للعالمين فيه } فاعلم أن الإفاضة ههنا الدخول في العمل على جهة الانصباب إليه وهو الانبساط في العمل ، يقال أفاض القوم في الحديث إذا اندفعوا فيه ، وقد أفاضوا من عرفة إذا دفعوا منه بكثرتهم ، فتفرقوا . فإن قيل : { إذ } ههنا بمعنى حين ، فيصير تقدير الكلام إلا كنا عليكم شهودا حين تفيضون فيه ، / وشهادة الله تعالى عبارة عن علمه ، فيلزم منه أن يقال إنه تعالى ما علم الأشياء إلا عند وجودها وذلك باطل . قلنا : هذا السؤال بناء على أن شهادة الله تعالى عبادة عن علمه ، وهذا ممنوع ، فإن الشهادة لا تكون إلا عند وجود المشهود عليه ، وأما العلم ، فلا يمتنع تقدمه على الشيء ، والدليل عليه أن الرسول عليه السلام ، لو أخبرنا عن زيد أنه يأكل غدا كنا من قبل حصول تلك الحالة عالمين بها ولا نوصف بكوننا شاهدين لها . واعلم أن حاصل هذه الكلمات أنه لا يخرج عن علم الله شيء ، ثم إنه تعالى أكد هذا الكلام زيادة تأكيد ، فقال : { وما يعزب عن ربك من مثقال ذرة في الارض ولا فى السماء ولا أصغر من ذالك ولا أكبر إلا } وفيه مسائل : المسألة الأولى : أصل العزوب من البعد . يقال : كلأ عازب إذا كان بعيد المطلب ، وعزب الرجل بإبله إذا أرسلها إلى موضع بعيد من المنزل ، والرجل سمي عزبا لبعده عن الأهل ، وعزب الشيء عن علمي إذا بعد . المسألة الثانية : قرأ الكسائي { وما يعزب } بكسر الزاي ، والباقون بالضم ، وفيه لغتان : عزب يعزب ، وعزب يعزب . المسألة الثالثة : قوله : { من مثقال ذرة } أي وزن ذرة ، ومثقال الشيء ما يساويه في الثقل ، والمعنى : ما يساوي ذرة والذر صغار النمل واحدها ذرة ، وهي تكون خفيفة الوزن جدا ، وقوله : { في الارض ولا فى السماء } فالمعنى ظاهر . فإن قيل : لم قدم الله ذكر الأرض ههنا على ذكر السماء مع أنه تعالى قال في سورة سبأ : { عالم الغيب لا يعزب عنه مثقال ذرة فى السماوات ولا فى الارض } ( سبأ : 3 ) . قلنا : حق السماء أن تقدم على الأرض إلا أنه تعالى لما ذكر في هذه الآية شهادته على أحوال أهل الأرض وأعمالهم ، ثم وصل ذلك قوله لا يعزب عنه ، ناسب أن تقدم الأرض على السماء في هذا الموضع . ثم قال : { ولا أصغر من ذالك ولا أكبر } وفيه قراءتان قرأ حمزة { ولا أصغر ولا أكبر } بالرفع فيهما ، والباقون بالنصب . واعلم أن قوله : { وما يعزب عن ربك من مثقال ذرة } تقديره وما يعزب عن ربك مثقال ذرة فلفظ { مثقال } عند دخول كلمة { من } عليه مجرور بحسب الظاهر ، ولكنه مرفوع في المعنى / فالمعطوف عليه إن عطف على الظاهر كان مجرورا إلا أن لفظ أصغر وأكبر غير منصرف ، فكان مفتوحا / وإن عطف على المحل ، وجب كونه مرفوعا ، ونظيره قوله ما أتاني من أحد عاقل وعاقل ، وكذا قوله : { مالكم من إلاه غيره } ( الأعراف : 59 ) وغيره وقال الشاعر : فلسنا بالجبال ولا الحديدا هذا ما ذكره النحويون ، قال صاحب ( الكشاف ) : لو صح هذا العطف لصار تقدير هذه الآية وما يعزب عنه شيء في الأرض ولا في السماء إلا في كتاب : وحينئذ يلزم أن يكون الشيء الذي في الكتاب خارجا عن علم الله تعالى وأنه باطل . وأجاب بعض المحققين عنه بوجهين : الوجه الأول : أنا بينا أن العزوب عبارة عن مطلق البعد .

Bölüm V17/P099–V17/P100Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb (s. V17/P099–V17/P100)
Orijinal Metin (AR)

وإذا ثبت هذا فنقول : الأشياء المخلوقة على قسمين : قسم أوجده الله تعالى ابتداء من غير واسطة كالملائكة والسموات والأرض ، وقسم آخر أوجده الله بواسطة القسم الأول ، مثل : الحوادث الحادثة في عالم الكون والفساد ، ولا شك أن هذا القسم الثاني قد يتباعد في سلسلة العلية والمعلولية عن مرتبة وجود واجب الوجود فقوله : { وما يعزب عنه مثقال ذرة فى الارض ولا فى السماء ولا أصغر من ذالك ولا أكبر إلا فى كتاب مبين } أي لا يبعد عن مرتبة وجوده مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء إلا وهو في كتاب مبين وهو كتاب كتبه الله تعالى وأثبت صور تلك المعلومات فيه ، ومتى كان الأمر كذلك فقد كان عالما بها محيطا بأحوالها ، والغرض منه الرد على من يقول : إنه تعالى غير عالم بالجزئيات ، وهو المراد من قوله : { إنا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون } ( الجاثية : 29 ) . والوجه الثاني : في الجواب أن نجعل كلمة { إلا } في قوله : { إلا فى كتاب مبين } استثناء منقطعا لكن بمعنى هو في كتاب مبين ، وذكر أبو علي الجرجاني صاحب ( النظم ) عنه جوابا آخر فقال : قوله : { وما يعزب عن ربك من مثقال ذرة في الارض ولا فى السماء ولا أصغر من ذالك ولا أكبر } ههنا تم الكلام وانقطع ثم وقع الابتداء بكلام آخر ، وهو قوله : { إلا فى كتاب مبين } أي وهو أيضا في كتاب مبين . قال : والعرب تضع ( إلا ) موضع ( واو النسق ) كثيرا على معنى الابتداء ، كقوله تعالى : { لا يخاف لدى المرسلون إلا من ظلم } ( النمل : 10 ) يعني ومن ظلم . وقوله : { لئلا يكون للناس عليكم حجة إلا الذين ظلموا } ( البقرة : 150 ) يعني والذين ظلموا ، وهذا الوجه في غاية التعسف . وأجاب صاحب ( الكشاف ) : بوجه رابع فقال : الإشكال إنما جاء إذا عطفنا قوله : { ولا أصغر من ذالك ولا أكبر } على قوله : { من مثقال ذرة في الارض ولا فى السماء } إما بحسب الظاهر أو بحسب المحل ، لكنا لا نقول ذلك ، بل نقول : الوجه في القراءة بالنصب في قوله : { ولا أصغر من ذالك } الحمل / على نفي الجنس وفي القراءة بالرفع الحمل على الابتداء ، وخبره قوله : { فى كتاب مبين } وهذا الوجه اختيار الزجاج . ! 7 < { ألاإن أوليآء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون الذين ءامنوا وكانوا يتقون لهم البشرى في الحيواة الدنيا وفى الا خرة لا تبديل لكلمات الله ذالك هو الفوز العظيم } . > 7 < يونس : ( 62 - 64 ) ألا إن أولياء . . . . . > > اعلم أنا بينا أن قوله تعالى : { وما تكون فى شأن وما تتلوا منه من قرءان } ( يونس : 61 ) مما يقوي قلوب المطيعين ، ومما يكسر قلوب الفاسقين فأتبعه الله تعالى بشرح أحوال المخلصين الصادقين الصديقين وهو المذكور في هذه الآية . وفيه مسائل :

