Qur'an&Sunnahالقرآن

فخر الدين رازى - مفاتيح الغيب (تفسير كبير)

فخر الدين محمد بن عمر الرازى · AR

قسم V25/P046–V25/P047Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb (s. V25/P046–V25/P047)
متن اصلى (AR)

المسألة الثانية : قال هناك { للعالمين إن } ( الأنبياء : 91 ) وقال ههنا { لقوم يؤمنون } خص الآيات بالمؤمنين لأن السفينة بقيت أعواما حتى مر عليها الناس ورأوها فحصل العلم بها لكل أحد ، وأما تبريد النار ( فإنه ) لم يبق فلم يظهر لمن يعده إلا بطريق الإيمان به والتصديق ، وفيه لطيفة : وهي أن الله لما برد النار على إبراهيم بسبب اهتدائه في نفسه وهدايته لأبناء جنسه ، وقد قال الله للمؤمنين بأن لهم أسوة حسنة في إبراهيم ، فحصل للمؤمنين بشارة بأن الله يبرد عليهم النار يوم القيامة ، فقال إن في ذلك التبريد لآيات لقوم يؤمنون . المسألة الثالثة : قال هناك { جعلناها } وقال ههنا { جعلناه } لأن السفينة ما صارت آية في نفسها ولولا خلق الله الطوفان لبقي فعل نوح سفها ، فالله تعالى جعل السفينة بعد وجودها آية ، وأما تبريد النار فهو في نفسه آية إذا وجدت لا تحتاج إلى أمر آخر كخلق الطوفان حتى يصير آية . ! 7 < { وقال إنما اتخذتم من دون الله أوثانا مودة بينكم فى الحيواة الدنيا ثم يوم القيامة يكفر بعضكم ببعض ويلعن بعضكم بعضا ومأواكم النار وما لكم من ناصرين } . > 7 < العنكبوت : ( 25 ) وقال إنما اتخذتم . . . . . > > لما خرج إبراهيم من النار عاد إلى عذل الكفار وبيان فساد ما هم عليه ، وقال إذا بينت لكم فساد مذهبكم وما كان لكم جواب ولا ترجعون عنه ، فليس هذا إلا تقليدا ، فإن بين بعضكم وبعض مودة / فلا يريد أحدكم أن يفارقه صاحبه في السيرة والطريقة أو بينكم وبين آبائكم مودة فورثتموهم وأخذتم مقالتهم ولزمتم ضلالتهم وجهالتهم فقوله : { إنما اتخذتم مودة بينكم } يعني ليس بدليل أصلا وفيه وجه آخر وهو تحقيق دقيق ، وهو أن يقال قوله : { إنما اتخذتم مودة بينكم } أي مودة بين الأوثان وبين عبدتها ، وتلك المودة هي أن الإنسان مشتمل على جسم وعقل ، ولجسمه لذات جسمانية ولعقله لذات عقلية ، ثم إن من غلبت فيه الجسمية لا يلتفت إلى اللذات العقلية ، ومن غلبت عليه العقلية لا يلتفت إلى اللذات الجسمانية ، كالمجنون إذا احتاج إلى قضاء حاجة من أكل أو شرب أو إراقة ماء وهو بين قوم من الأكابر في مجمع يحصل ما فيه لذة جسمه من الأكل وإراقة الماء وغيرهما ولا يلتفت إلى اللذة العقلية من حسن السيرة وحمد الأوصاف ومكرمة الأخلاق . والعاقل يحمل الألم الجسماني ويحصل اللذة العقلية ، حتى لو غلبت قوته الدافعة على قوته الماسكة وخرج منه ريح أو قطرة ماء يكاد يموت من الخجالة والألم العقلي . إذا ثبت هذا فهم كانوا قليلي العقل غلبت الجسمية عليهم فلم يتسع عقلهم لمعبود لا يكون فوقهم ولا تحتهم ، ولا يمينهم ولا يسارهم ، ولا قدامهم ولا وراءهم ، ولا يكون جسما من الأجسام ، ولا شيئا يدخل في الأوهام ، ورأوا الأجسام المناسبة للغالب فيهم مزينة بجواهر فودوها فاتخاذهم الأوثان كان مودة بينهم وبين الأوثان ، ثم قال تعالى : { ثم يوم القيامة يكفر بعضكم ببعض } يعني يوم يزول عمى القلوب وتتبين الأمور للبيب والغفول يكفر بعضكم ببعض ويعلم فساد ما كان عليه فيقول العابد ما هذا معبودي ، ويقول المعبود ما هؤلاء عبدتي ويلعن بعضكم بعضا ، ويقول هذا لذاك أنت أوقعتني في العذاب حيث عبدتني ، ويقول ذاك لهذا أنت أوقعتني فيه حيث أضللتني بعبادتك ، ويريد كل واحد أن يبعد صاحبه باللعن ولا يتباعدون ، بل هم مجتمعون في النار كما كانوا مجتمعين في هذه الدار كما قال تعالى : { ومأواكم النار } ثم قال تعالى : { وما لكم من ناصرين } يعني ليس تلك النار مثل ناركم التي أنجى الله منها إبراهيم ونصره فأنتم في النار ولا ناصر لكم ، وههنا مسائل :

لسان عثمانی (Osmanlıca) ترجمه سى (اهل سنت)

المسألة الثانية : قال هناك { للعالمين إن } ( الأنبياء : 91 ) وقال ههنا { لقوم يؤمنون } خص الآيات بالمؤمنين لأن السفينة بقيت أعواما حتى مر عليها الناس ورأوها فحصل العلم بها لكل أحد ، وأما تبريد النار ( فإنه ) لم يبق فلم يظهر لمن يعده إلا بطريق الإيمان به والتصديق ، وفيه لطيفة : وهي أن الله لما برد النار على إبراهيم بسبب اهتدائه في نفسه وهدايته لأبناء جنسه ، وقد قال الله للمؤمنين بأن لهم أسوة حسنة في إبراهيم ، فحصل للمؤمنين بشارة بأن الله يبرد عليهم النار يوم القيامة ، فقال إن في ذلك التبريد لآيات لقوم يؤمنون . المسألة الثالثة : قال هناك { جعلناها } وقال ههنا { جعلناه } لأن السفينة ما صارت آية في نفسها ولولا خلق الله الطوفان لبقي فعل نوح سفها ، فالله تعالى جعل السفينة بعد وجودها آية ، وأما تبريد النار فهو في نفسه آية إذا وجدت لا تحتاج إلى أمر آخر كخلق الطوفان حتى يصير آية . ! 7 < { وقال إنما اتخذتم من دون الله أوثانا مودة بينكم فى الحيواة الدنيا ثم يوم القيامة يكفر بعضكم ببعض ويلعن بعضكم بعضا ومأواكم النار وما لكم من ناصرين } . > 7 < العنكبوت : ( 25 ) وقال إنما اتخذتم . . . . . > > لما خرج إبراهيم من النار عاد إلى عذل الكفار وبيان فساد ما هم عليه ، وقال إذا بينت لكم فساد مذهبكم وما كان لكم جواب ولا ترجعون عنه ، فليس هذا إلا تقليدا ، فإن بين بعضكم وبعض مودة / فلا يريد أحدكم أن يفارقه صاحبه في السيرة والطريقة أو بينكم وبين آبائكم مودة فورثتموهم وأخذتم مقالتهم ولزمتم ضلالتهم وجهالتهم فقوله : { إنما اتخذتم مودة بينكم } يعني ليس بدليل أصلا وفيه وجه آخر وهو تحقيق دقيق ، وهو أن يقال قوله : { إنما اتخذتم مودة بينكم } أي مودة بين الأوثان وبين عبدتها ، وتلك المودة هي أن الإنسان مشتمل على جسم وعقل ، ولجسمه لذات جسمانية ولعقله لذات عقلية ، ثم إن من غلبت فيه الجسمية لا يلتفت إلى اللذات العقلية ، ومن غلبت عليه العقلية لا يلتفت إلى اللذات الجسمانية ، كالمجنون إذا احتاج إلى قضاء حاجة من أكل أو شرب أو إراقة ماء وهو بين قوم من الأكابر في مجمع يحصل ما فيه لذة جسمه من الأكل وإراقة الماء وغيرهما ولا يلتفت إلى اللذة العقلية من حسن السيرة وحمد الأوصاف ومكرمة الأخلاق . والعاقل يحمل الألم الجسماني ويحصل اللذة العقلية ، حتى لو غلبت قوته الدافعة على قوته الماسكة وخرج منه ريح أو قطرة ماء يكاد يموت من الخجالة والألم العقلي . إذا ثبت هذا فهم كانوا قليلي العقل غلبت الجسمية عليهم فلم يتسع عقلهم لمعبود لا يكون فوقهم ولا تحتهم ، ولا يمينهم ولا يسارهم ، ولا قدامهم ولا وراءهم ، ولا يكون جسما من الأجسام ، ولا شيئا يدخل في الأوهام ، ورأوا الأجسام المناسبة للغالب فيهم مزينة بجواهر فودوها فاتخاذهم الأوثان كان مودة بينهم وبين الأوثان ، ثم قال تعالى : { ثم يوم القيامة يكفر بعضكم ببعض } يعني يوم يزول عمى القلوب وتتبين الأمور للبيب والغفول يكفر بعضكم ببعض ويعلم فساد ما كان عليه فيقول العابد ما هذا معبودي ، ويقول المعبود ما هؤلاء عبدتي ويلعن بعضكم بعضا ، ويقول هذا لذاك أنت أوقعتني في العذاب حيث عبدتني ، ويقول ذاك لهذا أنت أوقعتني فيه حيث أضللتني بعبادتك ، ويريد كل واحد أن يبعد صاحبه باللعن ولا يتباعدون ، بل هم مجتمعون في النار كما كانوا مجتمعين في هذه الدار كما قال تعالى : { ومأواكم النار } ثم قال تعالى : { وما لكم من ناصرين } يعني ليس تلك النار مثل ناركم التي أنجى الله منها إبراهيم ونصره فأنتم في النار ولا ناصر لكم ، وههنا مسائل :

قسم V25/P047–V25/P048Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb (s. V25/P047–V25/P048)
متن اصلى (AR)

