Qur'an&Sunnahالقرآن

فخر الدين رازى - مفاتيح الغيب (تفسير كبير)

فخر الدين محمد بن عمر الرازى · AR

قسم V13/P171–V13/P172Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb (s. V13/P171–V13/P172)
متن اصلى (AR)

والنوع السابع : أنهم ما كانوا مهتدين ، والفائدة فيه أنه قد يضل الإنسان عن الحق إلا أن يعود إلى الاهتداء ، فبين تعالى أنهم قد ضلوا ولم يحصل لهم الاهتداء قط . فثبت أنه تعالى ذم الموصوفين بقتل الأولاد وتحريم ما أحله الله تعالى لهم بهذه الصفات السبعة الموجبة لأعظم أنواع الذم ، وذلك نهاية المبالغة . ! 7 < { وهو الذىأنشأ جنات معروشات وغير معروشات والنخل والزرع مختلفا أكله والزيتون والرمان متشابها وغير متشابه كلوا من ثمره إذآ أثمر وءاتوا حقه يوم حصاده ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين } . > 7 < الأنعام : ( 141 ) وهو الذي أنشأ . . . . . > > في الآية مسائل : المسألة الأولى : اعلم أنه تعالى جعل مدار هذا الكتاب الشريف على تقرير التوحيد والنبوة والمعاد وإثبات القضاء والقدر ، وأنه تعالى بالغ في تقرير هذه الأصول ، وانتهى الكلام إلى شرح أحوال السعداء والأشقياء ، ثم انتقل منه إلى تهجين طريقة من أنكر البعث والقيامة ، ثم أتبعه بحكاية أقوالهم الركيكة ، وكلماتهم الفاسدة في مسائل أربعة . والمقصود التنبيه على ضعف عقولهم ، وقلة محصولهم ، وتنفير الناس عن الالتفات إلى قولهم ، والاغترار بشبهاتهم . فلما تمم هذه الأشياء عاد بعدها إلى ما هو المقصود الأصلي ، وهو إقامة الدلائل على تقرير التوحيد فقال : { وهو الذى أنشأ جنات معروشات } . / واعلم أنه قد سبق ذكر هذا الدليل في هذه السورة ، وهو قوله : { وهو الذى أنزل من السماء ماء فأخرجنا به نبات كل شىء فأخرجنا منه خضرا نخرج منه حبا متراكبا ومن } ( الأنعام : 99 ) فالآية المتقدمة ذكر تعالى فيها خمسة أنواع ، وهي : الزرع والنخل ، وجنات من أعناب والزيتون والرمان ، وفي هذه الآية التي نحن في تفسيرها ذكر هذه الخمسة بأعيانها لكن على خلاف ذلك الترتيب لأنه ذكر العنب ، ثم النخل ، ثم الزرع ، ثم الزيتون ثم الرمان . وذكر في الآية المتقدمة { مشتبها وغير متشابه } وفي هذه الآية { متشابها وغير متشابه } ثم ذكر في الآية المتقدمة { انظروا إلى ثمره إذا أثمر وينعه } فأمر تعالى هناك بالنظر في أحوالها والاستدلال بها على وجود الصانع الحكيم ، وذكر في هذه الآية { كلوا من ثمره إذا أثمر وءاتوا حقه يوم حصاده } فأذن في الانتفاع بها ، وأمر بصرف جزء منها إلى الفقراء ، فالذي حصل به الامتياز بين الآيتين أن هناك أمر بالاستدلال بها على الصانع الحكيم . وههنا أذن في الانتفاع بها ، وذلك تنبيه على أن الأمر بالاستدلال بها على الصانع الحكيم مقدم على الإذن في الانتفاع بها لأن الحاصل من الاستدلال بها سعادة روحانية أبدية . والحاصل من الانتفاع بهذه سعادة جسمانية سريعة الانقضاء ، والأول أولى بالتقديم ، فلهذا السبب قدم الله تعالى الأمر بالاستدلال بها على الإذن بالانتفاع بها . المسألة الثانية : قوله : { وهو الذى أنشأ } أي خلق ، يقال : نشأ الشيء ينشأ نشأة ونشاءة إذا ظهر وارتفع والله ينشئه إنشاء أي يظهره ويرفعه وقوله : { جنات معروشات } يقال عرشت الكرم أعرشه عرشا وعرشته تعريشا ، إذا عطفت العيدان التي يرسل عليها قضبان الكرم ، والواحد عرش ، والجمع عروش ، ويقال : عريش وجمعه عرش ، واعترش العنب العريش اعتراشا إذا علاه .

لسان عثمانی (Osmanlıca) ترجمه سى (اهل سنت)

والنوع السابع : أنهم ما كانوا مهتدين ، والفائدة فيه أنه قد يضل الإنسان عن الحق إلا أن يعود إلى الاهتداء ، فبين تعالى أنهم قد ضلوا ولم يحصل لهم الاهتداء قط . فثبت أنه تعالى ذم الموصوفين بقتل الأولاد وتحريم ما أحله الله تعالى لهم بهذه الصفات السبعة الموجبة لأعظم أنواع الذم ، وذلك نهاية المبالغة . ! 7 < { وهو الذىأنشأ جنات معروشات وغير معروشات والنخل والزرع مختلفا أكله والزيتون والرمان متشابها وغير متشابه كلوا من ثمره إذآ أثمر وءاتوا حقه يوم حصاده ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين } . > 7 < الأنعام : ( 141 ) وهو الذي أنشأ . . . . . > > في الآية مسائل : المسألة الأولى : اعلم أنه تعالى جعل مدار هذا الكتاب الشريف على تقرير التوحيد والنبوة والمعاد وإثبات القضاء والقدر ، وأنه تعالى بالغ في تقرير هذه الأصول ، وانتهى الكلام إلى شرح أحوال السعداء والأشقياء ، ثم انتقل منه إلى تهجين طريقة من أنكر البعث والقيامة ، ثم أتبعه بحكاية أقوالهم الركيكة ، وكلماتهم الفاسدة في مسائل أربعة . والمقصود التنبيه على ضعف عقولهم ، وقلة محصولهم ، وتنفير الناس عن الالتفات إلى قولهم ، والاغترار بشبهاتهم . فلما تمم هذه الأشياء عاد بعدها إلى ما هو المقصود الأصلي ، وهو إقامة الدلائل على تقرير التوحيد فقال : { وهو الذى أنشأ جنات معروشات } . / واعلم أنه قد سبق ذكر هذا الدليل في هذه السورة ، وهو قوله : { وهو الذى أنزل من السماء ماء فأخرجنا به نبات كل شىء فأخرجنا منه خضرا نخرج منه حبا متراكبا ومن } ( الأنعام : 99 ) فالآية المتقدمة ذكر تعالى فيها خمسة أنواع ، وهي : الزرع والنخل ، وجنات من أعناب والزيتون والرمان ، وفي هذه الآية التي نحن في تفسيرها ذكر هذه الخمسة بأعيانها لكن على خلاف ذلك الترتيب لأنه ذكر العنب ، ثم النخل ، ثم الزرع ، ثم الزيتون ثم الرمان . وذكر في الآية المتقدمة { مشتبها وغير متشابه } وفي هذه الآية { متشابها وغير متشابه } ثم ذكر في الآية المتقدمة { انظروا إلى ثمره إذا أثمر وينعه } فأمر تعالى هناك بالنظر في أحوالها والاستدلال بها على وجود الصانع الحكيم ، وذكر في هذه الآية { كلوا من ثمره إذا أثمر وءاتوا حقه يوم حصاده } فأذن في الانتفاع بها ، وأمر بصرف جزء منها إلى الفقراء ، فالذي حصل به الامتياز بين الآيتين أن هناك أمر بالاستدلال بها على الصانع الحكيم . وههنا أذن في الانتفاع بها ، وذلك تنبيه على أن الأمر بالاستدلال بها على الصانع الحكيم مقدم على الإذن في الانتفاع بها لأن الحاصل من الاستدلال بها سعادة روحانية أبدية . والحاصل من الانتفاع بهذه سعادة جسمانية سريعة الانقضاء ، والأول أولى بالتقديم ، فلهذا السبب قدم الله تعالى الأمر بالاستدلال بها على الإذن بالانتفاع بها . المسألة الثانية : قوله : { وهو الذى أنشأ } أي خلق ، يقال : نشأ الشيء ينشأ نشأة ونشاءة إذا ظهر وارتفع والله ينشئه إنشاء أي يظهره ويرفعه وقوله : { جنات معروشات } يقال عرشت الكرم أعرشه عرشا وعرشته تعريشا ، إذا عطفت العيدان التي يرسل عليها قضبان الكرم ، والواحد عرش ، والجمع عروش ، ويقال : عريش وجمعه عرش ، واعترش العنب العريش اعتراشا إذا علاه .

