قسم V17/P025–V17/P026Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb (s. V17/P025–V17/P026)
متن اصلى (AR)المسألة الأولى : قال الكعبي : اللام في قوله تعالى : { إليه مرجعكم جميعا } يدل على أنه تعالى خلق العباد للثواب والرحمة . وأيضا فإنه أدخل لام التعليل على الثواب . وأما العقاب فما أدخل فيه لام التعليل ، بل قال : { والذين كفروا لهم شراب من حميم } وذلك يدل على أنه خلق الخلق للرحمة لا للعذاب ، وذلك يدل على أنه ما أراد منهم الكفر ، وما خلق فيهم الكفر ألبتة . والجواب : أن لام التعليل في أفعال الله تعالى محال ، لأنه تعالى لو فعل فعلا لعلة لكانت تلك العلة ، إن كانت قديمة لزم قدم الفعل ، وإن كانت حادثة لزم التسلسل وهو محال . المسألة الثانية : قال الكعبي أيضا : هذه الآية تدل على أنه لا يجوز من الله تعالى أن يبدأ خلقهم في الجنة ، لأنه لو حسن إيصال تلك النعم إليهم من غير واسطة خلقهم في هذا العالم ومن غير واسطة تكليفهم ، لما كان خلقهم وتكليفهم معللا بإيصال تلك النعم إليهم ، وظاهر الآية يدل على ذلك . والجواب : هذا بناء على صحة تعليل أحكام الله تعالى وهو باطل ، سلمنا صحته . إلا أن كلامه إنما يصح لو عللنا بدء الخلق وإعادته بهذا المعنى وذلك ممنوع . فلم لا يجوز أن يقال : إنه يبدأ الخلق لمحض التفضل ، ثم إنه تعالى يعيدهم لغرض إيصال نعم الجنة إليهم ؟ وعلى هذا التقدير : سقط كلامه . أما قوله تعالى : { بالقسط } ففيه وجهان : الوجه الأول : { بالقسط } بالعدل ، وهو يتعلق بقوله : { ليجزى } والمعنى : ليجزيهم بقسطه ، وفيه سؤالان . السؤال الأول : أن القسط إذا كان مفسرا بالعدل ، فالعدل هو الذي يكون لا زائدا ولا ناقصا ، وذلك يقتضي أنه تعالى لا يزيدهم على ما يستحقونه بأعمالهم ، ولا يعطيهم شيئا على سبيل التفضل ابتداء . والجواب : عندنا أن الثواب أيضا محض التفضل . وأيضا فبتقدير أن يساعد على حصول الاستحقاق ، إلا أن لفظ { القسط } يدل على توفية الأجر ، فأما المنع من الزيادة فلفظ { القسط } لا يدل عليه . السؤال الثاني : لم خص المؤمنين بالقسط مع أنه تعالى يجازي الكافرين أيضا بالقسط ؟ والجواب : أن تخصيص المؤمنين بذلك يدل على مزيد العناية في حقهم ، وعلى كونهم مخصوصين بمزيد هذا الاحتياط . / الوجه الثاني : في تفسير الآية أن يكون المعنى : ليجزي الذين آمنوا بقسطهم ، وبما أقسطوا وعدلوا ولم يظلموا أنفسهم حيث آمنوا وعملوا الصالحات ، لأن الشرك ظلم . قال الله تعالى : { إن الشرك لظلم عظيم } ( لقمان : 13 ) والعصاة أيضا قد ظلموا أنفسهم . قال الله تعالى : { فمنهم ظالم لنفسه } ( فاطر : 32 ) وهذا الوجه أقوى ، لأنه في مقابلة قوله : { بما كانوا يكفرون } ( يونس : 70 ) . وأما قوله تعالى : { والذين كفروا لهم شراب من حميم وعذاب أليم بما كانوا يكفرون } ففيه مسائل : المسألة الأولى : قال الواحدي : الحميم : الذي سخن بالنار حتى انتهى حره . يقال : حممت الماء أي سخنته ، فهو حميم . ومنه الحمام . المسألة الثانية : احتج أصحابنا بهذه الآية على أنه لا واسطة بين أن يكون المكلف مؤمنا وبين أن يكون كافرا ، لأنه تعالى اقتصر في هذه الآية على ذكر هذين القسمين .
لسان عثمانی (Osmanlıca) ترجمه سى (اهل سنت)المسألة الأولى : قال الكعبي : اللام في قوله تعالى : { إليه مرجعكم جميعا } يدل على أنه تعالى خلق العباد للثواب والرحمة . وأيضا فإنه أدخل لام التعليل على الثواب . وأما العقاب فما أدخل فيه لام التعليل ، بل قال : { والذين كفروا لهم شراب من حميم } وذلك يدل على أنه خلق الخلق للرحمة لا للعذاب ، وذلك يدل على أنه ما أراد منهم الكفر ، وما خلق فيهم الكفر ألبتة . والجواب : أن لام التعليل في أفعال الله تعالى محال ، لأنه تعالى لو فعل فعلا لعلة لكانت تلك العلة ، إن كانت قديمة لزم قدم الفعل ، وإن كانت حادثة لزم التسلسل وهو محال . المسألة الثانية : قال الكعبي أيضا : هذه الآية تدل على أنه لا يجوز من الله تعالى أن يبدأ خلقهم في الجنة ، لأنه لو حسن إيصال تلك النعم إليهم من غير واسطة خلقهم في هذا العالم ومن غير واسطة تكليفهم ، لما كان خلقهم وتكليفهم معللا بإيصال تلك النعم إليهم ، وظاهر الآية يدل على ذلك . والجواب : هذا بناء على صحة تعليل أحكام الله تعالى وهو باطل ، سلمنا صحته . إلا أن كلامه إنما يصح لو عللنا بدء الخلق وإعادته بهذا المعنى وذلك ممنوع . فلم لا يجوز أن يقال : إنه يبدأ الخلق لمحض التفضل ، ثم إنه تعالى يعيدهم لغرض إيصال نعم الجنة إليهم ؟ وعلى هذا التقدير : سقط كلامه . أما قوله تعالى : { بالقسط } ففيه وجهان : الوجه الأول : { بالقسط } بالعدل ، وهو يتعلق بقوله : { ليجزى } والمعنى : ليجزيهم بقسطه ، وفيه سؤالان . السؤال الأول : أن القسط إذا كان مفسرا بالعدل ، فالعدل هو الذي يكون لا زائدا ولا ناقصا ، وذلك يقتضي أنه تعالى لا يزيدهم على ما يستحقونه بأعمالهم ، ولا يعطيهم شيئا على سبيل التفضل ابتداء . والجواب : عندنا أن الثواب أيضا محض التفضل . وأيضا فبتقدير أن يساعد على حصول الاستحقاق ، إلا أن لفظ { القسط } يدل على توفية الأجر ، فأما المنع من الزيادة فلفظ { القسط } لا يدل عليه . السؤال الثاني : لم خص المؤمنين بالقسط مع أنه تعالى يجازي الكافرين أيضا بالقسط ؟ والجواب : أن تخصيص المؤمنين بذلك يدل على مزيد العناية في حقهم ، وعلى كونهم مخصوصين بمزيد هذا الاحتياط . / الوجه الثاني : في تفسير الآية أن يكون المعنى : ليجزي الذين آمنوا بقسطهم ، وبما أقسطوا وعدلوا ولم يظلموا أنفسهم حيث آمنوا وعملوا الصالحات ، لأن الشرك ظلم . قال الله تعالى : { إن الشرك لظلم عظيم } ( لقمان : 13 ) والعصاة أيضا قد ظلموا أنفسهم . قال الله تعالى : { فمنهم ظالم لنفسه } ( فاطر : 32 ) وهذا الوجه أقوى ، لأنه في مقابلة قوله : { بما كانوا يكفرون } ( يونس : 70 ) . وأما قوله تعالى : { والذين كفروا لهم شراب من حميم وعذاب أليم بما كانوا يكفرون } ففيه مسائل : المسألة الأولى : قال الواحدي : الحميم : الذي سخن بالنار حتى انتهى حره . يقال : حممت الماء أي سخنته ، فهو حميم . ومنه الحمام . المسألة الثانية : احتج أصحابنا بهذه الآية على أنه لا واسطة بين أن يكون المكلف مؤمنا وبين أن يكون كافرا ، لأنه تعالى اقتصر في هذه الآية على ذكر هذين القسمين .
