Qur'an&Sunnahالقرآن

Fahreddin Râzî - Mefâtîhu'l-Gayb

Fahreddin Râzî · AR

قسم V12/P079–V12/P080Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb (s. V12/P079–V12/P080)
Orijinal Metin (AR)

ثم قال تعالى : { ليذوق وبال أمره } وفيه مسألتان : المسألة الأولى : الوبال في اللغة : عبارة عما فيه من الثقل والمكروه . يقال : مرعى وبيل إذا كان فيه وخامة ، وماء وبيل إذا لم يستمر ، أو الطعام الوبيل الذي يثقل على المعدة فلا ينهضم ، قال تعالى : { فأخذناه أخذا وبيلا } ( المزمل : 16 ) أي ثقيلا . المسألة الثانية : إنما سمى الله تعالى ذلك وبالا لأنه خيره بين ثلاثة أشياء : اثنان منها توجب تنقيص المال ، وهو ثقيل على الطبع ، وهما الجزاء بالمثل والاطعام ، والثالث : يوجب إيلام البدن وهو الصوم ، وذلك أيضا ثقيل على الطبع ، والمعنى : أنه تعالى أوجب على قاتل الصيد أحد هذه الأشياء التي كل واحد منها ثقيل على الطبع حتى يحترز عن قتل الصيد في الحرم وفي حال الإحرام . ثم قال تعالى : { عفا الله عما سلف ومن عاد فينتقم الله منه والله عزيز ذو انتقام } وفيه مسألتان : المسألة الأولى : في الآية وجهان : الأول : عفا الله عما مضى في الجاهلية وعما سلف قبل التحريم في الإسلام . القول الثاني : وهو قول من لا يوجب الجزاء إلا في المرة الأولى ، أما في المرة الثانية فإنه لا يوجب الجزاء عليه ويقول إنه أعظم من أن يكفره التصدق بالجزاء ، فعلى هذا المراد : عفا الله عمال سلف في المرة الأولى بسبب أداء الجزاء ، ومن عاد إليه مرة ثانية فلا كفارة لجرمه بل ينتقم الله منه . وحجة هذا القول : أن الفاء في وقله { فينتقم الله منه } فاء الجزاء ، والجزاء هو الكافي ، فهذا يقتضي أن هذا الانتقام كاف في هذا الذنب ، وكونه كافيا يمنع من وجوب شيء آخر ، وذلك يقتضي أن لا يجب الجزاء عليه . المسألة الثانية : قال سيبويه في قوله { ومن عاد فينتقم الله منه } وفي قوله { ومن كفر فأمتعه قليلا } ( البقرة : 126 ) وفي قوله { فمن يؤمن بربه فلا يخاف } ( الجن : 13 ) إن في هذه الآيات إضمارا مقدرا والتقدير : ومن عاد فهو ينتقم الله منه ، ومن كفر فأنا أمتعه ، ومن يؤمن بربه فهو لا يخاف ، وبالجملة فلا بد من إضمار مبتدأ يصير ذلك الفعل خبرا عنه ، والدليل عليه : أن الفعل يصير بنفسه جزاء ، فلا حاجة إلى إدخال حرف الجزاء عليه فيصير إدخال حرف الفاء على الفعل لغوا أما إذا أضمرنا المبتدأ احتجنا إلى إدخال حرف الفاء عليه ليرتبط بالشرط فلا تصير الفاء لغوا والله أعلم . ! 7 < { أحل لكم صيد البحر وطعامه متاعا لكم وللسيارة وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما واتقوا الله الذىإليه تحشرون } . > 7 < المائدة : ( 96 ) أحل لكم صيد . . . . . > > قوله تعالى : { أحل لكم صيد البحر وطعامه متاعا لكم وللسيارة } وفيه مسائل : المسألة الأولى : المراد بالصيد المصيد ، وجملة ما يصاد من البحر ثلاثة أجناس ، الحيتان وجميع أنواعها حلال ، والضفادع وجميع أنواعها حرام ، واختلفوا فيما سوى هذين . فقال أبو حنيفة رحمه الله إنه حرام . وقال ابن أبي ليلى والأكثرون إنه حلال ، وتمسكوا فيه بعموم هذه الآية ، والمراد بالبحر جميع المياه والأنهار . المسألة الثانية : أنه تعالى عطف طعام البحر على صيده والعطف يقتضي المغايرة وذكروا فيه وجوها : الأول : وهو الأحسن ما ذكره أبو بكر الصديق رضي الله عنه : أن الصيد ما صيد بالحيلة حال حياته والطعام ما يوجد مما لفظه البحر أو نضب عنه الماء من غير معالجة في أخذه هذا هو الأصح مما قيل في هذا الموضع .

لسان عثمانی (Osmanlıca) Tercümesi (Ehl-i Sünnet)

ثم قال تعالى : { ليذوق وبال أمره } وفيه مسألتان : المسألة الأولى : الوبال في اللغة : عبارة عما فيه من الثقل والمكروه . يقال : مرعى وبيل إذا كان فيه وخامة ، وماء وبيل إذا لم يستمر ، أو الطعام الوبيل الذي يثقل على المعدة فلا ينهضم ، قال تعالى : { فأخذناه أخذا وبيلا } ( المزمل : 16 ) أي ثقيلا . المسألة الثانية : إنما سمى الله تعالى ذلك وبالا لأنه خيره بين ثلاثة أشياء : اثنان منها توجب تنقيص المال ، وهو ثقيل على الطبع ، وهما الجزاء بالمثل والاطعام ، والثالث : يوجب إيلام البدن وهو الصوم ، وذلك أيضا ثقيل على الطبع ، والمعنى : أنه تعالى أوجب على قاتل الصيد أحد هذه الأشياء التي كل واحد منها ثقيل على الطبع حتى يحترز عن قتل الصيد في الحرم وفي حال الإحرام . ثم قال تعالى : { عفا الله عما سلف ومن عاد فينتقم الله منه والله عزيز ذو انتقام } وفيه مسألتان : المسألة الأولى : في الآية وجهان : الأول : عفا الله عما مضى في الجاهلية وعما سلف قبل التحريم في الإسلام . القول الثاني : وهو قول من لا يوجب الجزاء إلا في المرة الأولى ، أما في المرة الثانية فإنه لا يوجب الجزاء عليه ويقول إنه أعظم من أن يكفره التصدق بالجزاء ، فعلى هذا المراد : عفا الله عمال سلف في المرة الأولى بسبب أداء الجزاء ، ومن عاد إليه مرة ثانية فلا كفارة لجرمه بل ينتقم الله منه . وحجة هذا القول : أن الفاء في وقله { فينتقم الله منه } فاء الجزاء ، والجزاء هو الكافي ، فهذا يقتضي أن هذا الانتقام كاف في هذا الذنب ، وكونه كافيا يمنع من وجوب شيء آخر ، وذلك يقتضي أن لا يجب الجزاء عليه . المسألة الثانية : قال سيبويه في قوله { ومن عاد فينتقم الله منه } وفي قوله { ومن كفر فأمتعه قليلا } ( البقرة : 126 ) وفي قوله { فمن يؤمن بربه فلا يخاف } ( الجن : 13 ) إن في هذه الآيات إضمارا مقدرا والتقدير : ومن عاد فهو ينتقم الله منه ، ومن كفر فأنا أمتعه ، ومن يؤمن بربه فهو لا يخاف ، وبالجملة فلا بد من إضمار مبتدأ يصير ذلك الفعل خبرا عنه ، والدليل عليه : أن الفعل يصير بنفسه جزاء ، فلا حاجة إلى إدخال حرف الجزاء عليه فيصير إدخال حرف الفاء على الفعل لغوا أما إذا أضمرنا المبتدأ احتجنا إلى إدخال حرف الفاء عليه ليرتبط بالشرط فلا تصير الفاء لغوا والله أعلم . ! 7 < { أحل لكم صيد البحر وطعامه متاعا لكم وللسيارة وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما واتقوا الله الذىإليه تحشرون } . > 7 < المائدة : ( 96 ) أحل لكم صيد . . . . . > > قوله تعالى : { أحل لكم صيد البحر وطعامه متاعا لكم وللسيارة } وفيه مسائل : المسألة الأولى : المراد بالصيد المصيد ، وجملة ما يصاد من البحر ثلاثة أجناس ، الحيتان وجميع أنواعها حلال ، والضفادع وجميع أنواعها حرام ، واختلفوا فيما سوى هذين . فقال أبو حنيفة رحمه الله إنه حرام . وقال ابن أبي ليلى والأكثرون إنه حلال ، وتمسكوا فيه بعموم هذه الآية ، والمراد بالبحر جميع المياه والأنهار . المسألة الثانية : أنه تعالى عطف طعام البحر على صيده والعطف يقتضي المغايرة وذكروا فيه وجوها : الأول : وهو الأحسن ما ذكره أبو بكر الصديق رضي الله عنه : أن الصيد ما صيد بالحيلة حال حياته والطعام ما يوجد مما لفظه البحر أو نضب عنه الماء من غير معالجة في أخذه هذا هو الأصح مما قيل في هذا الموضع .

