Qur'an&Sunnahالقرآن

Fahreddin Râzî - Mefâtîhu'l-Gayb

Fahreddin Râzî · AR

قسم V11/P177–V11/P178Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb (s. V11/P177–V11/P178)
Orijinal Metin (AR)

وأما الفقهاء فإنهم اتفقوا على أنه لا بد في وجوب القطع من القدر ، ثم قال الشافعي رحمه الله : القطع في ربع دينار فصاعدا وهو نصاب السرقة ، وسائر الأشياء تقوم به . وقال أبو حنيفة والثوري : لا يجب القطع في أقل من عشرة دارهم مضروبة ، ويقوم غيرها بها . وقال مالك رحمه الله : ربع دينار أو ثلاثة دراهم . وقال ابن أبي ليلى : خمسة دراهم . حجة الشافعي رحمه الله أن ظاهر قوله { والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما } يوجب القطع في القليل والكثير ، إلا أن الفقهاء توافقوا فيما بينهم على أنه لا يجب القطع فيما دون ربع دينار ، فوجب أن يبقى في ربع دينار فصاعدا على ظاهر النص ، ثم أكد هذ بما روي أنه عليه الصلاة والسلام قال : ( لا قطع إلا في ربع دينار ) . وأما الذي تمسك به أبو حنيفة رحمه الله من قوله عليه الصلاة والسلام : ( لا قطع إلا في ثمن المجن ) فهو ضعيف لوجهين : الأول : أن ثمن المجن مجهول ، فتخصيص عموم القرآن بخبر واحد مجمل مجهول المعنى لا يجوز . الثاني : أنه إن كان ثمن المجن مقدرا بعشرة دراهم كان التخصيص الحاصل بسببه في عموم قوله تعالى : { والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما } أكثر من التخصيص الحاصل في عموم هذه الآية بقوله عليه الصلاة والسلام : ( لا قطع إلا في ربع دينار ) فكان الترجيح لهذا الجانب . المسألة الرابعة : قال الشافعي رحمه الله : الرجل إذا سرق أولا قطعت يده اليمنى ، وفي الثانية رجله اليسرى ، وفي الثالثة يده اليسرى ، وفي الرابعة رجله اليمنى ، وقال أبو حنيفة والثوري : لا يقطع في المرة الثالثة والرابعة . واحتج الشافعي رحمه الله بهذه الآية من وجيهن : الأول : أن السرقة علة لوجوب القطع ، وقد وجدت في المرة الثالثة ، فوجب القطع في المرة الثالثة أيضا ، إنما قلنا : إن السرقة علة لوجوب القطع لقوله { والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما } وقد بينا أن المعنى : الذي سرق فاقطعوا يده ، وأيضا الفاء في قوله { فاقطعوا أيديهما } يدل على أن القطع وجب جزاء على تلك السرقة ، فالسرقة علة لوجوب القطع ، ولا شك أن السرقة حصلت في المرة الثالثة ، فما هو الموجب للقطع حاصل في المرة الثالثة ، فلا بد وأن يترتب عليه موجبه ولا يجوز أن يكون موجبه هو القطع في المرة الأولى لأن الحكم لا يسبق العلة ، وذلك لأن القطع وجب بالسرقة الأولى ، فلم يبق إلا أن تكون السرقة في المرة الثالثة توجب قطعا آخر وهو المطلوب ، والثاني : أنه تعالى قال : { فاقطعوا أيديهما } ولفظ الأيدي لفظ جمع ، وأقله ثلاثة ، والظاهر يقتضي وجوب قطع ثلاثة من الأيدي في السارق والسارقة ، ترك العمل به ابتداء فيبقى معمولا به عند السرقة الثالثة . فإن قالوا : إن ابن مسعود قرأ فاقطعوا أيمانهما ، فكان هذا الحكم مختصا باليمين لا في مطلق الأيدي ، والقراءة الشاذة جارية مجرى خبر الواحد .

لسان عثمانی (Osmanlıca) Tercümesi (Ehl-i Sünnet)

وأما الفقهاء فإنهم اتفقوا على أنه لا بد في وجوب القطع من القدر ، ثم قال الشافعي رحمه الله : القطع في ربع دينار فصاعدا وهو نصاب السرقة ، وسائر الأشياء تقوم به . وقال أبو حنيفة والثوري : لا يجب القطع في أقل من عشرة دارهم مضروبة ، ويقوم غيرها بها . وقال مالك رحمه الله : ربع دينار أو ثلاثة دراهم . وقال ابن أبي ليلى : خمسة دراهم . حجة الشافعي رحمه الله أن ظاهر قوله { والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما } يوجب القطع في القليل والكثير ، إلا أن الفقهاء توافقوا فيما بينهم على أنه لا يجب القطع فيما دون ربع دينار ، فوجب أن يبقى في ربع دينار فصاعدا على ظاهر النص ، ثم أكد هذ بما روي أنه عليه الصلاة والسلام قال : ( لا قطع إلا في ربع دينار ) . وأما الذي تمسك به أبو حنيفة رحمه الله من قوله عليه الصلاة والسلام : ( لا قطع إلا في ثمن المجن ) فهو ضعيف لوجهين : الأول : أن ثمن المجن مجهول ، فتخصيص عموم القرآن بخبر واحد مجمل مجهول المعنى لا يجوز . الثاني : أنه إن كان ثمن المجن مقدرا بعشرة دراهم كان التخصيص الحاصل بسببه في عموم قوله تعالى : { والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما } أكثر من التخصيص الحاصل في عموم هذه الآية بقوله عليه الصلاة والسلام : ( لا قطع إلا في ربع دينار ) فكان الترجيح لهذا الجانب . المسألة الرابعة : قال الشافعي رحمه الله : الرجل إذا سرق أولا قطعت يده اليمنى ، وفي الثانية رجله اليسرى ، وفي الثالثة يده اليسرى ، وفي الرابعة رجله اليمنى ، وقال أبو حنيفة والثوري : لا يقطع في المرة الثالثة والرابعة . واحتج الشافعي رحمه الله بهذه الآية من وجيهن : الأول : أن السرقة علة لوجوب القطع ، وقد وجدت في المرة الثالثة ، فوجب القطع في المرة الثالثة أيضا ، إنما قلنا : إن السرقة علة لوجوب القطع لقوله { والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما } وقد بينا أن المعنى : الذي سرق فاقطعوا يده ، وأيضا الفاء في قوله { فاقطعوا أيديهما } يدل على أن القطع وجب جزاء على تلك السرقة ، فالسرقة علة لوجوب القطع ، ولا شك أن السرقة حصلت في المرة الثالثة ، فما هو الموجب للقطع حاصل في المرة الثالثة ، فلا بد وأن يترتب عليه موجبه ولا يجوز أن يكون موجبه هو القطع في المرة الأولى لأن الحكم لا يسبق العلة ، وذلك لأن القطع وجب بالسرقة الأولى ، فلم يبق إلا أن تكون السرقة في المرة الثالثة توجب قطعا آخر وهو المطلوب ، والثاني : أنه تعالى قال : { فاقطعوا أيديهما } ولفظ الأيدي لفظ جمع ، وأقله ثلاثة ، والظاهر يقتضي وجوب قطع ثلاثة من الأيدي في السارق والسارقة ، ترك العمل به ابتداء فيبقى معمولا به عند السرقة الثالثة . فإن قالوا : إن ابن مسعود قرأ فاقطعوا أيمانهما ، فكان هذا الحكم مختصا باليمين لا في مطلق الأيدي ، والقراءة الشاذة جارية مجرى خبر الواحد .

قسم V11/P178–V11/P179Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb (s. V11/P178–V11/P179)
Orijinal Metin (AR)

قلنا : القراءة الشاذة لا تبطل لقراءة المتواترة ، فنحن نتمسك بالقراءة المتواترة في إثبات مذهبنا وأيضا القراءة الشذة ليست بحجة عندنا ، لأنا نقطع أنها ليست قرآنا ، إذ لو كانت قرآنا لكانت متواترة ، فإنا لو جوزنا أن لا ينقل شيء من القرآن إلينا على سبيل التواتر انفتح باب طعن الروافض والملاحدة في القرآن / ولعله كان في القررن آيات دالة على إمامة علي بن أبي طالب رضي الله عنه نصا ، وما نقلت إلينا ، ولعله كان فيه آيات دالة على نسخ أكثر هذه الشرائع وما نقلت إلينا ولما كان ذلك باطلا بأنه لو كان قرآنا لكان متواترا ، فلما لم يكن متواترا قطعنا أنه ليس بقرآن ، فثبت أن لاقراءة الشاذة ليست بحجة ألبتة . المسألة الخامسة : قال الشافعي رحمه الله : أغرم السارق ما سرق . وقال أبو حنيفة والثوري وأحمد وإسحاق : لا يجمع بين القطع والعزم ، فإن غرم فلا قطع ، وإن قطع فلا غرم . وقال مالك رحمه لله : يقطع بكل حال ، وأما الغرم فليزمه إن كان غنيا ، ولا يلزمه إن كان فقيرا . حجة الشافعي رحمه الله أن الآية دلت على أن السرقة توجب القطع ، وقوله عليه الصلاة والسلام : ( على اليد ما أخذت حتى تؤديه ) يوجب الضمان ، وقد احتج الأمران في هذه السرقة فوجب أن يحب القطع والضمان ، فلو ادعى مدع أن الجمع ممتنع كان ذلك معارضة ، وعليه الدليل ، على أنا نقول : ءن حد الله لا يمنع حق العباد ، بدليل أنه يجتمع الجزاء والقيمة في الصيد المملوك ، وبدليل أنه لو كان المسروق باقيا وجب رده بالإجماع ، ويدل عليه أيضا أن المسروق كان باقيا على ملك المالك إلى وقت قطع يد السارق بالاتفاق ، فعند حصول القطع إما أن يحصل الملك فيه مقتصرا على وقت القطع ، أو مسندا إلى أول زمان السرقة ، والأول : لا يقول به الخصم ، والثاني : يقتضي أن يقال : إنه حدث الملك فيه من وقت القطع في الزمان الذي كان سابقا على ذلك الوقت ، وهذا يقتضي وقوع الفعل في الزمان الماضي . وهذا محال . حجة أبي حنيفة رحمه الله أنه تعالى حكم بكون هذا القطع جزاء ، والجزاء هو الكافي ، فدل ذلك على أن هذا القطع كاف في جناية السرقة ، وإذا كان كافيا وجب أن لا يضم الغرم إليه . والجواب : لو كان الأمر كما قلتم لوجب أن لا يلزم رد المسروق عند كونه قائما ، والله أعلم بالصواب . المسألة السادسة : قال الشافعي رحمه الله : السيد يملك إقامة الحد على المماليك . وقال أبو حنيفة رحمه الله : لا يملك . حجة الشافعي أن قوله { فاقطعوا أيديهما } عام في حق الكل ، لأن هذا الخطاب ليس فيه ما يدل على كونه مخصوصا بالبغض دون البعض ، ولما عم الكل دخل فيه المولى أيضا ، ترك العمل به في حق غير الإمام والمولى ، فوجب أن يبقى معمولا به في حق الإمام والمولى . المسألة السابعة : احتج المتكلمون بهذه الآية في أنه يجب على الأمة أن ينصبوا لأنفسهم إماما معينا والدليل عليه أنه تعالى أوجب بهذه الآية إقامة الحد على السراق والزناة ، فلا بد من شخص يكون مخاطبا بهذا الخطاب ، وأجمعت الأمة على أنه ليس لآحاد الرعية إقامة الحدود على الجناة ، بل أجمعوا على أنه لا يجوز إقامة الحدود على الأحرار الجناة إلا للإمام ، فلما كان هذا التكليف تكليفا جازما ولا يمكن الخروج عن عهدة هذا التكليف إلا عند وجود الإمام ، وما لا يتأتى الواجب إلا به ، وكان مقدورا للمكلف ، فهو واجب ، فلزم القطع بوجوب نصب الإمام حينئذ .