قسم V13/P172–V13/P173Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb (s. V13/P172–V13/P173)
متن اصلى (AR)

إذا عرفت هذا فنقول : في قوله : { معروشات وغير معروشات } أقوال : الأول : أن المعروشات وغير المعروشات كلاهما الكرم ، فإن بعض الأعناب يعرش وبعضها لا يعرش ، بل يبقى على وجه الأرض منبسطا . والثاني : المعروشات العنب الذي يجعل لها عروش ، وغير المعروشات كل ما ينبت منبسطا على وجه الأرض مثل القرع والبطيخ . والثالث : المعروشات ما يحتاج إلى أن يتخذ له عريش يحمل عليه فيمسكه / وهو الكرم وما يجري مجراه ، وغير المعروش هو القائم من الشجر المستغني باستوائه وذهابه علوا لقوة ساقه عن التعريش . والرابع : المعروشات ما يحصل في البساتين / والعمرانات مما يغرسه الناس واهتموا به فعرشوه { وغير معروشات } مما أنبته الله تعالى وحشيا في البراري والجبال فهو غير معروش وقوله : { والنخل والزرع } فسر ابن عباس { الزرع } ههنا بجميع الحبوب التي يقتات بها { مختلفا أكله } أي لكل شيء منها طعم غير طعم الآخر { والأكل } كل ما أكل ، وههنا المراد ثمر النخل والزرع ، ومضى القول في { فى الاكل } عند قوله : { فأتت أكلها ضعفين } ( البقرة : 265 ) وقوله : { مختلفا } نصب على الحال . أي أنشأه في حال اختلاف أكله ، وهو قد أنشأه من قبل ظهور أكله وأكل ثمره . الجواب : أنه تعالى أنشأها حال اختلاف ثمرها وصدق هذا لا ينافي صدق أنه تعالى أنشأها قبل ذلك أيضا . وأيضا نصب على الحال مع أنه يؤكل بعد ذلك بزمان ، لأن اختلاف أكله مقدر كما تقول : مررت برجل معه صقر صائدا به غدا ، أي مقدرا للصيد به غدا . وقرأ ابن كثير ونافع { أكله } بتخفيف الكاف والباقون { أكله } في كل القرآن . وأما توحيد الضمير في قوله : { مختلفا أكله } فالسبب فيه : أنه اكتفى بإعادة الذكر على أحدهما من إعادته عليهما جميعا كقوله تعالى : { وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها } ( الجمعة : 11 ) والمعنى : إليهما وقوله : { والله ورسوله أحق أن يرضوه } ( التوبة : 62 ) . وأما قوله : { متشابها وغير متشابه } فقد سبق تفسيره في الآية المتقدمة . ثم قال تعالى : { كلوا من ثمره إذا أثمر } وفيه مباحث . البحث الأول : أنه تعالى لما ذكر كيفية خلقه لهذه الأشياء ذكر ما هو المقصود الأصلي من خلقها ، وهو انتفاع المكلفين بها ، فقال : { كلوا من ثمره } واختلفوا ما الفائدة منه ؟ فقال بعضهم : الإباحة . وقال آخرون : بل المقصود منه إباحة الأكل قبل إخراج الحق ، لأنه تعالى لما أوجب الحق فيه ، كان يجوز أن يحرم على المالك تناوله لمكان شركة المساكين فيه ، بل هذا هو الظاهر فأباح تعالى هذا الأكل ، وأخرج وجوب الحق فيه من أن يكون مانعا من هذا التصرف . وقال بعضهم : بل أباح تعالى ذلك ليبين أن المقصد بخلق هذه النعم . إما الأكل وإما التصدق ، وإنما قدم ذكر الأكل على التصدق ، لأن رعاية النفس مقدمة على رعاية الغير . قال تعالى : { ولا تنس نصيبك من الدنيا وأحسن كما أحسن الله إليك } ( القصص : 77 ) .

لسان عثمانی (Osmanlıca) ترجمه سى (اهل سنت)

إذا عرفت هذا فنقول : في قوله : { معروشات وغير معروشات } أقوال : الأول : أن المعروشات وغير المعروشات كلاهما الكرم ، فإن بعض الأعناب يعرش وبعضها لا يعرش ، بل يبقى على وجه الأرض منبسطا . والثاني : المعروشات العنب الذي يجعل لها عروش ، وغير المعروشات كل ما ينبت منبسطا على وجه الأرض مثل القرع والبطيخ . والثالث : المعروشات ما يحتاج إلى أن يتخذ له عريش يحمل عليه فيمسكه / وهو الكرم وما يجري مجراه ، وغير المعروش هو القائم من الشجر المستغني باستوائه وذهابه علوا لقوة ساقه عن التعريش . والرابع : المعروشات ما يحصل في البساتين / والعمرانات مما يغرسه الناس واهتموا به فعرشوه { وغير معروشات } مما أنبته الله تعالى وحشيا في البراري والجبال فهو غير معروش وقوله : { والنخل والزرع } فسر ابن عباس { الزرع } ههنا بجميع الحبوب التي يقتات بها { مختلفا أكله } أي لكل شيء منها طعم غير طعم الآخر { والأكل } كل ما أكل ، وههنا المراد ثمر النخل والزرع ، ومضى القول في { فى الاكل } عند قوله : { فأتت أكلها ضعفين } ( البقرة : 265 ) وقوله : { مختلفا } نصب على الحال . أي أنشأه في حال اختلاف أكله ، وهو قد أنشأه من قبل ظهور أكله وأكل ثمره . الجواب : أنه تعالى أنشأها حال اختلاف ثمرها وصدق هذا لا ينافي صدق أنه تعالى أنشأها قبل ذلك أيضا . وأيضا نصب على الحال مع أنه يؤكل بعد ذلك بزمان ، لأن اختلاف أكله مقدر كما تقول : مررت برجل معه صقر صائدا به غدا ، أي مقدرا للصيد به غدا . وقرأ ابن كثير ونافع { أكله } بتخفيف الكاف والباقون { أكله } في كل القرآن . وأما توحيد الضمير في قوله : { مختلفا أكله } فالسبب فيه : أنه اكتفى بإعادة الذكر على أحدهما من إعادته عليهما جميعا كقوله تعالى : { وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها } ( الجمعة : 11 ) والمعنى : إليهما وقوله : { والله ورسوله أحق أن يرضوه } ( التوبة : 62 ) . وأما قوله : { متشابها وغير متشابه } فقد سبق تفسيره في الآية المتقدمة . ثم قال تعالى : { كلوا من ثمره إذا أثمر } وفيه مباحث . البحث الأول : أنه تعالى لما ذكر كيفية خلقه لهذه الأشياء ذكر ما هو المقصود الأصلي من خلقها ، وهو انتفاع المكلفين بها ، فقال : { كلوا من ثمره } واختلفوا ما الفائدة منه ؟ فقال بعضهم : الإباحة . وقال آخرون : بل المقصود منه إباحة الأكل قبل إخراج الحق ، لأنه تعالى لما أوجب الحق فيه ، كان يجوز أن يحرم على المالك تناوله لمكان شركة المساكين فيه ، بل هذا هو الظاهر فأباح تعالى هذا الأكل ، وأخرج وجوب الحق فيه من أن يكون مانعا من هذا التصرف . وقال بعضهم : بل أباح تعالى ذلك ليبين أن المقصد بخلق هذه النعم . إما الأكل وإما التصدق ، وإنما قدم ذكر الأكل على التصدق ، لأن رعاية النفس مقدمة على رعاية الغير . قال تعالى : { ولا تنس نصيبك من الدنيا وأحسن كما أحسن الله إليك } ( القصص : 77 ) .

قسم V13/P173–V13/P174Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb (s. V13/P173–V13/P174)
متن اصلى (AR)

البحث الثاني : تمسك بعضهم بقوله : { كلوا من ثمره إذا أثمر } بأن الأصل في المنافع الإباحة والإطلاق ، لأن قوله : { كلوا } خطاب عام يتناول الكل ، فصار هذا جاريا مجرى قوله تعالى : { خلق لكم ما فى الارض جميعا } وأيضا يمكن التمسك به على أن الأصل عدم وجوب الصدقة ، وأن من ادعى إيجابه كان هو المحتاج إلى الدليل ، فيتمسك به في أن المجنون إذا أفاق في أثناء الشهر ، لا يلزمه قضاء ما مضى ، وفي أن الشارع في صوم النفل لا يجب عليه الإتمام . / البحث الثالث : قوله : { كلوا من ثمره } يدل على أن صيغة الأمر قد ترد في غير موضع الوجوب وفي غير موضع الندب ، وعند هذا قال بعضهم : الأصل في الاستعمال الحقيقة ، فوجب جعل هذه الصيغة مفيدة لرفع الحجر ، فلهذا قالوا : الأمر مقتضاه الإباحة ، إلا أنا نقول : نعلم بالضرورة من لغة العرب أن هذه الصيغة تفيد ترجيح جانب الفعل ، وأن حملها على الإباحة لا يصار إليه إلا بدليل منفصل . أما قوله تعالى : { وهو الذى أنشأ جنات } ففيه أبحاث : البحث الأول : قرأ ابن عامر وأبو عمرو وعاصم { حصاده } بفتح الحاء والباقون بكسر الحاء قال الواحدي : قال جميع أهل اللغة يقال : حصاد وحصاد ، وجداد وجداد ، وقطاف وقطاف ، وجذاذ وجذاذ ، وقال سيبويه جاؤا بالمصادر حين أرادوا انتهاء الزمان على مثال فعال ، وربما قالوا فيه فعال . البحث الثاني : في تفسير قوله : { وهو الذى } ثلاثة أقوال . القول الأول : قال ابن عباس في رواية عطاء يريد به العشر فيما سقت السماء ، ونصف العشر فيما سقي بالدواليب ، وهو قول سعيد بن المسيب والحسن وطاوس والضحاك . فإن قالوا : كيف يؤدي الزكاة يوم الحصاد والحب في السنبل ؟ وأيضا هذه السورة مكية ، وإيجاب الزكاة مدني . قلنا : لما تعذر إجراء قوله : { وهو الذى } على ظاهره بالدليل الذي ذكرتم . لا جرم حلمناه على تعلق حق الزكاة به في ذلك الوقت ، والمعنى : اعزموا على إيتاء الحق يوم الحصاد ولا تؤخروه عن أول وقت يمكن فيه الإيتاء . والجواب عن السؤال الثاني : لا نسلم أن الزكاة ما كانت واجبة في مكة ، بل لا نزاع أن الآية المدنية وردت بإيجابها ، إلا أن ذلك لا يمنع أنها كانت واجبة بمكة . وقيل أيضا : هذه الآية مدنية . والقول الثاني : أن هذا حق في المال سوى الزكاة . وقال مجاهد : إذا حصدت فحضرت المساكين فاطرح لهم منه ، وإذا درسته وذريته فاطرح لهم منه ، وإذا كربلته فاطرح لهم منه ، وإذا عرفت كيله فاعزل زكاته . والقول الثالث : أن هذا كان قبل وجوب الزكاة ، فلما فرضت الزكاة نسخ هذا ، وهذا قول سعيد بن جبير ، والأصح هو القول الأول ، والدليل عليه أن قوله تعالى : { وهو الذى } إنما يحسن ذكره لو كان ذلك الحق معلوما قبل ورود هذه الآية لئلا تبقى هذه الآية مجملة . وقد قال عليه الصلاة / والسلام : ( ليس في المال حق سوى الزكاة ) فوجب أن يكون المراد بهذا الحق حق الزكاة . البحث الثالث : قوله تعالى : { وهو الذى أنشأ جنات } بعد ذكر الأنواع الخمسة ، وهو العنب والنخل ، والزيتون ، والرمان ؛ يدل عى وجوب الزكاة في الكل ، وهذا يقتضي وجوب الزكاة في الثمار ، كما كان يقوله أبو حنيفة رحمه الله .