قسم V12/P080–V12/P081Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb (s. V12/P080–V12/P081)
Orijinal Metin (AR)

والوجه الثاني : أن صيد البحر هو الطري ، وأما طعام البحر فهو الذي جعل مملحا ، لأنه لما صار عتيقا سقط اسم الصيد عنه ، وهو قول سعيد بن جبير وسعيد بن المسيب ومقاتل والنخعي وهو ضعيف لأن الذي صار مالحا فقد كان طريا وصيدا في أول الأمر فيلزم التكرار . والثالث : أن الاصطياد قد يكون للأكل وقد يكون لغيره مثل اصطياد الصدف لأجل اللؤلؤ ، واصطياد بعض الحيوانات البحرية لأجل عظامها وأسنانها فقد حصل التغاير بين الاصطياد من البحر وبين الأكل من طعام البحر والله أعلم . المسألة الثالثة : قال الشافعي رحمه الله : السمكة الطافية في البحر محللة . وقال أبو حنيفة رحمه الله محرمة : حجة الشافعي القرآن والخبر ، أما القرآن فهو أنه يمكن أكله فيكون طعاما فوجب أن يحل لقوله تعالى : { أحل لكم صيد البحر وطعامه } وأما الخبر فقوله عليه السلام في البحر : ( هو الطهور ماؤه الحل ميتته ) . المسألة الرابعة : قوله { للسيارة } يعني أحل لكم صيد البحر للمقيم والمسافر ، فالطري للمقيم ، والمالح للمسافر . المسألة الخامسة : في انتصاب قوله { أرساها متاعا لكم } وجهان : الأول : قال الزجاج انتصب لكونه مصدرا مؤكدا إلا أنه لما قيل : { أحل لكم } كان دليلا على أنه منعم به ، كما أنه لما قيل { حرمت عليكم أمهاتكم } ( النساء : 23 ) كان دليلا على أنه كتب عليهم ذلك فقال { كتاب الله عليكم } ( النساء : 24 ) الثاني : قال صاحب ( الكشاف ) انتصب لكونه مفعولا له ، أي أحل لكم تمتيعا لكم . ثم قال تعالى : { وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما } . وفيه مسائل : المسألة الأولى : أنه تعالى ذكر تحريم الصيد على المحرم في ثلاثة مواضع من هذه السورة من قوله { غير محلى الصيد وأنتم حرم } ( المائدة : 1 ) إلى قوله { وإذا حللتم فاصطادوا } ( المائدة : 2 ) ومن ثوله { لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم } ( المائدة : 95 ) إلى قوله { وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما } . المسألة الثانية : صيد البحر هو الذي لا يعيش إلا في الماء ، أما الذي لا يعيش إلا في البر والذي يمكنه أن يعيش في البر تارة وفي البحر أخرى فذاك كله صيد البر ، فعلى هذا السلحفاة ، والسرطان ، والضفدع ، وطير الماء ، كل ذلك من صيد البر ، ويجب على قاتله الجزاء . المسألة الثالثة : اتفق المسلمون على أن المحرم عليه الصيد ، واختلفوا في الصيد الذي يصيده الحلال هل يحل للمحرم فيه أربعة أقوال : الأول : وهو قول علي وابن عباس وابن عمر وسعيد بن جبير وطاوس ، وذكره الثوري وإسحاق أنه يحرم عليه بكل حال ، وعولوا فيه على قوله { وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما } وذلك لأن صيد البر يدخل فيه ما اصطاده المحرم وما اصطاده الحلال ، وكل ذلك صيد البر ، وروى أبو داود في ( سننه ) عن حميد الطويل عن إسحاق بن عبدالله بن الحرث عن أبيه قال : كان الحرث خليفة عثمان على الطائف فصنع لعثمان طعاما وصنع فيه الحجل واليعاقيل ولحوم الوحش فبعث إلى علي بن أبي طالب عليه السلام فجاءه الرسول فجاء فقالوا له كل فقال علي : أطعمونا قوتا حلالا فإنا حرم ، ثم قال علي عليه السلام أنشد الله من كان ههنا من أجع أتعلمون أن رسول الله أهدى إليه رجل حمار وحش وهو محرم فأبى أن يأكله فقالوا نعم .

لسان عثمانی (Osmanlıca) Tercümesi (Ehl-i Sünnet)

والوجه الثاني : أن صيد البحر هو الطري ، وأما طعام البحر فهو الذي جعل مملحا ، لأنه لما صار عتيقا سقط اسم الصيد عنه ، وهو قول سعيد بن جبير وسعيد بن المسيب ومقاتل والنخعي وهو ضعيف لأن الذي صار مالحا فقد كان طريا وصيدا في أول الأمر فيلزم التكرار . والثالث : أن الاصطياد قد يكون للأكل وقد يكون لغيره مثل اصطياد الصدف لأجل اللؤلؤ ، واصطياد بعض الحيوانات البحرية لأجل عظامها وأسنانها فقد حصل التغاير بين الاصطياد من البحر وبين الأكل من طعام البحر والله أعلم . المسألة الثالثة : قال الشافعي رحمه الله : السمكة الطافية في البحر محللة . وقال أبو حنيفة رحمه الله محرمة : حجة الشافعي القرآن والخبر ، أما القرآن فهو أنه يمكن أكله فيكون طعاما فوجب أن يحل لقوله تعالى : { أحل لكم صيد البحر وطعامه } وأما الخبر فقوله عليه السلام في البحر : ( هو الطهور ماؤه الحل ميتته ) . المسألة الرابعة : قوله { للسيارة } يعني أحل لكم صيد البحر للمقيم والمسافر ، فالطري للمقيم ، والمالح للمسافر . المسألة الخامسة : في انتصاب قوله { أرساها متاعا لكم } وجهان : الأول : قال الزجاج انتصب لكونه مصدرا مؤكدا إلا أنه لما قيل : { أحل لكم } كان دليلا على أنه منعم به ، كما أنه لما قيل { حرمت عليكم أمهاتكم } ( النساء : 23 ) كان دليلا على أنه كتب عليهم ذلك فقال { كتاب الله عليكم } ( النساء : 24 ) الثاني : قال صاحب ( الكشاف ) انتصب لكونه مفعولا له ، أي أحل لكم تمتيعا لكم . ثم قال تعالى : { وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما } . وفيه مسائل : المسألة الأولى : أنه تعالى ذكر تحريم الصيد على المحرم في ثلاثة مواضع من هذه السورة من قوله { غير محلى الصيد وأنتم حرم } ( المائدة : 1 ) إلى قوله { وإذا حللتم فاصطادوا } ( المائدة : 2 ) ومن ثوله { لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم } ( المائدة : 95 ) إلى قوله { وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما } . المسألة الثانية : صيد البحر هو الذي لا يعيش إلا في الماء ، أما الذي لا يعيش إلا في البر والذي يمكنه أن يعيش في البر تارة وفي البحر أخرى فذاك كله صيد البر ، فعلى هذا السلحفاة ، والسرطان ، والضفدع ، وطير الماء ، كل ذلك من صيد البر ، ويجب على قاتله الجزاء . المسألة الثالثة : اتفق المسلمون على أن المحرم عليه الصيد ، واختلفوا في الصيد الذي يصيده الحلال هل يحل للمحرم فيه أربعة أقوال : الأول : وهو قول علي وابن عباس وابن عمر وسعيد بن جبير وطاوس ، وذكره الثوري وإسحاق أنه يحرم عليه بكل حال ، وعولوا فيه على قوله { وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما } وذلك لأن صيد البر يدخل فيه ما اصطاده المحرم وما اصطاده الحلال ، وكل ذلك صيد البر ، وروى أبو داود في ( سننه ) عن حميد الطويل عن إسحاق بن عبدالله بن الحرث عن أبيه قال : كان الحرث خليفة عثمان على الطائف فصنع لعثمان طعاما وصنع فيه الحجل واليعاقيل ولحوم الوحش فبعث إلى علي بن أبي طالب عليه السلام فجاءه الرسول فجاء فقالوا له كل فقال علي : أطعمونا قوتا حلالا فإنا حرم ، ثم قال علي عليه السلام أنشد الله من كان ههنا من أجع أتعلمون أن رسول الله أهدى إليه رجل حمار وحش وهو محرم فأبى أن يأكله فقالوا نعم .

قسم V12/P081–V12/P082Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb (s. V12/P081–V12/P082)
Orijinal Metin (AR)

والقول الثاني : أن لحم الصيد مباح للمحرم بشرط أن لا يصطاده المحرم ولا يصطاد له ، وهو قول الشافعي رحمه الله ، والحجة فيه ما روى أبو داود في ( سننه ) عن جابر قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( صيد البر لكم حلال ما لم تصيدوه أو يصاد لكم ) . والقول الثالث : أنه إذا صيد للمحرم بغير إعانته وإشارته حل له وهو قول أبي حنيفة رحمه الله ، روي عن أبي قتادة أنه اصطاد حمار وحش وهو حلال في أصحاب محرمين له فسألوا الرسول صلى الله عليه وسلم عنه فقال : ( هل أشرتم هل أعنتم فقالوا لا . فقال : هل بقي من لحمه شيء أوجب الإباحة عند عدم الإشارة والاعانة من غير تفصيل . واعلم أن هذين القولين مفرعان على تخصيص عموم القرآن بخبر الواحد ، والثاني في غاية الضعف . ثم قال تعالى : { واتقوا الله الذى إليه تحشرون } والمقصود منه التهديد ليكون المرء مواظبا على الطاعة محترزا عن المعصية . ! 7 < { جعل الله الكعبة البيت الحرام قياما للناس والشهر الحرام والهدى والقلائد ذالك لتعلموا أن الله يعلم ما فى السماوات وما فى الا رض وأن الله بكل شىء عليم } . > 7 < المائدة : ( 97 ) جعل الله الكعبة . . . . . > > قوله تعالى : { جعل الله الكعبة البيت الحرام قياما للناس والشهر الحرام والهدى والقلائد } . اعلم أن اتصال هذه الآية بما قبلها ، هو أن الله تعالى حرم في الآية المتقدمة الاصطياد على المحرم ، فبين أن الحرم كما أنه سبب لأمن الوحش والطير ، فكذلك هو سبب لأمن الناس عن الآفات والمخافات ، وسبب لحصول الخيرات والسعادات في الدنيا والآخرة ، وفيه مسائل : المسألة الأولى : قرأ ابن عامر { قيما } بغير ألف ، ومعناه المبالغة في كونه قائما بإصلاح مهمات الناس كقوله تعالى : { دينا قيما } ( الأنعام : 161 ) والباقون بالألف ، وقد استقصينا ذلك في سورة النساء . المسألة الثانية : { جعل } فيه قولان : الأول : أنه بين وحكم ، الثاني : أنه صير ، فالأول بالأمر والتعريف ، والثاني بخلق الدواعي في قلوب الناس لتعظيمه والتقرب إليه . المسألة الثالثة : سميت الكعبة كعبة لارتفاعها ، يقال للجارية إذا نتأ ثديها وخرج كاعب وكعاب ، وكعب الإنسان يسمى كعبا لنتوه من الساق ، فالكعبة لما ارتفع ذكرها في الدنيا واشتهر أمرها في العالم سميت بهذا الاسم ، ولذلك فإنهم يقولون لمن عظم أمره فلان علا كعبه .