لسان عثمانی (Osmanlıca) Tercümesi (Ehl-i Sünnet)

قلنا : القراءة الشاذة لا تبطل لقراءة المتواترة ، فنحن نتمسك بالقراءة المتواترة في إثبات مذهبنا وأيضا القراءة الشذة ليست بحجة عندنا ، لأنا نقطع أنها ليست قرآنا ، إذ لو كانت قرآنا لكانت متواترة ، فإنا لو جوزنا أن لا ينقل شيء من القرآن إلينا على سبيل التواتر انفتح باب طعن الروافض والملاحدة في القرآن / ولعله كان في القررن آيات دالة على إمامة علي بن أبي طالب رضي الله عنه نصا ، وما نقلت إلينا ، ولعله كان فيه آيات دالة على نسخ أكثر هذه الشرائع وما نقلت إلينا ولما كان ذلك باطلا بأنه لو كان قرآنا لكان متواترا ، فلما لم يكن متواترا قطعنا أنه ليس بقرآن ، فثبت أن لاقراءة الشاذة ليست بحجة ألبتة . المسألة الخامسة : قال الشافعي رحمه الله : أغرم السارق ما سرق . وقال أبو حنيفة والثوري وأحمد وإسحاق : لا يجمع بين القطع والعزم ، فإن غرم فلا قطع ، وإن قطع فلا غرم . وقال مالك رحمه لله : يقطع بكل حال ، وأما الغرم فليزمه إن كان غنيا ، ولا يلزمه إن كان فقيرا . حجة الشافعي رحمه الله أن الآية دلت على أن السرقة توجب القطع ، وقوله عليه الصلاة والسلام : ( على اليد ما أخذت حتى تؤديه ) يوجب الضمان ، وقد احتج الأمران في هذه السرقة فوجب أن يحب القطع والضمان ، فلو ادعى مدع أن الجمع ممتنع كان ذلك معارضة ، وعليه الدليل ، على أنا نقول : ءن حد الله لا يمنع حق العباد ، بدليل أنه يجتمع الجزاء والقيمة في الصيد المملوك ، وبدليل أنه لو كان المسروق باقيا وجب رده بالإجماع ، ويدل عليه أيضا أن المسروق كان باقيا على ملك المالك إلى وقت قطع يد السارق بالاتفاق ، فعند حصول القطع إما أن يحصل الملك فيه مقتصرا على وقت القطع ، أو مسندا إلى أول زمان السرقة ، والأول : لا يقول به الخصم ، والثاني : يقتضي أن يقال : إنه حدث الملك فيه من وقت القطع في الزمان الذي كان سابقا على ذلك الوقت ، وهذا يقتضي وقوع الفعل في الزمان الماضي . وهذا محال . حجة أبي حنيفة رحمه الله أنه تعالى حكم بكون هذا القطع جزاء ، والجزاء هو الكافي ، فدل ذلك على أن هذا القطع كاف في جناية السرقة ، وإذا كان كافيا وجب أن لا يضم الغرم إليه . والجواب : لو كان الأمر كما قلتم لوجب أن لا يلزم رد المسروق عند كونه قائما ، والله أعلم بالصواب . المسألة السادسة : قال الشافعي رحمه الله : السيد يملك إقامة الحد على المماليك . وقال أبو حنيفة رحمه الله : لا يملك . حجة الشافعي أن قوله { فاقطعوا أيديهما } عام في حق الكل ، لأن هذا الخطاب ليس فيه ما يدل على كونه مخصوصا بالبغض دون البعض ، ولما عم الكل دخل فيه المولى أيضا ، ترك العمل به في حق غير الإمام والمولى ، فوجب أن يبقى معمولا به في حق الإمام والمولى . المسألة السابعة : احتج المتكلمون بهذه الآية في أنه يجب على الأمة أن ينصبوا لأنفسهم إماما معينا والدليل عليه أنه تعالى أوجب بهذه الآية إقامة الحد على السراق والزناة ، فلا بد من شخص يكون مخاطبا بهذا الخطاب ، وأجمعت الأمة على أنه ليس لآحاد الرعية إقامة الحدود على الجناة ، بل أجمعوا على أنه لا يجوز إقامة الحدود على الأحرار الجناة إلا للإمام ، فلما كان هذا التكليف تكليفا جازما ولا يمكن الخروج عن عهدة هذا التكليف إلا عند وجود الإمام ، وما لا يتأتى الواجب إلا به ، وكان مقدورا للمكلف ، فهو واجب ، فلزم القطع بوجوب نصب الإمام حينئذ .

قسم V11/P179–V11/P180Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb (s. V11/P179–V11/P180)
Orijinal Metin (AR)

المسألة الثامنة : قال المعتزلة : قوله { نكالا من الله } يدل على أنه إنما أقيم عليه هذا الحد على سبيل الاستخفاف والإهانة ، وإذا كان الأمر كذلك لزم القطع بكونه مستحقا للاستخفاف والذم والإهانة ، ومتى كان لأمر كذلك امتنع أن يقال : إنه بقي مستحقا للمدح والتعظيم ، لأنهما ضدان والجمع بينهما محال ، وذلك يدل على أن عقاب الكبير يحبط ثواب الطاعات . وأعلم أنا قد ذكرنا الدلائل الكثيرة في بطلان القول بالإحباط في سورة البقرة في تفسير قوله تعالى : ( دلا تبطلوا صداقاتكم بالمن والأذى } ( البقرة : 264 ) فلا نعيدها ههنا . ثم الجواب عن كلام المعتزلة أنا أجمعنا على أن كون الحد واقعا على سبيل التنكيل مشروط بعدم التوبة / فبتقدير أن يدل دليل على حصول العفو من الله تعالى لزم القطع بأن إقامة الحد لا تكون أيضا على سبيل التنكيل ، بل تكون على سبيل الامتحان ، لكنا ذكرنا الدلائل الكثيرة على العفو . المسألة التاسعة : قالت المعتزلة : قوله { } ( البقرة : 264 ) فلا نعيدها ههنا . ثم الجواب عن كلام المعتزلة أنا أجمعنا على أن كون الحد واقعا على سبيل التنكيل مشروط بعدم التوبة ، فبتقدير أن يدل دليل على حصول العفو من الله تعالى لزم القطع بأن إقامة الحد لا تكون أيضا على سبيل التنكيل ، بل تكون على سبيل الامتحان ، لكنا ذكرنا الدلائل الكثيرة على العفو . المسألة التاسعة : قالت المعتزلة : قوله { جزاء بما كسبا نكالا من لله } يدل على تعليل أحكام الله ، فإن الباء في قوله { بما كسبا } صريح في أن القطع إنما وجب معللا بالسرقة . وجوابه ما ذكرناه في هذه السورة في قوله { من أجل ذالك كتبنا على بنى إسراءيل أنه من قتل نفسا بغير نفس } ( المائدة : 32 ) . المسألة العاشرة : قوله { جزاء بما كسبا } قال الزجاج : جزاء نصب لأنه مفعول له ، والتقدير فاقطعوهم لجزاء فعلهم ، وكذلك { نكالا من الله } فإن شئت كانا منصوبين على المصدر الذي دل عليه { فاقطعوا } والتقدير : جازوهم ونكلوا بهم جزاء بما كسبا نكالا من الله . أما قوله { والله عزيز حكيم } فالمعنى : عزيز في انتقامه ، حكيم في شرائعه وتكاليفه . قال الأصمعي كنت أقرأ سورة المائدة ومعي أعرابي ، فقرأت هذه الآية فقلت { والله غفور رحيم } سهوا ، فقال الأعرابي : كلام من هذا ؟ فقلت كلام الله . قال أعد ، فأعدت : والله غفور رحيم ، ثم تنبهت فقلت { والله عزيز حكيم } فقال : الآن أصبت ، فقلت كيف عرفت ؟ قال : يا هذا عزيز حكيم فأمر بالقطع فلو غفر ورحم لما أمر بالقطع فلو غفر ورحم لما أمر بالقطع ثم قال تعالى : ! 7 < { فمن تاب من بعد ظلمه وأصلح فإن الله يتوب عليه إن الله غفور رحيم } . > 7 ! < < المائدة : ( 39 ) فمن تاب من . . . . . > > وفي الآية مسائل : المسألة الأولى : دلت الآية على أن من تاب فإن الله يقبل توبته ، فإن قيل : قوله { وأصلح } يدل على أن مجرد التوبة غير مقبول . قلنا : المراد من قوله { وأصلح } أي يتوب بنية صالحة صادقة وعزيمة صحيحة خالية عن سائر الأغراض .