Türkçe Tercümesi (Ehl-i Sünnet)

وإذا ثبت هذا فنقول : الأشياء المخلوقة على قسمين : قسم أوجده الله تعالى ابتداء من غير واسطة كالملائكة والسموات والأرض ، وقسم آخر أوجده الله بواسطة القسم الأول ، مثل : الحوادث الحادثة في عالم الكون والفساد ، ولا شك أن هذا القسم الثاني قد يتباعد في سلسلة العلية والمعلولية عن مرتبة وجود واجب الوجود فقوله : { وما يعزب عنه مثقال ذرة فى الارض ولا فى السماء ولا أصغر من ذالك ولا أكبر إلا فى كتاب مبين } أي لا يبعد عن مرتبة وجوده مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء إلا وهو في كتاب مبين وهو كتاب كتبه الله تعالى وأثبت صور تلك المعلومات فيه ، ومتى كان الأمر كذلك فقد كان عالما بها محيطا بأحوالها ، والغرض منه الرد على من يقول : إنه تعالى غير عالم بالجزئيات ، وهو المراد من قوله : { إنا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون } ( الجاثية : 29 ) . والوجه الثاني : في الجواب أن نجعل كلمة { إلا } في قوله : { إلا فى كتاب مبين } استثناء منقطعا لكن بمعنى هو في كتاب مبين ، وذكر أبو علي الجرجاني صاحب ( النظم ) عنه جوابا آخر فقال : قوله : { وما يعزب عن ربك من مثقال ذرة في الارض ولا فى السماء ولا أصغر من ذالك ولا أكبر } ههنا تم الكلام وانقطع ثم وقع الابتداء بكلام آخر ، وهو قوله : { إلا فى كتاب مبين } أي وهو أيضا في كتاب مبين . قال : والعرب تضع ( إلا ) موضع ( واو النسق ) كثيرا على معنى الابتداء ، كقوله تعالى : { لا يخاف لدى المرسلون إلا من ظلم } ( النمل : 10 ) يعني ومن ظلم . وقوله : { لئلا يكون للناس عليكم حجة إلا الذين ظلموا } ( البقرة : 150 ) يعني والذين ظلموا ، وهذا الوجه في غاية التعسف . وأجاب صاحب ( الكشاف ) : بوجه رابع فقال : الإشكال إنما جاء إذا عطفنا قوله : { ولا أصغر من ذالك ولا أكبر } على قوله : { من مثقال ذرة في الارض ولا فى السماء } إما بحسب الظاهر أو بحسب المحل ، لكنا لا نقول ذلك ، بل نقول : الوجه في القراءة بالنصب في قوله : { ولا أصغر من ذالك } الحمل / على نفي الجنس وفي القراءة بالرفع الحمل على الابتداء ، وخبره قوله : { فى كتاب مبين } وهذا الوجه اختيار الزجاج . ! 7 < { ألاإن أوليآء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون الذين ءامنوا وكانوا يتقون لهم البشرى في الحيواة الدنيا وفى الا خرة لا تبديل لكلمات الله ذالك هو الفوز العظيم } . > 7 < يونس : ( 62 - 64 ) ألا إن أولياء . . . . . > > اعلم أنا بينا أن قوله تعالى : { وما تكون فى شأن وما تتلوا منه من قرءان } ( يونس : 61 ) مما يقوي قلوب المطيعين ، ومما يكسر قلوب الفاسقين فأتبعه الله تعالى بشرح أحوال المخلصين الصادقين الصديقين وهو المذكور في هذه الآية . وفيه مسائل :

Bölüm V17/P100–V17/P101Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb (s. V17/P100–V17/P101)
Orijinal Metin (AR)

المسألة الأولى : اعلم أنا نحتاج في تفسير هذه الآية إلى أن نبين أن الولي من هو ؟ ثم نبين تفسير نفي الخوف والحزن عنه . فنقول : أما إن الوحي من هو ؟ فيدل عليه القرآن والخبر والأثر والمعقول . أما القرآن ، فهو قوله في هذه الآية : { الذين ءامنوا وكانوا يتقون } فقوله : { ءامنوا } إشارة إلى كمال حال القوة النظرية وقوله : { وكانوا يتقون } إشارة إلى كمال حال القوة العملية . وفيه قيام آخر ، وهو أن يحمل الإيمان على مجموع الإعتقاد والعمل ، ثم نصف الولي بأنه كان متقيا في الكل . أما التقوى في موقف العلم فلأن جلال الله أعلى من أن يحيط به عقل البشر ، فالصديق إذا وصف الله سبحانه بصفة من صفات الجلال ، فهو يقدس الله عن أن يكون كماله وجلاله مقتصرا على ذلك المقدار الذي عرفه ووصفه به ، وإذا عبد الله تعالى فهو يقدس الله تعالى عن أن تكون الخدمة اللائقة بكبريائه متقدرة بذلك المقدار فثبت أنه أبدا يكون في مقام الخوف والتقوى . وأما الأخبار فكثيرة روى عمر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( هم قوم تحابوا في الله على غير أرحام بينهم ولا أموال يتعاطونها ، فوالله إن وجوههم لنور ، وإنهم لعلى منابر من نور لا يخافون إذا خاف الناس ، ولا يحزنون إذا حزن الناس ) ثم قرأ هذه الآية ، وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( هم الذين يذكر الله تعالى برؤيتهم ) قال أهل التحقيق : السبب فيه أن مشاهدتهم تذكر أمر الآخرة لما يشاهد فيهم من آيات الخشوع والخضوع ، ولما ذكر الله تعالى سبحانه في قوله : { سيماهم فى وجوههم من أثر السجود } ( الفتح : 29 ) وأما الأثر ، فقال أبو بكر الأصم : أولياء الله هم الذين تولى الله تعالى هدايتهم بالبرهان وتولوا القيام بحق عبودية الله تعالى والدعوة إليه ، وأما المعقول فنقول : ظهر في علم الاشتقاق أن تركيب الواو واللام والياء يدل على معنى القرب ، فولى كل شيء هو الذي يكون قريبا منه ، والقرب من الله تعالى بالمكان والجهة محال ، فالقرب منه إنما يكون إذا كان القلب مستغرقا في نور معرفة الله تعالى سبحانه ، فإن رأى رأى دلائل قدرة الله ، وإن سمع سمع آيات الله وإن نطق نطق بالثناء على الله ، وإن تحرك تحرك تحرك في خدمة الله ، وإن اجتهد اجتهد في طاعة الله ، فهنالك يكون في غاية القرب من الله ، فهذا الشخص يكون وليا لله تعالى ، وإذا كان كذلك كان الله تعالى وليا له أيضا كما قال الله تعالى : { الله ولي الذين ءامنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور } ( البقرة : 257 ) ويجب أن يكون الأمر كذلك ، لأن القرب لا يحصل إلا من الجانبين . وقال المتكلمون : ولي الله من يكون آتيا بالاعتقاد الصحيح المبني على الدليل ويكون آتيا بالأعمال الصالحة على وفق ما وردت به الشريعة ، فهذا كلام مختصر في تفسير الولي . وأما قوله تعالى في صفتهم : { لا خوف عليهم ولا هم يحزنون } ففيه بحثان : البحث الأول : أن الخوف إنما يكون في المستقبل بمعنى أنه يخاف حدوث شيء في المستقبل من المخوف ، والحزن إنما يكون على الماضي إما لأجل أنه كان قد حصل في الماضي ما كرهه أو لأنه فات شيء أحبه .