لسان عثمانی (Osmanlıca) Tercümesi (Ehl-i Sünnet)

والقول الثاني : أن لحم الصيد مباح للمحرم بشرط أن لا يصطاده المحرم ولا يصطاد له ، وهو قول الشافعي رحمه الله ، والحجة فيه ما روى أبو داود في ( سننه ) عن جابر قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( صيد البر لكم حلال ما لم تصيدوه أو يصاد لكم ) . والقول الثالث : أنه إذا صيد للمحرم بغير إعانته وإشارته حل له وهو قول أبي حنيفة رحمه الله ، روي عن أبي قتادة أنه اصطاد حمار وحش وهو حلال في أصحاب محرمين له فسألوا الرسول صلى الله عليه وسلم عنه فقال : ( هل أشرتم هل أعنتم فقالوا لا . فقال : هل بقي من لحمه شيء أوجب الإباحة عند عدم الإشارة والاعانة من غير تفصيل . واعلم أن هذين القولين مفرعان على تخصيص عموم القرآن بخبر الواحد ، والثاني في غاية الضعف . ثم قال تعالى : { واتقوا الله الذى إليه تحشرون } والمقصود منه التهديد ليكون المرء مواظبا على الطاعة محترزا عن المعصية . ! 7 < { جعل الله الكعبة البيت الحرام قياما للناس والشهر الحرام والهدى والقلائد ذالك لتعلموا أن الله يعلم ما فى السماوات وما فى الا رض وأن الله بكل شىء عليم } . > 7 < المائدة : ( 97 ) جعل الله الكعبة . . . . . > > قوله تعالى : { جعل الله الكعبة البيت الحرام قياما للناس والشهر الحرام والهدى والقلائد } . اعلم أن اتصال هذه الآية بما قبلها ، هو أن الله تعالى حرم في الآية المتقدمة الاصطياد على المحرم ، فبين أن الحرم كما أنه سبب لأمن الوحش والطير ، فكذلك هو سبب لأمن الناس عن الآفات والمخافات ، وسبب لحصول الخيرات والسعادات في الدنيا والآخرة ، وفيه مسائل : المسألة الأولى : قرأ ابن عامر { قيما } بغير ألف ، ومعناه المبالغة في كونه قائما بإصلاح مهمات الناس كقوله تعالى : { دينا قيما } ( الأنعام : 161 ) والباقون بالألف ، وقد استقصينا ذلك في سورة النساء . المسألة الثانية : { جعل } فيه قولان : الأول : أنه بين وحكم ، الثاني : أنه صير ، فالأول بالأمر والتعريف ، والثاني بخلق الدواعي في قلوب الناس لتعظيمه والتقرب إليه . المسألة الثالثة : سميت الكعبة كعبة لارتفاعها ، يقال للجارية إذا نتأ ثديها وخرج كاعب وكعاب ، وكعب الإنسان يسمى كعبا لنتوه من الساق ، فالكعبة لما ارتفع ذكرها في الدنيا واشتهر أمرها في العالم سميت بهذا الاسم ، ولذلك فإنهم يقولون لمن عظم أمره فلان علا كعبه .

قسم V12/P082–V12/P083Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb (s. V12/P082–V12/P083)
Orijinal Metin (AR)

المسألة الرابعة : قوله { قياما للناس } أصله قوام لأنه من قام يقوم ، وهو ما يستقيم به الأمر ويصلح ، ثم ذكروا ههنا في كون الكعبة سببا لقوام مصالح الناس وجوها : الأول : أن أهل مكة كانوا محتاجين إلى حضور أهل الآفاق عندهم ليشتروا منهم ما يحتاجون إليه طول السنة ، فإن مكة بلدة ضيقة لا ضرع فيها ولا زرع ، وقلما يوجد فيها ما يحتاجون إلي ، فالله تعالى جعل الكعبة معظمة في القلوب حتى صار أهل الدنيا راغبين في زيارتها ، فيسافرون إليها من كل فج عميق لأجل التجارة ويأتون بجميع المطالب والمشتهيات ، فصار ذلك سببا لاسباغ النعم على أهل مكة . الثاني : أن العرب كانوا يتقاتلون ويغيرون إلا في الحرم ، فكان أهل الحرم آمنين على أنفسهم وعلى أموالهم حتى لو لقي الرجل قاتل أبيه أو ابنه في الحرم لم يتعرض له ، ولو جنى الرجل أعظم الجنايات ثم التجأ إلى الحرم لم يتعرض له ولهذا قال تعالى : { أو لم يروا أنا جعلنا حرما ءامنا ويتخطف الناس من حولهم } ( العنكبوت : 67 ) الثالث : أن أهل مكة صاروا بسبب الكعبة أهل الله وخاصته وسادة الخلق إلى يوم القيامة وكل أحد يتقرب إليهم ويعظمهم . الرابع : أنه تعالى جعل الكعبة قواما للناس في دينهم بسبب ما جعل فيها من المناسك العظيمة والطاعات الشريفة ، وجعل تلك المناسك سببا لحط الخطيآت ، ورفع الدرجات وكثرة الكرامات . واعلم أنه لا يبعد حمل الآية على جميع هذه الوجوه ، وذلك لأن قوام المعيشة إما بكثرة المنافع وهو الوجه الأول الذي ذكرناه ، وإما بدفع المضار وهو الوجه الثاني ، وءما بحصول الجاه والرياسة وهو الوجه الثالث ، وإما بحصول الدين وهو الوجه الرابع ، فلما كانت الكعبة سببا لحصول هذه الأقسام الأربعة ، وثبت أن قوام المعيشة ليس إلا بهذه الأربعة ثبت أن الكعبة سبب لقوام الناس . المسألة الخامسة : المراد بقوله { قياما للناس } أي لبعض الناس وهم العرب ، وإنما حسن هذا المجاز لأن أهل كل بلد إذا قالوا الناس فعلوا كذا وصنعوا كذا فإنهم لا يريدون إلا أهل بلدتهم فلهذا السبب خوطبوا بهذا الخطاب على وفق عادتهم . المسألة السادسة : اعلم أن الآية دالة على أنه تعالى جعل أربعة أشياء سببا لقيام الناس وقوامهم . الأول : الكعبة وقد بيثنا معنى كونها سببا لقيام الناس ، وأما الثاني : فهو الشهر الحرام ومعنى كونه سببا لقيام الناس هو أن العرب كان يقتل بعضهم بعضا في سائر الأشهر ، ويغير بعضهم على بعض ، فإذا دخل الشهر الحرام زال الخوف وقدروا على الأسفار والتجارات وصاروا آمنين على أنفسهم وأموالهم وكانوا يحصلون في الشهر الحرام من الأقوات ما كان يكفيهم طول السنة ، فلولا حرمة الشهر الحرام لهلكوا وتفانوا من الجوع والشدة فكان الشهر الحرام سببا لقوام معيشتهم في الدنيا أيضا . فهو سبب لاكتساب الثواب العظيم بسبب إقامة مناسك الحج .

لسان عثمانی (Osmanlıca) Tercümesi (Ehl-i Sünnet)

المسألة الرابعة : قوله { قياما للناس } أصله قوام لأنه من قام يقوم ، وهو ما يستقيم به الأمر ويصلح ، ثم ذكروا ههنا في كون الكعبة سببا لقوام مصالح الناس وجوها : الأول : أن أهل مكة كانوا محتاجين إلى حضور أهل الآفاق عندهم ليشتروا منهم ما يحتاجون إليه طول السنة ، فإن مكة بلدة ضيقة لا ضرع فيها ولا زرع ، وقلما يوجد فيها ما يحتاجون إلي ، فالله تعالى جعل الكعبة معظمة في القلوب حتى صار أهل الدنيا راغبين في زيارتها ، فيسافرون إليها من كل فج عميق لأجل التجارة ويأتون بجميع المطالب والمشتهيات ، فصار ذلك سببا لاسباغ النعم على أهل مكة . الثاني : أن العرب كانوا يتقاتلون ويغيرون إلا في الحرم ، فكان أهل الحرم آمنين على أنفسهم وعلى أموالهم حتى لو لقي الرجل قاتل أبيه أو ابنه في الحرم لم يتعرض له ، ولو جنى الرجل أعظم الجنايات ثم التجأ إلى الحرم لم يتعرض له ولهذا قال تعالى : { أو لم يروا أنا جعلنا حرما ءامنا ويتخطف الناس من حولهم } ( العنكبوت : 67 ) الثالث : أن أهل مكة صاروا بسبب الكعبة أهل الله وخاصته وسادة الخلق إلى يوم القيامة وكل أحد يتقرب إليهم ويعظمهم . الرابع : أنه تعالى جعل الكعبة قواما للناس في دينهم بسبب ما جعل فيها من المناسك العظيمة والطاعات الشريفة ، وجعل تلك المناسك سببا لحط الخطيآت ، ورفع الدرجات وكثرة الكرامات . واعلم أنه لا يبعد حمل الآية على جميع هذه الوجوه ، وذلك لأن قوام المعيشة إما بكثرة المنافع وهو الوجه الأول الذي ذكرناه ، وإما بدفع المضار وهو الوجه الثاني ، وءما بحصول الجاه والرياسة وهو الوجه الثالث ، وإما بحصول الدين وهو الوجه الرابع ، فلما كانت الكعبة سببا لحصول هذه الأقسام الأربعة ، وثبت أن قوام المعيشة ليس إلا بهذه الأربعة ثبت أن الكعبة سبب لقوام الناس . المسألة الخامسة : المراد بقوله { قياما للناس } أي لبعض الناس وهم العرب ، وإنما حسن هذا المجاز لأن أهل كل بلد إذا قالوا الناس فعلوا كذا وصنعوا كذا فإنهم لا يريدون إلا أهل بلدتهم فلهذا السبب خوطبوا بهذا الخطاب على وفق عادتهم . المسألة السادسة : اعلم أن الآية دالة على أنه تعالى جعل أربعة أشياء سببا لقيام الناس وقوامهم . الأول : الكعبة وقد بيثنا معنى كونها سببا لقيام الناس ، وأما الثاني : فهو الشهر الحرام ومعنى كونه سببا لقيام الناس هو أن العرب كان يقتل بعضهم بعضا في سائر الأشهر ، ويغير بعضهم على بعض ، فإذا دخل الشهر الحرام زال الخوف وقدروا على الأسفار والتجارات وصاروا آمنين على أنفسهم وأموالهم وكانوا يحصلون في الشهر الحرام من الأقوات ما كان يكفيهم طول السنة ، فلولا حرمة الشهر الحرام لهلكوا وتفانوا من الجوع والشدة فكان الشهر الحرام سببا لقوام معيشتهم في الدنيا أيضا . فهو سبب لاكتساب الثواب العظيم بسبب إقامة مناسك الحج .