المسألة الأولى : قال قبل هذا { وما لكم من دون الله من ولي ولا نصير } ( التوبة : 116 ) على لفظ الواحد ، وقال ههنا على لفظ الجمع { وما لكم من ناصرين } والحكمة فيه أنهم لما أرادوا إحراق إبراهيم عليه السلام قالوا نحن ننصر آلهتنا كما حكى الله تعالى عنهم { حرقوه وانصروا ءالهتكم } ( الأنبياء : 68 ) فقال أنتم ادعيتم أن لهؤلاء ناصرين فما لكم ولهم ، أي للأوثان وعبدتها من ناصرين ، وأما هناك ما سبق منهم دعوى الناصرين فنفى الجنس بقوله : { ولا نصير } . المسألة الثانية : قال هناك { مالكم من دون الله من ولي ولا نصير } وما ذكر الولي ههنا فنقول : قد بينا أن المراد بالولي الشفيع يعني ليس لكم شافع ولا نصير دافع / وههنا لما كان الخطاب دخل فيه الأوثان أي ما لكم كلكم لم يقل شفيع لأنهم كانوا معترفين أن كلهم ليس لهم شافع لأنهم كانوا يدعون أن آلهتهم شفعاء ، كما قال تعالى عنهم : { هؤلاء شفعاؤنا } ( يونس : 18 ) والشفيع لا يكون / له شفيع ، فما نفى عنهم الشفيع لعدم الحاجة إلى نفيه لاعترافهم به ، وأما هناك فكان الكلام معهم وهم كانوا يدعون أن لأنفسهم شفعاء فنفى . المسألة الثالثة : قال هناك { ما لكم من دونه الله } فذكر على معنى الاستثناء فيفهم أن لهم ناصرا ووليا هو الله وليس لهم غيره ولي وناصر وقال ههنا { ما لكم من ناصرين } من غير استثناء فنقول كان ذلك واردا على أنهم في الدنيا فقال لهم في الدنيا ، لا تظنوا أنكم تعجزون الله فما لكم أحد ينصركم ، بل الله تعالى ينصركم إن تبتم ، فهو ناصر معد لكم متى أردتم استنصرتموه بالتوبة وهذا يوم القيامة كما قال تعالى : { ثم يوم القيامة يكفر بعضكم ببعض } وعدم الناصر عام لأن التوبة في ذلك اليوم لا تقبل فسواء تابوا أو لم يتوبوا لا ينصرهم الله ولا ناصر لهم غيره فلا ناصر لهم مطلقا . ! 7 < { فأامن له لوط وقال إنى مهاجر إلى ربىإنه هو العزيز الحكيم } . > 7 ! < < العنكبوت : ( 26 ) فآمن له لوط . . . . . > > يعني لما رأى لوط معجزته آمن وقال إبراهيم { إنى مهاجر إلى ربى } أي إلى حيث أمرني بالتوجه إليه { إنه هو العزيز الحكيم } عزيز يمنع أعدائي عن إيذائي بعزته ، وحكيم لا يأمرني إلا بما يوافق لكمال حكمته ، وفي الآية مسائل : المسألة الأولى : قوله : { فئامن له لوط } أي بعد ما رأى منه المعجز القاهر ودرجة لوط كانت عالية ، وبقاؤه إلى هذا الوقت مما ينقص من الدرجة ألا ترى أن أبا بكر لما قبل دين محمد صلى الله عليه وسلم وكان نير القلب قبله قبل الكل ، من غير سماع تكلم الحصى ولا رؤية انشقاق القمر ، فنقول إن لوطا لما رأى معجزته آمن برسالته ، وإما بالوحدانية فآمن حيث سمع حسن مقالته ، وإليه أشار بقوله : { فئامن له لوط } وما قال فآمن لوط . المسألة الثانية : ما تعلق قوله وقال : { إنى مهاجر إلى ربى } بما تقدم ؟ فنقول بما بالغ إبراهيم في الإرشاد ولم يهتد قومه ، وحصل اليأس الكلي حيث رأى القوم الآية الكبرى : { ولم يؤمنوا } وجبت المهاجرة ، لأن الهادي إذا هدى قومه ولم ينتفعوا فبقاؤه فيهم مفسدة لأنه إن دام على الإرشاد كان اشتغالا بما لا ينتفع به مع علمه فيصير كمن يقول للحجر صدق وهو عبث أو يسكت والسكوت دليل الرضا فيقال بأنه صار منا ورضي بأفعالنا ، وإذا لم يبق للإقامة وجه وجبت المهاجرة .

لسان عثمانی (Osmanlıca) ترجمه سى (اهل سنت)

المسألة الأولى : قال قبل هذا { وما لكم من دون الله من ولي ولا نصير } ( التوبة : 116 ) على لفظ الواحد ، وقال ههنا على لفظ الجمع { وما لكم من ناصرين } والحكمة فيه أنهم لما أرادوا إحراق إبراهيم عليه السلام قالوا نحن ننصر آلهتنا كما حكى الله تعالى عنهم { حرقوه وانصروا ءالهتكم } ( الأنبياء : 68 ) فقال أنتم ادعيتم أن لهؤلاء ناصرين فما لكم ولهم ، أي للأوثان وعبدتها من ناصرين ، وأما هناك ما سبق منهم دعوى الناصرين فنفى الجنس بقوله : { ولا نصير } . المسألة الثانية : قال هناك { مالكم من دون الله من ولي ولا نصير } وما ذكر الولي ههنا فنقول : قد بينا أن المراد بالولي الشفيع يعني ليس لكم شافع ولا نصير دافع / وههنا لما كان الخطاب دخل فيه الأوثان أي ما لكم كلكم لم يقل شفيع لأنهم كانوا معترفين أن كلهم ليس لهم شافع لأنهم كانوا يدعون أن آلهتهم شفعاء ، كما قال تعالى عنهم : { هؤلاء شفعاؤنا } ( يونس : 18 ) والشفيع لا يكون / له شفيع ، فما نفى عنهم الشفيع لعدم الحاجة إلى نفيه لاعترافهم به ، وأما هناك فكان الكلام معهم وهم كانوا يدعون أن لأنفسهم شفعاء فنفى . المسألة الثالثة : قال هناك { ما لكم من دونه الله } فذكر على معنى الاستثناء فيفهم أن لهم ناصرا ووليا هو الله وليس لهم غيره ولي وناصر وقال ههنا { ما لكم من ناصرين } من غير استثناء فنقول كان ذلك واردا على أنهم في الدنيا فقال لهم في الدنيا ، لا تظنوا أنكم تعجزون الله فما لكم أحد ينصركم ، بل الله تعالى ينصركم إن تبتم ، فهو ناصر معد لكم متى أردتم استنصرتموه بالتوبة وهذا يوم القيامة كما قال تعالى : { ثم يوم القيامة يكفر بعضكم ببعض } وعدم الناصر عام لأن التوبة في ذلك اليوم لا تقبل فسواء تابوا أو لم يتوبوا لا ينصرهم الله ولا ناصر لهم غيره فلا ناصر لهم مطلقا . ! 7 < { فأامن له لوط وقال إنى مهاجر إلى ربىإنه هو العزيز الحكيم } . > 7 ! < < العنكبوت : ( 26 ) فآمن له لوط . . . . . > > يعني لما رأى لوط معجزته آمن وقال إبراهيم { إنى مهاجر إلى ربى } أي إلى حيث أمرني بالتوجه إليه { إنه هو العزيز الحكيم } عزيز يمنع أعدائي عن إيذائي بعزته ، وحكيم لا يأمرني إلا بما يوافق لكمال حكمته ، وفي الآية مسائل : المسألة الأولى : قوله : { فئامن له لوط } أي بعد ما رأى منه المعجز القاهر ودرجة لوط كانت عالية ، وبقاؤه إلى هذا الوقت مما ينقص من الدرجة ألا ترى أن أبا بكر لما قبل دين محمد صلى الله عليه وسلم وكان نير القلب قبله قبل الكل ، من غير سماع تكلم الحصى ولا رؤية انشقاق القمر ، فنقول إن لوطا لما رأى معجزته آمن برسالته ، وإما بالوحدانية فآمن حيث سمع حسن مقالته ، وإليه أشار بقوله : { فئامن له لوط } وما قال فآمن لوط . المسألة الثانية : ما تعلق قوله وقال : { إنى مهاجر إلى ربى } بما تقدم ؟ فنقول بما بالغ إبراهيم في الإرشاد ولم يهتد قومه ، وحصل اليأس الكلي حيث رأى القوم الآية الكبرى : { ولم يؤمنوا } وجبت المهاجرة ، لأن الهادي إذا هدى قومه ولم ينتفعوا فبقاؤه فيهم مفسدة لأنه إن دام على الإرشاد كان اشتغالا بما لا ينتفع به مع علمه فيصير كمن يقول للحجر صدق وهو عبث أو يسكت والسكوت دليل الرضا فيقال بأنه صار منا ورضي بأفعالنا ، وإذا لم يبق للإقامة وجه وجبت المهاجرة .

قسم V25/P048–V25/P049Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb (s. V25/P048–V25/P049)
متن اصلى (AR)

المسألة الثالثة : قال : { مهاجر إلى ربى } ولم يقل مهاجر إلى حيث أمرني ربي مع أن المهاجرة إلى الرب توهم الجهة ، فنقول قوله : { مهاجر } إلى حيث أمرني ربي ليس في الاخلاص كقوله : { إلى ربى } لأن الملك إذا صدر منه أمر برواح الأجناد إلى الموضع الفلاني ، ثم إن واحدا منهم سافر إليه لغرض ( في ) نفسه يصيبه فقد هاجر إلى حيث أمره الملك ولكن لا مخلصا لوجهه فقال : { مهاجر إلى ربى } يعني توجهي إلى الجهة المأمور بالهجرة إليها ليس طلبا للجهة إنما هو طلب لله . ! 7 < { ووهبنا له إسحاق ويعقوب وجعلنا فى ذريته النبوة والكتاب وءاتيناه أجره فى الدنيا وإنه فى لا خرة لمن الصالحين } . > 7 ! < < العنكبوت : ( 27 ) ووهبنا له إسحاق . . . . . > > قد ذكرنا في تفسير قوله تعالى : { لنكفرن عنهم سيئاتهم ولنجزينهم } ( العنكبوت : 7 ) أن أثر رحمة الله في أمرين في الأمان من سوء العذاب والامتنان بحسن الثواب وهو واصل إلى المؤمن في الدار الآخرة قطعا بحكم وعد الله نفي العذاب عنه لنفيه الشرك وإثبات الثواب لإثباته الواحد ، ولكن هذا ليس بواجب الحصول في الدنيا ، فإن كثيرا ما يكون الكافر في رغد والمؤمن جائع في يومه متفكر في أمر غده لكنهما مطلوبان في الدنيا ، أما دفع العذاب العاجل فلأنه ورد في دعاء النبي صلى الله عليه وسلم ، قوله : ( وقنا عذاب الفقر والنار ) فعذاب الفقر إشارة إلى دفع العذاب العاجل ، وأما الثواب العاجل ففي قوله : { ربنا ءاتنا فى الدنيا حسنة وفي الاخرة حسنة } ( البقرة : 201 ) إذا علم هذا فنقول إن إبراهيم عليه السلام لما أتى ببيان التوحيد أولا دفع الله عنه عذاب الدنيا وهو عذاب النار ، ولما أتى به مرة بعد مرة مع إصرار القوم عى التكذيب وإضرارهم به بالتعذيب ، أعطاه الجزاء الآخر ، وهو الثواب العاجل وعدده عليه بقوله : { ووهبنا له إسحاق ويعقوب } وفي الآية لطيفة : وهي أن الله بدل جميع أحوال إبراهيم في الدنيا بأضدادها لما أراد القوم تعذيبه بالنار وكان وحيدا فريدا فبدل وحدته بالكثرة حتى ملأ الدنيا من ذريته ، ولما كان أولا قومه وأقاربه القريبة ضالين مضلين من جملتهم آزر ، بدل الله أقاربه بأقارب مهتدين هادين وهم ذريته الذين جعل الله فيهم النبوة والكتاب ، وكان أولا لا جاه له ولا مال وهما غاية اللذة الدنيوية آتاه الله أجره من المال والجاه ، فكثر ماله حتى كان له من المواشي ما علم الله عدده ، حتى قيل إنه كان له اثنا عشر ألف كلب حارس بأطواق ذهب ، وأما الجاه فصار بحيث يقرن الصلاة عليه بالصلاة على سائر الأنبياء إلى يوم القيامة ، فصار معروفا بشيخ المرسلين بعد إن كان خاملا ، حتى قال قائلهم : { سمعنا فتى يذكرهم يقال له إبراهيم } ( الأنبياء : 60 ) وهذا الكلام لا يقال إلا في مجهول بين الناس ، ثم إن الله تعالى قال : { وإنه فى الاخرة لمن الصالحين } يعني ليس له هذا في الدنيا فحسب كما يكون لمن قدم له ثواب حسناته أو أملى له استدراجا ليكثر من سيئاته بل هذا له عجالة وله في الآخرة ثواب الدلالة والرسالة وهو كونه من الصالحين ، فإن كون العبد صالحا أعلى مراتبه ، لما بينا أن الصالح هو الباقي على ما ينبغي ، يقال الطعام بعد صالح ، أي هو باق على ما ينبغي ، ومن بقي على ما ينبغي لا يكون في عذاب ، ويكون له كل ما يريد من حسن ثواب وفي الآية مسألتان :