Türkçe Tercümesi (Ehl-i Sünnet)

المسألة الأولى : اعلم أنا نحتاج في تفسير هذه الآية إلى أن نبين أن الولي من هو ؟ ثم نبين تفسير نفي الخوف والحزن عنه . فنقول : أما إن الوحي من هو ؟ فيدل عليه القرآن والخبر والأثر والمعقول . أما القرآن ، فهو قوله في هذه الآية : { الذين ءامنوا وكانوا يتقون } فقوله : { ءامنوا } إشارة إلى كمال حال القوة النظرية وقوله : { وكانوا يتقون } إشارة إلى كمال حال القوة العملية . وفيه قيام آخر ، وهو أن يحمل الإيمان على مجموع الإعتقاد والعمل ، ثم نصف الولي بأنه كان متقيا في الكل . أما التقوى في موقف العلم فلأن جلال الله أعلى من أن يحيط به عقل البشر ، فالصديق إذا وصف الله سبحانه بصفة من صفات الجلال ، فهو يقدس الله عن أن يكون كماله وجلاله مقتصرا على ذلك المقدار الذي عرفه ووصفه به ، وإذا عبد الله تعالى فهو يقدس الله تعالى عن أن تكون الخدمة اللائقة بكبريائه متقدرة بذلك المقدار فثبت أنه أبدا يكون في مقام الخوف والتقوى . وأما الأخبار فكثيرة روى عمر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( هم قوم تحابوا في الله على غير أرحام بينهم ولا أموال يتعاطونها ، فوالله إن وجوههم لنور ، وإنهم لعلى منابر من نور لا يخافون إذا خاف الناس ، ولا يحزنون إذا حزن الناس ) ثم قرأ هذه الآية ، وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( هم الذين يذكر الله تعالى برؤيتهم ) قال أهل التحقيق : السبب فيه أن مشاهدتهم تذكر أمر الآخرة لما يشاهد فيهم من آيات الخشوع والخضوع ، ولما ذكر الله تعالى سبحانه في قوله : { سيماهم فى وجوههم من أثر السجود } ( الفتح : 29 ) وأما الأثر ، فقال أبو بكر الأصم : أولياء الله هم الذين تولى الله تعالى هدايتهم بالبرهان وتولوا القيام بحق عبودية الله تعالى والدعوة إليه ، وأما المعقول فنقول : ظهر في علم الاشتقاق أن تركيب الواو واللام والياء يدل على معنى القرب ، فولى كل شيء هو الذي يكون قريبا منه ، والقرب من الله تعالى بالمكان والجهة محال ، فالقرب منه إنما يكون إذا كان القلب مستغرقا في نور معرفة الله تعالى سبحانه ، فإن رأى رأى دلائل قدرة الله ، وإن سمع سمع آيات الله وإن نطق نطق بالثناء على الله ، وإن تحرك تحرك تحرك في خدمة الله ، وإن اجتهد اجتهد في طاعة الله ، فهنالك يكون في غاية القرب من الله ، فهذا الشخص يكون وليا لله تعالى ، وإذا كان كذلك كان الله تعالى وليا له أيضا كما قال الله تعالى : { الله ولي الذين ءامنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور } ( البقرة : 257 ) ويجب أن يكون الأمر كذلك ، لأن القرب لا يحصل إلا من الجانبين . وقال المتكلمون : ولي الله من يكون آتيا بالاعتقاد الصحيح المبني على الدليل ويكون آتيا بالأعمال الصالحة على وفق ما وردت به الشريعة ، فهذا كلام مختصر في تفسير الولي . وأما قوله تعالى في صفتهم : { لا خوف عليهم ولا هم يحزنون } ففيه بحثان : البحث الأول : أن الخوف إنما يكون في المستقبل بمعنى أنه يخاف حدوث شيء في المستقبل من المخوف ، والحزن إنما يكون على الماضي إما لأجل أنه كان قد حصل في الماضي ما كرهه أو لأنه فات شيء أحبه .

Bölüm V17/P101–V17/P102Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb (s. V17/P101–V17/P102)
Orijinal Metin (AR)

البحث الثاني : قال بعض المحققين : إن نفي الحزن والخوف إما أن يحصل للأولياء حال كونهم في الدنيا أو حال انتقالهم إلى الآخرة والأول باطل لوجوه : أحدها : أن هذا لا يحصل في دار الدنيا لأنها دار خوف وحزن والمؤمن خصوصا لا يخلو من ذلك على ما قاله الرسول عليه الصلاة والسلام : ( الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر ) وعلى ما قال : ( حفت الجنة بالمكاره وحفت النار بالشهوات ) وثانيها : أن المؤمن ، وإن صفا عيشه في الدنيا ، فإنه لا يخلو من هم بأمر الآخرة شديد ، وحزن على ما يفوته من القيام بطاعة الله تعالى ، وإذا بطل هذا القسم وجب حمل قوله تعالى : { لا خوف عليهم ولا هم يحزنون } على أمر الآخرة ، فهذا كلام محقق ، وقال بعض العارفين : إن الولاية عبارة عن القرب ، فولى الله تعالى هو الذي يكون في غاية القرب من الله تعالى ، وهذا التقرير قد فسرناه باستغراقه في معرفة الله تعالى بحيث لا يخطر بباله في تلك اللحظة شيء مما سوى الله ، ففي هذه الساعة تحصل الولاية التامة ، ومتى كانت هذه الحالة حاصلة فإن صاحبها لا يخاف شيئا ، ولا يحزن بسبب شيء ، وكيف يعقل ذلك والخوف من الشيء والحزن على الشيء لا يحصل إلا بعد الشعور به ، والمستغرق في نور جلال الله غافل عن كل ما سوى الله تعالى ، فيمتنع أن يكون له خوف أو حزن ؟ / وهذه درجة عالية ، ومن لم يذقها لم يعرفها ، ثم إن صاحب هذه الحالة قد تزول عنه الحالة ، وحينئذ يحصل له الخوف والحزن والرجاء والرغبة والرهبة بسبب الأحوال الجسمانية ، كما يحصل لغيره ، وسمعت أن إبراهيم الخواص كان بالبادية ومعه واحد يصحبه ، فاتفق في بعض الليالي ظهور حالة قوية وكشف تام له ، فجلس في موضعه وجاءت السباع ووقفوا بالقرب منه ، والمريد تسلق على رأس شجرة خوفا منها والشيخ ما كان فازعا من تلك السباع ، فلما أصبح وزالت تلك الحالة ففي الليلة الثانية وقعت بعوضة على يده فأظهر الجزع من تلك البعوضة ، فقال المريد : كيف تليق هذه الحالة بما قبلها ؟ فقال الشيخ : إنا إنما تحملنا البارحة ما تحملناه بسبب قوة الوارد الغيبي ، فلما غاب ذلك الوارد فأنا أضعف خلق الله تعالى . المسألة الثانية : قال أكثر المحققين : إن أهل الثواب لا يحصل لهم خوف في محقل القيامة واحتجوا على صحة قولهم بقوله تعالى : { ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون } وبقوله تعالى : { لا يحزنهم الفزع الاكبر وتتلقاهم الملئكة } ( الأنبياء : 103 ) وأيضا فالقيامة دار الجزاء فلا يليق به إيصال الخوف ومنهم من قال : بل يحصل فيه أنواع من الخوف ، وذكروا فيه أخبارا تدل عليه إلا أن ظاهر القرآن أولى من خبر الواحد . وأما قوله : { الذين ءامنوا وكانوا يتقون } ففيه ثلاثة أوجه : الأول : النصب بكونه صفة للأولياء . والثاني : النصب على المدح . والثالث : الرفع على الابتداء وخبره لهم البشرى .