قسم V17/P026–V17/P027Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb (s. V17/P026–V17/P027)
متن اصلى (AR)وأجاب القاضي عنه : بأن ذكر هذين القسمين لا يدل على نفي القسم الثالث . والدليل عليه قوله تعالى : { والله خلق كل دابة من ماء فمنهم من يمشى على بطنه ومنهم من يمشى على رجلين ومنهم من يمشى } ( النور : 45 ) ولم يدل ذلك على نفي القسم الرابع ، بل نقول : إن في مثل ذلك ربما يذكر المقصود أو الأكثر ، ويترك ذكر ما عداه ، إذا كان قد بين في موضع آخر . وقد بين الله تعالى القسم الثالث في سائر الآيات . والجواب أن نقول : إنما يترك القسم الثالث الذي يجري مجرى النادر ، ومعلوم أن الفساق أكثر من أهل الطاعات ، وكيف يجوز ترك ذكرهم في هذا الباب ؟ وأما قوله تعالى : { والله خلق كل دابة من ماء } فإنما ترك ذكر القسم الرابع والخامس ، لأن أقسام ذوات الأرجل كثيرة . فكان ذكرها بأسرها يوجب الإطناب بخلاف هذه المسألة . فإنه ليس ههنا إلا القسم الثالث ، وهو الفاسق الذي يزعم الخصم أنه لا مؤمن ولا كافر . فظهر الفرق . ! 7 < { هو الذى جعل الشمس ضيآء والقمر نورا وقدره منازل لتعلموا عدد السنين والحساب ما خلق الله ذالك إلا بالحق يفصل الآيات لقوم يعلمون } . > 7 ! / < < يونس : ( 5 ) هو الذي جعل . . . . . > > في الآية مسائل : المسألة الأولى : اعلم أنه تعالى لما ذكر الدلائل الدالة على الإلهية ، ثم فرع عليها صحة القول بالحشر والنشر ، عاد مرة أخرى إلى ذكر الدلائل الدالة على الإلهية . واعلم أن الدلائل المتقدمة في إثبات التوحيد والإلهية هي التمسك بخلق السموات والأرض ، وهذا النوع إشارة إلى التمسك بأحوال الشمس والقمر ، وهذا النوع الأخير إشارة إلى ما يؤكد الدليل الدال على صحة الحشر والنشر ، وذلك لأنه تعالى أثبت القول بصحة الحشر والنشر ، بناء على أنه لا بد من إيصال الثواب إلى أهل الطاعة ، وإيصال العقاب إلى أهل الكفر ، وأنه يجب في الحكمة تمييز المحسن عن المسيء ، ثم إنه تعالى ذكر في هذه الآية أنه جعل الشمس ضياء والقمر نورا وقدره منازل ليتوصل المكلف بذلك إلى معرفة السنين والحساب ، فيمكنه ترتيب مهمات معاشه من الزراعة والحراثة ، وإعداد مهمات الشتاء والصيف ، فكأنه تعالى يقول : تمييز المحسن عن المسيء والمطيع عن العاصي ، أوجب في الحكمة من تعليم أحوال السنين والشهور . فلما اقتضت الحكمة والرحمة خلق الشمس والقمر لهذا المهم الذي لا نفع له إلا في الدنيا . فبأن تقتضي الحكمة والرحمة تمييز المحسن عن المسيء بعد الموت ، مع أنه يقتضي النفع الأبدي والسعادة السرمدية ، كان ذلك أولى . فلما كان الاستدلال بأحوال الشمس والقمر من الوجه المذكور في هذه الآية مما يدل على التوحيد من وجه ، وعلى صحة القول بالمعاد من الوجه الذي ذكرناه ، لا جرم ذكر الله هذا الدليل بعد ذكر الدليل على صحة المعاد . المسألة الثانية : الاستدلال بأحوال الشمس والقمر على وجود الصانع المقدر هو أن يقال : الأجسام في ذواتها متماثلة ، وفي ماهياتها متساوية ، ومتى كان الأمر كذلك كان اختصاص جسم الشمس بضوئه الباهر وشعاعه القاهر ، واختصاص جسم القمر بنوره المخصوص لأجل الفاعل الحكيم المختار ، أما بيان أن الأجسام متماثلة في ذواتها وماهياتها ، فالدليل عليه أن الأجسام لا شك أنها متساوية في الحجمية والتحيز والجرمية ، فلو خالف بعضها بعضا لكانت تلك المخالفة في أمر وراء الحجمية والجرمية ضرورة أن ما به المخالفة غير ما به المشاركة ، وإذا كان كذلك فنقول أن ما به حصلت المخالفة من الأجسام إما أن يكون صفة لها أو موصوفا بها أو لا صفة لها ولا موصوفا بها والكل باطل .
لسان عثمانی (Osmanlıca) ترجمه سى (اهل سنت)وأجاب القاضي عنه : بأن ذكر هذين القسمين لا يدل على نفي القسم الثالث . والدليل عليه قوله تعالى : { والله خلق كل دابة من ماء فمنهم من يمشى على بطنه ومنهم من يمشى على رجلين ومنهم من يمشى } ( النور : 45 ) ولم يدل ذلك على نفي القسم الرابع ، بل نقول : إن في مثل ذلك ربما يذكر المقصود أو الأكثر ، ويترك ذكر ما عداه ، إذا كان قد بين في موضع آخر . وقد بين الله تعالى القسم الثالث في سائر الآيات . والجواب أن نقول : إنما يترك القسم الثالث الذي يجري مجرى النادر ، ومعلوم أن الفساق أكثر من أهل الطاعات ، وكيف يجوز ترك ذكرهم في هذا الباب ؟ وأما قوله تعالى : { والله خلق كل دابة من ماء } فإنما ترك ذكر القسم الرابع والخامس ، لأن أقسام ذوات الأرجل كثيرة . فكان ذكرها بأسرها يوجب الإطناب بخلاف هذه المسألة . فإنه ليس ههنا إلا القسم الثالث ، وهو الفاسق الذي يزعم الخصم أنه لا مؤمن ولا كافر . فظهر الفرق . ! 7 < { هو الذى جعل الشمس ضيآء والقمر نورا وقدره منازل لتعلموا عدد السنين والحساب ما خلق الله ذالك إلا بالحق يفصل الآيات لقوم يعلمون } . > 7 ! / < < يونس : ( 5 ) هو الذي جعل . . . . . > > في الآية مسائل : المسألة الأولى : اعلم أنه تعالى لما ذكر الدلائل الدالة على الإلهية ، ثم فرع عليها صحة القول بالحشر والنشر ، عاد مرة أخرى إلى ذكر الدلائل الدالة على الإلهية . واعلم أن الدلائل المتقدمة في إثبات التوحيد والإلهية هي التمسك بخلق السموات والأرض ، وهذا النوع إشارة إلى التمسك بأحوال الشمس والقمر ، وهذا النوع الأخير إشارة إلى ما يؤكد الدليل الدال على صحة الحشر والنشر ، وذلك لأنه تعالى أثبت القول بصحة الحشر والنشر ، بناء على أنه لا بد من إيصال الثواب إلى أهل الطاعة ، وإيصال العقاب إلى أهل الكفر ، وأنه يجب في الحكمة تمييز المحسن عن المسيء ، ثم إنه تعالى ذكر في هذه الآية أنه جعل الشمس ضياء والقمر نورا وقدره منازل ليتوصل المكلف بذلك إلى معرفة السنين والحساب ، فيمكنه ترتيب مهمات معاشه من الزراعة والحراثة ، وإعداد مهمات الشتاء والصيف ، فكأنه تعالى يقول : تمييز المحسن عن المسيء والمطيع عن العاصي ، أوجب في الحكمة من تعليم أحوال السنين والشهور . فلما اقتضت الحكمة والرحمة خلق الشمس والقمر لهذا المهم الذي لا نفع له إلا في الدنيا . فبأن تقتضي الحكمة والرحمة تمييز المحسن عن المسيء بعد الموت ، مع أنه يقتضي النفع الأبدي والسعادة السرمدية ، كان ذلك أولى . فلما كان الاستدلال بأحوال الشمس والقمر من الوجه المذكور في هذه الآية مما يدل على التوحيد من وجه ، وعلى صحة القول بالمعاد من الوجه الذي ذكرناه ، لا جرم ذكر الله هذا الدليل بعد ذكر الدليل على صحة المعاد . المسألة الثانية : الاستدلال بأحوال الشمس والقمر على وجود الصانع المقدر هو أن يقال : الأجسام في ذواتها متماثلة ، وفي ماهياتها متساوية ، ومتى كان الأمر كذلك كان اختصاص جسم الشمس بضوئه الباهر وشعاعه القاهر ، واختصاص جسم القمر بنوره المخصوص لأجل الفاعل الحكيم المختار ، أما بيان أن الأجسام متماثلة في ذواتها وماهياتها ، فالدليل عليه أن الأجسام لا شك أنها متساوية في الحجمية والتحيز والجرمية ، فلو خالف بعضها بعضا لكانت تلك المخالفة في أمر وراء الحجمية والجرمية ضرورة أن ما به المخالفة غير ما به المشاركة ، وإذا كان كذلك فنقول أن ما به حصلت المخالفة من الأجسام إما أن يكون صفة لها أو موصوفا بها أو لا صفة لها ولا موصوفا بها والكل باطل .
قسم V17/P027–V17/P028Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb (s. V17/P027–V17/P028)
متن اصلى (AR)أما القسم الأول : فلأن ما به حصلت المخالفة لو كانت صفات قائمة بتلك الذوات ، فتكون / الذوات في أنفسها ، مع قطع النظر عن تلك الصفات ، متساوية في تمام الماهية ، وإذا كان الأمر كذلك ، فكل ما يصح على جسم ، وجب أن يصح على كل جسم ، وذلك هو المطلوب . وأما القسم الثاني : وهو أن يقال : إن الذي به خالف بعض الأجسام بعضا ، أمور موصوفة بالجسمية والتحيز والمقدار . فنقول : هذا أيضا باطل . لأن ذلك الموصوف ، إما أن يكون حجما ومتحيزا أو لا يكون ، والأول باطل ، وإلا لزم افتقاره إلى محل آخر ، ويستمر ذلك إلى غير النهاية . وأيضا فعلى هذا التقدير يكون المحل مثلا للحال ، ولم يكن كون أحدهما محلا والآخر حالا ، أولى من العكس ، فيلزم كون كل واحد منهما محلا للآخر وحالا فيه ، وذلك محال ، وأما إن كان ذلك المحل غير متحيز ، وله حجم . فنقول : مثل هذا الشيء لا يكون له اختصاص بحيز ولا تعلق بجهة والجسم مختص بالحيز ، وحاصل في الجهة ، والشيء الذي يكون واجب الحصول في الحيز والجهة / يمتنع أن يكون حالا في الشيء الذي يمتنع حصوله في الحيز والجهة . وأما القسم الثالث : وهو أن يقال : ما به خالف جسم جسما ، لا حال في الجسم ولا محل له ، فهذا أيضا باطل ، لأن على هذا التقدير يكون ذلك الشيء شيئا مباينا عن الجسم لا تعلق له به ، فحينئذ تكون ذوات الأجسام من حيث ذواتها متساوية في تمام الماهية ، وذلك هو المطلوب ، فثبت أن الأجسام بأسرها متساوية في تمام الماهية . وإذا ثبت هذا فنقول : الأشياء المتساوية في تمام الماهية تكون متساوية في جميع لوازم الماهية ، فكل ما صح على بعضها وجب أن يصح على الباقي ، فلما صح على جرم الشمس اختصاصه بالضوء القاهر الباهر ، وجب أن يصح مثل ذلك الضوء القاهر على جرم القمر أيضا ، وبالعكس . وإذا كان كذلك ، وجب أن يكون اختصاص جرم الشمس بضوئه القاهر ، واختصاص القمر بنوره الضعيف بتخصيص مخصص وإيجاد موجد . وتقدير مقدر وذلك هو المطلوب ، فثبت أن اختصاص الشمس بذلك الضوء بجعل جاعل ، وأن اختصاص القمر بذلك النوع من النور بجعل جاعل ، فثبت بالدليل القاطع صحة قوله سبحانه وتعالى : { هو الذى جعل الشمس ضياء والقمر نورا } وهو المطلوب . المسألة الثالثة : قال أبو علي الفارسي : الضياء لا يخلو من أحد أمرين إما أن يكون جمع ضوء كسوط وسياط وحوض وحياض ، أو مصدر ضاء يضوء ضياء كقولك قام قياما ، وصام صياما ، وعلى أي الوجهين حملته ، فالمضاف محذوف ، والمعنى جعل الشمس ذات ضياء ، والقمر ذا نور ، ويجوز أن يكون من غير ذلك لأنه لما عظم الضوء والنور فيهما جعلا نفس الضياء والنور كما يقال للرجل الكريم أنه كرم وجود . / المسألة الرابعة : قال الواحدي : روي عن ابن كثير من طريق قنبل { ضئاء } بهمزتين وأكثر الناس على تغليطه فيه ، لأن ياء ضياء منقلبة من واو مثل ياء قيام وصيام ، فلا وجه للهمزة فيها . ثم قال : وعلى البعد يجوز أن يقال قدم اللام التي هي الهمزة إلى موضع العين ، وأخر العين التي هي واو ، إلى موضع اللام ، فلما وقعت طرفا بعد ألف زائدة انقلبت همزة ، كما انقلبت في سقاء وبابه . والله أعلم .