لسان عثمانی (Osmanlıca) ترجمه سى (اهل سنت)

البحث الثاني : تمسك بعضهم بقوله : { كلوا من ثمره إذا أثمر } بأن الأصل في المنافع الإباحة والإطلاق ، لأن قوله : { كلوا } خطاب عام يتناول الكل ، فصار هذا جاريا مجرى قوله تعالى : { خلق لكم ما فى الارض جميعا } وأيضا يمكن التمسك به على أن الأصل عدم وجوب الصدقة ، وأن من ادعى إيجابه كان هو المحتاج إلى الدليل ، فيتمسك به في أن المجنون إذا أفاق في أثناء الشهر ، لا يلزمه قضاء ما مضى ، وفي أن الشارع في صوم النفل لا يجب عليه الإتمام . / البحث الثالث : قوله : { كلوا من ثمره } يدل على أن صيغة الأمر قد ترد في غير موضع الوجوب وفي غير موضع الندب ، وعند هذا قال بعضهم : الأصل في الاستعمال الحقيقة ، فوجب جعل هذه الصيغة مفيدة لرفع الحجر ، فلهذا قالوا : الأمر مقتضاه الإباحة ، إلا أنا نقول : نعلم بالضرورة من لغة العرب أن هذه الصيغة تفيد ترجيح جانب الفعل ، وأن حملها على الإباحة لا يصار إليه إلا بدليل منفصل . أما قوله تعالى : { وهو الذى أنشأ جنات } ففيه أبحاث : البحث الأول : قرأ ابن عامر وأبو عمرو وعاصم { حصاده } بفتح الحاء والباقون بكسر الحاء قال الواحدي : قال جميع أهل اللغة يقال : حصاد وحصاد ، وجداد وجداد ، وقطاف وقطاف ، وجذاذ وجذاذ ، وقال سيبويه جاؤا بالمصادر حين أرادوا انتهاء الزمان على مثال فعال ، وربما قالوا فيه فعال . البحث الثاني : في تفسير قوله : { وهو الذى } ثلاثة أقوال . القول الأول : قال ابن عباس في رواية عطاء يريد به العشر فيما سقت السماء ، ونصف العشر فيما سقي بالدواليب ، وهو قول سعيد بن المسيب والحسن وطاوس والضحاك . فإن قالوا : كيف يؤدي الزكاة يوم الحصاد والحب في السنبل ؟ وأيضا هذه السورة مكية ، وإيجاب الزكاة مدني . قلنا : لما تعذر إجراء قوله : { وهو الذى } على ظاهره بالدليل الذي ذكرتم . لا جرم حلمناه على تعلق حق الزكاة به في ذلك الوقت ، والمعنى : اعزموا على إيتاء الحق يوم الحصاد ولا تؤخروه عن أول وقت يمكن فيه الإيتاء . والجواب عن السؤال الثاني : لا نسلم أن الزكاة ما كانت واجبة في مكة ، بل لا نزاع أن الآية المدنية وردت بإيجابها ، إلا أن ذلك لا يمنع أنها كانت واجبة بمكة . وقيل أيضا : هذه الآية مدنية . والقول الثاني : أن هذا حق في المال سوى الزكاة . وقال مجاهد : إذا حصدت فحضرت المساكين فاطرح لهم منه ، وإذا درسته وذريته فاطرح لهم منه ، وإذا كربلته فاطرح لهم منه ، وإذا عرفت كيله فاعزل زكاته . والقول الثالث : أن هذا كان قبل وجوب الزكاة ، فلما فرضت الزكاة نسخ هذا ، وهذا قول سعيد بن جبير ، والأصح هو القول الأول ، والدليل عليه أن قوله تعالى : { وهو الذى } إنما يحسن ذكره لو كان ذلك الحق معلوما قبل ورود هذه الآية لئلا تبقى هذه الآية مجملة . وقد قال عليه الصلاة / والسلام : ( ليس في المال حق سوى الزكاة ) فوجب أن يكون المراد بهذا الحق حق الزكاة . البحث الثالث : قوله تعالى : { وهو الذى أنشأ جنات } بعد ذكر الأنواع الخمسة ، وهو العنب والنخل ، والزيتون ، والرمان ؛ يدل عى وجوب الزكاة في الكل ، وهذا يقتضي وجوب الزكاة في الثمار ، كما كان يقوله أبو حنيفة رحمه الله .

قسم V13/P174–V13/P176Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb (s. V13/P174–V13/P176)
متن اصلى (AR)

فإن قالوا : لفظ الحصاد مخصوص بالزرع . فنقول : لفظ الحصد في أصل اللغة غير مخصوص بالزرع ، والدليل عليه ، أن الحصد في اللغة عبارة عن القطع ، وذلك يتناول الكل وأيضا الضمير في قوله حصاده يجب عوده إلى أقرب المذكورات وذلك هو الزيتون والرمان ، فوجب أن يكون الضمير عائدا إليه . البحث الرابع : قال أبو حنيفة رحمه الله : العشر واجب في القليل والكثير . وقال الأكثرون إنه لا يجب إلا إذا بلغ خمسة أوسق . واحتج أبو حنيفة رحمه الله بهذه الآية ، فقال : قوله : { وهو الذى أنشأ جنات } يقتضي ثبوت حق في القليل والكثير ، فإذا كان ذلك الحق هو الزكاة وجب القول بوجوب الزكاة في القليل والكثير . أما قوله تعالى : { ولا تسرفوا } فاعلم أن لأهل اللغة في تفسير الإسراف قولين : الأول : قال ابن الأعرابي : السرف تجاوز ما حد لك . الثاني : قال شمر : سرف المال ، ما ذهب منه من غير منفعة . إذا عرفت هذا فنقول : للمفسرين فيه أقوال : الأول : أن الإنسان إذا أعطى كل ماله ولم يوصل إلى عياله شيئا فقد أسرف ، لأنه جاء في الخبر ، ( ابدأ بنفسك ثم بمن تعول ) . وروي أن ثابت بن قيس بن شماس عمد إلى خمسمائة نخلة فجذها ، ثم قسمها في يوم واحد ولم يدخل منها إلى منزله شيئا فأنزل الله تعالى قوله : { وهو الذى أنشأ جنات معروشات وغير } أي ولا تعطوا كله . والثاني : قال سعيد بن المسيب : { لا تسرفوا } أي لا تمنعوا الصدقة / وهذان القولان يشتركان في أن المراد من الإسراف مجاوزة الحد ، إلا أن الأول مجاوزة في الإعطاء ، والثاني : مجاوزة في المنع . الثالث : قال مقاتل : معناه : لا تشركوا الأصنام في الحرث والأنعام ، وهذا أيضا من باب المجاوزة ، لأن من أشرك الأصنام في الحرث والأنعام ، فقد جاوز ما حد له . الرابع : قال الزهري معناه : لا تنفقوا في معصية الله تعالى . قال مجاهد : لو كان أبو قبيس ذهبا ، فأنفقه رجل في طاعة الله تعالى لم يكن مسرفا . ولو أنفق درهما في معصية الله كان مسرفا . وهذا المعنى أراده حاتم الطائي حين قيل له : لا خير في السرف . فقال لا سرف في الخير ، وهذا على القول الثاني في معنى السرف ، فإن من أنفق / في معصية الله ، فقد أنفق فيما لا نفع فيه . ثم قال تعالى : { إنه لا يحب المسرفين } والمقصود منه الزجر ، لأن كل مكلف لا يحبه الله تعالى فهو من أهل النار ، والدليل عليه قوله تعالى : { وقالت اليهود والنصارى نحن أبناء الله وأحباؤه قل فلم يعذبكم بذنوبكم } ( المائدة : 18 ) فدل هذا على أن كل من أحبه الله فليس هو من أهل النار . وذلك يفيد من بعض الوجوه أن من لم يحبه الله فهو من أهل النار . ! 7 < { ومن الأنعام حمولة وفرشا كلوا مما رزقكم الله ولا تتبعوا خطوات الشيطان إنه لكم عدو مبين ثمانية أزواج من الضأن اثنين ومن المعز اثنين قل ءآلذكرين حرم أم الأنثيين أما اشتملت عليه أرحام الأنثيين نبئوني بعلم إن كنتم صادقين ومن الإبل اثنين ومن البقر اثنين قل ءآلذكرين حرم أم الأنثيين أما اشتملت عليه أرحام الأنثيين أم كنتم شهدآء إذ وصاكم الله بهاذا فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا ليضل الناس بغير علم إن الله لا يهدي القوم الظالمين } . > 7 < الأنعام : ( 142 - 144 ) ومن الأنعام حمولة . . . . . > >

لسان عثمانی (Osmanlıca) ترجمه سى (اهل سنت)