قسم V12/P083–V12/P084Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb (s. V12/P083–V12/P084)
Orijinal Metin (AR)

واعلم أنه تعالى أراد بالشهر الحرام الأشهر الحرم الأربعة إلا أنه عبر عنها بلفظ الواحد لأنه ذهب به مذهب الجنس . وأما الثالث : فهو الهدي وهو إنما كان سببا لقيام الناس ، لأن الهدي ما يهدى إلى البيت ويذبح هناك ويفرق لحمه على الفقراء فيكون ذلك نسكا للمهدي وقواما لمعيشة الفقراء . وأما الرابع : فهو القلائد ، والوجه في كونها قياما للناس أن من قصد البيت في الشهر الحرام لم يتعرض له أحد ، ومن قصده من غير الشهر الحرلاام ومعه هدي ، وقد قلده وقلد نفسه من لحاء شجرة الحرم لم يتعرض له أحد ، حتى أن الواحد من العرب يلقى الهدي مقلدا ، ويموت من الجوع فلا يتعرض له البتة ، ولم يتعرض لها صاحبها أيضا ، وكل ذلك إنما كان لأن الله تعالى أوقع في قلوبهم تعظيم البيت الحرام ، فكل من قصده أو تقرب إليه صار آمنا من جميع الآفات والمخافات ، فلما ذكر الله تعالى أنه جعل الكعبة البيت الحرام قياما للناسي ذكر بعده هذه الثلاثة ، وهي الشهر الحرام والهدي والقلائد ، لأن هذه الثلاثة إنما صارت سببا لقوام المعيشة لانتسابها إلى البيت الحرام ، فكان ذلك دليلا على عظمة هذا البيت وغاية شرفه . ثم قال تعالى : { ذالك لتعلموا أن الله يعلم ما فى السماوات وما في الارض وأن الله بكل شىء عليم } . والمعنى : أنه تعالى لما علم في الأزل أن مقتضى طباع العرب الحرص الشديد على القتل والغارة وعلم أنه لو دامت بهم هذه الحالة لعجزوا عن تحصيل ما يحتاجون إليه من منافع المعيشة ، ولأدى ذلك إلى فنائهم وانقطاعهم بالكلية ، دبر في ذلك تدبيرا لطيفا ، وهو يأنه ألقى في قلوبهم اعتقادا قويا في تعظيم البيت الحرام وتعظيم مناسكه ، فصار ذلك سببا لحصول الأمن في البلد الحرام ، وفي الشهر الحرام ، فلما حصل الأمن في هذا المكان وفي هذا الزمان ، قدروا على تحصيل ما يحتاجون إليه في هذا الزمان ، وفي هذا المكان ، فاستقامت مصالح معاشهم ، ومن المعلوم أن مثل هذا التدبير لا يمكن إلا إذا كان تعالى في الأزل عالما بجميع المعلومات من الكليات والجزئيات حتى يعلم أن الشر غالب على طباعهم ، وأن ذلك يفضي بهم إلى الفناء وانقطاع النسل ، وأنه لا يمكن دفع ذلك إلا بهذا الطريق اللطيف ، وهو إلقاء تعظيم الكعبة في قلوبهم حتى يصير ذلك سببا لحصول الأمان في بعض الأمكنة ، وفي بعض الأزمنة ، فحينئذ تستقيم مصالح معاشهم في ذلك المكان ، وفي ذلك الزمان ، وهذا هو بعينه الدليل الذي تمسك به المتكلمون على كونه تعالى عالما ، فإنهم يقولون إن أفعاله محكمة متقنة مطابقة للمصالح ، وكل من كان كذلك كان عالما ، ومن المعلوم أن إلقاء تعظيم الكعبة في قلوب العرب لأجل أن يصير ذلك سببا لحصول الأمن في بعض الأمكنة ، وفي بعض الأزمنة ، ليصير ذلك سبب اقتدارهم على تحصيل مصالح المعيشة ، فعل في غاية الاتقان والاحكام ، فيكون ذلك دليلا قاهرا وبرهانا باهرا ، على أن صانع العالم سبحانه وتعالى عالم بجميع المعلومات / فلا جرم قال ذلك { لتعلموا } أي ذلك التدبير اللطيف لأجل أن تتفكروا فيه ، فتعلموا أنه تدبير لطيف وفعل محكم متقن ، فتعلموا { أن الله يعلم ما فى السماوات وما في الارض } ثم إذا عرفتم ذلك ، عرفتم أن علمه سبحانه وتعالى صفة قديمة أزلية واجبة الوجود ، وما كان كذلك ، امتنع أن يكون مخصوصا بالبعض دون البعض ، فوجب كونه متعلقا بجميع المعلومات ، وإذا كان كذلك ، كان الله سبحانه عالما بجميع المعلومات ، فلذلك قال : { وأن الله بكل شىء عليم } فما أحسن هذا الترتيب في هذا التقدير والحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله .

لسان عثمانی (Osmanlıca) Tercümesi (Ehl-i Sünnet)

واعلم أنه تعالى أراد بالشهر الحرام الأشهر الحرم الأربعة إلا أنه عبر عنها بلفظ الواحد لأنه ذهب به مذهب الجنس . وأما الثالث : فهو الهدي وهو إنما كان سببا لقيام الناس ، لأن الهدي ما يهدى إلى البيت ويذبح هناك ويفرق لحمه على الفقراء فيكون ذلك نسكا للمهدي وقواما لمعيشة الفقراء . وأما الرابع : فهو القلائد ، والوجه في كونها قياما للناس أن من قصد البيت في الشهر الحرام لم يتعرض له أحد ، ومن قصده من غير الشهر الحرلاام ومعه هدي ، وقد قلده وقلد نفسه من لحاء شجرة الحرم لم يتعرض له أحد ، حتى أن الواحد من العرب يلقى الهدي مقلدا ، ويموت من الجوع فلا يتعرض له البتة ، ولم يتعرض لها صاحبها أيضا ، وكل ذلك إنما كان لأن الله تعالى أوقع في قلوبهم تعظيم البيت الحرام ، فكل من قصده أو تقرب إليه صار آمنا من جميع الآفات والمخافات ، فلما ذكر الله تعالى أنه جعل الكعبة البيت الحرام قياما للناسي ذكر بعده هذه الثلاثة ، وهي الشهر الحرام والهدي والقلائد ، لأن هذه الثلاثة إنما صارت سببا لقوام المعيشة لانتسابها إلى البيت الحرام ، فكان ذلك دليلا على عظمة هذا البيت وغاية شرفه . ثم قال تعالى : { ذالك لتعلموا أن الله يعلم ما فى السماوات وما في الارض وأن الله بكل شىء عليم } . والمعنى : أنه تعالى لما علم في الأزل أن مقتضى طباع العرب الحرص الشديد على القتل والغارة وعلم أنه لو دامت بهم هذه الحالة لعجزوا عن تحصيل ما يحتاجون إليه من منافع المعيشة ، ولأدى ذلك إلى فنائهم وانقطاعهم بالكلية ، دبر في ذلك تدبيرا لطيفا ، وهو يأنه ألقى في قلوبهم اعتقادا قويا في تعظيم البيت الحرام وتعظيم مناسكه ، فصار ذلك سببا لحصول الأمن في البلد الحرام ، وفي الشهر الحرام ، فلما حصل الأمن في هذا المكان وفي هذا الزمان ، قدروا على تحصيل ما يحتاجون إليه في هذا الزمان ، وفي هذا المكان ، فاستقامت مصالح معاشهم ، ومن المعلوم أن مثل هذا التدبير لا يمكن إلا إذا كان تعالى في الأزل عالما بجميع المعلومات من الكليات والجزئيات حتى يعلم أن الشر غالب على طباعهم ، وأن ذلك يفضي بهم إلى الفناء وانقطاع النسل ، وأنه لا يمكن دفع ذلك إلا بهذا الطريق اللطيف ، وهو إلقاء تعظيم الكعبة في قلوبهم حتى يصير ذلك سببا لحصول الأمان في بعض الأمكنة ، وفي بعض الأزمنة ، فحينئذ تستقيم مصالح معاشهم في ذلك المكان ، وفي ذلك الزمان ، وهذا هو بعينه الدليل الذي تمسك به المتكلمون على كونه تعالى عالما ، فإنهم يقولون إن أفعاله محكمة متقنة مطابقة للمصالح ، وكل من كان كذلك كان عالما ، ومن المعلوم أن إلقاء تعظيم الكعبة في قلوب العرب لأجل أن يصير ذلك سببا لحصول الأمن في بعض الأمكنة ، وفي بعض الأزمنة ، ليصير ذلك سبب اقتدارهم على تحصيل مصالح المعيشة ، فعل في غاية الاتقان والاحكام ، فيكون ذلك دليلا قاهرا وبرهانا باهرا ، على أن صانع العالم سبحانه وتعالى عالم بجميع المعلومات / فلا جرم قال ذلك { لتعلموا } أي ذلك التدبير اللطيف لأجل أن تتفكروا فيه ، فتعلموا أنه تدبير لطيف وفعل محكم متقن ، فتعلموا { أن الله يعلم ما فى السماوات وما في الارض } ثم إذا عرفتم ذلك ، عرفتم أن علمه سبحانه وتعالى صفة قديمة أزلية واجبة الوجود ، وما كان كذلك ، امتنع أن يكون مخصوصا بالبعض دون البعض ، فوجب كونه متعلقا بجميع المعلومات ، وإذا كان كذلك ، كان الله سبحانه عالما بجميع المعلومات ، فلذلك قال : { وأن الله بكل شىء عليم } فما أحسن هذا الترتيب في هذا التقدير والحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله .

قسم V12/P084–V12/P085Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb (s. V12/P084–V12/P085)
Orijinal Metin (AR)

! 7 < { اعلموا أن الله شديد العقاب وأن الله غفور رحيم } . > 7 ! < < المائدة : ( 98 ) اعلموا أن الله . . . . . > > لما ذكر الله تعالى أنواع رحمته بعباده ، ذكر بعده أنه شديد العقاب ، لأن الإيمان لا يتم إلا بالرجاء والخوف كما قال عليه الصلاة والسلام : ( لو وزن خوف المؤمن ورجاؤه لاعتدلا ) ثم ذكر عقيبه ما يدل على الرحمة وهو كونه غفورا رحيما وذلك يدل على أن جانب الرحمة أغلب ، لأنه تعالى ذكر فيما قبل أنواع رحمته وكرمه ، ثم ذكر أنه شديد العقاب ثم ذكر عقيبه وصفين من أوصاف الرحمة وهو كونه غفورا رحيما ، وهذا تنبيه على دقيقة وهي أن ابتداء الخلق والإيجاد كان لأجل الرحمة ، والظاهر أن الختم لا يكون إلا على الرحمة . ثم قال تعالى : ! 7 < { ما على الرسول إلا البلاغ والله يعلم ما تبدون وما تكتمون } . > 7 ! < < المائدة : ( 99 ) ما على الرسول . . . . . > > واعلم أنه تعالى لما قدم الترهيب والترغيب بقوله { أن الله شديد العقاب وأن الله غفور رحيم } ( المائدة : 98 ) أتبعه بالتكليف بقوله { ما على الرسول إلا البلاغ } يعني أنه كان مكلفا بالتبليغ فلما بلغ خرج عن العهدة وبقي الأمر من جانبكم وأنا عالم بما تبدون وبما تكتمون ، فإن خالفتم فاعلموا أن الله شديد العقاب ، وإن أطعتم فاعلموا أن الله غفور رحيم . ! 7 < { قل لا يستوى الخبيث والطيب ولو أعجبك كثرة الخبيث فاتقوا الله ياأولى الا لباب لعلكم تفلحون } . > 7 < المائدة : ( 100 ) قل لا يستوي . . . . . > > ثم قال تعالى : { قل لا يستوى الخبيث والطيب } . اعلم أنه تعالى لما زجر عن المعصية ورغب في الطاعة بقوله { اعلموا أن الله شديد العقاب وأن الله غفور رحيم } ( المائدة : 98 ) ثم أتبعه بالتكليف بقوله { ما على الرسول إلا البلاغ } ( المائدة : 99 ) ثم أتبعه بالترغيب في الطاعة والتنفير عن المعصية بقوله { والله يعلم ما تبدون وما تكتمون } ( المائدة : 99 ) أتبعه بنوع آخر من الترغيب في الطاعة والتنفير عن المعصية فقال : { قل لا يستوى الخبيث والطيب } وذلك لأن الخبيث والطيب قسمان : أحدهما : الذي يكون جسمانيا ، وهو ظاهر لكل أحد ، والثاني : الذي يكون روحانيا ، وأخبث الخبائث الروحانية الجهل والمعصية ، وأطيب الطيبات الروحانية معرفة الله تعالى وطاعة الله تعالى ، وذلك لأن الجسم الذي يلتصق به شيء من النجاسات يصير مستقذرا عند أرباب الطباع السليمة ، فكذلك الأرواح العارفة بالله تعالى المواظبة على خدمة الله تعالى ، فإنها تصير مشرقة بأنوار المعارف الإلهية مبتهجة بالقرب من الأرواح المقدسة الطاهرة ، وكما أن الخبيث والطبيب في عالم الجسمانيات لا يستويان ، فكذلك في عالم الروحانيات لا يستويان ، بل المباينة بينهما في عالم الروحانيات أشد ، لأن مضرة خبث الخبيث الجسماني شيء قليل ، ومنفعته طيبة مختصرة ، وأما خبث الخبيث الروحاني فمضرته عظيمة دائمة أبدية ، وطيب الطيب الروحاني فمنفتعه عظيمة دائمة أبدية ، وهو القرب من جوار رب العالمين ، والانخراط في زمرة الملائكة المقربين ، والمرافقة من النبيين والصديقين والشهداء الصالحين ، فكان هذا من أعظم وجوه الترغيب في الطاعة والتنفير عن المعصية .

لسان عثمانی (Osmanlıca) Tercümesi (Ehl-i Sünnet)

! 7 < { اعلموا أن الله شديد العقاب وأن الله غفور رحيم } . > 7 ! < < المائدة : ( 98 ) اعلموا أن الله . . . . . > > لما ذكر الله تعالى أنواع رحمته بعباده ، ذكر بعده أنه شديد العقاب ، لأن الإيمان لا يتم إلا بالرجاء والخوف كما قال عليه الصلاة والسلام : ( لو وزن خوف المؤمن ورجاؤه لاعتدلا ) ثم ذكر عقيبه ما يدل على الرحمة وهو كونه غفورا رحيما وذلك يدل على أن جانب الرحمة أغلب ، لأنه تعالى ذكر فيما قبل أنواع رحمته وكرمه ، ثم ذكر أنه شديد العقاب ثم ذكر عقيبه وصفين من أوصاف الرحمة وهو كونه غفورا رحيما ، وهذا تنبيه على دقيقة وهي أن ابتداء الخلق والإيجاد كان لأجل الرحمة ، والظاهر أن الختم لا يكون إلا على الرحمة . ثم قال تعالى : ! 7 < { ما على الرسول إلا البلاغ والله يعلم ما تبدون وما تكتمون } . > 7 ! < < المائدة : ( 99 ) ما على الرسول . . . . . > > واعلم أنه تعالى لما قدم الترهيب والترغيب بقوله { أن الله شديد العقاب وأن الله غفور رحيم } ( المائدة : 98 ) أتبعه بالتكليف بقوله { ما على الرسول إلا البلاغ } يعني أنه كان مكلفا بالتبليغ فلما بلغ خرج عن العهدة وبقي الأمر من جانبكم وأنا عالم بما تبدون وبما تكتمون ، فإن خالفتم فاعلموا أن الله شديد العقاب ، وإن أطعتم فاعلموا أن الله غفور رحيم . ! 7 < { قل لا يستوى الخبيث والطيب ولو أعجبك كثرة الخبيث فاتقوا الله ياأولى الا لباب لعلكم تفلحون } . > 7 < المائدة : ( 100 ) قل لا يستوي . . . . . > > ثم قال تعالى : { قل لا يستوى الخبيث والطيب } . اعلم أنه تعالى لما زجر عن المعصية ورغب في الطاعة بقوله { اعلموا أن الله شديد العقاب وأن الله غفور رحيم } ( المائدة : 98 ) ثم أتبعه بالتكليف بقوله { ما على الرسول إلا البلاغ } ( المائدة : 99 ) ثم أتبعه بالترغيب في الطاعة والتنفير عن المعصية بقوله { والله يعلم ما تبدون وما تكتمون } ( المائدة : 99 ) أتبعه بنوع آخر من الترغيب في الطاعة والتنفير عن المعصية فقال : { قل لا يستوى الخبيث والطيب } وذلك لأن الخبيث والطيب قسمان : أحدهما : الذي يكون جسمانيا ، وهو ظاهر لكل أحد ، والثاني : الذي يكون روحانيا ، وأخبث الخبائث الروحانية الجهل والمعصية ، وأطيب الطيبات الروحانية معرفة الله تعالى وطاعة الله تعالى ، وذلك لأن الجسم الذي يلتصق به شيء من النجاسات يصير مستقذرا عند أرباب الطباع السليمة ، فكذلك الأرواح العارفة بالله تعالى المواظبة على خدمة الله تعالى ، فإنها تصير مشرقة بأنوار المعارف الإلهية مبتهجة بالقرب من الأرواح المقدسة الطاهرة ، وكما أن الخبيث والطبيب في عالم الجسمانيات لا يستويان ، فكذلك في عالم الروحانيات لا يستويان ، بل المباينة بينهما في عالم الروحانيات أشد ، لأن مضرة خبث الخبيث الجسماني شيء قليل ، ومنفعته طيبة مختصرة ، وأما خبث الخبيث الروحاني فمضرته عظيمة دائمة أبدية ، وطيب الطيب الروحاني فمنفتعه عظيمة دائمة أبدية ، وهو القرب من جوار رب العالمين ، والانخراط في زمرة الملائكة المقربين ، والمرافقة من النبيين والصديقين والشهداء الصالحين ، فكان هذا من أعظم وجوه الترغيب في الطاعة والتنفير عن المعصية .

قسم V12/P085–V12/P086Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb (s. V12/P085–V12/P086)
Orijinal Metin (AR)