لسان عثمانی (Osmanlıca) Tercümesi (Ehl-i Sünnet)

المسألة الثامنة : قال المعتزلة : قوله { نكالا من الله } يدل على أنه إنما أقيم عليه هذا الحد على سبيل الاستخفاف والإهانة ، وإذا كان الأمر كذلك لزم القطع بكونه مستحقا للاستخفاف والذم والإهانة ، ومتى كان لأمر كذلك امتنع أن يقال : إنه بقي مستحقا للمدح والتعظيم ، لأنهما ضدان والجمع بينهما محال ، وذلك يدل على أن عقاب الكبير يحبط ثواب الطاعات . وأعلم أنا قد ذكرنا الدلائل الكثيرة في بطلان القول بالإحباط في سورة البقرة في تفسير قوله تعالى : ( دلا تبطلوا صداقاتكم بالمن والأذى } ( البقرة : 264 ) فلا نعيدها ههنا . ثم الجواب عن كلام المعتزلة أنا أجمعنا على أن كون الحد واقعا على سبيل التنكيل مشروط بعدم التوبة / فبتقدير أن يدل دليل على حصول العفو من الله تعالى لزم القطع بأن إقامة الحد لا تكون أيضا على سبيل التنكيل ، بل تكون على سبيل الامتحان ، لكنا ذكرنا الدلائل الكثيرة على العفو . المسألة التاسعة : قالت المعتزلة : قوله { } ( البقرة : 264 ) فلا نعيدها ههنا . ثم الجواب عن كلام المعتزلة أنا أجمعنا على أن كون الحد واقعا على سبيل التنكيل مشروط بعدم التوبة ، فبتقدير أن يدل دليل على حصول العفو من الله تعالى لزم القطع بأن إقامة الحد لا تكون أيضا على سبيل التنكيل ، بل تكون على سبيل الامتحان ، لكنا ذكرنا الدلائل الكثيرة على العفو . المسألة التاسعة : قالت المعتزلة : قوله { جزاء بما كسبا نكالا من لله } يدل على تعليل أحكام الله ، فإن الباء في قوله { بما كسبا } صريح في أن القطع إنما وجب معللا بالسرقة . وجوابه ما ذكرناه في هذه السورة في قوله { من أجل ذالك كتبنا على بنى إسراءيل أنه من قتل نفسا بغير نفس } ( المائدة : 32 ) . المسألة العاشرة : قوله { جزاء بما كسبا } قال الزجاج : جزاء نصب لأنه مفعول له ، والتقدير فاقطعوهم لجزاء فعلهم ، وكذلك { نكالا من الله } فإن شئت كانا منصوبين على المصدر الذي دل عليه { فاقطعوا } والتقدير : جازوهم ونكلوا بهم جزاء بما كسبا نكالا من الله . أما قوله { والله عزيز حكيم } فالمعنى : عزيز في انتقامه ، حكيم في شرائعه وتكاليفه . قال الأصمعي كنت أقرأ سورة المائدة ومعي أعرابي ، فقرأت هذه الآية فقلت { والله غفور رحيم } سهوا ، فقال الأعرابي : كلام من هذا ؟ فقلت كلام الله . قال أعد ، فأعدت : والله غفور رحيم ، ثم تنبهت فقلت { والله عزيز حكيم } فقال : الآن أصبت ، فقلت كيف عرفت ؟ قال : يا هذا عزيز حكيم فأمر بالقطع فلو غفر ورحم لما أمر بالقطع فلو غفر ورحم لما أمر بالقطع ثم قال تعالى : ! 7 < { فمن تاب من بعد ظلمه وأصلح فإن الله يتوب عليه إن الله غفور رحيم } . > 7 ! < < المائدة : ( 39 ) فمن تاب من . . . . . > > وفي الآية مسائل : المسألة الأولى : دلت الآية على أن من تاب فإن الله يقبل توبته ، فإن قيل : قوله { وأصلح } يدل على أن مجرد التوبة غير مقبول . قلنا : المراد من قوله { وأصلح } أي يتوب بنية صالحة صادقة وعزيمة صحيحة خالية عن سائر الأغراض .

قسم V11/P180–V11/P182Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb (s. V11/P180–V11/P182)
Orijinal Metin (AR)

المسألة الثانية : إذا تاب قبل القطع تاب الله عليه ، وهل يسقط عنه الحد ؟ قال بعض العلماء التابعين : يسقط عنه الحد ، لأن ذكر الغفور الرحيم في آخر هذه الآية يدل على سقوط العقوبة عنه ، والعقوبة المذكورة في هذه الآية هي الحد ، فظاهر الآية يقتضي سقوطها . وقال الجمهور : لا يسقط عنه هذا الحد ، بل يقام عليه على سبيل الإمتحان . المسألة الثالثة : دلت الآية على أن قبول التوبة غير واجب على الله تعالى لأنه تعالى تمدح بقبول التوبة ، والتمدح إنما يكون بفعل التفضل والإحسان ، لا بأداء الواجبات ثم قال تعالى : ! 7 < { ألم تعلم أن الله له ملك السماوات والا رض يعذب من يشآء ويغفر لمن يشآء والله على كل شىء قدير } . > 7 < المائدة : ( 40 ) ألم تعلم أن . . . . . > > واعلم أنه تعالى لما أوجب قطع اليد وعقاب الآخرة على السارق قبل التوبة ، ثم ذكر أنه يقبل توبته إن تاب أردفه ببيان أن له أن يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد ، فيعذب من يشاء ويغفر لمن يشاء ، وإنما قدم التعذيب على المغفرة لأنه في مقابلة تقدم السرقة على التوبة . قال الواحدي : الآية واضحة للقدرية في التعديل والتجويز ، وقولهم بوجوب الرحمة للمطيع ، ووجوب العذاب للعاصي على الله ، وذلك لأن الآية دالة على أن الرحمة مفوضة إلى المشيئة والوجوب ينافي ذلك . وأقول : فيه وجه آخر يبطل قولهم ، وذلك لأنه تعالى ذكر أولا قوله { ألم تعلم أن الله له ملك السماوات والارض } ثم رتب عليه قوله { يعذب من يشاء ويغفر لمن يشاء } وهذا يدل على أنه إنما حسن منه التعذيب تارة ، والمغفرة أخرى ، لأنه مالك الخلق وربهم وإلههم ، وهذا هو مذهب أصحابنا فإنهم يقولون : إنه تعالى يحسن منه كل ما يشاء ويريد لأجل كونه مالكا لجميع المحدثات ، والمالك له أنه يتصرف في ملكه كيف شاء وأراد : أما المعتزلة فإنهم يقولون : حسن هذه الأفعال من الله تعالى ليس لأجل كونه إلها للخلق ومالكا لهم ، بل لأجل رعاية المصالح والمفاسد ، وذلك يبطله صريح هذه الآية كما قررناه . ! 7 < { ياأيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون فى الكفر من الذين قالوا ءامنا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم ومن الذين هادوا سماعون للكذب سماعون لقوم ءاخرين لم يأتوك يحرفون الكلم من بعد مواضعه يقولون إن أوتيتم هاذا فخذوه وإن لم تؤتوه فاحذروا ومن يرد الله فتنته فلن تملك له من الله شيئا أولائك الذين لم يرد الله أن يطهر قلوبهم لهم فى الدنيا خزى ولهم فى الا خرة عذاب عظيم } . > 7 < المائدة : ( 41 ) يا أيها الرسول . . . . . > > قوله تعالى : { قدير يأيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون فى الكفر من الذين قالوا ءامنا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم } . اعلم أنه تعالى لما بين بعض التكاليف والشرائع ، وكان قد علم من بعض الناس كونهم متسارعين إلى الكفر لا جرم صبر رسوله على تحمل ذلك ، وأمره بأن لا يحزن لأجل ذلك ، فقال : { قدير يأيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون فى الكفر } وفي الآية مسائل : المسألة الأولى : اعلم أنه تعالى خاطب محمدا صلى الله عليه وسلم بقوله : يا أيها النبي في مواضع كثيرة ، وما خاطبه بقوله : يا أيها الرسول إلا في موضعين : أحدهما : ههنا ، والثاني : قوله : { يعملون ياأيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك } ( المائدة : 67 ) وهذا الخطاب لا شك أنه خطاب تشريف وتعظيم .

لسان عثمانی (Osmanlıca) Tercümesi (Ehl-i Sünnet)