لسان عثمانی (Osmanlıca) ترجمه سى (اهل سنت)أما القسم الأول : فلأن ما به حصلت المخالفة لو كانت صفات قائمة بتلك الذوات ، فتكون / الذوات في أنفسها ، مع قطع النظر عن تلك الصفات ، متساوية في تمام الماهية ، وإذا كان الأمر كذلك ، فكل ما يصح على جسم ، وجب أن يصح على كل جسم ، وذلك هو المطلوب . وأما القسم الثاني : وهو أن يقال : إن الذي به خالف بعض الأجسام بعضا ، أمور موصوفة بالجسمية والتحيز والمقدار . فنقول : هذا أيضا باطل . لأن ذلك الموصوف ، إما أن يكون حجما ومتحيزا أو لا يكون ، والأول باطل ، وإلا لزم افتقاره إلى محل آخر ، ويستمر ذلك إلى غير النهاية . وأيضا فعلى هذا التقدير يكون المحل مثلا للحال ، ولم يكن كون أحدهما محلا والآخر حالا ، أولى من العكس ، فيلزم كون كل واحد منهما محلا للآخر وحالا فيه ، وذلك محال ، وأما إن كان ذلك المحل غير متحيز ، وله حجم . فنقول : مثل هذا الشيء لا يكون له اختصاص بحيز ولا تعلق بجهة والجسم مختص بالحيز ، وحاصل في الجهة ، والشيء الذي يكون واجب الحصول في الحيز والجهة / يمتنع أن يكون حالا في الشيء الذي يمتنع حصوله في الحيز والجهة . وأما القسم الثالث : وهو أن يقال : ما به خالف جسم جسما ، لا حال في الجسم ولا محل له ، فهذا أيضا باطل ، لأن على هذا التقدير يكون ذلك الشيء شيئا مباينا عن الجسم لا تعلق له به ، فحينئذ تكون ذوات الأجسام من حيث ذواتها متساوية في تمام الماهية ، وذلك هو المطلوب ، فثبت أن الأجسام بأسرها متساوية في تمام الماهية . وإذا ثبت هذا فنقول : الأشياء المتساوية في تمام الماهية تكون متساوية في جميع لوازم الماهية ، فكل ما صح على بعضها وجب أن يصح على الباقي ، فلما صح على جرم الشمس اختصاصه بالضوء القاهر الباهر ، وجب أن يصح مثل ذلك الضوء القاهر على جرم القمر أيضا ، وبالعكس . وإذا كان كذلك ، وجب أن يكون اختصاص جرم الشمس بضوئه القاهر ، واختصاص القمر بنوره الضعيف بتخصيص مخصص وإيجاد موجد . وتقدير مقدر وذلك هو المطلوب ، فثبت أن اختصاص الشمس بذلك الضوء بجعل جاعل ، وأن اختصاص القمر بذلك النوع من النور بجعل جاعل ، فثبت بالدليل القاطع صحة قوله سبحانه وتعالى : { هو الذى جعل الشمس ضياء والقمر نورا } وهو المطلوب . المسألة الثالثة : قال أبو علي الفارسي : الضياء لا يخلو من أحد أمرين إما أن يكون جمع ضوء كسوط وسياط وحوض وحياض ، أو مصدر ضاء يضوء ضياء كقولك قام قياما ، وصام صياما ، وعلى أي الوجهين حملته ، فالمضاف محذوف ، والمعنى جعل الشمس ذات ضياء ، والقمر ذا نور ، ويجوز أن يكون من غير ذلك لأنه لما عظم الضوء والنور فيهما جعلا نفس الضياء والنور كما يقال للرجل الكريم أنه كرم وجود . / المسألة الرابعة : قال الواحدي : روي عن ابن كثير من طريق قنبل { ضئاء } بهمزتين وأكثر الناس على تغليطه فيه ، لأن ياء ضياء منقلبة من واو مثل ياء قيام وصيام ، فلا وجه للهمزة فيها . ثم قال : وعلى البعد يجوز أن يقال قدم اللام التي هي الهمزة إلى موضع العين ، وأخر العين التي هي واو ، إلى موضع اللام ، فلما وقعت طرفا بعد ألف زائدة انقلبت همزة ، كما انقلبت في سقاء وبابه . والله أعلم .
قسم V17/P028–V17/P029Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb (s. V17/P028–V17/P029)
متن اصلى (AR)المسألة الخامسة : اعلم أن النور كيفية قابلة للأشد والأضعف ، فإن نور الصباح أضعف من النور الحاصل في أفنية الجدران عند طلوع الشمس ، وهو أضعف من النور الساطع من الشمس على الجدران ، وهو أضعف من الضوء القائم بجرم الشمس ، فكما هذه الكيفية المسماة بالضوء على ما يحس به في جرم الشمس ، وهو في الإمكان وجود مرتبة في الضوء أقوى من الكيفية القائمة بالشمس ، فهو من مواقف العقول . واختلف الناس في أن الشعاع الفائض من الشمس هل هو جسم أو عرض ؟ والحق أنه عرض ، وهو كيفية مخصوصة ، وإذا ثبت أنه عرض فهل حدوثه في هذا العالم بتأثير قرص الشمس أو لأجل أن الله تعالى أجرى عادته بخلق هذه الكيفية في الأجرام المقابلة لقرص الشمس على سبيل العادة ، فهي مباحث عميقة ، وإنما يليق الاستقصاء فيها بعلوم المعقولات . وإذا عرفت هذا فنقول : النور اسم لأصل هذه الكيفية ، وأما الضوء ، فهو اسم لهذه الكيفية إذا كانت كاملة تامة قوية ، والدليل عليه أنه تعالى سمى الكيفية القائمة بالشمس { الشمس ضياء } والكيفية القائمة بالقمر { نورا } ولا شك أن الكيفية القائمة بالشمس أقوى وأكمل من الكيفية القائمة بالقمر ، وقال في موضع آخر : { وجعل فيها سراجا وقمرا منيرا } وقال في آية أخرى : { وجعل الشمس سراجا } وفي آية أخرى { وجعلنا سراجا وهاجا } . المسألة السادسة : قوله : { وقدره منازل } نظيره . قوله تعالى في سورة يس : { والقمر قدرناه منازل } ( يس : 39 ) وفيه وجهان : أحدهما : أن يكون المعنى وقدر مسيره منازل . والثاني : أن يكون المعنى وقدره ذا منازل . المسألة السابعة : الضمير في قوله : { وقدره } فيه وجهان : الأول : أنه لهما ، وإنما وحد الضمير للإيجاز ، وإلا فهو في معنى التثنية اكتفاء بالمعلوم ، لأن عدد السنين والحساب إنما يعرف بسير الشمس والقمر ، ونظيره قوله تعالى : { والله ورسوله أحق أن يرضوه } ( التوبة : 62 ) والثاني : أن يكون هذا الضمير راجعا إلى القمر وحده ، لأن بسير القمر تعرف الشهور ، وذلك لأن الشهور المعتبرة في / الشريعة مبنية على رؤية الأهلة ، والسنة المعتبرة في الشريعة هي السنة القمرية ، كما قال تعالى : { إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا في كتاب الله } ( التوبة : 36 ) .