فإن قالوا : لفظ الحصاد مخصوص بالزرع . فنقول : لفظ الحصد في أصل اللغة غير مخصوص بالزرع ، والدليل عليه ، أن الحصد في اللغة عبارة عن القطع ، وذلك يتناول الكل وأيضا الضمير في قوله حصاده يجب عوده إلى أقرب المذكورات وذلك هو الزيتون والرمان ، فوجب أن يكون الضمير عائدا إليه . البحث الرابع : قال أبو حنيفة رحمه الله : العشر واجب في القليل والكثير . وقال الأكثرون إنه لا يجب إلا إذا بلغ خمسة أوسق . واحتج أبو حنيفة رحمه الله بهذه الآية ، فقال : قوله : { وهو الذى أنشأ جنات } يقتضي ثبوت حق في القليل والكثير ، فإذا كان ذلك الحق هو الزكاة وجب القول بوجوب الزكاة في القليل والكثير . أما قوله تعالى : { ولا تسرفوا } فاعلم أن لأهل اللغة في تفسير الإسراف قولين : الأول : قال ابن الأعرابي : السرف تجاوز ما حد لك . الثاني : قال شمر : سرف المال ، ما ذهب منه من غير منفعة . إذا عرفت هذا فنقول : للمفسرين فيه أقوال : الأول : أن الإنسان إذا أعطى كل ماله ولم يوصل إلى عياله شيئا فقد أسرف ، لأنه جاء في الخبر ، ( ابدأ بنفسك ثم بمن تعول ) . وروي أن ثابت بن قيس بن شماس عمد إلى خمسمائة نخلة فجذها ، ثم قسمها في يوم واحد ولم يدخل منها إلى منزله شيئا فأنزل الله تعالى قوله : { وهو الذى أنشأ جنات معروشات وغير } أي ولا تعطوا كله . والثاني : قال سعيد بن المسيب : { لا تسرفوا } أي لا تمنعوا الصدقة / وهذان القولان يشتركان في أن المراد من الإسراف مجاوزة الحد ، إلا أن الأول مجاوزة في الإعطاء ، والثاني : مجاوزة في المنع . الثالث : قال مقاتل : معناه : لا تشركوا الأصنام في الحرث والأنعام ، وهذا أيضا من باب المجاوزة ، لأن من أشرك الأصنام في الحرث والأنعام ، فقد جاوز ما حد له . الرابع : قال الزهري معناه : لا تنفقوا في معصية الله تعالى . قال مجاهد : لو كان أبو قبيس ذهبا ، فأنفقه رجل في طاعة الله تعالى لم يكن مسرفا . ولو أنفق درهما في معصية الله كان مسرفا . وهذا المعنى أراده حاتم الطائي حين قيل له : لا خير في السرف . فقال لا سرف في الخير ، وهذا على القول الثاني في معنى السرف ، فإن من أنفق / في معصية الله ، فقد أنفق فيما لا نفع فيه . ثم قال تعالى : { إنه لا يحب المسرفين } والمقصود منه الزجر ، لأن كل مكلف لا يحبه الله تعالى فهو من أهل النار ، والدليل عليه قوله تعالى : { وقالت اليهود والنصارى نحن أبناء الله وأحباؤه قل فلم يعذبكم بذنوبكم } ( المائدة : 18 ) فدل هذا على أن كل من أحبه الله فليس هو من أهل النار . وذلك يفيد من بعض الوجوه أن من لم يحبه الله فهو من أهل النار . ! 7 < { ومن الأنعام حمولة وفرشا كلوا مما رزقكم الله ولا تتبعوا خطوات الشيطان إنه لكم عدو مبين ثمانية أزواج من الضأن اثنين ومن المعز اثنين قل ءآلذكرين حرم أم الأنثيين أما اشتملت عليه أرحام الأنثيين نبئوني بعلم إن كنتم صادقين ومن الإبل اثنين ومن البقر اثنين قل ءآلذكرين حرم أم الأنثيين أما اشتملت عليه أرحام الأنثيين أم كنتم شهدآء إذ وصاكم الله بهاذا فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا ليضل الناس بغير علم إن الله لا يهدي القوم الظالمين } . > 7 < الأنعام : ( 142 - 144 ) ومن الأنعام حمولة . . . . . > >

قسم V13/P176–V13/P177Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb (s. V13/P176–V13/P177)
متن اصلى (AR)

اعلم أنه تعالى لما ذكر كيفية إنعامه على عباده بالمنافع النباتية أتبعها بذكر إنعامه عليهم بالمنافع الحيوانية . فقال : { ومن الانعام حمولة وفرشا } وفي الآية مسائل : المسألة الأولى : ( الواو ) في قوله : { ومن الانعام حمولة وفرشا } توجب العطف على ما تقدم / من قوله : { وهو الذى أنشأ جنات معروشات } والتقدير : وهو الذي أنشأ جنات معروشات وغير معروشات ، وأنشأ من الأنعام حمولة وفرشا وكثر أقوالهم في تفسير الحمولة والفرش وأقربها إلى التحصيل وجهان : الأول : أن الحمولة ما تحمل الأثقال والفرش ما يفرش للذبح أو ينسج من وبره وصوفه وشعره للفرش . والثاني : الحمولة الكبار التي تصلح للحمل ، والفرش الصغار كالفصلان والعجاجيل والغنم لأنها دانية من الأرض بسبب صغر أجرامها مثل الفرش المفروش عليها . ثم قال تعالى : { كلوا مما رزقكم الله } يريد ما أحلها لكم . قالت المعتزلة : إنه تعالى أمر بأكل الرزق ، ومنع من أكل الحرام ، ينتج أن الرزق ليس بحرام . ثم قال : { ولا تتبعوا خطوات الشيطان } أي في التحليل والتحريم من عند أنفسكم كما فعله أهل الجاهلية { خطوات } جمع خطوة . وهي ما بين القدمين . قال الزجاج : وفي { خطوات الشيطان } ثلاثة أوجه : بضم الطاء وفتحها وبإسكانها ، ومعناه : طرق الشيطان . أي لا تسلكوا الطريق الذي يسوله لكم الشيطان . ثم قال تعالى : { إنه لكم عدو مبين } أي بين العداوة ، أخرج آدم من الجنة ، وهو القائل { لاحتنكن ذريته إلا قليلا } ( الإسراء : 62 ) . ثم قال تعالى : { ثمانية أزواج } وفيه بحثان : البحث الأول : في انتصاب قوله : { ثمانية } وجهان : الأول : قال الفراء : انتصب ثمانية بالبدل من قوله : { حمولة وفرشا } والثاني : أن يكون التقدير : كلوا مما رزقكم الله ثمانية أزواج . البحث الثاني : الواحد إذا كان وحده فهو فرد ، فإذا كان معه غيره من جنسه سمي زوجا ، وهما زوجان بدليل قوله : { خلق الزوجين الذكر والانثى } ( النجم : 45 ) وبدليل قوله : { ثمانية أزواج } ثم فسرها بقوله : { من الضأن اثنين ومن المعز اثنين ومن الإبل اثنين ومن البقر اثنين } . ثم قال : { ومن الضأن اثنين } يعني الذكر والأنثى ، والضأن ذوات الصوف من الغنم . قال الزجاج : وهي جمع ضائن وضائنة مثل تاجر وتاجرة . ويجمع الضأن أيضا على الضئين بكسر الضاد وفتحها وقوله : { ومن المعز اثنين } قرىء { ومن المعز } بفتح العين / والمعز ذوات الشعر من الغنم . ويقال للواحد : ماعز . وللجمع : معزى . فمن قرأ { المعز } بفتح العين فهو جمع ماعز ، مثل خادم وخدم وطالب وطلب ، وحارس وحرس . ومن قرأ بسكون العين فهو أيضا جمع ماعز كصاحب وصحب ، وتاجر وتجر ، وراكب وركب . وأما انتصاب اثنين فلأن تقدير الآية أنشأ ثمانية أزواج أنشأ من الضأن اثنين ومن المعز اثنين وقوله : { قل ءآلذكرين حرم أم الانثيين } نصب الذكرين بقوله : / { حرم } والاستفهام يعمل فيه ما بعده ولا يعمل فيه ما قبله . قال المفسرون : إن المشركين من أهل الجاهلية كانوا يحرمون بعض الأنعام ، فاحتج الله تعالى على إبطال قولهم بأن ذكر الضأن والمعز والإبل والبقر وذكر من كل واحد من هذه الأربعة زوجين ، ذكرا وأنثى .

لسان عثمانی (Osmanlıca) ترجمه سى (اهل سنت)

اعلم أنه تعالى لما ذكر كيفية إنعامه على عباده بالمنافع النباتية أتبعها بذكر إنعامه عليهم بالمنافع الحيوانية . فقال : { ومن الانعام حمولة وفرشا } وفي الآية مسائل : المسألة الأولى : ( الواو ) في قوله : { ومن الانعام حمولة وفرشا } توجب العطف على ما تقدم / من قوله : { وهو الذى أنشأ جنات معروشات } والتقدير : وهو الذي أنشأ جنات معروشات وغير معروشات ، وأنشأ من الأنعام حمولة وفرشا وكثر أقوالهم في تفسير الحمولة والفرش وأقربها إلى التحصيل وجهان : الأول : أن الحمولة ما تحمل الأثقال والفرش ما يفرش للذبح أو ينسج من وبره وصوفه وشعره للفرش . والثاني : الحمولة الكبار التي تصلح للحمل ، والفرش الصغار كالفصلان والعجاجيل والغنم لأنها دانية من الأرض بسبب صغر أجرامها مثل الفرش المفروش عليها . ثم قال تعالى : { كلوا مما رزقكم الله } يريد ما أحلها لكم . قالت المعتزلة : إنه تعالى أمر بأكل الرزق ، ومنع من أكل الحرام ، ينتج أن الرزق ليس بحرام . ثم قال : { ولا تتبعوا خطوات الشيطان } أي في التحليل والتحريم من عند أنفسكم كما فعله أهل الجاهلية { خطوات } جمع خطوة . وهي ما بين القدمين . قال الزجاج : وفي { خطوات الشيطان } ثلاثة أوجه : بضم الطاء وفتحها وبإسكانها ، ومعناه : طرق الشيطان . أي لا تسلكوا الطريق الذي يسوله لكم الشيطان . ثم قال تعالى : { إنه لكم عدو مبين } أي بين العداوة ، أخرج آدم من الجنة ، وهو القائل { لاحتنكن ذريته إلا قليلا } ( الإسراء : 62 ) . ثم قال تعالى : { ثمانية أزواج } وفيه بحثان : البحث الأول : في انتصاب قوله : { ثمانية } وجهان : الأول : قال الفراء : انتصب ثمانية بالبدل من قوله : { حمولة وفرشا } والثاني : أن يكون التقدير : كلوا مما رزقكم الله ثمانية أزواج . البحث الثاني : الواحد إذا كان وحده فهو فرد ، فإذا كان معه غيره من جنسه سمي زوجا ، وهما زوجان بدليل قوله : { خلق الزوجين الذكر والانثى } ( النجم : 45 ) وبدليل قوله : { ثمانية أزواج } ثم فسرها بقوله : { من الضأن اثنين ومن المعز اثنين ومن الإبل اثنين ومن البقر اثنين } . ثم قال : { ومن الضأن اثنين } يعني الذكر والأنثى ، والضأن ذوات الصوف من الغنم . قال الزجاج : وهي جمع ضائن وضائنة مثل تاجر وتاجرة . ويجمع الضأن أيضا على الضئين بكسر الضاد وفتحها وقوله : { ومن المعز اثنين } قرىء { ومن المعز } بفتح العين / والمعز ذوات الشعر من الغنم . ويقال للواحد : ماعز . وللجمع : معزى . فمن قرأ { المعز } بفتح العين فهو جمع ماعز ، مثل خادم وخدم وطالب وطلب ، وحارس وحرس . ومن قرأ بسكون العين فهو أيضا جمع ماعز كصاحب وصحب ، وتاجر وتجر ، وراكب وركب . وأما انتصاب اثنين فلأن تقدير الآية أنشأ ثمانية أزواج أنشأ من الضأن اثنين ومن المعز اثنين وقوله : { قل ءآلذكرين حرم أم الانثيين } نصب الذكرين بقوله : / { حرم } والاستفهام يعمل فيه ما بعده ولا يعمل فيه ما قبله . قال المفسرون : إن المشركين من أهل الجاهلية كانوا يحرمون بعض الأنعام ، فاحتج الله تعالى على إبطال قولهم بأن ذكر الضأن والمعز والإبل والبقر وذكر من كل واحد من هذه الأربعة زوجين ، ذكرا وأنثى .