لسان عثمانی (Osmanlıca) ترجمه سى (اهل سنت)

المسألة الثالثة : قال : { مهاجر إلى ربى } ولم يقل مهاجر إلى حيث أمرني ربي مع أن المهاجرة إلى الرب توهم الجهة ، فنقول قوله : { مهاجر } إلى حيث أمرني ربي ليس في الاخلاص كقوله : { إلى ربى } لأن الملك إذا صدر منه أمر برواح الأجناد إلى الموضع الفلاني ، ثم إن واحدا منهم سافر إليه لغرض ( في ) نفسه يصيبه فقد هاجر إلى حيث أمره الملك ولكن لا مخلصا لوجهه فقال : { مهاجر إلى ربى } يعني توجهي إلى الجهة المأمور بالهجرة إليها ليس طلبا للجهة إنما هو طلب لله . ! 7 < { ووهبنا له إسحاق ويعقوب وجعلنا فى ذريته النبوة والكتاب وءاتيناه أجره فى الدنيا وإنه فى لا خرة لمن الصالحين } . > 7 ! < < العنكبوت : ( 27 ) ووهبنا له إسحاق . . . . . > > قد ذكرنا في تفسير قوله تعالى : { لنكفرن عنهم سيئاتهم ولنجزينهم } ( العنكبوت : 7 ) أن أثر رحمة الله في أمرين في الأمان من سوء العذاب والامتنان بحسن الثواب وهو واصل إلى المؤمن في الدار الآخرة قطعا بحكم وعد الله نفي العذاب عنه لنفيه الشرك وإثبات الثواب لإثباته الواحد ، ولكن هذا ليس بواجب الحصول في الدنيا ، فإن كثيرا ما يكون الكافر في رغد والمؤمن جائع في يومه متفكر في أمر غده لكنهما مطلوبان في الدنيا ، أما دفع العذاب العاجل فلأنه ورد في دعاء النبي صلى الله عليه وسلم ، قوله : ( وقنا عذاب الفقر والنار ) فعذاب الفقر إشارة إلى دفع العذاب العاجل ، وأما الثواب العاجل ففي قوله : { ربنا ءاتنا فى الدنيا حسنة وفي الاخرة حسنة } ( البقرة : 201 ) إذا علم هذا فنقول إن إبراهيم عليه السلام لما أتى ببيان التوحيد أولا دفع الله عنه عذاب الدنيا وهو عذاب النار ، ولما أتى به مرة بعد مرة مع إصرار القوم عى التكذيب وإضرارهم به بالتعذيب ، أعطاه الجزاء الآخر ، وهو الثواب العاجل وعدده عليه بقوله : { ووهبنا له إسحاق ويعقوب } وفي الآية لطيفة : وهي أن الله بدل جميع أحوال إبراهيم في الدنيا بأضدادها لما أراد القوم تعذيبه بالنار وكان وحيدا فريدا فبدل وحدته بالكثرة حتى ملأ الدنيا من ذريته ، ولما كان أولا قومه وأقاربه القريبة ضالين مضلين من جملتهم آزر ، بدل الله أقاربه بأقارب مهتدين هادين وهم ذريته الذين جعل الله فيهم النبوة والكتاب ، وكان أولا لا جاه له ولا مال وهما غاية اللذة الدنيوية آتاه الله أجره من المال والجاه ، فكثر ماله حتى كان له من المواشي ما علم الله عدده ، حتى قيل إنه كان له اثنا عشر ألف كلب حارس بأطواق ذهب ، وأما الجاه فصار بحيث يقرن الصلاة عليه بالصلاة على سائر الأنبياء إلى يوم القيامة ، فصار معروفا بشيخ المرسلين بعد إن كان خاملا ، حتى قال قائلهم : { سمعنا فتى يذكرهم يقال له إبراهيم } ( الأنبياء : 60 ) وهذا الكلام لا يقال إلا في مجهول بين الناس ، ثم إن الله تعالى قال : { وإنه فى الاخرة لمن الصالحين } يعني ليس له هذا في الدنيا فحسب كما يكون لمن قدم له ثواب حسناته أو أملى له استدراجا ليكثر من سيئاته بل هذا له عجالة وله في الآخرة ثواب الدلالة والرسالة وهو كونه من الصالحين ، فإن كون العبد صالحا أعلى مراتبه ، لما بينا أن الصالح هو الباقي على ما ينبغي ، يقال الطعام بعد صالح ، أي هو باق على ما ينبغي ، ومن بقي على ما ينبغي لا يكون في عذاب ، ويكون له كل ما يريد من حسن ثواب وفي الآية مسألتان :

قسم V25/P049–V25/P050Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb (s. V25/P049–V25/P050)
متن اصلى (AR)

المسألة الأولى : أن إسماعيل كان من أولاده الصالحين ، وكان قد أسلم لأمر الله بالذبح وانقاد / لحكم الله ، فلم لم يذكر ؟ فيقال هو مذكور في قوله : { وجعلنا فى ذريته النبوة } ولكن لم يصرح باسمه لأنه كان غرضه تبيين فضله عليه بهبة الأولاد والأحفاد ، فذكر من الأولاد واحدا وهو الأكبر ، ومن الأحفاد واحدا وهو الأظهر كما يقول القائل إن السلطان في خدمته الملوك والأمراء الملك الفلاني والأمير الفلاني ولا يعدد الكل لأن ذكر ذلك الواحد لبيان الجنس لا لخصوصيته ولو ذكر غيره لفهم منه التعديد واستيعاب الكل بالذكر ، فيظن أنه ليس معه غير المذكورين . المسألة الثانية : أن الله تعالى جعل في ذريته النبوة إجابة لدعائه والوالد يستحب منه أن يسوى بين ولديه ، فكيف صارت النبوة في أولاد إسحاق أكثر من النبوة في أولاد إسماعيل ؟ فنقول : الله تعالى قسم الزمان من وقت إبراهيم إلى القيامة قسمين والناس أجمعين ، فالقسم الأول من الزمان بعث الله فيه أنبياء فيهم فضائل جمة وجاؤا تترى واحدا بعد واحد ، ومجتمعين في عصر واحد كلهم من ورثة اسحاق عليه السلام ، ثم في القسم الثاني من الزمان أخرج من ذرية ولده الآخر وهو إسماعيل واحدا جمع فيه ما كان فيهم وأرسله إلى كافة الخلق وهو محمد صلى الله عليه وسلم وجعله خاتم النبيين ، وقد دام الخلق على دين أولاد إسحاق أكثر من أربعة آلاف سنة فلا يبعد أن يبقى الخلق على دين ذرية إسماعيل مثل ذلك المقدار . ! 7 < { ولوطا إذ قال لقومه إنكم لتأتون الفاحشة ما سبقكم بها من أحد من العالمين أئنكم لتأتون الرجال وتقطعون السبيل وتأتون فى ناديكم المنكر فما كان جواب قومه إلا أن قالوا ائتنا بعذاب الله إن كنت من الصادقين قال رب انصرنى على القوم المفسدين } . > 7 < العنكبوت : ( 28 - 30 ) ولوطا إذ قال . . . . . > > الإعراب في لوط ، والتفسير كما ذكرنا في قوله : { وإبراهيم إذ قال لقومه } ( العنكبوت : 16 ) وههنا مسائل : المسألة الأولى : قال إبراهيم لقومه { اعبدوا الله } وقال عن لوط ههنا أنه قال لقومه { لتأتون الفاحشة } فنقول لما ذكر الله لوطا عند ذكر إبراهيم وكان لوط في زمان إبراهيم لم يذكر عن لوط أنه أمر قومه بالتوحيد مع أن الرسول لا بد من أن يقول ذلك فنقول حكاية لوط وغيرها / ههنا ذكرها الله على سبيل الاختصار ، فاقتصر على ما اختص به لوط وهو المنع من الفاحشة ، ولم يذكر عنه الأمر بالتوحيد وإن كان قاله في موضع آخر حيث قال : { اعبدوا الله ما لكم من إلاه غيره } ( الأعراف : 59 ) لأن ذلك كان قد أتى به إبراهيم وسبقه فصار كالمختص به ولوط يبلغ ذلك عن إبراهيم . وأما المنع من عمل قوم لوط كان مختصا بلوط ، فإن إبراهيم لم يظهر ذلك ( في زمنه ) ولم يمنعهم منه فذكر كل واحد بما اختص به وسبق به غيره .