لسان عثمانی (Osmanlıca) ترجمه سى (اهل سنت)المسألة الخامسة : اعلم أن النور كيفية قابلة للأشد والأضعف ، فإن نور الصباح أضعف من النور الحاصل في أفنية الجدران عند طلوع الشمس ، وهو أضعف من النور الساطع من الشمس على الجدران ، وهو أضعف من الضوء القائم بجرم الشمس ، فكما هذه الكيفية المسماة بالضوء على ما يحس به في جرم الشمس ، وهو في الإمكان وجود مرتبة في الضوء أقوى من الكيفية القائمة بالشمس ، فهو من مواقف العقول . واختلف الناس في أن الشعاع الفائض من الشمس هل هو جسم أو عرض ؟ والحق أنه عرض ، وهو كيفية مخصوصة ، وإذا ثبت أنه عرض فهل حدوثه في هذا العالم بتأثير قرص الشمس أو لأجل أن الله تعالى أجرى عادته بخلق هذه الكيفية في الأجرام المقابلة لقرص الشمس على سبيل العادة ، فهي مباحث عميقة ، وإنما يليق الاستقصاء فيها بعلوم المعقولات . وإذا عرفت هذا فنقول : النور اسم لأصل هذه الكيفية ، وأما الضوء ، فهو اسم لهذه الكيفية إذا كانت كاملة تامة قوية ، والدليل عليه أنه تعالى سمى الكيفية القائمة بالشمس { الشمس ضياء } والكيفية القائمة بالقمر { نورا } ولا شك أن الكيفية القائمة بالشمس أقوى وأكمل من الكيفية القائمة بالقمر ، وقال في موضع آخر : { وجعل فيها سراجا وقمرا منيرا } وقال في آية أخرى : { وجعل الشمس سراجا } وفي آية أخرى { وجعلنا سراجا وهاجا } . المسألة السادسة : قوله : { وقدره منازل } نظيره . قوله تعالى في سورة يس : { والقمر قدرناه منازل } ( يس : 39 ) وفيه وجهان : أحدهما : أن يكون المعنى وقدر مسيره منازل . والثاني : أن يكون المعنى وقدره ذا منازل . المسألة السابعة : الضمير في قوله : { وقدره } فيه وجهان : الأول : أنه لهما ، وإنما وحد الضمير للإيجاز ، وإلا فهو في معنى التثنية اكتفاء بالمعلوم ، لأن عدد السنين والحساب إنما يعرف بسير الشمس والقمر ، ونظيره قوله تعالى : { والله ورسوله أحق أن يرضوه } ( التوبة : 62 ) والثاني : أن يكون هذا الضمير راجعا إلى القمر وحده ، لأن بسير القمر تعرف الشهور ، وذلك لأن الشهور المعتبرة في / الشريعة مبنية على رؤية الأهلة ، والسنة المعتبرة في الشريعة هي السنة القمرية ، كما قال تعالى : { إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا في كتاب الله } ( التوبة : 36 ) .
قسم V17/P029–V17/P030Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb (s. V17/P029–V17/P030)
متن اصلى (AR)المسألة الثامنة : اعلم أن انتفاع الخلق بضوء الشمس وبنور القمر عظيم ، فالشمس سلطان النهار والقمر سلطان الليل . وبحركة الشمس تنفصل السنة إلى الفصول الأربعة ، وبالفصول الأربعة تنتظم مصالح هذا العالم . وبحركة القمر تحصل الشهور ، وباختلاف حاله في زيادة الضوء ونقصانه تختلف أحوال رطوبات هذا العالم . وبسبب الحركة اليومية يحصل النهار والليل ، فالنهار يكون زمانا للتكسب والطلب ، والليل يكون زمانا للراحة ، وقد استقصينا في منافع الشمس والقمر في تفسير الآيات اللائقة بها فيما سلف ، وكل ذلك يدل على كثرة رحمة الله على الخلق وعظم عنايته بهم ، فإنا قد دللنا على أن الأجسام متساوية . ومتى كان كذلك كان اختصاص كل جسم بشكله المعين ووضعه المعين ، وحيزه المعين ، وصفته المعينة ، ليس إلا بتدبير مدبر حكيم رحيم قادر قاهر . وذلك يدل على أن جميع المنافع الحاصلة في هذا العالم بسبب حركات الأفلاك ومسير الشمس والقمر والكواكب ، ما حصل إلا بتدبير المدبر المقدر الرحيم الحكيم سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون علوا كبيرا . ثم إنه تعالى لما قرر هذه الدلائل ختمها بقوله : { ما خلق الله ذالك إلا بالحق } ومعناه أنه تعالى خلقه على وفق الحكمة ومطابقة المصلحة ، ونظيره قوله تعالى في آل عمران : { ويتفكرون فى خلق السماوات والارض ربنا ما خلقت هذا باطلا سبحانك } ( آل عمران : 191 ) وقال في سورة آخرى : { وما خلقنا السماء والارض وما بينهما باطلا ذالك ظن الذين كفروا } ( ص : 27 ) وفيه مسائل : المسألة الأولى : قال القاضي : هذه الآية تدل على بطلان الجبر ، لأنه تعالى لو كان مريدا لكل ظلم ، وخالقا لكل قبيح ، ومريدا لإضلال من ضل ، لما صح أن يصف نفسه بأنه ما خلق ذلك إلا بالحق . المسألة الثانية : قال حكماء الإسلام : هذا يدل على أنه سبحانه أودع في أجرام الأفلاك والكواكب خواص معينة وقوى مخصوصة ، باعتبارها تنتظم مصالح هذا العالم السفلي . إذ لو لم يكن لها آثار وفوائد في هذا العالم ، لكان خلقها عبثا وباطلا وغير مفيد ، وهذه النصوص تنافي ذلك . والله أعلم . ثم بين تعالى أنه يفصل الآيات ، ومعنى التفصيل هو ذكر هذه الدلائل الباهرة ، واحدا عقيب الآخر ، فصلا فصلا مع الشرع والبيان . وفي قوله : { نفصل } قراءتان : قرأ ابن كثير وأبو عمرو وحفص عن عاصم { يفصل } بالياء ، وقرأ الباقون بالنون . / ثم قال : { لقوم يعلمون } وفيه قولان : الأول : أن المراد منه العقل الذي يعم الكل . والثاني : أن المراد منه من تفكر وعلم فوائد مخلوقاته وآثار إحسانه ، وحجة القول الأول : عموم اللفظ ، وحجة القول الثاني : أنه لا يمتنع أن يخص الله سبحانه وتعالى العلماء بهذا الذكر ، لأنهم هم الذين انتفعوا بهذه الدلائل ، فجاء كما في قوله : { إنما أنت منذر من يخشاها } ( النازعات : 45 ) مع أنه عليه السلام كان منذرا للكل . ! 7 < { إن فى اختلاف اليل والنهار وما خلق الله فى السماوات والا رض لآيات لقوم يتقون } . > 7 ! < < يونس : ( 6 ) إن في اختلاف . . . . .
لسان عثمانی (Osmanlıca) ترجمه سى (اهل سنت)المسألة الثامنة : اعلم أن انتفاع الخلق بضوء الشمس وبنور القمر عظيم ، فالشمس سلطان النهار والقمر سلطان الليل . وبحركة الشمس تنفصل السنة إلى الفصول الأربعة ، وبالفصول الأربعة تنتظم مصالح هذا العالم . وبحركة القمر تحصل الشهور ، وباختلاف حاله في زيادة الضوء ونقصانه تختلف أحوال رطوبات هذا العالم . وبسبب الحركة اليومية يحصل النهار والليل ، فالنهار يكون زمانا للتكسب والطلب ، والليل يكون زمانا للراحة ، وقد استقصينا في منافع الشمس والقمر في تفسير الآيات اللائقة بها فيما سلف ، وكل ذلك يدل على كثرة رحمة الله على الخلق وعظم عنايته بهم ، فإنا قد دللنا على أن الأجسام متساوية . ومتى كان كذلك كان اختصاص كل جسم بشكله المعين ووضعه المعين ، وحيزه المعين ، وصفته المعينة ، ليس إلا بتدبير مدبر حكيم رحيم قادر قاهر . وذلك يدل على أن جميع المنافع الحاصلة في هذا العالم بسبب حركات الأفلاك ومسير الشمس والقمر والكواكب ، ما حصل إلا بتدبير المدبر المقدر الرحيم الحكيم سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون علوا كبيرا . ثم إنه تعالى لما قرر هذه الدلائل ختمها بقوله : { ما خلق الله ذالك إلا بالحق } ومعناه أنه تعالى خلقه على وفق الحكمة ومطابقة المصلحة ، ونظيره قوله تعالى في آل عمران : { ويتفكرون فى خلق السماوات والارض ربنا ما خلقت هذا باطلا سبحانك } ( آل عمران : 191 ) وقال في سورة آخرى : { وما خلقنا السماء والارض وما بينهما باطلا ذالك ظن الذين كفروا } ( ص : 27 ) وفيه مسائل : المسألة الأولى : قال القاضي : هذه الآية تدل على بطلان الجبر ، لأنه تعالى لو كان مريدا لكل ظلم ، وخالقا لكل قبيح ، ومريدا لإضلال من ضل ، لما صح أن يصف نفسه بأنه ما خلق ذلك إلا بالحق . المسألة الثانية : قال حكماء الإسلام : هذا يدل على أنه سبحانه أودع في أجرام الأفلاك والكواكب خواص معينة وقوى مخصوصة ، باعتبارها تنتظم مصالح هذا العالم السفلي . إذ لو لم يكن لها آثار وفوائد في هذا العالم ، لكان خلقها عبثا وباطلا وغير مفيد ، وهذه النصوص تنافي ذلك . والله أعلم . ثم بين تعالى أنه يفصل الآيات ، ومعنى التفصيل هو ذكر هذه الدلائل الباهرة ، واحدا عقيب الآخر ، فصلا فصلا مع الشرع والبيان . وفي قوله : { نفصل } قراءتان : قرأ ابن كثير وأبو عمرو وحفص عن عاصم { يفصل } بالياء ، وقرأ الباقون بالنون . / ثم قال : { لقوم يعلمون } وفيه قولان : الأول : أن المراد منه العقل الذي يعم الكل . والثاني : أن المراد منه من تفكر وعلم فوائد مخلوقاته وآثار إحسانه ، وحجة القول الأول : عموم اللفظ ، وحجة القول الثاني : أنه لا يمتنع أن يخص الله سبحانه وتعالى العلماء بهذا الذكر ، لأنهم هم الذين انتفعوا بهذه الدلائل ، فجاء كما في قوله : { إنما أنت منذر من يخشاها } ( النازعات : 45 ) مع أنه عليه السلام كان منذرا للكل . ! 7 < { إن فى اختلاف اليل والنهار وما خلق الله فى السماوات والا رض لآيات لقوم يتقون } . > 7 ! < < يونس : ( 6 ) إن في اختلاف . . . . .