قسم V13/P177–V13/P178Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb (s. V13/P177–V13/P178)
متن اصلى (AR)

ثم قال إن كان حرم منها الذكر وجب أن يكون كل ذكورها حراما وإن كان حرم الأنثى ، وجب أن يكون كل إناثها حراما ، وقوله : { أما اشتملت عليه أرحام الانثيين } تقديره : إن كان حرم ما اشتملت عليه أرحام الأنثيين وجب تحريم الأولاد كلها لأن الأرحام تشتمل على الذكور والإناث ، هذا ما أطبق عليه المفسرون في تفسير هذه الآية ، وهو عندي بعيد جدا ، لأن لقائل أن يقول : هب أن هذه الأنواع الأربعة ، أعني : الضأن ، والمعز ، والإبل ، والبقر ، محصورة في الذكور والإناث ، إلا أنه لا يجب أن تكون علة تحريم ما حكموا بتحريمه محصورة في الذكورة والأنوثة ، بل علة تحريمها كونها بحيرة أو سائبة أو وصيلة أو حاما أو سائر الاعتبارات ، كما أنا إذا قلنا : أنه تعالى حرم ذبح بعض الحيوانات لأجل الأكل . فإذا قيل : إن ذلك الحيوان إن كان قد حرم لكونه ذكرا وجب أن يحرم كل حيوان ذكر ، وإن كان قد حرم لكونه أنثى وجب أن يحرم كل حيوان أنثى ، ولما لم يكن هذا الكلام لازما علينا ، فكذا هذا الوجه الذي ذكره المفسرون في تفسير هذه الآية ، ويجب على العاقل أن يذكر في تفسير كلام الله تعالى وجها صحيحا فأما تفسيره بالوجوه الفاسدة فلا يجوز والأقرب عندي فيه وجهان : أحدهما : أن يقال : إن هذا الكلام ما ورد على سبيل الاستدلال على بطلان قولهم ، بل هو استفهام على سبيل الإنكار يعني أنكم لا تقرون بنبوة نبي ، ولا تعرفون شريعة شارع ، فكيف تحكمون بأن هذا يحل وأن ذلك يحرم ؟ وثانيهما : أن حكمهم بالبحيرة والسائبة والوصيلة والحام مخصوص بالإبل ، فالله تعالى بين أن النعم عبارة عن هذه الأنواع الأربعة ، فلما لم تحكموا بهذه الأحكام في الأقسام الثلاثة ، وهي : الضأن والمعز والبقر ، فكيف خصصتم الإبل بهذا الحكم على التعيين ؟ فهذا ما عندي في هذه الآية والله أعلم بمراده . ثم قال تعالى : { أم كنتم شهداء إذ وصاكم الله بهاذا } والمراد هل شاهدتم الله حرم هذا إن كنتم لا تؤمنون برسول ؟ وحاصل الكلام من هذه الآية : أنكم لا تعترفون بنبوة أحد من الأنبياء ، فكيف تثبتون هذه الأحكام المختلفة ؟ ولما بين ذلك قال : { فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا ليضل الناس بغير علم } قال ابن عباس : يريد عمرو بن لحي ، لأنه هو الذي غير شريعة إسماعيل ، والأقرب أن يكون هذا محمولا على كل من فعل ذلك ، لأن اللفظ عام والعلة الموجبة لهذا الحكم عامة ، / فالتخصيص تحكم محض . قال المحققون : إذا ثبت أن من افترى على الله الكذب في تحريم مباح استحق هذا الوعيد الشديد ، فمن افترى على الله الكذب في مسائل التوحيد ومعرفة الذات والصفات والنبوات والملائكة ومباحث المعاد كان وعيده أشد وأشق . قال القاضي : ودل ذلك على أن الإضلال عن الدين مذموم ، لا يليق بالله ، لأنه تعالى إذا ذم الإضلال الذي ليس فيه إلا تحريم المباح ، فالذي هو أعظم منه أولى بالذم . وجوابه : أنه ليس كل ما كان مذموما منا كان مذموما من الله تعالى . ألا ترى أن الجمع بين العبيد والإماء وتسليط الشهوة عليهم وتمكينهم من أسباب الفجور مذموم منا وغير مذموم من الله تعالى فكذا ههنا . ثم قال : { إن الله لا يهدى القوم الظالمين } قال القاضي : لا يهديهم إلا ثوابه وإلى زيادات الهدى التي يختص المهتدي بها . وقال أصحابنا : المراد منه الإخبار بأنه تعالى لا يهدي أولئك المشركين ، أي لا ينقلهم من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان ، والكلام في ترجيح أحذ القولين على الآخر معلوم .

لسان عثمانی (Osmanlıca) ترجمه سى (اهل سنت)

ثم قال إن كان حرم منها الذكر وجب أن يكون كل ذكورها حراما وإن كان حرم الأنثى ، وجب أن يكون كل إناثها حراما ، وقوله : { أما اشتملت عليه أرحام الانثيين } تقديره : إن كان حرم ما اشتملت عليه أرحام الأنثيين وجب تحريم الأولاد كلها لأن الأرحام تشتمل على الذكور والإناث ، هذا ما أطبق عليه المفسرون في تفسير هذه الآية ، وهو عندي بعيد جدا ، لأن لقائل أن يقول : هب أن هذه الأنواع الأربعة ، أعني : الضأن ، والمعز ، والإبل ، والبقر ، محصورة في الذكور والإناث ، إلا أنه لا يجب أن تكون علة تحريم ما حكموا بتحريمه محصورة في الذكورة والأنوثة ، بل علة تحريمها كونها بحيرة أو سائبة أو وصيلة أو حاما أو سائر الاعتبارات ، كما أنا إذا قلنا : أنه تعالى حرم ذبح بعض الحيوانات لأجل الأكل . فإذا قيل : إن ذلك الحيوان إن كان قد حرم لكونه ذكرا وجب أن يحرم كل حيوان ذكر ، وإن كان قد حرم لكونه أنثى وجب أن يحرم كل حيوان أنثى ، ولما لم يكن هذا الكلام لازما علينا ، فكذا هذا الوجه الذي ذكره المفسرون في تفسير هذه الآية ، ويجب على العاقل أن يذكر في تفسير كلام الله تعالى وجها صحيحا فأما تفسيره بالوجوه الفاسدة فلا يجوز والأقرب عندي فيه وجهان : أحدهما : أن يقال : إن هذا الكلام ما ورد على سبيل الاستدلال على بطلان قولهم ، بل هو استفهام على سبيل الإنكار يعني أنكم لا تقرون بنبوة نبي ، ولا تعرفون شريعة شارع ، فكيف تحكمون بأن هذا يحل وأن ذلك يحرم ؟ وثانيهما : أن حكمهم بالبحيرة والسائبة والوصيلة والحام مخصوص بالإبل ، فالله تعالى بين أن النعم عبارة عن هذه الأنواع الأربعة ، فلما لم تحكموا بهذه الأحكام في الأقسام الثلاثة ، وهي : الضأن والمعز والبقر ، فكيف خصصتم الإبل بهذا الحكم على التعيين ؟ فهذا ما عندي في هذه الآية والله أعلم بمراده . ثم قال تعالى : { أم كنتم شهداء إذ وصاكم الله بهاذا } والمراد هل شاهدتم الله حرم هذا إن كنتم لا تؤمنون برسول ؟ وحاصل الكلام من هذه الآية : أنكم لا تعترفون بنبوة أحد من الأنبياء ، فكيف تثبتون هذه الأحكام المختلفة ؟ ولما بين ذلك قال : { فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا ليضل الناس بغير علم } قال ابن عباس : يريد عمرو بن لحي ، لأنه هو الذي غير شريعة إسماعيل ، والأقرب أن يكون هذا محمولا على كل من فعل ذلك ، لأن اللفظ عام والعلة الموجبة لهذا الحكم عامة ، / فالتخصيص تحكم محض . قال المحققون : إذا ثبت أن من افترى على الله الكذب في تحريم مباح استحق هذا الوعيد الشديد ، فمن افترى على الله الكذب في مسائل التوحيد ومعرفة الذات والصفات والنبوات والملائكة ومباحث المعاد كان وعيده أشد وأشق . قال القاضي : ودل ذلك على أن الإضلال عن الدين مذموم ، لا يليق بالله ، لأنه تعالى إذا ذم الإضلال الذي ليس فيه إلا تحريم المباح ، فالذي هو أعظم منه أولى بالذم . وجوابه : أنه ليس كل ما كان مذموما منا كان مذموما من الله تعالى . ألا ترى أن الجمع بين العبيد والإماء وتسليط الشهوة عليهم وتمكينهم من أسباب الفجور مذموم منا وغير مذموم من الله تعالى فكذا ههنا . ثم قال : { إن الله لا يهدى القوم الظالمين } قال القاضي : لا يهديهم إلا ثوابه وإلى زيادات الهدى التي يختص المهتدي بها . وقال أصحابنا : المراد منه الإخبار بأنه تعالى لا يهدي أولئك المشركين ، أي لا ينقلهم من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان ، والكلام في ترجيح أحذ القولين على الآخر معلوم .