لسان عثمانی (Osmanlıca) ترجمه سى (اهل سنت)

المسألة الأولى : أن إسماعيل كان من أولاده الصالحين ، وكان قد أسلم لأمر الله بالذبح وانقاد / لحكم الله ، فلم لم يذكر ؟ فيقال هو مذكور في قوله : { وجعلنا فى ذريته النبوة } ولكن لم يصرح باسمه لأنه كان غرضه تبيين فضله عليه بهبة الأولاد والأحفاد ، فذكر من الأولاد واحدا وهو الأكبر ، ومن الأحفاد واحدا وهو الأظهر كما يقول القائل إن السلطان في خدمته الملوك والأمراء الملك الفلاني والأمير الفلاني ولا يعدد الكل لأن ذكر ذلك الواحد لبيان الجنس لا لخصوصيته ولو ذكر غيره لفهم منه التعديد واستيعاب الكل بالذكر ، فيظن أنه ليس معه غير المذكورين . المسألة الثانية : أن الله تعالى جعل في ذريته النبوة إجابة لدعائه والوالد يستحب منه أن يسوى بين ولديه ، فكيف صارت النبوة في أولاد إسحاق أكثر من النبوة في أولاد إسماعيل ؟ فنقول : الله تعالى قسم الزمان من وقت إبراهيم إلى القيامة قسمين والناس أجمعين ، فالقسم الأول من الزمان بعث الله فيه أنبياء فيهم فضائل جمة وجاؤا تترى واحدا بعد واحد ، ومجتمعين في عصر واحد كلهم من ورثة اسحاق عليه السلام ، ثم في القسم الثاني من الزمان أخرج من ذرية ولده الآخر وهو إسماعيل واحدا جمع فيه ما كان فيهم وأرسله إلى كافة الخلق وهو محمد صلى الله عليه وسلم وجعله خاتم النبيين ، وقد دام الخلق على دين أولاد إسحاق أكثر من أربعة آلاف سنة فلا يبعد أن يبقى الخلق على دين ذرية إسماعيل مثل ذلك المقدار . ! 7 < { ولوطا إذ قال لقومه إنكم لتأتون الفاحشة ما سبقكم بها من أحد من العالمين أئنكم لتأتون الرجال وتقطعون السبيل وتأتون فى ناديكم المنكر فما كان جواب قومه إلا أن قالوا ائتنا بعذاب الله إن كنت من الصادقين قال رب انصرنى على القوم المفسدين } . > 7 < العنكبوت : ( 28 - 30 ) ولوطا إذ قال . . . . . > > الإعراب في لوط ، والتفسير كما ذكرنا في قوله : { وإبراهيم إذ قال لقومه } ( العنكبوت : 16 ) وههنا مسائل : المسألة الأولى : قال إبراهيم لقومه { اعبدوا الله } وقال عن لوط ههنا أنه قال لقومه { لتأتون الفاحشة } فنقول لما ذكر الله لوطا عند ذكر إبراهيم وكان لوط في زمان إبراهيم لم يذكر عن لوط أنه أمر قومه بالتوحيد مع أن الرسول لا بد من أن يقول ذلك فنقول حكاية لوط وغيرها / ههنا ذكرها الله على سبيل الاختصار ، فاقتصر على ما اختص به لوط وهو المنع من الفاحشة ، ولم يذكر عنه الأمر بالتوحيد وإن كان قاله في موضع آخر حيث قال : { اعبدوا الله ما لكم من إلاه غيره } ( الأعراف : 59 ) لأن ذلك كان قد أتى به إبراهيم وسبقه فصار كالمختص به ولوط يبلغ ذلك عن إبراهيم . وأما المنع من عمل قوم لوط كان مختصا بلوط ، فإن إبراهيم لم يظهر ذلك ( في زمنه ) ولم يمنعهم منه فذكر كل واحد بما اختص به وسبق به غيره .

قسم V25/P050–V25/P051Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb (s. V25/P050–V25/P051)
متن اصلى (AR)

المسألة الثانية : لم سمى ذلك الفعل فاحشة ؟ فنقول الفاحشة هو القبيح الظاهر قبحه ، ثم إن الشهوة والغضب صفتا قبح لولا مصلحة ما كان يخلقهما الله في الإنسان ، فمصلحة الشهوة الفرجية هي بقاء النوع بتوليد الشخص ، وهذه المصلحة لا تحصل إلا بوجود الولد وبقائه بعد الأب ، فإنه لو وجد ومات قبل الأب كان يفنى النوع بفناء القرن الأول ، لكن الزنا قضاء شهوة ولا يفضي إلى بقاء النوع ، لأنا بينا أن البناء بالوجود وبقاء الولد بعد الأب لكن الزنا وإن كان يفضي إلى وجود الولد ولكن لا يفضي إلى بقائه ، لأن المياه إذا اشتبهت لا يعرف الوالد ولده فلا يقوم بتربيته والإنفاق عليه فيضيع ويهلك ، فلا يحصل مصلحة البقاء ، فاذن الزنا شهوة قبيحة خالية عن المصلحة التي لأجلها خلقت ، فهو قبيح ظاهر قبحه حيث لا تستره المصلحة فهو فاحشة ، وإذا كان الزنا فاحشة مع أنه يفضي إلى وجود الولد ولكن لا يفضي إلى بقائه ، فاللواطة التي لا تفضي إلى وجوده أولى بأن تكون فاحشة . المسألة الثالثة : الآية دالة على وجوب الحد في اللواطة ، لأنها مع الزنا اشتركت في كونهما فاحشة حيث قال الله تعالى : { ولا تقربوا الزنى إنه كان فاحشة } ( الإسراء : 32 ) واشتراكهما في الفاحشة يناسب الزجر عنه ، فما شرع زاجرا هناك يشرع زاجرا ههنا ، وهذا وإن كان قياسا إلا أن جامعه مستفاد من الآية ، ووجه آخر ، وهو أن الله جعل عذاب من أتى بها إمطار الحجارة حيث أمطر عليهم حجارة عاجلا ، فوجب أن يعذب من أتى به بإمطار الحجارة به عاجلا وهو الرجم ، وقوله : { ما سبقكم بها من أحد } يحتمل وجهين أحدهما : أن قبلهم لم يأت أحد بهذا القبيح وهذا ظاهر ، والثاني : أن قبلهم ربما أتى به واحد في الندرة لكنهم بالغوا فيه ، فقال لهم ما سبقكم بها من أحد ، كما يقال إن فلانا سبق البخلاء في البخل ، وسبق اللئام في اللؤم إذا زاد عليهم ، ثم قال تعالى : { أئنكم لتأتون الرجال وتقطعون السبيل } بيانا لما ذكرنا ، يعنى تقضون الشهوة بالرجال مع قطع السبيل المعتاد مع النساء المشتمل على المصلحة التي هي بقاء النوع / حتى يظهر أنه قبيح لم يستر قبحه مصلحة ، وحينئذ يصير هذا كقوله تعالى : { أتأتون الرجال شهوة من دون النساء } ( ) يعنى إتيان النساء شهوة قبيحة مستترة بالمصلحة فلكم دافع لحاجتكم لا فاحشة فيه وتتركونه وتأتون الرجال شهوة مع الفاحشة وقوله : { وتأتون فى ناديكم المنكر } يعني ما كفاكم قبح فعلكم حتى تضمون إليه قبح الإظهار ، وقوله : { فما كان جواب قومه } في التفسير ، كقوله في قصة إبراهيم { وما كان جواب قومه } وفي الآية مسائل :

لسان عثمانی (Osmanlıca) ترجمه سى (اهل سنت)

المسألة الثانية : لم سمى ذلك الفعل فاحشة ؟ فنقول الفاحشة هو القبيح الظاهر قبحه ، ثم إن الشهوة والغضب صفتا قبح لولا مصلحة ما كان يخلقهما الله في الإنسان ، فمصلحة الشهوة الفرجية هي بقاء النوع بتوليد الشخص ، وهذه المصلحة لا تحصل إلا بوجود الولد وبقائه بعد الأب ، فإنه لو وجد ومات قبل الأب كان يفنى النوع بفناء القرن الأول ، لكن الزنا قضاء شهوة ولا يفضي إلى بقاء النوع ، لأنا بينا أن البناء بالوجود وبقاء الولد بعد الأب لكن الزنا وإن كان يفضي إلى وجود الولد ولكن لا يفضي إلى بقائه ، لأن المياه إذا اشتبهت لا يعرف الوالد ولده فلا يقوم بتربيته والإنفاق عليه فيضيع ويهلك ، فلا يحصل مصلحة البقاء ، فاذن الزنا شهوة قبيحة خالية عن المصلحة التي لأجلها خلقت ، فهو قبيح ظاهر قبحه حيث لا تستره المصلحة فهو فاحشة ، وإذا كان الزنا فاحشة مع أنه يفضي إلى وجود الولد ولكن لا يفضي إلى بقائه ، فاللواطة التي لا تفضي إلى وجوده أولى بأن تكون فاحشة . المسألة الثالثة : الآية دالة على وجوب الحد في اللواطة ، لأنها مع الزنا اشتركت في كونهما فاحشة حيث قال الله تعالى : { ولا تقربوا الزنى إنه كان فاحشة } ( الإسراء : 32 ) واشتراكهما في الفاحشة يناسب الزجر عنه ، فما شرع زاجرا هناك يشرع زاجرا ههنا ، وهذا وإن كان قياسا إلا أن جامعه مستفاد من الآية ، ووجه آخر ، وهو أن الله جعل عذاب من أتى بها إمطار الحجارة حيث أمطر عليهم حجارة عاجلا ، فوجب أن يعذب من أتى به بإمطار الحجارة به عاجلا وهو الرجم ، وقوله : { ما سبقكم بها من أحد } يحتمل وجهين أحدهما : أن قبلهم لم يأت أحد بهذا القبيح وهذا ظاهر ، والثاني : أن قبلهم ربما أتى به واحد في الندرة لكنهم بالغوا فيه ، فقال لهم ما سبقكم بها من أحد ، كما يقال إن فلانا سبق البخلاء في البخل ، وسبق اللئام في اللؤم إذا زاد عليهم ، ثم قال تعالى : { أئنكم لتأتون الرجال وتقطعون السبيل } بيانا لما ذكرنا ، يعنى تقضون الشهوة بالرجال مع قطع السبيل المعتاد مع النساء المشتمل على المصلحة التي هي بقاء النوع / حتى يظهر أنه قبيح لم يستر قبحه مصلحة ، وحينئذ يصير هذا كقوله تعالى : { أتأتون الرجال شهوة من دون النساء } ( ) يعنى إتيان النساء شهوة قبيحة مستترة بالمصلحة فلكم دافع لحاجتكم لا فاحشة فيه وتتركونه وتأتون الرجال شهوة مع الفاحشة وقوله : { وتأتون فى ناديكم المنكر } يعني ما كفاكم قبح فعلكم حتى تضمون إليه قبح الإظهار ، وقوله : { فما كان جواب قومه } في التفسير ، كقوله في قصة إبراهيم { وما كان جواب قومه } وفي الآية مسائل :