Türkçe Tercümesi (Ehl-i Sünnet)

البحث الثاني : قال بعض المحققين : إن نفي الحزن والخوف إما أن يحصل للأولياء حال كونهم في الدنيا أو حال انتقالهم إلى الآخرة والأول باطل لوجوه : أحدها : أن هذا لا يحصل في دار الدنيا لأنها دار خوف وحزن والمؤمن خصوصا لا يخلو من ذلك على ما قاله الرسول عليه الصلاة والسلام : ( الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر ) وعلى ما قال : ( حفت الجنة بالمكاره وحفت النار بالشهوات ) وثانيها : أن المؤمن ، وإن صفا عيشه في الدنيا ، فإنه لا يخلو من هم بأمر الآخرة شديد ، وحزن على ما يفوته من القيام بطاعة الله تعالى ، وإذا بطل هذا القسم وجب حمل قوله تعالى : { لا خوف عليهم ولا هم يحزنون } على أمر الآخرة ، فهذا كلام محقق ، وقال بعض العارفين : إن الولاية عبارة عن القرب ، فولى الله تعالى هو الذي يكون في غاية القرب من الله تعالى ، وهذا التقرير قد فسرناه باستغراقه في معرفة الله تعالى بحيث لا يخطر بباله في تلك اللحظة شيء مما سوى الله ، ففي هذه الساعة تحصل الولاية التامة ، ومتى كانت هذه الحالة حاصلة فإن صاحبها لا يخاف شيئا ، ولا يحزن بسبب شيء ، وكيف يعقل ذلك والخوف من الشيء والحزن على الشيء لا يحصل إلا بعد الشعور به ، والمستغرق في نور جلال الله غافل عن كل ما سوى الله تعالى ، فيمتنع أن يكون له خوف أو حزن ؟ / وهذه درجة عالية ، ومن لم يذقها لم يعرفها ، ثم إن صاحب هذه الحالة قد تزول عنه الحالة ، وحينئذ يحصل له الخوف والحزن والرجاء والرغبة والرهبة بسبب الأحوال الجسمانية ، كما يحصل لغيره ، وسمعت أن إبراهيم الخواص كان بالبادية ومعه واحد يصحبه ، فاتفق في بعض الليالي ظهور حالة قوية وكشف تام له ، فجلس في موضعه وجاءت السباع ووقفوا بالقرب منه ، والمريد تسلق على رأس شجرة خوفا منها والشيخ ما كان فازعا من تلك السباع ، فلما أصبح وزالت تلك الحالة ففي الليلة الثانية وقعت بعوضة على يده فأظهر الجزع من تلك البعوضة ، فقال المريد : كيف تليق هذه الحالة بما قبلها ؟ فقال الشيخ : إنا إنما تحملنا البارحة ما تحملناه بسبب قوة الوارد الغيبي ، فلما غاب ذلك الوارد فأنا أضعف خلق الله تعالى . المسألة الثانية : قال أكثر المحققين : إن أهل الثواب لا يحصل لهم خوف في محقل القيامة واحتجوا على صحة قولهم بقوله تعالى : { ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون } وبقوله تعالى : { لا يحزنهم الفزع الاكبر وتتلقاهم الملئكة } ( الأنبياء : 103 ) وأيضا فالقيامة دار الجزاء فلا يليق به إيصال الخوف ومنهم من قال : بل يحصل فيه أنواع من الخوف ، وذكروا فيه أخبارا تدل عليه إلا أن ظاهر القرآن أولى من خبر الواحد . وأما قوله : { الذين ءامنوا وكانوا يتقون } ففيه ثلاثة أوجه : الأول : النصب بكونه صفة للأولياء . والثاني : النصب على المدح . والثالث : الرفع على الابتداء وخبره لهم البشرى .

Bölüm V17/P102–V17/P103Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb (s. V17/P102–V17/P103)
Orijinal Metin (AR)

وأما قوله تعالى : { لهم البشرى في الحيواة الدنيا وفى الاخرة } ففيه أقوال : الأول : المراد منه الرؤيا الصالحة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم : أنه قال : ( البشرى هي الرؤيا الصالحة يراها المسلم أو ترى له ) وعنه عليه الصلاة والسلام : ( ذهبت النبوة وبقيت المبشرات ) وعنه عليه الصلاة والسلام : ( الرؤيا الصالحة من الله ، والحلم من الشيطان ، فإذا حلم أحدكم حلما يخافه فليتعوذ منه وليبصق عن شماله ثلاث مرات فإنه لا يضره ) وعنه صلى الله عليه وسلم : ( الرؤيا الصالحة جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة ) وعن ابن مسعود ، الرؤيا ثلاثة : الهم يهم به الرجل من النهار فيراه في الليل ، وحضور الشيطان ، والرؤيا التي هي الرؤيا الصادقة . وعن إبراهيم الرؤيا ثلاثة ، فالمبشرة من الله جزء من سبعين جزءا من النبوة والشيء يهم به أحدكم بالنهار فلعله يراه بالليل والتخويف من الشيطان ، فإذا رأى أحدكم ما يحزنه فليقل أعوذ بما عاذت به ملائكة الله من شر رؤياي التي رؤيتها أن تضرني في دنياي أو في آخرتي . واعلم أنا إذا حملنا قوله : { لهم البشرى } على الرؤيا الصادقة فظاهر هذا النص يقتضي أن لا تحصل هذه الحالة إلا لهم والعقل أيضا يدل عليه ، وذلك لأن ولي الله هو الذي يكون مستغرق القلب / والروح بذكر الله ، ومن كان كذلك فهو عند النوم لا يبقى في روحه إلا معرفة الله ، ومن المعلوم أن معرفة الله ونور جلال الله لا يفيده إلا الحق والصدق ، وأما من يكون متوزع الفكر على أحوال هذا العالم الكدر المظلم ، فإنه إذا نام يبقى كذلك ، فلا جرم لا اعتماد على رؤياه ، فلهذا السبب قال : { لهم البشرى في الحيواة الدنيا } على سبيل الحصر والتخصيص . القول الثاني : في تفسير البشرى ، أنها عبارة عن محبة الناس له وعن ذكرهم إياه بالثناء الحسن عن أبي ذر . قال ؟ قلت : يا رسول الله إن الرجل يعمل العمل لله ويحبه الناس . فقال : ( تلك عاجل بشرى المؤمن ) . واعلم أن المباحث العقلية تقوي هذا المعنى ، وذلك أن الكمال محبوب لذاته لا لغيره ، وكل من اتصف بصفة من صفات الكمال ، صار محبوبا لكل أحد ، ولا كمال للعبد أعلى وأشرف من كونه مستغرق القلب بمعرفة الله ، مستغرق اللسان بذكر الله ، مستغرق الجوارح والأعضاء بعبودية الله ، فإذا ظهر عليه أمر من هذا الباب ، صارت الألسنة جارية بمدحه ، والقلوب مجبولة على حبه ، وكلما كانت هذه الصفات الشريفة أكثر ، كانت هذه المحبة أقوى ، وأيضا فنور معرفة الله مخدوم بالذات ، ففي أي قلب حضر صار ذلك الإنسان مخدوما بالطبع ألا ترى أن البهائم والسباع قد تكون أقوى من الإنسان ، ثم إنها إذا شاهدت الإنسان هابته وفرت منه وما ذاك إلا لمهابة النفس الناطقة . والقول الثالث : في تفسير البشرى أنها عبارة عن حصول البشرى لهم عند الموت قال تعالى : { تتنزل عليهم الملئكة أن لا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة } ( فصلت : 30 ) وأما البشرى في الآخرة فسلام الملائكة عليهم كما قال تعالى : { والملائكة يدخلون عليهم من كل باب سلام عليكم } ( الرعد : 23 ) وسلام الله عليهم كما قال : { سلام قولا من رب رحيم } ( يس : 58 ) ويندرج في هذا الباب ما ذكره الله في هذا الكتاب الكريم من بياض وجوههم وإعطاء الصحائف بأيمانهم وما يلقون فيها من الأحوال السارة فكل ذلك من المبشرات .