قسم V13/P178Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb (s. V13/P178)
متن اصلى (AR)

! 7 < { قل لا أجد فى مآ أوحى إلى محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا أو لحم خنزير فإنه رجس أو فسقا أهل لغير الله به فمن اضطر غير باغ ولا عاد فإن ربك غفور رحيم وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذى ظفر ومن البقر والغنم حرمنا عليهم شحومهمآ إلا ما حملت ظهورهمآ أو الحوايآ أو ما اختلط بعظم ذالك جزيناهم ببغيهم وإنا لصادقون فإن كذبوك فقل ربكم ذو رحمة واسعة ولا يرد بأسه عن القوم المجرمين } . > 7 < الأنعام : ( 145 - 147 ) قل لا أجد . . . . . > > /اعلم أنه تعالى لما بين فساد طريقة أهل الجاهلية فيما يحل ويحرم من المطعومات أتبعه بالبيان الصحيح في هذا الباب ، فقال : { قل لا أجد فيما أوحى إلى } وفي الآية مسائل : المسألة الأولى : قرأ ابن كثير وحمزة { إلا أن تكون } بالتار { ميتة } بالنصب على تقدير : إلا أن تكون العين أو النفس أو الجثة ميتة . وقرأ ابن عامر إلا أن تكون بالتاء { ميتة } بالرفع على معنى إلا أن تقع ميتة أو تحدث ميتة والباقون { إلا أن يكون ميتة } أي إلا أن يكون المأكول ميتة ، أو إلا أن يكون الموجود ميتة . المسألة الثانية : لما بين الله تعالى أن التحريم والتحليل لا يثبت إلا بالوحي . قال : { قل لا أجد فيما أوحى إلا محرما على طاعم يطعمه } أي على آكل يأكله ، وذكر هذا ليظهر أن المراد منه هو بيان ما يحل ويحرم من المأكولات . ثم ذكر أمورا أربعة . أولها : الميتة ، وثانيها : الدم المسفوح ، وثالثها : لحم الخنزير فإنه رجس ، ورابعها : الفسق وهو الذي أهل به لغير الله ، فقوله تعالى : { قل لا أجد فيما أوحى إليك محرما } إلا هذه الأربعة مبالغة في بيان أنه لا يحرم إلا هذه الأربعة وذلك لأنه لما ثبت أنه لا طريق إلى معرفة المحرمات والمحللات إلا بالوحي ، وثبت أنه لا وحي من الله تعالى إلا إلى محمد عليه الصلاة والسلام ، وثبت أنه تعالى يأمره أن يقول : إني لا أجد فيما أوحي إلي محرما من المحرمات إلا هذه الأربعة كان هذا مبالغة في بيان أنه لا يحرم إلا هذه الأربعة .

لسان عثمانی (Osmanlıca) ترجمه سى (اهل سنت)

! 7 < { قل لا أجد فى مآ أوحى إلى محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا أو لحم خنزير فإنه رجس أو فسقا أهل لغير الله به فمن اضطر غير باغ ولا عاد فإن ربك غفور رحيم وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذى ظفر ومن البقر والغنم حرمنا عليهم شحومهمآ إلا ما حملت ظهورهمآ أو الحوايآ أو ما اختلط بعظم ذالك جزيناهم ببغيهم وإنا لصادقون فإن كذبوك فقل ربكم ذو رحمة واسعة ولا يرد بأسه عن القوم المجرمين } . > 7 < الأنعام : ( 145 - 147 ) قل لا أجد . . . . . > > /اعلم أنه تعالى لما بين فساد طريقة أهل الجاهلية فيما يحل ويحرم من المطعومات أتبعه بالبيان الصحيح في هذا الباب ، فقال : { قل لا أجد فيما أوحى إلى } وفي الآية مسائل : المسألة الأولى : قرأ ابن كثير وحمزة { إلا أن تكون } بالتار { ميتة } بالنصب على تقدير : إلا أن تكون العين أو النفس أو الجثة ميتة . وقرأ ابن عامر إلا أن تكون بالتاء { ميتة } بالرفع على معنى إلا أن تقع ميتة أو تحدث ميتة والباقون { إلا أن يكون ميتة } أي إلا أن يكون المأكول ميتة ، أو إلا أن يكون الموجود ميتة . المسألة الثانية : لما بين الله تعالى أن التحريم والتحليل لا يثبت إلا بالوحي . قال : { قل لا أجد فيما أوحى إلا محرما على طاعم يطعمه } أي على آكل يأكله ، وذكر هذا ليظهر أن المراد منه هو بيان ما يحل ويحرم من المأكولات . ثم ذكر أمورا أربعة . أولها : الميتة ، وثانيها : الدم المسفوح ، وثالثها : لحم الخنزير فإنه رجس ، ورابعها : الفسق وهو الذي أهل به لغير الله ، فقوله تعالى : { قل لا أجد فيما أوحى إليك محرما } إلا هذه الأربعة مبالغة في بيان أنه لا يحرم إلا هذه الأربعة وذلك لأنه لما ثبت أنه لا طريق إلى معرفة المحرمات والمحللات إلا بالوحي ، وثبت أنه لا وحي من الله تعالى إلا إلى محمد عليه الصلاة والسلام ، وثبت أنه تعالى يأمره أن يقول : إني لا أجد فيما أوحي إلي محرما من المحرمات إلا هذه الأربعة كان هذا مبالغة في بيان أنه لا يحرم إلا هذه الأربعة .

قسم V13/P178–V13/P179Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb (s. V13/P178–V13/P179)
متن اصلى (AR)

واعلم أن هذه السورة مكية ، فبين تعالى في هذه السورة المكية أنه لا محرم إلا هذه الأربعة ثم أكد ذلك بأن قال في سورة النحل : { إنما حرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير ومآ أهل لغير الله به فمن اضطر غير باغ ولا عاد فإن الله غفور رحيم } ( النحل : 115 ) وكلمة { إنما } تفيد الحصر فقد حصلت لنا آيتان مكيتان يدلان على حصر المحرمات في هذه الأربعة ، فبين في سورة البقرة وهي مدنية أيضا أنه لا محرم إلا هذه الأربعة فقال : { إنما حرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل به لغير الله } وكلمة { إنما } تفيد الحصر فصارت هذه الآية المدنية مطابقة لتلك الآية المكية لأن كلمة { إنما } تفيد الحصر ، فكلمة { إنما } في الآية المدنية مطابقة لقوله : { قل لا أجد فيما أوحى إلى محرما } إلا كذا وكذا في الآية المكية ، ثم ذكر تعالى في سورة المائدة قوله تعالى : { أحلت لكم بهيمة الانعام إلا ما يتلى عليكم } ( المائدة : 1 ) وأجمع المفسرون على أن المراد بقوله : { إلا ما يتلى عليكم } هو ما ذكره بعد هذه الآية بقليل ، وهو قوله : { حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به والمنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع إلا ما ذكيتم } وكل هذه الأشياء أقسام الميتة وأنه تعالى إنما أعادها بالذكر لأنهم كانوا يحكمون عليها بالتحليل ، فثبت أن الشريعة من أولها إلى آخرها / كانت مستقرة على هذا الحكم وعلى هذا الحصر . فإن قال قائل : فيلزمكم في التزام هذا الحصر تحليل النجاسات والمستقذرات ، ويلزم عليه أيضا تحليل الخمر ، وأيضا فيلزمكم تحليل المنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة مع أن الله تعالى حكم بتحريمها . قلنا : هذا لا يلزمنا من وجوه : الأول : أنه تعالى قال في هذه الآية : { أو لحم خنزير فإنه رجس } ومعناه أنه تعالى إنما حرم لحم الخنزير لكونه نجسا ، فهذا يقتضي أن النجاسة علة لتحريم الأكل . فوجب أن يكون كل نجس يحرم أكله ، وإذا كان هذا مذكورا في الآية كان السؤال ساقطا . والثاني : أنه تعالى قال في آية أخرى : { ويحرم عليهم الخبئث } وذلك يقتضي تحريم كل الخبائث ، والنجاسات خبائث ، فوجب القول بتحريمها . الثالث : أن الأمة مجمعة على حرمة تناول النجاسات ، فهب أنا التزمنا تخصيص هذه السورة بدلالة النقل المتواتر من دين محمد في باب النجاسات . فوجب أن يبقى ما سواها على وفق الأصل تمسكا بعموم كتاب الله في الآية المكية والآية المدنية ، فهذا أصل مقرر كامل في باب ما يحل وما يحرم من المطعومات ، وأما الخمر فالجواب عنه : أنها نجسة فيكون من الرجس فيدخل تحت قوله : { رجس } وتحت قوله : { ويحرم عليهم الخبئث } وأيضا ثبت تخصيصه بالنقل المتواتر من دين محمد صلى الله عليه وسلم في تحريمه ، وبقوله تعالى : { فاجتنبوه } وبقوله : { وإثمهما أكبر من نفعهما } والعام المخصوص حجة في غير محل التخصيص ، فتبقى هذه الآية فيما عداها حجة . وأما قوله ويلزم تحليل الموقوذة والمتردية والنطحية . فالجواب عنه من وجوه : أولها : أنها ميتات . فكانت داخلة تحت هذه الآية . وثانيها : أنا نخص عموم هذه الآية بتلك الآية ، وثالثها : أن نقول إنها إن كانت ميتة دخلت تحت هذه الآية ، وإن لم تكن ميتة فنخصصها بتلك الآية . فإن قال قائل : المحرمات من المطعومات أكثر مما ذكر في هذه الآية فما وجهها ؟