قسم V17/P030–V17/P031Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb (s. V17/P030–V17/P031)
متن اصلى (AR)> > اعلم أنه تعالى استدل على التوحيد والإلهيات أولا : بتخليق السموات والأرض ، وثانيا : بأحوال الشمس والقمر ، وثالثا : في هذه الآية بالمنافع الحاصلة من اختلاف الليل والنهار ، وقد تقدم تفسيره في سورة البقرة في تفسير قوله : { إن في خلق السماوات والارض } ( آل عمران : 9 ) ورابعا : بكل ما خلق الله في السموات والأرض ، وهي أقسام الحوادث الحادثة في هذا العالم ، وهي محصورة في أربعة أقسام : أحدها : الأحوال الحادثة في العناصر الأربعة ، ويدخل فيها أحوال الرعد والبرق والسحاب والأمطار والثلوج . ويدخل فيها أيضا أحوال البحار ، وأحوال المد والجزر ، وأحوال الصواعق والزلازل والخسف . وثانيها : أحوال المعادن وهي عجيبة كثيرة . وثالثها : اختلاف أحوال النبات . ورابعها : اختلاف أحوال الحيوانات ، وجملة هذه الأقسام الأربعة داخلة في قوله تعالى : { وما خلق الله فى السماوات والارض } والاستقصاء في شرح هذه الأحوال مما لا يمكن في ألف مجلد ، بل كل ما ذكره العقلاء في أحوال أقسام هذا العالم فهو جزء مختصر من هذا الباب . ثم إنه تعالى بعد ذكر هذه الدلائل قال : { لآيات لقوم يتقون } فخصها بالمتقين ، لأنهم يحذرون العاقبة فيدعوهم الحذر إلى التدبر والنظر . قال القفال : من تدبر في هذه الأحوال علم أن الدنيا مخلوقة لشقاء الناس فيها ، وأن خالقها وخالقهم ما أهملهم ، بل جعلها لهم دار عمل . وإذا كان كذلك فلا بد من أمر ونهي ، ثم من ثواب وعقاب ، ليتميز المحسن عن المسيء ، فهذه الأحوال في الحقيقة دالة على صحة القول بإثبات المبدأ وإثبات المعاد . ! 7 < { إن الذين لا يرجون لقآءنا ورضوا بالحيواة الدنيا واطمأنوا بها والذين هم عن ءاياتنا غافلون أولائك مأواهم النار بما كانوا يكسبون } . > 7 < يونس : ( 7 - 8 ) إن الذين لا . . . . . > > /اعلم أنه تعالى لما أقام الدلائل القاهرة على صحة القول بإثبات الإله الرحيم الحكيم ، وعلى صحة القول بالمعاد والحشر والنشر ، شرع بعده في شرح أحوال من يكفر بها ، وفي شرح أحوال من يؤمن بها . فأما شرح أحوال الكافرين فهو المذكور في هذه الآية . واعلم أنه تعالى وصفهم بصفات أربعة : الصفة الأولى : قوله : { إن الذين لا يرجون لقاءنا } وفيه مسائل : المسألة الأولى : في تفسير هذا الرجاء قولان : القول الأول : وهو قول ابن عباس ومقاتل والكلبي : معناه : لا يخافون البعث ، والمعنى : أنهم لا يخافون ذلك لأنهم لا يؤمنون بها . والدليل على تفسير الرجاء ههنا بالخوف قوله تعالى : { إنما أنت منذر من يخشاها } ( النازعات : 45 ) وقوله : { وهم من الساعة مشفقون } ( الأنبياء : 49 ) وتفسير الرجاء بالخوف جائز كما قال تعالى : { ما لكم لا ترجون لله وقارا } ( نوح : 13 ) قال الهذلي : إذا لسعته النحل لم يرج لسعها والقول الثاني : تفسير الرجاء بالطمع ، فقوله : { لا يرجون لقاءنا } أي لا يطمعون في ثوابنا ، فيكون هذا الرجاء هو الذي ضده اليأس ، كما قال : { قد يئسوا من الاخرة كما يئس الكفار } .
لسان عثمانی (Osmanlıca) ترجمه سى (اهل سنت)> > اعلم أنه تعالى استدل على التوحيد والإلهيات أولا : بتخليق السموات والأرض ، وثانيا : بأحوال الشمس والقمر ، وثالثا : في هذه الآية بالمنافع الحاصلة من اختلاف الليل والنهار ، وقد تقدم تفسيره في سورة البقرة في تفسير قوله : { إن في خلق السماوات والارض } ( آل عمران : 9 ) ورابعا : بكل ما خلق الله في السموات والأرض ، وهي أقسام الحوادث الحادثة في هذا العالم ، وهي محصورة في أربعة أقسام : أحدها : الأحوال الحادثة في العناصر الأربعة ، ويدخل فيها أحوال الرعد والبرق والسحاب والأمطار والثلوج . ويدخل فيها أيضا أحوال البحار ، وأحوال المد والجزر ، وأحوال الصواعق والزلازل والخسف . وثانيها : أحوال المعادن وهي عجيبة كثيرة . وثالثها : اختلاف أحوال النبات . ورابعها : اختلاف أحوال الحيوانات ، وجملة هذه الأقسام الأربعة داخلة في قوله تعالى : { وما خلق الله فى السماوات والارض } والاستقصاء في شرح هذه الأحوال مما لا يمكن في ألف مجلد ، بل كل ما ذكره العقلاء في أحوال أقسام هذا العالم فهو جزء مختصر من هذا الباب . ثم إنه تعالى بعد ذكر هذه الدلائل قال : { لآيات لقوم يتقون } فخصها بالمتقين ، لأنهم يحذرون العاقبة فيدعوهم الحذر إلى التدبر والنظر . قال القفال : من تدبر في هذه الأحوال علم أن الدنيا مخلوقة لشقاء الناس فيها ، وأن خالقها وخالقهم ما أهملهم ، بل جعلها لهم دار عمل . وإذا كان كذلك فلا بد من أمر ونهي ، ثم من ثواب وعقاب ، ليتميز المحسن عن المسيء ، فهذه الأحوال في الحقيقة دالة على صحة القول بإثبات المبدأ وإثبات المعاد . ! 7 < { إن الذين لا يرجون لقآءنا ورضوا بالحيواة الدنيا واطمأنوا بها والذين هم عن ءاياتنا غافلون أولائك مأواهم النار بما كانوا يكسبون } . > 7 < يونس : ( 7 - 8 ) إن الذين لا . . . . . > > /اعلم أنه تعالى لما أقام الدلائل القاهرة على صحة القول بإثبات الإله الرحيم الحكيم ، وعلى صحة القول بالمعاد والحشر والنشر ، شرع بعده في شرح أحوال من يكفر بها ، وفي شرح أحوال من يؤمن بها . فأما شرح أحوال الكافرين فهو المذكور في هذه الآية . واعلم أنه تعالى وصفهم بصفات أربعة : الصفة الأولى : قوله : { إن الذين لا يرجون لقاءنا } وفيه مسائل : المسألة الأولى : في تفسير هذا الرجاء قولان : القول الأول : وهو قول ابن عباس ومقاتل والكلبي : معناه : لا يخافون البعث ، والمعنى : أنهم لا يخافون ذلك لأنهم لا يؤمنون بها . والدليل على تفسير الرجاء ههنا بالخوف قوله تعالى : { إنما أنت منذر من يخشاها } ( النازعات : 45 ) وقوله : { وهم من الساعة مشفقون } ( الأنبياء : 49 ) وتفسير الرجاء بالخوف جائز كما قال تعالى : { ما لكم لا ترجون لله وقارا } ( نوح : 13 ) قال الهذلي : إذا لسعته النحل لم يرج لسعها والقول الثاني : تفسير الرجاء بالطمع ، فقوله : { لا يرجون لقاءنا } أي لا يطمعون في ثوابنا ، فيكون هذا الرجاء هو الذي ضده اليأس ، كما قال : { قد يئسوا من الاخرة كما يئس الكفار } .