Türkçe Tercümesi (Ehl-i Sünnet)

وأما قوله تعالى : { لهم البشرى في الحيواة الدنيا وفى الاخرة } ففيه أقوال : الأول : المراد منه الرؤيا الصالحة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم : أنه قال : ( البشرى هي الرؤيا الصالحة يراها المسلم أو ترى له ) وعنه عليه الصلاة والسلام : ( ذهبت النبوة وبقيت المبشرات ) وعنه عليه الصلاة والسلام : ( الرؤيا الصالحة من الله ، والحلم من الشيطان ، فإذا حلم أحدكم حلما يخافه فليتعوذ منه وليبصق عن شماله ثلاث مرات فإنه لا يضره ) وعنه صلى الله عليه وسلم : ( الرؤيا الصالحة جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة ) وعن ابن مسعود ، الرؤيا ثلاثة : الهم يهم به الرجل من النهار فيراه في الليل ، وحضور الشيطان ، والرؤيا التي هي الرؤيا الصادقة . وعن إبراهيم الرؤيا ثلاثة ، فالمبشرة من الله جزء من سبعين جزءا من النبوة والشيء يهم به أحدكم بالنهار فلعله يراه بالليل والتخويف من الشيطان ، فإذا رأى أحدكم ما يحزنه فليقل أعوذ بما عاذت به ملائكة الله من شر رؤياي التي رؤيتها أن تضرني في دنياي أو في آخرتي . واعلم أنا إذا حملنا قوله : { لهم البشرى } على الرؤيا الصادقة فظاهر هذا النص يقتضي أن لا تحصل هذه الحالة إلا لهم والعقل أيضا يدل عليه ، وذلك لأن ولي الله هو الذي يكون مستغرق القلب / والروح بذكر الله ، ومن كان كذلك فهو عند النوم لا يبقى في روحه إلا معرفة الله ، ومن المعلوم أن معرفة الله ونور جلال الله لا يفيده إلا الحق والصدق ، وأما من يكون متوزع الفكر على أحوال هذا العالم الكدر المظلم ، فإنه إذا نام يبقى كذلك ، فلا جرم لا اعتماد على رؤياه ، فلهذا السبب قال : { لهم البشرى في الحيواة الدنيا } على سبيل الحصر والتخصيص . القول الثاني : في تفسير البشرى ، أنها عبارة عن محبة الناس له وعن ذكرهم إياه بالثناء الحسن عن أبي ذر . قال ؟ قلت : يا رسول الله إن الرجل يعمل العمل لله ويحبه الناس . فقال : ( تلك عاجل بشرى المؤمن ) . واعلم أن المباحث العقلية تقوي هذا المعنى ، وذلك أن الكمال محبوب لذاته لا لغيره ، وكل من اتصف بصفة من صفات الكمال ، صار محبوبا لكل أحد ، ولا كمال للعبد أعلى وأشرف من كونه مستغرق القلب بمعرفة الله ، مستغرق اللسان بذكر الله ، مستغرق الجوارح والأعضاء بعبودية الله ، فإذا ظهر عليه أمر من هذا الباب ، صارت الألسنة جارية بمدحه ، والقلوب مجبولة على حبه ، وكلما كانت هذه الصفات الشريفة أكثر ، كانت هذه المحبة أقوى ، وأيضا فنور معرفة الله مخدوم بالذات ، ففي أي قلب حضر صار ذلك الإنسان مخدوما بالطبع ألا ترى أن البهائم والسباع قد تكون أقوى من الإنسان ، ثم إنها إذا شاهدت الإنسان هابته وفرت منه وما ذاك إلا لمهابة النفس الناطقة . والقول الثالث : في تفسير البشرى أنها عبارة عن حصول البشرى لهم عند الموت قال تعالى : { تتنزل عليهم الملئكة أن لا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة } ( فصلت : 30 ) وأما البشرى في الآخرة فسلام الملائكة عليهم كما قال تعالى : { والملائكة يدخلون عليهم من كل باب سلام عليكم } ( الرعد : 23 ) وسلام الله عليهم كما قال : { سلام قولا من رب رحيم } ( يس : 58 ) ويندرج في هذا الباب ما ذكره الله في هذا الكتاب الكريم من بياض وجوههم وإعطاء الصحائف بأيمانهم وما يلقون فيها من الأحوال السارة فكل ذلك من المبشرات .

Bölüm V17/P103–V17/P104Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb (s. V17/P103–V17/P104)
Orijinal Metin (AR)

والقول الرابع : إن ذلك عبارة عما بشر الله عباده المتقين في كتابه وعلى ألسنة أنبيائه من جنته وكريم ثوابه . ودليله قوله : { يبشرهم ربهم برحمة منه ورضوان } ( التوبة : 21 ) . واعلم أن لفظ البشارة مشتق من خبر سار يظهر أثره في بشرة الوجه ، فكل ما كان كذلك دخل في هذه الآية ، ومجموع الأمور المذكورة مشتركة في هذه الصفة ، فيكون الكل داخلا فيه فكل ما يتعلق من هذه الوجوه بالدنيا فهو داخل تحت قوله : { لهم البشرى في الحيواة الدنيا } وكل ما يتعلق بالآخرة فهو داخل تحت قوله : { وفي الاخرة } ثم إنه تعالى لما ذكر صفة أولياء الله وشرح أحوالهم / قال تعالى : { لا تبديل لكلمات الله } والمراد أنه لا خلف فيها ، والكلمة والقول سواء . ونظيره قوله : { ما يبدل القول لدى } ( ق : 29 ) وهذا أحد ما يقوي أن المراد بالبشرى وعد الله بالثواب والكرامة لمن أطاعه بقوله : { يبشرهم ربهم برحمة منه ورضوان } ثم بين تعالى أن : { ذالك هو الفوز العظيم } وهو كقوله تعالى : { وإذا رأيت ثم رأيت نعيما وملكا كبيرا } ( الإنسان : 20 ) ثم قال القاضي : قوله : { لا تبديل لكلمات الله } يدل على أنها قابلة للتبديل ، وكل ما قبل العدم امتنع أن يكون قديما . ونظير هذا الاستدلال بحصول النسخ على أن حكم الله تعالى لا يكون قديما وقد سبق الكلام على أمثال هذه الوجوه . ! 7 < { ولا يحزنك قولهم إن العزة لله جميعا هو السميع العليم ألاإن لله من فى السماوات ومن فى الا رض وما يتبع الذين يدعون من دون الله شركآء إن يتبعون إلا الظن وإن هم إلا يخرصون } . > 7 < يونس : ( 65 - 66 ) ولا يحزنك قولهم . . . . . > > اعلم أن القوم لما أوردوا أنواع الشبهات التي حكاها الله تعالى عنهم فيما تقدم من هذه السورة وأجاب الله عنها بالأجوبة التي فسرناها وقررناها ، عدلوا إلى طريق آخر ، وهو أنهم هددوه وخوفوه وزعموا أنا أصحاب التبع والمال ، فنسعى في قهرك وفي إبطال أمرك ، والله سبحانه أجاب عن هذا الطريق بقوله : { ولا يحزنك قولهم إن العزة لله جميعا } . واعلم أن الإنسان إنما يحزن من وعيد الغير وتهديده ومكره وكيده ، لو جوز كونه مؤثرا في حاله ، فإذا علم من جهة علام الغيوب أن ذلك لا يؤثر ، خرج من أن يكون سببا لحزنه . ثم إنه تعالى كما أزال عن الرسول حزن الآخرة بسبب قوله : { ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون } ( يونس : 62 ) فكذلك أزال حزن الدنيا بقوله : { ولا يحزنك قولهم إن العزة لله جميعا } فإذا كان الله تعالى هو الذي أرسله إلى الخلق وهو الذي أمره بدعوتهم إلى هذا الدين كان لا محالة ناصرا له ومعينا ، ولما ثبت أن العزة والقهر والغلبة ليست إلا له ، فقد حصل الأمن وزال الخوف . / فإن قيل : فكيف آمنه من ذلك ولم يزل خائفا حتى احتاج إلى الهجرة والهرب ، ثم من بعد ذلك يخاف حالا بعد حال ؟ قلنا : إن الله تعالى وعده الظفر والنصرة مطلقا والوقت ما كان معينا ، فهو في كل وقت كان يخاف من أن لا يكون هذا الوقت المعين ذلك الوقت ، فحينئذ يحصل الانكسار والانهزام في هذا الوقت . وأما قوله تعالى : { إن العزة لله جميعا } ففيه أبحاث :