المسألة الثانية : إذا تاب قبل القطع تاب الله عليه ، وهل يسقط عنه الحد ؟ قال بعض العلماء التابعين : يسقط عنه الحد ، لأن ذكر الغفور الرحيم في آخر هذه الآية يدل على سقوط العقوبة عنه ، والعقوبة المذكورة في هذه الآية هي الحد ، فظاهر الآية يقتضي سقوطها . وقال الجمهور : لا يسقط عنه هذا الحد ، بل يقام عليه على سبيل الإمتحان . المسألة الثالثة : دلت الآية على أن قبول التوبة غير واجب على الله تعالى لأنه تعالى تمدح بقبول التوبة ، والتمدح إنما يكون بفعل التفضل والإحسان ، لا بأداء الواجبات ثم قال تعالى : ! 7 < { ألم تعلم أن الله له ملك السماوات والا رض يعذب من يشآء ويغفر لمن يشآء والله على كل شىء قدير } . > 7 < المائدة : ( 40 ) ألم تعلم أن . . . . . > > واعلم أنه تعالى لما أوجب قطع اليد وعقاب الآخرة على السارق قبل التوبة ، ثم ذكر أنه يقبل توبته إن تاب أردفه ببيان أن له أن يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد ، فيعذب من يشاء ويغفر لمن يشاء ، وإنما قدم التعذيب على المغفرة لأنه في مقابلة تقدم السرقة على التوبة . قال الواحدي : الآية واضحة للقدرية في التعديل والتجويز ، وقولهم بوجوب الرحمة للمطيع ، ووجوب العذاب للعاصي على الله ، وذلك لأن الآية دالة على أن الرحمة مفوضة إلى المشيئة والوجوب ينافي ذلك . وأقول : فيه وجه آخر يبطل قولهم ، وذلك لأنه تعالى ذكر أولا قوله { ألم تعلم أن الله له ملك السماوات والارض } ثم رتب عليه قوله { يعذب من يشاء ويغفر لمن يشاء } وهذا يدل على أنه إنما حسن منه التعذيب تارة ، والمغفرة أخرى ، لأنه مالك الخلق وربهم وإلههم ، وهذا هو مذهب أصحابنا فإنهم يقولون : إنه تعالى يحسن منه كل ما يشاء ويريد لأجل كونه مالكا لجميع المحدثات ، والمالك له أنه يتصرف في ملكه كيف شاء وأراد : أما المعتزلة فإنهم يقولون : حسن هذه الأفعال من الله تعالى ليس لأجل كونه إلها للخلق ومالكا لهم ، بل لأجل رعاية المصالح والمفاسد ، وذلك يبطله صريح هذه الآية كما قررناه . ! 7 < { ياأيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون فى الكفر من الذين قالوا ءامنا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم ومن الذين هادوا سماعون للكذب سماعون لقوم ءاخرين لم يأتوك يحرفون الكلم من بعد مواضعه يقولون إن أوتيتم هاذا فخذوه وإن لم تؤتوه فاحذروا ومن يرد الله فتنته فلن تملك له من الله شيئا أولائك الذين لم يرد الله أن يطهر قلوبهم لهم فى الدنيا خزى ولهم فى الا خرة عذاب عظيم } . > 7 < المائدة : ( 41 ) يا أيها الرسول . . . . . > > قوله تعالى : { قدير يأيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون فى الكفر من الذين قالوا ءامنا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم } . اعلم أنه تعالى لما بين بعض التكاليف والشرائع ، وكان قد علم من بعض الناس كونهم متسارعين إلى الكفر لا جرم صبر رسوله على تحمل ذلك ، وأمره بأن لا يحزن لأجل ذلك ، فقال : { قدير يأيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون فى الكفر } وفي الآية مسائل : المسألة الأولى : اعلم أنه تعالى خاطب محمدا صلى الله عليه وسلم بقوله : يا أيها النبي في مواضع كثيرة ، وما خاطبه بقوله : يا أيها الرسول إلا في موضعين : أحدهما : ههنا ، والثاني : قوله : { يعملون ياأيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك } ( المائدة : 67 ) وهذا الخطاب لا شك أنه خطاب تشريف وتعظيم .

قسم V11/P182Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb (s. V11/P182)
Orijinal Metin (AR)

المسألة الثانية : قرىء { لا يحزنك } بضم الياء ، ويسرعون ، والمعنى لا تهتم ولا تبال بمسارعة المنافقين في الكفر وذلك بسبب احتيالهم في استخراج وجوه الكيد والمكر في حق المسلمين وفي مبالغتهم في موالاة المشركين فإني ناصرك عليهم وكافيك شرهم . يقال : أسرع فيه الشيب وأسرع فيه الفساد بمعنى وقع فيه سريعا ، فكذلك مسارعتهم في الكفر عبارة عن إلقائهم أنفسهم فيه على أسرع الوجوه متى وجدوا فيه فرصة ، وقوله { من الذين قالوا ءامنا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم } فيه تقديم وتأخير ، والتقدير : من الذين قالوا بأفواههم آمنا ولم تؤمن قلوبهم ولا شك أن هؤلاء هم المنافقون . ثم قال تعالى : { ومن الذين هادوا سماعون للكذب سماعون لقوم ءاخرين لم يأتوك } وفيه مسألتان : المسألة الأولى : ذكر الفراء والزجاج ههنا وجهين : الأول : أن الكلام إنما يتم عند قوله { ومن الذين هادوا } ثم يبتدأ الكلام منقوله { سماعون للكذب سماعون لقوم ءاخرين } وتقدير الكلام : لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر من المنافقين ومن اليهود ، ثم بعد ذلك وصف الكل بكونهم سماعين لقوم آخرين . الوجه الثاني : أن الكلام تم عند قوله { ولم تؤمن قلوبهم } ثم ابتدأ من قوله { ومن الذين هادوا سماعون للكذب } وعلى هذا التقدير فقوله { سماعون } صفة محذوف ، والتقدير : ومن الذين هادوا قوم سماعون . وقيل : خبر مبتدأ محذوف ، يعني هم سماعون . المسألة الثانية : ذكر الزجاج في قوله { سماعون للكذب } وجهين : الأول : أن معناه قابلون للكذب ، والسمع يستعمل ويراد منه القبول ، كما يقال : لا تسمع من فلان أي لا تقبل منه ، ومنه ( سمع الله لمن حمده ) ، وذلك الكذب الذي يقبلونه هو ما يقوله رؤساؤهم من الأكاذيب في دين الله تعالى في تحريف التوراة / وفي الطعن في محمد صلى الله عليه وسلم . والوجه الثاني : أن المراد من قوله { سماعون للكذب } نفس السماع ، واللام في قوله { للكذب } لام كي ، أي يسمعون منك لكي يكذبوا عليك . وأما قوله { سماعون للكذب سماعون لقوم ءاخرين } فالمعنى أنهم أعين وجواسيس لقوم آخرين لم يأتوك ولم يحضروا عندك لينقلوا إليهم أخبارك ، فعلى هذا التقدير قوله { سماعون للكذب } أي سماعون إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لأجل أن يكذبوا عليه بأن يمزجوا ما سمعوا منه بالزيادة والنقصان والتبديل والتغيير ، سماعون من رسول الله لأجل قوم آخرين من اليهود ، وهم عيون ليبلغوهم ما سمعوا منه .

لسان عثمانی (Osmanlıca) Tercümesi (Ehl-i Sünnet)

المسألة الثانية : قرىء { لا يحزنك } بضم الياء ، ويسرعون ، والمعنى لا تهتم ولا تبال بمسارعة المنافقين في الكفر وذلك بسبب احتيالهم في استخراج وجوه الكيد والمكر في حق المسلمين وفي مبالغتهم في موالاة المشركين فإني ناصرك عليهم وكافيك شرهم . يقال : أسرع فيه الشيب وأسرع فيه الفساد بمعنى وقع فيه سريعا ، فكذلك مسارعتهم في الكفر عبارة عن إلقائهم أنفسهم فيه على أسرع الوجوه متى وجدوا فيه فرصة ، وقوله { من الذين قالوا ءامنا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم } فيه تقديم وتأخير ، والتقدير : من الذين قالوا بأفواههم آمنا ولم تؤمن قلوبهم ولا شك أن هؤلاء هم المنافقون . ثم قال تعالى : { ومن الذين هادوا سماعون للكذب سماعون لقوم ءاخرين لم يأتوك } وفيه مسألتان : المسألة الأولى : ذكر الفراء والزجاج ههنا وجهين : الأول : أن الكلام إنما يتم عند قوله { ومن الذين هادوا } ثم يبتدأ الكلام منقوله { سماعون للكذب سماعون لقوم ءاخرين } وتقدير الكلام : لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر من المنافقين ومن اليهود ، ثم بعد ذلك وصف الكل بكونهم سماعين لقوم آخرين . الوجه الثاني : أن الكلام تم عند قوله { ولم تؤمن قلوبهم } ثم ابتدأ من قوله { ومن الذين هادوا سماعون للكذب } وعلى هذا التقدير فقوله { سماعون } صفة محذوف ، والتقدير : ومن الذين هادوا قوم سماعون . وقيل : خبر مبتدأ محذوف ، يعني هم سماعون . المسألة الثانية : ذكر الزجاج في قوله { سماعون للكذب } وجهين : الأول : أن معناه قابلون للكذب ، والسمع يستعمل ويراد منه القبول ، كما يقال : لا تسمع من فلان أي لا تقبل منه ، ومنه ( سمع الله لمن حمده ) ، وذلك الكذب الذي يقبلونه هو ما يقوله رؤساؤهم من الأكاذيب في دين الله تعالى في تحريف التوراة / وفي الطعن في محمد صلى الله عليه وسلم . والوجه الثاني : أن المراد من قوله { سماعون للكذب } نفس السماع ، واللام في قوله { للكذب } لام كي ، أي يسمعون منك لكي يكذبوا عليك . وأما قوله { سماعون للكذب سماعون لقوم ءاخرين } فالمعنى أنهم أعين وجواسيس لقوم آخرين لم يأتوك ولم يحضروا عندك لينقلوا إليهم أخبارك ، فعلى هذا التقدير قوله { سماعون للكذب } أي سماعون إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لأجل أن يكذبوا عليه بأن يمزجوا ما سمعوا منه بالزيادة والنقصان والتبديل والتغيير ، سماعون من رسول الله لأجل قوم آخرين من اليهود ، وهم عيون ليبلغوهم ما سمعوا منه .