قسم V17/P031–V17/P032Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb (s. V17/P031–V17/P032)
متن اصلى (AR)واعلم أن حمل الرجاء على الخوف بعيد ، لأن تفسير الضد بالضد غير جائز ، ولا مانع ههنا من حمل الرجاء على ظاهره ألبتة ، والدليل عليه أن لقاء الله إما أن يكون المراد منه تجلي جلال الله تعالى للعبد وإشراق نور كبريائه في روحه ، وإما أن يكون المراد منه الوصول إلى ثواب الله تعالى وإلى رحمته . فإن كان الأول فهو أعظم الدرجات وأشرف السعادات وأكمل الخيرات ، فالعاقل كيف لا يرجوه ، وكيف لا يتمناه ؟ وإن كان الثاني فكذلك ، لأن كل أحد يرجو من الله تعالى أن يوصله إلى ثوابه ومقامات رحمته ، وإذا كان كذلك فكل من آمن بالله فهو يرجو ثوابه ، وكل من لم يؤمن بالله ولا بالمعاد فقد أبطل على نفسه هذا الرجاء ، فلا جرم حسن جعل عدم هذا الرجاء كناية عن عدم الإيمان بالله واليوم الآخر . / المسألة الثانية : اللقاء هو الوصول إلى الشيء ، وهذا في حق الله تعالى محال ، لكونه منزها عن الحد والنهاية ، فوجب أن يجعل مجازا عن الرؤية ، وهذا مجاز ظاهر . فإنه يقال : لقيت فلانا إذا رأيته ، وحمله على لقاء ثواب الله يقتضي زيادة في الإضمار وهو خلاف الدليل . واعلم أنه ثبت بالدلائل اليقينية أن سعادة النفس بعد الموت في أن تتجلى فيها معرفة الله تعالى ويكمل إشراقها ويقوي لمعانها ، وذلك هو الرؤية ، وهي من أعظم السعادات . فمن كان غافلا عن طلبها معرضا عنها مكتفيا بعد الموت بوجدان اللذات الحسية من الأكل والشرب والوقاع كان من الضالين . الصفة الثانية : من صفات هؤلاء الكفار قوله تعالى : { ورضوا بالحيواة الدنيا } . واعلم أن الصفة الأولى إشارة إلى خلو قلبه عن طلب اللذات الروحانية ، وفراغه عن طلب السعادات الحاصلة بالمعارف الربانية ، وأما هذه الصفة الثانية فهي إشارة إلى استغراقه في طلب اللذات الجسمانية واكتفائه بها ، واستغراقه في طلبها . والصفة الثالثة : قوله تعالى : { واطمأنوا بها } وفيه مسألتان : المسألة الأولى : صفة السعداء أن يحصل لهم عند ذكر الله نوع من الوجل والخوف كما قال تعالى : { الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم } ( الحج : 35 ) ثم إذا قويت هذه الحالة حصلت الطمأنينة في ذكر الله تعالى كما قال تعالى : { وتطمئن قلوبهم بذكر الله ألا بذكر الله تطمئن القلوب } ( الرعد : 28 ) وصفة الأشقياء أن تحصل لهم الطمأنينة في حب الدنيا ، وفي الاشتغال بطلب لذاتها كما قال في هذه الآية : { واطمأنوا بها } فحقيقة الطمأنينة أن يزول عن قلوبهم الوجل ، فإذا سمعوا الإنذار والتخويف لم توجل قلوبهم وصارت كالميتة عند ذكر الله تعالى . المسألة الثانية : مقتضى اللغة أن يقال : واطمأنوا إليها ، إلا أن حروف الجر يحسن إقامة بعضها مقام البعض ، فلهذا السبب قال : { واطمأنوا بها } . والصفة الرابعة : قوله تعالى : { والذين هم عن ءاياتنا غافلون } والمراد أنهم صاروا في الإعراض عن طلب لقاء الله تعالى . بمنزلة الغافل عن الشيء الذي لا يخطر بباله طول عمره ذكر ذلك الشيء ، وبالجملة فهذه الصفات الأربعة دالة على شدة بعده عن طلب الاستسعاد بالسعادات الأخروية الروحانية ، وعلى شدة استغراقه في طلب هذه الخيرات الجسمانية والسعادات الدنيوية . واعلم أنه تعالى لما وصفهم بهذه الصفات الأربعة قال : { أولئك مأواهم النار بما كانوا يكسبون } وفيه مسألتان : / المسألة الأولى : النيران على أقسام : النار التي هي جسم محسوس مضيء محرق ، صاعدا بالطبع ، والإقرار به واجب ، لأجل أنه ثبت بالدلائل المذكورة أن الإقرار بالجنة والنار حق .
لسان عثمانی (Osmanlıca) ترجمه سى (اهل سنت)واعلم أن حمل الرجاء على الخوف بعيد ، لأن تفسير الضد بالضد غير جائز ، ولا مانع ههنا من حمل الرجاء على ظاهره ألبتة ، والدليل عليه أن لقاء الله إما أن يكون المراد منه تجلي جلال الله تعالى للعبد وإشراق نور كبريائه في روحه ، وإما أن يكون المراد منه الوصول إلى ثواب الله تعالى وإلى رحمته . فإن كان الأول فهو أعظم الدرجات وأشرف السعادات وأكمل الخيرات ، فالعاقل كيف لا يرجوه ، وكيف لا يتمناه ؟ وإن كان الثاني فكذلك ، لأن كل أحد يرجو من الله تعالى أن يوصله إلى ثوابه ومقامات رحمته ، وإذا كان كذلك فكل من آمن بالله فهو يرجو ثوابه ، وكل من لم يؤمن بالله ولا بالمعاد فقد أبطل على نفسه هذا الرجاء ، فلا جرم حسن جعل عدم هذا الرجاء كناية عن عدم الإيمان بالله واليوم الآخر . / المسألة الثانية : اللقاء هو الوصول إلى الشيء ، وهذا في حق الله تعالى محال ، لكونه منزها عن الحد والنهاية ، فوجب أن يجعل مجازا عن الرؤية ، وهذا مجاز ظاهر . فإنه يقال : لقيت فلانا إذا رأيته ، وحمله على لقاء ثواب الله يقتضي زيادة في الإضمار وهو خلاف الدليل . واعلم أنه ثبت بالدلائل اليقينية أن سعادة النفس بعد الموت في أن تتجلى فيها معرفة الله تعالى ويكمل إشراقها ويقوي لمعانها ، وذلك هو الرؤية ، وهي من أعظم السعادات . فمن كان غافلا عن طلبها معرضا عنها مكتفيا بعد الموت بوجدان اللذات الحسية من الأكل والشرب والوقاع كان من الضالين . الصفة الثانية : من صفات هؤلاء الكفار قوله تعالى : { ورضوا بالحيواة الدنيا } . واعلم أن الصفة الأولى إشارة إلى خلو قلبه عن طلب اللذات الروحانية ، وفراغه عن طلب السعادات الحاصلة بالمعارف الربانية ، وأما هذه الصفة الثانية فهي إشارة إلى استغراقه في طلب اللذات الجسمانية واكتفائه بها ، واستغراقه في طلبها . والصفة الثالثة : قوله تعالى : { واطمأنوا بها } وفيه مسألتان : المسألة الأولى : صفة السعداء أن يحصل لهم عند ذكر الله نوع من الوجل والخوف كما قال تعالى : { الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم } ( الحج : 35 ) ثم إذا قويت هذه الحالة حصلت الطمأنينة في ذكر الله تعالى كما قال تعالى : { وتطمئن قلوبهم بذكر الله ألا بذكر الله تطمئن القلوب } ( الرعد : 28 ) وصفة الأشقياء أن تحصل لهم الطمأنينة في حب الدنيا ، وفي الاشتغال بطلب لذاتها كما قال في هذه الآية : { واطمأنوا بها } فحقيقة الطمأنينة أن يزول عن قلوبهم الوجل ، فإذا سمعوا الإنذار والتخويف لم توجل قلوبهم وصارت كالميتة عند ذكر الله تعالى . المسألة الثانية : مقتضى اللغة أن يقال : واطمأنوا إليها ، إلا أن حروف الجر يحسن إقامة بعضها مقام البعض ، فلهذا السبب قال : { واطمأنوا بها } . والصفة الرابعة : قوله تعالى : { والذين هم عن ءاياتنا غافلون } والمراد أنهم صاروا في الإعراض عن طلب لقاء الله تعالى . بمنزلة الغافل عن الشيء الذي لا يخطر بباله طول عمره ذكر ذلك الشيء ، وبالجملة فهذه الصفات الأربعة دالة على شدة بعده عن طلب الاستسعاد بالسعادات الأخروية الروحانية ، وعلى شدة استغراقه في طلب هذه الخيرات الجسمانية والسعادات الدنيوية . واعلم أنه تعالى لما وصفهم بهذه الصفات الأربعة قال : { أولئك مأواهم النار بما كانوا يكسبون } وفيه مسألتان : / المسألة الأولى : النيران على أقسام : النار التي هي جسم محسوس مضيء محرق ، صاعدا بالطبع ، والإقرار به واجب ، لأجل أنه ثبت بالدلائل المذكورة أن الإقرار بالجنة والنار حق .
قسم V17/P032–V17/P033Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb (s. V17/P032–V17/P033)
متن اصلى (AR)القسم الثاني : النار الروحانية العقلية ، وتقريره أن من أحب شيئا حبا شديدا ثم ضاع عنه ذلك الشيء بحيث لا يمكنه الوصول إليه ، فإنه يحترق قلبه وباطنه ، وكل عاقل يقول : إن فلانا محترق القلب محترق الباطن بسبب فراق ذلك المحبوب . وألم هذه النار أقوى بكثير من ألم النار المحسوسة . إذا عرفت هذا فنقول : إن الأرواح التي كانت مستغرقة في حب الجسمانيات وكانت غافلة عن حب عالم الروحانيات ، فإذا مات ذلك الإنسان وقعت الفرقة بين ذلك الروح وبين معشوقاته ومحبوباته ، وهي أحوال هذا العالم ، وليس له معرفة بذلك العالم ولا إلف مع أهل ذلك العالم ، فيكون مثاله مثال من أخرج من مجالسة معشوقه وألقي في بئر ظلمانية لا إلف له بها ، ولا معرفة له بأحوالها ، فهذا الإنسان يكون في غاية الوحشة ، وتألم الروح فكذا هنا ، أما لو كان نفورا عن هذه الجسمانيات عارفا بمقابحها ومعايبها وكان شديد الرغبة في اعتلاق العروة الوثقى ، عظيم الحب لله ، كان مثاله مثال من كان محبوسا في سجن مظلم عفن مملوء من الحشرات المؤذية والآفات المهلكة ، ثم اتفق أن فتح باب السجن وأخرج منه وأحضر في مجلس السلطان الأعظم مع الأحباب والأصدقاء ، كما قال تعالى { فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا } ( النساء : 69 ) فهذا هو الإشارة إلى تعريف النار الروحانية والجنة الروحانية . المسألة الثانية : الباء في قوله : { بما كانوا يكسبون } مشعر بأن الأعمال السابقة هي المؤثرة في حصول هذا العذاب ونظيره قوله تعالى : { ذالك بما قدمت يداك وأن الله ليس بظلام للعبيد } . ! 7 < { إن الذين ءامنوا وعملوا الصالحات يهديهم ربهم بإيمانهم تجرى من تحتهم الا نهار في جنات النعيم دعواهم فيها سبحانك اللهم وتحيتهم فيها سلام وءاخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين } . > 7 < يونس : ( 9 - 10 ) إن الذين آمنوا . . . . . > > اعلم أنه تعالى لما شرح أحوال المنكرين والجاحدين في الآية المتقدمة ، ذكر في هذه الآية أحوال المؤمنين المحقين ، واعلم أنه تعالى ذكر صفاتهم أولا ، ثم ذكر مالهم من الأحوال السنية والدرجات / الرفيعة ثانيا ، أما أحوالهم وصفاتهم فهي قوله : { إن الذين ءامنوا وعملوا الصالحات } وفي تفسيره وجوه : الوجه الأول : أن النفس الإنسانية لها قوتان : القوة النظرية : وكمالها في معرفة الأشياء ، ورئيس المعارف وسلطانها معرفة الله . والقوة العملية : وكمالها في فعل الخيرات والطاعات ، ورئيس الأعمال الصالحة وسلطانها خدمة الله . فقوله : { إن الذين ءامنوا } إشارة إلى كمال القوة النظرية بمعرفة الله تعالى وقوله : { وعملوا الصالحات } إشارة إلى كمال القوة العملية بخدمة الله تعالى ، ولما كانت القوة النظرية مقدمة على القوة العملية بالشرف والرتبة ، لا جرم وجب تقديمها في الذكر . الوجه الثاني : في تفسير هذه الآية قال القفال : { إن الذين ءامنوا وعملوا الصالحات } أي صدقوا بقلوبهم ، ثم حققوا التصديق بالعمل الصالح الذي جاءت به الأنبياء والكتب من عند الله تعالى .