Türkçe Tercümesi (Ehl-i Sünnet)

والقول الرابع : إن ذلك عبارة عما بشر الله عباده المتقين في كتابه وعلى ألسنة أنبيائه من جنته وكريم ثوابه . ودليله قوله : { يبشرهم ربهم برحمة منه ورضوان } ( التوبة : 21 ) . واعلم أن لفظ البشارة مشتق من خبر سار يظهر أثره في بشرة الوجه ، فكل ما كان كذلك دخل في هذه الآية ، ومجموع الأمور المذكورة مشتركة في هذه الصفة ، فيكون الكل داخلا فيه فكل ما يتعلق من هذه الوجوه بالدنيا فهو داخل تحت قوله : { لهم البشرى في الحيواة الدنيا } وكل ما يتعلق بالآخرة فهو داخل تحت قوله : { وفي الاخرة } ثم إنه تعالى لما ذكر صفة أولياء الله وشرح أحوالهم / قال تعالى : { لا تبديل لكلمات الله } والمراد أنه لا خلف فيها ، والكلمة والقول سواء . ونظيره قوله : { ما يبدل القول لدى } ( ق : 29 ) وهذا أحد ما يقوي أن المراد بالبشرى وعد الله بالثواب والكرامة لمن أطاعه بقوله : { يبشرهم ربهم برحمة منه ورضوان } ثم بين تعالى أن : { ذالك هو الفوز العظيم } وهو كقوله تعالى : { وإذا رأيت ثم رأيت نعيما وملكا كبيرا } ( الإنسان : 20 ) ثم قال القاضي : قوله : { لا تبديل لكلمات الله } يدل على أنها قابلة للتبديل ، وكل ما قبل العدم امتنع أن يكون قديما . ونظير هذا الاستدلال بحصول النسخ على أن حكم الله تعالى لا يكون قديما وقد سبق الكلام على أمثال هذه الوجوه . ! 7 < { ولا يحزنك قولهم إن العزة لله جميعا هو السميع العليم ألاإن لله من فى السماوات ومن فى الا رض وما يتبع الذين يدعون من دون الله شركآء إن يتبعون إلا الظن وإن هم إلا يخرصون } . > 7 < يونس : ( 65 - 66 ) ولا يحزنك قولهم . . . . . > > اعلم أن القوم لما أوردوا أنواع الشبهات التي حكاها الله تعالى عنهم فيما تقدم من هذه السورة وأجاب الله عنها بالأجوبة التي فسرناها وقررناها ، عدلوا إلى طريق آخر ، وهو أنهم هددوه وخوفوه وزعموا أنا أصحاب التبع والمال ، فنسعى في قهرك وفي إبطال أمرك ، والله سبحانه أجاب عن هذا الطريق بقوله : { ولا يحزنك قولهم إن العزة لله جميعا } . واعلم أن الإنسان إنما يحزن من وعيد الغير وتهديده ومكره وكيده ، لو جوز كونه مؤثرا في حاله ، فإذا علم من جهة علام الغيوب أن ذلك لا يؤثر ، خرج من أن يكون سببا لحزنه . ثم إنه تعالى كما أزال عن الرسول حزن الآخرة بسبب قوله : { ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون } ( يونس : 62 ) فكذلك أزال حزن الدنيا بقوله : { ولا يحزنك قولهم إن العزة لله جميعا } فإذا كان الله تعالى هو الذي أرسله إلى الخلق وهو الذي أمره بدعوتهم إلى هذا الدين كان لا محالة ناصرا له ومعينا ، ولما ثبت أن العزة والقهر والغلبة ليست إلا له ، فقد حصل الأمن وزال الخوف . / فإن قيل : فكيف آمنه من ذلك ولم يزل خائفا حتى احتاج إلى الهجرة والهرب ، ثم من بعد ذلك يخاف حالا بعد حال ؟ قلنا : إن الله تعالى وعده الظفر والنصرة مطلقا والوقت ما كان معينا ، فهو في كل وقت كان يخاف من أن لا يكون هذا الوقت المعين ذلك الوقت ، فحينئذ يحصل الانكسار والانهزام في هذا الوقت . وأما قوله تعالى : { إن العزة لله جميعا } ففيه أبحاث :

Bölüm V17/P104–V17/P105Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb (s. V17/P104–V17/P105)
Orijinal Metin (AR)