لسان عثمانی (Osmanlıca) ترجمه سى (اهل سنت)

واعلم أن هذه السورة مكية ، فبين تعالى في هذه السورة المكية أنه لا محرم إلا هذه الأربعة ثم أكد ذلك بأن قال في سورة النحل : { إنما حرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير ومآ أهل لغير الله به فمن اضطر غير باغ ولا عاد فإن الله غفور رحيم } ( النحل : 115 ) وكلمة { إنما } تفيد الحصر فقد حصلت لنا آيتان مكيتان يدلان على حصر المحرمات في هذه الأربعة ، فبين في سورة البقرة وهي مدنية أيضا أنه لا محرم إلا هذه الأربعة فقال : { إنما حرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل به لغير الله } وكلمة { إنما } تفيد الحصر فصارت هذه الآية المدنية مطابقة لتلك الآية المكية لأن كلمة { إنما } تفيد الحصر ، فكلمة { إنما } في الآية المدنية مطابقة لقوله : { قل لا أجد فيما أوحى إلى محرما } إلا كذا وكذا في الآية المكية ، ثم ذكر تعالى في سورة المائدة قوله تعالى : { أحلت لكم بهيمة الانعام إلا ما يتلى عليكم } ( المائدة : 1 ) وأجمع المفسرون على أن المراد بقوله : { إلا ما يتلى عليكم } هو ما ذكره بعد هذه الآية بقليل ، وهو قوله : { حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به والمنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع إلا ما ذكيتم } وكل هذه الأشياء أقسام الميتة وأنه تعالى إنما أعادها بالذكر لأنهم كانوا يحكمون عليها بالتحليل ، فثبت أن الشريعة من أولها إلى آخرها / كانت مستقرة على هذا الحكم وعلى هذا الحصر . فإن قال قائل : فيلزمكم في التزام هذا الحصر تحليل النجاسات والمستقذرات ، ويلزم عليه أيضا تحليل الخمر ، وأيضا فيلزمكم تحليل المنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة مع أن الله تعالى حكم بتحريمها . قلنا : هذا لا يلزمنا من وجوه : الأول : أنه تعالى قال في هذه الآية : { أو لحم خنزير فإنه رجس } ومعناه أنه تعالى إنما حرم لحم الخنزير لكونه نجسا ، فهذا يقتضي أن النجاسة علة لتحريم الأكل . فوجب أن يكون كل نجس يحرم أكله ، وإذا كان هذا مذكورا في الآية كان السؤال ساقطا . والثاني : أنه تعالى قال في آية أخرى : { ويحرم عليهم الخبئث } وذلك يقتضي تحريم كل الخبائث ، والنجاسات خبائث ، فوجب القول بتحريمها . الثالث : أن الأمة مجمعة على حرمة تناول النجاسات ، فهب أنا التزمنا تخصيص هذه السورة بدلالة النقل المتواتر من دين محمد في باب النجاسات . فوجب أن يبقى ما سواها على وفق الأصل تمسكا بعموم كتاب الله في الآية المكية والآية المدنية ، فهذا أصل مقرر كامل في باب ما يحل وما يحرم من المطعومات ، وأما الخمر فالجواب عنه : أنها نجسة فيكون من الرجس فيدخل تحت قوله : { رجس } وتحت قوله : { ويحرم عليهم الخبئث } وأيضا ثبت تخصيصه بالنقل المتواتر من دين محمد صلى الله عليه وسلم في تحريمه ، وبقوله تعالى : { فاجتنبوه } وبقوله : { وإثمهما أكبر من نفعهما } والعام المخصوص حجة في غير محل التخصيص ، فتبقى هذه الآية فيما عداها حجة . وأما قوله ويلزم تحليل الموقوذة والمتردية والنطحية . فالجواب عنه من وجوه : أولها : أنها ميتات . فكانت داخلة تحت هذه الآية . وثانيها : أنا نخص عموم هذه الآية بتلك الآية ، وثالثها : أن نقول إنها إن كانت ميتة دخلت تحت هذه الآية ، وإن لم تكن ميتة فنخصصها بتلك الآية . فإن قال قائل : المحرمات من المطعومات أكثر مما ذكر في هذه الآية فما وجهها ؟

قسم V13/P179–V13/P180Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb (s. V13/P179–V13/P180)
متن اصلى (AR)

أجابوا عنه من وجوه : أحدها : أن المعنى لا أجد محرما مما كان أهل الجاهلية يحرمه من البحائر والسوائب وغيرها إلا ما ذكر في هذه الآية ، وثانيها : أن المراد أن وقت نزول هذه الآية لم يكن تحريم غير ما نص عليه في هذه الآية ثم وجدت محرمات أخرى بعد ذلك . وثالثها : هب أن اللفظ عام إلا أن تخصيص عموم القرآن بخبر الواحد جائز فنحن نخصص هذا العموم بأخبار الآحاد . ورابعها : أن مقتضى هذه الآية أن نقول إنه لا يجد في القرآن ، ويجوز أن يحرم الله تعالى ما سوى هذه الأربعة على لسان رسوله عليه الصلاة والسلام . ولقائل أن يقول : هذه الأجوبة ضعيفة . / أما الجواب الأول : فضعيف لوجوه : أحدها : لا يجوز أن يكون المراد من قوله : { قل لا أجد فيما أوحى إلى محرما } ما كان يحرمه أهل الجاهلية من السوائب والبحائر وغيرها إذ لو كان المراد ذلك لما كانت الميتة والدم ولحم الخنزير وما ذبح على النصب داخلة تحته ، ولو لم تكن هذه الأشياء داخلة تحت قوله : { قل لا أجد فيما أوحى إلى محرما } لما حسن استثناؤها / ولما رأينا أن هذه الأشياء مستثناة عن تلك الكلمة ، علمنا أنه ليس المراد من تلك الكلمة ما ذكروه . وثانيها : أنه تعالى حكم بفساد قولهم في تحريم تلك الأشياء ، ثم إنه تعالى في هذه الآية خصص المحرمات في هذه الأربعة وتحليل تلك الأشياء التي حرمها أهل الجاهلية لا يمنع من تحليل غيرها ، فوجب إبقاء هذه الآية على عمومها لأن تخصيصها يوجب ترك العمل بعمومها من غير دليل ، وثالثها : أنه تعالى قال في سورة البقرة : { إنما حرم عليكم } وذكر هذه الأشياء الأربعة ، وكلمة { إنما } تفيد الحصر وهذه الآية في سورة البقرة غير مسبوقة بحكاية أقوال أهل الجاهلية في تحريم البحائر والسوائب فسقط هذا العذر . وأما جوابهم الثاني : وهو أن المراد أن وقت نزول هذه الآية لم يكن محرما إلا هذه الأربعة . فجوابه من وجوه : أولها : أن قوله تعالى في سورة البقرة : { إنما حرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل به لغير الله } ( البقرة : 173 ) آية مدنية نزلت بعد استقرار الشريعة ، وكلمة { إنما } تفيد الحصر فدل هاتان الآيتان على أن الحكم الثابت في شريعة محمد عليه الصلاة والسلام من أولها إلى آخرها ليس إلا حصر المحرمات في هذه الأشياء ، وثانيها : أنه لما ثبت بمقضتى هاتين الآيتين حصر المحرمات في هذه الاربعة كان هذا اعترافا بحل ما سواها ، فالقول بتحريم شيء خامس يكون نسخا ، ولا شك أن مدار الشريعة على أن الأصل عدم النسخ ، لأنه لو كان احتمال طريان الناسخ معادلا لاحتمال بقاء الحكم على ما كان ، فحينئذ لا يمكن التمسك بشيء من النصوص في إثبات شيء من الأحكام لاحتمال أن يقال : إنه وإن كان ثابتا إلا أنه زال ، ولما اتفق الكل على أن الأصل عدم النسخ ، وأن القائل به والذاهب إليه هو المحتاج إلى الدليل علمنا فساد هذا السؤال .

لسان عثمانی (Osmanlıca) ترجمه سى (اهل سنت)