لسان عثمانی (Osmanlıca) ترجمه سى (اهل سنت)القسم الثاني : النار الروحانية العقلية ، وتقريره أن من أحب شيئا حبا شديدا ثم ضاع عنه ذلك الشيء بحيث لا يمكنه الوصول إليه ، فإنه يحترق قلبه وباطنه ، وكل عاقل يقول : إن فلانا محترق القلب محترق الباطن بسبب فراق ذلك المحبوب . وألم هذه النار أقوى بكثير من ألم النار المحسوسة . إذا عرفت هذا فنقول : إن الأرواح التي كانت مستغرقة في حب الجسمانيات وكانت غافلة عن حب عالم الروحانيات ، فإذا مات ذلك الإنسان وقعت الفرقة بين ذلك الروح وبين معشوقاته ومحبوباته ، وهي أحوال هذا العالم ، وليس له معرفة بذلك العالم ولا إلف مع أهل ذلك العالم ، فيكون مثاله مثال من أخرج من مجالسة معشوقه وألقي في بئر ظلمانية لا إلف له بها ، ولا معرفة له بأحوالها ، فهذا الإنسان يكون في غاية الوحشة ، وتألم الروح فكذا هنا ، أما لو كان نفورا عن هذه الجسمانيات عارفا بمقابحها ومعايبها وكان شديد الرغبة في اعتلاق العروة الوثقى ، عظيم الحب لله ، كان مثاله مثال من كان محبوسا في سجن مظلم عفن مملوء من الحشرات المؤذية والآفات المهلكة ، ثم اتفق أن فتح باب السجن وأخرج منه وأحضر في مجلس السلطان الأعظم مع الأحباب والأصدقاء ، كما قال تعالى { فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا } ( النساء : 69 ) فهذا هو الإشارة إلى تعريف النار الروحانية والجنة الروحانية . المسألة الثانية : الباء في قوله : { بما كانوا يكسبون } مشعر بأن الأعمال السابقة هي المؤثرة في حصول هذا العذاب ونظيره قوله تعالى : { ذالك بما قدمت يداك وأن الله ليس بظلام للعبيد } . ! 7 < { إن الذين ءامنوا وعملوا الصالحات يهديهم ربهم بإيمانهم تجرى من تحتهم الا نهار في جنات النعيم دعواهم فيها سبحانك اللهم وتحيتهم فيها سلام وءاخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين } . > 7 < يونس : ( 9 - 10 ) إن الذين آمنوا . . . . . > > اعلم أنه تعالى لما شرح أحوال المنكرين والجاحدين في الآية المتقدمة ، ذكر في هذه الآية أحوال المؤمنين المحقين ، واعلم أنه تعالى ذكر صفاتهم أولا ، ثم ذكر مالهم من الأحوال السنية والدرجات / الرفيعة ثانيا ، أما أحوالهم وصفاتهم فهي قوله : { إن الذين ءامنوا وعملوا الصالحات } وفي تفسيره وجوه : الوجه الأول : أن النفس الإنسانية لها قوتان : القوة النظرية : وكمالها في معرفة الأشياء ، ورئيس المعارف وسلطانها معرفة الله . والقوة العملية : وكمالها في فعل الخيرات والطاعات ، ورئيس الأعمال الصالحة وسلطانها خدمة الله . فقوله : { إن الذين ءامنوا } إشارة إلى كمال القوة النظرية بمعرفة الله تعالى وقوله : { وعملوا الصالحات } إشارة إلى كمال القوة العملية بخدمة الله تعالى ، ولما كانت القوة النظرية مقدمة على القوة العملية بالشرف والرتبة ، لا جرم وجب تقديمها في الذكر . الوجه الثاني : في تفسير هذه الآية قال القفال : { إن الذين ءامنوا وعملوا الصالحات } أي صدقوا بقلوبهم ، ثم حققوا التصديق بالعمل الصالح الذي جاءت به الأنبياء والكتب من عند الله تعالى .
قسم V17/P033–V17/P034Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb (s. V17/P033–V17/P034)
متن اصلى (AR)الوجه الثالث : { الذين كفروا } أي شغلوا قلوبهم وأرواحهم بتحصيل المعرفة { وعملوا الصالحات } أي شغلوا جوارحهم بالخدمة ، فعينهم مشغولة بالاعتبار كما قال : { فاعتبروا ياأولى أولى الابصار } ( الحشر : 2 ) وأذنهم مشغولة بسماع كلام الله تعالى كما قال : { وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول } ( المائدة : 83 ) ولسانهم مشغول بذكر الله كما قال تعالى : { عليما ياأيها الذين ءامنوا اذكروا الله } ( الأحزاب : 41 ) وجوارحهم مشغولة بنور طاعة الله كما قال : { ألا يسجدوا لله الذى يخرج الخبء فى السماوات والارض } ( النمل : 25 ) . واعلم أنه تعالى لما وصفهم بالإيمان والأعمال الصالحة ذكر بعد ذلك درجات كراماتهم ومراتب سعاداتهم وهي أربعة . المرتبة الأولى : قوله : { يهديهم ربهم بإيمانهم تجرى من تحتهم الانهار في جنات النعيم } وفيه مسائل : المسألة الأولى : في تفسير قوله : { يهديهم ربهم بإيمانهم } وجوه : الأول : أنه تعالى يهديهم إلى الجنة ثوابا لهم على إيمانهم وأعمالهم الصالحة ، والذي يدل على صحة هذا التأويل وجوه : أحدها : قوله تعالى : { يوم ترى المؤمنين والمؤمنات يسعى نورهم بين أيديهم وبأيمانهم } ( الحديد : 12 ) وثانيها : ما روي أنه عليه السلام قال : ( إن المؤمن إذا خرج من قبره صور له عمله في صورة حسنة فيقول له أنا عملك فيكون له نورا وقائدا إلى الجنة والكافر إذا خرج من قبره صور له عمله في صورة سيئة فيقول له أنا عملك فينطلق به حتى يدخله النار ) وثالثها : قال مجاهد : المؤمنون يكون لهم نور يمشي بهم إلى الجنة . ورابعها : وهو الوجه العقلي أن الإيمان عبارة عن نور اتصل به من عالم القدس ، وذلك النور كالخيط المتصل بين قلب المؤمن وبين ذلك العالم المقدس / فإن حصل هذا الخط / النوراني قدر العبد على أن يقتدي بذلك النور ويرجع إلى عالم القدس ، فأما إذا لم يوجد هذا الحبل النوراني تاه في ظلمات عالم الضلالات نعوذ بالله منه . والتأويل الثاني : قال ابن الأنباري : إن إيمانهم يهديهم إلى خصائص في المعرفة ومزايا في الألفاظ ولوامع من النور تستنير بها قلوبهم ، وتزول بواسطتها الشكوك والشبهات عنهم ، كقوله تعالى : { والذين اهتدوا زادهم هدى } ( محمد : 17 ) وهذه الزوائد والفوائد والمزايا يجوز حصولها في الدنيا قبل الموت ، ويجوز حصولها في الآخرة بعد الموت ، قال القفال : وإذا حملنا الآية على هذا الوجه . كان المعنى يهديهم ربهم بإيمانهم وتجري من تحتهم الأنهار في جنات النعيم ، إلا أن حذف الواو وجعل قوله : { تجرى } خبرا مستأنفا منقطعا عما قبله : والتأويل الثالث : أن الكلام في تفسير هذه الآية يجب أن يكون مسبوقا بمقدمات . المقدمة الأولى : أن العلم نور والجهل ظلمة . وصريح العقل يشهد بأن الأمر كذلك ، ومما يقرره أنك إذا ألقيت مسألة جليلة شريفة على شخصين ، فاتفق أن فهمها أحدهما وما فهمها الآخر ، فإنك ترى وجه الفاهم متهللا مشرقا مضيئا ، ووجه من لم يفهم عبوسا مظلما منقبضا ، ولهذا السبب جرت عادة القرآن بالتعبير عن العلم والإيمان والنور ، وعن الجهل والكفر بالظلمات .