البحث الأول : قال القاضي : إن العزة بالألف المكسورة وفي فتحها فساد يقارب الكفر لأنه يؤدي إلى أن القوم كانوا يقولون : { إن العزة لله جميعا } وأن الرسول عليه الصلاة والسلام كان يحزنه ذلك . أما إذا كسرت الألف كان ذلك استئنافا ، وهذا يدل على فضيلة علم الإعراب . قال صاحب ( الكشاف ) : وقرأ أبو حيوة { إن العزة } بالفتح على حذف لام العلة يعني : لأن العزة على صريح التعليل . البحث الثاني : فائدة { إن العزة لله } في هذا المقام أمور : الأول : المراد منه أن جميع العزة والقدرة هي لله تعالى يعطي ما يشاء لعباده ، والغرض منه أنه لا يعطي الكفار قدرة عليه ، بل يعطيه القدرة عليهم حتى يكون هو بذلك أعز منهم ، فآمنه الله تعالى بهذا القول من إضرار الكفار به بالقتل والإيذاء ، ومثله قوله تعالى : { كتب الله لاغلبن أنا ورسلى } ( المجادلة : 21 ) { إنا لننصر رسلنا } ( غافر : 51 ) الثاني : قال الأصم : المراد أن المشركين يتعززون بكثرة خدمهم وأموالهم ويخوفونك بها وتلك الأشياء كلها لله تعالى فهو القادر على أن يسلب منهم كل تلك الأشياء وأن ينصرك وينقل أموالهم وديارهم إليك . فإن قيل : قوله : { إن العزة لله جميعا } كالمضادة لقوله تعالى : { ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين } ( المنافقون : 8 ) . قلنا : لا مضادة ، لأن عزة الرسول والمؤمنين كلها بالله فهي لله . أما قوله : { هو السميع العليم } أي يسمع ما يقولون ويعلم ما يعزمون عليه وهو يكافئهم بذلك . وأما قوله : { ألا إن لله من فى السماوات ومن فى الارض } ففيه وجهان : الأول : أنه تعالى ذكر في الآيات المتقدمة { ألا إن لله ما فى السماوات والارض } وهذا يدل على أن كل ما لا يعقل فهو ملك لله تعالى وملك له ، وأما ههنا فكلمة { من } مختصة بمن يعقل ، فتدل على أن كل العقلاء داخلون تحت ملك الله وملكه فيكون مجموع الآيتين دالا على أن الكل ملكه وملكه . والثاني : أن المراد { من فى السماوات } العقلاء المميزون وهم الملائكة والثقلان . وإنما خصهم بالذكر ليدل على أن / هؤلاء إذا كانوا له وفي ملكه فالجمادات أولى بهذه العبودية فيكون ذلك قدحا في جعل الأصنام شركاء لله تعالى . ثم قال تعالى : { وما يتبع الذين يدعون من دون الله شركاء إن يتبعون إلا الظن } وفي كلمة { ما } قولان : الأول : أنه نفي وجحد ، والمعنى أنهم ما اتبعوا شريك الله تعالى إنما اتبعوا شيئا ظنوه شريكا لله تعالى . ومثاله أن أحدنا لو ظن أن زيدا في الدار وما كان فيها ، فخاطب إنسانا في الدار ظنه زيدا فإنه لا يقال : إنه خاطب زيدا بل يقال خاطب من ظنه زيدا . الثاني : أن { ما } استفهام ، كأنه قيل : أي شيء يتبع الذين يدعون من دون الله شركاء ، والمقصود تقبيح فعلهم يعني أنهم ليسوا على شيء . ثم قال تعالى : { إن يتبعون إلا الظن } والمعنى أنهم إنما اتبعوا ظنونهم الباطلة وأوهامهم الفاسدة ، ثم بين أن هذا الظن لا حكم له { وإن هم إلا يخرصون } وذكرنا معنى الخرص في سورة الأنعام عند قوله : { إن يتبعون إلا الظن وإن هم إلا يخرصون } ( الأنعام : 16 ) . ! 7 < { هو الذى جعل لكم اليل لتسكنوا فيه والنهار مبصرا إن فى ذالك لآيات لقوم يسمعون } . > 7 < يونس : ( 67 ) هو الذي جعل . . . . . > >

Türkçe Tercümesi (Ehl-i Sünnet)

البحث الأول : قال القاضي : إن العزة بالألف المكسورة وفي فتحها فساد يقارب الكفر لأنه يؤدي إلى أن القوم كانوا يقولون : { إن العزة لله جميعا } وأن الرسول عليه الصلاة والسلام كان يحزنه ذلك . أما إذا كسرت الألف كان ذلك استئنافا ، وهذا يدل على فضيلة علم الإعراب . قال صاحب ( الكشاف ) : وقرأ أبو حيوة { إن العزة } بالفتح على حذف لام العلة يعني : لأن العزة على صريح التعليل . البحث الثاني : فائدة { إن العزة لله } في هذا المقام أمور : الأول : المراد منه أن جميع العزة والقدرة هي لله تعالى يعطي ما يشاء لعباده ، والغرض منه أنه لا يعطي الكفار قدرة عليه ، بل يعطيه القدرة عليهم حتى يكون هو بذلك أعز منهم ، فآمنه الله تعالى بهذا القول من إضرار الكفار به بالقتل والإيذاء ، ومثله قوله تعالى : { كتب الله لاغلبن أنا ورسلى } ( المجادلة : 21 ) { إنا لننصر رسلنا } ( غافر : 51 ) الثاني : قال الأصم : المراد أن المشركين يتعززون بكثرة خدمهم وأموالهم ويخوفونك بها وتلك الأشياء كلها لله تعالى فهو القادر على أن يسلب منهم كل تلك الأشياء وأن ينصرك وينقل أموالهم وديارهم إليك . فإن قيل : قوله : { إن العزة لله جميعا } كالمضادة لقوله تعالى : { ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين } ( المنافقون : 8 ) . قلنا : لا مضادة ، لأن عزة الرسول والمؤمنين كلها بالله فهي لله . أما قوله : { هو السميع العليم } أي يسمع ما يقولون ويعلم ما يعزمون عليه وهو يكافئهم بذلك . وأما قوله : { ألا إن لله من فى السماوات ومن فى الارض } ففيه وجهان : الأول : أنه تعالى ذكر في الآيات المتقدمة { ألا إن لله ما فى السماوات والارض } وهذا يدل على أن كل ما لا يعقل فهو ملك لله تعالى وملك له ، وأما ههنا فكلمة { من } مختصة بمن يعقل ، فتدل على أن كل العقلاء داخلون تحت ملك الله وملكه فيكون مجموع الآيتين دالا على أن الكل ملكه وملكه . والثاني : أن المراد { من فى السماوات } العقلاء المميزون وهم الملائكة والثقلان . وإنما خصهم بالذكر ليدل على أن / هؤلاء إذا كانوا له وفي ملكه فالجمادات أولى بهذه العبودية فيكون ذلك قدحا في جعل الأصنام شركاء لله تعالى . ثم قال تعالى : { وما يتبع الذين يدعون من دون الله شركاء إن يتبعون إلا الظن } وفي كلمة { ما } قولان : الأول : أنه نفي وجحد ، والمعنى أنهم ما اتبعوا شريك الله تعالى إنما اتبعوا شيئا ظنوه شريكا لله تعالى . ومثاله أن أحدنا لو ظن أن زيدا في الدار وما كان فيها ، فخاطب إنسانا في الدار ظنه زيدا فإنه لا يقال : إنه خاطب زيدا بل يقال خاطب من ظنه زيدا . الثاني : أن { ما } استفهام ، كأنه قيل : أي شيء يتبع الذين يدعون من دون الله شركاء ، والمقصود تقبيح فعلهم يعني أنهم ليسوا على شيء . ثم قال تعالى : { إن يتبعون إلا الظن } والمعنى أنهم إنما اتبعوا ظنونهم الباطلة وأوهامهم الفاسدة ، ثم بين أن هذا الظن لا حكم له { وإن هم إلا يخرصون } وذكرنا معنى الخرص في سورة الأنعام عند قوله : { إن يتبعون إلا الظن وإن هم إلا يخرصون } ( الأنعام : 16 ) . ! 7 < { هو الذى جعل لكم اليل لتسكنوا فيه والنهار مبصرا إن فى ذالك لآيات لقوم يسمعون } . > 7 < يونس : ( 67 ) هو الذي جعل . . . . . > >

Bölüm V17/P105–V17/P106Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb (s. V17/P105–V17/P106)
Orijinal Metin (AR)