أجابوا عنه من وجوه : أحدها : أن المعنى لا أجد محرما مما كان أهل الجاهلية يحرمه من البحائر والسوائب وغيرها إلا ما ذكر في هذه الآية ، وثانيها : أن المراد أن وقت نزول هذه الآية لم يكن تحريم غير ما نص عليه في هذه الآية ثم وجدت محرمات أخرى بعد ذلك . وثالثها : هب أن اللفظ عام إلا أن تخصيص عموم القرآن بخبر الواحد جائز فنحن نخصص هذا العموم بأخبار الآحاد . ورابعها : أن مقتضى هذه الآية أن نقول إنه لا يجد في القرآن ، ويجوز أن يحرم الله تعالى ما سوى هذه الأربعة على لسان رسوله عليه الصلاة والسلام . ولقائل أن يقول : هذه الأجوبة ضعيفة . / أما الجواب الأول : فضعيف لوجوه : أحدها : لا يجوز أن يكون المراد من قوله : { قل لا أجد فيما أوحى إلى محرما } ما كان يحرمه أهل الجاهلية من السوائب والبحائر وغيرها إذ لو كان المراد ذلك لما كانت الميتة والدم ولحم الخنزير وما ذبح على النصب داخلة تحته ، ولو لم تكن هذه الأشياء داخلة تحت قوله : { قل لا أجد فيما أوحى إلى محرما } لما حسن استثناؤها / ولما رأينا أن هذه الأشياء مستثناة عن تلك الكلمة ، علمنا أنه ليس المراد من تلك الكلمة ما ذكروه . وثانيها : أنه تعالى حكم بفساد قولهم في تحريم تلك الأشياء ، ثم إنه تعالى في هذه الآية خصص المحرمات في هذه الأربعة وتحليل تلك الأشياء التي حرمها أهل الجاهلية لا يمنع من تحليل غيرها ، فوجب إبقاء هذه الآية على عمومها لأن تخصيصها يوجب ترك العمل بعمومها من غير دليل ، وثالثها : أنه تعالى قال في سورة البقرة : { إنما حرم عليكم } وذكر هذه الأشياء الأربعة ، وكلمة { إنما } تفيد الحصر وهذه الآية في سورة البقرة غير مسبوقة بحكاية أقوال أهل الجاهلية في تحريم البحائر والسوائب فسقط هذا العذر . وأما جوابهم الثاني : وهو أن المراد أن وقت نزول هذه الآية لم يكن محرما إلا هذه الأربعة . فجوابه من وجوه : أولها : أن قوله تعالى في سورة البقرة : { إنما حرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل به لغير الله } ( البقرة : 173 ) آية مدنية نزلت بعد استقرار الشريعة ، وكلمة { إنما } تفيد الحصر فدل هاتان الآيتان على أن الحكم الثابت في شريعة محمد عليه الصلاة والسلام من أولها إلى آخرها ليس إلا حصر المحرمات في هذه الأشياء ، وثانيها : أنه لما ثبت بمقضتى هاتين الآيتين حصر المحرمات في هذه الاربعة كان هذا اعترافا بحل ما سواها ، فالقول بتحريم شيء خامس يكون نسخا ، ولا شك أن مدار الشريعة على أن الأصل عدم النسخ ، لأنه لو كان احتمال طريان الناسخ معادلا لاحتمال بقاء الحكم على ما كان ، فحينئذ لا يمكن التمسك بشيء من النصوص في إثبات شيء من الأحكام لاحتمال أن يقال : إنه وإن كان ثابتا إلا أنه زال ، ولما اتفق الكل على أن الأصل عدم النسخ ، وأن القائل به والذاهب إليه هو المحتاج إلى الدليل علمنا فساد هذا السؤال .

قسم V13/P180–V13/P181Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb (s. V13/P180–V13/P181)
متن اصلى (AR)

وأما جوابهم الثالث : وهو أنا نخصص عموم القرآن بخبر الواحد . فنقول : ليس هذا من باب التخصيص ، بل هو صريح النسخ ، لأن قوله تعالى : { قل لا أجد فيما أوحى إلى محرما على طاعم يطعمه } مبالغة في أنه لا يحرم سوى هذه الأربعة ، وقوله في سورة البقرة : { إنما حرم عليكم الميتة } وكذا وكذا ، تصريح بحصر المحرمات في هذه الأربعة ، لأن كلمة { إنما } تفيد الحصر ، فالقول بأنه ليس الأمر كذلك يكون دفعا لهذا الذي ثبت بمقتضى هاتين الآيتين أنه كان ثابتا في أول الشريعة بمكة ، / وفي آخرها بالمدينة ، ونسخ القرآن بخبر الواحد لا يجوز . وأما جوابهم الرابع : فضعيف أيضا ، لأن قوله تعالى : { قل لا أجد فيما أوحى إليك } يتناول كل ما كان وحيا ، سواء كان ذلك الوحي قرآنا أو غيره ، وأيضا فقوله في سورة البقرة : { إنما حرم عليكم الميتة } يزيل هذا الاحتمال . فثبت بالتقرير الذي ذكرنا قوة هذا الكلام ، وصحة هذا المذهب ، وهو الذي كان يقول به مالك بن أنس رحمه الله ، ومن السؤالات الضعيفة أن كثيرا من الفقهاء خصصوا عموم هذه الآية بما نقل أنه عليه الصلاة والسلام قال : ( ما استخبثه العرب فهو حرام ) وقد علم أن الذي يستخبثه العرب فهو غير مضبوط ، فسيد العرب بل سيد العالمين محمد صلوات الله عليه ، لما رآهم يأكلون الضب قال : ( يعافه طبعي ) ثم إن هذا الاستقذار ما صار سببا لتحريم الضب . وأما سائر العرب فمنهم من لا يستقذر شيئا ، وقد يختلفون في بعض الأشياء ، فيستقذرها قوم ويستطيبها آخرون ، فعلمنا أن أمر الاستقذار غير مضبوط ، بل هو مختلف باختلاف الأشخاص والأحوال ، فكيف يجوز نسخ هذا النص القاطع بذلك الأمر الذي ليس له ضابط معين ولا قانون معلوم ؟ المسألة الثالثة : اعلم أنا قد ذكرنا المسائل المتعلقة بهذه الأشياء الأربعة في سورة البقرة على سبيل الاستقصاء ، فلا فائدة في الإعادة . فأولها : الميتة ، ودخلها التخصيص في قوله عليه الصلاة والسلام : ( أحلت لنا ميتتان السمك والجراد ) وثانيها : الدم المسفوح ، والسفح الصب . يقال : سفح الدم سفحا ، وسفح هو سفوحا إذا سال . وأنشد أبو عبيدة لكثير : أقول ودمعي واكف عند رسمها عليك سلام الله والدمع يسفح قالن ابن عباس : يريد ما خرج من الأنعام وهي أحياء ، وما يخرج من الأوداج عند الذبح ، وعلى هذا التقدير : فلا يدخل فيه الكبد والطحال لجمودهما ، ولا ما يختلط باللحم من الدم فإنه غير سائل ، وسئل أو مجلز عما يتلطخ من اللحم بالدم . وعن القدري : يرى فيها حمرة الدم ، فقال لا بأس به ، إنما نهى عن الدم المسفوح . وثالثها : لحم الخنزير فإنه رجس . ورابعها : قوله : { أو فسقا أهل لغير الله به } وهو منسوق على قوله : { إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا } فسمى ما أهل لغير الله به فسقا لتوغله في باب الفسق كما يقال : فلان كرم وجود إذا كان كاملا فيهما ، ومنه قوله تعالى : { ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه وإنه لفسق } ( الأنعام : 121 ) .

لسان عثمانی (Osmanlıca) ترجمه سى (اهل سنت)

وأما جوابهم الثالث : وهو أنا نخصص عموم القرآن بخبر الواحد . فنقول : ليس هذا من باب التخصيص ، بل هو صريح النسخ ، لأن قوله تعالى : { قل لا أجد فيما أوحى إلى محرما على طاعم يطعمه } مبالغة في أنه لا يحرم سوى هذه الأربعة ، وقوله في سورة البقرة : { إنما حرم عليكم الميتة } وكذا وكذا ، تصريح بحصر المحرمات في هذه الأربعة ، لأن كلمة { إنما } تفيد الحصر ، فالقول بأنه ليس الأمر كذلك يكون دفعا لهذا الذي ثبت بمقتضى هاتين الآيتين أنه كان ثابتا في أول الشريعة بمكة ، / وفي آخرها بالمدينة ، ونسخ القرآن بخبر الواحد لا يجوز . وأما جوابهم الرابع : فضعيف أيضا ، لأن قوله تعالى : { قل لا أجد فيما أوحى إليك } يتناول كل ما كان وحيا ، سواء كان ذلك الوحي قرآنا أو غيره ، وأيضا فقوله في سورة البقرة : { إنما حرم عليكم الميتة } يزيل هذا الاحتمال . فثبت بالتقرير الذي ذكرنا قوة هذا الكلام ، وصحة هذا المذهب ، وهو الذي كان يقول به مالك بن أنس رحمه الله ، ومن السؤالات الضعيفة أن كثيرا من الفقهاء خصصوا عموم هذه الآية بما نقل أنه عليه الصلاة والسلام قال : ( ما استخبثه العرب فهو حرام ) وقد علم أن الذي يستخبثه العرب فهو غير مضبوط ، فسيد العرب بل سيد العالمين محمد صلوات الله عليه ، لما رآهم يأكلون الضب قال : ( يعافه طبعي ) ثم إن هذا الاستقذار ما صار سببا لتحريم الضب . وأما سائر العرب فمنهم من لا يستقذر شيئا ، وقد يختلفون في بعض الأشياء ، فيستقذرها قوم ويستطيبها آخرون ، فعلمنا أن أمر الاستقذار غير مضبوط ، بل هو مختلف باختلاف الأشخاص والأحوال ، فكيف يجوز نسخ هذا النص القاطع بذلك الأمر الذي ليس له ضابط معين ولا قانون معلوم ؟ المسألة الثالثة : اعلم أنا قد ذكرنا المسائل المتعلقة بهذه الأشياء الأربعة في سورة البقرة على سبيل الاستقصاء ، فلا فائدة في الإعادة . فأولها : الميتة ، ودخلها التخصيص في قوله عليه الصلاة والسلام : ( أحلت لنا ميتتان السمك والجراد ) وثانيها : الدم المسفوح ، والسفح الصب . يقال : سفح الدم سفحا ، وسفح هو سفوحا إذا سال . وأنشد أبو عبيدة لكثير : أقول ودمعي واكف عند رسمها عليك سلام الله والدمع يسفح قالن ابن عباس : يريد ما خرج من الأنعام وهي أحياء ، وما يخرج من الأوداج عند الذبح ، وعلى هذا التقدير : فلا يدخل فيه الكبد والطحال لجمودهما ، ولا ما يختلط باللحم من الدم فإنه غير سائل ، وسئل أو مجلز عما يتلطخ من اللحم بالدم . وعن القدري : يرى فيها حمرة الدم ، فقال لا بأس به ، إنما نهى عن الدم المسفوح . وثالثها : لحم الخنزير فإنه رجس . ورابعها : قوله : { أو فسقا أهل لغير الله به } وهو منسوق على قوله : { إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا } فسمى ما أهل لغير الله به فسقا لتوغله في باب الفسق كما يقال : فلان كرم وجود إذا كان كاملا فيهما ، ومنه قوله تعالى : { ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه وإنه لفسق } ( الأنعام : 121 ) .

%0
10 قسم

سؤاللر