قسم V25/P051–V25/P052Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb (s. V25/P051–V25/P052)
متن اصلى (AR)

/ المسألة الأولى : قال قوم إبراهيم { اقتلوه أو حرقوه } ( العنكبوت : 24 ) وقال قوم لوط { ائتنا بعذاب الله } وما هددوه ، مع أن إبراهيم كان أعظم من لوط ، فإن لوطا كان من قومه ، فنقول إن إبراهيم كان يقدح في دينهم ويشتم آلهتهم بتعديد صفات نقصهم بقوله : لا يسمع ، ولا يبصر ، ولا يغنى والقدح في الدين صعب ، فجعلوا جزاءه القتل والتحريق ، ولوط كان ينكر عليهم فعلهم وينسبهم إلى ارتكاب المحرم وهم ما كانوا يقولون إن هذا واجب من الدين ، فلم يصعب عليهم مثل ما صعب على قوم إبراهيم قول إبراهيم ، فقالوا إنك تقول إن هذا حرام والله يعذب عليه ونحن نقول لا يعذب ، فإن كنت صادقا فأتنا بالعذاب ، فإن قيل إن الله تعالى قال في موضع آخر { فما كان جواب قومه إلا أن قالوا أخرجوا ءال لوط من قريتكم } ( النمل : 56 ) وقال ههنا { فما كان جواب قومه إلا أن قالوا ائتنا } فكيف الجمع ؟ فنقول لوط كان ثابتا على الإرشاد مكررا عليهم التغيير والنهي والوعيد ، فقالوا أولا ائتنا ، ثم لما كثر منه ذلك ولم يسكت عنهم قالوا أخرجوا ، ثم إن لوطا لما يئس منهم طلب النصرة من الله وذكرهم بما لا يحب الله { فقال رب انصرنى على القوم المفسدين } فإن الله لا يحب المفسدين ، حتى ينجز النصر . واعلم أن نبيا من الأنبياء ما طلب هلاك قوم إلا إذا علم أن عدمهم خير من وجودهم ، كما قال نوح : { إنك إن تذرهم يضلوا عبادك ولا يلدوا إلا فاجرا كفارا } ( نوح : 27 ) يعني المصلحلة إما فيهم حالا أو بسببهم مآلا ولا مصلحة فيهم ، فإنهم يضلون في الحال وفي المآل فإنهم يوصون الأولاد من صغرهم بالامتناع من الاتباع ، فكذلك لوط لما رأى أنهم يفسدون في الحال واشتغلوا بما لا يرجى معه منهم ولد صالح يعبد الله ، بطلت المصلحة حالا ومآلا ، فعدمهم صار خيرا ، فطلب العذاب . ! 7 < { ولما جآءت رسلنآ إبراهيم بالبشرى قالوا إنا مهلكوأهل هاذه القرية إن أهلها كانوا ظالمين قال إن فيها لوطا قالوا نحن أعلم بمن فيها لننجينه وأهله إلا امرأته كانت من الغابرين } . > 7 < العنكبوت : ( 31 - 32 ) ولما جاءت رسلنا . . . . . > > لما دعا لوط على قومه بقوله : { رب انصرنى } استجاب الله دعاءه ، وأمر ملائكته بإهلاكهم وأرسلهم مبشرين ومنذرين ، فجاءوا إبراهيم وبشروه بذرية طيبة وقالوا : { أنا مهلكو أهل هاذه القرية } يعني أهل سدوم ، وفي الآية لطيفتان : إحداهما : أن الله جعلهم مبشرين ومنذرين ، / لكن البشارة أثر الرحمة والإنذار بالإهلاك أثر الغضب ، ورحمته سبقت غضبه ، فقدم البشارة على الإنذار . وقال : { جاءت رسلنا إبراهيم بالبشرى } ثم قال : { أنا } الثانية : حين ذكروا البشرى ما عللوا وقالوا إنا نبشرك لأنك رسول ، أو لأنك مؤمن أو لأنك عادل ، وحين ذكروا الإهلاك عللوا ، وقالوا : { القرية إن أهلها كانوا ظالمين } لأن ذا الفضل لا يكون فضله بعوض ، والعادل لا يكون عذابه إلا على جرم ، وفيه مسألتان : المسألة الأولى : لو قال قائل أي تعلق لهذه البشرى بهذا الإنذار ، نقول لما أراد الله إهلاك قوم وكان فيه إخلاء الأرض عن العباد قدم على ذلك إعلام إبراهيم بأنه تعالى يملأ الأرض من العباد الصالحين حتى لا يتأسف على إهلاك قوم من أبناء جنسه .

لسان عثمانی (Osmanlıca) ترجمه سى (اهل سنت)

/ المسألة الأولى : قال قوم إبراهيم { اقتلوه أو حرقوه } ( العنكبوت : 24 ) وقال قوم لوط { ائتنا بعذاب الله } وما هددوه ، مع أن إبراهيم كان أعظم من لوط ، فإن لوطا كان من قومه ، فنقول إن إبراهيم كان يقدح في دينهم ويشتم آلهتهم بتعديد صفات نقصهم بقوله : لا يسمع ، ولا يبصر ، ولا يغنى والقدح في الدين صعب ، فجعلوا جزاءه القتل والتحريق ، ولوط كان ينكر عليهم فعلهم وينسبهم إلى ارتكاب المحرم وهم ما كانوا يقولون إن هذا واجب من الدين ، فلم يصعب عليهم مثل ما صعب على قوم إبراهيم قول إبراهيم ، فقالوا إنك تقول إن هذا حرام والله يعذب عليه ونحن نقول لا يعذب ، فإن كنت صادقا فأتنا بالعذاب ، فإن قيل إن الله تعالى قال في موضع آخر { فما كان جواب قومه إلا أن قالوا أخرجوا ءال لوط من قريتكم } ( النمل : 56 ) وقال ههنا { فما كان جواب قومه إلا أن قالوا ائتنا } فكيف الجمع ؟ فنقول لوط كان ثابتا على الإرشاد مكررا عليهم التغيير والنهي والوعيد ، فقالوا أولا ائتنا ، ثم لما كثر منه ذلك ولم يسكت عنهم قالوا أخرجوا ، ثم إن لوطا لما يئس منهم طلب النصرة من الله وذكرهم بما لا يحب الله { فقال رب انصرنى على القوم المفسدين } فإن الله لا يحب المفسدين ، حتى ينجز النصر . واعلم أن نبيا من الأنبياء ما طلب هلاك قوم إلا إذا علم أن عدمهم خير من وجودهم ، كما قال نوح : { إنك إن تذرهم يضلوا عبادك ولا يلدوا إلا فاجرا كفارا } ( نوح : 27 ) يعني المصلحلة إما فيهم حالا أو بسببهم مآلا ولا مصلحة فيهم ، فإنهم يضلون في الحال وفي المآل فإنهم يوصون الأولاد من صغرهم بالامتناع من الاتباع ، فكذلك لوط لما رأى أنهم يفسدون في الحال واشتغلوا بما لا يرجى معه منهم ولد صالح يعبد الله ، بطلت المصلحة حالا ومآلا ، فعدمهم صار خيرا ، فطلب العذاب . ! 7 < { ولما جآءت رسلنآ إبراهيم بالبشرى قالوا إنا مهلكوأهل هاذه القرية إن أهلها كانوا ظالمين قال إن فيها لوطا قالوا نحن أعلم بمن فيها لننجينه وأهله إلا امرأته كانت من الغابرين } . > 7 < العنكبوت : ( 31 - 32 ) ولما جاءت رسلنا . . . . . > > لما دعا لوط على قومه بقوله : { رب انصرنى } استجاب الله دعاءه ، وأمر ملائكته بإهلاكهم وأرسلهم مبشرين ومنذرين ، فجاءوا إبراهيم وبشروه بذرية طيبة وقالوا : { أنا مهلكو أهل هاذه القرية } يعني أهل سدوم ، وفي الآية لطيفتان : إحداهما : أن الله جعلهم مبشرين ومنذرين ، / لكن البشارة أثر الرحمة والإنذار بالإهلاك أثر الغضب ، ورحمته سبقت غضبه ، فقدم البشارة على الإنذار . وقال : { جاءت رسلنا إبراهيم بالبشرى } ثم قال : { أنا } الثانية : حين ذكروا البشرى ما عللوا وقالوا إنا نبشرك لأنك رسول ، أو لأنك مؤمن أو لأنك عادل ، وحين ذكروا الإهلاك عللوا ، وقالوا : { القرية إن أهلها كانوا ظالمين } لأن ذا الفضل لا يكون فضله بعوض ، والعادل لا يكون عذابه إلا على جرم ، وفيه مسألتان : المسألة الأولى : لو قال قائل أي تعلق لهذه البشرى بهذا الإنذار ، نقول لما أراد الله إهلاك قوم وكان فيه إخلاء الأرض عن العباد قدم على ذلك إعلام إبراهيم بأنه تعالى يملأ الأرض من العباد الصالحين حتى لا يتأسف على إهلاك قوم من أبناء جنسه .