قسم V11/P182–V11/P183Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb (s. V11/P182–V11/P183)
Orijinal Metin (AR)

ثم إنه تعالى وصف هؤلاء اليهود بصفة أخرى فقال { يحرفون الكلم من بعد مواضعه } أي من بعد أن وضعه الله مواضعه ، أي فرض فروضه وأحل حلاله وحرم حرامه . قال المفسرون : إن رجلا وامرأة من أشراف أهل خيبر زنيا ، وكان حد الزنا في التوراة الرجم ، فكرهت اليهود رجمهما لشرفهما ، فأرسلوا قوما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليسألوه عن حكمه في الزانيين إذا أحصنا ، وقالوا : إن أمركم بالجلد فاقبلوا ، وإن أمركم بالرجم فاحذروا ولا تقبلوا ، فلما سألوا الرسول صلى الله عليه وسلم عن ذلك نزل جبريل بالرجم فأبوا أن يأخذوا به ، فقال له جبريل عليه السلام : اجعل بينك وبينخم ( ابن صوريا ) فقال الرسول : هل تعرفون شابا أمرد أبيض أعور يسكن فدك يقال له : ابن صوريا ؟ قالوا نعم وهو أعلم يهودي على وجه الأرض ، فرضوا به حكما ، فقال له الرسول صلى الله عليه وسلم : ( أنشدك الله الذي لا إله إلا هو الذي فلق البحر لموسى ورفع فوقكم الطور وأنجاكم وأغرق آل فرعون والذي أنزل عليكم كتابه وحلاله وحرامه هل تجدون فيه الرجم على من أحصن ) ؟ قال ابن صوريا : نعم ، فوثبت عليه سفلة اليهود ، فقال : خفت إن كذبته أن ينزل علينا العذاب ، ثم سأل رسول الله عن أشياء كان يعرفها من علاماته ، فقال ابن صوريا : أشهد أن إله إلا الله وأنك رسول الله النبي الأمي العربي الذي بشر به المرسلون ، ثم أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالزانيين فرجما عند باب مسجده . إذا عرفت القصة فنقول : قوله { يحرفون الكلم من بعد مواضعه } أي وضعوا الجلد مكان الرجم . وقوله تعالى : { يقولون إن أوتيتم هاذا فخذوه وإن لم تؤتوه فاحذروا } أي إن أمركم محمد بالجلد فاقبلوا ، وإن أمركم بالرجم فلا تقبلوا . واعلم أن مذهب الشافعي رحمه الله أن الثيب الذمي يرجم . قال : لأنه صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه أمر برجمه ، فإن كان الأمر برجم الثيب الذمي من دين الرسول فقد ثبت المقصود ، وإن كان إنما أمر بذلك بناء على ما ثبت في شريعة موسى عليه السلام وجب أن يكون ذلك مشروعا في ديننا ، ويدل عليه وجهان : الأول : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما أفتى على وفق شريعة التوراة في هذه المسألة كان الإقتداء به في ذلك واجبا ، لقوله { فاتبعوه } ( الأعراف : 58 ) والثاني : أن ما كان ثابتا في شرع موسى عليه السلام فالأصل بقاؤه إلى طريان الناسخ ، ولم يوجد في شرعنا ما يدل على نسخ هذا الحكم ، فوجب أن يكون باقيا ، وبهذا الطريق أجمع العلماء على أن قوله تعالى : { وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس } ( المائدة : 45 ) حكمه باق في شرعنا . ولما شرح الله تعالى فضائح هؤلاء اليهود قال : { ومن يرد الله فتنته فلن تملك له من الله شيئا } . واعلم أن لفظ الفتنة محتمل لجميع أنواع المفاسد / إلا أنه لما كان هذا اللفظ مذكورا عقيب أنواع كفرهم التي شرحها الله تعالى وجب أن يكون المراد من هذه الفتنة تلك الكفريات التي تقدم ذكرها ، وعلى هذا التقدير فالمراد : ومن يرد الله كفره وضلالته فلن يقدر أحد على دفع ذلك عنه . ثم أكد تعالى هذا فقال : { أولئك الذين لم يرد الله أن يطهر قلوبهم } .

لسان عثمانی (Osmanlıca) Tercümesi (Ehl-i Sünnet)

ثم إنه تعالى وصف هؤلاء اليهود بصفة أخرى فقال { يحرفون الكلم من بعد مواضعه } أي من بعد أن وضعه الله مواضعه ، أي فرض فروضه وأحل حلاله وحرم حرامه . قال المفسرون : إن رجلا وامرأة من أشراف أهل خيبر زنيا ، وكان حد الزنا في التوراة الرجم ، فكرهت اليهود رجمهما لشرفهما ، فأرسلوا قوما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليسألوه عن حكمه في الزانيين إذا أحصنا ، وقالوا : إن أمركم بالجلد فاقبلوا ، وإن أمركم بالرجم فاحذروا ولا تقبلوا ، فلما سألوا الرسول صلى الله عليه وسلم عن ذلك نزل جبريل بالرجم فأبوا أن يأخذوا به ، فقال له جبريل عليه السلام : اجعل بينك وبينخم ( ابن صوريا ) فقال الرسول : هل تعرفون شابا أمرد أبيض أعور يسكن فدك يقال له : ابن صوريا ؟ قالوا نعم وهو أعلم يهودي على وجه الأرض ، فرضوا به حكما ، فقال له الرسول صلى الله عليه وسلم : ( أنشدك الله الذي لا إله إلا هو الذي فلق البحر لموسى ورفع فوقكم الطور وأنجاكم وأغرق آل فرعون والذي أنزل عليكم كتابه وحلاله وحرامه هل تجدون فيه الرجم على من أحصن ) ؟ قال ابن صوريا : نعم ، فوثبت عليه سفلة اليهود ، فقال : خفت إن كذبته أن ينزل علينا العذاب ، ثم سأل رسول الله عن أشياء كان يعرفها من علاماته ، فقال ابن صوريا : أشهد أن إله إلا الله وأنك رسول الله النبي الأمي العربي الذي بشر به المرسلون ، ثم أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالزانيين فرجما عند باب مسجده . إذا عرفت القصة فنقول : قوله { يحرفون الكلم من بعد مواضعه } أي وضعوا الجلد مكان الرجم . وقوله تعالى : { يقولون إن أوتيتم هاذا فخذوه وإن لم تؤتوه فاحذروا } أي إن أمركم محمد بالجلد فاقبلوا ، وإن أمركم بالرجم فلا تقبلوا . واعلم أن مذهب الشافعي رحمه الله أن الثيب الذمي يرجم . قال : لأنه صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه أمر برجمه ، فإن كان الأمر برجم الثيب الذمي من دين الرسول فقد ثبت المقصود ، وإن كان إنما أمر بذلك بناء على ما ثبت في شريعة موسى عليه السلام وجب أن يكون ذلك مشروعا في ديننا ، ويدل عليه وجهان : الأول : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما أفتى على وفق شريعة التوراة في هذه المسألة كان الإقتداء به في ذلك واجبا ، لقوله { فاتبعوه } ( الأعراف : 58 ) والثاني : أن ما كان ثابتا في شرع موسى عليه السلام فالأصل بقاؤه إلى طريان الناسخ ، ولم يوجد في شرعنا ما يدل على نسخ هذا الحكم ، فوجب أن يكون باقيا ، وبهذا الطريق أجمع العلماء على أن قوله تعالى : { وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس } ( المائدة : 45 ) حكمه باق في شرعنا . ولما شرح الله تعالى فضائح هؤلاء اليهود قال : { ومن يرد الله فتنته فلن تملك له من الله شيئا } . واعلم أن لفظ الفتنة محتمل لجميع أنواع المفاسد / إلا أنه لما كان هذا اللفظ مذكورا عقيب أنواع كفرهم التي شرحها الله تعالى وجب أن يكون المراد من هذه الفتنة تلك الكفريات التي تقدم ذكرها ، وعلى هذا التقدير فالمراد : ومن يرد الله كفره وضلالته فلن يقدر أحد على دفع ذلك عنه . ثم أكد تعالى هذا فقال : { أولئك الذين لم يرد الله أن يطهر قلوبهم } .

قسم V11/P183–V11/P184Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb (s. V11/P183–V11/P184)
Orijinal Metin (AR)

قال أصحابنا : دلت هذه الآية على أن الله تعالى غير مريد إسلام الكافر ، وأنه لم يطهر قلبه من الشك والشرك ، ولو فعل ذلك لآمن ، وهذه الآية من أشد الآيات على القدرية . أما المعتزلة فإنهم ذكروا في تفسير الفتنة وجوها : أحدها : أن الفتنة هي العذاب ، قال تعالى : { على النار يفتنون } ( الذاريات : 13 ) أي يعذبون ، فالمراد ههنا : أنه يريد عذابه لكفره ونفاقه ، وثانيها : الفتنة الفضيحة ، يعني ومن يرد الله فضيحته . الثالث : فتنته : إضلاله ، والمراد من الأضلال الحكم بضلاله وتسميته ضالا ، ورابعها : الفتنة الاختبار ، يعني من يرد الله اختباره فيما يبتليه من التكاليف ، ثم إنه يتركها ولا يقوم بأدائها فلن تملك له من الله ثوابا ولا نفعا . وأما قوله { أولئك الذين لم يرد الله أن يطهر قلوبهم } فذكروا فيه وجوها : أحدها : لم يرد الله أن يمد قلوبهم بالألطاف ، لأنه تعالى علم أنه لا فائدة في تلك الألطاف لأنها لا تنجع في قلوبهم ، وثانيها : لم يرد الله أن يطهر قلوبهم عن الحرج والغم والوحشة الدالة على كفرهم ، وثالثها : أن هذا استعارة عن سقوط وقعه عند الله تعالى ، وأنه غير ملتفت إليه بسبب قبح أفعاله وسوء أعماله ، والكلام عن هذه الوجوه قد تقدم مرارا . ثم قال تعالى : { لهم فى الدنيا خزى } وخزي المنافقين هتك سترهم باطلاع الرسول صلى الله عليه وسلم على كذبهم وخوفهم من القتل ، وخزي اليهود فضيحتهم بظهور كذبهم في كتمان نص الله تعالى في إيجاب الرجم وأخذ الجزية منهم . { ولهم فى الاخرة عذاب عظيم } وهو الخلود في النار . ! 7 < { سماعون للكذب أكالون للسحت فإن جآءوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم وإن تعرض عنهم فلن يضروك شيئا وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط إن الله يحب المقسطين } . > 7 < المائدة : ( 42 ) سماعون للكذب أكالون . . . . . > > ثم قال تعالى : { سماعون للكذب أكالون للسحت } وفيه مسائل : المسألة الأولى : قرأ ابن كثير وأبو عمرو والكسائي السحت بضم السين والحاء حيث كان ، وقرأ ابن عامر ونافع وعاصم وحمزة برفع السين وسكون الحاء على لفظ المصدر من : سحته ، ونقل صاحب ( الكشاف ) السحت بفتحتين ، والسحت بكسر السين وسكون الحاء ، وكلها لغات . المسألة الثانية : ذكروا في لفظ السحت وجوها قال الزجاج : أصله من سحته إذا استأصله ، قال تعالى : { فيسحتكم بعذاب } ( طه : 61 ) وسميت الرشا التي كانوا يأخذونها بالسحت إما لأن الله تعالى يسحتهم بعذاب ، أي يستأصلهم ، أو لأنه مسحوت البركة ، قال تعالى : { يمحق الله الربواا } ( البقرة : 276 ) الثاني : قال الليث : إنه حرام يحصل منه العار ، وهذا قريب من الوجه الأول لأن مثل هذا الشيء يسحت فضيلة الإنسان ويستأصلها ، والثالث : قال الفراء : أصل السحت شدة الجوع ، يقال رجل مسحوت المعدة إذا كان أكولا لا يلقى إلا جائعا أبدا ، فالسحت حرام يحمل عليه شدة الشره كشره من كان مسحوت المعدة ، وهذا أيضا قريب من الأول ، لأن من كان شديد الجوع شديد الشره فكأنه يستأصل كل ما يصل إليه من الطعام ويشتهيه .