ثم قال تعالى : { ولو أعجبك كثرة الخبيث } يعني أن الذي يكون خبيثا في عالم الرحانيات ، قد يكون طيبا في عالم الجسمانيات ، ويكون كثير المقدار ، وعظيم اللذة ، إلا أنه مع كثرة مقداره ولذاذة متناوله وقرب وجدانه ، سبب للحرمان من السعادات الباقية الأبدية السرمدية ، التي إليها الإشارة بقوله { والباقيات الصالحات خير عند ربك } ( الكهف : 46 ) وإذا كان الأمر كذلك فالخبيث ولو أعجبك كثرته ، يمتنع أن يكون مساويا للطيب الذي هو المعرفة والمحبة والطاعة والابتهاج بالسعادات الروحانية والكرامات الربانية . ولما ذكر تعالى هذه الترغيبات الكثيرة في الطاعة ، والتحذيرات من المعصية ، أتبعها بوجه آخر يؤكدها ، فقال تعالى : { فاتقوا الله ياأولى أولى الالباب لعلكم تفلحون } أي فاتقوا الله بعد هذه البيانات الجلية ، والتعريفات القوية ، ولا تقدموا على مخالفته لعلكم تصيرون فائزين بالمطالب الدنيوية والدينية العاجلة والآجلة . ! 7 < { ياأيها الذين ءامنوا لا تسألوا عن أشيآء إن تبد لكم تسؤكم وإن تسألوا عنها حين ينزل القرءان تبد لكم عفا الله عنها والله غفور حليم } . > 7 < المائدة : ( 101 ) يا أيها الذين . . . . . > > قوله تعالى : { تفلحون يأيها الذين ءامنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم } في الآية مسائل : المسألة الأولى : في اتصال هذه الآية بما قبلها وجوه : الأول : أنه تعالى لما قال : { ما على الرسول إلا البلاغ } ( المائدة : 99 ) صار التقدير كأنه قال ، ما بلغه الرسول إليكم فخذوه ، وكونوا منقادين له ، وما لم يبلغه الرسول إليك فلا تسألوا عنه ، ولا تخوضوا فيه ، فإنكم أن خضتم فيما لا تكليف فيه عليكم فربما جاءكم بسبب ذلك الخوض الفاسد من التكاليف ما يثقل عليكم ويشق عليكم . الثاني : أنه تعالى لما قال : { ما على الرسول إلا البلاغ } وهذا ادعاء منه للرسالة ، ثم إن الكفار كانوا يطالبونه بعد ظهور المعجزات أخر على سبيل التعنت كما قال تعالى حاكيا عنهم { وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الارض ينبوعا } ( الإسرار : 90 ) إلى قوله { قل سبحان ربى هل كنت إلا بشرا رسولا } ( الإسرار : 93 ) والمعنى إني رسول أمرت بتبليغ الرسالة والشرائع والأحكام اليكم ، والله تعالى قد أقام الدلالة على صحة دعواي في الرسالة بإظهار أنواع كثيرة من المعجزات ، فبعد ذلك طلب الزيادة من باب التحكم وذلك ليس في وسعي ولعل إظهارها يوجب ما يسوءكم مثل أنها لو ظهرت فكل من خالف بعد ذلك استوجب العقاب في الدنيا ، ثم إن المسلمين لما سمعوا الكفار يطالبون الرسول صلى الله عليه وسلم بهذه المعجزات ، وقع في قلوبهم ميل إلى ظهورها فعرفوا في هذه الآية أنهم لا ينبغي أن يطلبوا ذلك فربما كان ظهورها يوجب ما يسوءهم . الوجه الثالث : أن هذا متصل بقوله : { والله يعلم ما تبدون وما تكتمون } ( المائدة : 99 ) فاتركوا الأمور على ظواهرنا ولا تسألوا عن أحوال مخيفة إن تبد لكم تسؤكم . المسألة الثانية : أشياء جمع شيء وأنها غير متصرفة وللنحويين في سبب امتناع الصرف وجوه الأول : قال الخليل وسيبويه : قولنا شيء جمعه في الأصل شيآء على وزن فعلاء فاستثقلوا اجتماع الهمزتين في آخره ، فنقلوا الهمزة الأولى التي هي لام الفعل إلى أول الكلمة فجاءت لفعاء ، وذلك يوجب منع الصرف لثلاثة أوجه ، واحد منها مذكور ، وإثنان خطرا ببالي .

لسان عثمانی (Osmanlıca) Tercümesi (Ehl-i Sünnet)

ثم قال تعالى : { ولو أعجبك كثرة الخبيث } يعني أن الذي يكون خبيثا في عالم الرحانيات ، قد يكون طيبا في عالم الجسمانيات ، ويكون كثير المقدار ، وعظيم اللذة ، إلا أنه مع كثرة مقداره ولذاذة متناوله وقرب وجدانه ، سبب للحرمان من السعادات الباقية الأبدية السرمدية ، التي إليها الإشارة بقوله { والباقيات الصالحات خير عند ربك } ( الكهف : 46 ) وإذا كان الأمر كذلك فالخبيث ولو أعجبك كثرته ، يمتنع أن يكون مساويا للطيب الذي هو المعرفة والمحبة والطاعة والابتهاج بالسعادات الروحانية والكرامات الربانية . ولما ذكر تعالى هذه الترغيبات الكثيرة في الطاعة ، والتحذيرات من المعصية ، أتبعها بوجه آخر يؤكدها ، فقال تعالى : { فاتقوا الله ياأولى أولى الالباب لعلكم تفلحون } أي فاتقوا الله بعد هذه البيانات الجلية ، والتعريفات القوية ، ولا تقدموا على مخالفته لعلكم تصيرون فائزين بالمطالب الدنيوية والدينية العاجلة والآجلة . ! 7 < { ياأيها الذين ءامنوا لا تسألوا عن أشيآء إن تبد لكم تسؤكم وإن تسألوا عنها حين ينزل القرءان تبد لكم عفا الله عنها والله غفور حليم } . > 7 < المائدة : ( 101 ) يا أيها الذين . . . . . > > قوله تعالى : { تفلحون يأيها الذين ءامنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم } في الآية مسائل : المسألة الأولى : في اتصال هذه الآية بما قبلها وجوه : الأول : أنه تعالى لما قال : { ما على الرسول إلا البلاغ } ( المائدة : 99 ) صار التقدير كأنه قال ، ما بلغه الرسول إليكم فخذوه ، وكونوا منقادين له ، وما لم يبلغه الرسول إليك فلا تسألوا عنه ، ولا تخوضوا فيه ، فإنكم أن خضتم فيما لا تكليف فيه عليكم فربما جاءكم بسبب ذلك الخوض الفاسد من التكاليف ما يثقل عليكم ويشق عليكم . الثاني : أنه تعالى لما قال : { ما على الرسول إلا البلاغ } وهذا ادعاء منه للرسالة ، ثم إن الكفار كانوا يطالبونه بعد ظهور المعجزات أخر على سبيل التعنت كما قال تعالى حاكيا عنهم { وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الارض ينبوعا } ( الإسرار : 90 ) إلى قوله { قل سبحان ربى هل كنت إلا بشرا رسولا } ( الإسرار : 93 ) والمعنى إني رسول أمرت بتبليغ الرسالة والشرائع والأحكام اليكم ، والله تعالى قد أقام الدلالة على صحة دعواي في الرسالة بإظهار أنواع كثيرة من المعجزات ، فبعد ذلك طلب الزيادة من باب التحكم وذلك ليس في وسعي ولعل إظهارها يوجب ما يسوءكم مثل أنها لو ظهرت فكل من خالف بعد ذلك استوجب العقاب في الدنيا ، ثم إن المسلمين لما سمعوا الكفار يطالبون الرسول صلى الله عليه وسلم بهذه المعجزات ، وقع في قلوبهم ميل إلى ظهورها فعرفوا في هذه الآية أنهم لا ينبغي أن يطلبوا ذلك فربما كان ظهورها يوجب ما يسوءهم . الوجه الثالث : أن هذا متصل بقوله : { والله يعلم ما تبدون وما تكتمون } ( المائدة : 99 ) فاتركوا الأمور على ظواهرنا ولا تسألوا عن أحوال مخيفة إن تبد لكم تسؤكم . المسألة الثانية : أشياء جمع شيء وأنها غير متصرفة وللنحويين في سبب امتناع الصرف وجوه الأول : قال الخليل وسيبويه : قولنا شيء جمعه في الأصل شيآء على وزن فعلاء فاستثقلوا اجتماع الهمزتين في آخره ، فنقلوا الهمزة الأولى التي هي لام الفعل إلى أول الكلمة فجاءت لفعاء ، وذلك يوجب منع الصرف لثلاثة أوجه ، واحد منها مذكور ، وإثنان خطرا ببالي .

قسم V12/P086–V12/P087Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb (s. V12/P086–V12/P087)
Orijinal Metin (AR)

أما الأول : وهو المذكور فهو أن الكلمة لما كانت في الأصل على وزن فعلاء ، مثل حمراء ، لا جرم لم تنصرف كما لم ينصرف حمراء ، والثاني : ى نها لما كانت في الأصل شيآء ثم جعلت أشياء كان ذلك تشبيها بالمعدول كما في عامر وعمر ، وزافر وزفر ، والعدل أحد أسباب منع الصرف . الثالث : وهو إنا لما قطعنا الحرف الأخير منه وجعلناه أوله ، والكلمة من حيث إنها قطع منها الحرف الأخير صارت كنصف الكلمة ، ونصف الكلمة لا يقبل الاعراب ، ومن حيث إن ذلك الحرف الذي قطعناه منها ما حذفناه بالكلية ، بل ألصقناه بأولها ، كانت الكلمة كأنها باقية بتمامها ، فلا جرم منعناه بعض وجوه الاعراب دون البعض ، تنبيها على هذه الحالة ، فهذا ما خطر بالبال في هذا المقام . الوجه الثاني : في بيان السبب في منع الصرف ما ذكره الأخفش والفراء : وهو أن أشياء وزنه أفعلاء ، كقوله أصدقاء وأصفياء ، ثم إنهم استثقلوا اجتماع الياء والهمزتين فقدموا الهمزة ، فلما كان أشياء في الأصل أشيياء على وزن أصدقاء وأفعلاء / وكان ذلك مما لا يجري فيه الصرف ، فكذا ههنا . الوجه الثالث : ما ذكره الكسائي : وهو أن أشياء على وزن أفعال ، إلا أنهم لم يصرفوه لكونه شبيها في الظاهر بحمراء وصفراء ، وألزمه الزجاج أن لا ينصرف أسماء وأبناء ، وعندي أن سؤال الزجاج ليس بشيء ، لأن للكسائي أن يقول : القياس يقتضي ذلك في أبناء وأسماء ، إلا أنه ترك العمل به للنص ، لأن النص أقوى من القياس ، ولم يوجد النص في لفظ أشياء فوجب الجري فيه على القياس ، ولأن المحققين من النحويين اتفقوا على أن العلل النحوية لا توجب الاطراد ، ألا ترى أنا إذا قلنا الفاعلية توجب الرفع ، لزمنا أن نحكم بحصول الرفع في جميع المواضع ، كقولنا جاءني هؤلاء وضربني هذا بل نقول : القياس ذلك فيعمل به ، إلا إذا عارضه نص فكذا القول فيما أورده الزجاج على الكسائي . المسألة الثالثة : روى أنس أنهم سألوا النبي صلى الله عليه وسلم فأكثروا المسألة ، فقام على المنبر فقال : ( سلوني فوالله لا تسألوني عن شيء ما دمت في مقامي هذا إلا حدثتكم به ) فقام عبد الله بن حذافة السهمي وكان يطعن في نسبه ، فقال يا نبي الله من أبي فقال : ( أبوك حذافة بن قيس ) وقال سراقة بن مالك ويروي عكاشة بن محصن يا رسول الله : الحج علين في كل عام فأعرض عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أعاد مرتين أو ثلاثة ، فقال عليه الصلاة والسلام : ( ويحك وما يؤمنك أن أقول نعم والله لو قلت نعم لوجبت ، ولو وجبت لتركتم ، ولو تركتم لكفرتم فاتركوني ما تركتكم فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم فإذا أمرتكم بشيء فائتوا منه ما استطعتم وإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه ) وقام آخر فقال : يا رسول الله أين أبي فقال ( في النار ) ولما اشتد غضب الرسول صلى الله عليه وسلم قام عمر وقال : رضينا بالله ربا وبالاسلام دينا وبمحمد نبيا فأنزل الله تعالى هذه الآية .