قسم V25/P052–V25/P053Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb (s. V25/P052–V25/P053)
متن اصلى (AR)

المسألة الثانية : قال في قوم نوح { فأخذهم الطوفان } ( العنكبوت : 14 ) وقد قلت إن ذلك إشارة إلى أنهم كانوا على ظلمهم حين أخذهم ، ولو يقل فأخذهم وكانوا ظالمين ، وههنا قال : { إن أهلها كانوا ظالمين } ولم يقل وإنهم ظالمون ، فنقول لا فرق في الموضعين في كونهم مهلكين وهم مصرون على الظلم ، لكن هناك الإخبار من الله وعن الماضي حيث قال : { فأخذهم } وكانوا ظالمين ، فقال أخذهم وهم عند الوقوع في العذاب ظالمون ، وههنا الإخبار من الملائكة وعن المستقبل حيث قالوا : إنا مهلكوا فالملائكة ذكروا ما يحتاجون إليه في إبانة حسن الأمر من الله بالإهلاك ، فقالوا : { أنا } لأن الله أمرنا ، وحال ما أمرنا به كانوا ظالمين ، فحسن أمر الله عند كل أحد ، وأما نحن فلا نخبر بما لا حاجة لنا إليه ، فإن الكلام عن الملك بغير إذنه سوء أدب ، فنحن ما احتجنا إلا إلى هذا القدر ، وهو أنهم كانوا ظالمين حيث أمرنا الله باهلاكهم بيانا لحسن الأمر ، وأما أنهم ظالمون في وقتنا هذا أو يبقون كذلك فلا حاجة لنا إليه ، ثم إن إبراهيم لما سمع قولهم قال لهم إن فيها لوطا إشفاقا عليه ليعلم حاله ، أو لأن الملائكة لما قالوا : { أنا } وكان إبراهيم يعلم أن الله لا يهلك قوما وفيهم رسوله ، فقال تعجبا إن فيهم لوطا فكيف يهلكون ، فقالت الملائكة نحن أعلم بمن فيها ، يعني نعلم أن فيهم لوطا فلننجينه وأهله ونهلك الباقين ، وههنا لطيفة : وهو أن الجماعة كانوا أهل الخير ، أعني إبراهيم والملائكة ، وكل واحد كان يزيد على صاحبه في كونه خيرا . أما إبراهيم فلما سمع قوله الملائكة { أنا } أظهر الاشفاق على لوط ونسي نفسه وما بشروه ولم يظهر بها فرحا ، وقال : { قال إن فيها لوطا } ( العنكبوت : 32 ) ثم إن الملائكة لما رأوا ذلك منه زادوا عليه ، وقالوا إنك ذكرت لوطا وحده ونحن ننجيه وننجي معه أهله ، ثم استثنوا من الأهل امرأته ، وقالوا : { إلا امرأته كانت من الغابرين } أي من المهلكين ، وفي استعمال الغابر في المهلك وجهان ، وذلك لأن الغابر لفظ مشترك في الماضي / وفي الباقي يقال فيما غبر من الزمان أي فيما مضى ويقال الفعل ماض وغابر أي باق ، وعلى الوجه الأول نقول إن ذكر الظالمين سبق في قولهم : { أنا مهلكو أهل هاذه القرية إن أهلها كانوا ظالمين } ثم جرى ذكر لوط بتذكير إبراهيم وجواب الملائكة ، فقالت الملائكة إنها / من الغابرين أي الماضي ذكرهم لا من الذين ننجي منهم ، أو نقول المهلك يفنى ويمضي زمانه والناجي هو الباقي فقالوا إنها من الغابرين أي من الرائحين الماضين لا من الباقين المستمرين ، وأما على الوجه الثاني فنقول لما قضى الله على القوم بالإهلاك كان الكل في الهلاك إلا من ننجي منه فقالوا إنا ننجي لوطا وأهله ، وأما امرأته فهي من الباقين في الهلاك . ! 7 < { ولمآ أن جآءت رسلنا لوطا سىء بهم وضاق بهم ذرعا وقالوا لا تخف ولا تحزن إنا منجوك وأهلك إلا امرأتك كانت من الغابرين إنا منزلون على أهل هاذه القرية رجزا من السمآء بما كانوا يفسقون ولقد تركنا منهآ ءاية بينة لقوم يعقلون } . > 7 ! < < العنكبوت : ( 33 - 35 ) ولما أن جاءت . . . . .

لسان عثمانی (Osmanlıca) ترجمه سى (اهل سنت)

المسألة الثانية : قال في قوم نوح { فأخذهم الطوفان } ( العنكبوت : 14 ) وقد قلت إن ذلك إشارة إلى أنهم كانوا على ظلمهم حين أخذهم ، ولو يقل فأخذهم وكانوا ظالمين ، وههنا قال : { إن أهلها كانوا ظالمين } ولم يقل وإنهم ظالمون ، فنقول لا فرق في الموضعين في كونهم مهلكين وهم مصرون على الظلم ، لكن هناك الإخبار من الله وعن الماضي حيث قال : { فأخذهم } وكانوا ظالمين ، فقال أخذهم وهم عند الوقوع في العذاب ظالمون ، وههنا الإخبار من الملائكة وعن المستقبل حيث قالوا : إنا مهلكوا فالملائكة ذكروا ما يحتاجون إليه في إبانة حسن الأمر من الله بالإهلاك ، فقالوا : { أنا } لأن الله أمرنا ، وحال ما أمرنا به كانوا ظالمين ، فحسن أمر الله عند كل أحد ، وأما نحن فلا نخبر بما لا حاجة لنا إليه ، فإن الكلام عن الملك بغير إذنه سوء أدب ، فنحن ما احتجنا إلا إلى هذا القدر ، وهو أنهم كانوا ظالمين حيث أمرنا الله باهلاكهم بيانا لحسن الأمر ، وأما أنهم ظالمون في وقتنا هذا أو يبقون كذلك فلا حاجة لنا إليه ، ثم إن إبراهيم لما سمع قولهم قال لهم إن فيها لوطا إشفاقا عليه ليعلم حاله ، أو لأن الملائكة لما قالوا : { أنا } وكان إبراهيم يعلم أن الله لا يهلك قوما وفيهم رسوله ، فقال تعجبا إن فيهم لوطا فكيف يهلكون ، فقالت الملائكة نحن أعلم بمن فيها ، يعني نعلم أن فيهم لوطا فلننجينه وأهله ونهلك الباقين ، وههنا لطيفة : وهو أن الجماعة كانوا أهل الخير ، أعني إبراهيم والملائكة ، وكل واحد كان يزيد على صاحبه في كونه خيرا . أما إبراهيم فلما سمع قوله الملائكة { أنا } أظهر الاشفاق على لوط ونسي نفسه وما بشروه ولم يظهر بها فرحا ، وقال : { قال إن فيها لوطا } ( العنكبوت : 32 ) ثم إن الملائكة لما رأوا ذلك منه زادوا عليه ، وقالوا إنك ذكرت لوطا وحده ونحن ننجيه وننجي معه أهله ، ثم استثنوا من الأهل امرأته ، وقالوا : { إلا امرأته كانت من الغابرين } أي من المهلكين ، وفي استعمال الغابر في المهلك وجهان ، وذلك لأن الغابر لفظ مشترك في الماضي / وفي الباقي يقال فيما غبر من الزمان أي فيما مضى ويقال الفعل ماض وغابر أي باق ، وعلى الوجه الأول نقول إن ذكر الظالمين سبق في قولهم : { أنا مهلكو أهل هاذه القرية إن أهلها كانوا ظالمين } ثم جرى ذكر لوط بتذكير إبراهيم وجواب الملائكة ، فقالت الملائكة إنها / من الغابرين أي الماضي ذكرهم لا من الذين ننجي منهم ، أو نقول المهلك يفنى ويمضي زمانه والناجي هو الباقي فقالوا إنها من الغابرين أي من الرائحين الماضين لا من الباقين المستمرين ، وأما على الوجه الثاني فنقول لما قضى الله على القوم بالإهلاك كان الكل في الهلاك إلا من ننجي منه فقالوا إنا ننجي لوطا وأهله ، وأما امرأته فهي من الباقين في الهلاك . ! 7 < { ولمآ أن جآءت رسلنا لوطا سىء بهم وضاق بهم ذرعا وقالوا لا تخف ولا تحزن إنا منجوك وأهلك إلا امرأتك كانت من الغابرين إنا منزلون على أهل هاذه القرية رجزا من السمآء بما كانوا يفسقون ولقد تركنا منهآ ءاية بينة لقوم يعقلون } . > 7 ! < < العنكبوت : ( 33 - 35 ) ولما أن جاءت . . . . .

قسم V25/P053–V25/P054Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb (s. V25/P053–V25/P054)
متن اصلى (AR)

> > ثم إنهم جاؤا من عند إبراهيم إلى لوط على صورة البشر فظنهم بشرا فخاف عليهم من قومه لأنهم كانوا على أحسن صورة خلق الله والقوم كما عرف حالهم فسيء بهم أي جاءه ما ساءه وخاف ثم عجز عن تدبيرهم فحزن وضاق بهم ذرعا كناية عن العجز في تدبيرهم ، قال الزمخشري يقال طال ذرعه وذراعه للقادر وضاق للعاجز ، وذلك لأن من طال ذراعه يصل إلى ما لا يصل إليه قصير الذراع والاستعمال يحتمل وجها معقولا غير ذلك ، وهو أن الخوف والحزن يوجبان انقباض الروح ويتبعه اشتمال القلب عليه فينقبض هو أيضا والقلب هو المعتبر من الإنسان ، فكان الإنسان انقبض وانجمع وما يكون كذلك يقل ذرعه ومساحته فيضيق ، ويقال في الحزين ضاق ذرعه والغضب والفرح يوجبان انبساط الروح فينبسط مكانه وهو القلب ويتسع فيقال اتسع ذرعه ، ثم إن الملائكة لما رأوا خوفه في أول الأمر وحزنه بسبب تدبيرهم في ثاني الأمر قالوا لا تخف علينا ولا تحزن بسبب التفكر في أمرنا ثم ذكروا ما يوجب زوال خوفه وحزنه فإن مجرد قول القائل لا تخف لا يوجب زوال الخوف فقالوا معرضين بحالهم : { إنا منجوك وأهلك } وإنا منزلون عليهم العذاب حتى يتبين له أنهم ملائكة فيطول ذرعه ويزول روعه وفي الآية مسائل : المسألة الأولى : أنه تعالى قال من قبل : { ولما جاءت رسلنا إبراهيم } ( العنكبوت : 31 ) وقال ههنا : { ولما أن جاءت رسلنا } فما الحكمة فيه ؟ فنقول حكمة بالغة وهي أن الواقع في وقت المجىء هناك قول / الملائكة { أنا } وهو لم يكن متصلا بمجيئهم لأنهم بشروا أولا ولبثوا ، ثم قالوا : إنا مهلكوا وأيضا فالتأني واللبث بعد المجىء ثم الإخبار بالإهلاك حسن فإن من جاء ومعه خبر هائل يحسن منه أن لا يفاجىء به ، والواقع ههنا هو خوف لوط عليهم ، والمؤمن حين ما يشعر بمضرة تصل بريئا من الجناية ينبغي أن يحزن ويخاف عليه من غير تأخير ، إذا علم هذا فقوله ههنا : { الغابرين ولما أن جاءت رسلنا } يفيد الاتصال يعني خاف حين المجىء ، فإن قلت هذا باطل بما أن هذه الحكاية جاءت في سورة هود ، وقال : { ولما جاءت رسلنا لوطا } من غير أن ، فنقول هناك جاءت حكاية إبراهيم بصيغة أخرى حيث قال هناك : { ولقد جاءت رسلنا إبراهيم بالبشرى } فقوله هنالك : { ولقد جاءت } لا يدل على أن قولهم : { أنا أرسلنا } كان في وقت المجىء . وقوله : { ولما جاءت رسلنا لوطا سىء بهم } دل على أن حزنه كان وقت المجىء . إذا علم هذا فنقول : هناك قد حصل ما ذكرنا من المقصود بقوله في حكاية إبراهيم : { ولقد جاءت رسلنا إبراهيم بالبشرى } ثم جرى أمور من الكلام وتقديم الطعام ، ثم قالوا : { لا تخف } ولا تحزن { إنا أرسلنا إلى قوم لوط } فحصل تأخير الإنذار ، وبقوله في حكاية لوط { ولما جاءت رسلنا } حصل بيان تعجيل الحزن ، وأما هنا لما قال في قصة إبراهيم { ولما جاءت } قال في حكاية لوط { ولما أن جاءت } لما ذكرنا من الفائدة .