لسان عثمانی (Osmanlıca) Tercümesi (Ehl-i Sünnet)

قال أصحابنا : دلت هذه الآية على أن الله تعالى غير مريد إسلام الكافر ، وأنه لم يطهر قلبه من الشك والشرك ، ولو فعل ذلك لآمن ، وهذه الآية من أشد الآيات على القدرية . أما المعتزلة فإنهم ذكروا في تفسير الفتنة وجوها : أحدها : أن الفتنة هي العذاب ، قال تعالى : { على النار يفتنون } ( الذاريات : 13 ) أي يعذبون ، فالمراد ههنا : أنه يريد عذابه لكفره ونفاقه ، وثانيها : الفتنة الفضيحة ، يعني ومن يرد الله فضيحته . الثالث : فتنته : إضلاله ، والمراد من الأضلال الحكم بضلاله وتسميته ضالا ، ورابعها : الفتنة الاختبار ، يعني من يرد الله اختباره فيما يبتليه من التكاليف ، ثم إنه يتركها ولا يقوم بأدائها فلن تملك له من الله ثوابا ولا نفعا . وأما قوله { أولئك الذين لم يرد الله أن يطهر قلوبهم } فذكروا فيه وجوها : أحدها : لم يرد الله أن يمد قلوبهم بالألطاف ، لأنه تعالى علم أنه لا فائدة في تلك الألطاف لأنها لا تنجع في قلوبهم ، وثانيها : لم يرد الله أن يطهر قلوبهم عن الحرج والغم والوحشة الدالة على كفرهم ، وثالثها : أن هذا استعارة عن سقوط وقعه عند الله تعالى ، وأنه غير ملتفت إليه بسبب قبح أفعاله وسوء أعماله ، والكلام عن هذه الوجوه قد تقدم مرارا . ثم قال تعالى : { لهم فى الدنيا خزى } وخزي المنافقين هتك سترهم باطلاع الرسول صلى الله عليه وسلم على كذبهم وخوفهم من القتل ، وخزي اليهود فضيحتهم بظهور كذبهم في كتمان نص الله تعالى في إيجاب الرجم وأخذ الجزية منهم . { ولهم فى الاخرة عذاب عظيم } وهو الخلود في النار . ! 7 < { سماعون للكذب أكالون للسحت فإن جآءوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم وإن تعرض عنهم فلن يضروك شيئا وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط إن الله يحب المقسطين } . > 7 < المائدة : ( 42 ) سماعون للكذب أكالون . . . . . > > ثم قال تعالى : { سماعون للكذب أكالون للسحت } وفيه مسائل : المسألة الأولى : قرأ ابن كثير وأبو عمرو والكسائي السحت بضم السين والحاء حيث كان ، وقرأ ابن عامر ونافع وعاصم وحمزة برفع السين وسكون الحاء على لفظ المصدر من : سحته ، ونقل صاحب ( الكشاف ) السحت بفتحتين ، والسحت بكسر السين وسكون الحاء ، وكلها لغات . المسألة الثانية : ذكروا في لفظ السحت وجوها قال الزجاج : أصله من سحته إذا استأصله ، قال تعالى : { فيسحتكم بعذاب } ( طه : 61 ) وسميت الرشا التي كانوا يأخذونها بالسحت إما لأن الله تعالى يسحتهم بعذاب ، أي يستأصلهم ، أو لأنه مسحوت البركة ، قال تعالى : { يمحق الله الربواا } ( البقرة : 276 ) الثاني : قال الليث : إنه حرام يحصل منه العار ، وهذا قريب من الوجه الأول لأن مثل هذا الشيء يسحت فضيلة الإنسان ويستأصلها ، والثالث : قال الفراء : أصل السحت شدة الجوع ، يقال رجل مسحوت المعدة إذا كان أكولا لا يلقى إلا جائعا أبدا ، فالسحت حرام يحمل عليه شدة الشره كشره من كان مسحوت المعدة ، وهذا أيضا قريب من الأول ، لأن من كان شديد الجوع شديد الشره فكأنه يستأصل كل ما يصل إليه من الطعام ويشتهيه .

قسم V11/P184–V11/P185Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb (s. V11/P184–V11/P185)
Orijinal Metin (AR)

إذا عرفت هذا فنقول : السحت الرشوة في الحكم ومهر البغي وعسب الفحل وكسب الحجام وثمن الكلب وثمن الخمر وثمن الميتة وحلوان الكاهن والاستئجار في المعصية : روي ذاك عن عمر وعثمان وعلي وابن عباس وأبي هريرة ومجاهد ، وزاد بعضهم ، ونقص بعضهم ، وأصله يرجع إلى الحرام الخسيس الذي لا يكون فيه بركة ، ويكون في حصوله عار بحيث يخفيه صاحبه لا محالة ، ومعلوم أن أخذ الرشوة كذلك ، فكان سحتا لا محالة . المسألة الثالثة : في قوله { سماعون للكذب أكالون للسحت } وجوه : الأول : قال الحسن كان الحاكم في بني إسرائيل إذا أتاه من كان مبطلا في دعواه برشوة سمع كلامه ولا يلتفت إلى خصمه ، فكان يسمع الكذب ويأكل السحت . الثاني : قال بعضهم : كان فقراؤهم يأخذون من أغنيائهم مالا ليقيموا على ما هم عليه من اليهودية ، فالفقراء كانوا يسمعون أكاذيب الأغنياء ويأكلون السحت الذي يأخذونه منهم . الثالث : سماعون للأكاذيب التي كانوا ينسبونها إلى التوراة ، أكالون للربا لقوله تعالى : { وأخذهم الربا } ( النساء : 161 ) . ثم قال تعالى : { فان جاءوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم } ثم إنه تعالى خيره بين الحكم فيهم والاعراض عنهم ، واختلفوا فيه على قولين : الأول : أنه في أمر خاص ، ثم اختلف هؤلاء ، فقال ابن عباس والحسن ومجاهد والزهري : أنه في زنا المحصن وأن حده هو الجلد والرجم . الثاني : أنه في قتيل قتل من اليهود في بني قريظة والنضير ، وكان في بني النضير شرف وكانت ديتهم دية كاملة ، وفي قريظة نصف دية ، فتحاكموا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فجعل الدية سواء . الثالث : أن هذا التخيير مختص بالمعاهدين الذين لا ذمة لهم ، فإن شاء حكم فيهم وإن شاء أعرض عنهم . القول الثاني : أن الآية عاملاة في كل من الكفار ، ثم اختلفوا فمنهم من قال الحكم ثابت في سائر الأحكام غير منسوخ ، وهو قول النخعي والشعبي وقتادة وعطاء وأبي بكر الأصم وأبي مسلم ، ومنهم من قال : إنه منسوخ بقوله تعالى : { وأن احكم بينهم بما أنزل الله } ( المائدة : 49 ) وهو قول ابن عباس والحسن ومجاهد وعكرمة . ومذهب الشافعي أنه يجب على حاكم المسلمين أن يحكم بين أهل الذمة إذا تحاكموا إليه ، لأن في إمضاء حكم الإسلام عليهم صغارا لهم ، فأما المعاهدون الذين لهم مع المسلمين عهد إلى مدة فليس بواجب على الحاكم أن يحكم بينهم بل يتخير في ذلك ، وهذا التخيير الذي في هذه الآية مخصوص بالمعاهدين . ثم قال تعالى : { وإن تعرض عنهم فلن يضروك شيئا } والمعنى : أنهم كانوا لا يتحاكمون إليه إلا لطلب الأسهل والأخف ، كالجلد مكان الرجم ، فإذا أعرض عنهم وأبى الحكومة لهم شق عليهم إعراضه عنهم وصاروا أعداء له ، فبين تعالى أنه لا تضره عداوتهم له . ثم قال تعالى : { وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط إن الله يحب المقسطين } . أي فاحكم بينهم بالعدل والاحتياط كما حكمت بالرجم . ! 7 < { وكيف يحكمونك وعندهم التوراة فيها حكم الله ثم يتولون من بعد ذالك ومآ أولائك بالمؤمنين } . > 7 < المائدة : ( 43 ) وكيف يحكمونك وعندهم . . . . . > > ثم قال تعالى : { وكيف يحكمونك وعندهم التوراة فيها حكم الله } وفيه مسألتان :

لسان عثمانی (Osmanlıca) Tercümesi (Ehl-i Sünnet)