لسان عثمانی (Osmanlıca) Tercümesi (Ehl-i Sünnet)

أما الأول : وهو المذكور فهو أن الكلمة لما كانت في الأصل على وزن فعلاء ، مثل حمراء ، لا جرم لم تنصرف كما لم ينصرف حمراء ، والثاني : ى نها لما كانت في الأصل شيآء ثم جعلت أشياء كان ذلك تشبيها بالمعدول كما في عامر وعمر ، وزافر وزفر ، والعدل أحد أسباب منع الصرف . الثالث : وهو إنا لما قطعنا الحرف الأخير منه وجعلناه أوله ، والكلمة من حيث إنها قطع منها الحرف الأخير صارت كنصف الكلمة ، ونصف الكلمة لا يقبل الاعراب ، ومن حيث إن ذلك الحرف الذي قطعناه منها ما حذفناه بالكلية ، بل ألصقناه بأولها ، كانت الكلمة كأنها باقية بتمامها ، فلا جرم منعناه بعض وجوه الاعراب دون البعض ، تنبيها على هذه الحالة ، فهذا ما خطر بالبال في هذا المقام . الوجه الثاني : في بيان السبب في منع الصرف ما ذكره الأخفش والفراء : وهو أن أشياء وزنه أفعلاء ، كقوله أصدقاء وأصفياء ، ثم إنهم استثقلوا اجتماع الياء والهمزتين فقدموا الهمزة ، فلما كان أشياء في الأصل أشيياء على وزن أصدقاء وأفعلاء / وكان ذلك مما لا يجري فيه الصرف ، فكذا ههنا . الوجه الثالث : ما ذكره الكسائي : وهو أن أشياء على وزن أفعال ، إلا أنهم لم يصرفوه لكونه شبيها في الظاهر بحمراء وصفراء ، وألزمه الزجاج أن لا ينصرف أسماء وأبناء ، وعندي أن سؤال الزجاج ليس بشيء ، لأن للكسائي أن يقول : القياس يقتضي ذلك في أبناء وأسماء ، إلا أنه ترك العمل به للنص ، لأن النص أقوى من القياس ، ولم يوجد النص في لفظ أشياء فوجب الجري فيه على القياس ، ولأن المحققين من النحويين اتفقوا على أن العلل النحوية لا توجب الاطراد ، ألا ترى أنا إذا قلنا الفاعلية توجب الرفع ، لزمنا أن نحكم بحصول الرفع في جميع المواضع ، كقولنا جاءني هؤلاء وضربني هذا بل نقول : القياس ذلك فيعمل به ، إلا إذا عارضه نص فكذا القول فيما أورده الزجاج على الكسائي . المسألة الثالثة : روى أنس أنهم سألوا النبي صلى الله عليه وسلم فأكثروا المسألة ، فقام على المنبر فقال : ( سلوني فوالله لا تسألوني عن شيء ما دمت في مقامي هذا إلا حدثتكم به ) فقام عبد الله بن حذافة السهمي وكان يطعن في نسبه ، فقال يا نبي الله من أبي فقال : ( أبوك حذافة بن قيس ) وقال سراقة بن مالك ويروي عكاشة بن محصن يا رسول الله : الحج علين في كل عام فأعرض عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أعاد مرتين أو ثلاثة ، فقال عليه الصلاة والسلام : ( ويحك وما يؤمنك أن أقول نعم والله لو قلت نعم لوجبت ، ولو وجبت لتركتم ، ولو تركتم لكفرتم فاتركوني ما تركتكم فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم فإذا أمرتكم بشيء فائتوا منه ما استطعتم وإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه ) وقام آخر فقال : يا رسول الله أين أبي فقال ( في النار ) ولما اشتد غضب الرسول صلى الله عليه وسلم قام عمر وقال : رضينا بالله ربا وبالاسلام دينا وبمحمد نبيا فأنزل الله تعالى هذه الآية .

قسم V12/P087–V12/P088Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb (s. V12/P087–V12/P088)
Orijinal Metin (AR)

وأعلم أن السؤال عن الأشياء ربما يؤدي إلى ظهور أحوال مكتومة يكره ظهورها وربما ترتبت عليه تكاليف شاقة صعبة فالأولى بالعاقل أن يسكت عما لا تكليف عليه فيه ، ألا ترى أن الذي سأل عن أبيه فإنه لم يأمن أن يلحقه الرسول عليه الصلاة والسلام بغير أبيه فيفتضح ، وأما السائل عن الحج فقد كاد أن يكون ممن قال النبي صلى الله عليه وسلم فيه : ( ءن أعظم المسلمين في المسلمين جرما من كان سببا لتحريم حلال إذ لم يؤمن أن يقول في الحج إيجاب في كل عام ) وكان عبيد بن عمير يقول : إن الله أحل وحرم فما أحل فاستحلوه ، وما حرم فاجتنبوه ، وترك بين ذلك أشياء لم يحللها ولم يحرمها ، فذلك عفو من الله تعالى ، ثم يتلو هذه الآية وقال أبو ثعلبة الخشني : ءن الله فرض فرائض فلا تضيعوها ، ونهى عن أشياء فلا تنتهكوها ، وحد حدودا فلا تعتدوها ، وعفا عن أشياء من غير نسيان فلا تبحثوا عنها . ثم قال تعالى : { يأيها الذين ءامنوا لا تسألوا عن أشياء إن } وفيه وجوه : الأول : أنه بين بالآية الأولى أن تلك الأشياء التي سألوا عنها أن أبديت لهم ساءتهم ثم بين بهذه الآية أنهم إن سألوا عنها أبديت لهم ، فكان حاصل الكلام أنهم إن سألوا عنها أبديت لهم ، وإن أبديت لهم ساءتهم ، فيلزم من مجموع المقدمتين أنهم إن سألوا عنها ظهر لهم ما يسوءهم ولا يسرهم . والوجه الثاني : في تأويل الآية أن السؤال على قسمين . أحدهما : السؤال عن شيء لم يجز ذكره في الكتاب والسنة بوجه من الوجوه ، فهذا السؤال منهى عنه بقوله { لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم } . والنوع الثاني من السؤال : السؤال عن شيء نزل به لقرآن لكن السامع لم يفهمه كما ينبغي فههنا السؤال واجب ، وهو المراد بقوله { يأيها الذين ءامنوا لا تسألوا عن أشياء إن } والفائدة في ذكر هذا القسم أنه لما منع في الآية الأولى من السؤال أوهم أن جميع أنواع السؤال ممنوع منه فذكر ذلك تمييزا لهذا القسم عن ذلك القسم . فإن قيل قوله { وإن تسألوا عنها } هذا الضمير عائد إلى الأشياء المذكورة في قوله { لا تسألوا عن أشياء } فكيف يعقل في { أشياء } بأعيانها أن يكون السؤال عنها ممنوعا وجائزا معا . قلنا : الجواب عنه من وجهين : الأول : جائز أن يكون السؤال عنها ممنوعا قبل نزول القرآن بها ومأمورا به بعد نزول القرآن بها ، والثاني : أنهما وإن كانا نوعين مختلفين ، إلا أنهما في كون كل واحد منهما مسؤولا عنه شيء واحد ، فلهذا حسن اتحاد الضمير وإن كانا في الحقيقة نوعين مختلفين . الوجه الثالث في تأويل الآية : إن قوله { لا تسألوا عن أشياء } دل على سؤالاتهم عن تلك الأشياء ، فقوله { وإن تسألوا عنها } أي وإن تسألوا عن تلك السؤالات حين ينزل القرآن لكم أن تلك السؤالات هل هي جائزة أم لا ، والحاصل أن المراد من هذه الآية أنه يجب السؤال أولا ، وأنه هل يجوز السؤال عن كذا وكذا أم لا .

لسان عثمانی (Osmanlıca) Tercümesi (Ehl-i Sünnet)

وأعلم أن السؤال عن الأشياء ربما يؤدي إلى ظهور أحوال مكتومة يكره ظهورها وربما ترتبت عليه تكاليف شاقة صعبة فالأولى بالعاقل أن يسكت عما لا تكليف عليه فيه ، ألا ترى أن الذي سأل عن أبيه فإنه لم يأمن أن يلحقه الرسول عليه الصلاة والسلام بغير أبيه فيفتضح ، وأما السائل عن الحج فقد كاد أن يكون ممن قال النبي صلى الله عليه وسلم فيه : ( ءن أعظم المسلمين في المسلمين جرما من كان سببا لتحريم حلال إذ لم يؤمن أن يقول في الحج إيجاب في كل عام ) وكان عبيد بن عمير يقول : إن الله أحل وحرم فما أحل فاستحلوه ، وما حرم فاجتنبوه ، وترك بين ذلك أشياء لم يحللها ولم يحرمها ، فذلك عفو من الله تعالى ، ثم يتلو هذه الآية وقال أبو ثعلبة الخشني : ءن الله فرض فرائض فلا تضيعوها ، ونهى عن أشياء فلا تنتهكوها ، وحد حدودا فلا تعتدوها ، وعفا عن أشياء من غير نسيان فلا تبحثوا عنها . ثم قال تعالى : { يأيها الذين ءامنوا لا تسألوا عن أشياء إن } وفيه وجوه : الأول : أنه بين بالآية الأولى أن تلك الأشياء التي سألوا عنها أن أبديت لهم ساءتهم ثم بين بهذه الآية أنهم إن سألوا عنها أبديت لهم ، فكان حاصل الكلام أنهم إن سألوا عنها أبديت لهم ، وإن أبديت لهم ساءتهم ، فيلزم من مجموع المقدمتين أنهم إن سألوا عنها ظهر لهم ما يسوءهم ولا يسرهم . والوجه الثاني : في تأويل الآية أن السؤال على قسمين . أحدهما : السؤال عن شيء لم يجز ذكره في الكتاب والسنة بوجه من الوجوه ، فهذا السؤال منهى عنه بقوله { لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم } . والنوع الثاني من السؤال : السؤال عن شيء نزل به لقرآن لكن السامع لم يفهمه كما ينبغي فههنا السؤال واجب ، وهو المراد بقوله { يأيها الذين ءامنوا لا تسألوا عن أشياء إن } والفائدة في ذكر هذا القسم أنه لما منع في الآية الأولى من السؤال أوهم أن جميع أنواع السؤال ممنوع منه فذكر ذلك تمييزا لهذا القسم عن ذلك القسم . فإن قيل قوله { وإن تسألوا عنها } هذا الضمير عائد إلى الأشياء المذكورة في قوله { لا تسألوا عن أشياء } فكيف يعقل في { أشياء } بأعيانها أن يكون السؤال عنها ممنوعا وجائزا معا . قلنا : الجواب عنه من وجهين : الأول : جائز أن يكون السؤال عنها ممنوعا قبل نزول القرآن بها ومأمورا به بعد نزول القرآن بها ، والثاني : أنهما وإن كانا نوعين مختلفين ، إلا أنهما في كون كل واحد منهما مسؤولا عنه شيء واحد ، فلهذا حسن اتحاد الضمير وإن كانا في الحقيقة نوعين مختلفين . الوجه الثالث في تأويل الآية : إن قوله { لا تسألوا عن أشياء } دل على سؤالاتهم عن تلك الأشياء ، فقوله { وإن تسألوا عنها } أي وإن تسألوا عن تلك السؤالات حين ينزل القرآن لكم أن تلك السؤالات هل هي جائزة أم لا ، والحاصل أن المراد من هذه الآية أنه يجب السؤال أولا ، وأنه هل يجوز السؤال عن كذا وكذا أم لا .