اعلم أنه تعالى لما ذكر قوله : { إن العزة لله جميعا } احتج عليه بهذه الآية ، والمعنى أنه تعالى جعل الليل ليزول التعب والكلال بالسكون فيه ، وجعل النهار مبصرا أي مضيئا لتهتدوا به في حوائجكم بالأبصار ، والمبصر الذي يبصر ، والنهار يبصر فيه ، وإنما جعله مبصرا على طريق نقل الاسم من السبب إلى المسبب . فإن قيل : إن قوله : { هو الذى جعل لكم اليل لتسكنوا فيه } يدل على أنه تعالى ما خلقه إلا لهذا الوجه ، وقوله : { إن فى ذالك لآيات لقوم يسمعون } يدل على أنه تعالى أراد بتخليق الليل والنهار أنواعا كثيرة من الدلائل . قلنا : إن قوله تعالى : { لتسكنوا } لا يدل على أنه لا حكمة فيه إلا ذلك ، بل ذلك يقتضي حصول تلك الحكمة . / أما قوله تعالى : { إن فى ذالك لآيات لقوم يسمعون } فالمراد يتدبرون ما يسمعون ويعتبرون به . ! 7 < { قالوا اتخذ الله ولدا سبحانه هو الغني له ما فى السماوات وما فى الا رض إن عندكم من سلطان بهاذآ أتقولون على الله ما لا تعلمون } . > 7 ! < < يونس : ( 68 ) قالوا اتخذ الله . . . . . > > اعلم أن هذا نوع آخر من الأباطيل التي حكاها الله تعالى عن الكفار وهي قولهم : { اتخذ الله ولدا } ويحتمل أن يكون المراد حكاية قول من يقول : الملائكة بنات الله ، ويحتمل أن يكون المراد قول من يقول : الأوثان أولاد الله ، ويحتمل أن يكون قد كان فيهم قوم من النصارى قالوا ذلك ثم إنه تعالى لما استنكر هذا القول قال بعده : { هو الغني له ما فى السماوات وما في الارض } . واعلم أن كونه تعالى غنيا مالكا لكل ما في السموات والأرض يدل على أنه يستحيل أن يكون له ولد ، وبيان ذلك من وجوه : الأول : أنه سبحانه غني مطلقا على ما في هذه الآية ، والعقل أيضا يدل عليه ، لأنه لو كان محتاجا لافتقر إلى صانع آخر ، وهو محال وكل من كان غنيا فإنه لا بد أن يكون فردا منزها عن الأجزاء والأبعاض ، وكل من كان كذلك امتنع أن ينفصل عنه جزء من أجزائه ، والولد عبارة عن أن ينفصل جزء من أجزاء الإنسان ، ثم يتولد عن ذلك الجزء مثله ، وإذا كان هذا محالا ثبت أن كونه تعالى غنيا يمنع ثبوت الولد له . الحجة الثانية : أنه تعالى غني وكل من كان غنيا كان قديما أزليا باقيا سرمديا ، وكل من كان كذلك ، امتنع عليه الانقراض والانقضاء ، والولد إنما يحصل للشيء الذي ينقضي ، وينقرض ، فيكون ولده قائما مقامه ، فثبت أن كونه تعالى غنيا ، يدل على أنه يمتنع أن يكون له ولد . الحجة الثالثة : أنه تعالى غني وكل من كان غنيا فإنه يمتنع أن يكون موصوفا بالشهوة واللذة وإذا امتنع ذلك امتنع أن يكون له صاحبة وولد . الحجة الرابعة : أنه تعالى غني ، وكل من كان غنيا امتنع أن يكون له ولد ، لأن اتخاذ الولد إنما يكون في حق من يكون محتاجا حتى يعينه ولده على المصالح الحاصلة والمتوقعة ، فمن كان غنيا مطلقا امتنع عليه اتخاذ الولد .

Türkçe Tercümesi (Ehl-i Sünnet)

اعلم أنه تعالى لما ذكر قوله : { إن العزة لله جميعا } احتج عليه بهذه الآية ، والمعنى أنه تعالى جعل الليل ليزول التعب والكلال بالسكون فيه ، وجعل النهار مبصرا أي مضيئا لتهتدوا به في حوائجكم بالأبصار ، والمبصر الذي يبصر ، والنهار يبصر فيه ، وإنما جعله مبصرا على طريق نقل الاسم من السبب إلى المسبب . فإن قيل : إن قوله : { هو الذى جعل لكم اليل لتسكنوا فيه } يدل على أنه تعالى ما خلقه إلا لهذا الوجه ، وقوله : { إن فى ذالك لآيات لقوم يسمعون } يدل على أنه تعالى أراد بتخليق الليل والنهار أنواعا كثيرة من الدلائل . قلنا : إن قوله تعالى : { لتسكنوا } لا يدل على أنه لا حكمة فيه إلا ذلك ، بل ذلك يقتضي حصول تلك الحكمة . / أما قوله تعالى : { إن فى ذالك لآيات لقوم يسمعون } فالمراد يتدبرون ما يسمعون ويعتبرون به . ! 7 < { قالوا اتخذ الله ولدا سبحانه هو الغني له ما فى السماوات وما فى الا رض إن عندكم من سلطان بهاذآ أتقولون على الله ما لا تعلمون } . > 7 ! < < يونس : ( 68 ) قالوا اتخذ الله . . . . . > > اعلم أن هذا نوع آخر من الأباطيل التي حكاها الله تعالى عن الكفار وهي قولهم : { اتخذ الله ولدا } ويحتمل أن يكون المراد حكاية قول من يقول : الملائكة بنات الله ، ويحتمل أن يكون المراد قول من يقول : الأوثان أولاد الله ، ويحتمل أن يكون قد كان فيهم قوم من النصارى قالوا ذلك ثم إنه تعالى لما استنكر هذا القول قال بعده : { هو الغني له ما فى السماوات وما في الارض } . واعلم أن كونه تعالى غنيا مالكا لكل ما في السموات والأرض يدل على أنه يستحيل أن يكون له ولد ، وبيان ذلك من وجوه : الأول : أنه سبحانه غني مطلقا على ما في هذه الآية ، والعقل أيضا يدل عليه ، لأنه لو كان محتاجا لافتقر إلى صانع آخر ، وهو محال وكل من كان غنيا فإنه لا بد أن يكون فردا منزها عن الأجزاء والأبعاض ، وكل من كان كذلك امتنع أن ينفصل عنه جزء من أجزائه ، والولد عبارة عن أن ينفصل جزء من أجزاء الإنسان ، ثم يتولد عن ذلك الجزء مثله ، وإذا كان هذا محالا ثبت أن كونه تعالى غنيا يمنع ثبوت الولد له . الحجة الثانية : أنه تعالى غني وكل من كان غنيا كان قديما أزليا باقيا سرمديا ، وكل من كان كذلك ، امتنع عليه الانقراض والانقضاء ، والولد إنما يحصل للشيء الذي ينقضي ، وينقرض ، فيكون ولده قائما مقامه ، فثبت أن كونه تعالى غنيا ، يدل على أنه يمتنع أن يكون له ولد . الحجة الثالثة : أنه تعالى غني وكل من كان غنيا فإنه يمتنع أن يكون موصوفا بالشهوة واللذة وإذا امتنع ذلك امتنع أن يكون له صاحبة وولد . الحجة الرابعة : أنه تعالى غني ، وكل من كان غنيا امتنع أن يكون له ولد ، لأن اتخاذ الولد إنما يكون في حق من يكون محتاجا حتى يعينه ولده على المصالح الحاصلة والمتوقعة ، فمن كان غنيا مطلقا امتنع عليه اتخاذ الولد .

%0
10 Bölüm

Sorular

Fahreddin Râzî - Mefâtîhu'l-Gayb (Tefsîr-i Kebîr) · 330 · Qur'an & Sunnah