لسان عثمانی (Osmanlıca) ترجمه سى (اهل سنت)

> > ثم إنهم جاؤا من عند إبراهيم إلى لوط على صورة البشر فظنهم بشرا فخاف عليهم من قومه لأنهم كانوا على أحسن صورة خلق الله والقوم كما عرف حالهم فسيء بهم أي جاءه ما ساءه وخاف ثم عجز عن تدبيرهم فحزن وضاق بهم ذرعا كناية عن العجز في تدبيرهم ، قال الزمخشري يقال طال ذرعه وذراعه للقادر وضاق للعاجز ، وذلك لأن من طال ذراعه يصل إلى ما لا يصل إليه قصير الذراع والاستعمال يحتمل وجها معقولا غير ذلك ، وهو أن الخوف والحزن يوجبان انقباض الروح ويتبعه اشتمال القلب عليه فينقبض هو أيضا والقلب هو المعتبر من الإنسان ، فكان الإنسان انقبض وانجمع وما يكون كذلك يقل ذرعه ومساحته فيضيق ، ويقال في الحزين ضاق ذرعه والغضب والفرح يوجبان انبساط الروح فينبسط مكانه وهو القلب ويتسع فيقال اتسع ذرعه ، ثم إن الملائكة لما رأوا خوفه في أول الأمر وحزنه بسبب تدبيرهم في ثاني الأمر قالوا لا تخف علينا ولا تحزن بسبب التفكر في أمرنا ثم ذكروا ما يوجب زوال خوفه وحزنه فإن مجرد قول القائل لا تخف لا يوجب زوال الخوف فقالوا معرضين بحالهم : { إنا منجوك وأهلك } وإنا منزلون عليهم العذاب حتى يتبين له أنهم ملائكة فيطول ذرعه ويزول روعه وفي الآية مسائل : المسألة الأولى : أنه تعالى قال من قبل : { ولما جاءت رسلنا إبراهيم } ( العنكبوت : 31 ) وقال ههنا : { ولما أن جاءت رسلنا } فما الحكمة فيه ؟ فنقول حكمة بالغة وهي أن الواقع في وقت المجىء هناك قول / الملائكة { أنا } وهو لم يكن متصلا بمجيئهم لأنهم بشروا أولا ولبثوا ، ثم قالوا : إنا مهلكوا وأيضا فالتأني واللبث بعد المجىء ثم الإخبار بالإهلاك حسن فإن من جاء ومعه خبر هائل يحسن منه أن لا يفاجىء به ، والواقع ههنا هو خوف لوط عليهم ، والمؤمن حين ما يشعر بمضرة تصل بريئا من الجناية ينبغي أن يحزن ويخاف عليه من غير تأخير ، إذا علم هذا فقوله ههنا : { الغابرين ولما أن جاءت رسلنا } يفيد الاتصال يعني خاف حين المجىء ، فإن قلت هذا باطل بما أن هذه الحكاية جاءت في سورة هود ، وقال : { ولما جاءت رسلنا لوطا } من غير أن ، فنقول هناك جاءت حكاية إبراهيم بصيغة أخرى حيث قال هناك : { ولقد جاءت رسلنا إبراهيم بالبشرى } فقوله هنالك : { ولقد جاءت } لا يدل على أن قولهم : { أنا أرسلنا } كان في وقت المجىء . وقوله : { ولما جاءت رسلنا لوطا سىء بهم } دل على أن حزنه كان وقت المجىء . إذا علم هذا فنقول : هناك قد حصل ما ذكرنا من المقصود بقوله في حكاية إبراهيم : { ولقد جاءت رسلنا إبراهيم بالبشرى } ثم جرى أمور من الكلام وتقديم الطعام ، ثم قالوا : { لا تخف } ولا تحزن { إنا أرسلنا إلى قوم لوط } فحصل تأخير الإنذار ، وبقوله في حكاية لوط { ولما جاءت رسلنا } حصل بيان تعجيل الحزن ، وأما هنا لما قال في قصة إبراهيم { ولما جاءت } قال في حكاية لوط { ولما أن جاءت } لما ذكرنا من الفائدة .

قسم V25/P054–V25/P055Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb (s. V25/P054–V25/P055)
متن اصلى (AR)

المسألة الثانية : : قال هنا { إنا منجوك وأهلك } وقال لإبراهيم { لننجينه } بصيغة الفعل فهل فيه فائدة ؟ قلنا ما من حرف ولا حركة في القرآن إلا وفيه فائدة ، ثم إن العقول البشرية تدرك بعضها ولا تصل إلى أكثرها ، وما أوتي البشر من العلم إلا قليلا ، والذي يظهر لعقل الضعيف أن هناك لما قال لهم إبراهيم : { إن فيها لوطا } وعدوه بالتنجية ووعد الكريم حتم ، وههنا لما قالوا للوط وكان ذلك بعد سبق الوعد مرة أخرى قالوا : { إنا منجوك } أي ذلك واقع منا كقوله تعالى : { إنك ميت } ( الزمر : 30 ) لضرورة وقوعه . المسألة الثالثة : قولهم : { لا تخف ولا تحزن } لا يناسبه { إنا منجوك } لأن خوفه ما كان على نفسه ، نقول بينهما مناسبة في غاية الحسن ، وهي أن لوطا لما خاف عليهم وحزن لأجلهم قالوا له لا تخف علينا ولا تحزن لأجلنا فإنا ملائكة ، ثم قالوا له : يا لوط خفت علينا وحزنت لأجلنا ، ففي مقابلة خوفك وقت الخوف نزيل خوفك وننجيك ، وفي مقابلة حزنك نزيل حزنك ولا نتركك تفجع في أهلك فقالوا : { إنا منجوك وأهلك } . المسألة الرابعة : القوم عذبوا بسبب ما صدر منهم من الفاحشة وامرأته لم يصدر منها تلك فكيف كانت من الغابرين معهم ؟ فنقول الدال على الشر له نصيب كفاعل الشر ، كما أن الدال على الخير كفاعله وهي كانت تدل القوم على ضيوف لوط حتى كانوا يقصدونهم ، فبالدلالة صارت واحدة منهم ، ثم إنهم بعد بشارة لوط بالتنجية ذكروا أنهم منزلون على أهل هذه القرية العذاب فقالوا : { إنا منزلون على أهل هاذه القرية رجزا من السماء } واختلفوا في ذلك ، فقال بعضهم حجارة / وقيل نار وقيل خسف ، وعلى هذا فلا يكون عينه من السماء وإنما يكون الأمر بالخسف من السماء أو القضاء به من السماء ، ثم اعلم أن كلام الملائكة مع لوط جرى على نمط كلامهم مع إبراهيم قدموا البشارة على الإنذار حيث قالوا : { إنا منجوك } ثم قالوا : { إنا منزلون على أهل هاذه القرية } ولم يعللوا التنجية ، فما قالوا إنا منجوك لأنك نبي أو عابد ، وعللوا الإهلاك بقولهم : { بما كانوا يفسقون } وقالوا بما كانوا ، كما قالوا هناك : { إن أهلها كانوا ظالمين } ( العنكبوت : 31 ) ثم قال تعالى : { ولقد تركنا منها ءاية بينة لقوم يعقلون } أي من القرية فإن القرية معلومة وفيها الماء الأسود وهي بين القدس والكرك وفيها مسائل : المسألة الأولى : جعل الله الآية في نوح وإبراهيم بالنجاة حيث قال : { فأنجيناه وأصحاب السفينة وجعلناها ءاية } ( العنكبوت : 15 ) وقال : { فأنجاه الله من النار إن فى ذالك لايات } ( العنبكوت : 24 ) وجعل ههنا الهلاك آية فهل عندك فيه شيء ؟ نقول نعم ، أما إبراهيم فلأن الآية كانت في النجاة لأن في ذلك الوقت لم يكن إهلاك ، وأما في نوح فلأن الإنجاء من الطوفان الذي علا الجبال بأسرها أمر عجيب إلهي ، وما به النجاة وهو السفينة كان باقيا ، والغرق لم يبق لمن بعده أثره فجعل الباقي آية ، وأما ههنا فنجاة لوط لم يكن بأمر يبقى أثره للحس والهلاك أثره محسوس في البلاد فجعل الآية الأمر الباقي وهو ههنا البلاد وهناك السفينة وههنا لطيفة : وهي أن الله تعالى آية قدرته موجودة في الإنجاء والإهلاك فذكر من كل باب آية وقدم آيات الإنجاء لأنها أثر الرحمة وأخر آيات الإهلاك لأنها أثر الغضب ورحمته سابقة .

لسان عثمانی (Osmanlıca) ترجمه سى (اهل سنت)