قسم V12/P088–V12/P089Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb (s. V12/P088–V12/P089)
Orijinal Metin (AR)

ثم قال تعالى : { عفا الله عنها } وفيه وجوه : الأول : عفا الله عما سلف من مسائلكم وإغضابكم للرسول بسببها ، فلا تعودوا إلى مثلها . الثاني : ى نه تعالى ذكر أن تلك الأشياء التي سألوا عنها إن أبديت لهم ساءتهم ، فقال { عفا الله عنها } يعني عما ظهر عند تلك السؤالات مما يسؤكم ويثقل ويشق في التكليف عليكم . الثالث : في الآية تقديم وتأخير ، والتقدير : لا تسألوا عن أشياء عفا الله عنها في الآية { إن تبد لكم تسؤكم } وهذا ضعيف لأن الكلام إذا اسقام من غير تغيير النظم لم يجز المصير إلى التقديم والتأخير ، وعلى هذا الوجه فقوله { عفا الله عنها } أي أمسك عنها وكف عن ذكرها ولم يكلف فيها بشيء ، وهذا كقوله عليه الصلاة والسلام : ( عفوت لكم عن صدقة الخيل ، والرقيق ) أي خففت عنكم بإسقاطها . ثم قال تعالى : { والله غفور حليم } وهذه الآية تدل على أن المراد من قوله عفا الله عنها ما كذرناه في الوجه الأول . ثم قال تعالى : ! 7 < قد سألها قوم من قبلكم ثم أصبحوا بها كافرين } > 7 ! < < المائدة : ( 102 ) قد سألها قوم . . . . . > > قال المفسرون : يعني قوم صالح سألوا الناقة ثم عقروها وقوم موسى قالوا : { } > 7 ! قال المفسرون : يعني قوم صالح سألوا الناقة ثم عقروها وقوم موسى قالوا : { أرنا الله جهرة } ( النساء : 153 ) فصار ذلك وبالا عليهم ، وبنو إسرائيل { قالوا لنبى لهم ابعث لنا ملكا نقاتل فى سبيل الله } قال تعالى : فما كتب عليهم القتال تولوا إلا قليلا منهم } و { } و { قالوا أنى يكون له الملك علينا ونحن أحق بالملك منه } ( البقرة : 246 247 ) فسألوها ثم كفروا بها ، وقوم عيسى سألوا عن أشياء فلعلكم إن أعطيتم سؤلكم ساءكم ذلك فإن قيل : إنه تعالى قال : أولا : { لا تسألوا عن أشياء } ( المائدة : 101 ) ثم قال ههنا : { قد سألها قوم من قبلكم } وكان الأولى أن يقول : قد سأل عنها قوم فما السبب في ذلك . قلنا الجواب من وجهين : الأول : أن السؤال عن الشيء عبارة عن السؤال عن حالة من أحواله ، وصفة من صفاته ، وسؤال الشيء عبارة عن طلب ذلك الشيء في نفسه ، يقال : سألته درهما أي طلبت منه الدرهم ويقال : سألته عن الدرهم أي سألته عن صفة الدرهم وعن نعته ، فالمتقدمون إنما سألوا من الله إخراج الناقة من الصخرة ، وإنزال المائدة من السماء ، فهم سألوا نفس الشيء ، وأما أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم فهم ما سألوا ذلك ، وإنما سألوا عن أحوال الأشياء وصفاتها ، فلما اختلف السؤالان في النوع ، اختلفت العبارة أيضا إلا أن كلا القسمين يشتركان في وصف واحد ، وهو أنه خوض في الفضول ، وشروع فيما لا حاجة إليه ، وفيه خطر المفسدة ، والشيء الذي لا يحتاج إليه ويكون فيه خطر المفسدة ، يجب على العاقل الاحتراز عنه ، فبين تعالى أن قوم محمد عليه السلام في السؤال عن أحوال الأشياء مشابهون لأولئك المتقدمين في سؤال تلك الأشياء في كون كل واحد منهما فضولا وخوضا فيما لا فائدة فيه . الوجه الثاني : في الجواب أن الهاء في قوله { قد سألها } غير عائدة إلى الأشياء التي سألوا عنها ، بل عائدة إلى سؤالاتهم عن تلك الأشياء ، والتقدير : قد سأل تلك السؤالات الفاسدة التي ذكرتموها قوم من قبلكم ، فلما أجيبوا عنها أصبحوا بها كافرين .

لسان عثمانی (Osmanlıca) Tercümesi (Ehl-i Sünnet)

ثم قال تعالى : { عفا الله عنها } وفيه وجوه : الأول : عفا الله عما سلف من مسائلكم وإغضابكم للرسول بسببها ، فلا تعودوا إلى مثلها . الثاني : ى نه تعالى ذكر أن تلك الأشياء التي سألوا عنها إن أبديت لهم ساءتهم ، فقال { عفا الله عنها } يعني عما ظهر عند تلك السؤالات مما يسؤكم ويثقل ويشق في التكليف عليكم . الثالث : في الآية تقديم وتأخير ، والتقدير : لا تسألوا عن أشياء عفا الله عنها في الآية { إن تبد لكم تسؤكم } وهذا ضعيف لأن الكلام إذا اسقام من غير تغيير النظم لم يجز المصير إلى التقديم والتأخير ، وعلى هذا الوجه فقوله { عفا الله عنها } أي أمسك عنها وكف عن ذكرها ولم يكلف فيها بشيء ، وهذا كقوله عليه الصلاة والسلام : ( عفوت لكم عن صدقة الخيل ، والرقيق ) أي خففت عنكم بإسقاطها . ثم قال تعالى : { والله غفور حليم } وهذه الآية تدل على أن المراد من قوله عفا الله عنها ما كذرناه في الوجه الأول . ثم قال تعالى : ! 7 < قد سألها قوم من قبلكم ثم أصبحوا بها كافرين } > 7 ! < < المائدة : ( 102 ) قد سألها قوم . . . . . > > قال المفسرون : يعني قوم صالح سألوا الناقة ثم عقروها وقوم موسى قالوا : { } > 7 ! قال المفسرون : يعني قوم صالح سألوا الناقة ثم عقروها وقوم موسى قالوا : { أرنا الله جهرة } ( النساء : 153 ) فصار ذلك وبالا عليهم ، وبنو إسرائيل { قالوا لنبى لهم ابعث لنا ملكا نقاتل فى سبيل الله } قال تعالى : فما كتب عليهم القتال تولوا إلا قليلا منهم } و { } و { قالوا أنى يكون له الملك علينا ونحن أحق بالملك منه } ( البقرة : 246 247 ) فسألوها ثم كفروا بها ، وقوم عيسى سألوا عن أشياء فلعلكم إن أعطيتم سؤلكم ساءكم ذلك فإن قيل : إنه تعالى قال : أولا : { لا تسألوا عن أشياء } ( المائدة : 101 ) ثم قال ههنا : { قد سألها قوم من قبلكم } وكان الأولى أن يقول : قد سأل عنها قوم فما السبب في ذلك . قلنا الجواب من وجهين : الأول : أن السؤال عن الشيء عبارة عن السؤال عن حالة من أحواله ، وصفة من صفاته ، وسؤال الشيء عبارة عن طلب ذلك الشيء في نفسه ، يقال : سألته درهما أي طلبت منه الدرهم ويقال : سألته عن الدرهم أي سألته عن صفة الدرهم وعن نعته ، فالمتقدمون إنما سألوا من الله إخراج الناقة من الصخرة ، وإنزال المائدة من السماء ، فهم سألوا نفس الشيء ، وأما أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم فهم ما سألوا ذلك ، وإنما سألوا عن أحوال الأشياء وصفاتها ، فلما اختلف السؤالان في النوع ، اختلفت العبارة أيضا إلا أن كلا القسمين يشتركان في وصف واحد ، وهو أنه خوض في الفضول ، وشروع فيما لا حاجة إليه ، وفيه خطر المفسدة ، والشيء الذي لا يحتاج إليه ويكون فيه خطر المفسدة ، يجب على العاقل الاحتراز عنه ، فبين تعالى أن قوم محمد عليه السلام في السؤال عن أحوال الأشياء مشابهون لأولئك المتقدمين في سؤال تلك الأشياء في كون كل واحد منهما فضولا وخوضا فيما لا فائدة فيه . الوجه الثاني : في الجواب أن الهاء في قوله { قد سألها } غير عائدة إلى الأشياء التي سألوا عنها ، بل عائدة إلى سؤالاتهم عن تلك الأشياء ، والتقدير : قد سأل تلك السؤالات الفاسدة التي ذكرتموها قوم من قبلكم ، فلما أجيبوا عنها أصبحوا بها كافرين .

%0
10 Bölüm

سؤاللر