إذا عرفت هذا فنقول : السحت الرشوة في الحكم ومهر البغي وعسب الفحل وكسب الحجام وثمن الكلب وثمن الخمر وثمن الميتة وحلوان الكاهن والاستئجار في المعصية : روي ذاك عن عمر وعثمان وعلي وابن عباس وأبي هريرة ومجاهد ، وزاد بعضهم ، ونقص بعضهم ، وأصله يرجع إلى الحرام الخسيس الذي لا يكون فيه بركة ، ويكون في حصوله عار بحيث يخفيه صاحبه لا محالة ، ومعلوم أن أخذ الرشوة كذلك ، فكان سحتا لا محالة . المسألة الثالثة : في قوله { سماعون للكذب أكالون للسحت } وجوه : الأول : قال الحسن كان الحاكم في بني إسرائيل إذا أتاه من كان مبطلا في دعواه برشوة سمع كلامه ولا يلتفت إلى خصمه ، فكان يسمع الكذب ويأكل السحت . الثاني : قال بعضهم : كان فقراؤهم يأخذون من أغنيائهم مالا ليقيموا على ما هم عليه من اليهودية ، فالفقراء كانوا يسمعون أكاذيب الأغنياء ويأكلون السحت الذي يأخذونه منهم . الثالث : سماعون للأكاذيب التي كانوا ينسبونها إلى التوراة ، أكالون للربا لقوله تعالى : { وأخذهم الربا } ( النساء : 161 ) . ثم قال تعالى : { فان جاءوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم } ثم إنه تعالى خيره بين الحكم فيهم والاعراض عنهم ، واختلفوا فيه على قولين : الأول : أنه في أمر خاص ، ثم اختلف هؤلاء ، فقال ابن عباس والحسن ومجاهد والزهري : أنه في زنا المحصن وأن حده هو الجلد والرجم . الثاني : أنه في قتيل قتل من اليهود في بني قريظة والنضير ، وكان في بني النضير شرف وكانت ديتهم دية كاملة ، وفي قريظة نصف دية ، فتحاكموا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فجعل الدية سواء . الثالث : أن هذا التخيير مختص بالمعاهدين الذين لا ذمة لهم ، فإن شاء حكم فيهم وإن شاء أعرض عنهم . القول الثاني : أن الآية عاملاة في كل من الكفار ، ثم اختلفوا فمنهم من قال الحكم ثابت في سائر الأحكام غير منسوخ ، وهو قول النخعي والشعبي وقتادة وعطاء وأبي بكر الأصم وأبي مسلم ، ومنهم من قال : إنه منسوخ بقوله تعالى : { وأن احكم بينهم بما أنزل الله } ( المائدة : 49 ) وهو قول ابن عباس والحسن ومجاهد وعكرمة . ومذهب الشافعي أنه يجب على حاكم المسلمين أن يحكم بين أهل الذمة إذا تحاكموا إليه ، لأن في إمضاء حكم الإسلام عليهم صغارا لهم ، فأما المعاهدون الذين لهم مع المسلمين عهد إلى مدة فليس بواجب على الحاكم أن يحكم بينهم بل يتخير في ذلك ، وهذا التخيير الذي في هذه الآية مخصوص بالمعاهدين . ثم قال تعالى : { وإن تعرض عنهم فلن يضروك شيئا } والمعنى : أنهم كانوا لا يتحاكمون إليه إلا لطلب الأسهل والأخف ، كالجلد مكان الرجم ، فإذا أعرض عنهم وأبى الحكومة لهم شق عليهم إعراضه عنهم وصاروا أعداء له ، فبين تعالى أنه لا تضره عداوتهم له . ثم قال تعالى : { وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط إن الله يحب المقسطين } . أي فاحكم بينهم بالعدل والاحتياط كما حكمت بالرجم . ! 7 < { وكيف يحكمونك وعندهم التوراة فيها حكم الله ثم يتولون من بعد ذالك ومآ أولائك بالمؤمنين } . > 7 < المائدة : ( 43 ) وكيف يحكمونك وعندهم . . . . . > > ثم قال تعالى : { وكيف يحكمونك وعندهم التوراة فيها حكم الله } وفيه مسألتان :

قسم V11/P185–V11/P187Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb (s. V11/P185–V11/P187)
Orijinal Metin (AR)

المسألة الأولى : هذا تعجيب من الله تعالى لنبيه عليه الصلاة والسلام بتحكيم اليهود إياه بعد علمهم بما في التوراة من حد الزاني ، ثم تركهم قبول ذلك الحكم ، فعدلوا عما يعتقدونه حكما حقا إلى ما يعتقدونه باطلا طلبا للرخصة ، فلا جرم ظهر جهلهم وعنادهم في هذه الواقعة من وجوه : أحدها : عدولهم عن حكم كتابهم ، والثاني : رجوعهم إلى حكم من كانوا يعتقدون فيه أنه مبطن ، والثالث : إعراضهم عن حكمه بعد أن حكموه ، فبين الله تعالى حال جهلهم وعنادهم لئلا يغتر بهم مغتر أنهم أهل كتاب الله ومن المحافظين على أمر الله ، وههنا سؤالان : السؤال الأول : قوله { فيها حكم الله } ما موضعه من الاعراب ؟ الجواب : إما أن ينصب حالا من التوراة ، وهي مبتدأ خبرها { عندهم } وإما أن يرتفع خبرا عنها كقولك : وعندهم التوراة ناطقة بحكم الله تعالى ، وءما أن لا يكون له محل ويكون المقصود أن عندهم ما يغنيهم عن التحكيم ، كما تقول : عندك زيد ينصحك ويشير عليك بالصواب فما تصنع بغيره ؟ السؤال الثاني : لم أنث التوراة ؟ والجواب : الأمر فيه مبني على ظاهر اللفظ . المسألة الثانية : احتج جماعة من الحنفية بهذه الآية على أن حكم التوراة وشرائع من قبلنا لازم علينا ما لم ينسخ وهو ضعيف ، ولو كان كذلك لكان حكم التوراة كحكم القرآن في وجوب طلب الحكم منه ، لكن الشرع نهى عن النظر فيها . بل المراد هذا الأمر الخاص وهو الرجم ؛ لأنهم طلبوا الرخصة بالتحكيم . ثم قال تعالى : { ثم يتولون من بعد ذالك وما أولئك بالمؤمنين } قوله { ثم يتولون } معطوف على قوله { يحكمونك } وقوله { ذالك } إشارة إلى حكم الله الذي في التوراة ، ويجوز أن يعود إلى التحكيم . وقوله { وما أولئك بالمؤمنين } فيه وجوه : الأول : أي وما هم بالمؤمنين بالتوراة وإن كانوا يظهرون الإيمان بها ، والثاني : ما أولئك بالمؤمنين : إخبار بأنهم لا يؤمنون أبدا وهو خبر عن المستأنف لا عن الماضي . الثالث : أنهم وإن طلبوا الحكم منك فما هم بمؤمنين بك ولا بمعتقدين في صحة حكمك ، وذلك يدل على أنه لا إيمان لهم بشيء وأن كل مقصودهم تحصيل مصالح الدنيا فقط . ! 7 < { إنآ أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين هادوا والربانيون والا حبار بما استحفظوا من كتاب الله وكانوا عليه شهدآء فلا تخشوا الناس واخشون ولا تشتروا بأاياتى ثمنا قليلا ومن لم يحكم بمآ أنزل الله فأولائك هم الكافرون } . > 7 < المائدة : ( 44 ) إنا أنزلنا التوراة . . . . . > > قوله تعالى : { إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين هادوا والربانيون والاحبار بما استحفظوا من كتاب الله وكانوا عليه شهداء } . اعلم أن هذا تنبيه من الله تعالى لليهود المنكرين لوجوب الرجم ، وترغيب لهم في أن يكونوا كمتقدميهم من مسلمي أحبارهم والأنبياء المبعوثين إليهم ، وفيه مسائل : المسألة الأولى : العطف يقتضي المغايرة بين المعطوف والمعطوف عليه ، فوجب حصول الفرق بين الهدى والنور ، فالهدى محمول على بيان الأحكام والشرائع والتكاليف ، والنور بيان للتوحيد والنبوة والمعاد . قال الزجاج { فيها هدى } أي بيان الحكم الذي جاؤا يستفتون فيه النبي صلى الله عليه وسلم { ونور } بيان أن أمر النبي صلى الله عليه وسلم حق .

لسان عثمانی (Osmanlıca) Tercümesi (Ehl-i Sünnet)

المسألة الأولى : هذا تعجيب من الله تعالى لنبيه عليه الصلاة والسلام بتحكيم اليهود إياه بعد علمهم بما في التوراة من حد الزاني ، ثم تركهم قبول ذلك الحكم ، فعدلوا عما يعتقدونه حكما حقا إلى ما يعتقدونه باطلا طلبا للرخصة ، فلا جرم ظهر جهلهم وعنادهم في هذه الواقعة من وجوه : أحدها : عدولهم عن حكم كتابهم ، والثاني : رجوعهم إلى حكم من كانوا يعتقدون فيه أنه مبطن ، والثالث : إعراضهم عن حكمه بعد أن حكموه ، فبين الله تعالى حال جهلهم وعنادهم لئلا يغتر بهم مغتر أنهم أهل كتاب الله ومن المحافظين على أمر الله ، وههنا سؤالان : السؤال الأول : قوله { فيها حكم الله } ما موضعه من الاعراب ؟ الجواب : إما أن ينصب حالا من التوراة ، وهي مبتدأ خبرها { عندهم } وإما أن يرتفع خبرا عنها كقولك : وعندهم التوراة ناطقة بحكم الله تعالى ، وءما أن لا يكون له محل ويكون المقصود أن عندهم ما يغنيهم عن التحكيم ، كما تقول : عندك زيد ينصحك ويشير عليك بالصواب فما تصنع بغيره ؟ السؤال الثاني : لم أنث التوراة ؟ والجواب : الأمر فيه مبني على ظاهر اللفظ . المسألة الثانية : احتج جماعة من الحنفية بهذه الآية على أن حكم التوراة وشرائع من قبلنا لازم علينا ما لم ينسخ وهو ضعيف ، ولو كان كذلك لكان حكم التوراة كحكم القرآن في وجوب طلب الحكم منه ، لكن الشرع نهى عن النظر فيها . بل المراد هذا الأمر الخاص وهو الرجم ؛ لأنهم طلبوا الرخصة بالتحكيم . ثم قال تعالى : { ثم يتولون من بعد ذالك وما أولئك بالمؤمنين } قوله { ثم يتولون } معطوف على قوله { يحكمونك } وقوله { ذالك } إشارة إلى حكم الله الذي في التوراة ، ويجوز أن يعود إلى التحكيم . وقوله { وما أولئك بالمؤمنين } فيه وجوه : الأول : أي وما هم بالمؤمنين بالتوراة وإن كانوا يظهرون الإيمان بها ، والثاني : ما أولئك بالمؤمنين : إخبار بأنهم لا يؤمنون أبدا وهو خبر عن المستأنف لا عن الماضي . الثالث : أنهم وإن طلبوا الحكم منك فما هم بمؤمنين بك ولا بمعتقدين في صحة حكمك ، وذلك يدل على أنه لا إيمان لهم بشيء وأن كل مقصودهم تحصيل مصالح الدنيا فقط . ! 7 < { إنآ أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين هادوا والربانيون والا حبار بما استحفظوا من كتاب الله وكانوا عليه شهدآء فلا تخشوا الناس واخشون ولا تشتروا بأاياتى ثمنا قليلا ومن لم يحكم بمآ أنزل الله فأولائك هم الكافرون } . > 7 < المائدة : ( 44 ) إنا أنزلنا التوراة . . . . . > > قوله تعالى : { إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين هادوا والربانيون والاحبار بما استحفظوا من كتاب الله وكانوا عليه شهداء } . اعلم أن هذا تنبيه من الله تعالى لليهود المنكرين لوجوب الرجم ، وترغيب لهم في أن يكونوا كمتقدميهم من مسلمي أحبارهم والأنبياء المبعوثين إليهم ، وفيه مسائل : المسألة الأولى : العطف يقتضي المغايرة بين المعطوف والمعطوف عليه ، فوجب حصول الفرق بين الهدى والنور ، فالهدى محمول على بيان الأحكام والشرائع والتكاليف ، والنور بيان للتوحيد والنبوة والمعاد . قال الزجاج { فيها هدى } أي بيان الحكم الذي جاؤا يستفتون فيه النبي صلى الله عليه وسلم { ونور } بيان أن أمر النبي صلى الله عليه وسلم حق .