المسألة الثانية : : قال هنا { إنا منجوك وأهلك } وقال لإبراهيم { لننجينه } بصيغة الفعل فهل فيه فائدة ؟ قلنا ما من حرف ولا حركة في القرآن إلا وفيه فائدة ، ثم إن العقول البشرية تدرك بعضها ولا تصل إلى أكثرها ، وما أوتي البشر من العلم إلا قليلا ، والذي يظهر لعقل الضعيف أن هناك لما قال لهم إبراهيم : { إن فيها لوطا } وعدوه بالتنجية ووعد الكريم حتم ، وههنا لما قالوا للوط وكان ذلك بعد سبق الوعد مرة أخرى قالوا : { إنا منجوك } أي ذلك واقع منا كقوله تعالى : { إنك ميت } ( الزمر : 30 ) لضرورة وقوعه . المسألة الثالثة : قولهم : { لا تخف ولا تحزن } لا يناسبه { إنا منجوك } لأن خوفه ما كان على نفسه ، نقول بينهما مناسبة في غاية الحسن ، وهي أن لوطا لما خاف عليهم وحزن لأجلهم قالوا له لا تخف علينا ولا تحزن لأجلنا فإنا ملائكة ، ثم قالوا له : يا لوط خفت علينا وحزنت لأجلنا ، ففي مقابلة خوفك وقت الخوف نزيل خوفك وننجيك ، وفي مقابلة حزنك نزيل حزنك ولا نتركك تفجع في أهلك فقالوا : { إنا منجوك وأهلك } . المسألة الرابعة : القوم عذبوا بسبب ما صدر منهم من الفاحشة وامرأته لم يصدر منها تلك فكيف كانت من الغابرين معهم ؟ فنقول الدال على الشر له نصيب كفاعل الشر ، كما أن الدال على الخير كفاعله وهي كانت تدل القوم على ضيوف لوط حتى كانوا يقصدونهم ، فبالدلالة صارت واحدة منهم ، ثم إنهم بعد بشارة لوط بالتنجية ذكروا أنهم منزلون على أهل هذه القرية العذاب فقالوا : { إنا منزلون على أهل هاذه القرية رجزا من السماء } واختلفوا في ذلك ، فقال بعضهم حجارة / وقيل نار وقيل خسف ، وعلى هذا فلا يكون عينه من السماء وإنما يكون الأمر بالخسف من السماء أو القضاء به من السماء ، ثم اعلم أن كلام الملائكة مع لوط جرى على نمط كلامهم مع إبراهيم قدموا البشارة على الإنذار حيث قالوا : { إنا منجوك } ثم قالوا : { إنا منزلون على أهل هاذه القرية } ولم يعللوا التنجية ، فما قالوا إنا منجوك لأنك نبي أو عابد ، وعللوا الإهلاك بقولهم : { بما كانوا يفسقون } وقالوا بما كانوا ، كما قالوا هناك : { إن أهلها كانوا ظالمين } ( العنكبوت : 31 ) ثم قال تعالى : { ولقد تركنا منها ءاية بينة لقوم يعقلون } أي من القرية فإن القرية معلومة وفيها الماء الأسود وهي بين القدس والكرك وفيها مسائل : المسألة الأولى : جعل الله الآية في نوح وإبراهيم بالنجاة حيث قال : { فأنجيناه وأصحاب السفينة وجعلناها ءاية } ( العنكبوت : 15 ) وقال : { فأنجاه الله من النار إن فى ذالك لايات } ( العنبكوت : 24 ) وجعل ههنا الهلاك آية فهل عندك فيه شيء ؟ نقول نعم ، أما إبراهيم فلأن الآية كانت في النجاة لأن في ذلك الوقت لم يكن إهلاك ، وأما في نوح فلأن الإنجاء من الطوفان الذي علا الجبال بأسرها أمر عجيب إلهي ، وما به النجاة وهو السفينة كان باقيا ، والغرق لم يبق لمن بعده أثره فجعل الباقي آية ، وأما ههنا فنجاة لوط لم يكن بأمر يبقى أثره للحس والهلاك أثره محسوس في البلاد فجعل الآية الأمر الباقي وهو ههنا البلاد وهناك السفينة وههنا لطيفة : وهي أن الله تعالى آية قدرته موجودة في الإنجاء والإهلاك فذكر من كل باب آية وقدم آيات الإنجاء لأنها أثر الرحمة وأخر آيات الإهلاك لأنها أثر الغضب ورحمته سابقة .

قسم V25/P055–V25/P056Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb (s. V25/P055–V25/P056)
متن اصلى (AR)

المسألة الثانية : قال في السفينة : { وجعلناها ءاية } ولم يقل بينة وقال ههنا آية بينة نقول لأن الإنجاء بالسفينة أمر يتسع له كل عقل وقد يقع في وهم جاهل أن الإنجاء بالسفينة لا يفتقر إلى أمر آخر ، وأما الآية ههنا الخسف وجعل ديار معمورة عاليها سافلها وهو ليس بمعتاد / وإنما ذلك بإرادة قادر يخصصه بمكان دون مكان وفي زمان دون زمان ، فهي بينة لا يمكن لجاهل أن يقول هذا أمر يكون كذلك وكان له أن يقول في السفينة النجاة بها أمر يكون كذلك إلى أن يقال له فمن أين علم أنه يحتاج إليها ولو دام الماء حتى ينفد زادهم كيف كان يحصل لهم النجاة ؟ ولو سلط الله عليهم الريح العاصفة كيف يكون أحوالهم ؟ . المسألة الثالثة : قال هناك للعالمين وقال ههنا : { لقوم يعقلون } قلنا لأن السفينة موجودة في جميع أقطار العالم فعند كل قوم مثال لسفينة نوح يتذكرون بها حاله ، وإذا ركبوها يطلبون من الله النجاة ولا يثق أحد بمجرد السفينة ، بل يكون دائما مرتجف القلب متضرعا إلى الله تعالى طلبا للنجاة ، وأما أثر الهلاك في بلاد لوط ففي موضع مخصوص لا يطلع عليه إلا من يمر بها ويصل إليها ويكون له عقل يعلم أن ذلك من الله المريد ، بسبب اختصاصه بمكان دون مكان ووجوده في زمان بعد زمان . ! 7 < { وإلى مدين أخاهم شعيبا فقال ياقوم اعبدوا الله وارجوا اليوم الا خر ولا تعثوا فى الا رض مفسدين فكذبوه فأخذتهم الرجفة فأصبحوا فى دارهم جاثمين } . > 7 < العنكبوت : ( 36 - 37 ) وإلى مدين أخاهم . . . . . > > / لما أتم الحكاية الثانية على وجه الاختصار لفائدة الاعتبار شرع في الثالثة وقال : { وإلى مدين أخاهم } واختلف المفسرون في مدين ، فقال بعضهم إنه اسم رجل في الأصل وحصل له ذرية فاشتهر في القبيلة كتميم وقيس وغيرهما ، وقال بعضهم اسم ماء نسب القوم إليه ، واشتهر في القوم ، والأول كأنه أصح وذلك لأن الله أضاف الماء إلى مدين حيث قال : { ولما ورد ماء مدين } ( القصص : 23 ) ولو كان اسما للماء لكانت الإضافة غير صحيحة أو غير حقيقة والأصل في الإضافة التغاير حقيقة ، وقوله : { أخاهم } قيل لأن شعيبا كان منهم نسبا ، وفي الآية مسائل : المسألة الأولى : قال الله تعالى في نوح : { ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه } ( العنبكوت : 14 ) قدم نوحا في الذكر وعرف القوم بالإضافة إليه وكذلك في إبراهيم ولوط ، وههنا ذكر القوم أولا وأضاف إليهم أخاهم شعيبا ، فنقول الأصل في جميع المواضع أن يذكر القوم ثم يذكر رسولهم لأن المرسل لا يبعث رسولا إلى غير معين ، وإنما يحصل قوم أو شخص يحتاجون إلى إنباء من المرسل فيرسل إليهم من يختاره غير أن قوم نوح وإبراهيم ولوط لم يكن لهم اسم خاص ولا نسبة مخصوصة يعرفون بها ، فعرفوا بالنبي فقيل قوم نوح وقوم لوط ، وأما قوم شعيب وهود وصالح فكان لهم نسب معلوم اشتهروا به عند الناس فجرى الكلام على أصله وقال الله : { وإلى مدين أخاهم شعيبا } وقال : { وإلى عاد أخاهم هودا } ( الأعراف : 65 ) .

لسان عثمانی (Osmanlıca) ترجمه سى (اهل سنت)

المسألة الثانية : قال في السفينة : { وجعلناها ءاية } ولم يقل بينة وقال ههنا آية بينة نقول لأن الإنجاء بالسفينة أمر يتسع له كل عقل وقد يقع في وهم جاهل أن الإنجاء بالسفينة لا يفتقر إلى أمر آخر ، وأما الآية ههنا الخسف وجعل ديار معمورة عاليها سافلها وهو ليس بمعتاد / وإنما ذلك بإرادة قادر يخصصه بمكان دون مكان وفي زمان دون زمان ، فهي بينة لا يمكن لجاهل أن يقول هذا أمر يكون كذلك وكان له أن يقول في السفينة النجاة بها أمر يكون كذلك إلى أن يقال له فمن أين علم أنه يحتاج إليها ولو دام الماء حتى ينفد زادهم كيف كان يحصل لهم النجاة ؟ ولو سلط الله عليهم الريح العاصفة كيف يكون أحوالهم ؟ . المسألة الثالثة : قال هناك للعالمين وقال ههنا : { لقوم يعقلون } قلنا لأن السفينة موجودة في جميع أقطار العالم فعند كل قوم مثال لسفينة نوح يتذكرون بها حاله ، وإذا ركبوها يطلبون من الله النجاة ولا يثق أحد بمجرد السفينة ، بل يكون دائما مرتجف القلب متضرعا إلى الله تعالى طلبا للنجاة ، وأما أثر الهلاك في بلاد لوط ففي موضع مخصوص لا يطلع عليه إلا من يمر بها ويصل إليها ويكون له عقل يعلم أن ذلك من الله المريد ، بسبب اختصاصه بمكان دون مكان ووجوده في زمان بعد زمان . ! 7 < { وإلى مدين أخاهم شعيبا فقال ياقوم اعبدوا الله وارجوا اليوم الا خر ولا تعثوا فى الا رض مفسدين فكذبوه فأخذتهم الرجفة فأصبحوا فى دارهم جاثمين } . > 7 < العنكبوت : ( 36 - 37 ) وإلى مدين أخاهم . . . . . > > / لما أتم الحكاية الثانية على وجه الاختصار لفائدة الاعتبار شرع في الثالثة وقال : { وإلى مدين أخاهم } واختلف المفسرون في مدين ، فقال بعضهم إنه اسم رجل في الأصل وحصل له ذرية فاشتهر في القبيلة كتميم وقيس وغيرهما ، وقال بعضهم اسم ماء نسب القوم إليه ، واشتهر في القوم ، والأول كأنه أصح وذلك لأن الله أضاف الماء إلى مدين حيث قال : { ولما ورد ماء مدين } ( القصص : 23 ) ولو كان اسما للماء لكانت الإضافة غير صحيحة أو غير حقيقة والأصل في الإضافة التغاير حقيقة ، وقوله : { أخاهم } قيل لأن شعيبا كان منهم نسبا ، وفي الآية مسائل : المسألة الأولى : قال الله تعالى في نوح : { ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه } ( العنبكوت : 14 ) قدم نوحا في الذكر وعرف القوم بالإضافة إليه وكذلك في إبراهيم ولوط ، وههنا ذكر القوم أولا وأضاف إليهم أخاهم شعيبا ، فنقول الأصل في جميع المواضع أن يذكر القوم ثم يذكر رسولهم لأن المرسل لا يبعث رسولا إلى غير معين ، وإنما يحصل قوم أو شخص يحتاجون إلى إنباء من المرسل فيرسل إليهم من يختاره غير أن قوم نوح وإبراهيم ولوط لم يكن لهم اسم خاص ولا نسبة مخصوصة يعرفون بها ، فعرفوا بالنبي فقيل قوم نوح وقوم لوط ، وأما قوم شعيب وهود وصالح فكان لهم نسب معلوم اشتهروا به عند الناس فجرى الكلام على أصله وقال الله : { وإلى مدين أخاهم شعيبا } وقال : { وإلى عاد أخاهم هودا } ( الأعراف : 65 ) .

%0
10 قسم

سؤاللر