لسان عثمانی (Osmanlıca) ترجمه سى (اهل سنت)الوجه الثالث : { الذين كفروا } أي شغلوا قلوبهم وأرواحهم بتحصيل المعرفة { وعملوا الصالحات } أي شغلوا جوارحهم بالخدمة ، فعينهم مشغولة بالاعتبار كما قال : { فاعتبروا ياأولى أولى الابصار } ( الحشر : 2 ) وأذنهم مشغولة بسماع كلام الله تعالى كما قال : { وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول } ( المائدة : 83 ) ولسانهم مشغول بذكر الله كما قال تعالى : { عليما ياأيها الذين ءامنوا اذكروا الله } ( الأحزاب : 41 ) وجوارحهم مشغولة بنور طاعة الله كما قال : { ألا يسجدوا لله الذى يخرج الخبء فى السماوات والارض } ( النمل : 25 ) . واعلم أنه تعالى لما وصفهم بالإيمان والأعمال الصالحة ذكر بعد ذلك درجات كراماتهم ومراتب سعاداتهم وهي أربعة . المرتبة الأولى : قوله : { يهديهم ربهم بإيمانهم تجرى من تحتهم الانهار في جنات النعيم } وفيه مسائل : المسألة الأولى : في تفسير قوله : { يهديهم ربهم بإيمانهم } وجوه : الأول : أنه تعالى يهديهم إلى الجنة ثوابا لهم على إيمانهم وأعمالهم الصالحة ، والذي يدل على صحة هذا التأويل وجوه : أحدها : قوله تعالى : { يوم ترى المؤمنين والمؤمنات يسعى نورهم بين أيديهم وبأيمانهم } ( الحديد : 12 ) وثانيها : ما روي أنه عليه السلام قال : ( إن المؤمن إذا خرج من قبره صور له عمله في صورة حسنة فيقول له أنا عملك فيكون له نورا وقائدا إلى الجنة والكافر إذا خرج من قبره صور له عمله في صورة سيئة فيقول له أنا عملك فينطلق به حتى يدخله النار ) وثالثها : قال مجاهد : المؤمنون يكون لهم نور يمشي بهم إلى الجنة . ورابعها : وهو الوجه العقلي أن الإيمان عبارة عن نور اتصل به من عالم القدس ، وذلك النور كالخيط المتصل بين قلب المؤمن وبين ذلك العالم المقدس / فإن حصل هذا الخط / النوراني قدر العبد على أن يقتدي بذلك النور ويرجع إلى عالم القدس ، فأما إذا لم يوجد هذا الحبل النوراني تاه في ظلمات عالم الضلالات نعوذ بالله منه . والتأويل الثاني : قال ابن الأنباري : إن إيمانهم يهديهم إلى خصائص في المعرفة ومزايا في الألفاظ ولوامع من النور تستنير بها قلوبهم ، وتزول بواسطتها الشكوك والشبهات عنهم ، كقوله تعالى : { والذين اهتدوا زادهم هدى } ( محمد : 17 ) وهذه الزوائد والفوائد والمزايا يجوز حصولها في الدنيا قبل الموت ، ويجوز حصولها في الآخرة بعد الموت ، قال القفال : وإذا حملنا الآية على هذا الوجه . كان المعنى يهديهم ربهم بإيمانهم وتجري من تحتهم الأنهار في جنات النعيم ، إلا أن حذف الواو وجعل قوله : { تجرى } خبرا مستأنفا منقطعا عما قبله : والتأويل الثالث : أن الكلام في تفسير هذه الآية يجب أن يكون مسبوقا بمقدمات . المقدمة الأولى : أن العلم نور والجهل ظلمة . وصريح العقل يشهد بأن الأمر كذلك ، ومما يقرره أنك إذا ألقيت مسألة جليلة شريفة على شخصين ، فاتفق أن فهمها أحدهما وما فهمها الآخر ، فإنك ترى وجه الفاهم متهللا مشرقا مضيئا ، ووجه من لم يفهم عبوسا مظلما منقبضا ، ولهذا السبب جرت عادة القرآن بالتعبير عن العلم والإيمان والنور ، وعن الجهل والكفر بالظلمات .
قسم V17/P034–V17/P035Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb (s. V17/P034–V17/P035)
متن اصلى (AR)والمقدمة الثانية : أن الروح كاللوح ، والعلوم والمعارف كالنقوش المنقوشة في ذلك اللوح . ثم ههنا دقيقة ، وهي أن اللوح الجسماني إذا رسمت فيه نقوش جسمانية فحصول بعض النقوش في ذلك اللوح مانع من حصول سائر النقوش فيه ، فأما لوح الروح فخاصيته على الضد من ذلك ، فإن الروح إذا كانت خالية عن نقوش المعارف والعلوم فإنه يصعب عليه تحصيل المعارف والعلوم ، فإذا احتال وحصل شيء منها ، كان حصول ما حصل منها معينا له على سهولة تحصيل الباقي ، وكلما كان الحاصل أكثر كان تحصيل البقية أسهل ، فالنقوش الجسمانية يكون بعضها مانعا من حصول الباقي ، والنقوش الروحانية يكون بعضها معينا على حصول البقية ، وذلك يدل على أن أحوال العالم الروحاني بالضد من أحوال العالم الجسماني . المقدمة الثالثة : أن الأعمال الصالحة عبارة عن الأعمال التي تحمل النفس على ترك الدنيا وطلب الآخرة ، والأعمال المذمومة ما تكون بالضد من ذلك . إذا عرفت هذه المقدمات فنقول : الإنسان إذا آمن بالله فقد أشرق روحه بنور هذه المعرفة ، ثم إذا واظب على الأعمال الصالحة حصلت له ملكة مستقرة في التوجه إلى الآخرة وفي الإعراض عن الدنيا ، وكلما كانت هذه الأحوال أكمل كان استعداد النفس لتحصيل سائر المعارف أشد ، وكلما / كان الاستعداد أقوى وأكمل . كانت معارج المعارف أكثر وإشراقها ولمعانها أقوى ، ولما كان لا نهاية لمراتب المعارف والأنوار العقلية ، لا جرم لا نهاية لمراتب هذه الهداية المشار إليها بقوله تعالى : { يهديهم ربهم بإيمانهم } . المسألة الثانية : قوله تعالى : { تجرى من تحتهم الانهار } المراد منه أنهم يكونون جالسين على سرر مرفوعة في البساتين والأنهار تجري من بين أيديهم ، ونظيره قوله تعالى : { قد جعل ربك تحتك سريا } ( مريم : 24 ) وهي ما كانت قاعدة عليها ، ولكن المعنى بين يديك ، وكذا قوله : { وهاذه الانهار تجرى من تحتى } ( الزخرف : 51 ) المعنى بين يدي فكذا ههنا . المسألة الثالثة : الإيمان هو المعرفة والهداية المترتبة عليها أيضا من جنس المعارف ، ثم إنه تعالى لم يقل يهديهم ربهم إيمانهم . بل قال : { يهديهم ربهم بإيمانهم } وذلك يدل على أن العلم بالمقدمتين لا يوجب العلم بالنتيجة ، بل العلم بالمقدمتين سبب لحصول الاستعداد التام لقبول النفس للنتيجة . ثم إذا حصل هذا الاستعداد ، كان التكوين من الحق سبحانه وتعالى ، وهذا معنى قول الحكماء أن الفياض المطلق والجواد الحق ، ليس إلا الله سبحانه وتعالى . المرتبة الثانية : من مراتب سعاداتهم ودرجات كمالاتهم قوله سبحانه وتعالى : { دعواهم فيها سبحانك اللهم } وفيه مسائل :
لسان عثمانی (Osmanlıca) ترجمه سى (اهل سنت)والمقدمة الثانية : أن الروح كاللوح ، والعلوم والمعارف كالنقوش المنقوشة في ذلك اللوح . ثم ههنا دقيقة ، وهي أن اللوح الجسماني إذا رسمت فيه نقوش جسمانية فحصول بعض النقوش في ذلك اللوح مانع من حصول سائر النقوش فيه ، فأما لوح الروح فخاصيته على الضد من ذلك ، فإن الروح إذا كانت خالية عن نقوش المعارف والعلوم فإنه يصعب عليه تحصيل المعارف والعلوم ، فإذا احتال وحصل شيء منها ، كان حصول ما حصل منها معينا له على سهولة تحصيل الباقي ، وكلما كان الحاصل أكثر كان تحصيل البقية أسهل ، فالنقوش الجسمانية يكون بعضها مانعا من حصول الباقي ، والنقوش الروحانية يكون بعضها معينا على حصول البقية ، وذلك يدل على أن أحوال العالم الروحاني بالضد من أحوال العالم الجسماني . المقدمة الثالثة : أن الأعمال الصالحة عبارة عن الأعمال التي تحمل النفس على ترك الدنيا وطلب الآخرة ، والأعمال المذمومة ما تكون بالضد من ذلك . إذا عرفت هذه المقدمات فنقول : الإنسان إذا آمن بالله فقد أشرق روحه بنور هذه المعرفة ، ثم إذا واظب على الأعمال الصالحة حصلت له ملكة مستقرة في التوجه إلى الآخرة وفي الإعراض عن الدنيا ، وكلما كانت هذه الأحوال أكمل كان استعداد النفس لتحصيل سائر المعارف أشد ، وكلما / كان الاستعداد أقوى وأكمل . كانت معارج المعارف أكثر وإشراقها ولمعانها أقوى ، ولما كان لا نهاية لمراتب المعارف والأنوار العقلية ، لا جرم لا نهاية لمراتب هذه الهداية المشار إليها بقوله تعالى : { يهديهم ربهم بإيمانهم } . المسألة الثانية : قوله تعالى : { تجرى من تحتهم الانهار } المراد منه أنهم يكونون جالسين على سرر مرفوعة في البساتين والأنهار تجري من بين أيديهم ، ونظيره قوله تعالى : { قد جعل ربك تحتك سريا } ( مريم : 24 ) وهي ما كانت قاعدة عليها ، ولكن المعنى بين يديك ، وكذا قوله : { وهاذه الانهار تجرى من تحتى } ( الزخرف : 51 ) المعنى بين يدي فكذا ههنا . المسألة الثالثة : الإيمان هو المعرفة والهداية المترتبة عليها أيضا من جنس المعارف ، ثم إنه تعالى لم يقل يهديهم ربهم إيمانهم . بل قال : { يهديهم ربهم بإيمانهم } وذلك يدل على أن العلم بالمقدمتين لا يوجب العلم بالنتيجة ، بل العلم بالمقدمتين سبب لحصول الاستعداد التام لقبول النفس للنتيجة . ثم إذا حصل هذا الاستعداد ، كان التكوين من الحق سبحانه وتعالى ، وهذا معنى قول الحكماء أن الفياض المطلق والجواد الحق ، ليس إلا الله سبحانه وتعالى . المرتبة الثانية : من مراتب سعاداتهم ودرجات كمالاتهم قوله سبحانه وتعالى : { دعواهم فيها سبحانك اللهم } وفيه مسائل :