قسم V11/P187–V12/P003Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb (s. V11/P187–V12/P003)
Orijinal Metin (AR)

المسألة الثانية : احتج القائلون بأن شرع من قبلنا لازم علينا إلا إذا قام الدليل على صيرورته منسوخا بهذه الآية ؛ وتقريره أنه تعالى قال : إن في التوراة هدى ونورا . والمراد كونه هدى ونورا في أصول الشرع وفروعه ، ولو كان منسوخا غير معتبر الحكم بالكلية لما كان فيه هدى ونور ، ولا يمكن أن يحمل الهدى والنور على ما يتعلق بأصول الدين فقط ، لأنه ذكر الهدى والنور ، ولو كان المراد منهما معا هو ما يتعلق بأصول الدين لزم التكرار ، وأيضا أن هذه الآية إنما نزلت في مسألة الرجم ، فلا بد وأن تكون الأحكام الشرعية داخلة في الآية ، لأنا وإن اختلفنا في أن غير سبب نزول الآية هل يدخل فيها أم لا ، لكنا توافقنا على أن سبب نزول الآية يجب أن يكون داخلا فيها . المسالة الثالثة : قوله { يحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين هادوا } يريد النبيين الذين كانوا بعد موسى ، وذلك أن الله تعالى بعث في بني إسرائيل ألوفا من الأنبياء ليس معهم كتاب ، إنما بعثهم بإقامة التوراة حتى يحدوا حدودها ويقوموا بفرائضها ويحلوا حلالها ويحرموا حرامها . فإن قيل : كل نبي لا بد وأن يكون مسلما ، فما الفائدة في قوله { النبيون الذين أسلموا } . قلنا فيه وجوه : الأول : المراد بقوله دأسلموا } أي انقادوا لحكم التوراة ، فإن من الأنبيار من لم تكن شريعته شريعة التوراة ، والذين كانوا منقادين لحكم التوراة هم الذين كانوا من مبعث موسى إلى مبعث عيسى عليهما السلام . الثاني : قال الحسن والزهري وعكرمة وقتادة والسدي : يحتمل أن يكون المراد بالنبيين الذين أسلموا هو محمد عليه الصلاة والسلام ، وذلك لأنه صلى الله عليه وسلم حكم على اليهوديين بالرجم ، وكان هذا حكم التوراة ، وإنما ذكر بلفظ الجمع تعظيما له ، كقوله تعالى : { } أي انقادوا لحكم التوراة ، فإن من الأنبيار من لم تكن شريعته شريعة التوراة ، والذين كانوا منقادين لحكم التوراة هم الذين كانوا من مبعث موسى إلى مبعث عيسى عليهما السلام . الثاني : قال الحسن والزهري وعكرمة وقتادة والسدي : يحتمل أن يكون المراد بالنبيين الذين أسلموا هو محمد عليه الصلاة والسلام / وذلك لأنه صلى الله عليه وسلم حكم على اليهوديين بالرجم ، وكان هذا حكم التوراة ، وإنما ذكر بلفظ الجمع تعظيما له ، كقوله تعالى : { إن إبراهيم كان أمة } ( النحل : 120 ) وقوله { أم يحسدون الناس } ( النساء : 45 ) وذلك لأنه كان قد اجتمع فيه من خصالل الهير ما كان حاصلا لأكثر الأنبياء . الثالث : قال ابن الأنباري : هذا رد على اليهود والنصارى لأن بعضهم كانوا يقولون : الأنبياء كلهم يهود أو نصارى ، فقال تعالى : { يحكم بها النبيون الذين أسلموا } يعني الأنبياء ما كانوا موصوفين باليهودية والنصرانية ، بل كانوا مسلمين لله منقادين لتكاليفه . الرابع : المراد بقوله { النبيون الذين أسلموا } يعني الذين كان مقصودهم من الحكم بالتوراة الإيمان والإسلام وإظهار أحكام الله تعالى والانقياد لتكاليفه ، والغرض من التنبيه على قبح طريعة هؤلاء اليهود المتأخرين ، فإن غرضهم من ادعاء الحكم بالتوراة أخذ الرشوة واستتباع العوام . المسألة الرابعة : قوله { للذين هادوا } فيه وجهان : الأول : المعنى أن النبيين إنما يحكمون بالتوراة للذين هادوا ، أي لأجلهم وفيما بينهم ، والثاني : يجوز أن يكون المعنى على القديم والتأخير على معنى إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور للذين هادوا يحكم بها النبيون الذين أسلموا .

لسان عثمانی (Osmanlıca) Tercümesi (Ehl-i Sünnet)

المسألة الثانية : احتج القائلون بأن شرع من قبلنا لازم علينا إلا إذا قام الدليل على صيرورته منسوخا بهذه الآية ؛ وتقريره أنه تعالى قال : إن في التوراة هدى ونورا . والمراد كونه هدى ونورا في أصول الشرع وفروعه ، ولو كان منسوخا غير معتبر الحكم بالكلية لما كان فيه هدى ونور ، ولا يمكن أن يحمل الهدى والنور على ما يتعلق بأصول الدين فقط ، لأنه ذكر الهدى والنور ، ولو كان المراد منهما معا هو ما يتعلق بأصول الدين لزم التكرار ، وأيضا أن هذه الآية إنما نزلت في مسألة الرجم ، فلا بد وأن تكون الأحكام الشرعية داخلة في الآية ، لأنا وإن اختلفنا في أن غير سبب نزول الآية هل يدخل فيها أم لا ، لكنا توافقنا على أن سبب نزول الآية يجب أن يكون داخلا فيها . المسالة الثالثة : قوله { يحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين هادوا } يريد النبيين الذين كانوا بعد موسى ، وذلك أن الله تعالى بعث في بني إسرائيل ألوفا من الأنبياء ليس معهم كتاب ، إنما بعثهم بإقامة التوراة حتى يحدوا حدودها ويقوموا بفرائضها ويحلوا حلالها ويحرموا حرامها . فإن قيل : كل نبي لا بد وأن يكون مسلما ، فما الفائدة في قوله { النبيون الذين أسلموا } . قلنا فيه وجوه : الأول : المراد بقوله دأسلموا } أي انقادوا لحكم التوراة ، فإن من الأنبيار من لم تكن شريعته شريعة التوراة ، والذين كانوا منقادين لحكم التوراة هم الذين كانوا من مبعث موسى إلى مبعث عيسى عليهما السلام . الثاني : قال الحسن والزهري وعكرمة وقتادة والسدي : يحتمل أن يكون المراد بالنبيين الذين أسلموا هو محمد عليه الصلاة والسلام ، وذلك لأنه صلى الله عليه وسلم حكم على اليهوديين بالرجم ، وكان هذا حكم التوراة ، وإنما ذكر بلفظ الجمع تعظيما له ، كقوله تعالى : { } أي انقادوا لحكم التوراة ، فإن من الأنبيار من لم تكن شريعته شريعة التوراة ، والذين كانوا منقادين لحكم التوراة هم الذين كانوا من مبعث موسى إلى مبعث عيسى عليهما السلام . الثاني : قال الحسن والزهري وعكرمة وقتادة والسدي : يحتمل أن يكون المراد بالنبيين الذين أسلموا هو محمد عليه الصلاة والسلام / وذلك لأنه صلى الله عليه وسلم حكم على اليهوديين بالرجم ، وكان هذا حكم التوراة ، وإنما ذكر بلفظ الجمع تعظيما له ، كقوله تعالى : { إن إبراهيم كان أمة } ( النحل : 120 ) وقوله { أم يحسدون الناس } ( النساء : 45 ) وذلك لأنه كان قد اجتمع فيه من خصالل الهير ما كان حاصلا لأكثر الأنبياء . الثالث : قال ابن الأنباري : هذا رد على اليهود والنصارى لأن بعضهم كانوا يقولون : الأنبياء كلهم يهود أو نصارى ، فقال تعالى : { يحكم بها النبيون الذين أسلموا } يعني الأنبياء ما كانوا موصوفين باليهودية والنصرانية ، بل كانوا مسلمين لله منقادين لتكاليفه . الرابع : المراد بقوله { النبيون الذين أسلموا } يعني الذين كان مقصودهم من الحكم بالتوراة الإيمان والإسلام وإظهار أحكام الله تعالى والانقياد لتكاليفه ، والغرض من التنبيه على قبح طريعة هؤلاء اليهود المتأخرين ، فإن غرضهم من ادعاء الحكم بالتوراة أخذ الرشوة واستتباع العوام . المسألة الرابعة : قوله { للذين هادوا } فيه وجهان : الأول : المعنى أن النبيين إنما يحكمون بالتوراة للذين هادوا ، أي لأجلهم وفيما بينهم ، والثاني : يجوز أن يكون المعنى على القديم والتأخير على معنى إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور للذين هادوا يحكم بها النبيون الذين أسلموا .

%0
10 Bölüm

سؤاللر